Saturday, February 16, 2013

فصل في الركوع والسجود

Tags

فصل في الركوع واسجود



المحتويات

بابُ أذكار الركوع

قد تظاهرت الأخبارُ الصحيحةُ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يُكَبِّر للركوع وهو سنّة، ولو تركه كان مكروهاً كراهة تنزيه، ولا تبطلُ صلاتُه ولا يسجدُ للسهو، وكذلك جميع التكبيرات التي في الصلاة هذا حكمها إلا تكبيرة الإِحرام، فإنها ركن لا تنعقد الصلاة إلا بها؛ وقد قدّمنا عَدَّ تكبيرات الصلاة في أوّل أبواب الدخول في الصلاة‏.‏
وعن الإِمام أحمد رواية‏:‏ أن جميع هذه التكبيرات واجبة‏.‏ وهل يستحبّ مدُّ هذا التكبير‏؟‏ فيه قولان للشافعي رحمه اللّه‏:‏ أصحُّهما وهو الجديد يستحبّ مدّه إلى أن يصل إلى حدّ الراكعين فيشتغل بتسبيح الركوع لئلا يخلو جزء من صلاته عن ذكر، بخلاف تكبيرة الإِحرام، فإن الصحيح استحباب ترك المدّ فيها، لأنه يحتاج إلى بسط النيّة عليها، فإذا مدّها شقّ عليه، وإذا اختصرها سهل عليه، وهكذا حكم باقي التكبيرات، وقد تقدم إيضاحُ هذا في باب تكبيرة الإِحرام، واللّه أعلم‏.‏

فصل‏:‏أذكار الركوع

فصل‏:‏ فإذا وصل إلى حدّ الراكعين اشتغل بأذكار الركوع فيقول‏:‏ سُبْحَانَ رَبيَ العَظِيمِ، سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ، سُبْحَانَ رَبيَ العَظِيمِ‏.‏
1/105 فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث حذيفة
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال في ركوعه الطويل الذي كان قريباً من قراءة البقرة والنساء وآل عمران ‏"‏سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ‏"‏ ومعناه‏:‏ كرّر سبحان ربي العظيم فيه، كما جاء مبيِّناً في سنن أبي داود وغيره‏.‏
وجاء في كتب السنن أنه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذَا قالَ أحَدُكُمْ سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ ثَلاثاً فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ‏"‏ ‏(61)(‏أبو داود ‏(‏886‏)‏ ، والترمذي ‏(‏261‏)‏ وابن ماجه ‏(‏890‏)‏ ، عن ابن مسعود، وقال الترمذي‏:‏ ليس إسناده بمتصل، لأن عوناً لم يلق ابن مسعود‏)‏ ‏.‏ ‏)‏ مسلم ‏(‏772‏)‏ ، وأبو داود ‏(‏871‏)‏ ، والنسائي 3/226‏.‏‏)‏ "(‏أبو داود ‏(‏886‏)‏ ، والترمذي ‏(‏261‏)‏ وابن ماجه ‏(‏890‏)‏ ، عن ابن مسعود، وقال الترمذي‏:‏ ليس إسناده بمتصل، لأن عوناً لم يلق ابن مسعود‏)‏ ‏.‏ ‏)‏ مسلم ‏(‏772‏)‏ ، وأبو داود ‏(‏871‏)‏ ، والنسائي 3/226‏.‏‏)‏
2/106 وثبت في الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده‏:‏ ‏"‏ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي‏"‏ يتأوَّلُ القرآنَ‏.‏
(62)

3/107 وثبت في صحيح مسلم عن عليّ رضي اللّه عنه‏:‏
أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا ركع يقول‏:‏ ‏"‏اللهمَّ لكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي ومُخِّي وَعَظْمِي وَعَصبِي‏"‏‏.‏ وجاء في كتاب السنن ‏"‏خَشَعَ سَمْعِي وَبَصَرِي ومُخِّي وَعَظْمِي، ومَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ‏"‏‏.‏(63)
4/108 وثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها‏:‏
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده‏:‏ ‏"‏سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ‏"‏ قال أهل اللغة‏:‏ سبوح قدوس‏:‏ بضم أولهما وفتحهِ أيضاً لغتان‏:‏ أجودهما وأشهرهما وأكثرهما الضمُّ‏.‏ (64)

5/109 وروينا عن عوف بن مالك رضي اللّه عننه قال‏:‏
قمتُ مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقام فقرأ سورة البقرة لا يمرّ بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمرّ بآية عذاب إلا وقف وتعوّذ، قال‏:‏ ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه‏:‏ ‏"‏سُبْحانَ ذِي الجَبَرُوتِ وَالمَلَكوتِ والكِبرِياءِ وَالعَظَمَةِ‏"‏ ثم قال في سجوده مثل ذلك‏.‏ هذا حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي في سننهما، والترمذي في كتاب الشمائل بأسانيد صحيحة‏.‏ ‏)‏ أبو داود (65)

6/110 وروينا في صحيح مسلم، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال‏:‏
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فأمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ‏"‏‏.‏
واعلم أن هذا الحديث الأخير هو مقصودُ الفصل، وهو تعظيم الربّ سبحانه وتعالى في الركوع بأيّ لفظ كان، ولكن الأفضل أن يجمعَ بين هذه الأذكار كلها إن تمكن من ذلك بحيث لا يشقّ على غيره، ويقدم التسبيح منها، فإن أراد الاقتصارَ فيستحبُّ التسبيح، وأدنى الكمال منه ثلاث تسبيحات، ولو اقتصر على مرّة كان فاعلاً لأصل التسبيح‏.‏ ويُستحبّ إذا اقتصر على البعض أن يفعل في بعض الأوقات بعضها، وفي وقت آخر بعضاً آخر، وهكذا يفعل في الأوقات حتى يكون فاعلاً لجميعها، وكذا ينبغي أن يفعل في أذكار جميع الأبواب‏.‏
واعلم أن الذكرَ في الركوع سنّةٌ عندنا وعند جماهير العلماء، فلو تركه عمداً أو سهواً لا تبطلُ صلاته ولا يأثمُ ولا يسجد للسهو‏.‏ وذهب الإِمام أحمد بن حنبل وجماعة إلى أنه واجب، فينبغي للمصلي المحافظة عليه، للأحاديث الصريحة الصحيحة في الأمر به، كحديث‏:‏ ‏"‏أما الركوع فعظموا فيه الربّ‏"‏ وغيره مما سبق، وليخرج عن خلاف العلماء رحمهم اللّه، واللّه أعلم‏.‏ (66)


فصل‏:‏ يُكره قراءة القرآن في الركوع والسجود

فصل‏:‏ يُكره قراءة القرآن في الركوع والسجود، فإن قرأ غير الفاتحة لم تبطل صلاتُه، وكذا لو قرأ الفاتحة لا تبطل صلاته على الأصحّ، وقال بعض أصحابنا‏:‏ تبطل‏.‏

7/111 روينا في صحيح مسلم عن عليٍّ رضي اللّه عنه قال‏:‏
‏"‏نهاني رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن أقرأ راكعاً أو ساجداً‏"‏‏.‏‏(67)
8/112 وروينا في صحيح مسلم أيضاً، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما،
عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ألا وَإني نُهِيتُ أنْ أقْرأ القُرآنَ رَاكِعاً أوْ ساجِداً‏"‏‏.‏
(68)


بابُ ما يقولُه في رفعِ رأسِه من الركوع وفي اعتدالِه

السنّة أن يقول حال رفع رأسه‏:‏ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ولو قال‏:‏ من حمد اللّه سمع له، جاز، نصَّ عليه الشافعي في الأمّ، فإذا استوى قائماً قالَ‏:‏ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ حمْداً طَيِّباً مُبارَكاً فِيهِ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأرْضِ وَمِلْءَ ما بَيْنَهُما وَمِلْءَ ما شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أهْلَ الثَّناءِ والمَجْدِ، أحَقُّ ما قَالَ العَبْدُ، وكلنا لَكَ عَبْدٌ، لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدّ مِنْكَ الجَدُّ‏.‏
1/113 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال‏:‏
كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏سَمِعَ اللََّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ‏"‏ حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم‏:‏ ‏"‏رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ‏"‏ وفي روايات ‏"‏ولَكَ الحَمْدُ‏"‏ بالواو، وكلاهما حسن‏.‏

وروينا مثله في الصحيحين عن جماعة من الصحابة‏.‏ (69)
2/114 وروينا في صحيح مسلم، عن عليٍّ، وابن أبي أوفى رضي اللّه عنهم‏:‏
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا رفع رأسه (70)‏ قال‏:‏ ‏"‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنا لكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَواتِ وَمِلْءَ الأرْضِ وَمِلْءَ ما شِئْتَ منْ شَيْءٍ بَعْدُ‏"‏‏.‏(71)

3/115ـ وروينا في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه‏:‏
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَمِلْءَ ما شِئْتَ منْ شَيْءٍ بَعْدُ، أهْلَ الثَّناءِ وَالمَجْدِ، أحَقُّ ما قالَ العَبْدُ وكُلُّنا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلايَنْفَعُ ذَا الجَدّ مِنْكَ الجَدُّ‏"‏‏.‏‏)‏ (72)

4/116 وروينا في صحيح مسلم أيضاً، من رواية ابن عباس‏:‏
‏"‏رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَواتِ وَمِلْءَ الأرْضِ وَما بَيْنَهُما، وَمِلْءَ ما شَئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْد‏(73))‏ مسلم ‏(‏478‏)‏ ، والنسائي 2/198‏.‏‏)‏ ")‏ مسلم ‏(‏478‏)‏ ، والنسائي 2/198‏.‏‏)‏
5/117 وروينا في صحيح البخاري، عن رفاعة بن رافع الزرقي رضي اللّه عنه قال‏:‏
كنا يوماً نصلي وراء النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال‏:‏ ‏"‏سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ‏"‏ فقال رجل وراءه‏:‏ ‏"‏رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبارَكاً فِيهِ، فلما انصرف قال‏:‏ ‏"‏مَن المُتَكَلِّمُ‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ أنا، قال‏:‏ ‏"‏رأيتُ بِضْعَةً وثَلاثِينَ يَبْتَدِرُونَها أيُّهُمْ يَكْتُبُها أوَّلُ‏"‏‏.‏‏(74)

فصل‏:‏ يُستحبّ أن يجمع بين هذه الأذكار

فصل‏:‏ اعلم أنه يُستحبّ أن يجمع بين هذه الأذكار كلها على ما قدّمناه في أذكار الركوع، فإن اقتصر على بعضها فليقتصرْ على ‏"‏سمع اللّه لمن حمده ربنا لك الحمد ملء السموات ومَلْء الأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد‏"‏ فإن بالغَ في الاقتصار اقتصر على ‏"‏سمع اللّه لمن حمده ربنا لك الحمد‏"‏ فلا أقلّ من ذلك‏.‏

واعلم أن هذه الأذكار كلها مستحبة للإِمام والمأموم والمنفرد، إلا أن الإِمام لا يأتي بجميعها إلا أن يعلم من حال المأمومين أنهم يُؤثرون التطويل‏.‏ واعلم أن هذا الذكر سنّة ليس بواجب، فلو تركه كُرِهَ له كراهةَ تنزيه ولا يسجدُ للسهو، ويُكره قراءةُ القرآن في هذا الاعتدال كما يُكره في الركوع والسجود، واللّه أعلم‏.‏

بابُ أَذْكَارِ السُّجودِ

فإذا فرغ من أذكار الاعتدال كبَّرَ وهوى ساجداً ومدّ التكبير إلى أن يضع جبهته على الأرض‏.‏ وقد قدَّمنا حكمّ هذه التكبيرة وأنها سنّة لو تركها لم تبطلْ صلاتُه ولا يسجد للسهو، فإذا سجد أتى بأذكار السجود، وهي كثيرة‏:‏
فمنها ما رويناه في صحيح مسلم من رواية حذيفة المتقدمة في الركوع في صفة صلاة النبي صلى اللّه عليه وسلم، حين قرأ البقرة وآل عمران والنساء في الركعة الواحدة، لا يمرّ بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا استعاذ، قال‏:‏ ثم سجد فقال‏:‏ ‏"‏سُبحان ربي الأعلى‏"‏ فكان سجوده قريباً من قيامه (1)

1/118 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏
كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده‏:‏ ‏"‏سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي‏"‏‏.‏‏(2)
2/119 وروينا في صحيح مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها ما قدّمناه في الركوع‏:‏
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده‏:‏ ‏"‏سُبُّوحٌ قُدُّوس، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ‏"‏‏.‏‏)‏ (3)

3/120 وروينا في صحيح مسلم أيضاً عن عليّ رضي اللّه عنه‏:‏
أن رسول اللّه كان إذا سجد قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي للَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقين‏"‏‏.‏
(4)

4/121 وروينا في الحديث الصحيح في كتب السنن، عن عوف بن مالك ما قدّمناه في فصل الركوع‏:‏
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ركعَ ركوعَه الطويل يقول فيه‏:‏ ‏"‏سُبْحانَ ذِي الجَبُروتِ والمَلَكُوتِ وَالكِبْرِياء والعظمة‏"‏ ثم قال في سجوده مثل ذلك‏.‏ ‏)‏ أبو داود ‏(‏873‏)‏ ، والنسائي 2/191، والترمذي في الشمائل، وقد تقدم برقم 5/109‏.‏‏)‏

5/122 وروينا في كتب السنن
أن النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏وَإذا سَجَدَ ـ أي أحدكم ـ فَلْيَقُلْ‏:‏ سُبْحانَ رَبيَ الأعْلى ثلاثاً، وذلك أدْناهُ‏"‏‏.‏(5)‏
6/123 وروينا في صحيح مسلم، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏
تفقدت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ذات ليلة فتجسست، فإذا هو راكع أو ساجد يقول‏:‏‏"‏ سُبْحَانَكَ وبِحَمْدِكَ لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ‏"‏، وفي رواية في مسلم‏:‏ فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ أعُوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخطِكَ، وبِمُعافاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ، أنْتَ كمَا أثْنَيْتَ على نَفْسِكَ‏"‏‏.‏‏(6)

7/124 وروينا في صحيح مسلم، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما،
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏فأمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وأمَّا السُّجُودُ فاجْتَهِدُوا في الدُّعاءِ فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُم‏"‏‏.‏
يُقال‏:‏ قمن بفتح الميم وكسرها، ويجوز في اللغة قمين، ومعناه‏:‏ حقيق وجدير‏.‏ (7)

8/125 وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏‏"‏أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ ساجِدٌ، فأكْثِرُوا الدُّعاء‏"‏‏.‏‏)‏ (8)
9/126 وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة أيضاً،
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول في سجوده‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ وأوّلَهُ وآخِرَهُ وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَّه‏"‏‏.‏ دِقه وجِلّه‏:‏ بكسر أولهما، ومعناه‏:‏ قليله وكثيره‏.‏

واعلم أنه يستحبّ أن يجمع في سجوده جميع ما ذكرناه، ف
إن لم يتمكن منه في وقت أتى به في أوقات، كما قدّمناه في الأبواب السابقة، وإذا اقتصر يقتصر على التسبيح مع قليل من الدعاء، ويُقدِّمُ التسبيحَ، وحكمه ما ذكرناه في أذكار الركوع من كراهة قراءة القرآن فيه، وباقي الفروع‏.(9)

فصل‏:‏بيان فضل الركوع والسجود

فصل‏:‏ اختلف العلماء في السجود في الصلاة والقيام أيُّهما أفضل‏؟‏ فمذهب الشافعي ومن وافقه‏:‏ القيام أفضل، لقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في الحديث في صحيح مسلم ‏"‏أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القُنُوتِ‏"‏ (10)‏ ‏.‏ قال الإِمام أبو عيسى الترمذي في كتابه‏:‏ اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم‏:‏ طولُ القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ كثرةُ الركوع والسجود أفضلُ من طول القيام‏.‏ وقال أحمد بن حنبل‏:‏ روي فيه حديثان عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، ولم يقضِ فيه أحمدُ بشيء‏.‏

وقال إسحاق‏:‏ أما بالنهار فكثرةُ الركوع والسجود، وأما بالليل فطولُ القيام، إلا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه، فكثرة الركوع والسجود في هذا أحبُّ إليّ لأنه يأتي على حزبه، وقد ربح كثرة الركوع والسجود‏.‏ قال الترمذي‏:‏ وإنما قال إسحاق هذا لأنه وصفَ صلاة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالليل ووصفَ طول القيام‏.‏ وأما بالنهار فلم يُوصف من صلاته صلى اللّه عليه وسلم من طول القيام ما وُصف بالليل‏.‏

فصل‏:‏ما يقال في سجود التلاوة

فصل‏:‏ إذا سجد للتلاوة استُحبّ أن يقول في سجوده ما ذكرناه في سجود الصلاة، ويستحبّ أن يقول معه‏:‏ اللَّهُمَّ اجْعَلْها لي عِنْدَكَ ذُخْراً، وأعْظِمْ لي بِهَا أجْراً، وَضَعْ عَنِّي بِها وِزْراً، وَتَقَبَّلْها مِنِّي كما تَقَبَّلْتَها مِنْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ‏.‏ ويُستَحبّ أن يقول أيضاً‏:‏ ‏{‏سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً‏}‏الإِسراء‏:‏ 108 نصَّ الشافعي على هذا الأخير‏.‏

10/127 روينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏
كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول في سجود القرآن‏:‏ ‏"‏سَجَدَ وَجْهِي للَّذي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ‏"‏‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث صحيح، زاد الحاكم‏:‏ ‏"‏ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ‏"‏ قال‏:‏ وهذه الزيادة صحيحة على شرط الصحيحين‏.‏ وأما قوله ‏"‏اللَّهمّ اجعلها لي عندك ذخراً‏.‏‏.‏الخ‏"‏ فرواه الترمذي مرفوعاً من رواية ابن عباس رضي اللّه عنهما بإسناد حسن‏.‏ وقال الحاكم‏:‏ حديث صحيح‏.‏ (11)

باب ما يقولُ في رفعِ رأسه من السجود وفي الجلوس بين السجدتين

السنّة أن يُكَبِّرَ من حين يبتدىء بالرفع، ويمدّ التكبير إلى أن يستويَ جالساً، وقد قدَّمنا بيانَ عدد التكبيرات، والخلاف في مدّها، والمدّ المبطل لها؛ فإذا فرغ من التكبير واستوى جالساً، فالسنّة أن يدعو‏:‏
1/128 بما رويناه في سنن أبي داود والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرها، عن حذيفة رضي اللّه عنه في حديثه المتقدم في صلاة النبي صلى اللّه عليه وسلم في الليل، وقيامه الطويل بالبقرة والنساء وآل عمران، وركوعه نحو قيامه، وسجوده نحو ذلك، قال‏:‏ وكان يقول بين السجدتين‏:‏ ‏"‏رَبّ اغْفِرْ لي، رَبّ اغْفِرْ لي‏"‏، وجلس بقدر سجوده‏.‏ (12)

2/129 وبما رويناه في سنن البيهقي، عن ابن عباس في حديث مبيته عند خالته ميمونة رضي اللّه عنها، وصلاة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في الليل فذكره قال‏:‏ وكان إذا رفع رأسه من السجدة قال‏:‏ ‏"‏رَبّ اغْفِرْ لي وارْحَمْنِي واجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِني‏"‏ وفي رواية أبي داود ‏"‏وَعَافِني‏"‏ وإسناد حسن، واللّه أعلم‏.‏ ‏(13)

فصل‏:‏ما يقال في السجدة الثانية

فصل‏:‏ فإذا سجد السجدة الثانية قال فيه ما ذكرناه في الأولى سواء، فإذا رفعَ رأسه منه رفع مكبّراً وجلس للاستراحة جلسة لطيفة بحيث تسكنُ حركتُه سكوناً بيِّناً، ثم يقوم في الركعة الثانية ويمدّ التكبيرة التي رفع بها من السجود إلى أن ينتصب قائماً، ويكون المدّ بعد اللام من اللّه، هذا أصحّ الأوجه لأصحابنا، ولهم وجه أن يرفع بغير تكبير ويجلس للاستراحة فإذا نهض كبَّر؛ ووجه ثالث أن يرفع من السجود مكبّراً، فإذا جلس قطع التكبير ثم يقومُ بغير تكبير‏.‏ ولا خلاف أنه لا يأتي بتكبيرين في هذا الموضع، وإنما قال أصحابنا‏:‏ الوجه الأوّل أصحّ لئلا يخلو جزء من الصلاة عن ذكر‏.‏

واعلم أن جلسة الاستراحة سنّة صحيحة ثابتة في صحيح البخاري وغيره من فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ومذهبنا استحبابُها لهذه السنّة الصحيحة، ثم هي مستحبّة عقيب السجدة الثانية من كل ركعة يقوم عنها، ولا تستحبّ في سجود التلاوة في الصلاة ‏(‏في هامش ‏ ‏أ‏ ‏ وقد أوضحتُ هذا في ‏ ‏شرح المهذب‏ ‏ وفي ‏ ‏شرح البخاري‏ ‏ أيضاً، وليس مقصودي في هذا الكتاب إلا بيان الأذكار الخاصة‏.‏ قلت‏:‏ وشرح البخاري من الكتب التي بدأ النووي تأليفها، وتوفي قبل أن يتمها‏) "‏ ، واللّه أعلم‏.‏

بابُ أذكارِ الرَّكْعةِ الثانية

اعلم أن الأذكار التي ذكرناها في الركعة الأولى يفعلها كلَّهَا في الثانية على ما ذكرناه في الأولى من الفرض والنفل، وغير ذلك من الفروع المذكورة، إلا في أشياء‏:‏ أحدُها‏:‏ أن الركعة الأولى فيها تكبيرة الإِحرام وهي ركن، وليس كذلك الثانية فإنه لا يكبِّر في أوَّلها، وإنما التكبيرة التي قبلها للرفع من السجود مع أنها سنّة‏.‏ الثاني‏:‏ لا يُشرع دعاء الاستفتاح في الثانية بخلاف الأولى‏.‏ الثالث‏:‏ قدّمنا أنه يتعوّذ في الأولى بلا خلاف، وفي الثانية خلاف، الأصحُّ أنه يتعوذ‏.‏ الرابع‏:‏ المختار أن القراءة في الثانية تكون أقلّ من الأولى، وفيه الخلاف الذي قدَّمناه، واللّه أعلم‏.‏


EmoticonEmoticon