الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

التصوير في القرآن | علوم القرآن لنور الدين عتر

التصوير في القرآن | علوم القرآن لنور الدين عتر

 الكتاب: علوم القرآن الكريم
المؤلف: نور الدين محمد عتر الحلبي
الموضوع: التفسير وعلوم القرأن
الناشر: مطبعة الصباح - دمشق
الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م
عدد الصفحات: ٢٩٠
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صفحة المؤلف: [نور الدين عتر]


 فهرس الموضوعات

  1. الفصل الحادي والعشرون التصوير في القرآن
  2. وسائل التصوير الفني في القرآن
  3. فمن التصوير بالحرف
  4. ومن التصوير بالكلمة
  5. ومن التصوير بالجملة
  6. الفصل الثاني والعشرون الكون في القرآن
  7. الأصول العامة لحديث القرآن عن الكون
  8. شروط تفسير الآيات الكونية
  9. الملاحظة الأولى
  10. الملاحظة الثانية
  11. الفصل الثالث والعشرون القصة في القرآن
  12. أهداف القصة في القرآن
  13. قصص القرآن حقيقة تاريخية
  14. طريقة القصص في القرآن
  15. أولا - القصة لا ترد في القرآن بتمامها دفعة واحدة
  16. ثانيا - استخراج التوجيهات والعظات، والإعلان بها في ثنايا القصة وختامها
  17. ثالثا - التكرار
  18. ١ - تكرار القصة في القرآن
  19. ٢ - تكرار العبارات في القرآن
  20. أسلوب القصة الفني في القرآن
  21. الفصل الرابع والعشرون علم غريب القرآن وأثره في التفسير وكشف الإعجاز
  22. أثر علم الغريب في التفسير
  23. ومن خير ما يستعان به في تفسير الغريب أشعار العرب وكلامهم
  24. المؤلفات في غريب القرآن
  25. المعرب في القرآن
  26. نذكر منها هذه الأمثلة
  27. أثر علم الغريب والمفردات في كشف الإعجاز
  28. ١ - حسن اختيار ألفاظه ودقة أدائها
  29. ٢ - تآلف الألفاظ مع المعاني
  30. ٣ - التناغم الموسيقى
  31. ٤ - إفادة التصوير
  32. ٥ - الإعجاز العلمي
  33. الفصل الخامس والعشرون فضائل القرآن وآداب حملته
  34. فضائل القرآن في القرآن
  35. فضائل القرآن في الحديث الشريف
  36. ١ - أنه خير الحديث والكلام قاطبة
  37. ٢ - القرآن يشفع لصاحبه
  38. ٣ - القرآن يرفع صاحبه مع السفرة البررة
  39. ٤ - القرآن يؤنس صاحبه في الحشر
  40. خطورة الغفلة عن القرآن
  41. آداب حملة القرآن وتلاوته
  42. آداب معلم القرآن وحامله
  43. ١ - أول هذه الآداب (الإخلاص)
  44. ٢ - أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل
  45. ٣ - ليحذر عالم القرآن أو أي علم شرعي أن يتخذ القرآن أو العلم أداة لكسب المال
  46. ٤ - أن يبذل المعلم النصيحة لطلبته
  47. ٥ - اتخاذ حال المهابة والوقار
  48. آداب متعلم القرآن
  49. ١ - التواضع مع المعلم والتأدب مع الرفقة
  50. ٢ - مذاكرة الحفظ والعلم
  51. آداب التأهب لتلاوة القرآن
  52. ١ - الطهارة
  53. ٢ - استحسان المكان والزمان
  54. ٣ - السواك
  55. الاستعاذة والبسملة
  56. آداب تلاوة القرآن
  57. ١ - التدبر والخشوع
  58. ويستحب: للتدبر والتخشع
  59. قراءة النظر وقراءة الحفظ
  60. ٢ - ترتيل التلاوة
  61. وحده الأدنى: تبيين الحروف
  62. وكمال الترتيل: أن يعطي الأداء حقه التام
  63. وأكمل الترتيل: أن يتوقف على الحروف والمدود
  64. رفع الصوت بالقراءة
  65. أما القراءة في الصلاة
  66. وأما القراءة في غير الصلاة
  67. تحسين الصوت بالقرآن
  68. تلحين قراءة القرآن
  69. قراءة الجماعة مجتمعين أو بالدور
  70. حكم القراءة للغير
  71. استدل الجمهور بظواهر أدلة كثيرة، منها من القرآن
  72. آداب استماع القرآن
  73. ١ - الاستماع والإنصات
  74. ٢ - استحباب طلب القراءة الطيبة
  75. آداب ختم القرآن
  76. ١ - يسن ختم القرآن كل أسبوع
  77. ٢ - التكبير
  78. ٣ - يستحسن الصيام
  79. ٤ - الشروع في ختمة أخرى
  80. ٥ - حضور مجلس الختم
  81. ٦ - الدعاء عقب الختم
  82. -الفصل الختامي حقوق القرآن على بني الإنسان
  83. العودة الي كتاب التفسير والمفسرون

 

 الفصل الحادي والعشرون التصوير في القرآن

بحث هذه الخاصة في أسلوب القرآن قديم وحديث، سابق ولا حق، يبرز الإعجاز عن إدراك إعجاز القرآن، وقد أشار القدماء لهذه الخاصة بما عبّروا عنه حسب

مصطلحاتهم كالتخييل والتجسيم، دون أن يغوصوا أعماقه الفنية، حتى إذا جاءت العصور الحديثة وفيها ارتقى التصوير، وأدوات العرض بالرؤية من أشرطة وأجهزة رائية جهد الأدب أن يلحق المصوّرة، ويحل بالكلمة والعبارة محل الصورة، وكان من البدهي أن يلتفت الدارسون إلى إعجاز القرآن يبحثون فيه عن الصورة وعن فن التصوير.

وكان أن وجدوا في أدب القرآن المعجز أنه معجز في تصويره بالمعنى العصري الحديث كما أنه معجز في نظمه في نظرية النظم في الاصطلاح القديم [١]، كيف لا وهو الذي تحدّى الله تعالى العالمين كلهم أن يأتوا بمثله، أو بمثل سورة منه، وأعلن لهم على رءوس الأشهاد أنهم لم يأتوا بمثله، ولن يأتوا بمثله، فكان إعجاز القرآن معجزا في كل عصر، وفي أي مقياس أدبي صحيح، وذوق فني سليم، لا ينحصر بعصر دون آخر، ولا يضيق على مقياس أدبي صحيح أو آخر، ولا يستطيع أن يدرك كنهه أو يحيط بأسراره عبقري بل ولا عصر من العصور أو جيل من الأجيال، إنها معجزة فوق الإعجاز، معجزة كل عصر وزمان.

(١) إشارة إلى نظرية «النظم» التي فسّر بها الجرجاني إعجاز القرآن.

يتجه القرآن لهذا الإنسان فيخاطبه بكليته، وذاته كلها عقله وفكره ونفسه ووجدانه، يخاطب كينونة الإنسان كلها، وذلك بأسلوبه العجيب أسلوب التصوير الحي.

لو استعرضت القرآن من بدايته إلى ختامه فستجد طريقة خاصة بالتعبير الفني تكسو أسلوب القرآن حتى يصطبغ بألوانها البرّاقة الزاهية فإنك لن تجد فيه بيانا مجردا لمعنى ذهني، أو حالة نفسية أو حادث مادي أو مشهد منظور، أو طبيعة آدمية، أو موقف من مواقف يوم الحساب، بل تجده عبّر عن كل منها بصورة محسوسة متخيلة، حاضرة شاخصة، صورها بالألوان أو الحركات أو الإيقاع، ومزج بها جرس الكلمات ونغم العبارات، حتى تسري في أوصالها الحياة وتدب في جنباتها الحركة فإذا خلع عليها الحوار فقد نفخ فيها الروح فاكتملت فيها كل عناصر التخييل الحسي والتشخيص الحي، حتى تريك ساحة الحوادث على بساط الطبيعة والواقع، وتنسى أن هذا كلاما يتلى، لأن القرآن قد أحالك من قارئ أو مستمع إلى مشاهد يتابع أحداث المنظر وتجدد الحركات، وفيض الانفعالات الدافقة والوجدانات المتجاوبة مع الحوادث الجارية ... فتتبدى لك صورة حية بارعة خلّابة، تهيمن على مشاعرك وأحاسيسك حتى تجعلك أمام قبس من الحياة الحقيقية.

أما الحوادث والمشاهد والقصص والمناظر فيردها شاخصة حاضرة فيها الحياة وفيها الحركة فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع، حيث تتوالى المناظر، وتتجدد الحركات وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى ومثل يضرب، ويتخيل أنه منظر يعرض وحادث يقع أمامه، فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الحوادث، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة فتنم عن الأحاسيس المضمرة».

«إنها الحياة هنا وليست حكاية الحياة».

«فإذا ذكرنا أن الأداة التي تصور المعنى الذهني، والحالة النفسية، تشخّص النموذج الإنساني، أو الحادث المرئي، إنما هي ألفاظ جامدة، لا ألوان تصور، ولا شخوص تعبر أدركنا موضع الإعجاز في تعبير القرآن» [١].

وبوسعنا أن نقول: إن هذه النتيجة التي انتهى إليها صاحب البحث في «التصوير الفني» لعلها كما قال الدكتور صبحي الصالح [٢]: «أن تكون أصدق ترجمة لمفهومنا الحديث لإعجاز القرآن، لأنها تساعد جيلنا الجديد على استرواح الجمال الفني الخالص في كتاب الله، وتمكّن الدارسين من استخلاص ذلك بأنفسهم، والاستمتاع به بوجدانهم وشعورهم، ولا ريب أن العرب المعاصرين للقرآن دهشوا قبل كل شيء بأسلوبه الذي حاولوا أن يعارضوه فما استطاعوا، حتى إذا فهموه أدركوا جماله، ومسّ قلوبهم بتأثيره ... ».

وسائل التصوير الفني في القرآن

ليست أدوات التصوير الفني قاصرة كما قد يتوهمه بعض الناس على أدوات معينة، من تشبيه مركب أو بسيط، أو من استعارة تخييلية أو غير تخييلية، أو مجاز أو نحوه مما قد يقع في خاطر الدارس قبل التمعن والتروي، هذا ظن الذين يغلطون فيحسبون الأدب صناعة كصناعات الحرف والحديد والخشب، وهم بذلك يفقدون الأدب حيويته ويحنطونه جثمانا فاقدا روحه، فالأدب والفن أوسع من أن تحيط به القوالب، أو تحده الحدود، فكيف بمعجزة الأدب وفن التصوير فيها.

إن وسائل التصوير في القرآن هي كل وسيلة من وسائل التعبير تثير المخيلة وتستدعي الصورة إلى الفكر، وتسيّر الحركة، وتلمس مشاعر الوجدان والقلب.

(١) التصوير الفني في القرآن ص ٣٣.

(٢) في كتابه «مباحث في علوم القرآن» ص ٣٢٠.

فالحروف في القرآن تصوّر، والكلمة تصور، والجملة، وفنون البلاغة كذلك تصور، وهناك من وراء ذلك أدوات وأدوات، فهناك «تصوير باللون وتصوير بالحركة وتصوير بالإيقاع ... وكثيرا ما يشترك الوصف والحوار وجرس الكلمات، ونغم العبارات وموسيقى السياق في إبراز صورة من الصور تتملاها العين والأذن، والحسّ والخيال، والفكر والوجدان ... ».

أما المادة التي تستخدم من المعاني والأشياء فهي مادة «تصوير حي منتزع من عالم الأحياء، لا ألوان مجردة وخطوط جامدة، تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات بالمشاعر والوجدانات، فالمعاني ترسم وهي تتفاعل في نفوس آدمية حية أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة» [١].

ولسنا هنا أمام ظاهرة ضيقة لكي نلتمس لها الأمثلة، ونتكلف لها الاختيار، بل إنك حيثما قلبت الطرف في هذا القرآن وجدت فيه خصائص الإعجاز الأسلوبي عامة، والتصوير منها خاصة.

فمن التصوير بالحرف

هذه الآية الوجيزة الجامعة من سورة القلم:

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.

هذه الآية أمدح قول يقال، جمعت في وجازة عبارتها الفضائل العلمية والعملية، لأن الخلق الكريم لا يتحقق في الإنسان إلا بعد معرفته ما يحسن من الأمور وما يقبح، وما هو الأحسن، ثم يختار الأحسن والأفضل في كل موقف، وأمام كل مسألة، وينفذه، فذلك ما يقتضيه الوصف بالخلق العظيم.

لكن حرف الجر «على» نقل هذا المعنى المجرد إلى صورة حسية يتخيلها المرء، لأن هذا الحرف معناه الاستعلاء، والاستعلاء إنما يكون على شيء مادي، فكأن مكارم الأخلاق قد ذلّلت وانقادت للنبي صلى الله عليه وسلم يتصرف فيها تصرف المستعلي على الشيء المتمكن منه، كما أنها أفادت رفعة مقام النبي صلى الله عليه وسلم لأنه في قمة المكارم والفضائل،

(١) التصوير الفني في القرآن ص ٣٢.

فلا يمكن أن يدانيه أحد أو يساويه لأنه علا فأصبح لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.

وهكذا ارتقى المعنى بهذا التصوير ليبلغ غاية لا تساميها غاية، حيث أصبح النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى المكارم والفضائل، ثم هي فوق ذلك لا تصدر عنه بتكلف أو مشقة بل بغاية اليسر، لأنها منقادة له، وتلك نهاية في الكمال لا تدرك، ولا يبلغها إلا من قال الله تعالى له: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.

ومن ثم قال المادح المتذوق عظم هذه الآية وجلالها:

إذا الله أثنى بالذي هو أهله ... عليه فما مقدار ما يمدح الورى

ومن التصوير بالحرف: هذه الجملة من مطلع سورة البقرة: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ.

فقوله: ذلِكَ الْكِتابُ أفاد غاية كمال القرآن، حتى كأنه لا كتاب سواه، وذلك لأن هذه العبارة جملة اسمية معرّفة الطرفين، وتعريف طرفي الجملة الاسمية يفيد الحصر، فأفادت الجملة حصر صفة الكتاب في القرآن، والمراد بيان غاية كماله حتى كأنه لا كتاب سواه، كما تقول: لا شجاع إلا علي.

لكن حرف اللام في ذلِكَ وهو لام البعد أضفى على المعنى خيالا مصورا فإنه أفاد أن هذا الكتاب لفرط كماله بعيد عن أن تناله أطماع الطامعين بانتقاص شيء منه أو الإتيان بمثله، فصوّر تعاليه المعنوي بالبعد الحسي، فاستعمل اسم الإشارة، وهي تستعمل حقيقة في الحسيات، وأدخل لام البعد، يصوره لنا في بعده المعنوي عن أن يتوصل إليه بالبعد المكاني الذي لا تبلغه وسائل التوصيل.

ومن التصوير بالكلمة

قوله تعالى [١]: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.

(١) في مطلع سورة الملك.

فقوله تعالى هنا: لِيَبْلُوَكُمْ المراد منه يختبركم، وأصل المقصود ليظهر أيكم أحسن عملا، ولما أن الاختبار يكشف هذه الحقائق ويظهرها فقد عبّر به عن ذلك، لكن الآية القرآنية نقلتنا من هذا المعنى المجرد إلى صورة فيها المعاناة المستمرة باستعمال كلمة لِيَبْلُوَكُمْ وأصل الكلمة من (البلى) ، فصورت هذه الكلمة الإنسان بتعرضه للامتحانات واحتكاكها به في كل شئونه وكأنه قد بلي منها، وجاءت الصيغة لِيَبْلُوَكُمْ بالفعل المضارع الدال على التجدد والاستمرار لكي تحضر لك صورة هذا الإنسان وأنواع الاختبارات تتوالى عليه في عباداته ومعاملاته، وماله وبدنه، ونفسه ومجتمعه، ودنياه وآخرته هل يستقيم فيها جميعها على أمر الله أو لا يستقيم، فتتابع عليه الابتلاء حتى بلي، فأثرت الكلمة في إيجاد الصورة كما لعبت الصيغة دورا أعطى الصورة حركة وحسا، لو عبّرت بكلمة أخرى أو صيغة أخرى غير المضارع من المادة نفسها لفات من غرض الكلام ونقص مغزاه.

ولصيغة الكلمة الصرفية دورها الهام جدا في أسلوب القرآن الكريم، ينطوي على لون من قمة الإعجاز البياني، بل وجدناه ينطوي على إعجاز علمي عظيم.

ومن أمثلة ذلك هذه الآية [١]: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ.

تصوّر كل من الكلمتين صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ طيران الطيور في الهواء، في حال بسط أجنحتها، وفي حال ضربها بأجنحتها على جنوبها صافَّاتٍ:

أي باسطات أجنحتها وَيَقْبِضْنَ أي يضربن بأجنحتهن على جنوبهن، والصورة واضحة من التعبير، وجاءت كلمة فوقهم لتستكمل صورة الطيران فهو محلق في الهواء فَوْقَهُمْ.

لكن التأمل الدقيق يوقفنا على سر في التعبير غاية في العجب، ذلك أنه

(١) سورة الملك أيضا، الآية ١٩.

اختار في المعنى الأول صيغة اسم الفاعل صافَّاتٍ، وفي المعنى الثاني الفعل المضارع يَقْبِضْنَ.

ولو أنه قال: «قابضات ويصففن» لما فات التناغم الموسيقى الذي يتوهم بعض الناس فيه ما لا يجوز من الأوهام، فما السر في هذا الاختيار للصيغة المختلفة في كل معنى من المعنيين؟

إن الإعجاز العلمي الكامن وراء هذا التصوير هو الذي يكشف لنا سر هذا الاختيار.

لقد عبّر القرآن عن بسط جناح الطائر في طيرانه باسم الفاعل صافَّاتٍ، وعبّر عن قبض الطائر جناحه وضربه جنوبه بجناحيه بصيغة الفعل يَقْبِضْنَ، ليأتي التصوير الفني في القرآن على غاية الدقة في موافقة قانون الطيران، وذلك لأن الأصل في قاعدة الطيران هو بسط أطراف الجسم الطائر في الهواء، وهو القانون الذي بنيت عليه الطائرات الحديثة بأنواعها، ووجدت به رياضة الطيران الشراعي، فجاء القرآن في تصويره للطيران بالتعبير عما هو طارئ بلفظ الفعل، لأنه يفيد الحدوث وعبّر عما هو الأصل بصيغة اسم الفاعل، أي أنهن في جو السماء صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة [١].

ومن التصوير بالجملة

قوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ.

وقد جاء التصوير في الجمل هنا بواسطة الاستعارة، وهي استعارة قرآنية تعلو إلى أسمى مراتب البلاغة، لا يصل إليها بيان إنساني قط، إنما هو بيان القرآن فقط.

(١) باختصار وتصرف عن تفسيري الكشاف والنسفي وكتابنا محاضرات في تفسير القرآن ص ١٢٧ - ١٢٨.

ففي هذه الآية الكريمة استعارات متعددة تبلغ أعلى درجات البيان:

أنظر قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ وتأمل ما فيه من اجتذاب النفوس والعقول والمشاعر، فقد أضاف اللباس إلى الجوع، وفي ذلك تشبيه الجوع باللباس، على سبيل الاستعارة، فالجوع القائم المستمكن الذي يعدم فيه القل، ويكثر العدم، والخوف الذي يفزع النفوس، ويذهب بالاطمئنان، ويلقي بالاضطراب، شبه باللباس السابغ، لأن اللباس يعم ويكسو الجسم كله، وكذلك الجوع إذا عم، والخوف إذا طم، فإنه لا يبقى في الجماعة أحد لم ينله، لأن الأزمات الجانحة، والخوف من عدوّ داهم لا ينجو منه أحد، فكان التعبير عن هذه الحال باللباس، وفوق ذلك فإن اللباس يلتصق بالجسم ويلازمه ولا يفارقه، وكذلك الجوع، والهم والغم والخوف، وفي ذلك تصوير للأمة أو المدينة إذا عمّها البؤس والشقاء وداهمها الخوف من كل ما يحيط بها.

وهناك استعارة أخرى وهي قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ، فإن اللباس يلبس ولا يذاق، ولكن لباس الجوع والخوف لأنه يتصل بالنفس، وبالنعمة تزول بعد أن كفروا بها، عبّر عنه بالذوق، فشبّه حال النزول بحال الإذاقة، للنزول الذي ترتب عليه أنهم أحسوا بمرارة المذاق بعد أن كانوا في بحبوحة العيش فكان التعبير بأذاق أنسب لهذا المعنى.

وهناك استعارة تمثيلية ثبتت من مجموع العبارات، وهو تشبيه حال جماعة من الناس كانت مؤمنة مرزوقة فلما كفرت بالنعم فلم تقم بحقها، ولم تؤد الطاعات ولم تنته عن المنهيات بحال قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها واسعا من كل مكان فجحدت نعمة الله تعالى فضاق رزقها، وبدلت من الأمن خوفا، ومن الرغد جوعا [١].

ومن الأمثلة للتصوير بالجملة قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [٢].

(١) المعجزة الكبرى لمحمد أبو زهرة ص ٢٧٨ - ٢٨٠.

(٢) سورة مريم، الآية ٤.

قال الرماني [١] يوضح بلاغة هذه الآية وما بها من الاستعارة:

«أصل الاشتعال للنار، وهو في هذا النص أبلغ، وحقيقته كثرة شيب الرأس، إلا أن الكثرة لما كانت تتزايد تزايدا سريعا صارت في الانتشار والإسراع كاشتعال النار، وله موقع في البلاغة عجيب، وذلك أنه انتشر في الرأس انتشارا لا يتلافى، كاشتعال النار».

وهذا التعبير لم يكن معروفا عند العرب، وذلك أنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار للسرعة وللبياض وللملازمة، ولأنه ينتهي بتدمير ما تتصل به، وتجعل حطامه ترابا [٢].

هذا عرض سريع لفن التصوير في القرآن، يبرز إعجاز القرآن وفق منظور معاصر، ومقياس فني حديث، سبق فيه القرآن تقدم العصور والقرون، بل تفنن في هذا التصوير بما تعجز عنه آلات التصوير الحسية، وفنون التصوير الأدبية، وقد شمل في تصويره أنواع الظواهر الطبيعية في الإنسان والكون، وتوغل في المشاعر الداخلية، وعرض للمعاني الدقيقة في صور من السمع والبصر والذوق والوجدان واللون والزمان والمكان ... وجعل من هذا الجمال الفني المعجز قالبا يحمل جمال الفكرة والدعوة، والحجج والبراهين، والحكم والتشريع، لكي يعتصم الإنسان بحبل القرآن في كل مكان وكل زمان.

(١) في رسالته النكت في إعجاز القرآن ٨١ - ٨٢.

(٢) انظر المعجزة الكبرى لمحمد أبو زهرة ص ٢٨٠ - ٢٨١. وللجرجاني تفصيل قيم حول بلاغة الآية لم نطول به.

الفصل الثاني والعشرون الكون في القرآن

هذا البحث من الدراسات التي أجداها تقدم العلم في إبراز وجه عظيم من أوجه إعجاز القرآن وهو إعجازه العلمي، ولا يزال الدارسون يفيضون فيه مع ظهور الجديد في العلم ووسائله، وكلما استقر قرار العلم في مسألة ما بإعطاء الحكم الجازم أو استخلاص النتيجة النهائية فيها.

وعلى الرغم من بدائية الإنسان العلمية لدى نزول القرآن وانتشار التسليم بالأفكار التي هي اليوم خرافة، وعلى الرغم أيضا من أن القرآن لم يقصد فيما عرض له من شئون الكون تقرير علم كوني، فإنا نجد القرآن يسبق القرن العشرين وعصور الكهرباء والذرة وغزو الفضاء.

ونستطيع أن نوجز إعجاز القرآن العلمي في ركنين أساسيين:

الأول: ما احتواه القرآن من المعارف عن الكون وأصناف المخلوقات.

وفي هذا يقول الدكتور موريس بوكاي [١]: «إن أول ما يثير الدهشة في روح من يواجه مثل هذا النص (يعني القرآن) لأول مرة هو ثراء الموضوعات المعالجة، فهناك الخلق، وعلم الفلك، وعرض لبعض الموضوعات الخاصة بالأرض، وعالم الحيوان، وعالم النبات، والتناسل الإنساني، وعلى حين نجد في التوراة أخطاء علمية ضخمة لا نكتشف في القرآن أي خطأ. يعني فضلا عن أن

(١) دراسة الكتب المقدسة، ص ١٤٥.

القرآن أتى بثقافة علمية سبقت بحوالي عشرة قرون ثقافتنا العلمية فيما يخص بعض الموضوعات».

الركن الثاني: وقد يستغربه القارئ: وهو أن ما لا يحتويه القرآن هام أيضا، فإن القرآن «لا يحتوي في الواقع على ذكر النظريات السائدة في عصر تنزيله، عن تنظيم العالم السماوي مثلا، تلك النظريات التي أثبت العلم فيما بعد عدم صحتها ... ولا بد من التنويه بهذا الطابع السلبي، كما يقول الدكتور موريس بوكاي [١].

والسبب في ذلك أنه لو كان مصدر القرآن غير سماوي لكان لازما قطعا أن تتسرب إليه نظريات ذلك العصر، كما حدث لبعض مفسري القرآن أن فسر بعض الآيات خطأ متأثرا بمعارف عصره. كما فسر بعضهم قوله: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ ... فسر الصخرة بأنها صخرة عظيمة تستقر عليها الأرض [٢].

وتؤكد المقابلة بين القرآن والتوراة والإنجيل دلالة هذين الركنين: فإن القرآن- كما يقول الدكتور بوكاي: «يثير وقائع ذات صفة علمية، وهي وقائع كثيرة جدا خلافا لقلتها في التوراة، إذ ليس هناك وجه للمقارنة بين القليل جدا لما أثارته التوراة من الأمور ذات الصفة العلمية وبين تعدد وكثرة الموضوعات ذات السمة العلمية في القرآن، وأنه لا يتناقض موضوع ما من مواضيع القرآن العلمية مع وجهة النظر العلمية .. ».

ومن هنا كانت النتائج خطيرة ومتباينة جدا لدى الدراسة المقارنة، والتي توصل إليها عالم كبير لم يكن لدى تصديه للدراسة مسلما، هو الدكتور موريس بوكاي نفسه، فاستمع إليه يحدثك عن النتائج [٣]:

(١) المرجع السابق، ص ١٧٥.

(٢) انظر ذلك في تفسير النسفي للآية ١٦ من سورة لقمان وكذا وقع نحوه لغيره وانظر تفسير الآية في كتابنا في التفسير ص ٧١.

(٣) دراسة الكتب المقدسة، ص ١٣ - ١٤.

«لقد قمت أولا بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أي فكر مسبق، وبموضوعية تامة باحثا عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث، وكنت أعرف قبل هذه الدراسة وعن طريق الترجمات أن القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة. وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي [١] استطعت

أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث.

وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل:

أما بالنسبة للعهد القديم: فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول، أي سفر التكوين، فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخا في عصرنا.

وأما بالنسبة للأناجيل فما نكاد نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة ونعني بها شجرة أنساب المسيح. وذلك أن نص إنجيل متى يناقض بشكل جليّ إنجيل لوقا، وأن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمرا لا يتفق مع المعارف الحديثة بقدم الإنسان على الأرض .. ».

«وسيجد القارئ في الجزءين الأول والثاني في هذا الكتاب [٢] أمثلة صحيحة في ذلك. أما الجزء الثالث فسيجد فيه القارئ أمثلة توضيحية لتطبيق العلم على دراسة أحد الكتب المقدسة (يعني القرآن) ، وهو تطبيق لم يكن ليتوقعه الإنسان، كما سيجد القارئ في ذلك بيانا لما قد جاء به العلم الحديث الذي هو في متناول كل يد من أجل فهم أكمل لبعض الآيات القرآنية التي ظلت حتى الآن مستغلقة أو غير مفهومة، ولا عجب في هذا إذا عرفنا أن الإسلام قد اعتبر دائما أن الدين والعلم توأمان متلازمان.

(١) تعلّم الدكتور موريس بوكاي اللغة العربية بإتقان حتى يتمكن من دراسة القرآن بنفسه، فليعتبر بذلك شبابنا.

(٢) أي كتاب «دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة».

فمنذ البداية كانت العناية بالعلم جزءا لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام، وإن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى إلى ذلك الازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الإسلامية، تلك التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوربا. وإن التقدم الذي تمّ اليوم بفضل المعارف العلمية في شرح بعض ما لم يكن مفهوما أو في شرح بعض ما قد أسيء تفسيره حتى الآن من آيات القرآن، ليشكّل قمّة المواجهة بين العلم والكتب المقدسة».

الأصول العامة لحديث القرآن عن الكون

فإذا أردنا بعد هذا أن نزداد فهما للقرآن في حديثه عن الكون فتأملنا حديثه هذا وما اشتمل عليه من المعلومات والمعارف فإننا نجد أن هناك أصولا عامة يجب أن تكون نصب أعيننا لدى دراسة الآيات القرآنية التي تتحدث عن الكون، وهذه الأصول هي:

١ - إن القرآن الكريم لم يتخذ العلوم الكونية موضوعا من موضوعاته الأساسية، بل كان غرضه الأكبر هو هداية الناس. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. فهو لم يضع نظريات في العلوم، وليس يرفع من قدره أن يفعل ذلك، لأن هذه العلوم إذا خلت من الهداية تحولت إلى نقمة تحقيق بالإنسانية.

كما هو مشاهد لنا على مستوى الأفراد والجماعات والدول، فحسب القرآن أن ينشئ المجتمع الفاضل، لكنه في الوقت نفسه قد أرسى أسس تقدم العلم بما رسخ من مفاهيم صحيحة، وأبطل من أفكار زائغة.

٢ - إن العلوم الطبيعية خاضعة للتدرج يوما بعد يوم فترك القرآن بحث النظريات العلمية ابتلاء للناس كما ترك غيرها من الوسائل الحيوية والمهن والصناعات والحرف ليترك المجال مفتوحا وليستحق كل بما يقدمه. وقد وقف القرآن من هذه العلوم موقف المؤيد الموافق لها فأمر بها وحض الناس على النظر في مظاهر الكون وما تكنه من أسرار ودلائل مما أودعه الخبير القدير من أعاجيب الخلق والتكوين، وبيّن القرآن أن حقائق هذا الكون فيها عبرة للعقلاء

من الناس: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ.

٣ - قرر القرآن أن الكون خادم الإنسان مسخّر له، وأثبتت العلوم الحديثة ما قرره القرآن، والتاريخ الإسلامي لم يعرف الانفصال بين عالم الدين وعالم الطبيعيات، فابن النفيس مثلا عالم الضوء كان إماما في الفقه الشافعي يقتدى به، وغيره كثيرون، فليس هناك تباين بين الدين والعلم، بل كثيرا ما قد نجد عالم الدين عالما كونيا وعالم الكون عالما دينيا، فلا عداء بين الإسلام والعلوم الكونية قديمها وحديثها لأن الكون في مفهوم القرآن مسخّر كما بينا للإنسان، بخلاف ما ساد في أوربة حتى عهد قريب من أن الإنسان وجد في جو معاد له وأن الكون يصارع الإنسان.

وقد أثبتت الأبحاث العلمية المتقدمة أن هذا الكون خادم للإنسان، وأن مجال انتفاع الإنسان منه لا يمكن أن يحيط به الحصر، بل يخضع لمدى قدرة الإنسان على الانتفاع منه، وذلك ما أشار إليه القرآن في مواطن كثيرة كقوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وقوله: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ...

وقوله: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.

فقد عبّر القرآن تعبيرا دقيقا عن العلاقة بين الكون والإنسان في هذه الكلمة سَخَّرَ بكل ما فيها من معاني استمرار الخدمة، فكان هذا الموقف من القرآن الكريم تقريرا لقاعدة العلم الأساسية ومنطلقا للعلماء في أبحاثهم.

٤ - إن القرآن تكلم عن حقائق الكون ولم يتبنّ نظريات علمية، لكنه تكلم ولفت النظر إلى ما في الكون من عجيب الصنع وكان هدفه الاستنباط والاستدلال على المكون

الخالق والامتنان على الناس بما أنعم الله عليهم.

وهذان الغرضان متلازمان مع الهدف الذي من أجله جاء القرآن، فالمنّة والإنعام تستدعي الشكر والطاعة والتقرب إلى الله تعالى.

ومن ثمّ جاء موقف هام آخر للقرآن، وهو أن القرآن في حديثه عن الكون جاء من حيث طريقته جامعا بين الإجمال والتفصيل، وفي هذا الحديث نجد التوافق بين القرآن والعلم قرنا فقرنا، وهنا يظهر عنصر معجز عظيم لأن القرآن في حديثه عن الكون انعتق من التأثر بما كان عليه أمر الناس من علوم ونظريات سائدة في ذلك العصر، فقد كان في عصر القرآن الكريم من يعبد الفلك ومظاهر الطبيعة مثلا، فجاء القرآن وتكلم عن الكون وعن الأفلاك كلاما علميا يتفق مع أحدث النظريات القائمة المعتمدة اليوم، ولا مصدر لهذا العلم في ذلك الوقت القصي إلا التنزيل عمن خلق الكون، ولذلك نجد أن كثيرا من مواقف القرآن الكريم يزداد على مدى الزمن وضوحا ودقة، بعد أن كان يفهم فهما إجماليا.

خذ مثلا قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ في معرض الحديث عن المطر والسحاب، وقد تبين ذلك في العلم الحديث، فالرياح التي تمطر تلقح السحاب ببعضه، إذ تتفاعل القوة الموجبة في السحاب مع القوة السالبة فيكون البرق والرعد والمطر ..

وخذ مثلا قوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وقد فهم المتقدمون من زوجين الأمرين المتقابلين كالليل والنهار والظلمة والضياء، ولكن المعنى الأوسع هو السالب والموجب، فإن أصغر خلية في الذرة وهي الجوهر تتألف من السالب والموجب وقد جاء العلم الحديث يقرر أن مادة الكون ترجع إلى عنصر واحد هو (الطاقة) ومن الطاقة الموجبة والطاقة السالبة تتكوّن الذرة، ثم المادة.

وهكذا توصّل التقدم العلمي الحديث إلى ما سبق أن قرره القرآن منذ أربعة عشر قرنا. وهذا الموقف للقرآن من العلوم كان له أثر في تحرر الناس من الخرافة والأوهام وفي تقدم العلوم على أيدي المسلمين بعد أن كان العالم في الظلمات حتى تتلمذ العالم قرونا على يد المسلمين الذين منهم انبثقت الشعلة، وإنا لنرجو أن تحقق هذه الأمة بتقدمها الخلقي الديني وما ينبثق عنه

من تقدم علمي مجدا يسابق مجدها القديم برسالتها الخالدة في إنقاذ الإنسانية وهداية بني الإنسان.

شروط تفسير الآيات الكونية

يحاول كثير من العلماء المخلصين تفسير الآيات القرآنية التي تتحدث عن الكون، وإبراز ما في تضاعيفها من موافقة مكتشفات العلم، وكثيرا ما أوغل بعضهم وتكلف. مما لا يتفق مع أصول علم التفسير، ونقتبس على هذا الصنيع ملاحظتين من فضيلة الأستاذ العلّامة الشيخ محمد أبو زهرة [١] تشملان شروط قبول هذا التفسير:

الملاحظة الأولى

أنهم يحاولون أن يحمّلوا القرآن نظرياتهم، وعليهم أن يفهموه كما تبين ألفاظه وكما تومي إشاراته، وذلك لأنهم أحيانا يحمّلون القرآن ما لا يحتمل، ويرهقون ألفاظه بالتأويل، وأحيانا يأتون بنظريات لم تكن حررت بعد من الشكّ والنظر، وقد تتغير.

ولا يصح أن يبقى القرآن تتردد معانيه باختلاف النظريات، بل إن الواجب أن ندرس ما في القرآن على أنه حقائق، فما وافقه من العلوم قبلناه.

الملاحظة الثانية

أن يدرس الكون في القرآن على أنه (يعني القرآن) حقائق ثابتة، وأنه هو موضع التسليم من المؤمن بالله تعالى وبالقرآن، فلا تجعل حقائقه (القرآن) موضع نظر، بل إن الإيمان بالقرآن يوجب الإيمان بكل ما اشتمل عليه، ولا يصح لنا أن نترك ظاهر القرآن ونتجه إلى تأويله، إلا أن يكون الظاهر يقبل التأويل وتكون حقائق العلم الثابتة تقتضي الأخذ بالتأويل الذي يحتمله القرآن من غير تعسف، ولا خروج بالألفاظ إلى غير معانيها.

وإنا بهذه الدراسة وبما قررناه من شروط تفسير الآيات الكونية نؤكّد الحقيقة المسلمة أن كتاب الله تعالى هو كتاب الحق، والصدق والعلم، لأنه من عند الله تعالى الذي لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض،

(١) في كتابه «المعجزة الكبرى» ص ٥٥٢.

الفصل الثالث والعشرون القصّة في القرآن

لا يخفى ما تدل عليه أخبار الأمم السابقة مع أنبيائها، ووقائع الماضي البعيد الذي عفت عليه الأيام، وذهبت بعلمه ومعرفته، فالقصص عن الأمم السابقة معجزة بينة، وحجة حاسمة من دلائل علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، كما أنه دروس وعبر، وحكم ومواعظ يفهمها العامة من مؤمن ومنكر، والخاصة من متعمق ومتمعن، لذلك عني القرآن الكريم بأنباء السابقين أيما عناية، وبث هذه الأخبار في ثنايا دعوته، لتأييد حججه وبيناته.

أهداف القصة في القرآن

لا بد أن يلاحظ المتأمل لكتاب الله تعالى عنايته بالقصص حتى انها قد بثّت في ثنايا الكتاب الكريم بشكل بارز ملحوظ، وذلك لما يهدف إليه إيرادها من الحكم والأسرار الجليلة، نلخص جملة من أهمها فيما يلي:

أولا: الهدف الأكبر والأعظم للقصص في القرآن هو إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن وحي يوحى من الله تعالى، وذلك لأن علم الماضي قد ذهب واندثر، والنبي صلى الله عليه وسلم أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، وقومه كذلك أميون، لم ينشأ بين أهل الكتاب ولا كان ثمة مدرسة يتعلم منها هو أو أحد من قومه، ولا خالط أحدا من أهل العلم بالكتاب السابق ولا تلقى عن أحد منهم شيئا قط، فلما جاء بهذه الأخبار ينبئ بها نبأ الأنبياء مع أممهم، فيطابق ما كان عند أهل الكتاب صوابا لم يدخله خطأ، ويصحح ما كان عندهم

دخله تغيير أو تبديل، ويخبر بوقائع لا يعلمها أهل الكتاب ولا ذكرت في تراثهم فكان كما قال تعالى في وصف القرآن: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ. وهذا مع أن علماء أهل الكتاب كانوا يخفون تلك العلوم التي عندهم ولا يطلعون أحدا عليها، فدل ذلك القصص على أنه لا يمكن إلا أن يكون تلقيا من عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم السر في السموات والأرض.

وقد ذكر القرآن الكريم هذا الوجه من الإعجاز، وصرح به في مواضع متعددة، تأكيدا لإعجازه، وتأكيدا لتحدي المرتاب الشاك، والمنكر المعاند.

فنجده- مثلا- عقب ذكر قصة مريم وكفالة نبي الله زكريا لها يقول:

ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [١].

ويقول في سورة هود: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [٢].

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أميا لم يقرأ كتابا قط، ولا تعلم من عالم قط، وقومه كذلك أميون، وهو لم يشاهد تلك الحوادث ولا التقى بشخصيات تلك الوقائع التي قصها القرآن، بل قد تعرض للامتحان فيما يأتي به من قصص الغيب الماضي، فطرح عليه أهل الكتاب أسئلة مما يعلمونه مغيبا عنه فسألوه بواسطة أهل مكة عن أهل الكهف والروح وذي القرنين فأجابهم عن ذلك كله بدقة وتفصيل، فآمنا من ذلك « .. إنه ما علم إلا بوحي الله واطلاعه عليه، وهي أخبار كثيرة، لا يقع الصدق فيها إلا بالوحي من الله عز وجل» [٣].

(١) سورة آل عمران، الآية ٤٤.

(٢) سورة هود، الآية ٤٩.

(٣) تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار الهمذاني ص ٨٦ - ٨٧. وفي هذه العبارة إشارة هامة إلى حكمة من حكم كثرة القصص واتساع المساحة التي يحتلها من القرآن، وهي تأكيد هذا الإعجاز.

ثانيا: بيان أن الله تعالى ينصر أنبياءه ورسله في النهاية، ويهلك الكافرين المكذبين، ولا يخفى ما في ذلك من تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وتقوية نفوس المؤمنين وزجر الضالين المعاندين وزحزحتهم عن مواقفهم، فتتأثر النفوس كل نفس بحسب ما تحتاج إليه، إذ يتوالى عليها بيان نصر المؤمنين، وخذلان الكافرين، وإحقاق الحق وإزهاق الباطل ويتكرر رفع راية العدل، ومحق قوة الظلم من خلال وقائع القصص التي يذكرها القرآن، بل بما يقع فيه من التصريح بهذا التنبيه، وإثارة هذه القضية، في كثير من مناسبات القصص.

تأمل هذه الآيات تعقيبا على قصص الأنبياء في سورة هود: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ. وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ، وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [١].

وفي سورة غافر يقول تعالى عقب قصة موسى وفرعون ومؤمن آل فرعون وإنجاء الله موسى والمؤمن وإهلاك فرعون: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [٢].

ثالثا: بث المعاني الدينية الواضحة وترسيخ قواعد الدين، بما يقع في ثنايا القصص من حوار، ومواعظ وحجاج، يصغي إليها السامع، ويتابعها القارئ، سواء كان موافقا أو مخالفا مؤمنا أو كافرا، لما في طبيعة القصص من التشويق والإثارة. تأمل ما يلقيه مؤمن آل فرعون لما خشي على موسى من طغيان فرعون وبطشه:

(١) سورة هود، الآيات ١٠٠ - ١٠٣.

(٢) سورة غافر، الآيتان ٥١ - ٥٢.

وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ ... الآيات إلى آخر القصة في سورة غافر .. [١].

ففي قصة موسى مع فرعون هنا برزت التوجيهات على لسان الرجل المؤمن يقرر أمورا على غاية من الأهمية وهي جميعها معان دينية، وتوجيهات صريحة تضمنها الحوار القصصي، مما يجعل وقعها في النفوس أبلغ وأعمق.

رابعا: في قصص القرآن دحض ادعاءات تزعم في نشأة الأديان أن الإنسان الأول كان في ظروف الطبيعة القاسية والغابات ورءوس الجبال، فجره الخوف من مظاهر

الطبيعة وعجزه عن تفسيرها إلى أن يتصور لكل منها إلها، فجعل للريح إلها، وللمطر إلها، وللخصب إلها ... وصنع التماثيل لهذه الآلهة وعبدها. وكان ذلك برأيهم قبل ظهور الأديان السماوية، ثم تطور الحال إلى الأديان السماوية وإلى توحيد الله تعالى ..

إن القرآن الكريم الذي وصفه الحديث: «فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم ... » [٢] ليعطينا الأجوبة الكثيرة لإبطال هذا الزعم الوهمي، نقتصر منها هنا على ما يلي [٣]:

١ - إن الدين السماوي المبني على توحيد الله قد وجد مع وجود الإنسان، فحين أهبط الله آدم وزوجته وإبليس إلى الأرض قال لهم: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ...

ثم كان موقف الأنبياء جميعهم على ضد ما توهمه هؤلاء، فقد قاموا كلهم بإبطال العادات الفاسدة، والعقائد الزائغة التي تفشّت في المجتمع

(١) على القارئ استحضار الآيات وتأملها.

(٢) أخرجه الترمذي في فضائل القرآن ج ٥ ص ١٧٢.

(٣) انظر التوسع في كتابنا «الفكر المسلم».

بسبب البعد عن العلم. وبسبب اتّباع الأهواء ... قال تعالى: وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [١].

فبنى الأنبياء عليهم السلام دعوتهم على نبذ التقليد لكي يتحرر العقل ويعمل ببصيرته النافذة، فيتوصل إلى الحق ويعتصم به.

٢ - إن الأنبياء- كما قصّ القرآن علينا- إنما دعوا قومهم إلى الله تعالى وتوحيده بالحجج القاطعة والأدلة الساطعة، وعلى أوجه متنوعة كثيرة يشغل استيفاؤها بحثا كبيرا.

هذا نبي الله نوح عليه السلام يقول لقومه: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً. وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً. وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً .. [٢].

وإبراهيم عليه السلام يقول لمن حاجّه في ربه: قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ. قالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ. قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ .. [٣].

وموسى عليه السلام يقول لفرعون عند ما سأله قالَ: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى؟ قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [٤].

والقرآن حافل بالحجج، كقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [٥].

وقوله: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ [٦].

(١) سورة الزخرف، الآية ٢٣.

(٢) سورة نوح، الآية ١٥ - ١٨.

(٣) سورة البقرة، الآية ٢٥٨.

(٤) سورة طه، الآية ٥٠.

(٥) سورة الأنبياء، الآية ٢٢.

(٦) سورة الطور، الآية ٢٥.

وغير ذلك كثير جدا، يحكم بالبطلان على من زعم تأثر العقيدة أو الدين في القرآن وفي دعوة الأنبياء بعادة أو عرف أو أثر من المجتمع ... ويثبت أن القضية إنما هي قضية حجة وبرهان، فنقول لمن خالف القرآن في الإيمان بالله وتوحيده ما قاله القرآن وتحدّى به كل مخالف: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.

قصص القرآن حقيقة تاريخية

لقد صرح القرآن بأنه يقص القصص الحق أي الثابت الواقع، فكان ذلك دلالة على أن ما جاء في هذا الكتاب الكريم تبيان لوقائع حدثت في غيب الماضي الذي اندثر علمه عن الناس، وكان هذا القصص وجها من أوجه إعجاز القرآن الدالة على أنه من عند الله تعالى.

غير أن التحريف والدس في قصص الأنبياء الذي وقع في تراث الأمم السابقة عامة، وفي المرويات الإسرائيلية خاصة دفع الباحثين العلميين الأجانب إلى التشكك في هذه القصص بل إلى الغلو في التشكك، حتى في القضايا البدهية، مثل وجود بعض الأنبياء المتقدمين الذين تدل دلائل اليقين القاطع على وجودهم، بل من كان له الأثر الكبير في تحول الإنسانية مثل إبراهيم أبي الأنبياء أو موسى وعيسى عليهم السلام.

ثم جاء ببغاوات الثقافة الأجنبية من أبناء ملتنا ليرددوا بغير علم قالة أولئك، ويطبقوها على قصص القرآن، ويثيروا حوله الشك والريب، وكأنّ ثمة فئة من الناس تستكثر

على هذا الإنسان أن يبقى له مرجع واحد ثابت لا يتطرق إليه الظن، يرقى بهذا الإنسان مما آل إليه من الانحدار.

والعجيب أن القرآن الكريم أحال الناس من قديم على مخلّفات الأمم البائدة وآثارها، قبل أن يتقدم علم الآثار ليقرأ فيها الباحثون أخبار الأمم ويستنطقوها أحوالها، تأمل قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ .. ، وقال لفرعون: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ...

لقد أثيرت أسئلة حول موسى عليه السلام وعلاقة فرعون بقومه، وزعم بعض المبشرين أنه كان مجرد طاغية كافر، ليس بينه وبين قومه علاقة عبادة، وأطلق بعض المبشرين ألسنتهم بما شاء لهم أدبهم في حق القرآن. وأثيرت أيضا ريبة حول إبراهيم عليه السلام ووجوده، أثار المستشرق اليهودي جولد تسيهر هذه الريبة [١].

لكن تقدم علم الآثار وتفوق العلماء في قراءة الأحافير جاء ليسجل مصداق ما جاء به القرآن الكريم، وأنه صحح أخطاء في تراث الأمم السابقة، وتفرّد بمعلومات دقيقة لم تكن معروفة عند أحد من العالم.

أما بشأن فرعون فقد تبين من الآثار أنه كان يقيم نوعا من علاقة التأليه مع شعبه. كما اكتشفت جثته التي تفرد القرآن بالإخبار عن نجاتها: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً. وعقد الدكتور موريس بوكاي فصلا هاما [٢] حول هذه القضية وهو قد شاهد «مومياء» فرعون هذا بنفسه في متاحف القاهرة واختتم الفصل بقوله: «أيّ بيان رائع لآيات القرآن ذلك الذي يخص بدن فرعون والذي تهبه قاعة الموميات الملكية بدار الآثار بالقاهرة لكل من يبحث في معطيات المكتشفات الحديثة عن أدلة على صحة الكتب المقدسة».

وأما بشأن إبراهيم الخليل عليه السلام فقد جاءت الحفريات لتثبت أخبار القرآن عنه وعن قومه تلك التي قام بدراستها «ليوناردو وولي» وألّف بناء عليها كتابه عن إبراهيم، وإذا به يخبر عن قوم بابل وعبادتهم للنجوم، وأن عبادة القمر سابقة على عبادة الشمس خلافا لما قد يتبادر للذهن، وأن رب الأرباب عند اليونان هو كوكب المشتري وليس الشمس أو القمر، ومن ذلك قدم القرآن

(١) في أوائل كتابه: «العقيدة والشريعة في الإسلام» ص ١٢ وما بعدها.

(٢) في كتابه القيم «دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة» ص ١٤٩ - ٢٧١.

ذكر الكوكب في قصة إبراهيم فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ... [١].

ونختم بهذه الكلمة التي يقولها الدكتور بوكاي عن جثة فرعون إذ يقول [٢]: «في عصر محمد صلى الله عليه وسلم كان كل شيء مجهولا عن هذا الأمر ولم تكتشف هذه الجثث إلا في نهاية القرن التاسع عشر، وكما يقول القرآن فقد أنقذ بدن هذا الفرعون، وأيا كان هذا الفرعون فهو الآن في قاعة المومياءات الملكية في المتحف المصري بالقاهرة، ويستطيع الزوّار أن يروه».

طريقة القصص في القرآن

لما كانت القصة في القرآن تهدف إلى مقاصد دينية وإيمانية كانت طريقة القص في القرآن متميزة عن المألوف في هذا الفن، لكي يتلاءم أسلوب عرض القصة مع الوفاء بحق الغرض الذي سيقت لأجله، ومن أبرز سمات طريقة القرآن في القصص ما يلي:

أولا- القصة لا ترد في القرآن بتمامها دفعة واحدة

، بل يقتصر على الجزء الذي يناسب الغرض الذي تساق القصة لأجله، كما يكتفي بالجملة من الآية أو شطر البيت من الشعر للاستشهاد به. وهذا الجزء الذي يذكر إنما يذكر بالحدود الملائمة للغرض كذلك.

فقصة موسى مع فرعون في سورة غافر وردت في جو كأنه جو معركة، لأن فيها بيان الصراع بين الحق والباطل، والمعركة بين الإيمان والكفر، فتذكر السورة من القصة ما يلائم ذلك: محاولة قتل موسى، والتفكير بقتل «أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم». ثم ظهور الرجل المؤمن بين قوم فرعون

(١) انظر التفاصيل المثيرة في كتاب «إبراهيم أبو الأنبياء» لعباس محمود العقاد رحمه الله.

(٢) دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، ص ٢٦٩.

يكتم إيمانه فينصر موسى ويدافع عنه، واحتيال فرعون للتهرب من دلائل الحق وبراهينه إلى أن تأتي نهايته بالهلاك والعذاب الأليم. وبحفظ الله تعالى لهذا المؤمن الحكيم. فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ .. فكان الختام ملائما لجو السورة، كما أنه في الوقت نفسه ختام فنّيّ رائع ذلك المشهد الذي يبرز فيه فرعون وقومه قد أحاط بهم سُوءُ الْعَذابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ...

ثانيا- استخراج التوجيهات والعظات، والإعلان بها في ثنايا القصة وختامها

، مما توحي به القصة من العبر والدروس.

ففي قصة لقمان مثلا: وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. يأتي البيان القرآني بتعقيب على هذه الموعظة بقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا

الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ ...

الآيات ...

فهذا بعد وصية لقمان الأولى ليس من كلام لقمان، بل هو من كلام الله تعالى يوجهه سبحانه لعباده لمناسبة وعظ لقمان، يحقق غرضين كبيرين:

الأول: التأكيد على وصية لقمان لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ببيان أنه أعظم الحقوق، وأنه لا يجوز التساهل إزاء قضية الإيمان وتوحيد الله تعالى لأي اعتبار، ولو كان هو حق الوالدين البالغ غاية التقديس.

الثاني: تأكيد حق الوالدين، وبيان أنه أجلّ حقوق العباد على الإنسان، وأقدس واجبات الإنسان تجاه الإنسان، لكنه مع ذلك لا يقاوم حق الله تعالى. وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً ...

ومن ذلك ما نقرؤه في ثنايا حوار موسى ومؤمن آل فرعون، فموسى يقول: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ.

وهذا يشير إلى فظاعة من اتصف بذلك، وفي ثنايا كلام مؤمن آل فرعون: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ.

ثالثا- التكرار:

والتكرار خاصة من خصائص أسلوب القرآن بصورة عامة، وهو في طريقة عرض القرآن للقصة جزء من تلك الطريقة. ولهذا نجمع بحث هذه السمة لنلخص بحثها في هذه المناسبة في فقرتين: تكرار القصة في القرآن، تكرار العبارات في القرآن.

١ - تكرار القصة في القرآن

إن إطلاق كلمة تكرار هنا فيها كثير من التسامح والتساهل، فإن تعرض القرآن لما حدث مع نبي من الأنبياء مع قومه في أكثر من موضع ليس هو تكرارا بالمعنى الحقيقي، إنما هو استشهاد بالقصة لأغراض متعددة، لذلك لا نجد القصة تعاد كما هي، وإنما يذكر الجزء المناسب للغرض والمقصد الذي اقتضى الاستشهاد بالقصة باستعراض سريع. أما جسم القصة فلا يكرر إلا نادرا، ولاستنباط دروس وعبر جديدة منه مما يجعله على الحقيقة غير مكرر.

وهكذا وردت قصة آدم في ست مواضع من القرآن تثير العبر حول خطر اتباع الهوى ومخالفة أمر الله، وضعف الإنسان أو توبته وقبول توبته وهكذا.

كذلك وردت قصة إبراهيم في نحو عشرين موضعا، تثير في كل موضع عبرة ودرسا، في التوحيد، أو الإنابة، أو تأسيس البيت العتيق، أو الأذان في الحج .. إلى آخر ما هنالك ..

وهكذا تكررت قصة موسى، مع فرعون، ومع قومه، ومع نبيّ الله شعيب في مدين: ... وفي كل موضع عبرة وعظة وحكمة ودروس.

٢ - تكرار العبارات في القرآن

هذا القسم من التكرار يبرز بعض خصائص أسلوب القرآن، وأسرار بلاغته المعجزة، فتارة يكرر الجملة أو العبارة بنصها دون تغيير فيها، لما في ذلك من التأكيد، أو التهويل، أو التصوير، وكل ذلك له أثر عظيم في تعميق المعنى في النفس وصدعها عما تصر عليه. ويظهر ذلك بوضوح بالمثال الذي يتبادر للذهن أول شيء لدى ذكر التكرار، وهو سورة الرحمن التي تكرر فيها

كثيرا قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. فإن هذه السورة تعدد للمنكرين نعم الله عليهم ودلالة كل نعمة على وجوب الانقياد لله تعالى شكرا له، وخضوعا لعظمته، لكنهم كفروا هذه النعم فوضعوها في غير موضعها، وكفروا بالمنعم وأشركوا به غيره فعبدوا الأوثان والشركاء، فجاءت سورة الرحمن تحاجّهم وتحاقّهم بإيقافهم على كل واحدة منها بالحجة الملزمة، وهكذا بالتعداد المفصل لتلك النعم والدلائل حتى تزحزح المعاند عن عناده، وترسّخ في أعماق النفس الشعور بوجوب شكره تعالى، فعقّب ذكر كل واحدة من النعم والدلائل بهذه الآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.

وتارة يكون التكرار مع اختلاف في نظم الجملة، أو إيجاز أو إطناب أو نحو ذلك. وذلك يبرز سرا من أسرار إعجاز القرآن، وهو التعبير عن المعنى الواحد بأكثر من أسلوب دون أن ينال تكرار المعنى من سموّ الأسلوب وإعجازه، بينما لا يخلو كلام البشر في مثل هذا الحال من تفاوت بين الأسلوبين واختلاف مستوى الأداءين. وذلك من جملة تصريف البيان في القرآن الذي ذكره القرآن في مناسبات متعددة، كقوله تعالى: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ .. [١] وقوله: وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً [٢].

وحقيقة التصريف: «إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى، خشية تناسي الأول لطول العهد به» [٣].

وبهذا التصريف المعجز حقق القرآن هدفا عظيما هو خطاب الناس كافة، من تكفيه الإشارة والموجز من القول، ومن لا يسد خلل فهمه إلا التفصيل وهكذا تنوع أسلوب القرآن.

وقد لفت هذا التصريف المعجز أنظار البلغاء وراحوا يكشفون ما في كل

(١) سورة الأنعام، الآية ١٠٠.

(٢) سورة طه، الآية ١١٣.

(٣) كما قال الزركشي في البرهان ج ٣ ص ١٠.

موقع من سرّ بلاغي، وإعجاز بياني، حتى في الكلمة الواحدة تختلف بها العبارة من موقع إلى موقع، ونشأ عن هذا الغرض الأخير فنّ جليل دقيق هو «متشابه القرآن اللفظي»، صنّف فيه العلماء عدة كتب، أذكر منها كتاب «درة التنزيل وغرة التأويل» للراغب الأصفهاني.

ومن أمثلة ذلك هذا التحليل نسوقه من الكتاب:

قال تعالى في سورة الأنعام [١]: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.

وقال في سورة الإسراء [٢]: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ.

فالسؤال هنا: لم قدم في الأول: ضمير المخاطب نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وفي الثاني ضمير الغائب: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ ....

والجواب عن هذا من أكثر من وجه نذكر منها ما يختص بالمعنى:

إن الآية الأولى تحرّم قتل الأولاد الذي يدفع إليه الفقر النازل فعلا بالآباء كما قال مِنْ إِمْلاقٍ. فناسب لذلك تقديم ذكر الآباء لأنهم هم الذين يعانون الفقر فعلا، وهو يدفع بعضهم للتخلص من أعز شيء عليه، فكان الملائم للمقام هنا تقديم ذكر الآباء.

أما الآية الثانية: فتحرم قتل الأولاد الذي يدفع إليه خوف الفقر في المستقبل خَشْيَةَ إِمْلاقٍ لتضاعف مسئوليات النفقة بسبب الأولاد. فناسب لذلك تقديم ذكر الأبناء نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ لضمان مستقبلهم من الله وإزاحة هذا التخوف والوسواس الذي تحرك في القلب بسببهم» [٣].

(١) الآية ١٥٢.

(٢) الآية ٣٢.

(٣) درة التنزيل وغرة التأويل ص ٣٣٩. وقد طبع هذا الكتاب منسوبا للخطيب الاسكافي، وذلك خطأ، إنما هو للراغب، كما وجدناه في مخطوطاته.

ولذلك أمثلة كثيرة أتى في دراستها العلماء بروائع الإعجاز القرآني.

أسلوب القصة الفني في القرآن

وأسلوب القصة في القرآن جزء من أسلوبه المعجز بخصائصه العامة.

لكنا هنا نقف على جديد في الأسلوب هو تجاوب أسلوب القص الفني في القرآن مع أحدث فنون القصة، فأنت واجد في قصص القرآن مقومات القصة الفنية من تمهيد وعرض أحداث وعقدة وحل للعقدة، ثم خاتمة ونهاية للقصة.

بل تجد في قصص القرآن ما لا يخطر على بالك، ذلك هو خصوصية المسرحية وما يسمى بالأسلوب التمثيلي، حتى إن القصة في القرآن ليمكن أن تعرض مسرحيا دون أي تعديل فيها. وذلك ما لا يتأتى في غيره من القصص إلا أن تكون قد كتبت وأعدت إعدادا خاصا لهذا الغرض.

ومن يتأمل ما ورد في سورة غافر من قصة موسى مع فرعون وجد مصداق ذلك في تلك الآيات [١]:

فقد ذكر في هذه السورة من قصة موسى مع فرعون ما يلائم غرض السورة العام وهو معالجة قضية الحق والباطل، وبدأت أولا بهذا التمهيد:

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ... فتهيأت الأذهان بهذا التمهيد للقصة التي جاءت بمثابة المثال التطبيقي لهذه القاعدة الكلية التي مهدت بها السورة.

ثم جاءت العقدة مبكرة- وقد تأتي في مواضع أخرى متأخرة عن مثل هذا الموقع- والعقدة: وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ... وهنا يأتي دور مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه من قبل، لكنه الآن يرى الواجب يدعوه لقولة الحق، فتصرف بما يوجبه عليه الموقف بحكمة وتبصر. ودار الحوار وسط تشوق العقل لمعرفة النتيجة وكيف حل العقدة التي لم تتأثر بهذا المنطق السديد الحكيم، فكان الحل أخيرا بهذا الأخذ الإلهي:

(١) الآيات ٢٣ - ٤٧ من سورة غافر وعلى القارئ استحضارها.

فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ .... وكان بعد حل العقدة انتهاء القصة بمشهد ختامي رائع، هو مشهد أولئك الطغاة الجبارين يذوقون أليم العذاب: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ... إلى آخر السورة وما فيها من اختصامهم في النار ...

ونلمح في القصة خصوصيتين من خصائص فن القصص المسرحي:

الأولى: الاعتناء بفن التصوير، ويظهر هنا واضحا في رسم الشخصيات، فشخصية موسى هي شخصية ذلك النبي الواثق بقضيته فهو يواجه تهديد فرعون باللجوء إلى الله تعالى، وشخصية الرجل المؤمن تبدو من خلال الحوار شخصية الرجل الحكيم الذي يتبع المنطق المعقول، مع إثارة عواطف قومه بالنداء المتكرر «يا قوم .. يا قوم .. »

وشخصية فرعون تبدو بجبروتها وخبثها وإصرارها على الباطل، يقابل دعوة الحق بسفك الدماء، ويواجه المنطق المفحم بالحيلة والدهاء: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ ...

الخصوصية الثانية: حذف الثغرات بين الوقائع مما لا حاجة إليه لفهم القصة، بطريقة فنية عجيبة اخترق بها قصص القرآن أستار القرون ليأتي متلائما مع ما يسمونه «العرض التمثيلي» الذي نما في هذا العصر إلى أبدع أسلوب وصل إليه الأدب. فتجدنا مع قصص القرآن ننتقل من مشهد إلى مشهد، كما لو كنا أمام القضية تعرض علينا صورا. فمن مشهد إرسال موسى ودعوته فرعون، وتهديد فرعون بالقتل، إلى مشهد مجلس خاص بين فرعون وحاشيته يبرز فيه مؤمن آل فرعون حيث يدور الحوار الذي يشغل القسم الأكبر من القصة، إلى مشهد آل فرعون، وقد حاق بهم سوء العذاب في ختام القصة.

ومن تأمل سائر قصص القرآن تبين له ما عرضناه هنا، وتذوق إعجاز أسلوب القرآن في القصة، وزاد إحساسه بذلك إذا لاحظ البون الهائل بين القصة في الأدب العربي وآداب العالم في عصر نزول القرآن وما تطور إليه فنها في العصر الحديث.

وأخيرا صدق الله العظيم: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.

الفصل الرابع والعشرون علم غريب القرآن وأثره في التفسير وكشف الإعجاز

الغريب لغة: هو البعيد عن أقاربه. أو المنفرد.

واصطلاحا: ما وقع في القرآن من الألفاظ البعيدة عن الفهم.

سمي بذلك لبعده عن ظاهر الفهم، أو لأنه كالمنفرد عن الألفاظ الأخرى القريبة للفهم.

وسبب الغرابة قد يكون لقلة استعمال الكلمة، أو لاستعمالها في كناية أو استعارة أو مجاز، أو لقلة علم القارئ والسامع باللغة، وهو كثير جدا، وازداد كثرة باختلاط العرب بالعجم، وبعد العهد عن عصر الصحابة رضي الله عنهم.

أثر علم الغريب في التفسير

ومعرفة هذا الفن أمر ضروري للمفسر. وإلا فلا يحل له الإقدام على تفسير كتاب الله تعالى [١].

لكنا لم نقتصر في هذا الفصل على تفسير المعنى بالغريب، وفهم المفردات، بل وجدنا له فائدة أخرى جليلة، هي أثر هذا العلم في إبراز ثروة القرآن البلاغية، وأسرار إعجازه.

ومصدر هذا العلم الأساسيّ هو لغة العرب، لذلك قرروا: «أنه ليس لغير العالم بحقائق اللغة العربية وموضوعاتها، تفسير شيء من كلام الله،- لأن الله تعالى أنزله، قرآنا عربيا- ولا يكفي في حقه تعلّم اليسير منها، فقد يكون اللفظ

(١) البرهان: ١/ ٢٩٢، والإتقان: ٢/ ٥.

مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين، والمراد المعنى الآخر .. » [١].

ومن هنا توقف بعض الصحابة في تفسير بعض الكلمات، مثل توقف عمر بن الخطاب في معنى «الأبّ» من قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا.

قال الإمام مالك بن أنس: «لا أوتى برجل يفسّر كتاب الله غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا».

وقال مجاهد بن جبر الإمام التابعيّ المفسّر: «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب» [٢].

ومن خير ما يستعان به في تفسير الغريب أشعار العرب وكلامهم

قال ابن عباس: «ما كنت أدري ما قوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ [الأعراف: ٨٩] حتى سمعت ابنة ذي يزن الحميري وهي تقول: «تعال أفاتحك» يعني أقاضيك».

وقال أيضا: «ما كنت أدري ما «فاطر السّماوات والأرض» حتى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يعني ابتدأتها» [٣].

ولأشعار العرب أهمية خاصة في هذا الفن، قال أبو بكر بن الأنباري [٤]:

«قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر».

ولحبر المفسرين ابن عباس اعتناء كثير بالشعر في تفسير القرآن، نقلت عنه ثروة كبيرة في ذلك في مصادر التفسير، وأجمع ما روي عنه في ذلك مسائل نافع بن الأزرق زعيم الأزارقة من الخوارج، أخرج بعضها ابن الأنباري في كتاب

(١) البرهان: ١/ ٢٩٢.

(٢) البرهان: ١/ ٢٩٢.

(٣) المرجع السابق ٢٩٣، والإتقان: ٢/ ٤ و ٥.

(٤) كما نقل عنه في الإتقان: ٢/ ٥٥.

الوقف والابتداء، والطبراني في المعجم الكبير، وساقها السيوطي بتمامها في كتاب الإتقان [١].

ومن أمثلة استشهاده بالشعر:

تفسيره قول الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ [المعارج: ٣٧] قال: العزون: الحلق الرّقاق، واستشهد ببيت عبيد بن الأبرص:

فجاءوا يهرعون إليه حتى ... يكونوا حول منبره عزينا

وفسّر قوله تعالى: شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨] : «الشّرعة: الدين، والمنهاج: الطريق». واستشهد بقول أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:

لقد نطق المأمون بالصدق والهدى ... وبيّن للإسلام دينا ومنهاجا [٢]

ونبه أئمة العلم على أمر ذي خطر، هو أنه: ينبغي العناية بتدبّر الألفاظ كي لا يقع الخطأ، كما وقع لجماعة من الكبار.

روى الخطّابي عن أبي العالية أنه سئل عن معنى قوله: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [الماعون: ٥] ، فقال: هو الذي ينصرف عن صلاته ولا يدري عن شفع أو وتر. قال الحسن: مه يا أبا العالية. ليس هكذا، بل الذين سهوا عن ميقاتها حتى تفوتهم، ألا ترى قوله: «عن صلاتهم»!.

فلما لم يتدبّر أبو العالية حرف «في» و «عن» تنبّه له الحسن، إذ لو كان المراد ما فهم أبو العالية لقال: «في صلاتهم»، فلما قال: «عن صلاتهم» دل على أن المراد به الذّهاب عن الوقت [٣].

وكذلك قال ابن قتيبة [٤] في قوله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ [الزخرف: ٣٦] : إنه من عشوت أعشو عشوا، إذا نظرت. وهو قول

(١) . ٢/ ٥٥ - ٨٨. قال في آخرها: «حذفت منها يسيرا نحو بضعة عشر سؤالا».

قلت: وقد قام بإخراجها كاملة بعض أصدقائنا ووثقها بأصول تحقيق المخطوطات. أثابه الله.

(٢) الإتقان: ٢/ ٥٦ - ٥٧.

(٣) البرهان: ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥.

(٤) لتفسير غريب القرآن: ٣٩٧ - ٣٩٨. وانظر معاني القرآن للفراء وللأخفش.

أبي عبيدة معمر بن المثنّى والأخفش. ونقل قول الفرّاء: «يعرض عنه» ثم نقده، فقال: «ولا أرى القول إلا قول أبي عبيدة، ولم أر أحدا يجيز، «عشوت عن الشيء»: أعرضت عنه، إنما يقال: «تعاشيت عن كذا»، أي تغافلت عنه كأني لم أره، ومثله تعاميت، والعرب تقول: «عشوت إلى النار» إذا استدللت إليها ببصر ضعيف» ... إلخ.

قال الزركشي: «وغلّطوه في ذلك، وإنما معناه يعرض، وإنما غلط لأنه لم يفرق بين عشوت إلى الشيء وعشوت عنه».

لذلك يجب على دارس التفسير ألا يكتفي بظاهر اللغة، حتى ينظر إلى التركيب، ومقصد السياق، حتى لا يقع في الخطأ.

المؤلفات في غريب القرآن

ولأهمية هذا العلم كثرت المؤلفات فيه، حتى جاوزت المائة [١]، ومعظمها يحمل في عنوانه عبارة «غريب القرآن».

وكانت في بادئ الأمر تكتفي بشرح الكلمات الغامضة، ثم أدخلوا عليها شيئا من الإعراب، ونحوه، في كتب حملت اسم: معاني القرآن، ثم توسعوا وشرحوا كل مفردات القرآن تقريبا، لعموم الحاجة واتساعها، وأكثرها مرتب على ترتيب ورودها في السور، وبعضها مرتب على نظام المعاجم، مثل كتاب:

المفردات للراغب الأصفهاني.

ومن أهم هذه الكتب المطبوعة:

١ - مسائل نافع ابن الأزرق لابن عباس وإجاباته عنها.

٢ - معاني القرآن، للفراء، يحيى بن زياد (ت ٢٠٧) .

٣ - غريب القرآن، لابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدّينوري (ت ٢٧٦) .

٤ - كتاب الغريبين: غريب القرآن وغريب الحديث، للهروي: حمد بن محمد أبو عبيد (ت ٤٠١) . وهو من أنفعها.

(١) انظر إحصاءها مفصلا في التعليق على البرهان للزركشي تحقيق الدكتور يوسف المرعشلي وزميليه. ط. دار المعرفة- بيروت (ص ٣٨٨ - ٣٩٣) . وقد فاته أشياء.

٥ - المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني: الحسين بن محمد (ت ٥٠٢) ، وهو من أحسن ما ألفوا في هذا الباب، وهو يتصيد المعاني من السياق.

ومن مراجع هذا العلم الأساسية كتب اللغة، اسما، وفعلا، وحرفا.

المعرّب في القرآن:

يتصل هذا بغريب القرآن، لأنه لا بد من معرفته لتفسير القرآن الكريم فهو نوع من غريب القرآن.

وهو الألفاظ التي وقعت في القرآن من غير لغة العرب.

وهذا موضوع خطير كثر فيه الكلام منذ القديم، وتعرض له العلماء كثيرا في كتب علوم القرآن [١]، وكتب التفسير [٢]، وكتب اللغة [٣]، وغيرها [٤].

وألّفت فيه كتب وبحوث مفردة [٥].

وقد جمعت هذه الألفاظ فبلغت (١١٥) نحو خمس عشرة ومائة كلمة، أحصاها السيوطي وتكلم عليها بإيجاز في كتابه: الإتقان في علوم القرآن [٦].

نذكر منها هذه الأمثلة

أرائك: السّرر بالحبشية.

(١) انظر فنون الأفنان لابن الجوزي: ٣٤١ تحقيق الدكتور حسن ضياء الدين عتر والبرهان:

١/ ٢٨٧ والإتقان: ٢/ ١٠٥.

(٢) انظر مقدمة الطبري لتفسيره: ١/ ٦ ومقدمة ابن عطية لتفسيره المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز: ٥٧، وتفسير القرطبي: ١/ ٦٨.

(٣) الصاحبي في فقه اللغة لأحمد بن فارس: ٢٨ - ٣٠ ط. السلفية. وفقه اللغة للثعالبي:

١٩٧ ط. البابي الحلبي. والمزهر في علوم اللغة العربية للسيوطي: ١/ ٢٦٨.

(٤) مثل الرسالة للإمام الشافعي: ٤١ - ٤٢.

(٥) منها المعرّب للجواليقي وهو عام في القرآن وغيره، والمهذب فيما وقع في القرآن من المعرّب للسيوطي. وبحث نقاء القرآن الكريم من العجمية للدكتور حسن ضياء الدين عتر. بحث جامعي محكّم.

(٦) . ٢/ ١٠٨ - ١١٩. لكن في عده لجملة منها في المعرب نظر، مثل طه، يس، ن وغيرها مثل:

ابلعي، تتبيرا، الرحمن، شطر، القيوم، منفطر.

استبرق: الديباج الغليظ بلغة العجم.

الجبت: الشيطان، بلغة الحبشة، أو الساحر.

جهنم: قيل: فارسية وعبرانية، وقيل: أعجمية.

سجّيل: بالفارسية، أوّلها حجارة وآخرها طين.

سندس: رقيق الديباج بالفارسية.

فردوس: بستان، الكرم، بالرومية.

قسورة: الأسد، بالحبشية.

وقد اختلف في هذه القضية اختلافا كثيرا، فأنكر جمهور العلماء أن يكون في القرآن شيء غير عربي، لأن الله تعالى أنزله بلغة العرب، وقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢] . وقال: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥] .

واستدلوا بأن الله تعالى جعله معجزة شاهدة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وتحدى به العرب العرباء، وأفحم الفصحاء والبلغاء بآياته، فلو اشتمل على غير لغة العرب لاحتجوا عليه، واعترضوا [١].

واستدل من قال بوقوع المعرّب في القرآن بوجود ألفاظ فيه هي في لغات غير العرب، كالشواهد التي ذكرناها.

قالوا: إن القرآن حوى علوم الأولين والآخرين، ونبأ كلّ شيء، فلا بدّ أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن، ليتمّ إحاطته بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها، وأخفّها، وأكثرها استعمالا للعرب» [٢].

وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى كل أمة، فلا بدّ وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو.

وقد ذهب المحققون إلى التوفيق بين الرأيين، وسبق لذلك الإمام أبو عبيد القاسم بن سلّام، وذلك أن هذه الألفاظ أصولها أعجمية، لكنها وقعت للعرب،

(١) فنون الأفنان: ٣٤٢ والبرهان: ١/ ٢٨٧، والإتقان: ٢/ ١٠٥ وغيرها مما ذكرنا.

(٢) الإتقان: ٢/ ١٠٦ - ١٠٧.

فعرّبتها بألسنتها، وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فخاطبهم بها، لأنها صارت من لسانهم [١].

أثر علم الغريب والمفردات في كشف الإعجاز

يحتاج المفسر إلى علم غريب القرآن كركن من عمله في التفسير، وكذلك يحتاج إلى التأمل في سائر مفردات القرآن أي ألفاظه وإن لم تكن غريبة بحسب الظاهر، لما عسى أن يكون قد ارتبط بها من مجاز أو ترجيح معنى على معنى أو غير ذلك، مما سبقت الإشارة إليه.

وإذا نظر المفسر البارع في فنون البلاغة المتذوق لجمال الكلام وأساليبه إلى غريب القرآن وسائر كلماته وألفاظه، بمنظار البلاغة وجمال الكلام، وجد فيها جمالا وفصاحة، يصل بمداومة النظر فيهما إلى كشف إعجاز القرآن في كلماته ومفرداته، كما هو معجز في جمله وآياته.

وقد وقع لبعض الناس من قدامى ومحدثين خطأ في هذه المسألة، فزعموا أن الألفاظ متساوية كلّها في الفصاحة، لأن العرب قد استعملتها جميعا.

وقد خالف جمهور علماء البلاغة والنقد الأدبي هذه النظرة، ووسموها بالسّقم والسطحية، حتى قال العلامة اللغوي الأديب ضياء الدين بن الأثير [٢]:

«وقد رأيت جماعة من الجهّال إذا قيل لأحدهم: هذه اللفظة حسنة، وهذه قبيحة أنكر ذلك، وقال: كلّ الألفاظ حسن، والواضع لم يضع إلا حسنا.

ومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرق بين لفظة: «الغصن» ولفظة «العسلوج»، وبين لفظة «المدامة» ولفظة «الإسفنط»، وبين لفظة «السيف» ولفظة «الخنشليل»، وبين لفظة «الأسد» ولفظة «الفدوكس»، فلا ينبغي أن يخاطب

(١) البرهان: ١/ ٢٩٠ والإتقان: ٢/ ١٠٨ وانظر فنون الأفنان: ٣٤٣ - ٣٤٤. أورده مختصرا.

وفيه قوله: «فهذا القول يصدّق الفريقين جميعا».

(٢) في كتابه المثل السائر في أدب الكاتب الشاعر ط. مصطفى الحلبي، تطرق لهذه المسألة في مواضع متعددة، وانظر تفصيلا لذلك في كتاب المعجزة الخالدة لأخي الشقيق الدكتور حسن ضياء الدين عتر ص ٢٠١ - ٢٠٣.

بخطاب، ولا يجاوب بجواب، بل يترك وشأنه، كما قيل: «اتركوا الجاهل بجهله، ولو ألقى الجعفر في رحله» [١].

وقد شهد أئمة العربية الأجلاء، أن ألفاظ القرآن هي أفصح كلام العرب، وأعلاها جمالا، وأنسا، وبعدا عن وحشيّ الكلام، وحسبنا في هذا قول الإمام أبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصبهاني، وقد مخر عباب ألفاظ القرآن في كتابه «المفردات في غريب القرآن» فقال في مقدمته [٢]:

«فألفاظ القرآن هي لبّ كلام العرب وزبدته» وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم، وحكمهم، وإليها مفزع حذّاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم، وما عداها وعدا الألفاظ المتفرّعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحثالة والتّبن بالإضافة إلى لبوب الحنطة».

وقد عني العلماء النّقاد المتذوقون جمال الكلام بدراسة أثر الكلمة في جمال الأسلوب، وأثرها في إعجاز القرآن، في قديم الزمان وحديثه، وأثبتوا إعجاز الكلمة القرآنية في موقعها [٣].

نذكر مهمات من ذلك على سبيل الإيجاز الشديد، فمن ذلك.

١ - حسن اختيار ألفاظه ودقة أدائها

واللغة العربية واسعة الثروة اللفظية، حتى لا يحيط بها إلا نبيّ، فاستحضار أحسن لفظ وأنسبه يحتاج إلى اطلاع على جميع ثروتها، ثم استحضار جميع ما يلائم الموقع من الألفاظ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها،

(١) الجعر: القذر. رحله: بيته.

(٢) ص ٦. قوله: «واسطته» أي كواسطة العقد، أنفس شيء فيه. بالإضافة: أي بالنسبة والقياس إليها.

(٣) نذكر من هذه الدراسات: المثل السائر لابن الأثير، وإعجاز القرآن للرافعي، والمعجزة الخالدة للدكتور حسن ضياء الدين عتر، أتى فيه بفصول قيمة، فانظره، وجماليات المفردة القرآنية، وهو أوفى ما كتب، قد جمع بين نظريات القدامى والمحدثين، ألّفه بإشرافنا الدكتور أحمد ياسوف، فجاء كتابا فريدا في بابه.

واستحضار ذلك متعذر على البشر في أكثر الأحوال، وذلك عتيد حاصل في علم الله، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث.

ومن أمثلة ذلك:

قوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ أحسن هنا من التعبير ب «تقرأ»، لثقله بالهمزة، ولا رَيْبَ فِيهِ أحسن من لا شك فيه، لثقل الإدغام، ولهذا كثر ذكر الريب، ومنها وَلا تَهِنُوا أحسن من: ولا تضعفوا، لخفّته [١].

٢ - تآلف الألفاظ مع المعاني

وهو من أوجه إعجاز القرآن العامة، عني به الباقلاني والجاحظ [٢] وغيرهما. وهو كما قال الباقلاني: «علم شريف المحل، عظيم المكان، .. ،

وهو أدقّ من السّحر، وأهول من البحر، وأنت تحسب أنّ وضع الصّبح في موضع الفجر، يحسن في كل كلام، إلا أن يكون شعرا أو سجعا، وليس كذلك، فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع وتزلّ عن مكان لا تزلّ فيه اللفظة الأخرى، بل تتمكن فيه، وتضرب بجرانها ... ».

وهذا الوجه مستوفى في كل القرآن، وفي كل آية منه، لا تحتاج إلى اختيار وانتقاء.

هذه سورة الفاتحة مثلا: افتتحت بأفضل وأكمل الثناء الحسن الجميل على الله وأبلغه: الْحَمْدُ لِلَّهِ. ولم تقل الشكر، ولا المدح، لأن الشكر يختص بجميل الفعال، والمدح يختص بجميل الخصال أي الصفات، فعبرت ب «الحمد» فشملت معنى كل من المدح والشكر. ثم جاءت كلمة «الحمد» معرفة بأل، وهي هنا للاستغراق، فأفادت شمول كل حمد وكل شكر وكل مدح.

ثم أسندت الحمد لله تعالى بهذا الاسم «الله»، وهو الاسم الدال على

(١) الإتقان من أواخر النوع الرابع والستون: ٤/ ٢٢. وانظره للاستزادة، وانظر المعجزة الخالدة:

٢١٠ - ٢١١.

(٢) إعجاز القرآن للباقلاني: ٢٨٠ والبيان والتبيين للجاحظ: ١/ ٤٠. وانظر كتابنا القرآن الكريم والدراسات الأدبية: ١٧٨ - ١٧٩.

الذات المشتمل على جميع الأسماء والصفات، فأشارت بذلك إلى كمالاته التي لا تعدّ ولا تحصى، وهكذا إلى آخر السورة [١].

وهذه سورة البقرة افتتحت بالإشارة إلى إعجاز القرآن وغاية عظمته:

الم* ذلِكَ الْكِتابُ، فرمز لإعجاز القرآن بهذه الحروف المقطعة، ثم أشار إلى غاية كماله وإعجازه باسم الإشارة: «ذلك»، مع أن الإشارة في الأصل تكون للماديات المحسوسة، لتفيد غاية وضوح أمر القرآن وتميّزه عن غيره كمال تميّز، وجاءت بلام البعد، لتفيد بعده أن تصل إليه طاقة البشر، وتأتي بمثله.

وزادت عظمة القرآن فعبّرت ب «الكتاب» معرفا بأل، فأفادت العبارة الحصر، أي أنه لغاية كماله وعظمته صار كأنه الكتاب الوحيد الذي يستحق أن يسمّى كتابا ... وهكذا إلى آخر السورة، وإلى آخر القرآن. حتى صارت كل كلمة في القرآن فريدة، في مكانها [٢].

٣ - التناغم الموسيقى

وفي ذلك يقول الرافعي [٣]: «لو تدبّرت ألفاظ القرآن في نظمها رأيت حركاتها الصرفية، واللغوية تجري في الوضع والتركيب على غاية التآلف الصوتي، فيهيّئ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضا، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف مساوقة لها في النظم الموسيقى، حتى إنّ الحركة ربما كانت ثقيلة لسبب ما، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا، ورأيت أصوات الحروف والحركات قد مهّدت لها طريقا في اللسان، فجاءت أعذب شيء، وكانت متمكّنة في موضعها غاية التمكن.

من ذلك لفظة: «النّذر» جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها، لتواليها على

(١) انظر كتابنا (تفسير سورة الفاتحة) : ٩٨ وما بعد و (في تفسير القرآن الكريم وأسلوبه المعجز) :

٢٣ - وما بعد.

(٢) انظر كتابنا القرآن الكريم والدراسات الأدبية: ٢٧١ وما بعد، ومصادر التفسير البلاغي مثل الكشاف للزمخشري وإرشاد العقل السليم لأبي السعود العمادي وروح المعاني للآلوسي وغيرها.

(٣) بتصرف واختصار من كتابه إعجاز القرآن: ٢٥٧ - ٢٥٨.

النون والذال معا، لكنها جاءت في آية: وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ [القمر: ٣٦] في غاية الفصاحة، وجمال الموقع في حسّ السمع، وذلك بما سبقها من القلقلة في دال «لقد» وطاء «بطشتنا»، والفتحات المتوالية في «فتماروا»، التي جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمة خفيفا عليه. وتأتي اللفظة متمكنة في موضعها مستقرّة في قرارها إلى أقصى غاية، مع أدائها المعنى المراد غاية الأداء».

٤ - إفادة التصوير

وذلك أن الكلمة القرآنية تقدم للقارئ صورة فنية، وتستقل برسم مشهد، أو نقل حركة، أو تشخيص فكرة، بل إنها تقدّم لنا ما يسميه العصريون «التجسيم»، تجسيم المعنويات المجردة، وإبرازها أجساما أو محسوسات، لتزيد المعنى تمكنا من النفس وتأثيرا فيها [١].

ومن ذلك مثلا قوله تعالى في اليهود: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣] فلننظر «تلك الصورة الساخرة الهازلة: صورة العجل يدخل في القلوب إدخالا، ويحشر فيها حشرا، حتى ليكاد ينسى المعنى الذهني الذي جاءت به هذه الصورة المجسّمة لتؤدّيه، وهو حبّ اليهود الشديد لعبادة العجل» الذي صنع لهم من الذهب.

واقرأ كذلك قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ [الحج:

١١] . تأمل كلمة «حرف» ومعناه الطرف من الشيء، «إنّ الخيال ليكاد يجسّم هذا الحرف الذي يعبد الله عليه هذا البعض من الناس، وإنه ليكاد يتخيل الاضطراب المحسوس

في وقفتهم، وهم يتأرجحون بين الثبات والانقلاب».

٥ - الإعجاز العلمي

فقد جاءت عبارات القرآن الكريم عن القضايا الكونية بطريقة عجيبة

(١) انظر كتاب من بلاغة القرآن للدكتور أحمد بدوي: ٦٥، وراجع أمثلته بتوسع. وانظر كتابنا علوم القرآن الكريم: ٢٢٨ - ٢٣٠ ففيه أمثلة مفيدة.

تجعلها مفهومة عند العربي القديم، والعامي، لكنها تفيض بمعان يكشفها التأمل تتناسب مع تقدم العلم، وظهور مزيد من الحقائق التي كانت مجهولة، مما حفلت به دراسات إعجاز القرآن العلمي.

وللمفردة القرآنية دور كبير في هذا الباب العظيم، يطول استقصاؤه جدا، نكتفي ببعض الأمثلة منه:

فمن ذلك: قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً.

فقوله: لَواقِحَ فهمه المفسّر القديم مجازا عن تلقيح الرياح الأزهار أو جمع السّحب اجتماع الذكر بالأنثى. لكنّ العلم الحديث قرر أنّ السحاب يحمل شحنة كهربائية، بعضه سالب الشحنة وبعضه موجب، وأن الرياح تلقح السحب السالبة بالموجبة فينزل المطر. وهذا التفسير في غاية الدقة، وهو أليق بتناسب الجملة مع قوله بعدها: فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً لا سيما مع هذا العطف بحرف الفاء، التي تفيد الترابط.

وهكذا آيات القرآن المتعلقة بالكون، كلها شاهد أنه تنزيل من يعلم «السّرّ في السموات والأرض»، تبارك وتعالى.

وغير ذلك كثير من دور غريب القرآن، وكلماته، يزيد المتأملين فيه إيمانا، وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً.

ويرحم الله ابن عطية [١] إذ قال: «وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد».

(١) المحرر الوجيز: ٦٠ - ٦١.

الفصل الخامس والعشرون فضائل القرآن وآداب حملته

فضائل القرآن في القرآن

فضائل القرآن ووجوه عظمته كثيرة، تعز على الاستقصاء والإحاطة، وقد عرض لها القرآن نفسه في آيات كثيرة جدا، نشير إلى أصول مهمة من مقاصدها فيما يأتي:

١ - إن القرآن آية الله الكبرى، والمعجزة الإلهية الخالدة، الدالة على حقّيّة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد تحدّى الله به الإنس والجن، فقال عزّ من قائل: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً. بل تحداهم بمثل سورة منه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.

٢ - أنه كتاب هداية العالم كله إلى الطريق الأقوم، والمرشد لسعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وقال عز وجل: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.

٣ - إن القرآن علاج آفات الأفراد والمجتمعات قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقال أيضا: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ.

٤ - القرآن حجة الله على العباد، لإظهار الحق وإزهاق الباطل، وبه يجاهد الباطل ويقاوم، وذلك لغاية ما اشتمل عليه من الحجج الدامغة والبراهين القاطعة، قال تعالى: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً.

٥ - القرآن حاكم على الكتب السابقة ومهيمن عليها. قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ.

فالقرآن مهيمن على ما سبقه يقرّ من أحكامها ما كان صالحا للبقاء، وينسخ ما كان خاصا بتلك الأمة لا يصلح للبقاء، ويبين الحق فيما دخل على الكتب السابقة من التغيير والتبديل، والزيادة والنقص، فهو مهيمن عليها. وهو المرجع في مضامينها.

وفي الحق أن بحث فضائل القرآن في القرآن يشغل مؤلفا كبيرا، نبهنا هنا على عناوين مهمة جدا، يحتاج شرح كل منها إلى بحث، تذكرة للطالب، وإثارة لرغبة المؤمن الراغب، ليقبل على كتاب ربه بكليته، ويجعله نبراس حياته.

فدونك كتاب الله تعالى، أقبل عليه، متأملا آياته، من هذه الزاوية، متعمقا في معانيه وخصائصها، تجد العجب العجاب، الذي تسجد له أولو الألباب.

فضائل القرآن في الحديث الشريف

إن الأحاديث الدالة على فضل القرآن وعظمته كثيرة جدا، جمعت فيها مؤلفات بهذا الاسم «فضائل القرآن» منها، لابن الضّريس، ولابن أبي شيبة، والنسائي، وأبي عبيد

القاسم بن سلام، وابن كثير، والسيوطي وسماه «خمائل الزّهر في فضائل السور» وغيرهم. ومن الأحاديث ما يدل على فضائل القرآن كله عامة، ومنها ما يدل على فضل سور أو آيات.

ونذكر من أمهات مقاصد الأحاديث الواردة في فضل القرآن عامة ما يأتي:

١ - أنه خير الحديث والكلام قاطبة

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خير

الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم» أخرجه مسلم [١].

وهو مأخوذ من القرآن الكريم. قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ.

٢ - القرآن يشفع لصاحبه

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» أخرجه أحمد ومسلم وابن حبان وابن الضّريس [٢].

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إن القرآن شافع مشفّع، وماحل مصدّق، فمن جعله بين يديه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار» أخرجه الطبراني وابن الضّريس وصححه ابن حبان من حديث جابر مرفوعا [٣].

أي من عمل به قاده إلى الجنة، ومن لم يعمل به ساقه إلى النار، وصار في حقه ماحلا مصدقا أو خصما مجادلا ضدّه، لأن القرآن هو مقياس العمل الصالح وغير الصالح، ومقياس الفلاح والخسار.

وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والقرآن حجة لك أو عليك» أخرجه مسلم [٤].

(١) . ٣/ ١١.

(٢) المسند: ٥/ ٢٤٩ ومسلم في صلاة المسافرين (فضل قراءة القرآن) : ٢/ ١٩٧، وابن حبان بنحوه: ١/ ٣٢٢ وابن الضّريس في فضائل القرآن: ٥٩.

(٣) فضائل القرآن لابن الضّريس: ٥٨ و ٥٧ و ٦٣ - ٦٤ من ثلاثة طرق وابن حبان: ١/ ٣٣١ - ٣٣٢ والطبراني في المعجم الكبير رقم ١٠٤٥٠ وانظر مجمع الزوائد: ١/ ١٧١ ففيه فوائد.

و٧/ ١٦٤ والترغيب: ٢/ ٣٤٩ وخرجه في الإتقان: ٤/ ١٠٤ عن أنس مرفوعا من فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلّام. وحديث ابن مسعود له حكم المرفوع وقد أيده حديثا جابر وأنس فثبت أنه قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(٤) في فضل الوضوء: ١/ ١٤٠ في ضمن حديث طويل.

٣ - القرآن يرفع صاحبه مع السفرة البررة

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاقّ له أجران» متفق عليه [١].

٤ - القرآن يؤنس صاحبه في الحشر

عن بريدة الأسلميّ رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول:

«إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشقّ عنه قبره، فيقول له: هل تعرفني؟

فيقول ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن، أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وأنا لك اليوم وراء كل تجارة. قال:

فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلّتين لا يقوم لهما أهل الدنيا. فيقولان: بم كسينا هذه؟ فيقال لهما:

بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنّة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقول، هذّا كان، أو ترتيلا» أخرجه أحمد وابن ماجة وابن الضّريس والحاكم وصححه على شرط مسلم. وقال الهيثمي في رجال أحمد: «رجال الصحيح» [٢].

وله شواهد بطوله عن أبي أمامة الباهلي [٣] وأبي هريرة [٤] ومجاهد مرسلا [٥] وعن شمر بن عطية [٦] وفيه عند قوله: «حين ينشق قبره»: «فيقول:

(١) البخاري في التفسير (سورة عبس) : ٦/ ١٦٦ ومسلم في صلاة المسافرين (فضل الماهر بالقرآن) : ٢/ ١٩٥ واللفظ لمسلم.

(٢) المسند: ٥/ ٣٤٨، وابن الضّريس: ٦٠ والمستدرك: ١/ ٥٥٦ مختصرا ووافقه الذهبي وكذا ابن ماجة: ٢/ ١٢٤٢. وقال في الزوائد: «إسناده صحيح» وانظر مجمع الزوائد: ٧/ ١٥٩ ومصباح الزجاجة: ٢/ ٢٥٨.

(٣) ابن الضريس: ٥٦ ومجمع الزوائد: ٧/ ١٥٩ خرجه من الطبراني في الأوسط.

(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد: ٧/ ١٦٠، وفيه يحيى الحمّاني: ضعيف.

(٥) ابن الضريس: ٥٧.

(٦) المرجع السابق: ٥٨ - ٥٩.

أبشر بكرامة الله، أبشر برضوان الله. فيقول: مثلك يبشّر بالخير، فمن أنت؟

فيقول: أنا القرآن .. ».

خطورة الغفلة عن القرآن

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» أخرجه الترمذي وصححه [١].

وعن عائشة رضي الله عنها قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بئس ما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسّى» متفق عليه [٢].

أي أنه نسّاه عقوبة له على ذنوب، لأن نسيان القرآن من أعظم المصائب، فلا يكون إلا من ذنب عظيم.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها» أخرجه أبو داود والترمذي [٣].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن البيت إذا قرئ فيه القرآن حضرته الملائكة، وتنكّبت عنه الشياطين. واتّسع على أهله، وكثر خيره وقلّ شرّه. وإنّ البيت إذا لم يقرأ فيه القرآن حضرته الشياطين، وتنكبت عنه الملائكة، وضاق على أهله، وقلّ خيره وكثر شرّه» أخرجه الإمام محمد بن نصر المروزي.

وفي معنى الحديث أحاديث كثيرة [٤].

(١) البخاري: ٦/ ١٩٤ و ١٩٣ ومسلم: ٢/ ١٩١.

(٢) في فضائل القرآن (باب ١٨) : ٥/ ١٧٧ وقال: «هذا حديث حسن صحيح».

(٣) أبو داود في الصلاة (كنس المسجد) : ١/ ١٢٦ والترمذي في ثواب القرآن: ٥/ ١٧٨ - ١٧٩ وقال: «حديث غريب». قلت: لكن يشهد له أحاديث مرفوعة وموقوفة تقويه، كما نبه الحافظ ابن حجر في الفتح: ٩/ ٧٠ فكن على حذر.

(٤) انظر نحو العشرة منها في كتاب تلاوة القرآن المجيد: ٤٠ - ٤١ و ٥٣ - ٥٤.

آداب حملة القرآن وتلاوته

ليذكر قارئ القرآن فضائل القرآن وجلالة شأنه، وأنه حجة له أو عليه، فليعتبر بذلك كلّه، وليستحضر أيضا تكريم الله إياه أن جعله يقرأ هذا القرآن ويناجي به ربّه، فإذا وفّق لذلك انكفّت نفسه عن الرذائل، وأقبلت على العمل الصالح الكامل، ونبعت آداب التلاوة وصدرت من النفس متأثرة بهذه المشاعر، وزادت بالتالي توفيق القارئ فقطف ثمار قراءته، وتنوّر بأنوار تلاوته.

ومراعات لحسن تقسيم الدراسة نقسمها ستة أقسام:

١ - آداب معلم القرآن وحامله.

٢ - آداب متعلم القرآن.

٣ - آداب التأهب لقراءة القرآن ٤ - آداب تلاوة القرآن.

٥ - آداب الاستماع للقرآن.

٦ - آداب ختم القرآن.

آداب معلم القرآن وحامله

وهي آداب كل معلم علما شرعيا، أو عالم بعلم من هذه العلوم الشريفة، لأن علوم الشرع مشتملة على العلم بالقرآن كليا أو جزئيا، وهي مستمدة منه وخادمة له.

١ - أول هذه الآداب (الإخلاص)

واجب أساسي وهو روح كل عمل- لا سيما هذه العلوم، التي هي أفضل ما عبد الله به بعد أركان الإسلام- وذلك هو الإخلاص، قال تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنّيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق عليه، وهذا الحديث من أصول الإسلام، بل هو نصف الإسلام.

ويساعد على ذلك سؤال الله تعالى الإخلاص، ودعاء التوجه في افتتاح الصلاة بحضور قلب وضراعة، والتعوذ من دخول الدنيا في قصده بأي صورة، أو شكل.

٢ - أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل

، وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى الله عنه، إجلالا للقرآن، وأن يكون مترفعا على الجبابرة والمستكبرين من أهل الدنيا، اعتزازا بما آتاه الله تعالى من كنز القرآن أو علم الشرع، فإنه أنفس شيء عند العقلاء، لا تقوم به الدنيا، قال تعالى ممتنّا على رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ* لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ.

فجعل سبحانه إيتاء القرآن موجبا للترفع على الدنيا وأهلها، وللتواضع للمؤمنين المتقين.

٣ - ليحذر عالم القرآن أو أي علم شرعي أن يتخذ القرآن أو العلم أداة لكسب المال

، يقصد به الدنيا. لما سبق من وجوب الإخلاص، والبعد عن الرياء، ولما ورد في الكتاب والسنة من التهديد والوعيد على كتمان العلم. ومنه تعليم القرآن فإنه واجب على الكفاية، كما أن تعلمه واجب على كل مسلم.

وأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن- لمن خصلت نيته عن قصد الدنيا وأكل المال بالقرآن أو العلم فهذا الأخذ للأجرة بهذا الشرط قد اختلف العلماء فيه، وكثير من السلف كانوا على المنع ومنهم الحنفية والمالكية.

ثم اتفق المتأخرون على جواز أخذ الأجرة على ما ذكرنا، لما رأوا ضرورة انتظام تعليم القرآن، ونشر العلم توجب ذلك [١].

ويشهد لذلك حديث عبد الله بن عباس في اللديغ، لما رقاه بعض الصحابة وجعلوا له جعلا، أي عطية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» أخرجه البخاري [٢].

(١) انظر التفصيل في التبيان: ٤٨، ٥٨، ٦٠، والبرهان: ١: ٤٥٧ - ٤٥٨ وغيرهما.

(٢) في الطب (الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب) : ٧/ ١٣١.

وإن بذل التعليم بلا مقابل طلبا للثواب مرتبة عليا، هي عمل الأنبياء والمرسلين.

٤ - أن يبذل المعلم النصيحة لطلبته

فإن «الدين النصيحة» كما ثبت الحديث الشريف وصح [١]، ومن النصيحة لله ولكتابه ولرسوله إكرام قارئ القرآن، وطالب العلم وإرشاده إلى مصلحته، وأن يحرضه على الطلب، ويذكر له فضيلة ذلك، ليكون سببا في نشاطه.

٥ - اتخاذ حال المهابة والوقار

ليكن معلم القرآن أو أي علم وقورا، أي ساكنا، لا يكثر من الحركات بغير حاجة. ولذلك ينبغي أن يصون يديه عن العبث، وعينيه عن تفريق نظرهما من غير حاجة، ويقبل على كل طلابه، ويقعد على طهارة مستقبل القبلة، ويستعين بالإشارة بيده لتفهيم المعنى من غير إكثار أو زيادة، وتكون ثيابه وسائر هندامه نظيفة، وشعر لحيته ورأسه مرجّلا مرتّبا.

وينبغي ألّا يذلّ العلم، فلا يذهب إلى مكان من يتعلم منه ليعلمه فيه، بل يصون العلم عن ذلك. كما صانه السلف، وحكاياتهم في ذلك كثيرة مشهورة، وقد تهاون بعض أهل العلم في زمننا بهذا، وقصدوا أهل الدنيا لطباعة كتبهم على نفقتهم، بزعم توزيعها، وجرّ ذلك إلى إشكالات، وسوء سمعة، يجب أن يصان العلم والعالم عنها [٢].

آداب متعلم القرآن

وتشترك مع المعلم في أمور متعددة، وينفرد الطالب بآداب نذكر منها:

١ - التواضع مع المعلم والتأدب مع الرفقة

لينظر المتعلم إلى معلمه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته، فإنه أقرب لانتفاعه به، وعلى الأهل والأصدقاء تقرير ذلك، ودفع سوى ذلك مما قد يجرؤ عليه بعض الطلبة.

(١) أخرجه مسلم في الإيمان: ١/ ٥٣١ والبخاري معلقا في الإيمان: ١/ ١٧.

(٢) اقتبسنا هذه الآداب بتصرف واختصار عن التّبيان ض: ٣٩ - ٥٠، ٥٧ - ٦٠.

ومن جوامع ذلك قول سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «من حقّ العالم عليك أن تسلّم على الناس عامة وتخصّه دونهم بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرنّ عنده بيدك، ولا تغمزن بعينك، ولا تقولن: فلان قال ...

خلافا لقوله، ولا تغتابنّ عنده أحدا، ولا تسارر في مجلسه .. » [١]. وهذه مأخوذة من آداب الصحابة في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم.

٢ - مذاكرة الحفظ والعلم

يجب على طالب القرآن مذاكرة حفظه، بنظام مستمر، امتثالا لأمره صلى الله عليه وسلم «تعاهدوا القرآن ... » وتحاشيا لنسيانه الذي هو من الكبائر كما تقدم [٢]. ودرج الحفاظ على قراءة خمسة أجزاء يوميا، وقالوا: «من قرأ الخمس لم ينس»، كذلك يجب على طالب العلم مذاكرة علمه، ولا يكتفي بنجاحه في الامتحان.

فذلك غلط عظيم يقع فيه أكثر الطلبة، فلا تمر عليهم فترة إلا وقد عادوا جاهلين كأنهم لم يتعلموا.

آداب التأهب لتلاوة القرآن

إن قراءة القرآن من أجلّ أمر يشتغل به الإنسان، وهي لمن قصد بها التقرّب إلى الله تعالى والتفكر بآيات الله من أعظم الطاعات، لذلك شرع لها التأهب والاستعداد بما يعدّ النفس لحسن الانتفاع بالقراءة أو التأهل لها، وبعضها شرط وهو أولها، ونبينها فيما يأتي:

١ - الطهارة

الطهارة من الجنابة ومن الحيض والنفاس شرط لجواز قراءة القرآن، سواء كانت عن ظهر قلب أو من المصحف بمسه أو من غير مسه، باتفاق الأئمة الأربعة.

وعليه فالجنب والحائض والنفساء، يحرم عليهم قراءة القرآن، ويجوز لهم إجراء القرآن على قلوبهم، كما يجوز لهم النظر في المصحف من غير مسّ

(١) التبيان: ٥١.

(٢) الصفحة السابقة وانظر هذه الآداب في التبيان ص: ٥٠ - ٥٤.

ولا تلفظ، بل بإمراره على القلب. وأجمع المسلمون على جواز سائر الأذكار سوى القرآن لهم، كالتوحيد والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك.

وأما مسّ المصحف فالطهارة الكاملة واجبة له باتفاق الجمهور والأئمة الأربعة ولو لم يقصد القراءة، وأجاز الحنفية مسّه بحائل غير متصل به، وأجاز المالكية قراء القرآن ومسّ المصحف للحائض والنفساء للتعليم أو التعلم أو الحفظ تيسيرا عليهم.

ويستحب لمن قرأ من غير مسّ المصحف أن يكون على طهارة كاملة، فإن قرأ محدثا حدثا أصغر من غير لمس المصحف جاز بإجماع المسلمين بلا كراهة.

٢ - استحسان المكان والزمان

أما المكان: فتسنّ القراءة في مكان نظيف، وأفضله المسجد، لا سيما إذا نوى الاعتكاف فيه مدة مكثه، وتصح القراءة في أي مكان كان، لكن تكره في الأماكن المستخبثة، مثل الحمام وغيرها.

وأما الزمان: فكلّ الأوقات تباح القراءة فيها، ولا تكره في شيء منها.

وثمة أوقات لها أولوية، أفضلها ما كان في الصلاة، ثم الليل، ثم نصفه الأخير، وهي ما بين المغرب والعشاء محبوبة، كذا بعد الصبح [١]، لكن لا تترك القراءة في نشاطك لأجل وقت أولى، فربما لا تنشط.

٣ - السواك

يسنّ الاستياك لقراءة القرآن، تعظيما له، وتطهيرا، وقد ثبت الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» [٢].

فحسّن السواك لأجل هذه القربة الجليلة.

(١) المرجع السابق: ١٢٨ والمجموع: ٢: ١٨٢ - ١٨٣.

(٢) أخرجه النسائي: ١/ ١٠، وابن خزيمة رقم ١٣٥ وابن حبان: ٣/ ٣٤٨ ورواه البخاري معلقا بصيغة الجزم: ٣/ ٣١.

الاستعاذة والبسملة

أما الاستعاذة: فهي التحصّن والاحتماء بالله تعالى، لحماية العمل وهو هنا القراءة أن تشوبها شائبة نقص، أو ما يبعدها عن القبول عند الله، ولحماية الإنسان نفسه من كل مكروه. احتاج القارئ إليها، لأن قراءة القرآن من أعظم الطاعات، ووسائل التقرب إلى الله تعالى، والترقي في منازل القرب [١].

وأما البسملة: فهي شعار يعني الاستمداد من الله تعالى للإعانة على فعل الأمر الذي ذكرت عليه، وأن ذاكرها يتقرب به إلى الله، أي بك يا الله أقرأ، وإليك بالقراءة أتقرب، لذلك جعلها الله عنوانا لكتابه، وافتتاحا لقراءة القرآن، وابتداء لكل عمل مهم [٢].

أما النية: فليست شرطا للقراءة، أو للإثابة عليها، لأن قراءة القرآن شرعت عبادة بنفسها، فمجرد القراءة عبادة يثاب القارئ عليها الحرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.

آداب تلاوة القرآن

تقوم آداب تلاوة القرآن على أساسين هما أصل لغيرهما، وهما: التدبر والترتيل:

١ - التدبر والخشوع

هذا يسنّ متأكدا على القارئ، فإن التّدبّر وهو التفهم وكذا الخشوع هما المقصود الأعظم، والمطلوب الأهم، وبذلك تنشرح الصدور وتستنير القلوب، والآيات والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر.

قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ص: ٢٩] .

والتدبر والخشوع دواء القلب من أمراضه والنفس من عللها، قال السيد الجليل إبراهيم الخوّاص رضي الله عنه: «دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن

(١) انظر تفسير الاستعاذة وأحكامها ومواضعها في كتابنا «في تفسير القرآن الكريم واسلوبه المعجز» ٧ - ٩. وانظر دراستها مفصّلة جدا في كتابنا تفسير سورة الفاتحة: ١١ - ٤٠.

(٢) انظر تفسير البسملة في تفسير القرآن وأسلوبه المعجز: ١١ - ١٥ وتفسير الفاتحة ٤٣ - ٧٥.

بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السّحر، ومجالسة الصالحين» [١].

وقد قسم بعض العلماء الناس في تلاوة التدبر على ثلاثة مقامات:

الأول: من يشهد أوصاف المتكلّم سبحانه في كلامه، ولهذا قال جعفر الصادق رضي الله عنه: «إن الله تجلى لخلقه بكلامه، ولكن لا يبصرون».

الثاني: من يشهد بقلبه كأنّ الله تعالى يخاطبه ويناجيه بألطافه، ويتحبب إليه بإنعامه، فمقام هذا الحياء من الله وتعظيم الله تعالى.

الثالث: من يرى أنه يناجي ربّه سبحانه، فهذا مقامه السؤال والتمسكن لله تعالى» وحاله الطلب، وهو وصف عامة المتقين [٢].

وكل مقام من هذه سبيل لفهم عال من كتاب الله تعالى، يتذوقه القارئ، فالحظ هذا، واستفد منه.

ويستحب: للتدبر والتخشع:

ترديد الآية أي تكرارها وإعادتها مع التأمل وزيادة التفهم لها، وقد ثبت حديث أبي ذرّ رضي الله عنه قال: «قام النبيّ صلى الله عليه وسلم بآية يردّدها حتى أصبح». والآية: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أخرجه النسائي وابن ماجة [٣].

وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كرر هذه الآية حتى أصبح: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [٤].

وعن عبّاد بن حمزة قال: دخلت على أسماء رضي الله عنها وهي تقرأ: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو. فطال

(١) التبيان: ٧٩.

(٢) باختصار عن البرهان: ١: ٤٥٢ - ٤٥٣. وارجع إليه للتوسع فإن مهم.

(٣) النسائي في الافتتاح (ترديد الآية) : ٢: ١٧٧ وابن ماجة في إقامة الصلاة (القرآن في صلاة الليل) : ١: ٤٢٩. والآية من سورة المائدة رقم ٧٨.

(٤) التبيان: ٨٠، والآية من سورة الجاثية تمامها: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ.

عليّ ذلك، فذهبت إلى السوق، فقضيت حاجتي، ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو» [١].

والآثار في ذلك عن السلف كثيرة، تكفي الإشارة إليها للذكرى والعبرة.

قراءة النظر وقراءة الحفظ

القراءة من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر القلب، لأن النظر في المصحف عبادة مطلوبة، قال النووي: لم أر فيه خلافا.

لكن اختار الإمام عز الدين بن عبد السلام، أن القراءة عن ظهر قلب أفضل، لأن المقصود التدبر، والنظر في المصحف يخل بهذا المقصود.

ولما أن التدبر هو المقصود، فينظر القارئ الحال الذي يلائمه فيأخذ به، وقد يكون تغيير إلى من قراءة نظر إلى قراءة حفظ أوفق له، ولو بعض جمل إن كان غير حافظ، فيفعل ذلك.

وهذا هو اختيار النووي: إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبّر والتفكر وجمع القلب أكثر فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن كانا متساويين فمن المصحف أفضل: قال: «وهو مراد السلف» [٢].

٢ - ترتيل التلاوة

وهذا مطلب جليل: أمر الله تعالى به، قال تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا.

والترتيل: التنضيد وحسن تناسق الشيء وانتظامه، تقول العرب: ثغر رتل ورتل إذا كان حسن التنضيد [٣].

وقد أمر الله تعالى به وَرَتِّلِ وأكده بقوله: تَرْتِيلًا وهو مفعول مطلق مؤكّد، فدل على الوجوب، قال الفخر الرازي: «قوله تعالى: تَرْتِيلًا تأكيد

(١) المرجع السابق: والآية من سورة الطور: ٢٧.

(٢) الأذكار: ١٨٢ وانظر التبيان: ٩٠، والمجموع: ٢: ١٨٠، والبرهان: ١: ٤٦١ - ٤٦٣، وفيه توسع والإتقان: ١: ٣٠٤ - ٣٠٥.

(٣) لسان العرب مادة (رتل) : ١٣: ٢٨١، وتفسير القرطبي: ١٩: ٣٦ ومدارك التنزيل للنسفي:

٤: ٣٠٣، وهذا هو مراد من فسر الآية: بين وفصل أي بين الحروف وفصلها عن بعضها.

في إيجاب الأمر به، وأنه مما لا بد منه للقارئ» [١].

واختار غير الرازي أن الأمر للندب، ويؤيده أن الخطاب وقع للنبي صلى الله عليه وسلم لكن يجب الترتيل بمعنى أدائه بمخارجه لقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وغير ذلك من الآيات. وقواعد التجويد هي كلام العرب، فللترتيل حدّ أدنى واجب، وحدّ كمال مستحب.

وحده الأدنى: تبيين الحروف

، وألا يقع فيها تداخل، ولا إخلال بمخارج الحروف أو بواجب التلاوة من إظهار وإدغام ومدّ وغير ذلك، وهذا واجب.

وتمرين المسلم لسانه على ذلك واجب، وله فيه أجران، كما ثبت الحديث الصحيح، وأقل ما في التقصير في ذلك أن يسقط من حسناته بعضها، وينبغي للناس أن يرغبوا في تكثير حسناتهم.

وكمال الترتيل: أن يعطي الأداء حقه التام

، فيمد المدود بكمالها، ويتأنى في القراءة، ويسكت بين النفس والنّفَس، ويراعي الوقوف وهكذا.

وأكمل الترتيل: أن يتوقف على الحروف والمدود

ما لم يخرج إلى التمطيط، ويقرأ القرآن على منازله: فإن كان يقرءا تهديدا لفظ به لفظ المتهدّد، وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ على التعظيم، وهكذا [٢].

قال الإمام النووي في المجموع شرح المهذب: [٣] «واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع ويسمى الهذّ. قالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزءين في قدر ذلك الزمن بلا ترتيل، قال العلماء: والترتيل مستحب للتدبر، ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيرا في القلب، ولهذا يستحب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم معناه.

رفع الصوت بالقراءة

أما القراءة في الصلاة

فقد أجمع المسلمون على مشروعية الجهر بالقراءة

(١) مفاتيح الغيب: ٣٠: ١٧٣.

(٢) بتصرف عن البرهان: ١: ٤٤٩، ٤٥٠، وفي كلامه تداخل بين المراتب.

(٣) : ٢: ١٧٩ وانظر الإتقان: ١: ٢٩٩، وقارن بالتبيان: ٨٢ - ٨٤.

في صلاة الصبح والجمعة والعيدين والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، وهو مستحب عندهم فيها للمنفرد، وكذا للإمام عند الجمهور ومنهم الشافعية، وقال الحنفية جهر الإمام بالقراءة فيها واجب، وأما المقتدي: فلا يجهر بالإجماع، بل يسرّ.

ويسرّ الإمام والمنفرد في بقية الصلوات الخمس ونوافل النهار والليل، وقيل: ويجهر في نافلة الليل.

ومعنى الإسرار في القراءات والتكبيرات والأذكار وغير ذلك هو أن يقوله بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السّمع، فإن لم يسمع نفسه لم تصح قراءته ولا غيرها من الأذكار، بلا خلاف [١].

وأما القراءة في غير الصلاة

فالجهر فيها مستحب، والأحاديث في ذلك كثيرة جدا منها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنّى بالقرآن، يجهر به» متفق عليه [٢].

قال الإمام النووي: [٣] «وفي إثبات الجهر أحاديث كثيرة. وأما الآثار عن الصحابة والتابعين فأكثر من أن تحصر، وأشهر من ان تذكر».

لكن خالف بعض السلف وفضّلوا الإخفاء على الجهر، ويدل لهم حديث عقبة، به عامر، رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرّ بالقرآن، كالمسرّ بالصدقة» أخرجه الثلاثة وحسّنه الترمذي [٤].

(١) التبيان: ١١١ - ١١٢.

(٢) البخاري في التوحيد (الماهر بالقرآن) : ٩: ١٥٧، ومسلم (استحباب تحسين الصوت بالقرآن) : ٢: ١٩٢.

(٣) التبيان: ٩٦.

(٤) أبو داود في الصلاة (رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل) : ٢: ٣٨، والترمذي في ثواب القرآن: ٥: ١٨٠، وقال: «حسن غريب» والنسائي: ٥: ٨٠.

فدل على تفضيل الإخفات بالقراءة، لأنه شبهها بصدقة السّرّ، والسّرّ بها أفضل من الإعلان.

لكن يجاب عن هذا بأنه لا إشكال، ولا خلاف في الحقيقة، لأن المراد تفضيل قراءة السرّ لمن خاف على نفسه العجب أو الرياء، أو نحو ذلك، وتفضيل قراءة الجهر لمن أمن

ذلك.

تحسين الصوت بالقرآن

وهذه سنة، أجمع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على سنية تحسين الصوت بالقرآن [١]، وأدلة ذلك من الأحاديث السابقة ظاهرة، وغيرها كثير، منها: عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» أخرجه الأربعة إلا الترمذي وصححه البخاري [٢].

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة، وأخرجه البخاري عن أبي هريرة [٣].

والمعنى تحسين الصوت عند القراءة، فإن الكلام الحسن يزيد حسنا وزينة بالصوت الحسن، وبالتالي يزداد نفعه للقلوب لدى القارئ والسامع [٤]: كما هو معلوم مشاهد.

تلحين قراءة القرآن

ذهب جمهور من الصحابة ومن بعدهم إلى استحباب تلحين القرآن، وهو

(١) التبيان: ٩٨، والإتقان: ١: ٣٠٢، انظر المجموع: ١٧٩، ١٨١.

(٢) أبو داود (استحباب الترتيل) : ٢: ٧٤، والنسائي: (تزيين القرآن بالصوت) : ٢: ١٧٩ - ١٨٠ وابن ماجة (حسن الصوت بالقرآن) : ١: ٤٢٦ وعلقه البخاري بصيغة الجزم في التوحيد: ٩:

١٥٧، وهو حكم بصحته.

(٣) المسند: ١: ١٧٢، ١٧٥، ١٧٩، وأبو داود في الموضع السابق وابن ماجة: ١/ ٤٢٤، والبخاري في التوحيد: (باب قول الله وأسروا قولكم ... ) ٩: ١٥٣.

(٤) وليس معناها أن القرآن بحاجة إلى تزيين كما رأى بعض العلماء. انظر حاشية السندي على سنن النسائي: ٢: ١٧٩.

مذهب الحنفية والشافعية، وذهب جماعة من السلف إلى منعه، وهو مذهب المالكية والحنبلية [١].

واستدل الجمهور بما سبق من الأحاديث في رفع الصوت وفي تحسينه، وهي صريحة في المراد، مثل قوله: «ما أذن الله لنبي يتغنّى بالقرآن»، و «زينوا القرآن بأصواتكم» و «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن». وغير ذلك.

واستدل المانعون بأدلة من القرآن والسنة والعقل والقياس.

أما القرآن فقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ والتلحين باطل، لأنه يؤدي إلى تغيير الكلام.

واستدلوا من السنة بأحاديث فيها ضعف، ومنها ضعفه شديد جدا.

واستدلوا من القياس بأن التلحين يخرج الكلام عن أصله، ويزيد فيه المد ولو غير ممدود، ويجعل الحرف الواحد حروفا والمد مدودا، والألف ألفات، أو يقصر ما هو ممدود، وغير ذلك مما يحتاجه التطريب، وكل ذلك لا يجوز [٢].

وأجابوا عن أدلة الجمهور بأن المراد بتغني النبي صلى الله عليه وسلم تحسين صوته ورفعه، لا التلحين، وأن معنى «يتغنى بالقرآن»: يستغن. وقالوا: حديث زينوا القرآن بأصواتهم، هذا على القلب، والمراد زينوا أصواتكم بالقرآن، لأن القرآن منبع الخبر والفضائل، فكيف نزينه.

وغير ذلك من أجوبة وتأويلات كثيرة، اخترنا أمثلها، لا نطيل بإيرادها [٣].

ونرى أنه لا خلاف في الحقيقة فقد أراد المجوزون التلحين الذي لا يخرج

(١) كذلك عزا القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ١: ١٠ - ١١ وتفسير آيات الأحكام بإشراف فضيلة الأستاذ الشيخ محمد علي السائس: ٤: ١٩٢ - ١٩٣. وكأنه اختصر بحث القرطبي قارنه بتفسير آيات الأحكام: ٤: ١٩٢ - ١٩٦.

(٢) الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٦.

(٣) انظرها مفصلة في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي مع جمع أدلة الكل: ١/ ١٢ - ١٦.

عن قواعد أداء القرآن وتجويده، وأراد المانعون، ما يخرج عن ذلك، وهو ولا شك ممنوع بل حرام يفسق به القارئ ويأثم المستمع، لأنه عدل عن نهجه القويم [١].

يؤيد ذلك كلام المانعين نفسه وأدلتهم، لمن تأملها، ولذلك ورد القولان عن بعض الأئمة، كالإمام الشافعي، وقال أصحابه: ليس هذا اختلاف رأي، بل المراد واحد، على نحو ما ذكرنا [٢].

قراءة الجماعة مجتمعين أو بالدور

قال الإمام النووي: [٣] «اعلم أن قراءة الجماعة مجتمعين مستحبة بالدلائل الظاهرة، وأفعال السلف والخلف المتظاهرة».

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنه قال: «ما من قوم يذكرون الله إلا حفّت بهم الملائكة، وغشيتهم

الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده». قال الترمذي:

حديث حسن صحيح [٤].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» رواه مسلم [٥].

ولمن يجمع الناس على قراءة القرآن أو دراسته أو مجلس ذكر أو علم له فضيلة، جاء فيها نصوص كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله» أخرجه مسلم [٦].

(١) الإتقان: ١/ ٣٠٣. وانظر المجموع: ٢/ ١٨١.

(٢) الإتقان الموضع السابق.

(٣) التبيان: ٩٠. وانظر المجموع: ٢/ ١٨٠.

(٤) في الدعوات: (القوم يجلسون فيذكرون .. ) : ٥/ ٤٥٩ - ٤٦٠ والمسند: ٢/ ٤٤٧، ٣/ ٣٣.

(٥) في الذكر والدعاء (فضل الاجتماع على القرآن) : ٨: ٧١.

(٦) في الإمارة (فضل إعانة الغازي .. ) ٦: ٤١.

وقال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى.

قال النووي: «ولا شك في عظم أجر الساعي في ذلك» [١].

وأما القراءة بالدور: وعبروا عنها بقولهم «الإدارة بالقرآن» - وهو أن يجتمع جماعة يقرأ بعضهم عشرا، أو أكثر أو أقل، ثم يسكت ويقرأ الآخر من حيث انتهى الذي قبله، فهذا جائز حسن أيضا ولا إشكال فيه. وثوابه عظيم [٢].

حكم القراءة للغير

ذهب أكثر العلماء إلى مشروعية قراءة الإنسان القرآن لغيره من حي أو ميت، وأنه يصل ثوابها إليه، وهو مذهب الأئمة الثلاثة.

وذهب الشافعي وبعض العلماء إلى خلاف ذلك، لقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [٣].

استدل الجمهور بظواهر أدلة كثيرة، منها من القرآن

قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ.

وقال أيضا: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ.

واستدلوا بصحة الصدقة والحج عن الغير، وكذا هذا.

وأجابوا عن الآية بأن وصول الثواب للغير هو من سعيه، وهو إيمانه، أو أن المعنى أن لا يجب للإنسان إلا ما سعى.

ويرجح ذلك أنه لا خلاف في مشروعية دعاء المؤمن لأخيه المؤمن، والتصدق عنه، وهذا دعاء بوصول الثواب، وقبوله بفضل الله تعالى [٤].

(١) التبيان: ٩٢، ومن أنكر هذا الاجتماع وأمثاله فهو مخالف للسنة، ولما عليه السلف والخلف، وهو قول متروك، كما قال النووي.

(٢) التبيان: ٩٣، والإتقان: ١/ ٣٠٣.

(٣) الإتقان: ١/ ٣١٤.

(٤) كما قال الآلوسي في روح المعاني: ٨: ٢٦٥، وفيه توسع، وانظر المدخل: ٤٦٧.

آداب استماع القرآن

١ - الاستماع والإنصات

وما يطلب من الأدب في حضرة القرآن الكريم كما صرحت الآية:

فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا فيستحب له التدبر، والتخشع، والبكاء الذي أثنى الله تعالى على أهله، والكف عما يشغل الذهن ليكون محل تنزل الرحمة المرجوة من فضل الله تعالى.

٢ - استحباب طلب القراءة الطيبة

ولعظمة فضل الاستماع لقراءة القرآن، وقد جعلها الله تعالى سببا لرحمته لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قال الحنفية: إن استماع القرآن أفضل من قراءة الإنسان القرآن بنفسه، لأن الاستماع واجب، وقراءة القرآن خارج الصلاة ليست واجبا.

واتفقوا على أنه يستحب أن يطلب المسلم القراءة ممن يحسن قراءة القرآن مع حسن الصوت. وقد كان جماعات من السلف رضوان الله عليهم يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن يقرءوا وهم يستمعون، وهذا متفق على استحبابه وهو من عادة الأخيار المتعبدين، وعباد الله الصالحين».

وهو سنة ثابتة عن أفضل النبيين صلى الله عليه وسلم. فقد أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ عليّ» قلت:

يا رسول الله اقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: «نعم». (وفي لفظ آخر عندهما:

«إني أحبّ أن أسمعه من غيري .. ») . فقرأت سورة النّساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً قال:

حسبك الآن. فالتفتّ إليه، فإذا عيناه تذرفان» صلى الله عليه وسلم.

وقد وقع استماع النبي صلى الله عليه وسلم القرآن من أصحابه كثيرا، فاحرص عليه.

آداب ختم القرآن

١ - يسنّ ختم القرآن كل أسبوع

، كما كان عليه أهل النشاط من الصحابة والتابعين، ولا يزيد على شهر. قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في

شهر» قال: إني أجد قوة، حتى قال: «فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك» متفق عليه.

ويكره أن يختم في أقلّ من ثلاث، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث» أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي.

٢ - التكبير

ولفظه اللَّهِ أَكْبَرُ ونقل عن جماعة «لا إله إلا الله والله أكبر» وزاد بعضهم «ولله الحمد».

ومحلّه من آخر سورة الضحى إلى آخر الناس أو أولهما.

ولا يوصل التكبير بآخر السورة، بل يفصل بينهما بسكتة.

٣ - يستحسن الصيام

يوم الختم، ثبت فعل ذلك عن جماعة من التابعين.

٤ - الشروع في ختمة أخرى

«استحبه السلف والخلف» كما نصّ النووي، وفيه حديث ابن عباس عن أبيّ بن كعب بذلك، أخرجه الدارمي بسند حسن كما ذكر السيوطي في الاتقان.

٥ - حضور مجلس الختم

وهو مستحب استحبابا متأكّدا، كان يحرص عليه الصحابة والتابعون. قال مجاهد بن جبر: «كانوا يجتمعون عند ختم القرآن، يقولون: تنزل الرحمة».

٦ - الدعاء عقب الختم

يستحب الدعاء عقيب ختم القرآن استحبابا متأكدا، لحديث «من قرأ القرآن فليسأل الله به ... » أخرجه ابن حبان وحسّنه السيوطي [١]. مع أحاديث كثيرة تبلغ العشرة [٢]، ما بين مرفوع صريحا ومرفوع حكما.

(١) الجامع الصغير وشرحه فيض القدير: ٦: ٢٠٤.

(٢) انظرها في التبيان: ١٣١ - ١٣٣، وتلاوة القرآن المجيد: ١١٨ - ١٢٠.

وأوصي القارئ الكريم لزاما أن يرجع بتوسع إلى كتب تلاوة القرآن المجيد، فإن فيه روحا خاصا، كما هو حال كتاب فضيلة شيخنا أمتع الله المسلمين به.

الفصل الختامي حقوق القرآن على بني الإنسان

هكذا توصلنا بهذه الدراسة المحقّقة إلى علم اليقين بهذا القرآن وعظمته، فقد تيقنّا ألوهية مصدره وأنه تنزيل من حكيم حميد، على قلب النبي الأمين صلى الله عليه وسلم، وقد حفظ في صدور الأمة من أيامها الأولى ودوّن في السطور، ورتّب على وفق نسخته في الملأ الأعلى في اللوح المحفوظ، بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم.

واتضح لنا أيضا منهج تفسيره، وأنه قائم على أصول متينة هي أصول فهم كلام العرب لا يتخطاها، يؤيد هذا المنهج دراسات من أسباب النزول والمكي والمدني والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ ...

ثم وقفنا بالتالي خاشعين أمام إعجازه، وآمنا بجلال هذا الإعجاز، وشموله الأسلوب والمضمون، المبنى والمعنى، وأنه يتلاءم مع تجدد الأدب وتقدم العلم، في كل زمان ومكان، وزاد تلك النتائج ثبوتا ويقينا دلائل إعجاز القرآن في التصوير الفني، والكون، والقصة، ليتناول إعجاز القرآن الحاضر، وما قبله من الماضي، وما بعده من

المستقبل، كما قال عزّ وجلّ:

وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.

إن هذه الحقائق لتقرر حق القرآن الواجب على بني الإنسان عامة وعلى المسلم خاصة، أن يقوموا به حق القيام بدأب واستمرار:

إن أول حق القرآن على العالم وعلى المسلم أن يؤمن بأنه كلام الله حقا، أنزله على قلب رسوله الصادق الأمين، معجزة بينة وبرهانا قاطعا، يثبت أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو رسول الله إلى العالم كله على مدى الزمان، وأنه خاتم النبيين، لقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً. وقوله: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ.

وقوله: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ.

وإنّ من حق القرآن أن نعظمه غاية التعظيم، إعظاما لقائله عز وجل، وإعظاما لما أتى به من بيانات الحق وفنون الإعجاز، وعرفانا لفضله على العالم، فلولا القرآن لما خرجت العرب من جاهليتها إلى نور العلم وإلى السيادة، ولما خرجت الإنسانية من دياجير الظلام إلى نور الحضارة والعرفان.

وإن من حق القرآن على كل إنسان عامة وعلى المسلم خاصة أن يتلوه حقّ تلاوته، ومن حق تلاوته قراءته حسب أصولها وإقامة حروفه، والخشوع لدى قراءته أو استماعه، وأن يستظهروه في حافظتهم، وسويداء قلوبهم.

وإن من حق القرآن على كل إنسان وعلى كل مسلم أن يتدارسوا القرآن حق درسه، ويتفهموه على أصول فهمه، ويدفعوا تأويل المحرّفين، ويرفضوا زيغ المغرضين في فهم معانيه، أو حقيّته ودعوته وتشريعه.

وإن من حق القرآن على كل مسلم وعلى كل إنسان أن يعنوا العناية كلّها بذوق الجمال في بلاغته وإعجاز بيانه، ويعتبروا بأمثاله وقصصه ومواعظه، ويغوصوا بفكرهم على درره، فإنه لا تفنى عجائبه.

وإن من حق القرآن على كل مسلم وعلى كل إنسان أن يتفهم علوم القرآن، ويقف مع أحكامه، فيصوغ منها حياته، ويترجمها سلوكا يعيشه، وخلقا وإنسانية يسمو بهما على كل مثل العالم.

وإن من حق القرآن على كل مسلم أن يبلغ دعوة الإيمان بالقرآن إلى

العالم امتثالا للواجب، وعملا بالفريضة: فريضة الدعوة إلى الله التي جاء بها كتاب الله، والتي حمّلها القرآن للمسلمين عامة وللعرب خاصة، وجعل بها عزّهم وشرفهم، واحترامهم في العالم:

قال عز وجل: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ.

وقال صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري وغيره-:

«بلغوا عني ولو آية».

وفي هذا حث للمسلم أن يبذل ما يستطيع، ولو بخدمة آية من كتاب الله، فبالاستمرار يعظم الخير وتنتشر الهداية.

اللهم وفقنا لتلاوة كتابك حق تلاوته، وفهمه حق فهمه، والعمل به حق العمل، وخدمة الدعوة إليه، كما تحب وترضى.

وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، رحمة باقية خالدة، وهداية كاملة شاملة، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

كتبه نور الدين محمد عتر خادم القرآن وعلومه والحديث وعلومه في كليات الشريعة والآداب بجامعتي دمشق وحلب 

[fatihsyuhud.org]

عن الكاتب

Tanya Ustadz

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية