الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

ترتيب آيات القرآن وسوره | علوم القرآن نور الدين عتر

 

ترتيب آيات القرآن وسوره | علوم القرآن نور الدين عتر

الكتاب: علوم القرآن الكريم
المؤلف: نور الدين محمد عتر الحلبي
الموضوع: التفسير وعلوم القرأن
الناشر: مطبعة الصباح - دمشق
الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م
عدد الصفحات: ٢٩٠
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صفحة المؤلف: [نور الدين عتر]


 فهرس الموضوعات

  1. الفصل الخامس ترتيب آيات القرآن وسوره
  2. تعريف الآية
  3. الآية في اللغة
  4. وأما في اصطلاح علم القرآن الكريم
  5. تعريف السورة
  6. للسورة في اللغة إطلاقات متعددة
  7. أما في الاصطلاح فالسورة
  8. الفائدة في تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة ...
  9. مصدر ترتيب القرآن الكريم
  10. وأما ترتيب سور القرآن
  11. الفصل السادس أسباب النزول
  12. ويعرف سبب النزول بأنه
  13. فوائد علم أسباب النزول
  14. ١ - الاستعانة على فهم المعنى المراد
  15. ٢ - معرفة وجه الحكمة التي ينطوي عليها تشريع الحكم
  16. ٣ - إزالة الإشكال عن ظاهر النص لمن لم يتعرف سبب النزول
  17. ٤ - كشف أسرار البلاغة في القرآن العظيم
  18. كيف نعرف أسباب النزول
  19. اختلاف روايات أسباب النزول
  20. ١ - ضعف الرواة
  21. ٢ - تعدد الأسباب والمنزل واحد
  22. ٣ - أن يتعدد نزول النص لتعدد الأسباب
  23. عموم اللفظ وخصوص السبب
  24. ١ - أما إن كان النص النازل خاصا بالسبب، ولا عموم للفظه
  25. ٢ - وإما أن يكون السبب خاصا ولفظ الآية عاما
  26. أشهر المؤلفات في أسباب النزول
  27. الفصل السابع المكي والمدني
  28. ضابط المكي والمدني
  29. أهمية علم المكي والمدني
  30. كيف نعرف المكي والمدني
  31. أما السماع
  32. وأما القياس
  33. القرآن المكي من حيث الموضوع
  34. القرآن المدني من حيث الموضوع
  35. القرآن المكي من حيث الأسلوب
  36. القرآن المدني من حيث الأسلوب
  37. ومن سمات أسلوب القرآن المدني
  38. مناقشة المستشرقين حول المكي والمدني
  39. الفصل الثامن التفسير أصوله ومصادره
  40. تعريف التفسير
  41. التفسير في اللغة
  42. والتفسير اصطلاحا
  43. التأويل في اللغة
  44. وأما التأويل اصطلاحا
  45. مراتب التفسير وحكمها
  46. أقسام التفسير من حيث منهجه العلمي
  47. القسم الأول: التفسير بالمأثور
  48. أسباب الضعف في التفسير المأثور
  49. السبب الأول: الإسرائيليات
  50. أثر الإسرائيليات في التفسير
  51. وتنقسم الإسرائيليات إلى ثلاث أقسام
  52. الأول: ما يعلم صحته بالنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم
  53. الثاني: ما يعلم كذبه
  54. الثالث: مسكوت عنه
  55. موقف المفسر إزاء الإسرائيليات
  56. وأشهر الرواة للإسرائيليات
  57. السبب الثاني لضعف التفسير المأثور: حذف الإسناد
  58. السبب الثالث: الوضع
  59. وأهم المصنفات في التفسير المأثور
  60. ١ - جامع البيان في تفسير القرآن للطبري
  61. مؤلفه
  62. طريقة الطبري في تفسيره
  63. ٢ - تفسير القرآن العظيم لابن كثير
  64. طريقة هذا التفسير
  65. ٣ - لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن
  66. طريقة هذا التفسير
  67. ٤ - الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي
  68. طريقة الثعالبي في تفسيره
  69. القسم الثاني من أقسام التفسير التفسير بالرأي
  70. معنى التفسير بالرأي
  71. التحقيق في الموضوع
  72. العلوم التي يحتاج إليها المفسر: والتمكن منها شرط أساسي للباحث في التفسير، وهي
  73. أهم كتب التفسير بالرأي
  74. ١ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري
  75. طريقته في تفسير الكشاف
  76. ٢ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي
  77. التعريف بالتفسير وطريقته
  78. ٣ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل: للنسفي
  79. طريقة هذا التفسير
  80. ٤ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود
  81. التعريف بهذا التفسير
  82. عنايته بالكشف عن بلاغة القرآن وسر إعجازه
  83. ٥ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي
  84. طريقة هذا التفسير
  85. ويمكن تلخيص طريقته فيما يلي
  86. شروط المفسر والقواعد التي يحتاج إليها
  87. أولا: التحفظ من القول في كتاب الله تعالى إلا على بينة
  88. ثانيا: ينبغي على الناظر في القرآن أن يعتمد في ذلك على من تقدمه
  89. ثالثا: أن يكون على بال من الناظر والمفسر والمتكلم على القرآن أن ما يقوله من التفسير هو قول بلسان بيانه
  90. رابعا: من واجبات المفسر أيضا إضافة لما ذكرنا واجب هام، وهو أن يلاحظ المنهجية في كلامه في التفسير
  91. خامسا: خطة التفسير
  92. الفصل التاسع التفسير الإشاري
  93. تعريفه
  94. الأصل فيه
  95. شروط التفسير الإشاري
  96. من أهم كتب التفسير الإشاري
  97. ١ - "تفسير القرآن العظيم"، للتستري
  98. ٢ - "لطائف الإشارات" للقشيري
  99. العودة الي كتاب التفسير والمفسرون

 

 الفصل الخامس ترتيب آيات القرآن وسوره

تعريف الآية

الآية في اللغة

أصلها بمعنى العلامة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ [١].

وأما في اصطلاح علم القرآن الكريم

فهي قرآن مركب من جمل ولو تقديرا، ذو مبدأ ومقطع مندرج في ضمن سورة.

سميت آية لمناسبات عدة، أولاها في اختيارنا: أنها علامة على صدق من أتى بها، وعلى عجز المتحدّى بها [٢].

تعريف السورة

للسورة في اللغة إطلاقات متعددة

، لعلّ أقربها هنا أنها مأخوذة من سور المدينة، أو من السورة بمعنى المرتبة والمنزلة الرفيعة، على حد قول النابغة:

ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب

أي أعطاك منزلة عالية على غيرك من الملوك.

أما في الاصطلاح فالسورة

قرآن يشتمل على آي ذوات فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات.

(١) سورة البقرة، الآية ٢٤٨.

(٢) البرهان ج ١ ص ٢٦٦ و ٢٦٧.

ومناسبة التسمية واضحة، لأنها كالسور تحيط بآياتها وتجمعها كاجتماع البيوت بالسور، أو لعلوّ قدرها وشرفها [١].

وفي تقسيم القرآن إلى سور وآيات فوائد كثيرة، وحكم جليلة تعرض العلماء لها، نذكر إجمالات من كلامهم عنها فيما يلي:

قال الزمخشري:

«الفائدة في تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة ...

منها: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخم من أن يكون بابا واحدا.

ومنها: أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له، وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومثله المسافر إذا اقتطع ميلا أو فرسخا وانتهى إلى رأس برية نفّس ذلك منه ونشطه للمسير، ومن ثمة جزّأ القرآن أجزاء وأخماسا.

ومنها: أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة فيعظم عنده ما حفظه، ومنه حديث أنس: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ فينا»، ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة أفضل.

ومنها: أن التفصيل يسبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض، وبذلك تتلاحظ المعاني والنظم، إلى غير ذلك من الفوائد».

مصدر ترتيب القرآن الكريم

أجمع العلماء سلفا فخلفا على أن ترتيب الآيات في السور توقيفي، أي اتبع فيه الصحابة أمر النبي صلّى الله عليه وسلم، وتلقّاه النبي الكريم عن جبريل عليه السلام، ولا يشتبه في ذلك أحد [٢].

وفي هذا يقول أبو جعفر بن الزبير: «ترتيب الآيات في سورها واقع

(١) البرهان ج ١ ص ٢٦٣ و ٢٦٤.

(٢) البرهان ج ١ ص ٢٥٦ والإتقان ج ١ ص ٦٠.

بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره، من غير خلاف في هذا بين المسلمين» انتهى [١].

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في الانتصار: «ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا» [٢].

والأحاديث في إثبات التوقيف في ترتيب الآيات في السور كثيرة جدا كثرة تفوق حد التواتر، وتجعل من العسير استيعابها وحصرها لكنا نذكر هنا أمثلة منها تلقي الضوء على صنيع النبي صلى الله عليه وسلم:

أخرج البخاري [٣] عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها؟

قال: يا ابن أخي لا أغيّر شيئا منه من مكانه.

وأخرج أحمد ومسلم [٤] عن عمر قال: ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: «يكفيك آية الصيف التي في آخر النساء».

وأخرج أحمد بالإسناد الثابت عن عثمان بن أبي العاص قال كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شخص ببصره ثم صوّبه، ثم قال:

«أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية في هذا الموضع: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى» إلى آخرها [٥].

ومنها الأحاديث التي تخبر عن آيات بموضعها، وذلك يشعر بكون هذا الترتيب معلوما شائعا مفروغا منه، وهي أحاديث كثيرة تعسر على الحصر:

مثل الأحاديث في فضل خواتيم البقرة في الصحيحين، وحديث فضل من

(١) الإتقان في الموضع السابق.

(٢) انظر المرجعين السابقين.

(٣) ج ٦ ص ٣١.

(٤) المسند ج ١ ص ٢٦ ومسلم ج ٥ ص ٦١.

(٥) المسند ج ٤ ص ٢١٨ وانظر الإتقان ج ١ ص ٦٠.

حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجّال أخرجه مسلم، وفي رواية العشر الأواخر من سورة الكهف.

ومن ذلك الأحاديث الكثيرة المتضافرة في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سور القرآن، وغير ذلك مما يصعب عده وإحصاؤه.

وأما ترتيب سور القرآن

فقد وقع فيه خلاف بسبب وجود روايات فهم منها بعض العلماء أن ترتيب بعض السور كان باجتهاد من الصحابة.

لكن جماهير العلماء على أن ترتيب سور القرآن توقيفي، وليس باجتهاد من الصحابة، وإن كانوا اختلفوا هل كل ذلك الترتيب بتوقيف قولي صريح من النبي صلى الله عليه وسلم ينص على كل سورة أنها بعد سورة كذا، أو أن بعض هذا الترتيب قد استند فيه الصحابة إلى مستند فعلي من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مثلا.

وذهب ابن عطية وبعض العلماء إلى أن كثيرا من السور كان قد علم ترتيبها في حياته صلى الله عليه وسلم، كالسبع الطوال والحواميم والمفصّل، وأن بعض السور يمكن أن يكون فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده.

ولعل أقوى ما يستدل به لهذا الرأي حديث ابن عباس، قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموهما في السبع الطوال؟

فقال عثمان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: «ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا»، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن

الرحيم، ووضعتها في السبع الطوال» أخرجه أحمد والثلاثة وابن حبان والحاكم.

وهو استدلال غير سديد سندا ومتنا.

أما السند فإن إسناد هذا الحديث ضعيف، فيه يزيد الفارسي وهو ضعيف ضعفه البخاري وغيره، وقالا تفرد به فلا يصلح للاحتجاج [١]، فضلا عن أن يكون مرجعا في قضية هامة كهذه.

وأما المتن: فإن الصحابة يقرءون القرآن ويتلقونه، فكيف لا يوجد عند أحد منهم علم بسورتين من القرآن الكريم.

يؤيد ما ذكرناه أيضا ما أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال:

سألت علي بن أبي طالب: لم لم تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟

قال: لأنها أمان، وبراءة نزلت بالسيف».

وقال الإمام القشيري: والصحيح أن البسملة لم تكن فيها لأن جبريل عليه السلام لم ينزل بها فيها.

والأدلة على أن ترتيب السور كلها توقيفي كثيرة جدا من السنة نجد فيها ترتيب السور على وفق مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه، نذكر منها:

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: «إنهن من العتاق الأول، وهنّ من تلادي»، أخرجه البخاري.

فذكر ابن مسعود السور نسقا كما استقر ترتيبها.

ومثله في البخاري أيضا، أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين.

وعن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت مكان

(١) انظر التوسع في نقد السند. كتابنا الجامع المفصل في علوم القرآن يسر الله إخراجه.

التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضّلت بالمفصّل» أخرجه أبو داود الطيالسي وأبو عبيد [١].

قال أبو جعفر النحاس: «وهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبي صلى الله عليه وسلم: وأنه مؤلف من ذلك الوقت، وإنما جمع في المصحف على شيء واحد، لأنه قد جاء هذا الحديث بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تأليف القرآن، وفيه أيضا دليل على أن سورة الأنفال سورة على حدة، وليست من براءة» انتهى [٢].

وعن سعيد بن خالد أنه قال: «قرأ صلى الله عليه وسلم بالسبع الطوال في ركعة» أخرجه ابن أبي شيبة [٣].

وعن أوس بن أبي أوس عن حذيفة الثقفي في حديث طويل قال فيه أوس: فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون القرآن؟

فقالوا: ثلاث [٤]، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصّل وحده» أخرجه أبو داود وابن ماجة وأحمد [٥].

وغير ذلك يضيق المجال عن حصره.

ويشهد لذلك من حيث الدراية والعقل واقع الترتيب وطريقته، وذلك من وجهين لا يشك الناظر فيهما أن الترتيب بين السور توقيفي: أي مأخوذ عن النبي صلى الله عليه وسلم:

الأول: مما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم، رتبت ولاء، وكذا

(١) من رواية سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي المليح الهذلي عن واثلة، وفي حديث سعيد لين، لكنه ورد من طريق آخر هو عمران القطان عن قتادة عند الطيالسي كما في البرهان ج ١ ص ٢٤٤ و ٢٥٨ فتقوى من هذه الناحية.

(٢) البرهان ج ١ ص ٢٥٨ ونقله في الإتقان بتصرف ج ١ ص ٦٢.

(٣) الإتقان، الموضع السابق.

(٤) أي ثلاث سور: البقرة، وآل عمران، والنساء، وخمس سور بعدها وهكذا ... حتى يختم في أسبوع، كما سبق في حديث عبد الله بن عمرو.

(٥) البرهان ج ١ ص ٢٤٦ - ٢٤٧ والإتقان ٦٣.

الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاء، بل فصل بين سورها، وفصل بين طسم الشعراء وطسم القصص بطس النمل مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبحات ولاء، وأخرت طس النمل عن طسم القصص [١].

وهكذا من يتدبر سائر السور يعلم أن ترتيبها توقيفي.

الثاني: ما راعاه العلماء الأئمة في بحوثهم من التزام بيان أوجه التناسب بين كل سورة وما قبلها، وبيان وجه ترتيبها.

ويدل الإجماع على ذلك أيضا، فإن الصحابة قد أجمعوا على هذا الترتيب وقرءوا به في صلواتهم، وفي المصاحف من غير مخالفة، ولو كان لدى بعضهم مستند لترتيبه على غير ذلك لتمسكوا به، لكنهم أجمعوا على التزام هذا الترتيب وترك ما سواه، ثم استمرت الأمة على ذلك من غير خلاف قط، فكان ذلك إجماعا على الترتيب الذي في مصحف عثمان، ووجوب التزامه مدى الأزمان [٢].

(١) انظر الإتقان والبرهان.

(٢) وقد أخطأ من خالف هذا الترتيب في تفسيره للقرآن أو لجزء منه، وذلك لما يلي:

١ - مخالفة الإجماع على ترتيب سور القرآن كما هي في المصحف.

٢ - الإخلال بمقاصد الوحي الإلهي من ترتيب القرآن، وما فيه من مناسبات حكيمة تتصل بمعاني القرآن وتدخل في إعجازه، فمهما خطر ببال أحدهم فحكمة الوحي أعلى وأسمى، وقد أحكم الحكيم العليم ترتيب كتابه آيات وسورا، كما أحكم ترتيب أطرافه، وقد افتتح القرآن بالمعارف الإلهية وأصول العقيدة في سورة الفاتحة، ثم قرر في البقرة عظمة القرآن ومقاصد هدايته ودعا إلى توحيد الله مستدلا بدلائل الخلق والآفاق وإلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والقرآن وتحدى العالم بمثل سورة منه، وذكر الجنة والنار، ثم أقام الحجج على المشركين وغيرهم ...

وهكذا فقد عرّف القرآن الإنسان منذ بداية طرف المصحف الأول بمقام ربه وعظيم شأنه وأجال نظره في آياته التي تتجلى في مخلوقاته، وعرف نبوة رسوله وحقية كتابه، وصار بذلك أهلا لفهم التشريع متهيئا لقبوله، فأتاه حينئذ بالتشريع والأحكام.

الفصل السادس أسباب النزول

هذا علم جوهري من علوم القرآن، وأثير لدى الباحثين في التفسير عامة، وفي أسرار أسلوب القرآن خاصة.

ويعرف سبب النزول بأنه

ما نزلت الآية أو الآيات تتحدث عنه أيام وقوعه.

وهذا القيد «أيام وقوعه» يعتبر شرطا جوهريا لبيان سبب النزول وتمييزه عن الآيات التي نزلت للإخبار بالوقائع الماضية، حتى انتقد العلماء «ما ذكره الواحدي في تفسيره سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية، كذكر قصة نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك.

وجدير بالتنبيه عليه هنا أنه ليس كل القرآن قد نزل على أسباب، بل إن من القرآن الكريم ما نزل ابتداء غير مبني على سبب، ومن ذلك أكثر قصص الأنبياء مع أممهم، وكذا وصف بعض الوقائع الماضية، أو أنباء الغيب القادمة، وبيان أهوال القيامة، والجنة والنار، فقد نزل أكثر من ذلك ابتداء، من غير توقف على سبب [١].

(١) أما قول ابن مسعود «والله ما نزلت آية إلا وأنا أعلم فيمن نزلت ... » ونحوه عن علي رضي الله عنهما، فليس يعني أن لكل آية سببا بل المراد إن كان لها سبب فهو يعلمه، وقد حاد عن الجادة من حمله على المبالغة أو ظن بالرواة تزيدا. فليتنبه.

فوائد علم أسباب النزول

ولا ريب عند من له تأمل وخبر بدراسة النصوص والوثائق أن لمعرفة أسباب النزول والوقائع التي بني عليها ورود النص أو ترتب عليها وقوع الحدث من أحداث التاريخ له أثر بالغ الخطر في دراسة تلك النصوص أو الأحداث، وذلك من أوجه كثيرة، نذكر منها في هذا المقام:

١ - الاستعانة على فهم المعنى المراد

لما هو معلوم من الارتباط بين السبب والمسبب، قال الواحدي: «لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها».

وقال ابن دقيق العيد: «بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن» [١].

وقال ابن تيمية: «معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب».

٢ - معرفة وجه الحكمة التي ينطوي عليها تشريع الحكم

مما يكون أدعى لتفهمه وتقبله، فمن قرأ أسباب نزول آيات تحريم الخمر متدرجة واحدة بعد الأخرى، أدرك ضرورة تحريم الخمر، وبعثه موقف الصحابة عند نزول تحريمها الباتّ لأن يقتدي بهم ويأتسي بعملهم فينزجر عما قد يكون عليه من فعل محرّم.

٣ - إزالة الإشكال عن ظاهر النص لمن لم يتعرف سبب النزول

وذلك كثير يصادفه المفسر، ومنه هذا المثال المشهور وهو أنه قد أشكل على مروان بن الحكم معنى قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [٢]، وقال: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم

(١) الإتقان ج ١ ص ٢٨ وقارن نصه بالبرهان ج ١ ص ٢٢.

(٢) سورة آل عمران، الآية ١٨٨.

يفعل معذّبا لنعذّبنّ أجمعون؟ حتى بين له ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه» أخرجه الشيخان [١].

٤ - كشف أسرار البلاغة في القرآن العظيم

لما يفيده علم أسباب النزول من تلاؤم أسلوب القرآن مع مقتضى حال السامعين والعالمين إلى يوم الدين. وقد حفلت مصادر التفسير البلاغي بهذا اللون [٢].

كيف نعرف أسباب النزول

لما كان سبب النزول أمرا واقعا نزلت الآية بشأنه كان من البدهي ألا يدخل العلم بهذه الأسباب في دائرة الرأي والاجتهاد لهذا قال الإمام الواحدي في ديباجة كتابه أسباب النزول [٣]:

«ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدّوا في الطّلاب».

ومن هاهنا نفقه تشدد السلف في البحث عن أسباب النزول حتى قال الإمام محمد بن سيرين: سألت عبيدة عن آية من القرآن فقال: «اتق الله وقل سدادا، ذهب الذين يعلمون فيم أنزل الله من القرآن» [٤].

ولما أن أسباب النزول غير خاضعة للاجتهاد أدخلها علماء الحديث من الصحابي الذي عاين التنزيل وعاصره فيما له حكم المرفوع، وإن كانت العبارة فيها لفظ الصحابي [٥] كحديث ابن عباس السابق في جوابه لمروان، فإن

(١) البخاري في التفسير ج ٦ ص ٤٠ - ٤١ ومسلم بلفظه في المنافقين ج ٨ ص ١٢٢.

(٢) انظر دراسة موسعة لهذه الناحية في كتابنا «القرآن الكريم والدراسات الأدبية» ص ٨٥.

(٣) ص ٣ - ٤ وقارن بالإتقان ج ١ ص ٣١.

(٤) الموافقات للشاطبي ج ٣ ص ٤٢٢ - ٤٢٣، والإتقان الموضع السابق.

(٥) انظر المسألة في معرفة علوم الحديث للحاكم ص ٢٠ ومنهج النقد في علوم الحديث ص ٣٢٨ - ٣٢٩.

اللفظ لابن عباس، لكن له حكم المرفوع أي المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد اتفق علماء الحديث على اعتبار قول الصحابي في سبب النزول له حكم المرفوع، وأخرج المحدثون أسباب النزول في كتبهم كالبخاري ومسلم وغيرهما.

أما ما يرويه التابعون من أسباب النزول فهو مرفوع أيضا، لكنه مرسل [١]، لعدم ذكر الصحابي فيه.

لكن ينبغي الحذر والتيقظ، فلا نخلط بأسباب النزول ما ليس منها، فقد يقع على لسانهم قولهم: «نزلت هذه الآية في كذا»، أو «في الرجل يفعل كذا». ويكون المراد بيان موضوع الآية، أو ما دلت عليه من الحكم. كقوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. أخرج البخاري عن حذيفة في هذه الآية قال: «نزلت في النفقة» [٢].

قال الإمام الزركشي [٣]: «وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها ... فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع».

اختلاف روايات أسباب النزول

لما كان سبيل الوصول إلى أسباب النزول هو الرواية والنقل، كان لا بد أن يعرض لها ما يعرض للرواية مما هو معلوم ومدروس في علوم الحديث، من صحة وضعف، واتصال وانقطاع، وغير ذلك مما لا نطيل به، غير أنا ننبه هنا على ظاهرة هامة يحتاج الدارس إليها وهي اختلاف روايات أسباب النزول

(١) الإتقان ج ١ ص ٣١.

(٢) ج ٦ ص ٥٧ والآية هي ١٩٥ من سورة البقرة.

(٣) البرهان ج ١ ص ٣١ - ٣٢ باختصار.

وتعددها، وذلك لأسباب يمكن تلخيص مهماتها فيما يلي [١]:

١ - ضعف الرواة

وضعف الراوي يسبب له الغلط في الرواية، وأن تكون مردودة، فإذا خالفت روايته رواية المقبولين، كانت أولى بالرد.

ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [٢].

فقد ثبت أنها في صلاة التطوع للراكب المسافر على الدابة: أخرج مسلم عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [٣].

وأخرج الترمذي [٤] وضعفه أنها في صلاة من خفيت عليه القبلة فاجتهد فأخطأ القبلة، فإن صلاته صحيحة.

فالمعول هنا في سبب النزول على الأول لصحته.

٢ - تعدد الأسباب والمنزّل واحد:

وذلك بأن تقع عدة وقائع في أزمنة متقاربة فتنزل الآية لأجلها كلها، وذلك واقع في مواضع متعددة من القرآن، والعمدة في ذلك على صحة الروايات، فإذا صحت الروايات بعدة أسباب ولم يكن ثمة ما يدل على تباعدها كان ذلك دليلا على أن الكل سبب لنزول الآية والآيات.

(١) قارن سياقنا في التقسيم بسياق السيوطي في الإتقان ج ١ ص ٣١ - ٣٤ ولا سيما في الصورة الثالثة.

(٢) سورة البقرة، الآية ١١٥.

(٣) صحيح مسلم ج ٢ ص ١٤٩ وأصله متفق عليه، أنظر البخاري ج ٢ ص ٤٤ و ٤٥، وقد قصر السيوطي فلم يعز الحديث إلى مسلم.

(٤) الترمذي ج ١ ص ١٧٦ وأخرجه أيضا ابن ماجة ج ١ ص ٣٢٦ والدارقطني ص ١٠١ طبع الهند.

مثال ذلك: آيات اللعان:

فقد أخرج البخاري أنها نزلت في هلال بن أمية لما قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ ....

وفي الصحيحين أنها نزلت في عويمر العجلاني وسؤاله النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد مع امرأته رجلا .. فقال صلى الله عليه وسلم: «قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك» [١].

وظاهر الحديثين الاختلاف، وكلاهما صحيح.

فأجاب الإمام النووي بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضا فنزلت في شأنهما معا، وبذلك قال الإمام الخطيب، قال:

«لعلهما اتفق لهما ذلك في وقت واحد» [٢].

٣ - أن يتعدد نزول النص لتعدد الأسباب

قال الإمام الزركشي [٣]: «وقد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه ... ».

ولذلك أمثلة، منها:

ما ثبت في الصحيحين [٤] عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ أنها نزلت لما سأله اليهود عن الروح وهو في المدينة، ومعلوم أن هذه الآية في سورة «سبحان»، وهي مكّية بالاتفاق، فإن المشركين لما سألوه عن ذي القرنين وعن أهل الكهف قبل ذلك بمكة وأن اليهود أمروهم أن يسألوه عن ذلك، فأنزل الله الجواب، كما سبق بيانه [٥].

ولا يقال: كيف يتعدد النزول بالآية الواحدة، وهو تحصيل حاصل؟

فالجواب: أن لذلك فائدة جليلة، «والحكمة من هذا- كما قال

(١) البخاري في التفسير: ٦: ٩٩ و ١٠٠ ومسلم في اللعان: ٤: ٢٠٥.

(٢) الإتقان ج ١ ص ٣٣.

(٣) البرهان ج ١ ص ٢٩.

(٤) البخاري في التفسير ج ٦: ١٠٨ - ١٠٩ ومسلم في القيامة: ٨: ١٢٨.

(٥) ص ٣١ وانظر المسند ج ٢ ص ٢٥٥ والطبري ج ١٥ ص ١٠٤.

الزركشي [١] - أنه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضي نزول آية، وقد نزل قبل ذلك ما يتضمنها، فتؤدّى تلك الآية بعينها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، تذكيرا لهم بها، وبأنها تتضمّن هذه».

عموم اللفظ وخصوص السبب

هذه قضية أصولية من قواعد أصول الفقه، كما أنها من أصول التفسير الهامة، تضبط كيفية تفسير السبب للنص ضبطا يزيل التوهم الفاسد.

فالسبب الخاص قد ينزل فيه نص خاص بموضوع السبب، وقد ينزل نص عام الصيغة.

١ - أما إن كان النص النازل خاصا بالسبب، ولا عموم للفظه

فإن الآية حينئذ تقتصر عليه قطعا [٢].

مثال ذلك قوله تعالى في سورة الليل: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى.

هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق بالإجماع، ومن هنا استدل بها الإمام فخر الدين الرازي مع قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ على أن أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما من ظنّ أنها عامة في كل من عمل عمله فهذا غلط منه، لأن هذه الآية ليس فيها صيغة عموم حتى نطبق عليها قاعدة: «العبرة لعموم اللفظ»، بل إن «ال» في الأتقى للعهد، يؤكد ذلك أن «ال»، الموصولة التي تفيد العموم لا توصل بأفعل التفضيل إجماعا، والأتقى ليست جمعا، بل هو مفرد، والعهد موجود، خصوصا مع ما يفيده أفعل التفضيل من التمييز وقطع المشاركة، فبطل القول بالعموم وتعين القطع بالخصوص، والقصر على من نزلت فيه رضي الله تعالى عنه.

(١) البرهان ج ١ ص ٣١.

(٢) الإتقان ج ١ ص ٣٠.

٢ - وإما أن يكون السبب خاصا ولفظ الآية عاما

فالمعتمد الذي عليه جمهور الفقهاء والأصوليين والمفسرين وغيرهم «أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب».

ومن الأدلة على ذلك احتجاج الصحابة والتابعين فمن بعدهم في وقائع كثيرة بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة، وكان ذلك الاستدلال شائعا ذائعا بينهم، لا ينكره أحد.

لذلك قال محمد بن كعب القرظي: «إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد».

وسأل نجدة الحنفي ابن عباس عن قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ... أخاصّ أم عام؟ قال: بل عام [١].

ويدل لذلك أيضا أنه كما قال الإمام الزركشي:

«قد جاءت آيات في مواضع اتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها، كنزول آية الظّهار في سلمة بن صخر، وآية اللعان في شأن هلال بن أمية، ونزول حدّ القذف في رماة عائشة رضي الله عنها، ثم تعدّى إلى غيرهم» [٢].

وهذه القاعدة من البدهيات، لا يمكن للعالم أن يخصص ألفاظ القرآن العامة «بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق» كما قال ابن تيمية [٣].

وعلى ذلك درجت القوانين في الدنيا كلها، فإن القانون يصدر لأسباب خاصة في أحيان كثيرة ثم يكون حكمه عاما على الجميع.

أشهر المؤلفات في أسباب النزول

كان التسطير في أسباب النزول من اختصاص الأئمة الكبار المحدثين

(١) الإتقان ج ١ ص ٢٩ - ٣٠.

(٢) البرهان ج ١ ص ٢٤.

(٣) الإتقان ص ٣٠. وانظر البرهان ج ١ ص ٣٢.

المشاركين في عدد من العلوم، ثم منهم من تعرض لأسباب النزول في كتب التفسير كما نراه في كتب التفسير بالمأثور بصورة خاصة، ومنهم من أفرد جمع مادة هذا العلم في تأليف مفرد.

وأول من عرفناه ألّف في أسباب نزول القرآن الكريم شيخ البخاري الإمام علي بن عبد الله المديني (المتوفى سنة ٢٣٤ هـ) ، ثم تتابعت المصنفات في ذلك، لكنها لم تعن بالتنقيح ولم تلتزم ببيان السقيم من الروايات من الصحيح، مما يلزم الدارس بالتثبت والتحقيق.

وأهم الكتب المصنفة في ذلك هذان الكتابان المطبوعان:

١ - «أسباب النزول» للإمام المفسّر النحوي المحدث أبي الحسين علي بن أحمد النيسابوري الشهير بالواحدي، المتوفى سنة ٤٢٧ هـ، وقد عول فيه على رواية الأسباب بأسانيده، وأورد أشياء معلقة بدون إسناد.

٢ - «لباب النقول في أسباب النزول» للإمام المحدث الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (المتوفى سنة ٩١١ هـ) جرّده من الأسانيد وعزى كل حديث لمن أخرجه، فكفى القارئ بذلك جهدا كبيرا، وزاد على ما ذكره الواحدي، غير أنه أخلّ بأمرين:

الأول: أنه لم ينص على الصحيح من غيره، معتمدا على المراجع التي أحال القارئ عليها وكثير منها نادر الوجود، وبعضه في زمننا هذا مفقود.

الثاني: أنه ترك كثيرا من أسباب النزول لم يوردها، كما يعلم من مطالعة المراجع مثل تفسير ابن كثير، والدر المنثور للسيوطي نفسه، فلا تظنن الآية نزلت مبتدأة لا على سبب لعدم ذكر سببها في اللباب فقد يكون لها في المراجع سبب أو أسباب.

الفصل السابع المكي والمدني

هذا الموضوع يدرس جوانب الظروف العامة التي أحاطت بنزول القرآن، وليس قاصرا على ما يدل عليه ظاهر العبارة من تقسيم القرآن إلى مكي نزل بمكة أو مدني نزل

بالمدينة، ومن هنا فإن هذا الموضوع يحتل أهمية كبيرة في دراسة بلاغة القرآن، لما يكشفه من توفر عميق لأصل البلاغة ومراعاة مقتضى الحال، إلى جانب توفر عنصر آخر من سمات إعجاز القرآن هو انعتاقه من قيود الزمان والمكان وانطلاقه من إسار البيئة الضيقة ليحلق في علياء الموضوعية التي يخاطب بها الإنسان في كل زمان، وفي أي مكان.

ضابط المكي والمدني

تعددت طرائق علماء هذا الفن في كيفية التمييز بين القرآن المكي والقرآن المدني، على ثلاثة نماذج نوضحها فيما يلي:

المذهب الأول: أن القرآن المكي هو ما نزل قبل الهجرة، والقرآن المدني هو ما نزل بعد الهجرة.

وهذا هو أشهر الاصطلاحات في المكي والمدني [١]، ويمتاز بشمول تقسيمه جميع القرآن لا يخرج عنه شيء، حتى كان عموم قولهم في المدني:

«ما نزل بعد الهجرة» يشمل ما نزل بعد الهجرة في مكة نفسها في عام الفتح أو عام حجة الوداع، مثل آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ....

(١) كما ذكر السيوطي في الإتقان ج ١ ص ٩.

كما يشمل ما نزل بعد الهجرة خارج المدينة في سفر من الأسفار أو غزوة من الغزوات.

روي عن يحيى بن سلام قال: «ما نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فهو من المكي، وما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدني».

وهذا أثر هام ومفيد، يؤخذ منه أن ما نزل في سفر الهجرة مكي اصطلاحا [١].

المذهب الثاني: أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة والمدني ما نزل بالمدينة.

وهذا المذهب مكاني، قد تقيد بالتسمية المكانية، والتزم ظاهر التسمية، وإن كان شرّاحه أدخلوا في مكة ضواحيها، فاعتبروا من القرآن المكي ما نزل بمنى وعرفات والحديبية، ومن القرآن المدني ما نزل بأحد وسلع [٢].

لذلك كان في هذا الضابط ثلمة هي وجود قسم ثالث هو واسطة بين القسمين، وهو ما نزل من القرآن في الأسفار، فإنه لا يعد مكيا ولا مدنيا ...

المذهب الثالث: أن المكي ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة.

وفسّر بهذا قول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: «كل شيء نزل فيه: «يا أيها الناس» فهو بمكة، وكل شيء نزل فيه «يا أيها الذين آمنوا» «فهو بالمدينة» [٣].

(١) كما قال السيوطي في الإتقان ج ١ ص ٩.

(٢) المرجع السابق وزاد في ضواحي المدينة ذكر «بدر»، وهو مستبعد لبعدها الشاسع عن المدينة.

(٣) أخرجه الحاكم عن ابن مسعود، ويشهد له ما ورد بمثله عن كثير من المفسرين وعن ابن عباس، أنظر البرهان ج ١ ص ١٨٩ - ١٩٠.

غير أنا نرى أن هذا الأثر ليس صالحا للاستدلال لهذا المذهب لأن ابن مسعود لم يقصد وضع ضابط وتعريف للمكي والمدني، إنما أراد بيان علامة من علامات القرآن المكي والمدني، أو تفسيرا لبيان المراد بهذا الخطاب، وهو أمر أغلبي ليس مضطردا دائما كما سيتضح.

وهذا المذهب في تفسير المكي والمدني أضيق من المذهب السابق، لأنه قد تقيد بالأشخاص المعينين في أمكنة معينة، وتقيد بموضوع معين هو ما كان فيه خطاب من آيات القرآن، فبقي القسم الأكبر من القرآن خارج هذا المنهج في تعريف المكي والمدني.

ولهذا الذي ذكرناه في نقد المذهبين الثاني والثالث، كان المذهب الأول أكثر قبولا لدى العلماء، حتى كان هو الأشهر كما ذكرنا.

ويندرج في ضمن المكي والمدني بناء على المذهب الأشهر المعتمد أنواع كثيرة من الدراسات المتصلة بالظروف المحيطة بنزول القرآن كالسفري والحضري، والليلي والنهاري، وما حمل من مكة إلى المدينة، وما حمل من المدينة إلى مكة، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وغير ذلك من دراسات تدل على الاعتناء العجيب الذي أحيط به هذا القرآن، وتوفير وسائل دراسته من جميع الجهات.

وبناء على هذا الضابط المختار كان عدد السور المدنية تسعا وعشرين سورة، وسائر السور بعد ذلك مكية، وقد يوجد في السورة المدنية ما هو مكي، كما قد يوجد في السورة المكية ما هو مدني، والنظر في ذلك لمطلع السورة إن نزل بمكة عدّت مكية، وإن نزل بالمدينة عدّت مدنية.

أهمية علم المكي والمدني

مما لا يخفى على الباحث أهمية معرفة الأحوال التي احتفت بنزول القرآن في فهمه وتفسيره، حتى صرحوا بأنه لا يحل لمن ابتعد عن علمها أن يتكلم في تفسير القرآن الكريم، ونوضح أوجه أهمية هذا العلم فيما يلي:

١ - إن علم المكي والمدني يعين الدارس على معرفة تاريخ التشريع والوقف على سنّة الله الحكيمة في تشريعه، بتقديم الأصول على الفروع، وترسيخ الأسس الفكرية والنفسية ثم بناء الأحكام والأوامر والنواهي عليها، مما كان له الأثر الكبير في تلقي الدعوة الإسلامية بالقبول، ومن ثم الإذعان لأحكامها.

٢ - إنه يعرف بالمكي والمدني الناسخ والمنسوخ، الذي كان من حكمة تربية القرآن في التشريع.

كيف نعرف المكي والمدني

ذكروا لمعرفة المكي والمدني طريقتين لا ثالث لهما، وهما: السماع والقياس [١].

أما السماع

فالمراد به النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن الصحابة الذين عاينوا التنزيل.

وقد كانت عناية الصحابة والتابعين بهذه الأمور عناية بالغة حتى نجد العالم يعتز بعلمه بهذا الموضوع.

أخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت ... » [٢].

وقال أيوب السختياني سأل رجل عكرمة عن آية من القرآن؟ فقال:

نزلت في سفح ذلك الجبل، وأشار إلى سلع، أخرجه أبو نعيم [٣].

وأما القياس

فهو ضوابط عرفت بالاستقراء، واستدل بها العلماء على المكي والمدني، وكان ذلك موضع عناية المتقدمين.

(١) البرهان نقلا عن الجعبري أنه حددهما ج ١ ص ١٨٩.

(٢) البخاري ج ٦ ص ١٨٦ - ١٨٧ ومسلم ج ٧ ص ١٤٨.

(٣) الإتقان الموضع السابق.

١ - أول هذه الضوابط ما سبق عن عبد الله بن مسعود: «كل شيء فيه يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو بمكة، وكل شيء نزل فيه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهو بالمدينة».

وهذه العلامة ليست عامة عموما شاملا، بل استثني من ذلك مواضع قليلة، منها موضعان في سورة البقرة هما: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [١] ويا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [٢] وسورة البقرة مدنية كلها اتفاقا.

وأربع مواضع في سورة النساء هي: الآية الأولى من السورة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ. وإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ.

ويا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ. ويا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ [٣].

٢ - كل سورة فيها الاستفتاح بالحروف المقطعة فهي مكية سوى الزهراوين: البقرة وآل عمران.

٣ - كل سورة فيها كُلا فهي مكية.

٤ - كل سورة فيها ذكر آدم وإبليس فهي مكية سوى السورة الطولى- أي البقرة-.

٥ - كل سورة فيها فريضة أو حد فهي مدنية.

٦ - كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية سوى العنكبوت.

والحكمة في ذلك ترجع إلى المقاصد الموضوعية التي نزل بها القرآن، فالخطاب في مكة كان لأمور اعتقادية تشمل كل الناس، وهي مناط إنسانيتهم،

(١) سورة البقرة، الآية ٢١.

(٢) سورة البقرة، الآية ١٦٨.

(٣) سورة النساء، الآيات ١ و ١٣٣ و ١٧٠ و ١٧٤، ولم نذكر يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* في سورة الحج المكية، لأنها مكية ومدنية.

فناسب خطابهم ب يا أَيُّهَا النَّاسُ كما أن محاورة أهل العناد تناسب حرف الردع كُلا، وكذلك التنويه بإعجاز القرآن لإفحام المنكرين، والاستفتاح بحروف الهجاء في أوائل السور، وقد وجد من ذلك قليل في القرآن المدني تبعا لاقتضاء الموضوعات المدنية التي كانت فترة بناء وكانت فترة مكة فترة تأسيس.

القرآن المكي من حيث الموضوع

فمن سمات القرآن المكي الاعتناء بالموضوعات التالية الأساسية:

١ - تقرير أصول العقائد الإيمانية، بدعوة الخلق إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، والإيمان باليوم الآخر وما يتبع ذلك من الجزاء والجنة والنار، وتقرير رسالة

النبي صلى الله عليه وسلم والرسل من قبله، والإيمان بالملائكة عليهم السلام.

تأمل مثلا سورة القصص المكية ودعوتها لهذه الأصول، وانظر هذه الآيات التي تدعو إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده:

وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [١].

وتأمل هذه الآيات الخاتمة من سورة إبراهيم تعرض من مشاهد القيامة:

فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ. يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ. وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ. سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ.

(١) سورة القصص، الآيات ٦٩ - ٧٣.

لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.

ويطمئن القلب إيمانا بالآخرة وهو يتفكر في مثل هذه الآيات من سورة ق:

أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ. وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ. وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ. رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ [١].

وهكذا الحجة البالغة في مثل هذه الآيات الخاتمة من سورة القيامة:

أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى. ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى. أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى.

٢ - الحملة على الشرك والوثنية، والإلحاد والدهرية، وإقامة الحجج والبراهين الدامغة على بطلان عقائدهم الزائغة، مستعينا بضرب الأمثال وأنواع البيانات، حتى كشف لهم سوأة عقائدهم وفضحها حتى جعل أصنامهم دون الذباب، تأمل هذه الآيات من سورة الحج أيضا:

يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ. إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ. وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ. ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [٢].

وتأمل قوله في سورة العنكبوت: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [٣].

(١) سورة ق، الآيات ٦ - ١١.

(٢) سورة الحج، الآيات ٧٣ - ٧٥.

(٣) سورة العنكبوت، الآية ٤١.

ولما كان التقليد منبعا خطيرا من منابع الضلال، واحتج المشركون بما وجدوا عليه آباءهم، عني القرآن بتوسيع آفاق العقل والفكر وأمر بالتفكر وحض على النظر والتعقل، وسفّه أحلامهم وأحلام آبائهم، حتى جعل التقليد الأعمى للآباء عارا وشنارا، يعتبر به المعتبر، فضلا عن تقليد الأعداء فيما يبتكرونه في الفكر من الأزياء.

قال تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ [١].

وقال تعالى: بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ. وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ. قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ. قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ. فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [٢].

٣ - الاستدلال بدلائل الأنفس والأكوان على عظمة الله تعالى وسلطانه، ووجوب طاعته والانقياد له، وتوحيده في ألوهيته وربوبيته، والإيمان بالقيامة والبعث بعد الموت.

حتى كانت في تلك الآيات دلائل إعجاز علمي، لما اشتملت عليه من حقائق الكون والإنسان والحياة، ونواميس خلقه تعالى وسنن تصريفه لأمور الأكوان.

انظر هذه الآيات من سورة لقمان وما فيها من سبق علمي:

أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ

(١) سورة لقمان، الآية ٢١.

(٢) سورة الزخرف، الآيات ٢٢ - ٢٥.

إلى أن قال:

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ. لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [١].

وتأمل هذه الآيات من سورة الأنعام:

إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [٢].

٤ - اعتناء القرآن المكي بقصص الأنبياء مع أقوامهم، حتى كاد ذلك أن يكون علامة تميزه، إذ لم يوجد قصص الأنبياء في القرآن المدني إلا في سور قليلة، كقصة موسى وقومه في سورة البقرة والمائدة وهما مدنيتان، وقصة عيسى وموسى عليهما السلام في سورة آل عمران والصف وهما مدنيتان أيضا.

والحكمة في اعتناء القرآن المكي بقصص الأنبياء والأمم الغابرة ظاهرة جدا مما ذكرناه في حكم نزول القرآن منجما، وما كان لها من أثر عظيم في

(١) سورة لقمان، الآيات ٢٠ - ٢٧.

(٢) سورة الأنعام، الآيات ٩٥ - ٩٩.

تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ومواساتهم فيما كان يصيبهم، وإنذار أعدائهم، وإثارة العبرة والعظة بقصص من سبقهم.

انظر على سبيل المثال القصص في سور الأعراف، يونس، هود وغيرها وغيرها ... تجد فيها أبلغ المواعظ وأنفع العبر لتقرير سننه تعالى في إهلاك أهل الكفر والطغيان وانتصار أهل الإيمان والإحسان.

تأمل قوله تعالى في آخر قصة موسى مع فرعون في سورة غافر:

فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ. وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ. قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ. وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ. قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى. قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ. إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.

٥ - إن القرآن المكي شرح أصول الأخلاق، وقواعد عامة في الاجتماع مما لا يختلف فيه حال ولا عقل، لكونها من البدهيات الظاهرة والمقوّمات الأساسية لإنسانية الإنسان، واطمئنانه بالإيمان، كالصدق، والبرّ، والصلة، وبرّ الوالدين، وإكرام الجار، وطهارة القلب واللسان، وغير ذلك. وقد شرح القرآن تلك القيم ببيانه المعجز شرحا غرسها في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق، والظلم، ووأد البنات، والقتل والزنا.

انظر هذه الآيات بالوصايا العشر الأخلاقية والاجتماعية في سورة الإسراء:

وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً.

وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً. وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً. وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً. وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً. إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً. وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً. وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا. وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً. وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا. وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا. وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا. كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً. ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً [١].

القرآن المدني من حيث الموضوع

ومن سمات القرآن المدني الاعتناء بالموضوعات التالية:

١ - بيان جزئيات التشريع وتفاصيل الأحكام العملية، في العبادات كأحكام الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والمعاملات كالبيوع والأموال، والاجتماعيات كالنكاح والطلاق والرضاع، والعقوبات كالحدود والقصاص كما هو ملاحظ في سورة البقرة والنساء والمائدة والنور.

٢ - دعوة أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إلى الإسلام، وإقامة

(١) سورة الإسراء، الآيات ٣٣ - ٣٩.

الحجج عليهم، كما هو ملحوظ في سورة البقرة، وآل عمران، والمائدة وغيرها.

انظر مثلا قوله تعالى لليهود: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وذلك بعد قوله:

يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ.

٣ - وصف المنافقين، وكشف فضائحهم والتحذير من أساليبهم، لأن النفاق أخطر ما تبتلى به دعوة، حتى أنزلت سورة خاصة تحمل اسم المنافقين، وغير ذلك من مواضع في القرآن تتعلق بهم.

٤ - بيان الأحكام الخاصة بالعلاقات بين الأمة الإسلامية وغيرها.

وكان ذلك أول تنظيم وتقنين يحكم العلاقات بين الدول، كالأحكام المتعلقة بالحرب، والسلم والصلح، والمعاهدات، والغنائم والأسرى، كما في سور: البقرة والأنفال وبراءة والقتال والفتح والحشر، مما جعل القانون الدولي مدينا للقرآن في هذه الأحكام، ولا تزال الأصول القرآنية في هذا الباب نبراسا يعمل بها القانون الدولي في هذا العصر.

القرآن المكي من حيث الأسلوب

وإذا كان لكل من القرآن المكي والمدني موضوعات يعنيان بها، فلا غرو أن تكون لهما أساليبهما التي تميز أحدهما عن الآخر في كثير من الأحيان بحسب تنوع الموضوعات التي يعالجها القرآن مكيا كان أو مدنيا.

ذلك أن المبنى والمعنى، والشكل والمضمون ركنان متآزران في الأداء القرآني، كل فكرة لها قالب، ولها أسلوب وتناغم خاص، وإثارة معينة للخيال والعاطفة.

فمن سمات أسلوب القرآن المكي:

١ - أنه يغلب عليه قصر الآيات والسور، وقوة التعبير والتناغم الموسيقى.

٢ - كثرة الفواصل القرآنية وقصرها، وتنوعها بما يتناسب مع المعاني والمواقف والصور.

٣ - كثرة أسلوب التأكيد، والاعتناء بوسائل التقرير أي ترسيخ المعاني وتثبيتها، فكثر في المكي القسم، وضرب الأمثال، والتشبيه وتكرار بعض الجمل أو الكلمات.

٤ - إن الآيات المكية يكثر فيها التجسيم الحسي، وإضفاء الحركة وخواص الحياة على الأشياء، ولا سيما في مشاهد القيامة، وأهوال النار، وبيان أحوال أهل الجنة والنار، وكذلك القصص.

والحكمة في اختيار هذه الأساليب للقرآن المكي واضحة ظاهرة لنزول القرآن بمكة، وكان أهلها ينكرون دعوة القرآن وهم أصحاب عنجهية، وحمية جاهلية، فكان المناسب لهم النذر القارعة، والعبارات الشديدة الرادعة ليزدجروا عن غيّهم، ويسلسلوا قيادهم أمام التأكيدات والتخييلات الحسية، كما أن مضمون خطابات القرآن في مكة لا يختص بالمؤمنين، بل يتوجه للناس أجمعين، يحمل الدعوة إلى أصول الإيمان، فكان من المناسب أن يبرز في إعجازها عنصر الجانب الصوتي، والجرس الموسيقى، فتصخ آياته الآذان، وتستولي على المشاعر وتدعهم في حيرة ودهشة مما يسمعون، فلا يلبث البليغ منهم أن يلقي عصا العجز، بل يرسلها قولة صريحة تعلن إعجاز القرآن.

ومن أمثلة ذلك المعروفة: الوليد بن المغيرة القرشي، الذي لم يلبث بعد أن سمع القرآن سماع تأمل وتروّ أن تغير موقفه حتى شهد للقرآن بالإعجاز فقال: «والله لقد سمعت كلاما ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول بشر، وإنه ليعلو ولا يعلى».

ولما أكرهه أصحابه المشركون على أن يقول قولا ينصر آلهتهم ويرضيهم لم يتمكن من إخفاء الصراع الذي في نفسه، فاستمهلهم وقتا ليفكّر، ثم خرج ليقول: إن القرآن سحر يؤثر يأخذه محمد من بعض العالمين بالسحر.

فأنزل الله تعالى فيه: ... إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ نَظَرَ. ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ. فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ...

فتأمل هذه الآيات كيف صورت صراعه النفسي، وتكلفه الشديد ذلك التصوير المعبّر الموحي، الذي صار مثلا يضرب في الجهد العظيم، الذي يخرج بعده صاحبه بالقول الباطل العقيم.

القرآن المدني من حيث الأسلوب

ومن سمات أسلوب القرآن المدني

١ - طول أكثر السور والآيات، كما هو واضح ظاهر من سورة البقرة وآل عمران مثلا.

٢ - أنها غالبا ما تسلك سبيل الهدوء، واللين في أسلوبها، واسترسال فواصلها.

والحكمة في اختيار هذا الأسلوب اشتمال القرآن المدني على الموضوعات السابقة، وهي تقتضي البسط والإسهاب، كما أن الخطاب في المدينة توجّه في أكثره للمؤمنين وذلك يناسب الهدوء واللين.

مناقشة المستشرقين حول المكي والمدني

ومن ذلك نتبين فساد ما توهمه بعض المستشرقين، ومن تبعهم من ببغاوات تتلمذت عليهم من أبنائنا من توهم أو تصور ما زعم من تأثر القرآن بالبيئة، وأن القرآن لما كان في مكة بين الأميين جاءت سور المكي وآياته قصيرة، ولما وجد في المدينة بين مثقفين مستنيرين جاءت سور المدني وآياته طويلة، وجاء القرآن المكي لذلك خلوا من التشريع والأحكام، بينما القسم

المدني مشحون بتفاصيل التشريع والأحكام، بل بلغ الأمر بهذا الزاعم أن قال: «إن القسم المكي يمتاز بالهروب من المناقشة، وبالخلو من المنطق والبراهين، فيقول: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ.

بخلاف القسم المدني فهو يناقش الخصوم بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين فيقول: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.

هكذا يستدل هذا الزاعم بهذه الاستدلالات على ما توهمه من تأثر القرآن بالبيئة واقتباسه منها ... [١].

وهذا في الواقع تجنّ واختلاق، صادر عن سفيه جهول، أو آفك مغرض متحامل حقود، ونورد إلماحات وجيزة لرد هذا الزعم فيما يلي:

١ - إن سمات المكي والمدني الأسلوبية وكذا الموضوعية خاضعة لقضية البلاغة الجوهرية والمسلمة لدى كل ذي إلمام بالبلاغة والبيان عربيا أو غير عربي، وهي مراعاة مقتضى الحال، كما ذكرنا من قبل، لذلك نجد في المكي سورا طوالا بل من أطول الطوال ونجد في المدني سورا قصارا وفيها الآيات والفقرات القصيرة، بل من أقصر القصار، كما في سورة «الفتح» وسورة «الكوثر» وهي أقصر سورة في القرآن وهي مدنية كما ثبت بذلك الحديث الصحيح الذي لا يقاوم.

كذلك نجد في المدني شدة أحيانا، كما في هذه الآيات من مطلع سورة «الصف» المدنية بالاتفاق:

سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ.

(١) انظر تفاصيل عبارات هذه الفقرة ومناقشتها في كتاب: مناهل العرفان ج ١ ص ١٩٨ - ٢٣٢ والمدخل إلى دراسة القرآن الكريم لفضيلة أستاذنا الشيخ محمد

بل نجد في المدني ما بلغ الغاية في الشدة والتخويف، كما في قوله تعالى في سورة آل عمران [١]:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.

كان الإمام أبو حنيفة يقول [٢] في هذه الآية: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ هي أخوف آية في القرآن، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.

كما قد نجد كذلك في المكي اللين والعفو البالغ أقصاه، كقوله تعالى في سورة «فصّلت» [٣]:

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.

٢ - إن ادعاء خلو القرآن المكي من الحجج والأدلة قلب للقضايا وعكس للأوضاع ومناقضة للحقائق، فالقرآن المكي من سماته الموضوعية كما ذكرنا اعتناؤه بالدلائل العلمية الكونية على عظمة الله تعالى ووحدانيته، وعلى إبداع حكمته وجليل علمه وقدرته، حتى كانت فيه دلائل الإعجاز العلمي، الذي ألّفت ولا تزال الكتب تؤلّف في كشف عجائب هذا الإعجاز، وأسرار دلالته على موافقة ما يكشفه العلم بعد هذه القرون والحقب الطوال.

أبو شهبة وقد عني بذكر عبارات هذا الزاعم بنصها ص ٢٣٢ - ٢٥١.

(١) الآيات ١٣٠ - ١٣٢.

(٢) كما في تفسير الكشاف للزمخشري ج ١ ص ٣١٨.

(٣) الآيات ٢٣ - ٢٥.

وكذلك نجد في القرآن المكي الدلائل العقلية القاطعة على حقّيّة التوحيد، والقيامة، وبعث الرسل وغير ذلك، وقد سبقت لنا آيات من سورة «يس» في دلائل القيامة، وانظر قوله تعالى في إثبات التوحيد في سورة «المؤمنون» المكية [١]:

مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ. عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.

٣ - إن هذا الزاعم قد حكم على نفسه بالجهل المطبق أو التجاهل والتجني المهلك، فإن الآية التي أوردها على أنها من المدني: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا، إنما هي من القرآن المكي، وهي الآية (٢٢) من سورة الأنبياء، وهي مكية كلها، وهذه الآية مكية بالإجماع.

وهكذا كان دأب الباطل أن يتّخذ الإفك وتحريف الحقائق ذريعة يسند إليها باطله وجحوده، سواء كان صاحبه جاهليا قديما، أو عصريا حديثا، ويريد الله أن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره الجاحدون.

(١) الآيتان ٩١ - ٩٢.

الفصل الثامن التفسير أصوله ومصادره

هذا البحث هام وجليل، فإنه يحتل بين بحوث علوم القرآن منزلة الغاية من الوسيلة، والهدف من المقدمات، قد سمى بعض أساتذتنا الأفاضل [١] كتابه في علوم القرآن: «المدخل إلى دراسة القرآن الكريم» فأصاب بتسميته مفصل القضية ولبابها. وكثرت الكتابة في أصول التفسير ومنها مؤلفات مفردة نذكر منها: مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية، وكتاب «التفسير والمفسرون» للدكتور الشيخ محمد حسين الذهبي.

تعريف التفسير

التفسير في اللغة

التفسير مأخوذ من الفسر، وهو الإبانة والكشف، قال في لسان العرب في مادة (ف س ر) : الفسر البيان، فسر الشيء يفسره بكسر السين، ويفسره بالضم فسرا، وفسّره أبانه. ثم قال: «الفسر: كشف المغطى، والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل».

والتفسير اصطلاحا

هو: «علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه» [٢].

ويستعمل العلماء أيضا عبارة (التأويل) ونعرفه فيما يلي:

التأويل في اللغة

مأخوذ من الأول، وهو الرجوع. قال في القاموس:

(١) فضيلة أستاذنا الجليل الشيخ محمد محمد أبو شهبة رحمه الله.

(٢) الإتقان ج ٢ ص ١٧٤.

«آل إليه الأمر أولا ومآلا: رجع، وعنه ارتد ... ».

وأما التأويل اصطلاحا

فنختار لتعريف التأويل بالنسبة لدراسة القرآن هذا التعريف وهو: «التأويل: بيان ما يرجع إليه معنى القرآن بمقتضى القواعد والنظر الدقيق» [١].

على أنه قد يطلق «التأويل» ويراد به ما يشمل التفسير، كما هو استعمال الإمام محمد بن جرير الطبري في تفسيره، فإنه يصدّر الآية قبل الكلام عليها بقوله: «القول في تأويل قوله تعالى ... كذا ... ويذكر ما هو من التفسير، وما هو من التأويل.

مراتب التفسير وحكمها

وقد ورد في ذلك بيان عن أقدم إمام في التفسير هو رئيس المفسرين عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما، نورده بلفظه، قال ابن عباس:

(التفسير أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله).

وهو تقسيم صحيح ودقيق [٢]:

أما التفسير الذي تعرفه العرب بلغاتها: فهو ما يرجع إلى اللسان العربي من اللغة والإعراب وعلوم العربية.

وأما التفسير الذي لا يعذر أحد بجهالته: فهو ما يظهر للأفهام معرفة معناه من القرآن ظهورا لا خفاء فيه.

وأما التفسير الذي يعلمه العلماء: فهو ما يرجع إلى اجتهادهم ودقة نظرهم في استنباط دقائقه من المعاني الخفية أو أوجه البلاغة المعجزة، أو الأحكام الفقهية، أو غير ذلك بحسب اختصاص العالم الباحث.

(١) انظر البحث في الفرق بين التأويل والتفسير في الإتقان ج ٢ ص ١٧٣ والتفسير والمفسرون ج ١ ص ١٩ - ٢٢.

(٢) كما في البرهان والإتقان ج ٢ ص ١٨٢.

وأما القسم الرابع: فهو ما يتعلق بحقائق المغيّبات كالروح والملائكة، فهذه يفوّض علمها على حقيقتها إلى الله تعالى.

أقسام التفسير من حيث منهجه العلمي

ينقسم التفسير من حيث منهجه العلمي إلى قسمين رئيسيين هما:

التفسير المأثور، والتفسير بالرأي، نبحثهما فيما يلي:

القسم الأول: التفسير بالمأثور

ويشمل ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل وما نقل عن الرسول وأصحابه. أما ما ينقل عن التابعين فبعض العلماء يعتبره من المأثور وبعضهم يعتبره من التفسير بالرأي، ولكن كتب التفسير بالمأثور قد ضمت ما نقل عن التابعين في التفسير، ولذلك نعتبره مدرجا في التفسير المأثور.

التفسير المأثور أول أنواع علوم القرآن تدوينا، وكان رجال الحديث والرواية هم أصحاب الشأن الأول في هذا. ويقولون: إن أول من جمع فيه هو الإمام مالك بن أنس، ثم انفصل التفسير عن الحديث فألّفت في القرن الثاني تفاسير جمعت أقوال الصحابة والتابعين، كتفسير سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج وغير ذلك وقد جمعها ابن جرير في تفسيره الكبير.

أسباب الضعف في التفسير المأثور

تسرب الخلل إلى التفسير المأثور لا سيما ما كان عن الصحابة والتابعين إلى حد كاد يفقد الثقة به لولا جهود العلماء رضي الله عنهم، حتى قال الشافعي: «لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث».

ونستطيع أن نجمل أسباب الضعف في أمور ثلاثة:

أولها: دخول الإسرائيليات.

ثانيا: حذف الأسانيد.

ثالثا: كثرة الوضع في التفسير.

السبب الأول: الإسرائيليات:

والمراد بها اللون اليهودي واللون النصراني في التفسير وما تأثر به التفسير من الثقافتين اليهودية والنصرانية. ومبدأ دخولها في التفسير يرجع لعهد الصحابة، غير أن الصحابة وإن تشوقوا لمعرفة التفاصيل لم يسألوا أهل الكتاب عن كل شيء ولم يقبلوا منهم كل شيء، مع توقفهم فيما يلقى إليهم ما دام يحتمل الصدق والكذب، امتثالا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله» [١]. فلم يسألوهم عن شيء يتصل بالعقيدة ولم يعدلوا عما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك لا يصدقون اليهود فيما يخالف الشريعة ...

وهكذا لم يخرج الصحابة عن دائرة الجواز التي حددها لهم الرسول في قوله: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار» [٢]. كما أنهم لم يخالفوا قول رسول الله: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا». أباح الأول أن يحدثوا عما وقع لبني إسرائيل من الأعاجيب للعبرة والعظة بشرط أن يعلموا أنه ليس مكذوبا، والثاني يراد منه التوقف فيما يحدّث به أهل الكتاب مما يكون محتملا للصدق والكذب، أما ما خالف شرعنا فنحن في حل من تكذيبه.

أما التابعون: فقد توسعوا في الأخذ عن أهل الكتاب وكثرت في عهدهم الروايات الإسرائيلية لكثرة من دخل منهم في الإسلام، فظهرت في هذا العهد جماعة حشوا التفسير بكثير من القصص المتناقضة كمقاتل بن سليمان. وهكذا تزايد أمر الإسرائيليات حتى كان جماعة بعد عصر التابعين لا يردون قولا، ثم في عصر التدوين وجد من المفسرين من حشوا كتبهم بهذه القصص الإسرائيلية؟.

(١) أخرجه البخاري: ٤: ١٧٠.

(٢) أخرجه البخاري أيضا: ٦: ٢٠ - ٢١.

أثر الإسرائيليات في التفسير

كان للإسرائيليات أثر سيّئ لأن الأمر لم يقف على ما كان في عهد الصحابة، بل زاد ودخل فيه النوع الخيالي المخترع. فوضعوا الشوك في طريق المفسر، إذ أنه أصبح يشك فيها جميعا لاعتقاده أن الكل من واد واحد.

وتنقسم الإسرائيليات إلى ثلاث أقسام

الأول: ما يعلم صحته بالنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم

وهو صحيح مقبول. وكذا إذا كان له شاهد من الشرع يؤيده.

الثاني: ما يعلم كذبه

فلا يصح قبوله ولا روايته.

الثالث: مسكوت عنه

لا هو من الأول ولا من الثاني، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته للحديث السابق ... وهذا القسم غالبه مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني.

موقف المفسر إزاء الإسرائيليات

يجب أن يكون المفسر يقظا جدا ليستخلص ما يوافق العقل ويتقيد بمقدار الضرورة. ويجب أن لا يرتكب النقل عن أهل الكتاب إذا وجد في سنة نبينا- صلى الله عليه وسلم- بيانا للقرآن، ويجوز أن يذكر خلاف المتقدمين بشرط أن لا يطلقه بل ينبه على الصحيح ويزيف غيره، لئلا يوقع القراء في الاضطراب، على أن من الخير للمفسر كل الخير الإعراض عن هذه الإسرائيليات وأن يمسك عما لا طائل تحته مما يعد صارفا عن القرآن وشاغلا عن التدبر في حكمته وأحكامه.

وأشهر الرواة للإسرائيليات

١ - عبد الله بن سلام.

٢ - كعب الأحبار.

٣ - وهب بن منبه.

٤ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.

السبب الثاني لضعف التفسير المأثور: حذف الإسناد:

منذ ظهر الوضع في عصر الصحابة صاروا يسألون عن الإسناد، فكان ما يروونه من التفسير المأثور عن النبي أو الصحابة لا يروونه إلا بإسناد، ثم جاء بعد عصر التابعين من جمع التفسير، فدوّن التفسير المأثور بإسناده كتفسير سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح، ثم جاء بعد هؤلاء أقوام ألفوا في التفسير فاختصروا الأسانيد وأهملوا عزو الأقوال لقائليها ولم يتحروا الصحة فالتبس الصحيح بالعليل، ثم صار كل من يسنح له قول يورده وينقل ذلك من بعده ظانا له أصلا، ولعل هذا أخطر الأسباب جميعا، لأن حذف الأسانيد جعل من ينظر في هذه الكتب يظن صحة كل ما جاء فيها.

السبب الثالث: الوضع:

وقد كثر الوضع أي الكذب في الحديث والتفسير، وأثّر الوضع بأن ضاع كثير من هذا التراث الذي خلفه لنا السلف، لأن ما أحاط به من شكوك أفقدنا الثقة به، وجعلنا نرد كل رواية تطرق إليها شيء من الضعف، وربما كانت صحيحة، كما أن اختلاطها جعل بعض من ليس قادرا على التمييز بين الصحيح والعليل يحكم على الجميع بالصحة.

وأهم المصنفات في التفسير المأثور

١ - جامع البيان في تفسير القرآن للطبري.

٢ - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير.

٣ - لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن.

٤ - الجواهر الحسان في تفسير القرآن، للثعالبي.

نعرف بمؤلفيها وبمناهجهم في هذه الكتب بإيجاز فيما يلي:

١ - جامع البيان في تفسير القرآن للطبري

مؤلفه

هو الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري الإمام الجامع للعلوم والمعارف والمجتهد المطلق، ولد في آمل طبرستان (سنة ٢٢٤ هـ) واستقر به

المقام بعد أن نضج واكتمل في مدينة بغداد حتى توفي سنة ٣١٠ هـ.

وكان محمد بن جرير كما وصفه المؤرخون: أحد الأئمة الأعلام، يحكم بقوله، ويرجع إليه لمعرفته وفضله، جمع من العلوم مع التقدم والإمامة فيها ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظا للقراءات عارفا بها، عارفا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن- عالما بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها، وناسخها من منسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس والأمم وتاريخهم وأخبارهم.

وأما مؤلفاته فكثيرة وبالفوائد حافلة وغزيرة، أشهرها تأليفه في التاريخ وتأليفه في التفسير، حتى عد بحق شيخ المؤرخين وشيخ المفسرين.

طريقة الطبري في تفسيره

كتاب «جامع البيان في تفسير القرآن» كاسمه كتاب جامع ومرجع واسع في هذا الفن، قد تعرض فيه مؤلفه لدراسة القرآن الكريم من جوانب متعددة من حيث اللغة والنحو والاشتقاق وغير ذلك ومن حيث الرواية والمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين، والترجيح بينها، واستنباط الفوائد والأحكام، وبيان المذاهب والأدلة، حتى ليمكن أن يعتبر من مراجع التفسير بالرأي، لما اشتمل عليه من تلك الفنون، لكنه اعتبر من كتب التفسير بالمأثور لاعتنائه بالآثار عناية كبيرة.

وقد أجمع العلماء من الشرق والغرب على عظمة هذا الكتاب وأنه مرجع لا يستغني عنه باحث في التفسير.

يستهل ابن جرير كلامه على الآية أو الجملة من الآية بهذه العبارة:

«القول في تأويل قول الله تعالى ... كذا وكذا ... ثم بعد أن يذكر نص الآية أو الجملة يفسرها، ويستشهد لما يقول بشواهد اللغة والآثار، ويورد الأقوال وينقد ويناقش.

ومن أمثلة بحثه اللغوي تفسير كلمة (اسم) في (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

حيث قال: « ... وإنما معنى قوله «بسم الله» أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء، أو أقرأ بتسميتي الله ... ثم قال:

فإن قال (أي معترض) : فإن كان الأمر على ما وصفت فكيف قيل «بسم الله» وقد علمت أن الاسم اسم وأن التسمية مصدره [١]. قيل: إن العرب قد تخرج المصادر مبهمة على أسماء مختلفة، كقولهم: أكرمت فلانا كرامة، وإنما بناء مصدر (أفعلت) إذا أخرج على فعله (الإفعال) ، وكقولهم: أهنت فلانا هوانا، وكلمته كلاما. وبناء مصدر (فعّلت) التفعيل.

ومن ذلك قول الشاعر:

أكفرا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا

يريد إعطائك ... إلى آخر ما أورده من الشواهد ...

ومن أمثلة بحثه الإعرابي ما يلي نصه من كلامه رحمه الله:

«القول في تأويل قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.

قال أبو جعفر: والقراء مجمعة على قراءة «غير» بجر الراء منها، والخفض يأتيها من وجهين:

أحدهما: أن يكون «غير» صفة «الذين» ونعتا لهم فتخفضها، إذ كان «الذين» خفضا، وهي لهم نعت وصفة.

وإنما جاز أن يكون غير نعتا ل «الذين» و «الذين» معرفة و «غير» نكرة لأن «الذين» بصلتها ليست بالمعرفة المؤقتة [٢] كالأسماء التي هي أمارات بين الناس، مثل زيد وعمرو وما أشبه ذلك. وإنما هي كالنكرات المجهولات مثل الرجل، والبعير وما أشبه ذلك.

(١) المراد أن كلمة (اسم) ليست مصدرا وأنت فسرتها «بتسمية الله» والتسمية مصدر، فكيف تفسر الاسم بالمصدر.

(٢) أي المعينة وهي اسم العلم الشخصي.

والوجه الآخر من وجهي الخفض فيها: أن يكون «الذين» بمعنى المعرفة المؤقتة.

وإذا وجه إلى ذلك كانت «غير» مخفوضة لتكرير «الصراط» [١] الذي خفض «الذين» عليها، فكأنت قلت: صراط الذين أنعمت عليهم، صراط غير المغضوب عليهم.

وهذان التأويلان في غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وإن اختلفا في اختلاف معربيهما فإنهما يتقارب معناهما ... » انتهى.

ومن أمثلة استشهاده بالمأثور أنه بعد أن فسر قوله صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بأنهم من ذكرهم الله في القرآن: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً. استشهد بالآثار فقال:

«وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس وغيره:

حدثنا محمد بن العلاء حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة قال حدثنا أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يقول: طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين أطاعوك وعبدوك.

حدثني أحمد بن حازم الغفاري قال أخبرنا عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر عن ربيع قال صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: النبيون.

حدثني القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: المؤمنين ...

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال قال عبد الرحمن بن زيد في قول الله صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه» انتهى.

(١) يريد أن تكون (غير) بدلا كما سيتضح لك من تفسير الجملة على هذا الوجه.

ويمتاز عمل ابن جرير في التفسير بالمأثور أنه يورد الروايات بأسانيدها، لكنه وقد التزم هذا الأسلوب لم يلتزم الصحة فيما يورده، كما أنه قلّما يعقّب على الروايات بتصحيح أو تضعيف، وذلك لأنه كان يرى- فيما يبدو- أن من أسند فقد حمّلك البحث عن رجال السند ودرسه، وكان عصره عصر العلم بهذا الفن يسهل على طالب العلم معرفة حال الروايات أسانيد ومتونا، فاعلم ذلك وراعه.

٢ - تفسير القرآن العظيم لابن كثير

هو الإمام المحدث الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمرو بن كثير البصيري ثم الدمشقي، الفقيه والمفسر والمؤرخ ولد نحو سنة (٧٠٠ هـ) وتوفي سنة (٧٧٤ هـ) وكان أبو الفداء إسماعيل بن كثير على مبلغ عظيم من العلم الذي تجلّى في تفسيره، وتاريخه (البداية والنهاية) حتى ليمكن أن نقول: «إنه منقح التفسير، ومحقق التاريخ».

قال عنه الذهبي في المعجم المختص: «الإمام المفتي المحدث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن مفسر نقال، وله تصانيف مفيدة».

وقال ابن حبيب فيه: «زعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بالفتوى وشنف، وحدث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه في البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والتفسير».

طريقة هذا التفسير

اتبع الإمام ابن كثير في تفسيره هذا طريقة نبّه عليها في مقدمته القيّمة التي صدر بها لتفسيره بأن يفسر القرآن بالقرآن، ثم يفسر القرآن بالسنة، ثم بالآثار عن الصحابة والتابعين. وقد أتى في ذلك بغرر تفاسير ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، ومصادر السنة مع العزو إلى كل مصدر، وذكر إسناده غالبا.

على أنه يعنى كذلك باللغة عند الحاجة لذلك، ويدعم تفسيره المنقول

بذلك، ويمتاز تفسيره بالانتقاء لمادة الكتاب، وأنه كثيرا ما ينقد الرواة والروايات ويصحح ويضعف، ويجرح ويعدل، وينبه إلى ما في التفسير المأثور من منكرات الإسرائيليات ويحذر منها.

ومن الأمثلة من هذا التفسير تفسيره لقوله تعالى:

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال ابن كثير (ثم) هاهنا عطف خبر على خبر وترتيبه عليه كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشا فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته.

وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن حازم حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: «كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمّون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله: مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ.

وكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة، والسدّي، وغيرهم، واختاره ابن جرير وحكى عليه الإجماع، رحمه الله.

وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أضللت بعيرا لي بعرفة، فذهبت أطلب، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف، قلت: إن هذا من الحمس ما شأنه هاهنا؟ أخرجاه في الصحيحين ... ».

والكتاب مطبوع طبعات متعددة أحسنها تحقيق عبد العزيز غنيم وزملائه.

٣ - لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن

وهو العلّامة علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الشّيحي

البغدادي الشافعي الصوفي، عرف بالخازن، لأنه كان خازن كتب خانقاه السميساطية بدمشق.

ولد ببغداد سنة ٦٧٨ هـ وسمع من علمائها ثم قدم دمشق وتلقّى فيها العلم حتى تمكن، فاشتغل بنشر العلم والتأليف وكانت له مؤلفات كبيرة وكثيرة، أشهرها كتابه في التفسير، وتوفي سنة ٧٤١ هـ.

طريقة هذا التفسير

اختصر الخازن تفسيره هذا من تفاسير من سبقه ولا سيما تفسير «معالم التنزيل» للبغوي، فكان عمله فيه كما ذكر في مقدمته النقل والانتخاب، مع حذف الأسانيد وتجنب التطويل والإسهاب.

وعني فيه بتخريج الأحاديث النبوية من الصحيحين والسنن الأربعة وغيرها وشرح غريب الأحاديث التي يوردها، وهو في الواقع يكثر من التفسير المأثور، مما جعلنا نضمه إلى هذه الزمرة خلافا لما صنعه بعض الكاتبين حيث صنفه ضمن كتب التفسير بالرأي، وكأنه اغتر بعنوان «لباب التأويل».

وقد عرف هذا التفسير بتوسعه في رواية الإسرائيليات وأخبار الأمم الماضية والأخبار التاريخية، حتى جعله هذا التوسع يورد أمورا مما لا يسلم أمام النقد العلمي.

لكن للخازن طريقة خاصة في إيراد هذه الروايات، هي أنه يصدرها بلفظ يشعر بعدم جزمه بها، مثل (يروى) أو (روى) أو (عن فلان) ، وما أشبه ذلك من عبارات، وهو أسلوب اصطلح عليه العلماء رمزا إلى أنّ ما صدر بمثل هذه الصيغ فهو ضعيف أو مشكوك فيه، وهذا يتيح فرصة حسن الإفادة منه لمن أوتي حظا من التيقظ والتنبه.

٤ - الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي

هو الإمام العالم المحقق أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، الجزائري، المالكي، المتوفى سنة ٨٧٦ هـ عن عمر يقارب تسعين سنة ودفن في الجزائر رحمه الله ورضي عنه.

كان الثعالبي من كبار العلماء العاملين ورعا زاهدا: معرضا عن الدنيا وكان إماما علّامة مصنفا، صنّف كتبا كثيرة نافعة منها: «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» الذي نحن بصدده.

طريقة الثعالبي في تفسيره

نستطيع أن نعتبر تفسير الثعالبي صفوة منتخبة ومستخلصة من مصادر كثيرة في هذا الفن، وقد ذكر في ديباجة هذا التفسير أنه جمعه من كتب الأئمة، وثقات أعلام هذه الأمة، وذلك قريب من مائة تأليف، ما فيها تأليف إلا وهو لإمام مشهور بالدين ومعدود في المحققين.

وقد اشتمل الكتاب بهذا على فوائد هامة نظرا لنقوله الكثيرة عن مصادر مفقودة، كما أنه يمتاز بوضوح العبارة وسلاسة الأسلوب، مع احتياطه في شأن الاسرائيليات.

وهذا مثال منه من تفسيره لبعض قصار السور وهي سورة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ.

قال الثعالبي ما نصه: «روي في سبب نزول هذه السورة عن ابن عباس وغيره أن جماعة من صناديد قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: دع ما أنت فيه ونحن نمولك ونملكك علينا، وإن لم تفعل هذا فلتعبد آلهتنا، ونعبد إلهك حتى نشترك، فحيث كان الخير نلناه جميعا.

وروى أن هذه الجماعة المذكورة هم: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وأمية بن خلف، وأبيّ بن خلف، وأبو جهل وأبناء الحجاج، ونظراؤهم ممن لم يكتب له الإسلام وحتم بشقاوته. فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر الله عز وجل أنه لا يعبد ما يعبدون وأنهم غير عابدي ما يعبد. ولما كان قوله: لا أعبد، محتملا أن يراد به الآن ويبقى المستأنف منتظرا ما يكون فيه من عبادته «جاء البيان بقوله: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ أي أبدا» ثم جاء قوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ الثاني حتما عليهم أنهم لا يؤمنون به أبدا، كالذي كشف الغيب ... إلى آخر ما ذكر.

القسم الثاني من أقسام التفسير التفسير بالرأي

معنى التفسير بالرأي

هو تفسير القرآن بالاجتهاد اعتمادا على الأدوات التي يحتاج إليها المفسّر.

وقد اختلف العلماء من قديم الزمان في جواز تفسير القرآن بالرأي: فقوم تشددوا ولم يبيحوا تفسير شيء من القرآن ما لم يرد فيه أثر من المرفوع أو الموقوف، وقوم لم يروا بأسا من أن يفسروا القرآن باجتهادهم.

وقد استدل المانعون بما يلي:

أولا: التفسير بالرأي قول على الله بغير علم، وذلك منهي عنه لقوله تعالى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. والقول بالظن قول على الله بغير علم كذلك.

وقد رد المجيزون هذا الدليل بمنع دلالته لأن الظن نوع من العلم، إذ هو إدراك الطرف الراجح وعلى تسليمها نمنع الاستدلال الآخر لأن الظن منهي عنه إذا أمكن العلم اليقيني القطعي بأن يوجد نص شرعي قاطع أو دليل عقلي موصل لذلك.

ثانيا: قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، فقد أضاف بيان القرآن إليه فعلم أن ليس لغيره شيء من ذلك.

وأجيب بأن النبي لم يبيّن كل شيء، وقد اكتفينا ببيانه فيما بيّنه، وما لم يرد بيانه عنه ففيه اجتهاد أهل العلم كما قال في آخر الآية: وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.

ثالثا: استدلوا بما ورد في السنة المرفوعة، كحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار». حديث حسن.

وحديث جندب: عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».

وقد أجيب بأن النهي محمول على من قال برأيه فيما لا يعلم إلا عن طريق النقل وأنه أراد بالرأي الرأي الذي يغلب على صاحبه من غير دليل يقوم عليه، فيتناول من يعرف الحق لكنه يميل إلى رأي من طبعه وهواه فيتأول القرآن وفق هواه، ويتناول من كان جاهلا فيحمل الآية على ميله وهواه، ويتناول من يستدل بالقرآن على غرض صحيح غير مقصود به ما أراد، كمن يستدل ب اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى على مجاهدة النفس بحمل فرعون على النفس.

وأجيب أيضا بحمل النهي على من يقول في القرآن بظاهر العربية دون رجوع لما يجب معرفته على من يتكلم في التفسير. على أن حديث جندب ضعيف، فيه: سهل بن أبي حزم وهو ضعيف متكلم فيه [١].

واستدل الفريق الثاني وهم الجمهور على جواز التفسير بالرأي بما يأتي:

أولا: بنصوص كثيرة وردت في القرآن نحو أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ. فقد حثّ سبحانه على تدبر القرآن، بل وبخ الذين لا يتدبرونه.

ثانيا: لو كان التفسير بالرأي غير جائز لما كان الاجتهاد جائزا، وهذا باطل بيّن البطلان.

ثالثا: ثبت أن الصحابة قرءوا القرآن واختلفوا في تفسيره، ومعلوم أنهم لم يسمعوا كل ما قالوه في تفسير القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، بل توصلوا إلى معرفة البعض بعقولهم، ولو كان التفسير بالرأي محظورا لما فعلته الصحابة.

(١) راجع مقدمة التفسير لابن تيمية ص ٢٩ - ٣١ ومقدمة التفسير للراغب الأصفهاني ص ٤٢٢.

رابعا: استدلوا بدعاء النبي- صلى الله عليه وسلم- لابن عباس «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». فلو كان التأويل مقصورا على السماع والنقل لما كانت فائدة في تخصيص ابن عباس بهذا الدعاء [١].

التحقيق في الموضوع

لو عرفنا سر المتشددين في التفسير ووقفنا على شروط تفسير القرآن بالرأي عند المجوزين للتفسير بالرأي لظهر لنا أن الخلاف لفظي لا حقيقي، وذلك لأن الرأي قسمان:

قسم جار على كلام العرب مع مراعاة سائر شروط التفسير وهو جائز لا شك فيه.

وقسم غير جار على قوانين العربية أو لا يوافق الأدلة الشرعية أو غير مستوف لشروط التفسير، وهذا هو مورد النهي، وهو مراد ابن مسعود بقوله:

«ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع»، وقال عمر بن الخطاب: «إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس الملك على أخيه». وهذا هو الذي يفسّر عليه كلام المانعين للتفسير بالرأي.

قال ابن تيمية: «فهذه الآثار الصحيحة عن السلف، وما شاكلها محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا، فلا حرج عليه ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة، لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد ... ».

العلوم التي يحتاج إليها المفسر: والتمكن منها شرط أساسي للباحث في التفسير، وهي:

١ - علم اللغة.

(١) انظر هذه وغيرها في المرجعين السابقين والموافقات للشاطبي ج ٣ ص ٤٢١ - ٤٢٢.

٢ - علم النحو والصرف والاشتقاق.

٣ - علوم البلاغة.

٤ - علم القراءات.

٥ - علم أصول الدين.

٦ - أصول الفقه.

٧ - الأحاديث المبينة للتفسير، مثل أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، أو ما فيه بيان لتفسير المجمل أو المبهم ...

٨ - علم القصص.

٩ - علم الموهبة، وهو علم يورثه الله لمن عمل بما علم، كما ورد في الحديث وقد اختلف العلماء في سرد هذه العلوم إسهابا وإيجابا.

١٠ - الإلمام بمسلّمات العلوم الحديثة. وللشيخ محمد عبده في مقدمة تفسير المنار كلمة يحسن الرجوع إليها تتميما للفائدة.

أهم كتب التفسير بالرأي

١ - الكشاف، للزمخشري.

٢ - أنوار التنزيل وحقائق التأويل، للبيضاوي.

٣ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل، للنسفي.

٤ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم لأبي السعود العمادي.

٥ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي.

نتكلم عنها باختصار فيما يلي [١]:

١ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري

وهو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي المعتزلي، الملقب بجار الله، لإقامته بمكة ومجاورته بها.

(١) ونرجو ممن يدرس الموضوع أن يرجع إلى هذه الكتب نفسها في ضوء دراستنا الموجزة للاستزادة من فهمها.

ولد سنة ٤٦٧ في زمخشر من قرى خوارزم وتوفي في جرجانية خوارزم سنة ٥٣٨. وحاز الزمخشري في العلوم القدم الراسخ، ولا سيما علوم اللغة العربية، وبلاغتها، وعلوم التوحيد والجدل على طريقة المعتزلة ومذهبهم، وكان مستعلنا بتأييد المعتزلة، يفخر بانتمائه إليهم ويتعصب لهم تعصبا شديدا.

طريقته في تفسير الكشاف

١ - غلب عليه إظهار ثروة القرآن البلاغية التي لها أثر كبير في عجز العرب عن معارضته وقد تأثر بهذه الطريقة جميع المفسرين الذين جاءوا بعده، ولذلك امتاز تفسير أهل المشرق على أهل الأندلس بهذا الفن في التفسير.

٢ - يتعرض بدون توسع إلى المسائل الفقهية التي تتعلق ببعض الآيات باعتدال، ودون تعصب لمذهبه الحنفي، انظر تفسيره وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ... ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ ....

٣ - يقل من الروايات الإسرائيلية، وما يذكر منها يصدّره بلفظ «روي» المشعر بالضعف، أو يفوض علمها إلى الله، وهذا غالبا فيما لا مساس له بالدين، وأحيانا ينبه على درجة الرواية ومبلغها من الصحة أو الضعف.

٤ - انتصاره لمذهبه: مثل اهتمامه بآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً في الاستدلال على خلود أهل الكبائر في النار، كما هو مذهب المعتزلة.

٢ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي

وهو قاضي القضاة: ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن علي، البيضاوي الشافعي، من بلاد فارس. قال فيه ابن قاضي شهبة:

«صاحب المصنفات، وعالم أذربيجان، ولي قضاء شيراز». توفي ٦٩١ هـ.

التعريف بالتفسير وطريقته

تفسير العلّامة البيضاوي: متوسط الحجم جمع التفسير والتأويل، وقرر فيه الأدلة على أصول أهل السنّة.

اختصر البيضاوي تفسيره من الكشاف للزمخشري، وترك ما فيه من الاعتزالات وأحيانا يذهب إلى ما يذهب إليه صاحب الكشاف وبعض المفسرين

كأن يذكر في نهاية كل سورة حديثا في فضلها. وليتهم لم يفعلوا ذلك، لأن الحديث المروي في فضل سور القرآن سورة سورة موضوع كما بين المحدثون [١].

كما استمد تفسيره من التفسير الكبير المسمى: بمفاتيح الغيب للفخر الرازي، ومن تفسير الراغب الأصفهاني، وضمّ لذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، غير أنه أعمل فيه عقله فضمنه استنباطات بلاغية دقيقة، في أسلوب رائع موجز، ويورد أحيانا القراءات ولا يلتزم المتواتر منها، ويعرض للصناعة النحوية ويتعرض لبعض المسائل الفقهية بدون توسع.

وكثيرا ما يقرر مذهب أهل السنّة ومذهب المعتزلة عند ما يعرض لتفسير آية لها صلة بنقاط النزاع بينهم مع ترجيح لمذهب أهل السنّة.

وهو يقل من الروايات الإسرائيلية ويصدر روايتها ب «روي» أو «قيل» إشعارا منه بضعفها ويقف موقف الموزج لها غير القاطع بصحتها.

ثم إذا عرض للآيات الكونية فإنه لا يتركها بدون أن يخوض في مباحث الكون والطبيعة مماشيا لطريقة الفخر الرازي في التفسير، وبذلك كله كان من أمهات الكتب في التفسير التي لا يستغنى عنها.

٣ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل: للنسفي:

وهو أبو البركات، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي، أحد الزهاد، والأئمة المعتبرين، صاحب التصانيف المعتبرة في الفقه والأصول وغيرهما، منها متن الوافي في الفروع، والمنار في أصول الفقه، والعمدة في أصول الدين، وكذا تفسيره مدارك التنزيل وحقائق التأويل. وغير ذلك من المؤلفات التي تداولها العلماء دراسة وبحثا، وهذا لا يستكثر عليه لتفقهه على شمس الأئمة الكردري، وأحمد بن محمد الذي روى عنه الزيادات توفي سنة ٧٠١ هـ.

(١) راجع كتابنا «منهج النقد في علوم الحديث»، وفيه بيان ما صح في فضائل السور بإيجاز ص ٣١٠ - ٣١١.

طريقة هذا التفسير

اختصر التفسير من تفسير البيضاوي ومن الكشاف للزمخشري وغيرهما، غير أنه ترك الاعتزالات وجرى فيه على مذهب أهل السنّة، ومما يمتاز به:

١ - أنه جمع فيه بين وجوه الإعراب والقراءات غير أنه من ناحية الإعراب لا يستطرد كثيرا ولا يزج بالتفاصيل النحوية في تفسيره.

٢ - وأما من ناحية القراءات فهو ملتزم للقراءات السبع مع نسبة كل قراءة إلى قارئها وهي مزية هامة لهذا التفسير.

٣ - عني بكشف وجوه البلاغة وأساليب الأداء في القرآن بعبارات موجزة مفيدة جدا.

٤ - عند آيات الأحكام يعرض للمذاهب الفقهية التي لها تعلق وارتباط بالآية ويوجه الأقوال بدون توسع.

٥ - يقل من ذكر الإسرائيليات كثيرا وما يذكره من ذلك يمرّ عليه بدون أن يتعقبه أحيانا وأحيانا يتعقبه ولا يرتضيه ويرى أن كل ما يمس العقيدة من هذه القصص يجب التنبيه على عدم صحته وما لا يمس العقيدة فلا مانع من روايته بدون تعقيب عليه ما دام يحتمل الصدق والكذب في ذاته ولا يتنافى مع العقل أو يتصادم مع الشرع.

إذن فهو موجز العبارة سهل المأخذ غزير الفائدة، مما جعله مرجعا مهما في التفسير للدارسين متداولا بين أهل العلم.

٤ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود

وهو أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى، العمادي الحنفي، المولود سنة ٨٩٣ هـ من بيت عرف بالعلم، قرأ كثيرا من العلوم على والده وتتلمذ على أجلّة العلماء وتولّى التدريس وقلّد قضاء «بروسة» ثم القسطنطينية، ثم تولى أمر الفتوى الذي طال ثلاثين سنة، أظهر فيه الدقة العلمية التامة والبراعة، وكان يكتب جواب الفتوى على منوال ما يكتب له السؤال منظوما مع

الاتفاق في الوزن والقافية أو نثرا عربيا أو تركيا، وكانت أعماله هذه عائقا عن التفرغ للتصنيف والتأليف. توفي سنة ٩٨٢ هـ.

التعريف بهذا التفسير

اختلس فرصا من وقته وألّف تفسيره فيها مما جعل تأليفه لهذا التفسير غاية في بابه، فقد أتى فيه صاحبه من الفوائد بما لم يسبقه إليه أحد، فذاعت شهرته بين أهل العلم، وصار يقال له: خطيب المفسرين. حيث اعتمد فيه على تفسير الكشاف والبيضاوي جاريا على مذهب أهل السنّة في تفسيره متجنبا الاعتزالات ومحذرا منها.

عنايته بالكشف عن بلاغة القرآن وسرّ إعجازه:

يهتم أبو السعود بأن يكشف عن نواحي القرآن البلاغية وسر إعجازه في نظمه وأسلوبه وبخاصة في الوصل والفصل، والإيجاز والإطناب والتقديم والتأخير والاعتراض والتذييل كما يهتم بإبداء المعاني الدقيقة التي تحملها التراكيب القرآنية بين طياتها، فهو أول المفسرين في هذه الناحية، ما مع تفرد به من فوائد بلاغية ليست في غيره من كتب التفسير، ولم يسبقه إليه أحد.

ويجد القارئ أنه مقل في سرد الإسرائيليات غير مولع بذكرها يصدّرها ب «روى وقيل» مما يشعر بضعفها إذا ذكرها ومع ذلك فلم يعقب عليها بكلمة واحدة، وكأنه فعل ذلك لأنه تحاشى ما يجب رده منها.

ويهتم أبو السعود بإبداء وجوه المناسبات بين الآيات ويعرض كذلك للقراءات بقدر ما يوضح به من المعنى دون توسع، لكن لا يلتزم المتواتر.

ويتعرض أبو السعود في تفسيره لبعض المسائل الفقهية لكنه مقل جدا ولا يكاد يدخل في المناقشات الفقهية والأدلة المذهبية بل يسرد المذاهب في الآية.

ونلحظ أنه يعرض للناحية النحوية: إذا كانت الآية تحتمل أوجها من الإعراب ويرجح واحدا منها ويدلل على رجحانه. كما يعرض لاحتمالات الآية من المعاني ويرجح بينها بنظر دقيق، وتحقيق عميق.

فالكتاب دقيق بعيد عن خلط التفسير بما لا يتصل به غير مسرف فيما يضطر إليه من التكلم عن النواحي العلمية وهو مرجع ضروري يعتمد عليه المفسرون.

٥ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي

وهو أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي الآلوسي البغدادي المتوفى سنة ١٢٧٠ هـ وكان شيخ العلماء في العراق. أكثر من العلوم حتى أصبح علامة المنقول والمعقول فهامة في الفروع والأصول. أخذ عن فحول العلماء. منهم والده العلّامة الشيخ خالد نقشبندي، والشيخ علي السويدي، اشتغل بالتدريس والتأليف وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقلّد إفتاء الحنفية وتتلمذ له خلق كثير، كان عالما باختلاف المذاهب خلّف ثروة علمية كبيرة.

طريقة هذا التفسير

تفسير روح المعاني جامع لآراء السلف رواية ودراية شامل لخلاصة ما سبقه من التفاسير، ينقل عن تفسير أبي السعود ويعبر عنه بقوله: «قال شيخ الإسلام»، وعن البيضاوي بقوله: «القاضي»، وعن الفخر الرازي بقوله:

«الإمام». ويقف حكما عدلا بين المراجع، وناقدا مدققا، ثم يبدي رأيه حرا.

ويمكن تلخيص طريقته فيما يلي

١ - إنه يستطرد إلى الكلام في الأمور الكونية، ويقر منه ما يرتضيه ويفند ما لا يرتضيه.

٢ - يستطرد إلى الكلام في الصناعة النحوية ويتوسع حتى يكاد يخرج به عن وصف كونه مفسرا.

٣ - يتكلم عن آيات الأحكام ويستوفي مذاهب الفقهاء وأدلتهم، مع عدم تعصب منه لمذهب بعينه.

٤ - يعنى بجلاء ثروة القرآن البلاغية، ويتوسع في ذلك بإفاضة بالغة.

٥ - أما الإسرائيليات: فهو شديد النقد للإسرائيليات والأخبار المكذوبة التي

ذكرها كثير من المفسرين، وظنوها صحيحة، مع سخرية منهم أحيانا.

٦ - يعرض الآلوسي لذكر القراءات، متواترة وغير متواترة.

٧ - يعتني بإظهار أوجه المناسبات بين السور مع بعضها، وبين الآيات مع بعضها. وهذا فن عميق ومهم لفهم بلاغة القرآن.

٨ - يعتني ببيان أسباب النزول.

٩ - يكثر الاستشهاد بأشعار العرب على ما يذهب إليه من المعاني اللغوية.

١٠ - يتكلم الآلوسي عن التفسير الإشاري بعد أن يفرغ من الكلام على كل ما يتعلق بظاهر الآيات، لذا عدّ بعض العلماء تفسيره وتفسير النيسابوري ضمن كتب التفسير الإشاري.

لكن الصواب أن يعدّا في ضمن كتب التفسير المنهجي، لما أنه لم يكن مقصودهما الأهم هو التفسير الإشاري، بل كان تابعا لغيره من التفسير الظاهر.

وهكذا نجد «روح المعاني» موسوعة تفسيرية قيّمة جمعت كل ما قال علماء التفسير، مع النقد الحر، والترجيح الذي يعتمد على قوة الذهن، وإن كان يتوسع في نواح علمية مختلفة، إلا أنه متزن في كل ما يتكلم به، مما يشهد له بالإحاطة والعمق فيما أتى به في تفسيره هذا.

شروط المفسر والقواعد التي يحتاج إليها

إن النقاش الذي سبق في التفسير بالرأي يفيد أمورا هي شروط وقواعد على غاية من الأهمية تتعلق بالاحتياط في التفسير بالرأي [١]، نعرضها موجزة فيما يلي:

أولا: التحفظ من القول في كتاب الله تعالى إلا على بيّنة

، باستيفاء العلوم التي ذكرناها. فإن الناس في العلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير على ثلاث طبقات:

إحداها: من بلغ في ذلك مبلغ الراسخين، كالصحابة والتابعين ومن يليهم، وهؤلاء قالوا في التفسير برأيهم مع التوقي والتحفظ، والهيبة والخوف

(١) وقد نبّه الإمام الشاطبي عليها في الموافقات ج ٣ ص ٤٢٣ - ٤٢٤.

من الهجوم، فنحن أولى منهم إن ظننا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مثلهم.

وهيهات.

الثانية: من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبالغهم ولا داناهم، فهذا طرف لا إشكال في تحريم ذلك عليه. وسبيله أن يأخذ تفسيرا يدرسه بمراجعة العلماء.

الثالثة: من شكّ في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد أو ظن ذلك في بعض علومه دون بعض. فهذا أيضا داخل تحت حكم المنع من القول فيه، لأن الأصل عدم العلم، فعند ما يبقى له شك أو تردد في الدخول مدخل العلماء الراسخين فانسحاب الحكم الأول عليه باق بلا إشكال. وكل أحد فقيه نفسه في هذا المجال، وربما تعدى بعض أصحاب هذه الطبقة طوره، فحسن ظنه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع الراسخين. ومن هنا افترقت الفرق، وتباينت النحل، وظهر في تفسير القرآن الخلل.

ثانيا: ينبغي على الناظر في القرآن أن يعتمد في ذلك على من تقدمه

وله في ذلك سعة إلا فيما لا بد له منه وعلى حكم الضرورة، وما زال السلف الصالح يتحرجون من القول في القرآن، فإن المحظور فيه شديد جدا، وهو خوف التقوّل على الله تعالى.

ثالثا: أن يكون على بال من الناظر والمفسر والمتكلم على القرآن أن ما يقوله من التفسير هو قول بلسان بيانه:

هذا مراد الله من هذا الكلام، فليتثبت أن يسأله الله تعالى: من أين قلت عني هذا؟ فلا يصح له ذلك إلا ببيان الشواهد وإلا كان باطلا، ودخل صاحبه تحت الوعيد الشديد الوارد في أهل الرأي المذموم.

ولذلك احتاط السلف في الكلام على القرآن أيما احتياط، مع ما كانوا عليه من العلم.

عن مسروق الهمداني قال: «اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله».

وعن إبراهيم النخعي قال: «كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه».

وهذا الأصمعي وجلالته في علم اللغة وإمامته معروفة قد نقل عنه أنه لم يفسر قط آية من كتاب الله، وإذا سئل عن ذلك لم يجب.

وعن سعيد بن المسيب وهو سيد التابعين وأحد الفقهاء الأئمة السبعة أنه كان إذا سئل عن شيء من القرآن قال: «أنا لا أقول في القرآن شيئا».

وسأل رجل ابن عباس عن قوله تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فقال له ابن عباس: فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني! فقال ابن عباس: «هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما. نكره أن نقول في كتاب الله ما لا نعلم» [١].

رابعا: من واجبات المفسر أيضا إضافة لما ذكرنا واجب هام، وهو أن يلاحظ المنهجية في كلامه في التفسير

، وقد أوضح السيوطي ذلك فقال [٢]:

قال العلماء: يجب على المفسر أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسّر، وأن يتحرز في ذلك من نقص لما يحتاج إليه في إيضاح المعنى، أو زيادة لا تليق بالغرض، ومن كون المفسّر فيه ميل عن المعنى وعدول عن طريقه، وعليه بمراعاة المعنى الحقيقي والمجازي، ومراعاة التأليف، والغرض الذي سيق له الكلام، وأن يؤاخي بين المفردات. وأن يتصف بالعدل والإنصاف في بحثه، فذلك أساس في البحث العلمي وفي التفسير خاصة.

خامسا: خطة التفسير:

يبدأ المفسر بالمناسبة ثم أسباب النزول ثم العلوم اللفظية، وأولها «تحقيق الألفاظ المفردة، فيتكلم عليها من جهة اللغة ثم التصريف، ثم الاشتقاق، ثم يتكلم عليها بحسب التركيب، فيبدأ بالإعراب، ثم بما يتعلق بعلم المعاني، ثم البيان، ثم البديع، ثم يبين المعنى المراد، ثم الاستنباط، ثم الإشارة» [٣].

وقد أصبح التفسير الذي يعنى بالدقة والعمق في استعمال العلوم التي يحتاج إليها المفسّر وخصوصا اللغوية والبلاغية أصبح يسمى في اصطلاح المعاصرين «التفسير التحليلي». والعمدة فيه مصادر التفسير بالرأي الأمهات، فاعتن بها.

(١) الأثر عن سعيد بن المسيب وابن عباس في الموافقات ج ٣ ص ٤٢٢.

(٢) الإتقان ج ٢ ص ١٨٥.

(٣) الموضع السابق. وانظر ما يأتي في التفسير الإشاري.

الفصل التاسع التفسير الإشاري

ويسمى أيضا التفسير الصوفي، لكنا نؤثر التسمية الأولى، لما فيها من الدلالة على الانضباط، بقواعد، بما يشبه ما يسمى «إشارة النص» عند الأصوليين.

تعريفه

التفسير الإشاري: هو تأويل آيات القرآن الكريم على معنى غير ما يظهر منها، بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة [١].

وهذا الشرط الأخير وهو «أن يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر» هام جدا، لأنه يفيد انضباط التفسير بما يحتمله كلام العرب، الذي نزل به القرآن، ويجب فهمه على وفق كلام العرب، كما يفيد الالتزام بالمعنى الظاهري الأصلي المراد من كلام الله تعالى.

الأصل فيه

وعلى هذا الأساس فإن التفسير الإشاري ليس جديدا في إبراز معاني القرآن، بل هو معروف، قد فسر به الصحابة من غير نكير.

أخرج البخاري [٢] عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان

(١) التفسير والمفسرون ج ٣ ص ١٨ بتصرف. وفيه قوله: «خلاف ما يظهر». وما قلناه أولى، لأنه يبعد معنى التعارض.

(٢) في كتاب التفسير إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ج ٦ ص ١٧٩.

عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنّ بعضهم وجد [١] في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟. فقال عمر: إنه من حيث علمتم.

فدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.

قال: ما تقولون في قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟. فقال بعضهم:

أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئا.

فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟. فقلت: لا. قال: فما تقول؟. قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له: قال: إذا جاء نصر الله والفتح وذلك علامة أجلك، فسبّح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابا. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول».

شروط التفسير الإشاري

لما كان التفسير الإشاري إثارة لمعاني كتاب الله تعالى، كان لا بد له من معيار ينضبط به، حتى يتميز عن عبث المتلاعبين بالقرآن تحت ستار اسم باطن القرآن، وهم لا يفسرون القرآن على الحقيقة بل يتلاعبون لهدم الشريعة باسم الشريعة.

والمعيار الذي ينضبط به التفسير الإشاري ليكون مقبولا هو الشروط الآتية:

١ - أن يكون له شاهد شرعي يؤيده من غير معارض. وذلك لأنه إن لم يكن للتفسير الإشاري شاهد في محل آخر، أو كان له شاهد لكن له معارض صار دعوى تدّعى على القرآن من غير دليل. والدعوى التي لا دليل عليها مرفوضة باتفاق العلماء [٢].

٢ - أن يصح التفسير الإشاري على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب، وذلك ضرورة كون القرآن عربيا، إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا، ولو كان

(١) أي عتب.

(٢) الموافقات للشاطبي ج ٣ ص ٣٩٤.

له فهم لا يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيا، بل يدخل قائله تحت وعيد من قال في كتاب الله بغير علم.

٣ - أن لا يكون له معارض شرعي ولا عقلي. لما علم مما سبق.

٤ - أن لا يدّعى أن التفسير الإشاري هو المراد وحده دون الظاهر، بل لا بد أن نعترف بالمعنى الظاهر أوّلا، إذ لا يطمع في الوصول إلى الإشارة قبل إحكام فهم العبارة، «ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادّعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب!!» [١].

ومن أمثلة ما اختل فيه بعض هذه الشروط: كمن فسّر قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. فقال: معناه: «من ذلّ» من الذل، إشارة إلى النفس «يشف» من الشفاء «ع» أمر من الوعي.

ومن أمثلة ما وقفنا عليه في هذا العصر في أملية خاصة طبعت في كتاب وإذا فيه تفسير سورة العاديات هكذا:

«والعاديات» الريح تجري مستمرة «ضبحا» صوتها أثناء جريها «فالموريات» الغيوم «قدحا» تحتك ببعضها فينشأ عن ذلك البرق «فالمغيرات» المغيثة بالمطر «صبحا» تغيثكم غياثا ظاهرا كالصبح ... وهكذا إلى آخر السورة من عجاب التحريف .. !؟!.

وهذا تحريف مخالف لصريح اللغة، ومصادم لاتفاق المفسرين أن «العاديات» هي الخيل المسرعة تضبح «ضبحا» وهو اسم صوت الخيل وهي تسرع، فتصدم حوافرها الأرض فتقدح الشرر «قدحا» فتغير «صبحا» تشن الهجوم على العدو صباحا ...

هذا هو الصواب في تفسير السورة، وليس ذلك التفسير الذي نقلناه سابقا من الصواب بسبيل، إنما هو تمزيق للنص وعبث به.

(١) كما قال السيوطي في الإتقان ج ٢ ص ١٨٥.

وقد ظهر حديثا بعض الأدعياء، وراح يتلاعب بالقرآن، حتى توصل إلى معان مسفة يستحيي منها، فكشف العلماء دجله وحذروا منه [١].

وقال بعضهم في الآية الخاتمة لسورة العنكبوت: وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ أي أضاء المحسنين، وإنما هي لام التوكيد، و «مع» الظرفية، فانظر أنّى ذهب عن النص.

من أهم كتب التفسير الإشاري

١ - «تفسير القرآن العظيم»، للتّستري:

وهو أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس التّستري، والمولود بتستر، سنة ٢٠٠، وكان من كبار العلماء العارفين، أهل الورع والكرامات، أقام بالبصرة وتوفي بها سنة ٢٧٣.

وتفسيره هذا جزء واحد، يظهر أنه قطعة من مجموعة أخذت من كلامه، ونجده- في الجملة- متمشيا مع الشروط السابقة. وأنه يعنى بتزكية النفوس، وتطهير القلوب، والتحلي بالفضائل مما يدل عليه القرآن بطريق العبارة أو الإشارة.

ومن أمثلة ذلك قوله [٢] في سورة الصافات [١٠٧] : وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ: «إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أحبّ ولده بطبع البشرية، تداركه من الله فضله وعصمته حتى أمره بذبحه، إذ لم يكن المراد منه تحصيل الذبح، وإنما كان المقصود تخليص السر من حب غيره بأبلغ الأسباب، فلما خلص السر له ورجع عن عادة الطبع فداه بذبح عظيم».

٢ - «لطائف الإشارات» للقشيري:

الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، زين الإسلام.

(١) ونحوه قول بعض آخر معاصر في حديث «الحج عرفة»، هو: «الحج عرفه» أي عرف الله. وهو عبث ركيك ينم عن جهل عميق، باللغة وبكتاب الله. قال تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ.

(٢) تفسير التستري ص ١٢٠.

المولود سنة ٣٧٦. وهو عربي النسب من قبيلة قشير. كان علّامة في علوم عصره، وتوجه بعد إتقانها إلى التصوف بتلمذته على أبي علي الحسن الدقاق، وكان الدقاق إمام عصره، فارها في العلم، جنيدي الطريقة. فجمع القشيري العلوم العقلية والنقلية والصوفية، وراح يمزج بينها بما لا يعارض بينها، وألّف كتبا كثيرة، وكانت له كرامات ظاهرة. وتوفي سنة ٤٦٥ [١].

ويمتاز هذا التفسير بأنه تفسير إشاري كامل للقرآن الكريم، وأن صاحبه سار على خطة واضحة بينها في مطلع كتابه، وهي خطة تتمشى مع شروط التفسير الإشاري،

وأحيانا كثيرة مع التفسير الظاهري نفسه. وهو مطبوع في ثلاثة مجلدات كبار.

ومن أمثلة ذلك:

قوله جل ذكره: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ.

قال القشيري [٢]: «الإسلام هو الإخلاص، وهو الاستسلام، وحقيقته الخروج عن أحوال البشرية بالكلية من منازعات الاختيار ومعارضات النفس.

قالَ: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ: قابلت الأمر بالسمع والطاعة، واعتنقت الحكم على حسب الاستطاعة، ولم يدخر شيئا من ماله وبدنه وولده، وحين أمر بذبح الولد قصد الذبح، وحين قال له خله من الأسر عمل ما أمر به، فلم يكن له في الحالين اختيار ولا تدبير. ويقال: إن قوله: «أسلمت» ليس بدعوى من قبله، لأن حقيقة الإسلام إنما هو التبرّي من الحول والقوة، فإذا قال:

«أسلمت» فكأنّه قال: أقمني فيما كلّفتني، وحقق مني ما به أمرتني، فهو أحال الأمر عليه، لا لإظهار معنى أو ضمان شيء من قبل نفسه.

ويقال: أمره بأن يستأثر بمطالبات القدرة، فإن من حلّ في الخلّة محلّه يحل به لا محالة ما حلّ به ... » إلى آخر ما ذكره من فوائد قيمة.

(١) باقتضاب عن تقديم المحقق لكتاب «لطائف الإشارات».

(٢) لطائف الإشارات ج ١ ص ١٢٦. أخذنا المثالين منه بالتقليب العفوي.

وعند قوله جل ذكره: هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ. جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ: يقول القشيري [١]:

«أي هذا القرآن فيه ذكر ما كان، وذكر الأنبياء والقصص أو يقال: إنه شرف لك، لأنه معجزة تدل على صدقك، وإن للذين يتقون المعاصي لحسن المنقلب.

جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ: أي إذا جاءوها لا يلحقهم ذلّ الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالترحاب والتبجيل، متكئين فيها على أرائكهم، يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب على ما يشتهون، وعندهم حور عين قاصرات الطرف عن غير أزواجهن، أَتْرابٌ لدات مستويات في الحسن والجمال والشكل.

(١) في اللطائف ج ٣ ص ٢٦٠.

عن الكاتب

Tanya Ustadz

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية