الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

التعريف العام بعلوم القرآن | نور الدين عتر

 

التعريف العام بعلوم القرآن | نور الدين عتر

الكتاب: علوم القرآن الكريم
المؤلف: نور الدين محمد عتر الحلبي
الموضوع: التفسير وعلوم القرأن
الناشر: مطبعة الصباح - دمشق
الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م
عدد الصفحات: ٢٩٠
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صفحة المؤلف: [نور الدين عتر] 


 فهرس الموضوعات

  1. مقدمة المؤلف
  2. الفصل الأول التعريف العام بعلوم القرآن
  3. علوم القرآن في الاصطلاح
  4. التصنيف في علوم القرآن
  5. الفصل الثاني القرآن والوحي وتنزلاته
  6. القرآن
  7. هذا الإسم"قرآن" في اللغة
  8. وأما تعريف القرآن اصطلاحا
  9. آ) كلام الله المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم
  10. ب) المكتوب في المصاحف
  11. ج) المنقول بالتواتر
  12. د) المتعبد بتلاوته
  13. هـ) المعجز ولو بسورة منه
  14. أسماء القرآن
  15. -"الكتاب"
  16. -ومن أسماء القرآن"النور"
  17. -"الفرقان"
  18. الوحي
  19. معنى الوحي لغة
  20. أما في الاصطلاح الشرعي
  21. مراتب الوحي
  22. كيفيات الوحي
  23. المرتبة الأولى
  24. المرتبة الثانية
  25. المرتبة الثالثة
  26. المرتبة الرابعة
  27. المرتبة الخامسة
  28. المرتبة السادسة
  29. المرتبة السابعة
  30. مظاهر الوحي
  31. الرد على منكري الوحي
  32. الفصل الثالث نزول القرآن منجما وأسراره
  33. للقرآن ثلاث تنزلات
  34. ١ - التنزل الأول
  35. ٢ - التنزيل الثاني
  36. ٣ - التنزيل الثالث
  37. نزول القرآن منجما على قلب النبي الكريم
  38. الحكم في نزول القرآن منجما
  39. أولا، تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتقوية قلبه
  40. ثانيا: مواجهة ما يطرأ من أمور أو حوادث تمس الدعوة
  41. ثالثا: تعهد هذه الأمة التي أنزل عليها القرآن
  42. رابعا: التنبيه على وجه من إعجاز القرآن
  43. الفصل الرابع أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن
  44. أول ما نزل من القرآن الكريم
  45. آخر ما نزل من القرآن الكريم
  46. الأوائل والأواخر النسبية
  47. العودة الي كتاب التفسير والمفسرون

 

 [مقدمة المؤلف]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وصلى الله على سيدنا محمد هادي البشرية، ومنقذ بني الإنسان، على مدى السنين والأزمان، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسلّم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فإن القرآن الكريم هو هداية الله العظمى، وبينته الخالدة، وهو شريعة الله ودينه الذي ارتضاه لعباده، من ابتغى الهدى في غيره فلن يقبل منه، ومن اعتصم به فلن يضل عن صراط ربه، وهو الروح الذي يطير به الإسلام إلى القلوب، والمد الساري في تغذية الأرواح والنفوس، والنظام الكامل الكافل لسعادة الإنسان، في هذه الدنيا، ثم في الآخرة في أعالي الجنان.

فلا عجب أن تكثر الدراسات حوله حتى لا تحصى، وأن تفيض القرائح والأقلام بالمؤلفات من دراسته حتى لا تستقصى، وإن من أهم دراسة تتأكد على دارس القرآن خاصة، والمثقف المسلم عامة هي هذه الدراسة التي نقدم فيها هذا الكتاب، تبين مصدر هذا القرآن الإلهي، ونزوله لهدايتنا، وأصول تفسيره، وما يلزم من علوم ودراسات ضرورية لحسن فهمه، وتبرز إعجازه في فنون بيانه، وعجائب معانيه ومضامينه، تثلج قلب القارئ بحلاوة اليقين

بكتاب الله، وحقية الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤيدا بالأدلة الساطعة والحجج اليقينية القاطعة، وضمنته إيضاحا لما التبس على بعض الكاتبين، وتصحيحا لما خبط فيه بعض المعاندين، من أجانب مستشرقين، أو أتباع لهم من جلدتنا مقلدين.

وراعيت في ترتيبه ما يتصل بالتفسير، ثم الإعجاز، وفي أسلوبه وضوح العبارات، والاقتصار على المهمات، مما يحتاجه دارسو الشرع الحنيف، وراغبو الثقافة في ضوء القرآن الكريم.

ونود أن ننبه أخيرا إلى أن كل مسلم يحتاج إلى هذه الدراسة، فإن أحسست بشيء في صدرك فارجع إلى هذه الدراسة وتأملها، لتجد راحة القلب بالإيمان، وادع إليها من تحبه ومن تريد قربه إلى كتاب الله، لأنها تزيد اليقين بكتاب الله تعالى، وترسخه.

قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً.

كتبه نور الدين عتر خادم القرآن وعلومه والحديث وعلومه

الفصل الأول التعريف العام بعلوم القرآن

هذا التعبير «علوم القرآن» يدل لغة على أنواع العلوم التي تتصل بالقرآن الكريم.

وهكذا كان يستعمل في عصور المتقدمين، فيراد به علوم تؤخذ من القرآن من علوم الشرع، كالعقيدة، أو الفقه، أو الأخلاق، أو من المعارف العامة حول الإنسان، والكون، والطبيعة، والنبات، والسماء والأفلاك.

كما يراد ب «علوم القرآن» لغة علوم تخدم معاني القرآن مباشرة، وتوصل إليها، أو تدور حوله، أو تستمدّ منه، فيدخل تحت هذا التعبير بهذا الاستعمال اللغوي الثاني علوم كثيرة ضخمة، مثل: علم التفسير، وعلم القراءات، وعلم الرسم العثماني، وعلم إعجاز القرآن، وعلم إعراب القرآن، وسائر علوم الدين واللغة والبلاغة، وغير ذلك، من علوم، درس العلماء في تآليفهم فيها القرآن كله في ضوء كل علم دراسة تفصيلية.

ثم جعل العلماء هذه العبارة: «علوم القرآن» اسم علم، يراد به معنى خاص يدل على علم خاص غير ما سبق كله، لأن هذا المعنى الجديد يختص بأنه علم واحد يجمع ضوابط تلك العلوم المتصلة بالقرآن من ناحية كلية عامة، أما علوم القرآن بالمعنى اللغوي فإن كل علم منها يدرس القرآن كله من زاوية اختصاصه آية آية دراسة تفصيلية.

وبناء على ذلك يمكن أن نعرف «علوم القرآن» باعتباره اسما لعلم واحد فنقول:

«علوم القرآن في الاصطلاح:

هو المباحث الكلية التي تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله، وترتيبه وجمعه، وكتابته، وتفسيره، وإعجازه وناسخه ومنسوخه، وغير ذلك» [١].

التصنيف في علوم القرآن

وبالنظر لأهمية هذا العلم كثرت الدراسات فيه في القديم والحديث، فكتب كثير من المفسرين في مقدمات تفاسيرهم بحوثا هامة في علوم القرآن، عنوا فيها بما يتعلق بأصول تفسيره وإعجازه، على مثال مقدمة الطبري، لتفسيره «جامع البيان»، والقرطبي لتفسيره «الجامع لأحكام القرآن».

وصنف العلماء مؤلفات مستقلة تشمل كل علوم القرآن، مثل هذه الكتب الهامة:

١ - «فنون الأفنان في عيون علوم القرآن»، للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧.

٢ - «البرهان في علوم القرآن»، للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤.

٣ - «الإتقان في علوم القرآن»، للإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة ٩١١. وقد بناه على كتاب البرهان، وأضاف إليه فوائد وبحوثا.

وفي هذا العصر اقتصر الباحثون في هذا العلم على أهم ما يحتاج إليه الدارس في هذا العصر، اعتمادا على تكملة بحوث أخرى من علوم شرعية

(١) ومن هنا ندرك الخطأ الواضح الذي وقع فيه من عرّف علوم القرآن فقال: «هي جميع المعلومات والبحوث التي تتعلق بالقرآن ... ».

فقد خلط بين المعنى اللغوي وهو يدل على علوم كثيرة، والمعنى الاصطلاحي وهو علم واحد، ألا ترى إلى قوله «هي». وهكذا استمر الخطأ ...

ولغوية أو اعتقادية مقررة في مناهج معاهد العلوم والدراسات الإسلامية.

ومن أهم المؤلفات المعاصرة ما يلي:

١ - «مناهل العرفان في علوم القرآن»، للعلّامة الكبير محمد عبد العظيم الزرقاني. وهو كتاب حافل واسع المحتوى، عذب الأسلوب يقع في مجلدين.

٢ - «المدخل إلى دراسة القرآن الكريم»، لفضيلة أستاذنا الدكتور العلّامة الشيخ محمد محمد أبو شبهة.

٣ - «البيان في علوم القرآن»، لفضيلة أستاذنا الدكتور العلّامة الشيخ عبد الوهاب غزلان.

٤ - «مباحث في علوم القرآن»، للأستاذ الدكتور صبحي الصالح.

٥ - «من روائع القرآن»، للأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.

وقد قسم بعضهم كتابه أبوابا. منها: «باب تاريخ علوم القرآن» و «باب علوم القرآن».

ونرى في هذا التقسيم خللا وضعفا، لأن العنوان الثاني: «علوم القرآن» يوهم أن الأبحاث الأخرى ليست من علوم القرآن، وهي قطعا من علوم القرآن، فكيف تستبعد عن هذا العنوان ولا تدرج تحته.

ونود التنبيه إلى أن التصنيف في علوم القرآن بالمعنى الأول مستمر أيضا لم ينقطع، وذلك تلبية لحاجة العصر من كشف دسائس وفضح أباطيل، أو تفصيل مسائل واستيفائها بالبحث، أو لإظهار مزيد من أوجه الإعجاز الذي أفاده تقدم العلوم، الأمر الذي يزيد اليقين بأن هذا القرآن كتاب الله المعجز على الدوام.

تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى. تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى.

الفصل الثاني القرآن والوحي وتنزلاته

القرآن

هذا الإسم «قرآن» في اللغة:

على أصح الآراء مصدر على وزن غفران، بمعنى القراءة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ.

وأما تعريف القرآن اصطلاحا

فقد تعددت تعاريف العلماء للقرآن، بسبب تعدد الزوايا التي ينظر العلماء منها إلى القرآن- وإن كان التعبير بأنه الكلام المعجز كافيا- ونحن نختار هنا التعريف المناسب لغرض دراستنا، أعني التمهيد بمعارف عامة وهامة موجزة عن القرآن الكريم فنقول:

«القرآن هو كلام الله المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلّم المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المعجز ولو بسورة منه».

وقد اشتمل هذا التعريف على الصفات التالية للقرآن، وتعتبر في اصطلاح أهل التعاريف قيودا تشمل المعرّف وتميزه عما عداه وهي:

آ) كلام الله المنزل على النبي صلّى الله عليه وسلم:

وتتضمن هذه الجملة أمورا نذكر منها:

١ - إبعاد كل كلام لغير الله تعالى- مهما كان عظيما- عن أن يسمّى قرآنا، وسواء في ذلك حديث النبي صلّى الله عليه وسلم أو غيره من الإنس والجن والملائكة، فكل ذلك لا يسمى قرآنا.

٢ - قوله: «على محمد»: احتراز عما أنزل على الأنبياء السابقين، كالتوراة والإنجيل، والزبور وغيرها، فلا يسمى شيء منها قرآنا.

ب) المكتوب في المصاحف

وهذه مزية للقرآن أنه دوّن وحفظ بالكتابة منذ عهد النبي صلّى الله عليه وسلم وبإشرافه واعتنائه الزائد.

ثم لما قام الصحابة بجمع القرآن في المصحف وكتبت المصاحف في عهد عثمان، أجمع الصحابة على تجريد المصحف من كل ما ليس قرآنا، وقالوا: جرّدوا المصاحف، فمن ادعى قرآنية شيء ليس في المصاحف فدعواه باطلة كاذبة، وهو من المفترين على الله وعلى رسوله.

ج) المنقول بالتواتر

أي أن القرآن قد نقله جمع عظيم غفير لا يمكن تواطؤهم على الكذب ولا وقوع الخطأ منهم صدفة، هذا الجمع الضخم ينقل القرآن عن جمع مثله وهكذا إلى النبي صلّى الله

عليه وسلم، وذلك يفيد العلم اليقيني القاطع بأن هذا القرآن هو كلام الله تعالى المنزل على نبيه صلّى الله عليه وسلم.

وهذه خصوصية ليست لغير القرآن من كتب السماء. فإن الكتب السابقة لم يتح لها الحفظ في السطور ولا في الصدور، فضلا عن أن تنقل بالحفظ نقلا متواترا جيلا عن جيل.

أما القرآن فقد جعل الله فيه قابلية عجيبة للحفظ، كما قال تعالى:

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.

بل إن هذه الخصوصية، خصوصية حفظ القرآن في الصدور بلغت مبلغا عجيبا، فهذه أمم العجم، تحفظ القرآن عن ظهر قلب حفظا متينا لا يتطرق إليه خلل ولا بكلمة واحدة، ولا تفريط في حكم تجويد، وتجد أحدهم مع حفظه هذا لا يدري من العربية شيئا.

د) المتعبد بتلاوته

أي أن مجرد تلاوة القرآن عبادة يثاب عليها المؤمن، ولو لم يكن

استحضر نية تحصيل الثواب بالتلاوة، كما أن الصلاة لا تصح إلا بتلاوة شيء منه، وقد وردت نصوص كثيرة غزيرة في الحض على تلاوة القرآن وبيان فضلها وعظمة ثوابها، وألّف العلماء في ذلك كتبا كثيرة نافعة [١]. وهذا القيد يخرج من اعتبار القرآن القراءات الشاذة، لأنا غير متعبدين بها، وكذا الأحاديث القدسية.

هـ) المعجز ولو بسورة منه

الإعجاز أعظم خصائص القرآن، حتى لو عرّف القرآن بهذه الصفة:

«الكلام المعجز» لكفى ذلك لتمييزه والتعريف به.

والقرآن معجز بجملته، كما أنه معجز بأي سورة منه، ولو كانت هي أقصر سورة من سوره.

قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [٢].

وقال تباركت أسماؤه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [٣].

وهذا الإعجاز برهان قاطع على أن القرآن كلام الله تعالى، وأنه الحق الذي يجب الإيمان به واتباعه، والحذر من مخالفته وعصيانه.

أسماء القرآن

عرفنا أن لفظة القرآن هي أشهر أسماء القرآن الكريم، بل هي الاسم العلم الدال على هذا الكتاب العزيز، وللقرآن الكريم أسماء أخرى كثيرة يشير كل منها إلى جانب من خصائص القرآن أو فضائله، أو أهدافه، وقد عني العلماء بإحصائها واستقصائها وشرحها.

(١) نذكر للقارئ منها كتاب «تلاوة القرآن المجيد» لفضيلة أستاذنا العلّامة الشيخ عبد الله سراج الدين.

(٢) سورة الإسراء، الآية ٨٨. ظهيرا: ناصرا ومؤيدا.

(٣) سورة البقرة، الآيتان ٢٣ - ٢٤.

ومن أشهر أسماء القرآن الكريم:

«الكتاب»:

وهذه المادة مأخوذة في أصلها من الكتب، أي الجمع، ومنه الكتيبة للجيش لاجتماعها، ثم أطلقت على الكتابة، لجمعها الحروف [١]، وسمّي القرآن بذلك لأنه يجمع أنواعا من القصص والآيات والأحكام والأخبار على أوجه مخصوصة، كما ذكروا.

إلا أنا نرى حقا ما قرره المحقق الدكتور محمد عبد الله دراز [٢] أن في تسمية القرآن بهذين الاسمين: القرآن والكتاب: «إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفّاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.

وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيّها بقي القرآن محفوظا في حرز حريز، إنجازا لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [٣]، ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، فإن الله لم يتكفل بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس فقال تعالى: وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ [٤]، أي بما طلب إليهم حفظه.

والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدا عليها بما شاء الله زيادته، وكان

(١) كما اتفقت عليه المعاجم، فلا معنى للالتفات لما كتبه بعض المستشرقين من إرجاع هذه الكلمة أو غيرها إلى أصل غير عربي من الآرامية أو غيرها، فذلك زعم لا أرومة له.

(٢) في النبأ العظيم ص ٧ - ٩.

(٣) سورة الحجر، الآية ٩.

(٤) سورة المائدة، الآية ٤٤.

سادّا مسدّها ولم يكن شيء منها ليسدّ مسدّه، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرا يسر له أسبابه، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ.

ومن أسماء القرآن «النور»:

قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [١].

ومناسبة هذه التسمية أن القرآن يكشف الحقائق ويجلوها ببيانه الناصع، وبرهانه الساطع، ويجعلنا ندرك غوامض الحلال والحرام، وما لا يستقل العقل بالتوصل إليه من علوم العقيدة والشريعة وغيرها.

«الفرقان»:

قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [٢].

ووجه هذه التسمية: أنه فرّق بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والحلال والحرام، والخير والشر، وذلك لغاية كماله في الهداية والبيان.

الوحي

معنى الوحي لغة

قال الإمام ابن فارس [٣]: «الواو والحاء والحرف المعتل: أصل يدل على إلقاء علم في إخفاء إلى غيرك، فالوحي الإشارة، والوحي: الكتاب والرسالة، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه فهو وحي كيف كان».

ويختص معنى الوحي لغة إضافة إلى ما قاله ابن فارس بتضمنه معنى السرعة، فالإشارة السريعة هي التي يقال لها: وحي.

وورد الوحي في القرآن بمعنى الإلهام، كما في قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [٤].

(١) سورة النساء، الآية ١٧٤.

(٢) أول سورة الفرقان.

(٣) معجم مقاييس اللغة.

(٤) سورة القصص، الآية ٧.

كما ورد بمعنى الوسوسة: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ [١].

أما في الاصطلاح الشرعي

فالوحي هو إعلام الله تعالى لمن اصطفاه من عباده بطريق خفية سريعة.

مراتب الوحي

وإذا ابتغينا التفصيل لهذا الإجمال عن الوحي، وتساءلنا عن كيفياته وأحواله وآثاره فإن خير مرجع يحقق لنا تلك الأمنية هو صاحب الوحي نفسه، في نصوص القرآن الصريحة والأحاديث الصحيحة.

كما جاء في الحديث الصحيح: «أول ما بدئ به رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لمثلها».

«حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال:

اقرأ، قلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثالثة فقال:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. فرجع بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم يرجف فؤاده.

فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زمّلوني زمّلوني، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع. فقال لخديجة- وأخبرها الخبر-: لقد خشيت على نفسي. فقالت له: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب في

(١) سورة الأنعام، الآية ١٢١.

الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلّى الله عليه وسلم خبر ما رأى.

فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أو مخرجيّ هم؟!» قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا.

ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي».

قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: وهو يحدث عن فترة الوحي: فقال في حديثه: «بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاء في حراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه فرجعت، فقلت:

زمّلوني زمّلوني، فأنزل الله عز وجل: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ إلى قوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. فحمي الوحي وتواتر» [١].

كيفيات الوحي

وليست مراتب الوحي مقتصرة على هذين الحالين اللذين عرفناهما من الحديث،: الرؤيا والأخذ من الملك، بل إن له مراتب وكيفيات عدة ذكر القرآن الكريم أصولها في قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [٢].

وقد دلّت هذه الآية الجامعة على كيفيات الوحي وأنها ثلاث لا رابع لها، وسماها العلماء مراتب الوحي، وهي:

(١) أخرجه البخاري في أول صحيحه وغيره. غطّني: ضمني وعصرني بقوة. زمّلوني:

لففوني بالثياب. الرّوع: الفزع. الناموس: صاحب السّرّ. جذع: شاب. لم ينشب: لم يلبث.

(٢) سورة الشورى: الآية ٥١.

١ - أن يلقي الله ما يريد إلقاءه إلى النبي مباشرة بطريق خفي سريع دون واسطة.

٢ - أن يكلم الله النبي، من وراء حجاب تكليما.

٣ - أن يرسل الله الملك إلى النبي فيلقي إليه ما أمره الله تعالى به.

وقد بحث العلماء في هذه المراتب- ومرادهم كيفيات الوحي- واستقصوا أحوالها فيما ورد من وصف الوحي من الكتاب والسنّة، وأوصلوها إلى سبع مراتب ينقسم إليه الوحي ويقع بها، ومنهم من جعلها ثماني مراتب [١]، وترجع كلها إلى المراتب الأساسية التي ذكرتها الآية، وتندرج في ضمنها ولا تتجاوز حدها، كما يتضح من هذا البيان الذي يشرحها:

المرتبة الأولى

الرؤيا الصادقة، وذلك كما ورد في حديث عائشة:

«أول ما بدئ به رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم»، والوحي في هذه المرتبة إما أن يكون بإلقاء الله أو بواسطة الملك فهو داخل في الآية لا يخرج عنها.

المرتبة الثانية

أن يأتيه الملك فيلقي في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما أخرج الشهاب والحاكم عن ابن مسعود أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «إن روح القدس نفث في روعي: أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ... » [٢].

المرتبة الثالثة

أن يتمثّل له الملك رجلا فيخاطبه فيعي عنه ما يقول:

كما في الحديث المشهور من سؤال جبريل النبي صلّى الله عليه وسلم عن

(١) انظر في ذلك الروض الأنف للسهيلي ج ١ ص ١٥٣ - ١٥٤، وزاد المعاد لابن القيم ج ١ ص ٧٧ - ٨٠ (ط. الرسالة) ، والإتقان للسيوطي ج ١ ص ٤٤، والمواهب اللدنية للقسطلاني، وشرحه للزرقاني ج ١ ص ٥٥، وغيرها.

(٢) مسند الشهاب بلفظه ج ٢ ص ١٨٥ والمستدرك بنحوه ج ٢ ص ٤ وله شواهد كثيرة تقويه.

الإسلام والإيمان والإحسان والساعة. وهو متفق عليه.

المرتبة الرابعة

أن يأتيه الملك على حاله الملكية ويوحي إليه، وفي هذه المرتبة يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس، وكان ذلك أشد الوحي عليه صلّى الله عليه وسلم.

المرتبة الخامسة

أن يأتيه الملك جبريل ويظهر له في صورته الملكية العظيمة التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه. وهذا وقع له صلّى الله عليه وسلم مرتين: إحداهما في الأرض، والثانية: في السماء ليلة المعراج عند سدرة المنتهى، كما قال تعالى في سورة النجم [١]: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى.

وهذه المراتب الأربعة التي بعد الأولى كلها صور لمرتبة واحدة لا تخرج عنها، ذكرها القرآن في قوله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ.

المرتبة السادسة

كلام الله تعالى للنبي من وراء حجاب، كما وقع للنبي صلّى الله عليه وسلم ليلة المعراج بعد أن استقرت فريضة الصلوات على الخمس فنودي: أحكمت فريضتي وخففت على عبادي، وكما وقع لموسى عليه السلام: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً.

المرتبة السابعة

كلام الله تعالى للنبي وحيا بلا واسطة ملك ولا حجاب: كما أوحاه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ليلة المعراج وهو فوق السموات من فرض الصلوات ومضاعفة الحسنات الحسنة بعشر أمثالها، وغير ذلك، وهي مرتبة داخلة في قوله: أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أي إعلاما خفيا.

لكن بعضهم استشكل ما وردت به الأحاديث في هذه المرتبة وقال به أكثر

(١) الآيات: ١٣ - ١٨.

العلماء أنه صلّى الله عليه وسلم رأى ربه عزّ وجلّ ليلة المعراج كيف يتفق مع قوله: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ وليس هاهنا حجاب؟

إلا أن هذا الإشكال في الحقيقة غير وارد هنا إذا ما علمنا أن الوحي الإلهي في هذه المرتبة لا يشبه خطاب الخلق، بل هو داخل في قوله إلا وحيا، لأن الوحي إعلام في خفاء، وقد أبان الإمام المفسر البيضاوي عن ذلك في تفسيره لهذه الآية وهو يفسر إِلَّا وَحْياً: «كلاما خفيا يدرك بسرعة، لأنه تمثيل، ليس في ذاته مركبا من حروف مقطعة يتوقف على تموجات متعاقبة»، فأزاح بذلك شبهة خروج هذه المرتبة عن حد الآية الكريمة.

مظاهر الوحي

والوحي في أي مرتبة من مراتبه أمر عظيم يقتضي من الإنسان أن يتجاوز حدود المادة وعالم الشهادة ليتصل بالملائكة وعالم الغيب، وذلك يقتضي من صاحبه استعدادا يهيئه الله تعالى في أولئك الأخيار الذين اصطفاهم من خلقه لهذه المنزلة، وكثيرا ما كان يحدث للنبي صلّى الله عليه وسلم مشقة شديدة في التلقي من الملك. قالت عائشة رضي الله عنها: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول». قالت عائشة رضي الله عنها: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا» [١].

ومن آثار الوحي ومظاهره على النبي صلّى الله عليه وسلّم ما وردت به هذه الأحاديث:

١ - ما ذكر في حديث السيدة عائشة الذي رويناه سابقا.

(١) متفق عليه: البخاري في مطلع صحيحه ص ٢ - ٣ ومسلم في الفضائل (باب عرق النبي صلّى الله عليه وسلم ... ) ج ٧ ص ٨٢.

وأخرج البخاري أول صحيحه وغيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان ممّا يحرك شفتيه، فقال ابن عباس فأنا أحركهما لك كما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يحركهما، وقال سعيد أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله عزّ وجلّ: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، قال جمعه لك صدرك وتقرأه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، قال فاستمع له وأنصت ثم إن علينا بيانه، ثم إن علينا أن تقرأه. فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلّى الله عليه وسلم كما كان قرأ».

٢ - أنه صلّى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي سمع عند وجهه دويّ كدويّ النحل: عن عبد الرحمن بن عبد القارّيّ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل، فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال:

«اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، ثم قال: لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة»، ثم قرأ علينا: «قد أفلح المؤمنون ... حتى ختم العشر» [١]، أخرجه أحمد والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

٣ - أنه صلّى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي ثقل جسمه حتى يكاد يرضّ فخذه فخذ الجالس إلى جنبه.

(١) وهي: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ. أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ.

وانظر الحديث في المسند رقم ٢٢٣ والترمذي ج ٢ ص ٣١٦ - ٣١٧ والمستدرك ج ١ ص ٥٣٥.

عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أملى عليه:

لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فجاءه ابن أمّ مكتوم وهو يملّها عليّ قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت.- وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله صلّى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتى خفت أن ترضّ فخذي ثم سرّي عنه فأنزل الله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، أخرجه البخاري بلفظه وأحمد وأبو داود وغيرهم [١].

٤ - أنه صلّى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي بركت به راحلته.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن كان يوحى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو على راحلته فتضرب بجرانها» أخرجه أحمد.

وعن عروة بن الزبير: أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها فما تستطيع أن تحرّك حتى يسرّى عنه. أخرجه ابن جرير، وهو مرسل، والجران باطن عنق الناقة.

وقد حضّ النبي صلّى الله عليه وسلم المسلم على أن يجعل ليوم الوحي اهتماما وتوجها خاصا إلى الله، بمجاهدة النفس والتصفية لها بصيام مستحب، تكميلا ومتابعة لمجاهدتها بالصيام المفروض في شهر رمضان حتى تصفو النفوس من أكدارها وتخلص القلوب وجهتها نحو بارئها سبحانه، وتقبل عليه بقوة وعزم، وعلى العالم بالمكارم والإصلاح ودعوة الخير الذي نزل به الوحي في ذلك اليوم، أخرج مسلم [٢] عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل عليّ» [٣].

(١) البخاري: ج ٦: ٤٧ وأبو داود ج ٣: ١١ والمسند ج ٥: ١٨٤.

(٢) في صحيحه كتاب الصيام ج ٣ ص ١٦٨.

(٣) وبهذه الدراسة يتبين لنا بجلاء الفرق بين الوحي والإلهام أو الكشف، وذلك من وجوه كثيرة نذكر منها:

١ - إن الوحي أخذ وتلقّ من ذات خارجية علوية آمرة قاهرة، تتلقاه شخصية النبي مذعنة ضعيفة مأمورة. أما الإلهام والكشف فيدخل فيهما عنصر الحدس

الرد على منكري الوحي

وقد أثار أعداء الأنبياء والكافرون ببعثة الرسل الشبهات حول ثبوت الوحي من الله تعالى لهؤلاء الخيرة المصطفين من عباده، وتعللوا في إنكارهم بتعللات مختلفة، بدأها أوائلهم في العصور السالفة الغابرة وجددها أواخرهم في العصور الخالفة الحاضرة.

ويتخلص أهم ما قالوه في دعويين سبق إليهما الكفرة المشركون من قبل، حين زعموا أن النبي صلّى الله عليه وسلم مجنون، أو أنه مصاب بمرض عصبي، وزعموا أنه يأتيه رئيّ من الجن يلقي إليه هذا القرآن، ولما كان منكروا النبوة في هذا العصر ينكرون الجن فقد صاغوا شبهتهم باسم «الوحي النفسي».

ولا شك أن دعوى المرض العصبي كذب واضح يدل على الجهل الفاضح بشخص محمد صلّى الله عليه وسلم وبالقرآن الكريم، بل يدين قائله بأنه بلغ به العناد والتجني على الحقيقة مبلغا فقد به توازنه العقلي، فالتاريخ يشهد بأدلته القاطعة للنبي صلّى الله عليه وسلم أنه كان أعظم الناس خلقا، وأوسعهم أفقا، وأشجعهم قلبا، وأسخاهم يدا، لا تصمد أمامه معضلة، ولا يتعقد أمامه موقف إلا واجهه بأحسن الحلول وأعلاها وأفضلها، وأنه كان أفصح الناس لسانا وأعذبهم بيانا، مما يشهد بأنه صلّى الله عليه وسلم أكمل العالم عقلا وتفكيرا وأنه أمة وحده في علوّ أخلاقه وثباته وحلمه، وكمال عقله ورباطة

والتخمين وعمل الذهن غير الشعوري.

٢ - إن الوحي يوقع في القلب علما يقينيا اضطراريا لا يقبل التغيير ولا التبديل، أما الكشف أو الإلهام فهو أمر يقع في النفس فتعرفه معرفة دون اليقين، وقد تتحمس له كاليقين، لكن كثيرا ما يظهر الخطأ فيه.

٣ - إنه يجب الأخذ بالوحي قطعا، لكن لا يجوز الأخذ بالإلهام أو الكشف وإن تكرر صدقه إلا بعد عرضه على دلائل الشرع، لأن الوحي معصوم، أما الإلهام وكذا الكشف ونحو ذلك فليس شيء منها بمعصوم، فلا بد من مراجعة ذلك.

جأشه، ولهذا ردّ القرآن على هؤلاء بأنهم هم الذين فقدوا رشدهم: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ.

وأما دعوى (الوحي النفسي) فقد وجدت لدى المنكرين ومثيري الشبهات مرتعا خصيبا ولا سيما اليهود من المستشرقين [١] لما فيها من التلبيس الخبيث والمكر في الدس والافتراء الذي يضفي على هذه الفرية مسحة كاذبة من دعوى البحث العلمي العصري.

وإن الثابت المقرر من مظاهر الوحي وآثاره ليثبت بطلان هذه الدعوى وكذبها، من وجوه كثيرة جدا، نذكر منها:

١ - إعجاز القرآن، فإن نفس محمد صلّى الله عليه وسلم مهما صفت فإنها ستظل كسائر المتعبدين والعباقرة يأتون بالشيء العظيم لكن لا يعجز أمثالهم أن يلحقوا بهم أو يسبقوهم ويتفوقوا عليهم، وهذا القرآن الذي أوحي به إلى محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلم معجز تحدى الجن والإنس، والأولين والآخرين، فأنّى يمكن أن يكون هذا الكتاب إلا من عند الله.

٢ - إن حادث الوحي يثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه آت من ذات مستقلة خارجة عن ذات النبي صلّى الله عليه وسلم، وذلك واضح في حديث بدء الوحي في غار حراء، حيث إن الملك جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فجأة كما في الحديث الصحيح المتفق عليه: «فجاءه الملك فقال اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ ...

فهذا الحادث يوضح أن هناك ذاتا خارجة عن ذات محمد وشخصه تملي عليه وتأخذه وتغطّه أي تضمّه وتعصره عصرا شديدا، وتقول له: اقرأ، فهي ذات متكلمة، وهي ذات آمرة ومؤثرة في بدنه بالضغط الشديد عليه، حتى يقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «لقد خشيت على نفسي». وذلك يثبت بطلان زعم الوحي النفسي ويفنّده تفنيدا.

(١) مثل جولد زيهر.

٣ - إن الوحي كان ينزل على النبي صلّى الله عليه وسلم غير مرتبط بإرادته أو رغبته، ولا بتفكيره أو بحثه لدى وقوع المهمات، فربما كان في بيته يأخذ شيئا من الراحة فينهض والبشر على محياه وقد نزلت سورة، كما ثبت الخبر في نزول سورة الكوثر كما أخرج ذلك مسلم في صحيحه، ومن القرآن ما تنزل في هزيع أخير من الليل، كآية التوبة على الثلاثة الذين خلّفوا، وآية وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وكان النبي صلّى الله عليه وسلم في خيمته والحرس حوله، فأخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم رأسه من الخيمة فقال: «يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله تعالى» [١] ولهذا كثرت أقسام القرآن بحسب أوقات نزوله، فمنه السفري والحضري، ومنه الليلي والنهاري، ومنه ما نزل مشيّعا، ومنه ... ومنه، مما فصله علماؤنا في مصادر علوم القرآن.

٤ - «إن عبقرية الإنسان تحمل بالضرورة طابع الأرض حيث يخضع كل شيء لقانون الزمان والمكان، ويتقيد بحدودهما وآفاقهما، بينما يتخطى القرآن دائما نطاق هذه الحدود، ليدلّ من خلال رحابة موضوعاته إلى أن دور محمد- صلّى الله عليه وسلم- فيه إنما هو الحفظ والوعي، أو الأخذ والتلقي، ثم الإبلاغ للعالم.

بل إن جميع معارف الإنسان في عصر نزول القرآن- لا معارف النبي ومعارف بيئته- ومعارف عصور لا حقة لا تمثل شيئا من شمول المعارف القرآنية وتنوعها وعمقها، فضلا عما في معارف القرآن من تصحيح تلك المعارف وتقويم عوجها من جذورها، حتى ما كان منها متعلقا بما هو سابق لعصر نزول القرآن، فليت شعري إن لم يكن هذا وحيا ممن يعلم السر في السموات والأرض فأي شيء يكون» [٢].

(١) البرهان ج ١ ص ١٩٨.

(٢) باختصار وتصرف عن كتاب «الظاهرة القرآنية» تأليف مالك بن نبي رحمه الله، وليرجع إلى هذا الكتاب ففيه فوائد هامة. وانظر ما يأتي في الإعجاز العلمي وفي بحث «الكون في القرآن».

الفصل الثالث نزول القرآن منجما وأسراره

لقد حدثنا القرآن عن نزوله في مناسبات كثيرة يدور قطب بحثنا هنا على هذه الجمل منها:

شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ.

إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ.

إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.

بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ.

وظاهر الآية الأولى يستدعي البحث، لما هو معلوم عند الجميع أن القرآن لم ينزل جملة واحدة، إنما نزل مفرقا، وقد تساءل عن ذلك الدارسون منذ العصر الأول، كما روي:

عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك من قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وقد أنزل في شوّال

وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي المحرم وشهر ربيع، فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر، وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثمّ أنزل على مواقع النجوم ترتيلا في الشهور والأيام»،

رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه [١].

وقد تضافرت الأسانيد الصحيحة إلى ابن عباس تثبت قوله بنزول القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ليلة القدر في رمضان، وبهذا قال أكثر العلماء، وبذلك يكون

للقرآن ثلاث تنزّلات:

١ - التنزّل الأول:

نزوله إلى اللوح المحفوظ، كما نصّت الآية: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ. واللوح المحفوظ عالم علوي عظيم جعله الله تعالى من أعظم المظاهر الدالة على عظمة علمه تعالى وحكمته وقدرته النافذة في الأكوان، ويختص اللوح المحفوظ بكونه مشتملا على تسجيل ما قضى الله تعالى وقدّر ما كان وما سيكون [٢].

قال الإمام أبو حيان في تفسير الآية: «واللوح المحفوظ هو الذي فيه جميع الأشياء» اهـ.

وهو من أسرار الغيب التي لم يطلعنا الله تعالى على حقيقتها وستظل كذلك في أستار الغيب.

٢ - التنزيل الثاني

النزول إلى بيت العزّة في السماء الدنيا جملة واحدة، كما سبق عن ابن عباس.

٣ - التنزيل الثالث

النزول على قلب النبي الكريم صلّى الله عليه وسلم منجما في ثلاث وعشرين سنة.

ويرى كثير من العلماء تفسير آيات نزول القرآن في ليلة القدر وشهر رمضان على غير ما ذكرناه، وأن المراد ابتدأنا إنزاله في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، كما هو مستعمل كثيرا في اللغة إطلاق «فعل» على ابتداء الفعل،

(١) وهذا لفظ ابن مردويه، أنظر تفسير ابن كثير ج ١ ص ٣١٠ والإتقان ج ١ ص ٤٠ وفيه تصحيف.

(٢) قارن ب «مباحث في علوم القرآن» ص ٥١ حيث جعل هذا النزول ثابتا بالأسانيد الصحيحة، وإنما هو ثابت بالقرآن.

وكأن هذا الفريق يرى حديث ابن عباس تفسيرا من اجتهاده ورأيه، لأنه لم يأت مرفوعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلم في شيء من طرقه، ولا ورد عن أحد من الصحابة غير ابن عباس، وإن كان هذا التأويل غير ظاهر.

وقد يتساءل القارئ عن الحكمة من إنزال القرآن جملة واحدة ثم إنزاله منجما بعد ذلك.

والحق أنه لم يرد لنا نص صريح يجلو لنا سر ذلك. لكن الباحث يتلمس باجتهاده حكمة لذلك وسرا، ومن ذلك ما يلي:

١ - تفخيم أمر القرآن وأمر من نزل عليه، وذلك بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم» [١].

٢ - سرّ يرجع لإعجاز القرآن، في ترتيب القرآن في النزول، ثم ترتيبه في المصحف، حيث ينظره جبريل في سماء الدنيا وهو على ترتيب المصحف، ثم يتنزل بآياته تباعا على حسب الحوادث فتوضع كل آية في مكانها في المصحف وفق الترتيب في اللوح المحفوظ [٢].

نزول القرآن منجما على قلب النبي الكريم

لقد صرّحت الآيات القاطعة بأن القرآن الكريم كلام الله المنزل من عند الله تعالى بلفظه ومعناه على قلب النبي صلّى الله عليه وسلم، لا تصرف لأحد في شيء منه ولا في حرف من حروفه.

قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ.

وقال: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ.

فالقرآن تلقاه النبي صلّى الله عليه وسلم من الله تعالى كما تشير كلمة

(١) البرهان ج ١ ص ٢٣٠ والإتقان: ١: ٤٠ - ٤١ وصرح بعزو هذا إلى المرشد الوجيز لأبي شامة. وانظر المرشد الوجيز ص ٢٤.

(٢) باختصار وتصرف عن كتاب الوحدة الموضوعية: ٧٤.

«لدن»، وهو كلام الله كما صرحت الآية: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ.

لكن تنزيل القرآن على النبي صلّى الله عليه وسلم لم يكن دفعة واحدة، كما نزلت الكتب السابقة على الأنبياء دفعة واحدة، بل اختص الله تعالى هذا القرآن بأن أنزله منجما أي مفرقا، بحسب المناسبات، واقتضاء الحال، فكثيرا ما كانت تنزل خمس آيات، أو تنزل عشر آيات، أو أقل أو أكثر، وقد صح نزول عشر آيات قصار في أول سورة المؤمنون، ونزلت عشر آيات طوال في قصة الإفك في سورة النور، وقد ينزل بعض آية كقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إلى آخر الآية نزلت بعد نزول أول الآية وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا.

وقد استمر نزول القرآن ثلاثا وعشرين سنة، منذ بدء الوحي إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وهو في سن الأربعين، إلى أن لحق بالرفيق الأعلى في الثالثة والستين من عمره الشريف صلّى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة.

الحكم في نزول القرآن منجما

هكذا اختص القرآن الكريم من بين الكتب السماوية بأنه نزل مفرقا على نجوم كثيرة كما ذكرنا، وقد أثار ذلك أعداء القرآن من المشركين واليهود وغيرهم، فتساءلوا لماذا لم ينزل القرآن جملة واحدة، كما نزلت الكتب التي قبله؟.

وهذا سؤال تولّى الله تعالى الإجابة عنه في موضعين من قرآنه:

قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا. وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [١].

(١) سورة الفرقان، الآيتان ٣٢، ٣٣.

وقال أيضا: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [١].

فبيّن القرآن حكما وأسرارا غفل عنها المتطفلون باقتراحهم، اقتضت نزول القرآن مفرقا، وبالنظر إلى عبارات الآيات القرآنية نستطيع عرضها من خلال أربعة جوانب، يستدل عليها من الآيات السابقة:

أولا، تثبيت فؤاد النبي صلّى الله عليه وسلم وتقوية قلبه:

كما قال تعالى: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ.

فقد بعث الرسول صلّى الله عليه وسلم في قوم جفاة شديدة عداوتهم، كما قال تعالى: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا. وكانوا لا يكادون ينتهون من حملة أو مكيدة حتى يشرعوا في تدبير أخرى مثلها أو أشد أو أمرّ، فكانت تنزلات القرآن بين الفينة والأخرى تواسيه وتسليه، وتشدّ أزره وعزيمته على تحمل الشدائد والمكاره، لما فيها أولا من تجديد الاتصال بالملإ الأعلى كلما ادلهمّ الأمر أو نزل الخطب، مما يثلج القلب ويشرح الصدر. ثم ما هنالك من التذكير بالأسوة بالأنبياء السابقين وأحوالهم مع أقوامهم كما قال تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ....

ويستطيع القارئ تبين هذه الحكمة بسهولة ويسر لدى مراجعته قصص القرآن، كأن يقوم باستعراض سريع لسورة هود مثلا، وما فيها من بيان مواقف الأمم من أنبيائهم وتحمّل الأنبياء والمؤمنين معهم وصبرهم حتى ينزل الله تعالى نقمته على أعدائهم، ويكرم المؤمنين بالفوز والنجاة، مما له أثره البالغ في تثبيت المؤمنين وزلزلة قلوب الكافرين لتكرار ذلك في كل موقف، حتى ضربت الأمة الإسلامية المثل البالغ حيث تعرضت لهزات وأعاصير أباد جزء منها أمما وأذاب شعوبا وحضارات، فثبتت الأمة الإسلامية أمام ذلك كله.

بل سجلت أمة الإسلام في هذا المضمار ما هو معجز، حيث إنها

(١) سورة الإسراء، الآية ١٠٦.

حافظت على نفسها ودينها وحضارتها ليس هذا فحسب، بل امتصت القوى التي جاءت لإفنائها وجعلتها هي تتحول لتكون من أسباب قوّتها، كما حصل من الانقلاب الكبير للصليبيين بعد احتكاكهم بالمسلمين، والعبرة الأكبر في التتار الذين دخلوا الإسلام واعتنقوه، مما يبرز لنا أهمية التربية الإسلامية، وأسلوبها في غرس هذه العوامل بوسائل كثيرة منها أسلوب قصص الأمم السابقة، ولهذا ندرك أيضا موقع هذا الاختتام العظيم لسورة هود بهذه الآيات:

وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ. وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا ....

ثانيا: مواجهة ما يطرأ من أمور أو حوادث تمس الدعوة:

كما قال تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً. وهذه حكمة جليلة لها أثرها البالغ في نجاح الدعوة، لمواجهة الوحي نفسه للطوارئ والملمات، ومن أهم ذلك ما يثيره المبطلون من الاعتراضات أو الشبهات، وهو الأصل الذي صرحت به الآية الكريمة أي لا يأتونك بسؤال عجيب أو شبهة يعارضون بها القرآن بباطلهم العجيب إلا جئناهم بما هو الحق في نفس الأمر، الدامغ له، وهو أحسن بيانا وأوضح، وأحسن كشفا لما بعثت له [١]، وكأن جبريل واقف بالمرصاد يشرع سهم القرآن في صدور المشركين كلما أجمعوا أمرهم وألقوا سؤالهم أو حزبوا لنصرة الباطل أمثالهم.

هذا أبيّ بن خلف من رؤساء الشرك جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم وهو يفتته ويذريه في الهواء وهو يقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال: «نعم، يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار»، ونزلت هذه الآيات من آخر سورة يس [٢]:

(١) تفسير ابن كثير الموضع السابق، وأنوار التنزيل للبيضاوي مع حاشية الكازروني ج ٤ ص ٩٤.

(٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٥٧٩ وفي رواية أن العاص بن وائل فعل ذلك وصححه الحاكم

أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ....

أي استبعد إعادة الله تعالى ذي القدرة العظيمة- الذي خلقه من نطفة والذي خلق السموات والأرض- للأجساد والعظام الرميمة ونسي نفسه، وأن الله خلقه من العدم، وهو أعظم من الحشر الذي استبعده ولهذا قال: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.

كذلك كانوا يلقون عليه أسئلة اختبار للتثبت من نبوته، كما روي في سبب نزول سورة الكهف أن قريشا سألت اليهود في المدينة عن النبي صلّى الله عليه وسلم، فقالت لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ... فنزلت في الإجابة عن الأسئلة الثلاثة سورة الكهف بشأن الفتية أصحاب الكهف وبقصة ذي القرنين، ونزلت آية الإسراء وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [١].

وقد جاء مع هذا الجواب التوجيه الرباني للنبي صلّى الله عليه وسلم يعتب عليه أن قال لهم: «أخبركم غدا»، ولم يستثن، أي لم يقل إن شاء الله فأبطأ عليه الوحي خمسة عشر يوما، وشق ذلك على النبي صلّى الله عليه وسلم ونزل عليه الوحي بالإجابات، ونزل قوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ، وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً.

وكان المسلمون كذلك يسألون عما يهمهم من أمر دينهم، كالأسئلة عن النفقة: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [٢]. وعن الأهلّة:

كما في لباب النقول ص ٦٠٧ ولا مانع من أن تكون الواقعة تعددت.

(١) تفسير ابن كثير ج ٥ ص ١١١ - ١١٢ و ١٣٢ - ١٣٣ ولباب النقول ص ٤٩١ - ٤٩٣.

(٢) أي الفضل والزائد.

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ. والحيض: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ...

ولا شك أن الأسئلة لم تكن في وقت واحد بل كانت في أوقات متفرقة مختلفة فكان لا بد من نزول القرآن منجما.

ويدخل في هذا الجانب متابعة الوقائع والأحداث في وقتها ينزل الوحي بشأنها ببيان التوجيه الإلهي، كما في غزوة بدر ومسألة الأنفال، ومصيبة المسلمين يوم أحد ونزول القرآن بالدروس والعبر التي نجعت فيهم مدى حياتهم مع تسلية أحزانهم ومواساتهم.

أو ينزل القرآن ببيان الحكم الإلهي كما في آيات الزنا والظّهار، والعدّة والأيمان ...

وهذه غزوات الرسول الكريم وحدها مثل غزوة بدر وأحد والخندق وتبوك وحنين مثال ناطق بهذه الحكمة الجليلة التي تقتضي نزول القرآن منجما في مناسبتها فكان لا بد للقرآن أن ينزل منجما وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ.

ثالثا: تعهد هذه الأمة التي أنزل عليها القرآن:

وذلك لصياغتها على النهج الإسلامي القرآني علما وعملا، فكرا واعتقادا وسلوكا، تخلقا وعرفا.

كما قال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ.

ومن مظاهر هذا الجانب أنهم كانوا قوما أميين لا يحسنون القراءة والكتابة فكانت الذاكرة عمدتهم الرئيسية، فلو نزل القرآن جملة واحدة لعجزوا عن حفظه، فأنزل الله قرآنه مفرقا ليقرأه الرسول صلّى الله عليه وسلم عليهم على تمهّل فيسهل عليهم حفظه ويتيسر فهمه ودرسه كذلك.

ثم إن الأمة العربية التي خوطبت بالقرآن أولا قبل سائر الأمم كانت لها عقائد راسخة وعادات موروثة وأخلاق مأثورة عن أسلافهم يتباهون بها ويتفاخرون، ويتبارون في التمسك بها ويتسابقون، على عنجهيّة لم تعرفها أمة

غيرهم إذ ذاك، فكان كما قال الإمام مكّيّ بن أبي طالب [١]: «أدعى إلى قبوله إذا نزل على التدريج، بخلاف ما لو نزل جملة واحدة فإنه ينفر من قبوله كثير من الناس، لكثرة ما فيه من الفرائض والمناهي».

لهذا سلك القرآن الكريم معهم مسلك التربية الحكيمة، وهو مسلك التدرج في التشريع من حكم إلى حكم. والتأنّي في نقلهم من حال إلى حال، ومن خلق إلى خلق، وهكذا بلغ الغاية في تخليهم عن عقائدهم الباطلة، وعاداتهم المسترذلة، وسما بهم إلى عقائد القرآن وأخلاقه وعباداته وأحكامه ونظامه الشامل.

ويصور لنا هذه الحكمة التربوية ما أخرجه البخاري [٢] عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا».

وهكذا كانت تنزل الفرائض: تنزل الفريضة حتى إذا تمكنت في النفوس نزلت الأخرى، وكذلك المحرمات، بل إن التدرج في أحيان كثيرة كان يقع في الحكم الواحد، مثل فرائض النفقات، والجهاد، وحقوق المرأة، والميراث، وتحريم الخمر، حتى أثمرت تلك التربية الربانية خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وحتى كان في وقائع امتثالها ما تباهي أرقى الدول في هذا العصر في محاولتها إصلاح مجتمعها، وما قصة تحريم الخمر المشهورة ومحاولة بعض الدول الكبرى في معالجتها ببعيدة عنّا، فقد كان الفشل ذريعا بل تسبب باستفحال المشكلة حتى انجرّ الكثيرون إلى الإمعان والزيادة في الشراب من الأنواع الأشد رداءة مما يعطينا العبرة في إعجاز التربية القرآنية التي كان التدرج في نزول الوحي بالاحكام من أنجع وسائلها.

(١) في كتابه الناسخ والمنسوخ، انظر الإتقان.

(٢) في فضائل القرآن ج ٦ ص ١٨٥.

رابعا: التنبيه على وجه من إعجاز القرآن:

وإليه الإشارة بقوله: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ فعبّر بقوله كَذلِكَ أي مثل ذلك التنزيل العجيب الشأن البالغ الغاية في الحكمة والإحكام، ثم تذييل الآية بقوله وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وأصل الترتيل: التنضيد.

وكذلك يشير إليه قوله تعالى في الآية الأخرى: وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا.

بيان ذلك أننا إذا ما لاحظنا أن القرآن نزل مفرقا على حسب أحداث ووقائع لم تكن على ترتيب أو نسق معين ثم قد وضعت كل آية أو مجموعة آيات نزلت في مكان خاص بها من سورة يأمر الوحي بوضع الآية أو الآيات فيها، ويتناول ذلك عدة سور في آن واحد، حتى إن سورة البقرة كانت أول ما نزل من القرآن في المدينة واستمر نزولها يتتابع فكان فيها آخر ما تنزل من القرآن قاطبة، وهي. طول سورة في القرآن.

ثم يقرأ القارئ المتدبر هذا القرآن بعد ذلك فيجد الترابط المحكم والاتساق العجيب وكأن السورة الطويلة أيا كانت لوحة جميلة متناسقة الألوان والظلال والمشاهد، أو بناء محكم الترابط تام التكوين. قال الإمام الشاطبي:

«إن السورة الواحدة مهما تعددت قضاياها فهي تكون قضية واحدة» [١]. أي تدور على موضوع واحد.

مما يدل دلالة قاطعة على أن هذا القرآن تنزيل حكيم عليهم، أحاط علمه بما هو كائن، كما قال تعالى: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً.

(١) الموافقات ج ٣ ص ٤١٤.

الفصل الرابع أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن

أول ما نزل من القرآن الكريم

إن أول ما نزل من القرآن الكريم هو صدر سورة العلق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.

وذلك كما ثبت في حديث السيدة عائشة الذي أخرجه البخاري ومسلم.

لكن هذا قد يشكل بما أخرجه الشيخان [١] عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل؟ قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فقلت: أو اقْرَأْ فقال جابر أحدثكم ما حدثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي، فنوديت، فإذا هو جبريل، فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ».

وقد اغتر بهذه الرواية بعض أهل العلم، وجعل صدر سورة المدثر أول ما نزل من القرآن.

(١) البخاري في بدء الوحي ج ١ ص ٣ - ٤ وتفسير سورة المدثر ج ٤ ص ١٦١ - ١٦٣ وتفسير سورة اقرأ ج ٤ ص ١٧٤. ومسلم ج ١ ص ٩٨ - ٩٩.

لكن التحقيق أن حديث جابر لا يتحدث عن ابتداء الوحي الأول إنما يتحدث عن أول ما نزل بعد فتور الوحي، وهو هذه الآيات من سورة المدثر، وهي أول ما نزل من القرآن يأمر النبي صلّى الله عليه وسلم بالإنذار.

يدل على ذلك ما ثبت في الحديث نفسه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله الأنصاري في حديثه السابق وفيه قوله: .. فإذا الملك الذي جاءني بحراء» [١].

وليس بخاف ما في هذا الافتتاح لبدء الوحي ب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ...

عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ من الحكمة الجليلة حتى أن الخطباء والكتّاب والأدباء لا يملّون من القول فيها، ومن أن يرددوه في كل مناسبة تقال عن العلم وعن الحضارة، وعن الثقافة وعن القرآن وعن الإسلام، وعن أثر القرآن في تحويل العالم، ولا سيما إذا قارنّا ذلك بما افتتح به كتاب آخر لدى الأمم الأخرى [٢].

آخر ما نزل من القرآن الكريم

أقوى الآراء وأرجحها في آخر ما نزل من القرآن مطلقا أنه قوله تعالى:

وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.

ثبت ذلك من طرق عن عبد الله بن عباس، وروي عن أبي سعيد أيضا.

وقد ورد أنه صلّى الله عليه وسلم مكث بعدها تسع ليال.

(١) انظر ما سبق، ونحوه ثابت عندهما من أكثر من وجه يؤكد ما قلناه، وأما ادعاء أن سورة المدثر نزلت بتمامها جملة واحدة فلا يتلاءم مع ما ذكرناه في سبب نزولها، فإنها أسباب متعددة ومتباعدة في الزمن، وقد نزل لكل سبب منها جملة من آيات من السورة، فضلا عن افتقار هذا القول للدليل المثبت.

(٢) نلفت النظر هنا للعبارة البليغة التي عبّر بها الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله في كتابه إنتاج المستشرقين ص ٣٢ فليرجع إليه.

وهي الآية الحادية والثمانون ومائتين من سورة البقرة، نزلت ختاما لآيات تحريم الربا وآخرها آية الوعيد الشديد: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

وروى البخاري عن ابن عباس قال: «آخر آية نزلت على النبي صلّى الله عليه وسلم آية الربا» [١].

وهذا ليس منافيا لما ثبت عن ابن عباس في الآية السابقة، لأن مراد ابن عباس أنها آخر ما نزل في الربا، كما أشار لذلك الإمام البخاري رضي الله عنه.

ولا يخفى عظم موقع الآية من الآيات التي سبقتها وعظم الحكمة في اختتام وحي القرآن بها، فإن تأثير المال على الإنسان عظيم حتى قالوا: المال شقيق الروح، والآخرة أعظم دواء لداء الدنيا وأموالها، وخير مقوّم لعوج النفس فيها، فكان اختتام الوحي بهذه الآية في غاية المناسبة الجليلة لما قصده تعالى من وعظ عباده وتذكيرهم زوال الدنيا وفناء ما فيها من المال والمتاع وغيرهما، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى ليحاسب خلقه [٢].

الأوائل والأواخر النسبية

وقد عني العلماء في بحوثهم بالأوليات المقيدة أي النسبية في موضوع معين، أو ناحية معينة، وبالآخر المقيد النسبي كذلك، وهو مأثور في أصله عن الصحابة والتابعين، حتى ربما كانت الأولية أو الآخرية المقيدة ترد عن الصحابي أو التابعي فيظنها بعضهم مطلقة، لذلك وجب الاطلاع عليها.

ومن أمثلة أول ما نزل من القرآن مقيدا:

١ - أول سورة نزلت بتمامها سورة الفاتحة.

٢ - أول ما نزل في تشريع الجهاد:

(١) البخاري آخر تفسير سورة البقرة ج ٦ ص ٣٣.

(٢) انظر كتابنا «التفسير أحكام القرآن» ص ٤٧٣ - ٤٧٤.

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ... الآيات ٣٩ - ٤١ من سورة الحج نزلت في السنة الثانية للهجرة [١].

٣ - أول ما نزل في تحريم الخمر: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ... الآية من سورة البقرة [٢].

ومن أمثلة آخر ما نزل من القرآن مقيدا:

١ - آخر ما نزل يذكر النساء خاصة: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ. الآية في أواخر سورة آل عمران.

٢ - آخر ما نزل في المواريث آية الكلالة في آخر سورة النساء:

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ...

٣ - آخر سورة نزلت بتمامها من القرآن: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ...

ولهذا البحث في أول ما نزل وآخر ما نزل فوائد هامة، يحتاج إليها دارس التفسير، وباحث الأحكام، ومن ذلك:

١ - تمييز الناسخ من المنسوخ إذا وردت آيتان أو آيات متعددة في موضوع واحد.

٢ - معرفة تاريخ التشريع الإسلامي وتدرجه، والتوصل إلى حكمة القرآن العظيم في تربية الناس وأخذهم بالرفق، والتحرز عن الطفرة في تنقيتهم وتخليصهم من أوحال

الجاهلية، ونقلهم إلى الفضائل الإسلامية [٣].

(١) الإتقان: ١: ٢٦ ومناهل العرفان: ١: ٩٤ - ٩٥.

(٢) الإتقان: ١: ٢٦/ ٢٧ ومناهل العرفان: ١: ٩٠ - ٩٣ وقد استخلصنا الأمثلة من مناقشة الأقوال المرجوحة في آخر ما نزل.

(٣) مناهل العرفان: ١: ٨٥.

عن الكاتب

Tanya Ustadz

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية