الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

التفسير الصوفى | التفسير والمفسرون

 

التفسير الصوفى | التفسير والمفسرون

عنوان الكتاب: التفسير والمفسرون
 المؤلف: الذهبي، محمد حسين
 حالة الفهرسة: غير مفهرس
 الناشر: مكتبة وهبة
 سنة النشر: 2000
 عدد المجلدات: 3
 رقم الطبعة: 7
 تاريخ إضافته: 15 / 10 / 2008
 

 فهرس الموضوعات

  1. تفسير الصوفية
    1. أصل كلمة تصوف
    2. معنى التصوف
    3. نشأة التصوف وتطوره
    4. أقسام التصوف
  2. أولا: التفسير الصوفى النظرى
    1. ابن عربى شيخ هذه الطريقة
    2. تأثر ابن عربى بالنظريات الفلسفية
    3. تأثره فى تفسيره بنظرية وحدة الوجود
    4. قياسه الغائب على الشاهد
    5. إخضاعه قواعد النحو لنظراته الصوفية
    6. التفسير الصوفى النظرى فى الميزان
    7. رأينا فى التفسير الصوفى النظرى
  3. ثانيا: التفسير الصوفى الفيضي او الإشارى
    1. حقيقته
    2. الفرق بينه وبين التفسير الصوفى النظرى
    3. هل للتفسير الإشارى أصل شرعى؟
    4. التفاوت فى إدراك المعانى الباطنة وإصابتها
    5. التفسير الإشارى فى الميزان
    6. مقالة الشاطبى فى التفسير الإشارى
    7. مقالات بعض العلماء فى التفسير الإشارى
    8. رأينا فى مقالة ابن عربى
    9. شروط قبول التفسير الإشارى
  4. أهم كتب التفسير الإشارى
    1. ١- تفسير القرآن العظيم (للتسترى)
    2. ٢- حقائق التفسير (للسلمى)
    3. ٣- عرائس البيان فى حقائق القرأن (لأبى محمد الشيرازى)
    4. ٤- التأويلات النجمية (لنجم الدين داية، وعلاء الدولة السمنانى)
    5. ٥- التفسير المنسوب لابن عربى
  5. ابن عربى ومذهبه فى تفسير القرآن الكريم
    1. ترجمة ابن عربى
    2. ابن عربى بين أعدائه ومريديه
    3. مكانته العلمية
    4. مذهب ابن عربى فى وحدة الوجود
    5. مذهب ابن عربى فى تفسير القرآن الكريم
    6. نماذج من التفسير الصوفى النظرى له
    7. نماذج من التفسير الإشارى له
    8. نماذج من التفسير الظاهر لابن عربى
  6. العودة الي كتاب التفسير والمفسرون

 

 تفسير الصوفية
 

أصل كلمة تصوف
وقع الاختلاف فى أصل هذه الكلمة «تصوف» فقيل: إنها مشتقة من الصوف، وذلك لأن الصوفية خالفوا الناس فى لبس فاخر الثياب فلبسوا الصوف تقشفًا وزهدًا. وقيل: إنه من الصفاء، وذلك لصفاء قلب المريد، وطهارة باطنه وظاهره عن مخالفه ربه. وقيل: إنه مأخوذ من الصُفَّة التى يُنسب إليها فقراء الصحابة المعروفون بأهل الصُفَّة. ويرى غيرهم أنه لقب غير مشتق. قال القشيرى ﵀: «ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية، ولا قياس، والظاهر أنه لقب. ومَن قال باشتقاقه من الصفاء أو من الصُفَّة فبعيد من جهة القياس اللُّغوى. قال: وكذلك من الصوف، لأنهم لم يُختصوا به».
* *

معنى التصوف

وأما معنى التصوف.. فقيل: «هو إرسال النفس مع الله على ما يريده».
وقيل: «هو مناجاة القلب ومحادثة الروح، وفى هذه المناجاة طُهرة لمن شاء أن يتطهر، وصفاء لمن أراد التبرؤ من الرِجس والدنس، وفى تلك المحادثة عروج إلى سماء النور والملائكة، وصعود إلى عالَم الفيض والإلهام، وما هذا الحديث والنجوى إلا ضرب من التأمل، والنظر، والتدبر فى ملكوت السموات والأرض. بَيْد أن الجسم والنفس متلازمان وتوأمان لا ينفصلان، ولا سبيل إلى تهذيب أحدهما بدون الآخر. فمَن شاء لنفسه صفاءً ورفعة فلا بد له أن يتبرأ عن الشهوات وملذات البدن.. فالتصوف إذن: فكر، وعمل، ودراسة، وسلوك».
* *

نشأة التصوف وتطوره

والتصوف بهذا المعنى موجود منذ الصدر الأول للإسلام، فكثير من الصحابة كانوا معرضين عن الدنيا ومتاعها، آخذين أنفسهم بالزهد والتقشف، مبالغين فى العبادة، فكان منهم مَن يقوم الليل ويصوم النهار، ومنهم مَن يشد الحجر على بطنه تربية لنفسه وتهذيبًا لروحه، غير أنهم لم يُعرفوا فى زمنهم باسم الصوفية، وإنما اشتهر بهذا
 
٢ ‏/ ٢٥٠
 
اللقب فيما بعد مَن عُرفوا بالزهد والتفانى فى طاعة الله تعالى، وكان هذا الاشتهار فى القرن الثانى الهجرى، وأول من سُمِّى بالصوفى: أبو هاشم الصوفى المتوفى سنة ١٥٠ هـ (خمسين ومائة من الهجرة) .
وفى هذا القرن وما بعده تولَّدت بعض الأبحاث الصوفية، وظهرت تعاليم القوم ونظرياتهم التى تواضعوا عليها، وأخذت هذه الأبحاث تنمو وتتزايد كلما تقادم العهد عليها. وبمقدار ما اقتبسه القوم من المحيط العلمى الذى يعيشون فيه تطورت هذه الأبحاث والنظريات.
ولقد استفاد المتصوفة من الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء ما كان له الأثر الأكبر فى هذا التطور الصوفى، غير أنهم أخذوا من الفلسفة بحظ وافر، بل وكوَّنوا فلسفة خاصة بهم، حتى أصبحنا نرى بينهم رجالًا أشبه بالفلاسفة منهم بالمتصوفة، وأصبحنا نرى بعضهم يدين بمسائل فلسفية لا تتفق ومبادئ الشريعة، مما أثار عليهم جمهور أهل السُّنَّة، وجعلهم يحاربون التصوف الفلسفى، ويؤيدون التصوف الذى يدور حول الزهد، والتقشف، وتربية النفس، وإصلاحها.. وما زال أهل السُّنَّة يحاربون التصوف الفلسفى حتى كادوا يقضون عليه فى نهاية القرن السابع الهجرى.
ومن ذلك الوقت دخل فى التصوف رجال من غير أهله، تظاهروا بالورع والطاعة، وتحلَّوا بالزهد الكاذب والتقشف المصطنع، فأصبحنا نرى بعض الجهلاء الأُميين يشرفون على الطريق، ويتولون تربية الأتباع والمريدين، ووقفت التعاليم الصوفية عند دائرة محدودة، هى دائرة الأوراد والأذكار، وإن تعدتها فلا أكثر من بعض الأبحاث الضيقة فى الفقه والتفسير والحديث.
* *

أقسام التصوف

مما تقدم يتضح لنا أن التصوف ينقسم إلى قسمين أساسيين:
تصوف نظرى: وهو التصوف الذى يقوم على البحث والدراسة.
وتصوف عملى: وهو التصوف الذى يقوم على التقشف والزهد والتفانى فى طاعة الله. وكل من القسمين كان له أثره فى تفسير القرآن الكريم، مما جعل التفسير الصوفى ينقسم أيضًا إلى قسمين: تفسير صوفى نظرى، وتفسير صوفى فيضى أو إشارى ... وسنتكلم على كل قسم منهما بما يفتح الله به ويوفق إليه:
* *

أولًا: التفسير الصوفى النظرى
 
٢ ‏/ ٢٥١
 
ابن عربى شيخ هذه الطريقة
ونستطيع أن نعتبر الأستاذ الأكبر محيى الدين بن عربى شيخ هذه الطريقة فى التفسير، إذ أنه أظهر مَن خَبَّ فيها ووضع، وأكثر أصحابه معالجة للقرآن على طريقة التصوف النظرى، وإن كان له من التفسير الإشارى ما يجعله فى عداد المفسِّرين الإشاريين إن لم يكن شيخهم أيضًا.
* *

تأثر ابن عربى بالنظريات الفلسفية

نقرأ لابن عربى فى الكتب التى يُشَك فى نسبتها إليه، كالتفسير المشهور باسمه، وفى الكتب التى تُنسب إليه على الحقيقة كالفتوحات المكية، والفصوص، فنراه يطبق كثيرًا من الآيات القرآنية على نظرياته الصوفية الفلسفية.
فمثلًا يُفسِّر بعض الآيات بما يتفق والنظريات الفلسفية الكونية، فعند قوله تعالى فى الآية [٥٧] من سورة مريم فى شأن إدريس ﵇: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ ... نجده يقول: «وأعلى الأمكنة المكان الذى تدور عليه رحى عالَم الأفلاك، وهو فلك الشمس، وفيه مقام روحانية إدريس، وتحته سبعة أفلاك، وفوقه سبعة أفلاك، وهو الخامس عشر».
ثم ذكر الأفلاك التى تحته، والتى فوقه، ثم قال: «وأما علو المكانة فهو لنا - أعنى المحمدين - كما قال تعالى: ﴿وَأَنتُمُ الأعلون والله مَعَكُمْ﴾ فى هذا العلو، وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة».
وعند قوله تعالى فى الآية [٨٧] وما بعدها من سورة البقرة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل﴾ ... . إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾
 
٢ ‏/ ٢٥٢
 
يقول: «... والظاهر أن جبرائيل هو العقل الفعَّال، وميكائيل هو روح الفلك السادس وعقله المفيض للنفس النباتية الكلية الموكلة بأرزاق العباد، وإسرافيل هو روح الفلك الرابع وعقله المفيض للنفس الحيوانية الكلية الموكلة بالحيوانات، وعزرائيل هو روح الفلك السابع الموكل بالأرواح الإنسانية كلها يقبضها بنفسه أو بالوسائط التى هى أعوانه ويسلمها إلى الله تعالى».
وعند قوله تعالى فى الآيتين [١٩-٢٠] من سورة الرحمن: ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ ... يقول: ﴿مَرَجَ البحرين﴾ بحر الهيولى الجسمانية الذى هو الملح الأُجاج، وبحر الروح المجرد الذى هو العذب الفُرات، ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ فى الوجود الإنسانى، ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ هو النفس الحيوانية التى ليست فى صفاء الروح المجرَّدة ولطافتها، ولا فى كثرة الأجساد الهيولانية وكثافتها، ﴿لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ لا يتجاوز أحدهما حده فيغلب على الآخر بخاصيته، فلا الروح يجرد البدن ويخرج به ويجعله من جنسه، ولا البدن يجسد الروح ويجعله ماديًا ... سبحان خالق الخلق القادر على ما يشاء«.
* *

تأثره فى تفسيره بنظرية وحدة الوجود

كذلك نرى ابن عربى يتأثر فى تفسيره للقرآن بنظرية وحدة الوجود، التى هى أهم النظريات التى بنى عليها تصوفه، فنراه فى كثير من الأحيان يشرح الآيات على وفق هذه النظرية، حتى إنه ليخرج بالآية عن مدلولها الذى أراده الله تعالى.
فمثلًا عندما تعرَّض لقوله تعالى فى أول سورة النساء: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ... الآية، نجده يقول: ﴿اتقوا رَبَّكُمُ﴾ اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم، واجعلوا ما بطن منكم - وهو ربكم - وقاية لكم، فإن الأمر ذم وحمد، فكونوا وقايته فى الذم، واجعلوه وقايتكم فى الحمد تكونوا أدباء عالمين».
وفى تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢٩-٣٠] من سورة الفجر: ﴿فادخلي فِي عِبَادِي * وادخلي جَنَّتِي﴾ .. يقول: ﴿وادخلي جَنَّتِي﴾ التى هى سترى، وليست جنتى سواك، فأنت تسترنى بذاتك الإنسانية فلا أُعرف إلا بك، كما أنك لا تكون إلا بى، فمَن عرفك عرفنى، وأنا لا أُعرف فأنت لا تُعرف، فإذا دخلت جنته دخلت نفسك، فتعرف نفسك معرفة أُخرى، غير المعرفة التى عرفتها حين عرفتَ ربك بمعرفتك إياها، فتكون صاحب معرفتين: معرفة به من حيث أنت، ومعرفة به بك من
 
٢ ‏/ ٢٥٣
 
حيث هو لا من حيث أنت، فأنت عبد رأيتَ ربًا، وأنت رب لمن له فيه أنت عبد، وأنت رب وأنت عبد لمن له فى الخطاب عهد» ... إلخ.
وفى سورة آل عمران عند قوله تعالى فى الآية [١٩١]: ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا﴾ ... يقول: «أى شيئًا غيرك، فإن غير الحق هو الباطل، بل جعلته أسماءك ومظاهر صفاتك، ﴿سُبْحَانَكَ﴾ ننزهك أن يُوجد غيرك، أى يُقارِن شىء فردانيتك يُثَنَّى وحدانيتك».
ومثلًا عند قوله تعالى فى الآيتين [٩-١٠] من سورة الشمس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ ... يقول: «تحقيق هذا الذكر أن النفس لا تزكو إلا بربها، فيه تشريف وتعظيم فى ذاتها، لأن الزكاة ربو، فمن كان الحق سمعه وبصره وجميع قواه، والصورة فى الشاهد صورة خلق، فقد زكت نفس مَن هذا نعته، وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، كالأسماء الإلهية لله. والخلق كله بهذا النعت فى نفس الأمر، ولولا أنه هكذا فى نفس الأمر ما صح بصورة الخلق ظهور ولا وجود، ولذلك خاب مَن دسَّاها، لأنه جهل ذلك فتخيل أنه دسَّها فى هذا النعت، وما علم أن هذا النعت لنفسه نعت ذاتى لا ينفك عنه ويستحيل زواله. لذلك وصفه بالخيبة حيث لم يعلم هذا، ولذلك قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ ففرض له البقاء، والبقاء ليس إلا لله، أو لما كان عند الله، وما ثَمَّ إلا الله، أو ما هو عنده، فخزائنه غير نافدة، فليس إلا صور تعقب صورًا».
وغير هذا كثير من قسر الآيات وإخضاعها لنظرية وحدة الوجود التى يدين بها ابن عربى.
* *

قياسه الغائب على الشاهد
كذلك نجد ابن عربى يفهم بعض النصوص القرآنية فهمًا خياليًا منتزعًا من المشاهد المحسوس، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى أول سروة الرحمن: ﴿الرحمان * عَلَّمَ القرآن * خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان * الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ *والنجم والشجر يَسْجُدَانِ * والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان * وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان﴾ [الرحمن: ١-٩] . يقول ما نصه: ﴿الرحمان * عَلَّمَ القرآن﴾ على أي قلب نزل، ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ فعيَّن له الصنف المنزَّل عليه، ﴿عَلَّمَهُ البيان﴾ أى نزَّل له البيان، فأبان عن المراد الذى فى الغيب، ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ﴾ ميزان حركات الأفلاك، ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ لهذا الميزان، أى
 
٢ ‏/ ٢٥٤
 
من أجل هذا الميزان، فمنه ذو ساق وهو الشجر، ومنه ما لا طاق له وهو النجم، فاختلفت السجدتان، ﴿والسمآء رَفَعَهَا﴾ وهى قبة الميزان، ﴿وَوَضَعَ الميزان﴾ ليزن به الثقلان، ﴿أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان﴾ بالإفراط والتفريط من أجل الخسران، ﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط﴾ مثل اعتدال نشأة الإنسان، إذ الإنسان لسان الميزان، ﴿وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان﴾ أى لا تفرطوا بترجيح إحدى الكفتين إلا بالفضل. وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط﴾ [الانبياء: ٤٧] .. فاعلم أنه، ما من صنعة ولا مرتبة ولا حال ولا مقام إلا والوزن حاكم عليه علمًا وعملًا، فللمعانى ميزان بيد العقل يُسمى المنطق، يحتوى على كفَّتين تُسمى المقدمتين، وللكلام ميزان يُسمى النحو يُوزن به الألفاظ لتحقيق المعانى التى تدل عليه ألفاظ ذلك اللِّسان، ولكل ذى لسان ميزان وهو المقدار المعلوم الذى قرنه الله بإنزال الأرزاق فقال: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ١]، ﴿ولاكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ﴾ .. وقد خلق جسد الإنسان على صورة الميزان، وجعل كفَّتيه: يمينه وشماله، وجعل لسانه: قائمة ذاته. فهو لأى جانب مال، وقرن الله السعادة باليمين، وقرن الشقاء بالشمال، وجعل الميزان الذى يوزن بالأعمال على شكل القَبَّان، ولها وُصِفَ بالثقل والخفة، ليجمع بين الميزان العددى وهو قوله تعالى:
﴿بِحُسْبَانٍ﴾، وبين ما يوزن بالرطل، وذلك لا يكون إلا فى القَبَّان، فلذلك لم يعيّن الكفَّتين، بل قال: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٢] فى حق السعداء، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٨] فى حق الأشقياء، ولو كان ميزان الكفتين لقال: وأما مَن ثقلت كفَّة حسناته فهو كذا، وأما مَن ثقلت كفَّة سيئاته فهو كذا. وإنما جعل ميزان الثقل هو عَيْن ميزان الخفة كصورة القَبَّان، ولو كان ذا كفَّتين لوصف كفَّة السيئات بالثقل أيضًا إذا رجحت على الحسنات، وما وصفها قط إلا بالخفة فعرفنا أن الميزان على شكل القَبَّان..».
* *

إخضاعه قواعد النحو لنظراته الصوفية

وكذلك يخضع ابن عربى التفسير الصوفى النظرى إلى القواعد النحوية، أحيانًا، ولكنه خضوع يكيفه الصوفى على حسب ما يرضى روحه ويوافق ذوقه، فنجد ابن عربى مثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٠] من سورة الحج: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ .. يقول: "وقوله: ﴿عِندَ رَبِّهِ﴾ العامل فى هذا الظرف فى طريقنا قوله: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ﴾، أي مَن يعظمها عند ربه، أى فى ذلك الموطن، فلتبحث فى المواطن التى تكون فيها عند ربك ما هى؟.. كالصلاة مثلًا، فإن المُصَلِّى يناجى ربه، فإذا عظَّم حُرمة الله فى هذا الموطن كان خيرًا له.. والمؤمن إذا نام
 
٢ ‏/ ٢٥٥
 
على طهارة فروحه عند ربه، فيُعَظِّم هناك حُرمة الله، فيكون الخير الذى له فى مثل هذا الموطن المبشرة التى تحصل له فى نومه أو يراها له غيره. والمواطن التى يكون العبد فيها عند ربه كثيرة فيُعَظِّم فيها حُرمات الله على الشهود».
* *

التفسير الصوفى النظرى فى الميزان
من هذه الأمثلة السابقة كلها نستطيع أن نقرر فى صراحة واطمئنان: أن التفسير الصوفى النظرى تفسير يخرج بالقرآن - فى الغالب - عن هدفه الذى يرمى إليه!!.. يقصد القرآن هدفًا معينًا بنصوصه وآياته، ويقصد الصوفى هدفًا معينًا بأبحاثه ونظرياته. وقد يكون بين الهدفين تنافر وتضاد، فيأبى الصوفى إلا أن يُحوِّل القرآن عن هدفه ومقصده، إلى ما يقصده هو ويرمى إليه، وغرضه بهذا كله: أن يروج لتصوفه على حساب القرآن، وأن يقيم نظرياته وأبحاثه على أساس من كتاب الله، وبهذا الصنيع يكون الصوفى قد خدم فلسفته التصوفية ولم يعمل للقرآن شيئًا، اللهم إلا هذا التأويل الذى كله شر على الدين وإلحاد فى آيات الله!!
رأينا ابن عربى يميل ببعض الآيات إلى مذهبه القائل بوحدة الوجود، ورأينا غيره كأبى يزيد البسطامى، والحلاج، وغيرهما، يسلك هذا المسلك نفسه أو قريبًا منه. ووحدة الوجود - عندهم - معناها أنه ليس هناك إلا وجود واحد كل العالَم مظاهر ومجال له، فالله سبحانه هو الموجود الحق، وكل ما عداه ظواهر وأوهام، ولا توصف بالوجود إلا بضرب من التوسع والمجاز، وهذه النظرية سرت إلى بعض المتصوفة عن طريق الفلاسفة، وعن طريق الإسماعيلة الباطنية الذين خالطوهم وأخذوا عنهم مذهبهم القائل بحلول الإله فى أئمتهم، وصوَّروه - أعنى الصوفية - بصورة أخرى تتفق مع مذهب الباطنية فى الحقيقة، وإن اختلفت فى الاصطلاح والألفاظ!
هذا المذهب الذى خَوَّل لمثل الحلاج أن يقول: أنا الله، ولمثل ابن عربى أن يقول: إن عجل بنى إسرائيل أحد المظاهر التى اتخذها الله وحَلَّ فيها، والذى جرَّه فيما بعد إلى القول بوحدة الأديان لا فرق بين سماوى وغير سماوى، إذ الكل يعبدون الإله الواحد المتجلى فى صورهم وصور جميع المعبودات.
هذا المذهب الذى يُذهب بالدين من أساسه.. هل يكون سائغًا ومقبولًا أن نجعله أصلًا نبنى عليه أفهامنا لآيات القرآن الكريم؟.. وهل يليق بابن عربى وهو الأستاذ
 
٢ ‏/ ٢٥٦
 
الأكبر، أن ينظر من خلاله إلى مثل قوله تعالى فى الآيتين [٦-٧] من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ .
فيقول شارحًا لهذا النص القرآنى: «يا محمد؛ إن الذين كفروا ستروا محبتهم فى، دعهم فسواء عليهم أأنذرتهم بوعيدك الذى أرسلتك به، أو لم تنذرهم لا يؤمنون بكلامك، فإنهم لا يعقلون غيرى، وأنت تنذرهم بخلقى وهم ما عقلوه ولا شاهدوه، وكيف يؤمنون بك وقد ختمت على قلوبهم فلم أجعل فيها متسعًا لغيرى، وعلى سمعهم فلا يسمعون كلامًا فى العالَم إلا منى، وعلى أبصارهم عشاوة من بهائى عند مشاهدتى، فلا يبصرون سواى، ولهم عذاب عظيم عندى ... أردهم بعد هذا المشهد السنى إلى إنذارك وأحجبهم عنى، كما فعلتُ بك بعد قاب قوسين أو أدنى قُرْبًا.. أنزلتك إلى مَن يُكّذِّبك، ويرد ما جئتَ به إليه منى فى وجهك، وتسمع فىَّ ما يضيق له صدرك، فأين ذلك الشرح الذى شاهدته فى إسرائك؟ فهكذا أمنائى على خلقى الذين أخفيتهم رضاى عنهم».
وهل يجدر بمثل هذا الصوفى الكبير أن يتأثر بمذهبه فى وحدة الوجود فيقول فى قوله تعالى فى الآية [٢٣] من سورة الإسراء: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾: «.. فعلماء الرسوم يحملون لفظ»قضى«على الأمر، ونحن نحمله على الحكم كشفًا وهو الصحيح، فإنهم اعترفوا أنهم ما يعبدون هذه الأشياء إلا لتقربهم إلى الله زُلْفى، فأنزلهم منزلة النواب الظاهر بصورة مَن استنابهم، وما ثَمَّ صورة إلا الأُلوهية فنسبوها إليهم. ولهذا يقضى الحق حوائجهم إذا توسلوا بها إليه غيرة منه على المقام أن يُهتضم، وإن أخطأوا فى النسبة فما أخطأوا فى المقام، ولهذا قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ﴾ .. أى أنتم قلتم عنها إنها آلهة، وإلا فسَمُّوهم، فلو سموهم لقالوا: هذا حجر، أو شجر، أو ما كان، فتتميز عندهم بالإسمية، إذا ما كل حجر عُبِد ولا اتُخِذ إلهًا، ولا كل شجر، ولا كل جسم منير، ولا كل حيوان، فلله الحُجَّة البالغة عليهم بقوله: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ ..
وأصرح من هذا أنه لما عرض لقوله تعالى فى الآية [١٦٣] من سورة البقرة: ﴿وإلاهكم إلاه وَاحِدٌ﴾ .. قال:»إن الله تعالى خاطب فى هذه الآية المسلمين، والذين عبدوا غير الله قُربة إلى الله، فما عبدوا إلا الله، فلما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ فأكدوا ذكر العِلَّة، فقال الله لنا: إن إلهكم والإله الذى يطلب
 
٢ ‏/ ٢٥٧
 
المشرك القُربة إليه بعبادة هذا الذى أشرك به واحد، كأنكم ما اختلفتم فى أحديته.. فقال: ﴿وإلاهكم﴾ فجمعنا وإياهم إله واحد، فما أشركوا إلا بسببه فيما أعطاهم نظرهم. ومَن قصد من أجل أمر ما فذلك الأمر على الحقيقة هو المقصود لا مَن ظهر أنه قصد، كما يقال: مَن صحبك لأمر أو أحبك لأمر ولَّى بانقضائه، ولهذا ذكر الله أنهم يتبرأون منهم يوم القيامة. وما أُخِذوا إلا من كونهم فعلوا ذلك من نفوسهم، لا أنهم جهلوا قدر الله فى ذلك، ألا ترى الحق لما علم هذا منهم كيف قال: ﴿وإلاهكم إلاه وَاحِدٌ﴾؟ ونبههم فقال: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ فيذكرونهم بأسمائهم المخالفة أسماء الله، ثم وصفهم بأنهم فى شركهم قد ضلُّوا ضلالًا بعيدًا، أو مبينًا، لأنهم أوقعوا أنفسهم فى الحيرة، لكونهم عبدوا ما نحتوا بأيديهم، وعلموا أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يُغنى عنهم من الله شيئًا، فهى شهادة من الله بقصور نظرهم وعقولهم. ثم أخبرنا الله أنه قضى ألا نعبد إلا إياه بما نسبوه من الأُلوهية لهم أى جعلوهم كالنوَّاب لله والوزراء كأن الله استخلفهم، ومن عادة الخليفة أن يكون فى رتبة مَن استخلفه عند المستخْلَف عليه، فلهذا نسبوا الأُلوهية لهم ابتداءً من غير نظر فيمن جعل ذلك. وقول مَن قال: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلاها وَاحِدًا﴾، إنما كان من أجل اعتقادهم فيما عبدوه أنهم آلهة دون الله المشهود له عندهم بالعظمة على الجميع، فأشبه هذا القول ما ثبت فى الشرع الصحيح من اختلاف الصور فى التجلِّى، ومعلوم عند مَن يشاهد ذلك أن الصورة ما هى هذه الصورة، وكل صورة لا بد أن يقول المشاهد له: إنها الله. لكن لما كان هذا من عند الله، وذلك الآخر من عندهم أنكر عليهم التحكم فى ذلك، كما ثبت فى قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ ..
هذا حقيقة، فوجه الله موجود فى كل جهة يتولَّى أحد إليها، ومع هذا لو تولَّى الإنسان فى صلاته إلى غير الكعبة مع علمه بجهة الكعبة لم تُقبل صلاته، لأنه ما شُرع له إلا استقبال هذا البيت الخاص بهذه العبادة الخاصة، فإذا تولَّى فى غير هذه العبادة التى لا تصح إلا بتعيين هذه الجهة الخاصة، فإن الله يقبل ذلك التولِّى، كما أنه لو اعتقد أن كل جهة يتولًَّى إليها ما فيها وجه الله لكان كافرًا وجاهلًا، ومع هذا فلا يجوز له أن يتعدى بالأعمال حيث شرعها الله، ولهذا اختلفت الشرائع، فما كان محرَّمًا فى شرع ما، حللَّه الله فى شرع آخر، ونسخ ذلك الحكم الأول فى ذلك المحكوم عليه بحكم آخر فى عَيْن ذلك المحكوم عليه، قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، فما نسخ من شرع واتبعه مَن اتبعَه بعد نسخه فذلك المسمى هوى النفس الذى قال الله فيه لخليفته داود: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ يعنى الحق الذى أنزلته إليك، ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى﴾ وهو ما خالف شرعك، ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ وهو ما شرعه الله لك على الخصوص. فإذا علمت هذا وتقرر لديك،
 
٢ ‏/ ٢٥٨
 
علمت أن الله إله واحد فى كل شرع عينًا، وكثير صورة وكونًا، فإن الأدلة العقلية تُكّثِّره باختلافها فيه، وكلها حق ومدلولها صدق، والتجلِّى فى الصورة كثرة أيضًا لاختلافها. والعين واحدة، فإذا كان الأمر هكذا فما تصنع؟ أو كيف يصح لى أن أُخَطِّئ قائلًا؟ ولهذا لا يصح الخطأ من أحد فيه، وإنما الخطأ فى إثبات الغير وهو القول بالشريك، فهذا القول بالعدم، لأن الشريك ليس ثَمَّ، وذلك لا يغفره الله، لأن الغفر الستر، ولا يُستر إلا مَن له وجود، والشريك عدم يُستر.. فهى كلمة تحقيق، ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، لأنه لا يجده. فلو وجده لصح وكان للمغفرة عَيْن تتعلق بها، وما فى الوجود مَن يقبل الأضداد إلا العالَم من حيث ما هو واحد، وفى هذا الواحد ظهرت الأضداد، وما هى إلا أحكام عَيْن الممكنات فى عَيْن الوجود التى بظهورها عُلِمت الأسماء الإلهية المتضادة وأمثالها».
* *

رأينا فى التفسير الصوفى النظرى

ورأيى الذى أدين الله عليه: أن مثل هذا التفسير القائم على نظرية وحدة الوجود ما كان لنا أن نقبله مهما كان قائله.
كذلك ليس لنا أن نقبل التفسير الذى أُسس على نظريات الفلاسفة الذين بحثوا فى الطبيعة وما وراء الطبيعة، والذى جرى عليه ابن عربى وغيره من المتصوِّفة فى تفسيرهم لبعض الآيات القرآنية. لا نقبله على أنه تفسير موافق لمراد الله تعالى ومقصوده الذى جاء القرآن من أجله، وإن كنا نقبله - إن صح - على أنه مما تحتمله الآية ما دام لا يعارض القرآن ولا ينافيه. على أن كل ما جاء من ذلك لا يعدو أن يكون ظنيًا، وقد يظهر خطؤه فى يوم من الأيام، فكيف نحمل عليه القرآن الكريم الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟
أما التفسير الذى يُبنى على قياس الغائب على الشاهد كتفسير ابن عربى لحقيقة الميزان الذى تُوزن به الأعمال يوم القيامة، فهذا أيضًا ضرب من التخمين، والتخمين لا يجوز أن يدخل فى فهم الأشياء التى لا يُتوصل إلى حقيقتها إلا من طريق السمع عن المعصوم ﷺ.
وأما التفسير الذى يبُنى على قواعد نحوية أو بلاغية، فهذا إن ساعده السياق والسباق قُبِل، وإلا أعرضنا عنه، وأخذنا بما يصححه النظر ويقويه الدليل.
هذا هو رأينا فى التفسير الصوفى النظرى، وليس لدينا من المعاذير ما نستطيع أن نتلمسه للقوم حتى نصحح لهم مثل هذا التفسير الذى يقوم على نظريات فاسدة تذهب بالدين من أساسه. وإذا صح - وما أرانى أرتضى ذلك - أن نغض الطرف عما
 
٢ ‏/ ٢٥٩
 
قالوه فى التفسير من بيان لحقائق الموجودات علويها وسفليها، وحقائق الملائكة، والروح، والعرش، والكرسى، وأمثال ذلك، فلا يصح أن نغض الطرف بحال عما قالوه من التفسير المبنى على وحدة الوجود. وإذا أمكننا - على كره - أن نتسامح فى بعض عبارات شديدة جرى بها لسان صوفى أخذه الوَجد، وارتفع به الحال، وغاب عن نفسه، وشاهد ما لا نشاهد، فقال فى لحظة نسى فيها نفسه فلم ير إلا الله: أنا الحق، أو أنا الله، فليس فى مقدورنا أن نتسامح فى مثل هذه التفاسير التى جرت بها ألسنة القوم وأقلامهم وهم فى حالة الهدوء النفسى، يُقَدِّرون ما يقولون، ويشعرون بكل ما ينطقون أو يكتبون.
هذا.. ولم نسمع بأن أحدًا ألَّف فى التفسير الصوفى النظرى كتابًا خاصًا يتتبع القرآن آية آية، كما أُلِّفَ مثل ذلك بالنسبة للتفسير الإشارى، وكل ما وجدناه من ذلك هو نصوص متفرقة اشتمل عليها التفسير المنسوب إلى ابن عربى، وكتاب «الفتوحات المكية» له، وكتاب «الفصوص» له أيضًا، كما يوجد بعض من ذلك فى كثير من كتب التفسير المختلفة المشارب.
* * *
 
٢ ‏/ ٢٦٠
 
ثانيًا: التفسير الصوفى الفيضي او الإشارى

 
حقيقته

التفسير الفيضى أو الإشارى.. هو تأويل آيات القرآن الكريم على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظاهر المرادة.
* *

الفرق بينه وبين التفسير الصوفى النظرى

وعلى هذا فالفرق بين التفسير الصوفى الإشارى والتفسير الصوفى النظرى من وجهين.
أولًا: أن التفسير الصوفى النظرى، ينبنى على مقدمات علمية تنقدح فى ذهن الصوفى أولًا، ثم يُنزل القرآن عليها بعد ذلك.
أما التفسير الإشارى.. فلا يرتكز على مقدمات علمية، بل يرتكز على رياضة روحية يأخذ بها الصوفى نفسه حتى يصل إلى درجة تنكشف له فيها من سجف العبارات هذه الإشارات القدسية، وتنهل على قلبه من سُحُب الغيب ما تحمله الآيات من المعارف السبحانية.
ثانيًا: أن التفسير الصوفى النظرى، يرى صاحبه أنه كل ما تحتمله الآية من المعانى، وليس وراءه معنى آخر يمكن أن تُحمل الآية عليه..، هذا بحسب طاقته طبعًا.
أما التفسير الإشارى.. فلا يرى الصوفى أنه كل ما يُراد من الآية، بل يرى أن هناك معنى آخر تحتمله الآية ويُراد منها أولًا وقبل كل شىء، وذلك هو المعنى الظاهر الذى ينساق إليه الذهن قبل غيره.
* *

هل للتفسير الإشارى أصل شرعى؟

ربما يجول القارئ الكريم هذا السؤال وهو: هل للتفسير الإشارى أصل شرعى يقوم عليه. أو هو أمر جَدَّ بعد ظهور المتصوفة وذيوع طريقتهم؟ وللجواب عن هذا السؤال نقول:
لم يكن التفسير الإشارى بالأمر الجديد فى إبراز معانى القرآن الكريم، بل هو أمر معروف من لدن نزوله على رسول الله ﷺ.. أشار إليه القرآن، ونبَّه عليه الرسول ﵊، وعرفه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وقالوا به.
أما إشارة القرآن إليه، ففى قوله تعالى فى الآية [٧٨] من سورة النساء: ﴿فَمَالِ هاؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، وقوله فى الآية [٨٢] منها أيضًا: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا﴾، وقوله فى الآية [٢٤] من سورة محمد ﵇: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾
 
٢ ‏/ ٢٦١
 
فهذه الآيات كلها تشير إلى أن القرآن له ظهر وبطن. وذلك لأنّ الله ﷾ حيث ينعى على الكفار أنهم لا يكادون يفقهون حديثًا، ويحضهم على التدبر فى آيات القرآن الكريم لا يريد بذلك أنهم لا يفهمون نفس الكلام، أو حضهم على فهم ظاهره، لأن القوم عرب، والقرآن لم يخرج عن لغتهم فهم يفهمون ظاهره ولا شكّ. وإنما أراد بذلك أنهم لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، وحضَّهم على أن يتدبروا فى آياته حتى يقفوا على مقصود الله ومراده، وذلك هو الباطن الذى جهلوه ولم يصلوا إليه بعقولهم.
وأما تنبيه الرسول ﷺ، فذلك فى الحديث الذى أخرجه الفريابى من رواية الحسن مرسلًا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع»، وفى الحديث الذى أخرجه الديلمى من رواية عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ أنه قال: «القرآن تحت العرش، له ظهر وبطن يُحاج العباد».
ففى هذين الحديثين تصريح بأن القرآن له ظهر وبطن. ولكن ما هو الظهر وما هو البطن؟ اختلف العلماء فى بيان ذلك:
فقيل: ظاهرها - أى الآية - لفظها. وباطنها: تأويلها.
وقال أبو عبيدة: إن القَصص التى قصَّها الله تعالى عن الأُمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأوَّلين، وحديث حَدَّث به عن قوم، وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم، فيحل بهم مثل ما حلَّ بهم.. ولكن هذا خاص بالقَصص، والحديث يعم كل آية من آيات القرآن.
وحكى ابن النقيب قولًا ثالثا: وهو أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التى أطلع الله عليها أهل الحقائق.
هذا هو أشهر ما قيل فى معنى الظهر والبطن.. وأما قوله فى الحديث الأول: «ولكل حرف حد»، فمعناه على ما قيل: لكل حرف حد، أى منتهى فيما أراد الله من معناه، أو لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب. والأول أظهر، وقوله: «ولكل حد مطلع»، معناه على ما قيل أيضًا: لكل غامض من المعانى والأحكام مطلع يُتوصل به إلى معرفته ويوقف على المراد به. وقيل: كل ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه فى الآخرة عند المجازاة، والأول أظهر أيضًا.
وأما الصحابة فقد نُقِل عنهم من الأخبار ما يدل على أنهم عرفوا التفسير الإشارى وقالوا به، أما الروايات الدالة على أنهم يعرفون ذلك فمنها:
 
٢ ‏/ ٢٦٢
 
ما أخرجه ابن أبى الحاتم من طريق الضحَّاك عن ابن عباس أنه قال: «إن القرآن ذو شجون وفنون، وظهور وبطون، لا تنقضى عجائبه، ولا تُبلغ غايته، فمَن أوغل فيه برفق نجا، ومَن أخبر فيه بعنف هوى، أخبار وأمثال، وحلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، ومُحكم ومتشابه، وظهر وبطن، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل، فجَالِسُوا به العلماء، وجَانِبُوا به السفهاء».
وروى عن أبى الدرداء أنه قال: «لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوهًا».
وعن ابن مسعود أنه قال: «مَن أراد علم الأوَّلين والآخرين فليَثَوِّر القرآن». وهذا الذى قالوه لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر.
وأما الروايات الدالة على أنهم فسَّروا القرآن تفسيرًا إشاريًا، فما رواه البخارى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال: «كان عمر يُدخلنى مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وَجَدَ فى نفسه فقال: لِمَ تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه مَن حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعانى يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون فى قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: ١] .. فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لى: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ وذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] .. فقال عمر: ما أعلم منها إلا مَا تقول».
فبعض الصحابة لهم يفهم من السورة أكثر من معناها الظاهر، أما ابن عباس وعمر، فقد فهما معنى آخر وراء الظاهر، هو المعنى الباطن الذى تدل عليه السورة بطريق الإشارة.
وأيضًا ما ورد من أنه لما نزل قوله تعالى فى الآية [٣] من سورة المائدة: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ .. فرح الصحابة وبكى عمر رضى الله تعالى عنه وقال: ما بعد الكمال إلا النقص، مستشعرًا نعيه ﵊، فقد أخرج ابن أبى شيبة: «أن عمر رضى الله تعالى عنه لما نزلت الآية بكى، فقال النبى ﷺ:»ما يبكيك«؟ قال: أبكانى أنَّا كنا فى زيادة من ديننا، فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شئ قط إلا نقص، فقال ﵊:»صدقت".
 
٢ ‏/ ٢٦٣
 
فعمر رضى الله عنه أدرك المعنى الإشارى: وهو نعى رسول الله ﷺ، وأقرَّه النبى على فهمه هذا.. وأما باقى الصحابة، فقد فرحوا بنزول الآية، لأنهم لم يفهموا أكثر من المعنى الظاهر لها.
هذه الأدلة مجتمعة تعطينا أن القرآن الكريم له ظهر وبطن.. ظهر يفهمه كل مَن يعرف اللِّسان العربى.. وبطن يفهمه أصحاب الموهبة وأرباب البصائر. غير أن المعانى الباطنية للقرآن لا تقف عند الحد الذى تصل إليه مداركنا القاصرة، بل هى أمر فوق ما نظن وأعظم مما نتصور. ولقد فهم ابن مسعود أن فى فهم معانى القرآن مجالًا رحبًا ومتسعًا بالغًا فقال: «مَن أراد علم الأوَّلين والآخرين فليُثَوِّر القرآن» وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يفترى ولاكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . [يوسف: ١١١] .
* *

التفاوت فى إدراك المعانى الباطنة وإصابتها

غير أن هذه المعانى المتكاثرة التى يشتمل عليها باطن القرآن لم تكن فى متناول المفسِّرين جميعًا، كما أنهم لم يكونوا متساوين فى القدر الذى أدركوه منها، بل تفاوتوا فى ذلك بمقدار ما بينهم من تفاوت فى الأخذ بالأسباب، كما أنهم لم يكونوا جميعًا مصيبين فيما وصلوا إليه منها وأدركوه، بل أصابوا فى بعض منها وأخطأوا في بعض آخر، وما أخطأوا فيه: بعضه عن جهل، وبعضه عن تعمد خبيث ونية سيئة، فالإمامية مع قولهم بالظاهر على ما به، قالوا بالباطن أيضًا، ولكنهم تعمدوا أن يُفسِّروا الباطن على ما يتفق وعقيدتهم الفاسدة.. والباطنية لم يعترفوا بظاهر القرآن واعترفوا بالباطن فقط ولكنهم أيضًا تعمدوا أن يُفسِّروا الباطن على ما يتفق ونواياهم السيئة، وكلا الفريقين ضال مبتدع.
أما الصوفية.. أهل الحقيقة وأصحاب الإشارة، فقد اعترفوا بظاهر القرآن ولم يجحدوه، كما اعترفوا بباطنه، ولكنهم حين فسَّروا المعانى الباطنة خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فبينما تجد لهم أفهامًا مقبولة سائغة، تجد لهم بجوارها أفهامًا لا يمكن أن يقبلها العقل أو يرضى بها الشرع، ولهذا أرى أن أستعرض بعض ما للقوم من أفهام فى التفسير، ثم أحكم عليها حكمًا مجردًا عن كل شئ إلا عن الحق والإنصاف، ثم بعد هذا أذكر شروط التفسير الإشارى، وهى الشروط التى إذا توافرت فيه جاز لنا قبوله والأخذ به، وإلا أسقطناه ورفضناه مهما كان لقائله من المكانة فى نفوسنا أو فى نفوس القوم.
* *

التفسير الإشارى فى الميزان

قلنا: إن القرآن له ظهر وبطن، وذكرنا لك أهم الأقوال فى معنى الظاهر والباطن،
 
٢ ‏/ ٢٦٤
 
ومهما يكن من شىء فإن ظاهر القرآن - وهو المنزَّل بلسان عربى مبين - هو المفهوم العربى المجرَّد. وباطنه هو مراد الله تعالى وغرضه الذى يقصد إليه من وراء الألفاظ والتراكيب، هذا هو خير ما يقال فى معنى الظاهر والباطن.
وعلى ذلك نقول: إن كل ما كان من المعانى العربية التى لا ينبنى فهم القرآن إلا عليها داخل تحت الظاهر، فالمسائل البيانية، والمنازع البلاغية، لا معدل لها عن ظاهر القرآن، فإذا فهم الإنسان مثلًا الفرق بين «ضَيِّق» فى قوله تعالى فى الآية [١٢٥] من سورة الأنعام: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء﴾ .. وبين «ضائق» فى قوله تعالى فى الآية [١٢] من سورة هود: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ .. وعرف أن «ضيِّق» صفة مشبهة دالة على الثبوت والدوام فى حق مَن يُرد الله أن يضله، وأن «ضائق» اسم فاعل يدل على الحدوث والتجدد وأنه أمر عارض له ﷺ. إذا فهم الإنسان مثل هذا فقد حصل له فهم ظاهر القرآن.
إذن فلا يُشترط فى فهم ظاهر القرآن زيادة على الجريان على اللِّسان العربى، وإذن كل معنى مستنبَط من القرآن غير جار على اللِّسان العربى فليس من تفسير القرآن فى شئ.. لا مما يُستفاد منه ولا مما يُستفاد به. ومَن ادَّعى فيه ذلك فهو مبطل فى دعواه.
أما المعنى الباطن، فلا يكفى فيه الجريان على اللِّسان العربى وحده. بل لا بد فيه مع ذلك من نور يقذفه الله تعالى فى قلب الإنسان يصير به نافذ البصر سليم التفكير، ومعنى هذا أن التفسير الباطن ليس أمرًا خارجًا عن مدلول اللَّفظ القرآنى، ولهذا اشترطوا لصحة المعنى الباطن شرطين أساسيين:
أولهما: أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر فى لسان العرب بحيث يجرى على المقاصد العربية.
وثانيهما: أن يكون له شاهد نصًا أو ظاهرًا فى محل آخر يشهد لصحته من غير معارض.
أما الشرط الأول.. فظاهر من قاعدة كون القرآن عربيًا، فإنه لو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيًا بإطلاق، ولأنه مفهوم يلصق بالقرآن وليس فى ألفاظه ولا فى معانيه ما يدل عليه، وما كان كذلك فلا يصح أن يُنسب إليه أصلًا، إذ ليست نسبته إليه على أنه مدلوله أولى من نسبة ضده إليه. ولا مرجح يدل على أحدهما، فإثبات أحدهما تَحَكُّمٌ وتَقَوُّلٌ على القرآن ظاهر، وعند ذلك يدخل قائله تحت إثم مَن قال فى كتاب الله بغير علم.
 
٢ ‏/ ٢٦٥
 
وأما الشرط الثانى: فلأنه إن لم يكن له شاهد فى محل آخر أو كان وله معارض صار من جملة الدعاوى التى تُدَّعى على القرآن، والدعوى المجرَّدة عن الدليل غير مقبولة باتفاق العلماء.
إذا توافر هذان الشرطان فى معنى من المعانى الباطنة قُبِل، لأنه معنى باطن صحيح، وإلا رُفِض رفضًا باتًا، لأنه معنى باطن فاسد وتَقَوُّلٌ على الله بالهوى والتشهى.
إذا عرفنا هذا كله ثم ذهبنا نستعرض على ضوئه أقوال القوم فى معانى القرآن الباطنة، وجدنا الكثير منها يمكن أن يكون من قبيل الباطن الصحيح، وكثير منها أيضًا هو من قبيل الباطن الفاسد المرفوض، وكبرى المشاكل أن بعضها منسوب إلى رجال من أهل العلم لهم مكانة علمية ودينية فى نفوسنا، بل وبعضها منسوب إلى رجال من الصحابة، وهم أعرف الناس بكتاب الله وما يحويه من المعانى والأسرار.
فمن الأفهام الباطنة المنقولة عنهم ويمكن أن تكون من قبيل الباطن الصحيح المقبول: ما جاء فى قوله تعالى فى الآية [٢٢] من سورة البقرة: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .. من قول سهل التسترى ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا﴾ أى أضدادًا، فأكبر الأضداد: النفس الأمَّارة بالسوء، المتطلعة إلى حظوظها ومناها بغير هدى من الله».
فهذا القول من سهل يشير إلى أن النفس الأمَّارة داخلة تحت عموم الأنداد حتى لو فصَّل لكان المعنى: فلا تجعلوا لله أندادًا لا صنمًا، ولا شيطانًا، ولا النفس، ولا كذا، ولا كذا.. وهذا مشكل من حيث الظاهر، لأن سياق الآية وما يحف بها من قرائن يدل على أن الأنداد مراد بها كل ما يعبد من دون الله، سواء أكان صنمًا أم غير صنم، أما الأنفس فلم تكن معبودة لهم، ولم يُعرف أنهم اتخذوها أربابًا من دون الله، ومع هذا فيمكن أن يكون لهذا التفسير وجه صحيح، وبيان ذلك:
إن الناظر فى القرآن الكريم، قد يأخذ من معنى الآية معنى باب الاعتبار، فيُجرية فيما لم تنزل فيه الآية، لأنه يجامعه فى القصد أو يقاربه، وسهل التسترى ﵀ حيث قال فى الآية ما قال، لم يرد أنه تفسير للآية، بل أتى بما هو ند فى الاعتبار الشرعى، وذلك لأن حقيقة الند: أنه المضاد لنده، الجارى على مناقضته، والنفس الأمَّارة هذا شأنها، لأنها تأمر صاحبها بمراعاة حظوظها، لاهية أو صادَّة عن مراعاة حقوق خالقها، وهذا هو الذى يعنى به الند بالنسبة لنده، لأن الأصنام نصبوها لهذا المعنى بعينه، وعلى هذا فلا غبار على قول سهل فى الآية، بل وهناك ما يشهد له من الجهتين -
 
٢ ‏/ ٢٦٦
 
جهة حمل الأنداد على الأنفس الأمَّارة - اعتبارًا، وجهة كون الخطاب - وإن كان موجهًا للمشركين - فيه لأهل الإسلام نظر واعتبار.
أما ما يشهد له من الجهة الأولى: فقوله تعالى فى الآية [٣١] من سورة التوبة: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله﴾ .. وظاهر أنهم لم يعبدوهم من دون الله، ولكنهم ائتمروا بأوامرهم، وانتهوا عما نهوهم عنه كيف كان، فما حرَّموا عليهم حرَّموه، وما أباحوا لهم حلَّلوه، وفاتهم أن المحلِّل والمحرِّم هو الله، فقال الله سبحانه: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله﴾ . وهذا بعينه هو شأن المتبع لهوى نفسه.
وأما ما يشهد له من الجهة الثانية، فهو أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لبعض مَن توسَّع فى الدنيا من أهل الإيمان: أين تذهب بكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾؟ وكان هو يعتبر نفسه بها، مع أن الآية نزلت فى حق الكفار لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوْا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ .. الآية، فعمر رضى الله عنه، له فى الآية، فعمر رضى الله عنه، له فى الآية نظر واعتبار، فأخذ من معناها معنى أجرى الآية فيه وإن لم تنزل فيه، حذرًا منه وخوفًا أن يكون التوسع فى المباحات سببًا فى الحرمان من نعيم الآخرة ومتاعها، فإذا صح لعمر رضى الله عنه أن يُنزل الآية على المتوسعين فى المباحات من المؤمنين ولم تنزل فيهم، صحَّ لسهل أيضًا أن يُنزل الآية على النفس الأمَّارة وإن لم تنزل فيها كذلك.
ومن ذلك أيضًا ما جاء فى قوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة البقرة: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هاذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين﴾ .. من قول سهل ﵀:»لم يرد الله معنى الأكل فى الحقيقة، وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشئ هو غيره.. أى لا تهتم بشئ هو غيرى. قال: فآدم ﵇ لم يعصم من الهمة والفعل فى الجنة، فلحقه ما لحقه من أجل ذلك. قال: وكذلك كل من ادَّعى ما ليس له وساكنه قلبه ناظرًا إلى هوى نفسه، لحقه الترك من الله ﷿ مع ما جُبِلت عليه نفسه إلا أن يرحمه الله، فيعصمه من تدبيره وينصره على عدوه وعليها.. قال: وآدم لم يُعْصَم عن مساكنة قلبه إلى تدبير نفسه للخلود لما أُدْخِلَ الجنة، ألا ترى أن البلاء دخل عليه من أجل سكون القلب إلى ما وسوست به نفسه، فغلب الهوى والشهوة العلم والعقل والبيان ونور القلب، لسابق القدر من الله تعالى، كما قال ﵇، «الهوى والشهوة يغلبان العلم والعقل».
وبالنظر فى كلام سهل هذا نرى أنه ادَّعى فى الآية خلاف ما ذكره المفسِّرون من أن
 
٢ ‏/ ٢٦٧
 
المراد النهى عن نفس الأكل، لا عن سكون الهمة لغير الله. وإن كان هذا منهيًا عنه أيضًا، لكن يمكن أن يكون لهذا الكلام الذى قاله سهل وجه يجرى عليه، وذلك أن النهى فى الآية لا يصح حمله على نفس القُرْب مجرَّدًا، إذ لا مناسبة فيه ظاهرة، ولأنه لم يقل به أحد، وإنما النهى عن معنى فى القرب وهو إما التناول والأكل. وإما غيره وهو شىء ينشأ الأكل عنه، وذلك مساكنة الهمة، فإنه الأصل فى تحصيل الأكل، ولا شك فى أن السكون لغير الله لجلب منفعة أو دفع مفسدة منهى عنه.
فهذا التفسير له وجه ظاهر فكأنه يقول: لم يقع النهى عن مجرد الأكل من حيث هو أكل، بل عما ينشأ عنه الأكل من السكون لغير الله، إذ لو انتهى عما نهى الله عنه لكان ساكنًا لله وحده، فلما لم يفعل وسكن إلى أمر فى الشجرة غرَّه به الشيطان وهو الخلود فى الجنَّة، أضاف الله إليه لفظ العصيان فقال فى الآيتين [١٢١-١٢٢] من سورة طه: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى * ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى﴾ ..
مثل هذا - وهو كثير فى كلام الصوفية - لا نعدم له وجهًا نحمله عليه حتى يكون تفسيرًا صحيحًا ومقبولًا.
ولكن هناك أقوال لهم فى التفسير الإشارى يقف أمامها العقل حائرًا وعاجزًا عن تلمس محمل لها تُحمل عليه حتى تبدو صحيحة وتصبح مقبولة، فمن ذلك:
ما يروونه عن ابن عباس أنه فسَّر ﴿آلم﴾ فقال: «الألف: الله، واللام: جبريل، والميم: محمد ﷺ ... وأن الله أقسم بنفسه وجبريل ومحمد ﵉».
وهذا إن صح نقله فهو مشكل إلى حد بعيد، ذلك لأن الإشارة إلى الكلمة بحرف ليس معهودًا فى كلام العرب. اللَّهم إلا إن دل عليه الدليل اللفظى أو الحالى كقول الشاعر:
فقلت لها قفى فقالت قاف
أراد: قالت: وقفت.
وقول زهير:
بالخير خيرات وإن شرًا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا
أراد: وإن شرًا فشر، وأراد: إلا أن تشاء.
وقول الآخر:
نادوهموا ألا الجموا ألا تا ... قالوا جميعًا كلهم ألا فا
أراد: ألا تركبون. قالوا: ألا فاركبوا.
 
٢ ‏/ ٢٦٨
 
وقوله ﵊: «كفى بالسيف شا» أراد: شافيًا.
... ولكن أين الدليل على ما ذكر فى قوله: ﴿آلم﴾؟
على أنه لم يقم دليل من الخارج يدل على هذا التفسير، إذ لو كان له دليل لاقتضت العادة نقله، لأنه من المسائل التى تتوفر الدواعى على نقلها لو صح أنه مما يُفسر ويُقصد تفهيم معناه ... ولما لم يثبت شىء من ذلك دل على أنه من قبيل المتشابهات، فإن ثبت له دليل عليه صرنا إليه وإلا توقفنا.
ومثل هذا المروى عن ابن عباس - ولعله أشكل منه - ما قاله سهل التسترى فى تفسيره للبسملة حيث قال: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .. الباء: بهاء الله ﷿، والسين: سناء الله ﷿، والميم: مجد الله ﷿، والله: هو الاسم الأعظم الذى حوى الأسماء كلها، وبين الألف واللام منه حرف مكنى غيب من غيب إلى غيب، وسر من سر إلى سر، وحقيقة من حقيقة إلى حقيقة، لا ينال فهمه إلا الطاهر من الأدناس، الآخذ من الحلال قوامًا ضرورة الإيمان، والرحمن: اسم فيه خاصية من الحرف المكنى بين الألف واللام، والرحيم: هو العاطف على عباده بالرزق فى الفرع، والابتداء فى الأصل، رحمة لسابق علمه القديم«.
وما فسَّر به ﴿آلم﴾ . فاتحة البقرة وهو قوله: ﴿آلم﴾ اسم الله ﷿، فيه معان وصفات يعرفها أهل الفهم به، غير أن لأهل الظاهر فيه معان كثيرة، فأما هذه الحروف إذا انفردت، فالألف: تأليف الله ﷿. ألَّفَ الأشياء كما شاء، واللام: لطفه القديم، والميم: مجده العظيم»، وقال: «لكل كتاب أنزله الله تعالى سر، وسر القرآن فواتح السور، لأنها أسماء وصفات، مثل قوله: ﴿آلمص﴾، و﴿آلر﴾، و﴿آلمر﴾، و﴿كهيعص﴾، و﴿حمعسق﴾، و﴿طسم﴾، فإذا جمعت هذه الحروف بعضها إلى بعض كانت اسم الله الأعظم، أى إذا أخذ من كل سورة حرف على الولاء، أى على ما أنزلت السورة وما بعدها على النسق: ﴿آلم﴾، و﴿حم﴾، و﴿ن﴾ معناه: الرحمن. وقال ابن عباس والضحَّاك: ﴿آلم﴾: معناه أنا الله أعلم. وقال علىّ رضى الله عنه: هذه أسماء مقطعة، إذا أخذ من كل حرف حرفًا لا يشبه صاحبه فجُمِعن كان اسم من أسماء الرحمن، إذا عرفوه ودعوه به كان الاسم الأعظم الذى إذا دُعِىَ به أجاب».
وكما قاله أبو عبد الرحمن السلمى فى تفسير: ﴿آلم﴾ فاتحة البقرة وهو قوله: ﴿آلم﴾ .. قيل: إن الألف ألف الوحدانية، واللام: لام اللطف، والميم: ميم المُلْك، معناه: مَن وجدنى على الحقيقة بإسقاط العلائق والأغراض تلطَّفتُ له.. فأخرجته من
 
٢ ‏/ ٢٦٩
 
رِقِّ العبودية إلى الملأ الأعلى، وهو الاتصال بمالك المُلْك، دون الاشتغال بشىء من الملك ... وقيل: ﴿آلم﴾ .. معنى الألف: أى أفرد سرك، واللام: ليت جوارحك لعبادتى، والميم: أقم معى بمحو رسومك وصفاتك، أزينك بصفات الأُنس بى، والمشاهدة إياى، والقُرْب منى».
فهذا الذى قاله سهل التسترى والذى قاله أبو عبد الرحمن السلمى مشكل كالمروى عن ابن عباس، بل وأعظم منه إشكالًا حيث ادَّعوا أن هذه الحروف ترمز إلى أسرار غيبية ومعان مكنية، وإذا جُمعت هذه الحروف على طريقة مخصوصة كان كذا وكذا، بل ويدَّعون أحيانًا أن هذه الحروف هى أصل العلوم ومنبع المكاشفات على أحوال الدنيا والآخرة، وينسبون ذلك إلى أنه مراد الله تعالى فى خطابه العرب الأُميِّة التى لا تعرف شيئًا من ذلك، وهذه كلها دعاوى يدَّعونها على القرآن، ولا أحسب أنهم استندوا فيها إلى دليل برهانى أو إقناعى، وكل ما أقوله فيها: إنها دعاوى محالة على الكشف والاطلاع، ودعوى الكشف والاطلاع لا تصلح دليلًا شرعيًا بحال من الأحوال.
ومن المواضع المشكلة أيضًا، ولكنها أخف إشكالًا مما مَرَّ.. ما جاء عنهم من نحو تفسير سهل التسترى لقوله تعالى فى الآية [٩٦] من سورة آل عمران: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ ... الآية، بقوله: «أول بيت وُضِعَ للناس بيت الله ﷿ بمكةَ، هذا هو الظاهر، وباطنها: الرسول يؤمن به مَن أثبت الله فى قلبه التوحيد من الناس».
ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٦] من سورة النساء: ﴿والجار ذِي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل﴾ .. حيث يقول - بعد ذكره للتفسير بالظاهر: «وأما باطنها، فالجار ذى القُربَى: هو القلب، والجار الجُنُب: هو الطبيعة، والصاحب بالجَنب: هو العقل المقتدى بالشريعة، وابن السبيل: هو الجوارح المطيعة لله».
وتفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤١] من سورة الروم: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر﴾ .. بقوله: «مَثَّلَ الله الجوارح بالبر، ومَثَّل القلب بالبحر، وهم أعم نفعًا وأكثر خطرًا، هذا هو باطن الآية، ألا ترى أن القلب إنما سُمِّى قلبًا لتقلبه وبُعْد غوره»؟
وتفسير ابن عطاء الله السكندرى لقوله تعالى فى الآية [٣٣] من سورة يس: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ بقوله: "القلوب
 
٢ ‏/ ٢٧٠
 
الميتة بالغفلة أحييناها بالتيقظ والاعتبار والموعظة، وأخرجنا منها حبًا معرفة صافية تضىء أنوارها على الظاهر والباطن».
هذا وأمثاله من كلام الصوفية لو قلنا إنهم أرادوا به تفسير الآيات القرآنية وبيان معانيها التى تُحمل عليها لا غير، لكان هو بعينه مذهب الباطنية، وذلك لأن المعانى التى حملوا عليها الألفاظ فى الآيات السابقة لا تعرفها العرب مدلولات لهذه الألفاظ، لا بالوضع الحقيقى ولا بالوضع المجازى المناسب، وليس فى مساق الآيات ما يدل على هذه المعانى المذكورة، ومعلوم أن القرآن عربى ومُخاطَب به العرب الذين يفهمون ألفاظه وتراكيبه، فهذه الآيات المذكورة آنفًا لا يفهم منها العربى أكثر من المعانى المتبادرة إلى فهمه، والتى تنساق إلى ذهنه ابتداءً، فلا يفهم من البيت الحرام، ولا من الجار ذى القُربَى، والجار الجُنُب، والصاحب بالجَنب، وابن السبيل، ولا من البر والبحر، ولا من الأرض والحَبّ، إلا ما يفهمه العربى من هذه الألفاظ، وما وراء ذلك فليس عليه دليل.
وأيضًا لم يُنقل لنا عن السَلَف الصالح من الصحابة والتابعين تفسير للقرآن يماثل هذا التفسير أو يقاربه، ولو كان عندهم معروفًا لَنُقِل، لأنهم أدرى بمعانى القرآن ظاهرها وباطنها باتفاق الأُمة، وغير معقول أن يأتى آخر هذه الأُمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا هم أعرف بالشريعة منهم، ولا أدرى بلغة القرآن من قومه الذين نزل بلسانهم وعلى لغتهم.
ولكن إجلالنا لهؤلاء المفسِّرين ووثوقنا بهم من الناحية العلمية والدينية، واعترافهم فى تفاسيرهم - التى نقلنا عنها - بالمعانى الظاهرية للقرآن وإنكارهم على مَن يقول بباطن القرآن دون ظاهره ... كل هذا يجعلنا نُحسن الظن بالقوم، فنحمل أمثال هذه المعانى على أنها ليست من قبيل التفسير، وإنما هى ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن، فإن النظير يُذكر بالنظير كما قال ابن الصلاح فى فتاواه.
* *

مقالة الشاطبى فى التفسير الإشارى

ولزيادة الإيضاح أذكر لك ما قاله الشاطبى فى هذا الموضوع:
قال ﵀: الاعتبارات القرآنية الواردة على القلوب، الظاهرة للبصائر، إذا صحَّت على كمال شروطها فهى على ضربين:
أحدهما: ما يكون أصل انفجاره من القرآن ويتبعه سائر الموجودات، فإن الاعتبار الصحيح فى الجملة هو الذى يخرق نور البصيرة فيه حُجُب الأكوان من غير توقف، فإن توقف فهو غير صحيح أو غير كامل، حسبتما بيَّنه أهل التحقيق بالسلوك.
 
٢ ‏/ ٢٧١
 
والثانى: ما يكون أصل انفجاره من الموجودات: جزئيها أو كليها، ويتبعه الاعتبار فى القرآن.
فإن كان الأول.. فذلك الاعتبار صحيح، وهو معتبر فى فهم باطن القرآن من غير أشكال، لأن فهم القرآن إنما يرد على القلوب على وفق ما نزل له القرآن، وهو الهداية التامة على ما يليق بكل واحد من المكلَّفين، وبحسب التكاليف وأحوالها، لا بإطلاق، وإذا كانت كذلك فالمشى على طريقها مشى على الصراط المستقيم، ولأن الاعتبار القرآنى قلًَّما يجده إلا مَن كان من أهله عملًا به على تقليد أو اجتهاد، فلا يخرجون عند الاعتبار فيه عن حدوده، كما لم يخرجوا فى العمل به والتخلق بأخلاقه عن حدوده، بل تنفتح لهم أبواب الفهم فيه على توازى أحكامه، ويلزمه من ذلك أن يكون معتدًا به لجريانه على مجاريه. والشاهد على ذلك ما نُقل من فهم السَلَف الصالح فيه، فإنه كله جار على ما تقضى به العربية، وما تدل عليه الأدلة الشرعية.
إن كان الثانى.. فالتوقف عن اعتباره فى فهم باطن القرآن لازم، وأخذه على إطلاقه فيه ممتنع، لأنه بخلاف الأول، فلا يصح القول باعتباره فى فهم القرآن، فنقول:
إن تلك الأنظار الباطنة فى القرآن فى الآيات المذكورة - يريد: ﴿والجار ذِي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل﴾ وما ذكره معها - مما تقدم لنا ذكره - إذا لم يظهر جريانها على مقتضى الشروط المتقدمة فهى راجعة إلى الاعتبار غير القرآنى وهو الوجودى ويصح تنزيله على معانى القرآن لأنه وجودى أيضًا. فهو مشترك من تلك الجهة غير خاص، فلا يطالب فيه المعتبر بشاهد موافق إلا ما يطلبه المربى، وهو أمر خاص، منفرد بنفسه، لا يختص بهذا الموضع. فلذلك يُوقف على محله، فكون القلب جارًا ذا قُربى، والجار الجُنُب هو النفس الطبيعى.. إلى سائر ما ذكر، يصح تنزيله اعتباريًا مطلقًا، فإن مقابلة الوجود بعضه ببعض فى هذا النمط صحيح وسهل جدًا عند أربابه، غير أنه مغرر بمن ليس براسخ أو داخل تحت إيالة راسخ.
 
٢ ‏/ ٢٧٢
 
وأيضًا فإن مَن ذُكر عنه مثل ذلك من المعتبرين لم يصرِّح بأنه المعنى المقصود المخاطَب به الخلق، بل أجراه مجراه وسكت عن كونه هو المراد، وإن جاء شىء من ذلك وصرَّح صاحبه أنه هو المراد، فهو من أرباب الأحوال الذين لا يفرقون بين الاعتبار القرآنى والوجودى، وأكثر ما يطرأ هذا لمن هو بعد فى السلوك، سائر على الطريق، لم يتحقق بمطلوبه. ولا اعتبار بقول مَن لم يثبت اعتبار قوله من الباطنية وغيرهم».
فالشاطبى ﵀ يقرر فى كلامه هذا: أن مثل هذا النوع الأخير من كلام الصوفية راجع إلى الاعتبار غير القرآنى، ومع ذلك فيمكن تنزيله على معانى القرآن، كما أنه يقرر: أن مَن قال هذا لم يُذكر عنه أنه قاله على أنه تفسير للآية وبيان للمقصود منها، وهذا من حسن ظنه بالقوم.
* *

مقالات بعض العلماء فى التفسير الإشارى

وإذا نحن رجعنا إلى أقوال العلماء التى قالوها فى تفسير الصوفية وجدناها جميعًا تقوم على حُسْن الظن بهم، وإليك بعضًا منها:
* مقالة ابن الصلاح:


قال ابن الصلاح فى فتاواه - وقد سُئِل عن كلام الصوفية فى القرآن: «وجدت عن الإمام أبى الحسن الواحدى المفسِّر رحمه الله تعالى أنه قال: صنَّف أبو عبد الرحمن السلمى»حقائق التفسير«، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر. قال ابن الصلاح: وأنا أقول: الظن بمن يوثق به منهم أنه إذا قال شيئًا من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرًا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن، فإن النظير يُذكر بالنظير، ومن ذلك قتال النفس فى الآية المذكورة - يريد قوله تعالى فى الآية [١٢٣] من سورة التوبة: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار﴾ .. فكأنه قال: أمرنا بقتال النفس ومَن يلينا من الكفار، ومع ذلك فياليتهم لم يتساهلوا فى مثل ذلك لما فيه من الإبهام والإلباس».
*
* مقالة سعد الدين التفتازانى:
وقد علَّق التفتازانى على قول النسفى فى كتابه «العقائد»: «والنصوص على ظواهرها، فالعدول عنها إلى معان يدَّعيها أهل الباطن إلحاد» فقال ﵀: «وسُمُّوا الباطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معان باطنة لا يعرفها إلا المعلم، وقصدهم بذلك نفى الشريعة بالكلية».. ثم قال: "وأما ما يذهب إليه بعض
 
٢ ‏/ ٢٧٣
 
المحققين من أن النصوص محمولة على ظواهرها ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان».
*
* مقالة ابن عطاء الله السكندرى:
ونقل السيوطى عن ابن عطاء الله السكندرى أنه قال فى كتابه «لطائف المنن»: «اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعانى الغريبة ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له ودلَّت عليه فى عُرف اللِّسان، وثَمَّ أفهام باطنة تُفهَم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه، وقد جاء فى الحديث:»لكل آية ظهر وبطن«، فلا يصدنك عن تلقى هذه المعانى منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة: هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله.. فليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا، وهم لم يقولوا ذلك، بل يقرون الظواهر على ظواهرها مرادًا بها موضوعاتها ويفهمون عن الله تعالى ما أفهمهم».
فهؤلاء العلماء حسَّنُوا ظنهم بالقوم، فحملوا أقوالهم الغريبة التى قالوها فى القرآن على أنها ذكر لنظير ما ورد به القرآن، أو على أنها إشارات خفية، ومعان إلهامية، تنهل على قلوب العارفين، وتزهوهم عن إرادة التفسير الحقيقى لكتاب الله بمثل هذه الشروح الغريبة التى نُقِلت عنهم، وهذا عمل حسن وصنع جميل من هؤلاء العلماء، وقد تابعناهم عليه حملًا لحال المؤمن على الصلاح.. ولكن لم يلبث أن تبدد حُسن ظننا بالقوم على أثر تلك المقالة التى قرأناها لابن عربى فى فتوحاته.. وفيها يُصرِّح بأن مقالات الصوفية فى كتاب الله ليست إلا تفسيرًا حقيقيًا لمعانى القرآن، وشرحًا لمراد الله من ألفاظه وآياته، ويذكر لنا أن تسميتها إشارة ليس إلا من قبيل التقية، والمداراة لعلماء الرسوم أهل الظاهر..، وفى هذه المقالة يحمل حملة شعواء على أهل الرسوم - على حد تعبيره - الذين ينكرون عليه وعلى غيره من الصوفية. وإليك ما قاله بالنص لتقف على رأيه الصريح الذى لا مواربة فيه ولا التواء.
*
* مقالة ابن عربى فى التفسير اللإشارى:
قال ﵀: "اعلم أن الله ﷿ لما خلق الخلق، خلق الإنسان أطوارًا، فمنا العالم والجاهل، ومنا المنصف والمعاند، ومنا القاهر ومنا المقهور، ومنا الحاكم ومنا المحكوم، ومنا المتحكِم ومنا المتحكَم فيه، ومنا الرئيس والمرؤوس، ومنا الأمير والمأمور،
 
٢ ‏/ ٢٧٤
 
ومنا الملك والسوقة، ومنا الحاسد والمحسود.. وما خلق الله أشق ولا أشد من علماء الرسوم على أهل الله المختصين بخدمته العارفين به من طريق الوهب الإلهى الذى منحهم أسراره فى خلقه، وفهَّمهم معنى كتابه وإشارات خطابه، فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل ﵈. لما كان الأمر فى الوجود الواقع على ما سبق به العلم القديم - كما ذكرنا - عدل أصحابنا إلى الإشارات. فكلامهم - رضى الله عنهم - فى شرح كتابه العزيز الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إشارات، وإن كان ذلك حقيقة وتفسيرًا لمعانيه النافعة، ورد ذلك كله إلى نفسهم مع تقريرهم إياه فى العموم، وفيما نزل فيه، كما يعلمه أهل اللِّسان الذين نزل الكتاب بلسانهم، فعمَّ به سبحانه عندهم الوجهين كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾ .. يعنى الآيات المنزَّلة فى الآفاق وفى أنفسهم، فكل آية منزَّلة لها وجهان: وجه يرونه فى نفوسهم ووجه آخر يرونه فيما خرج عنهم، فيسمون ما يرونه فى نفوسهم إشارة ليأنس الفقيه صاحب الرسوم إلى ذلك، ولا يقولون فى ذلك إنه تفسير، وقاية لشرهم وتشنيعهم فى ذلك بالكفر عليه، وذلك لجهلهم بمواقع خطاب الحق، واقتدوا فى ذلك بسنن الهدى، فإن الله كان قادرًا على تنصيص ما تأوَّله أهل الله فى كتابه، ومع ذلك فما فعل: بل أدرج فى تلك الكلمات الإلهية التى نزلت بلسان العامة علوم معانى الاختصاص التى فهمها عباده حين فتح لهم فيها بعين الفهم الذى رزقهم.
ولو كان علماء الرسوم ينصفون، لاعتبروا فى نفوسهم إذا نظروا فى الآية بالعين الظاهرة التى يسلمونها فيما بينهم، فيرون أنهم يتفاضلون فى ذلك، ويعلو بعضهم على بعض فى الكلام فى معنى تلك الآية، ويقر القاصر بفضل غير القاصر فيها، وكلهم فى مجرى واحد. ومع هذا الفضل المشهود لهم فيما بينهم فى ذلك. ينكرون على أهل الله إذا جاءوا بشىء مما يغمض عن إدراكهم، وذلك لأنهم يعتقدون فيهم أنهم ليسوا بعلماء، وأن العلم لا يحصل إلا بالتعلم المعتاد فى العُرف، وصدقوا، فإن أصحابنا ما حصل لهم ذلك العلم إلا بالتعلم وهو الإعلام الرحمانى الربَّانى قال تعالى: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ * اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم * الذى عَلَّمَ بالقلم * عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١-٥]، فإنه القائل: ﴿أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: ٣-٤] .. فهو سبحانه مُعلِّم الإنسان، فلا شك أن أهل الله هم ورثة الرسل ﵈، والله يقول فى حق الرسول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، وقال فى حق عيسى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾ [آل عمران: ٤٨]، وقال
 
٢ ‏/ ٢٧٥
 
فى حق خضر صاحب موسى ﵉: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] .. فصدق علماء الرسوم عندنا فيما قالوا: إن العلم لا يكون إلا بالتعلم، وأخطأوا فى اعتقادهم أن الله لا يُعَلِّم مَن ليس بنبى ولا رسول، يقول الله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] وهى العلم، وجاء بـ «مَن» وهى نكرة. ولكن علَماء الرسوم لما آثروا الدنيا على الآخرة، وآثروا جانب الخلق على جانب الحق، وتعوَّدوا أخذ العلم من الكتب ومن أفواه الرجال الذين من جنسهم، ورأوا فى زعمهم أنهم من أهل الله بما علموا وامتازوا به عن العامة، حجبهم ذلك عن أن يعلموا أن لله عبادًا تولَّى الله تعليمهم فى سرائرهم بما أنزله فى كتبه وعلى ألسنة رسله وهو العلم الصحيح عن العالِم المعلِّم الذى لا يشك مؤمن فى كمال علمه ولا غير مؤمن، فإن الذين
قالوا: إن الله لا يعلم الجزئيات ما أرادوا نفى العلم عنه، وإنما قصدوا بذلك أنه تعالى لا يتجدد له علم بشىء، بل علمها مندرجة فى علمه بالكليات، فأثبتوا له العلم سبحانه مع كونهم غير مؤمنين، وقصدوا تنزيهه سبحانه فى ذلك وإن أخطأوا فى التعبير عن ذلك، فتولى الله بعنايته لبعض عباده تعليمهم بنفسه بإلهامه وإفهامه إياهم ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]، فى إثر قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧]، فبيَّن لها الفجور من التقوى إلهامًا من الله لها لتجتنب الفجور وتعمل بالتقوى.
وكما كان أصل تنزيل الكتاب من الله على أنبيائه، كان تنزيل الفهم على قلوب بعض المؤمنين به، فالأنبياء ﵈ ما قالت على الله ما لم يقل لها، ولا أخرجت ذلك من نفوسها ولا من أفكارها، ولا تعلَّمت فيه، بل جاءت من عند الله، كما قال تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، وقال فيه: إنه ﴿لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] .. وإذا كان الأصل المتكلَّم فيه من عند الله، لا من فكر الإنسان ورويته - وعلماء الرسوم يعلمون ذلك - فينبغى أن يكون أهل الله العاملون به أحق بشرحه وبيان ما أنزل الله فيه من علماء الرسوم، فيكون شرحه أيضًا تنزيلًا من عند الله على قلوب أهل العلم كما كان الأصل. وكذا قال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه فى هذا الباب: «ما هو إلا فهم يؤتيه الله من يشاء من عباده فى هذا القرآن». فجعل ذلك عطاء من الله، يعبر عن ذلك العطاء بالفهم عن الله، فأهل الله أولى به من غيرهم. فلما رأى أهل الله أن الله قد جعل الدولة فى الحياة الدنيا لأهل الظاهر من علماء الرسوم، وأعطاهم التحكم فى الخلق بما يفتون به، وألحقهم بالذين يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون - وهم فى إنكارهم على أهل الله يحسبون أنهم يُحسنون صنعًا - سلَّم أهل الله لهم أحوالهم لأنهم علموا من أين تكلموا، وصانوا عنهم أنفسهم بتسميتهم الحقائق إشارات، فإن علماء الرسوم لا ينكرون الإشارات، فإذا كان فى غد يوم القيامة يكون الأمر فى الكل، كما قال القائل:
 
٢ ‏/ ٢٧٦
 
سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفَرَسٌ تحتك أم حمار
كما يتميز المحق من أهل الله، من المدَّعى فى الأهلية غدًا يوم القيامة. قال بعضهم:
فإذا اشتبكت دموع فى خدود ... تبين مَن بكى ممن تباكى
أين عالم الرسوم من قول علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه حين أخبر عن نفسه أنه لو تكلم فى الفاتحة من القرآن لحمَّل منها سبعين وقرًا؟ هل هذا إلا من الفهم الذى أعطاه الله فى القرآن؟ فاسم الفقيه أولى بهذه الطائفة من صاحب علم الرسم، فإن الله يقول فيهم: ﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ .. فأقامهم مقام الرسول فى التفقه فى الدين والإنذَار، وهو الذى يدعو إلى الله على بصيرة كما يدعو رسول الله ﷺ بصيرة، لا على غلبة ظن كما يحكم عالم الرسوم، فشتَّان بين مَن هو فيما يُفتى به ويقوله على بصيرة منه فى دعائه إلى الله وهو على بيِّنة من ربه، وبين مَن يفتى فى دين الله بغلبة ظنه».
ثم إن من شأن عالم الرسوم فى الذب عن نفسه أنه يُجَهِّل مَن يقول: فهمَّنى ربى، ويرى أنه أفضل منه، وأنه صاحب العلم إذ يقول مَن هو من أهل الله: إن الله ألقى فى سِرِّى مراده بهذا الحكم فى هذه الآية، أو يقول: رأيت رسول الله ﷺ فى واقعتى فأعلمنى بصحة هذا الخبر المروى عنه وبحكمه عنده. قال أبو يزيد البسطامى رضى الله عنه فى هذا المقام - يخاطب علماء الرسوم: أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا عن الحى الذى لا يموت، يقول أمثالنا: حدَّثنى قلبى عن ربى، وأنتم تقولون: حدَّثنى فلان، وأين هو؟ قالوا: مات. عن فلان: وأين هو؟ قالوا: مات. وكان الشيخ أبو مدين ﵀ إذا قيل له: قال فلان، عن فلان، عن فلان، يقول: «ما نريد نأكل قديدًا، هاتوا ائتونى بلحم طرى - يرفع همم أصحابه - فأُولئك أكلوه لحمًا طريًا، والواهب لم يمت، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد».
والفيض الإلهى والمبشرات ما سُدَّ بابها، وهى من أجزاء النبوة، والطريق واضحة، والباب مفتوح، والعمل مشروع. والله يهرول لتلقى مَن أتى إليه يسعى، وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، وهو معهم أينما كانوا، فمَن كان معك بهذه المثابة من القُرْب - مع دعواك العلم بذلك والإيمان به - لم تترك الأخذ عنه والحديث معه، وتأخذ عن غيره ولا تأخذ عنه، فتكون حديث عهد بربك"؟
* *
 
٢ ‏/ ٢٧٧
 
رأينا فى مقالة ابن عربى

ونحن لا ننكر على ابن عربى أن ثَمَّ أفهامًا يُلقيها الله فى قلوب أصفيائه وأحبابه، ويخصُهم بها دون غيرهم، على تفاوت بينهم فى ذلك بمقدار ما بينهم من تفاوت فى درجات السلوك ومراتب الوصول، كما لا نُنكر عليه أن تكون هذه الأفهام تفسيرًا للقرآن وبيانًا لمراد الله من كلامه، ولكن بشرط أن تكون هذه الأفهام يمكن أن تدخل تحت مدلول اللَّفظ العربى القرآنى، وأن يكون لها شاهد يؤيدها، أما أن تكون هذه الأفهام خارجة عن مدلول اللَّفظ القرآنى، وليس لها من الشرع ما يؤيدها فذلك ما لا يمكن أن نقبله على أنه تفسير للآية وبيان لمراد الله تعالى، لأن القرآن عربى قبل كل شىء كما قلنا، والله ﷾ يقول فى شأنه: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] . وحاشا لله أن يُلغز فى آياته، أو يُعمى على عباده طريق النظر فى كتابه، وهو يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ . [القمر: ١٧] .
هذا هو ما أدين الله عليه بالنسبة لكلام الصوفية، وعذرى فى ذلك أنى لم أسلك مسلك القوم، ولم أذق ذوقهم، ولم أعرف اصطلاحاتهم التى يصطلحون عليها، ولعلِّى إذا سلكت هذا الطريق، وانكشف لى من أستار الغيب ما انكشف لهم، أو على الأقل فهمت لغة القوم ووقفت على مصطلحاتهم. لعلِّى إذا حصل لى شئ من هذا تبدَّل رأيى وتغير حكمى، فسلَّمت لهم كل ما يقولون به، مهما كان بعيدًا وغريبًا. وقد سأل رجل بعض العلماء أن يقرأ عليه تائية ابن الفارض فقال له: «دع هذا، مَن جاع جوع القوم وسهر سهرهم رأى ما رأوا».
يقولون: إنهم يدركون بعض المعانى بعين اليقين، وما مَن شأنه أن يُدرَك بعين اليقين لا يمكن أن يُدرَك بعلم اليقين، إذن فلا بد لمن يريد أن يحكم على القوم حكمًا صحيحًا أن يجتهد فى الوصول إلى ما وصلوا إليه بالعيان، دون أن يطلبه عن طريق البيان، فإنه طور وراء طور العقل، والشاعر يقول:
علم التصوف علم ليس يعرفه ... إلا أخو فطنة بالحق معروف
وليس يعرفه مَن ليس يشهده ... وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف
ويقول ابن خلدون: «وليس البرهان والدليل بنافع فى هذه الطريق ردًا وقبولًا، إذ هى من قبيل الوجدانيات».
ويقول الألوسى فى مقدمة تفسيره (الجزء الأول ص ٨): "فالإنصاف كل الإنصاف
 
٢ ‏/ ٢٧٨
 
التسليم للسادة الصوفية الذين هم مركز الدائرة المحمدية ما هم عليه، واتهام ذهنك السقيم فيما لم يصل - لكثرة العوائق - إليه:
وإذا لم تر الهلال فسلِّم ... لأناس رأوه بالأبصار
ويقول الألوسى أيضًا بعد أن نقل عن ابن عربى ما قاله فى تفسير الفاتحة فى فتوحاته: «فإذا وقع الجدار، وانهدم الصور، وامتزجت الأنهار، والتقى البحران، وعدم البرزخ، صار العذاب نعيمًا، وجهنم جنَّة، ولا عذاب ولا عقاب، إلا نعيم وأمان، بمشاهدة العيان».. إلخ. يقول الألوسى بعد نقله لهذا الكلام الغريب: «وهذا وأمثاله محمول على معنى صحيح يعرفه أهل الذوق ولا ينافى ما وردت به القواطع: ثم قال: وإياك أن تقول بظاهره مع ما أنت عليه، وكلما وجدت مثل هذا لأحد من أهل الله تعالى، فسلِّمه لهم بالمعنى الذى أرادوه، مما لا تعلمه أنت ولا أنا، لا بالمعنى الذى ينقدح فى عقلك، المشوب بالأوهام، فالأمر واللهِ وراء ذلك».
ومثل هذه الأقوال أشبه ما تكون بالإكراه لنا على قبول وجدانيات القوم وشطحاتهم مهما أوغلت فى البُعْد والغرابة، وتوريط لنا بتسليم كل ما يقولون تحت تأثير ما لهم فى نفوسنا من المكانة العلمية والدينية، ومهما يكن من شىء فأنا عند رأيى لا أتحول عنه، حتى إذا ما جعت جوع القوم، وسهرت سهرهم، ووجدت مواجيدهم، سلَّمتُ لهم بكل ما يقولون «ومن ذاق عرف».
والخلاصة.. أن مثل هذه التفاسير الغريبة للقرآن، مزَّلة قدم لمن لم يعرف مقاصد القوم، وليتهم احتفظوا بها عند أنفسهم، ولم يذيعوها على الناس فيوقعوهم فى حيرة واختلاف، منهم مَن يأخذها على ظاهرها ويعتقد أن ذلك هو مراد الله من كلامه، وإذا عارضه ما يُنقل فى كتب التفسير على خلافه فربما كذَّب به أو أشكل عليه، ومنهم مَن يكذبها على الإطلاق، ويرى أنها تقوُّل على الله وبهتان، ليتهم فعلوا ذلك، إذن لأراحونا من هذه الحيرة، وأراحوا أنفسهم من كلام الناس فيهم، وقذف البعض لهم بالكفر والإلحاد فى آيات الله!!
* *

شروط قبول التفسير الإشارى

تبين لنا فيما سبق أن التفسير الإشارى منه ما هو مقبول، ومنه ما ليس بمقبول، فعلينا بعد ذلك أن نذكر الشروط التى يجب أن تتوفر فى التفسير الإشارى - وإن كنا تعرَّضنا لأهمها فيما سبق - حتى يكون تفسيرًا مقبولًا.. وإليك هذه الشروط:
أولًا: أن لا يكون التفسير الإشارى منافيًا للظاهر من النظم القرآنى الكريم.
 
٢ ‏/ ٢٧٩
 
ثانيًا: أن يكون له شاهد شرعى يؤيده.
ثالثًا: أن لا يكون له معارض شرعى أو عقلى.
وهذه الشروط الثلاثة قد أوضحناها فيما سبق، فلا حاجة بنا إلى إعادة توضيحها.
رابعًا: أن يدَّعى أن التفسير الإشارى هو المراد وحده دون الظاهر، بل لا بد أن نعترف بالمعنى الظاهر أولًا، إذ لا يطمع فى الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر «ومَن ادّعى فهم أسرار القرآن ولم يُحَكِّم التفسير الظاهر فهو كمن ادَّعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب».
إذا علمتَ هذا، علمتَ بصورة قاطعة أنه لا يمكن لعاقل أن يقبل ما نُقِل عن بعض المتصوفة من أنه فسَّر قوله تعالى فى الآية [٢٥٥] من سورة البقرة: ﴿مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ فقال: معناه «من ذل» من الذل «ذى» إشارة إلى النفس «يشف» من الشفاء «ع» أمر من الوعى. وما نُقِل عن بعضهم من أنه فسَّر قوله تعالى فى الآية [٦٩] من سورة العنكبوت: ﴿وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين﴾ .. فجعل «لمع» فعلًا ماضيًا بمعنى أضاء، و«المحسنين» مفعوله.
هذا التفسير وأمثاله إلحاد فى آيات الله، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ﴾ [فصلت: ٤٠] .. قال الألوسى فى تفسير هذه الآية: «أى ينحرفون فى تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة فيحملونها على المحامل الباطلة، وهو مراد ابن عباس بقوله: يضعون الكلام فى غير موضعه».
هذه هى الشروط التى إذا توفرت فى التفسير الإشارى كان مقبولًا، ومعنى كونه مقبولًا عدم رفضه لا وجوب الأخذ به، أما عدم رفضه فلأنه غير مناف للظاهر ولا بالغ مبلغ التعسف، وليس له ما ينافيه أو يعارضه من الأدلة الشرعية.
وأما عدم وجوب الأخذ به، فلأنه من قبيل الوجدانيات، والوجدانيات لا تقوم على دليل ولا تستند إلى برهان، وإنما هى أمر يجده الصوفى من نفسه، وسر بينه وبين ربه. فله أن يأخذ به ويعمل على مقتضاه، دون أن يُلزم به أحدًا من الناس سواه.
* * *
 
٢ ‏/ ٢٨٠
 
أهم كتب التفسير الإشارى

 
١- تفسير القرآن العظيم (للتسترى)

* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس بن عيسى بن عبد الله، التسترى، المولود بتُسْتَر سنة ٢٠٠ هـ (مائتين) وقيل سنة ٢٠١ (إحدى ومائتين من الهجرة) .
كان ﵀ من كبار العارفين، ولم يكن له فى الورع نظير. وكان صاحب كرامات، ولقى الشيخ ذا النون المصرى ﵀ بمكة. وكان له اجتهاد وافر ورياضة عظيمة. أقام بالبصرة زمنًا طويلًا، وتوفى بها سنة ٢٨٣ هـ (ثلاث وثمانين ومائتين)، قيل سنة ٢٧٣ هـ (ثلاث وسبعين ومائتين)، فرحمه الله رحمه واسعة.
* *
*
 
٢ ‏/ ٢٨١
 
التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
هذا التفسير مطبوع فى مجلد صغير الحجم، ولم يتعرَّض فيه مؤلفه لتفسير القرآن آية آية، بل تكلم عن آيات محدودة ومتفرقة من كل سورة. ويظهر لنا أن سهلًا - رضى الله عنه - لم يؤلف هذا الكتاب، وإنما هى أقوال قالها سهل فى آيات متفرقة من القرآن الكريم، ثم جمعها أبو بكر محمد بن أحمد البلدى، المذكور فى أول الكتاب، والذى يقول كثيرًا: قال أبو بكر: سئل سهل عن معنى كذا. فقال كذا، ثم ضمنها هذا الكتاب ونسبها إليه.
نقرأ فى هذا الكتاب، فنجد مؤلفه يقدم له بمقدمة يوضح فيها معنى ظاهر القرآن وباطنه، ومعنى الحد والمطلع، فيقول: «ما من آية فى القرآن إلا ولها أربعة معان: ظاهر، وباطن، وحد، ومطلع. فالظاهر: التلاوة، والباطن: الفهم، والحد: حلالها وحرامها. والمطلع: إشراق القلب على المراد بها. فقهًا من الله ﷿. فالعلم الظاهر علم عام، والفهم لباطنه والمراد به خاص.. قال تعالى فى الآية [٧٨] من سورة النساء: ﴿فَمَالِ هاؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾: أي لا يفقهون خطابًا».
ويقول فى موضع آخر: قال سهل: إن الله تعالى ما استولى ولياُ من أُمة محمد ﷺ إلا علَّمه القرآن، إما ظاهرًا وإما باطنًا. قيل له: إن الظاهر نعرفه فالباطن ما هو؟ قال: فهمه، وإن فهمه هو المراد".
فمن هاتين العبارتين، نأخذ أن سهلًا التسترى يرى: أن الظاهر هو المعنى اللُّغوى المجرَّد، وأن الباطن هو المعنى الذى يُفهم من اللَّفظ ويريده الله تعالى من كلامه.. كما نأخذ منه: أنه يرى أن المعانى الظاهرة أمر عام يقف عليها كل مَن يعرف اللِّسان العربى، أما المعانى الباطنة، فأمر خاص يعرفه أهل الله بتعليم الله إياهم وإرشادهم إليه.
كذلك نجد سهلًا - رضى الله عنه - لم يقتصر فى تفسيره على المعانى الإشارية وحدها، بل نجده يذكر أحيانًا المعانى الظاهرة، ثم يعقبها بالمعانى الإشارية، وقد يقتصر أحيانًا على المعنى الإشارى وحده، كما يقتصر أحيانًا على المعنى الظاهرى، بدون أن يعرج على باطن الآية.
وحين يعرض سهل للمعانى الإشارية لا يكون واضحًا فى كل ما يقوله، بل تارة بالمعانى الغريبة التى نستبعد أن تكون مرادة لله تعالى، وذلك كالمعانى التى نقلناها عنه
 
٢ ‏/ ٢٨٢
 
سابقًا فى معنى البسملة، و»آلم«فاتحة البقرة، وتارة يأتى بالمعانى الغريبة التى يمكن أن تكون من مدلول اللَّفظ أو مما يشير إليه اللَّفظ، وذلك هو الغالب فى تفسيره.
كذلك نجد المؤلف ينحو فى كتابه هذا منحى تزكية النفوس، وتطهير القلوب، والتحلى بالأخلاق والفضائل التى يدل عليها القرآن ولو بطريق الإشارة.. وكثيرًا ما يسوق من حكايات الصالحين وأخبارهم ما يكون شاهدًا لما يذكره، كما أنه يتعرض في بعض الأحيان لدفع إشكالات قد ترد على ظاهر اللَّفظ الكريم، وإليك نماذج من تفسيره.
فى سورة الأعراف عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٤٨]: ﴿واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ يقول ما نصه:»عجل كل إنسان مَا أقبل عَلَيه فأعرض به عن الله من أهل وولد، ولا يتخلص من ذلك إلا بعد إفناء جميع حظوظه من أسبابه، كما لم يتخلص عَبَدة العجل من عبادته إلا بعد قتل النفوس«.
وفى سورة الشعراء عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧٨-٨٢] حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين﴾ .. يقول ما نصه: ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ أى الذى خلقنى لعبوديته يهدينى إلى قُرْبه، ﴿والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ قال: يطعمنى لذة الإيمان ويسقينى شراب التوكل والكفاية، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ قال: يعنى إذا تحركت بغيره لغيره عصمنى، وإذا ملت إلى شهوة من الدنيا منَعها علىّ، ﴿والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ قال: الذى يميتنى ثم يحيينى بالذكر، ﴿والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين﴾ قال: أخرج كلامه على شروط الأَدب بين الخوف والرجاء، ولم يحكم عليه بالمغفرة».
وفى سورة الصافات عند قوله تعالى فى الآية [١٠٧]: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال ما نصه: «إبراهيم ﵊ لما أحب ولده بطبع البشرية، تداركه من الله فضله وعصمته حتى أمره بذبحه، إذ لم يكن المراد منه تحصيل الذبح، وإنما كان المقصود تخليص السر من حب غيره بأبلغ الأسباب، فلما خلص السر له، ورجع عن عادة الطبع، فداه بذبح عظيم».
فهذه المعانى كلها مقبوله ويمكن إرجاعها بدون تكلف إلى اللَّفظ القرآنى بدون
 
٢ ‏/ ٢٨٣
 
معارضة شرعية أو عقلية.. والكتاب - فى الغالب - يسير على هذه الطريقة، وهى لا شوب فيها.
* * *



٢- حقائق التفسير (للسلمى)

* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير، هو أبو عبد الرحمن، محمد بن الحسين بن موسى، الأزدى السلمى، المولود سنة ٣٣٠ هـ (ثلاثين وثلاثمائة من الهجرة)، وقيل غير ذلك.
كان ﵀ شيخ الصوفية وعالمهم بخراسان، له اليد الطولى فى التصوف، والعلم الغزير، والسير على سنن السَلَف، أخذ الطريق عن أبيه، فكان موفقًا فى جميع علوم الحقائق ومعرفة طريق التصوف. وكان على جانب عظيم من العلم بالحديث، حتى قيل: إنه حدَّث أكثر من أربعين سنة إملاءً وقراءة. وكتب الحديث بنيسابور، ومرو، والعراق، والحجاز، وصنّف سننًا لأهل خراسان، وأخذ عنه بعض الحفَّاظ: منهم الحاكم أبو عبد الله، وأبو القاسم القشيرى، وغيرهما، ولقد خلَّف ﵀ من الكتب ما يزيد على المائة: منها ما هو فى علوم القوم، ومنها ما هو فى التاريخ، ومنها ما هو فى الحديث، ومنها ما هو فى التفسير.
ولكن السلمى مع وفرة جلالته، وعظيم منزلته بين مريديه، لم يسلم كغيره من الصوفية من الطعن عليه، قال الخطيب: قال محمد بن يوسف النيسابورى القطان: كان السلمى غير ثقة، يضع للصوفية، وكأن الخطيب لم يرض هذا الطعن فيه، فقال حكاية هذا القول: «قدر أبى عبد الرحمن عند أهل بلده جليل، وكان مع ذلك محمودًا صاحب حديث».. قال ابن السبكى صاحب طبقات الشافعية: «قول الخطيب فيه هو الصحيح، وأبو عبد الرحمن ثقة، ولا عبرة بهذا الكلام فيه» هذا.. وقد كانت وفاته سنة ٤١٢ هـ (اثنتى عشرة وأربعمائة من الهجرة)، فرحمه الله رحمة واسعة.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
يقع هذا التفسير فى مجلد واحد كبير الحجم، ومنه نسختان مخطوطتان بالمكتبة الأزهرية.
قرأت فى هذا التفسير، فوجدته يستوعب جميع سور القرآن، ولكنه لا يتعرض لكل الآيات بل يتكلم عن بعضها ويُغضى عن بعضها الآخر، وهو لا يتعرض فيه لظاهر القرآن، وإنما جرى فى جميع ما كتبه على نمط واحد، وهو التفسير الإشارى،
 
٢ ‏/ ٢٨٤
 
وهو إذ يقتصر على ذلك لا يعنى أن التفسير الظاهر غير مراد، لأنه يُصرِّح فى مقدمة تفسيره: أنه أحب أن يجمع تفسير أهل الحقيقة فى كتاب مستقل كما فعل أهل الظاهر.
ثم إن أبا عبد الرحمن السلمى. لم يكن له مجهود فى هذا التفسير أكثر من أنه جمع مقالات أهل الحقيقة بعضها إلى بعض، ورتبها على حسب السور والآيات، وأخرجها للناس فى كتاب سماه «حقائق التفسير.»
وأهم مَن ينقل عنه السلمى فى حقائقه: جعفر بن محمد الصادق، وابن عطاء الله السكندرى، والجنيد، والفضيل بن عياض، وسهل بن عبد الله التسترى، وغيرهم كثير.
وإليك بعض ما قاله فى مقدمته لتعلم أن السلمى حين اقتصر على المعانى الإشارية لم يجحد المعانى الظاهرة للقرآن، ولتعلم أيضًا أن مجهوده فى هذا التفسير إنما هو الجمع والترتيب.
قال ﵀: «.. لما رأيت المتوسمين بالعلوم الظواهر سبقوا فى أنواع فرائد القرآن: من قراءات، وتفاسير، ومشكلات، وأحكام، وإعراب، ولغة، ومجمل، ومفسر، وناسخ، ومنسوخ، ولم يشتغل أحد منهم بجمع فهم خطابه على لسان الحقيقة إلا آيات متفرقة، نُسبت إلى أبى العباس ابن عطاء، وآيات ذُكِر أنها عن جعفر بن محمد، على غير ترتيب، وكنت قد سمعت منهم فى ذلك حروفًا استحسنتها، أحببت أن أضم ذلك إلى مقالتهم، وأضم أقوال مشايخ أهل الحقيقة إلى ذلك، وأرتبه على السور حسب وسعى وطاقتى، واستخرتُ الله فى جمع شىء من ذلك، واستعنتُ به فى ذلك وفى جميع أُمورى، وهو حسبى ونعم المعين».
* *
* طعن بعض العلماء على هذا التفسير:
غير أن الاقتصار على المعانى الإشارية، والإعراض عن المعانى الظاهرة فى هذا المؤلَّف، ترك للعلماء مجالًا للطعن على هذا التفسير وعلى صاحبه من أجله، فالجلال السيوطى ﵀ يذكر أبا عبد الرحمن السلمى فى كتابه «طبقات المفسرين» ضمن من صَنَّف فى التفسير من المبتدعة ويقول: «وإنما أوزدته فى هذا القسم لأن تفسيره غير محمود». والحافظ الذهبى ﵀ يقول عن السلمى: «.. وله كتاب يقال له حقائق التفسير، وليته لم يُصَنِّفه. فإنه تحريف وقرمطة، ودونك الكتاب فسترى العجب»، ويقول السبكى فى «طبقات الشافعية»: "وكتاب حقائق التفسير،
 
٢ ‏/ ٢٨٥
 
كثر الكلام فيه من قِبَل أنه اقتصر فيه على ذكر تأويلات، ومحال للصوفية ينبو عنها اللَّفظ».
وقد مَرَّ بك آنفًا أن الإمام أبا الحسن الواحدى قال: «صَنَّف أبو عبد الرحمن السلمى حقائق التفسير، فإن كان اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر».
وهذا هو الإمام ابن تيمية يطعن على تفسير السلمى من ناحية أخرى فيقول: «وما يُنقل فى حقائق السلمى عن جعفر الصادق عامته كذب على جعفر كما قد كذب عليه فى غير ذلك».
* *
* رأينا فى هذه الطعون:
هذا.. وإنَّ عَدَّ السيوطى السلمى فى ضمن المفسِّرين من أهل البدع غلو منه وإجحاف.
وما قاله الذهبى من أن ما فى الحقائق تحريف وقرمطة - يريد أنه كتفسير القرامطة من الباطنية - فهذا غير صحيح، لأن الرجل يقر الظواهر على ظواهرها، والقرامطة بخلاف ذلك.
وأما ما قاله السبكى من أن السلمى قد اقتصر فى حقائقه على تأويلات للصوفية ينبو عنها اللَّفظ فهذه كلمة حق لا غبار عليها.
وأما قول الواحدى: إنه لو اعتقد أن ما فى الحقائق تفسير لكفر باعتقاده هذا، فنقول فيه: إن أبا عبد الرحمن لم يعتقد أن هذا تفسير، وإنما قال: إنه إشارات تخفى وتدق إلا على أربابها، كما صرَّح بذلك فى مقدمة حقائق التفسير.
وأما قول ابن تيمية: إن ما يُنقل فى حقائق السلمى من التفسير عن جعفر عامته كذب على جعفر، فهذه كلمة حق من ابن تيمية، إذ أن غالب ما جاء فيه عن جعفر الصادق كله من وضع الشيعة عليه، ولست أدرى كيف اغتر السلمى وهو العالم المحدِّث بمثل هذه الروايات المختلفة الموضوعة ...
* *
* نماذج من تفسير السلمى:
وإذ قد فرغنا من الحديث على حقائق التفسير، فاسمع بعض ما جاء فيه، لتحم أنت بدورك عليه ...
فى سورة النساء عند قول الله تعالى فى الآية [٦٦]: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ .. يقول: "قال محمد بن الفضل: ﴿اقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ بمخالفة هواها، ﴿أَوِ اخرجوا مِن دِيَارِكُمْ﴾ أى أخرجوا
 
٢ ‏/ ٢٨٦
 
حب الدنيا من قلوبكم ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ فى العدد، كثير فى المعانى، وهم أهل التوفيق والولايات الصادقَة».
وفى سورة الرعد عند قوله تعالى فى الآية [٣]: ﴿وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ .. يقول: «قال بعضهم: هو الذى بسط الأرض وجعل فيها أوتادًا من أوليائه وسادة من عبيده فإليهم الملجأ، وبهم النجاة، فمَن ضرب فى الأرض يقصدهم فاز ونجا، ومَن كان بغيته لغيرهم خاب وخسر. سمعت علىّ بن سعيد يقول: سمعت أبا محمد الحريرى يقول: كان فى جوار الجنيد إنسان مصاب فى خربة؛ فلما مات الجنيد وحملنا جنازته حضر الجنازة، فلما رجعنا تقدم خطوات وعلا موضعًا من الأرض عاليًا، فاستقبلنى بوجهه وقال: يا أبا محمد؛ إنى لراجع إلى تلك الخربة وقد فقدت ذلك السيد، ثم أنشد شعرًا:
وما أسفى من فراق قوم ... هم المصابيح، والحصون
والمدن، والمزن، والرواسى ... والخير، والأمن، والسكون
لم تتغير لنا الليالى ... حتى توفتهم المنون
فكل جمر لنا قلوب ... وكل ماء لنا عيون»
وفى سورة الحج عند قوله تعالى فى الآية [٦٣]: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً﴾ .. يقول: قال بعضهم: أنزل مياه الرحمةَ من سحائب القُربة، وفتح إلى قلوب عباده عيونًا من ماء الرحمة، فأنبتت فاخضرت بزينة المعرفة، وأثمرت الإيمان، وأينعت التوحيد. أضاءت بالمحبة فهامت إلى سيدها، واشتاقت إلى ربها فطارت بهمتها، وأناخت بين يديه، وعكفت فأقبلت عليه، وانقطعت عن الأكوان أجمع، ذاك آواها الحق إليه، وفتح لها خزائن أنواره، وأطلق لها الخيرة فى بساتين الأُنس، ورياض الشوق والقدس«.
وفى سورة الرحمن عند قوله تعالى فى الآية [١١]: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ والنخل ذَاتُ الأكمام﴾ .. يقول:»قال جعفر: جعل الحق تعالى فى قلوب أوليائه رياض أُنسه، فغرس فيها أشجار المعرفة، أُصولها ثابتة فى أسرارهم، وفروعها قائمة بالحضرة فى المشهد، فهم يجنون ثمار الأُنس فى كل أوان، وهو قوله تعالى: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ والنخل ذَاتُ الأكمام﴾ أى ذات الألوان، كل يجتنى منه لونًا علَى قدر سعته، وما كوشفت له من بوادى المعرفة وآثار الولاية".
وفى سورة الانفطار عند قوله تعالى فى الآيتين [١٣، ١٤]: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ *
 
٢ ‏/ ٢٨٧
 
وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ .. يقول: «قال جعفر: النعيم المعرفة والمشاهدة، والجحيم النفوس، فإن لها نيران تتقد».
وفى سورة النصر عند قوله تعالى فى أولها: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ .. يقول: «قال ابن عطاء الله: إذا شغلك به عما دونه فقد جاءكَ الفتح من الله تعالى، والفتح هو النجاة من السجن البشرى بلقاء الله تعالى».
* * *


٣- عرائس البيان فى حقائق القرأن (لأبى محمد الشيرازى)

* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو أبو محمد روزبهان بن أبى النصر، البقلى، الشيرازى الصوفى، المتوفى سنة ٦٦٦ هـ (ستة وستون وستمائة من الهجرة النبوية) .
* *
* التعريف بهذا التفسير:
جرى مؤلف هذا التفسير على نمط واحد وهو التفسير الإشارى، ولم يتعرض للتفسير الظاهر بحال، وإن كان يعتقد أنه لا بد منه أولًا، يدل على ذلك قوله فى المقدمة: «ولما وجدتُ أن كلامه الأزلى لا نهاية له فى الظاهر والباطن، ولم يبلغ أحد إلى كماله وغاية معانيه، لأن تحت كل حرف من حروفه بحرًا من بحار الأسرار، ونهرًا من أنهار الأنوار، لأنه وصف القديم، وكمال لا نهاية لذاته ولا نهاية لصفاته.. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله﴾ [لقمان: ٢٧]، وقال: ﴿قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، فتعرضتُ أن أغرف من هذه البحور الأزلية غرفات من حكم الأزليات، والإشارات والأبديات، التى تقصر عنها أفهام العلماء وعقول الحكماء، اقتداءً بالأولياء، وأُسوة بالخلفاء، وسُنَّة للأصفياء، وصنَّفتُ فى حقائق القرآن، ولطائف البيان، وإشارة الرحمن فى القرآن، بألفاظ لطيفة وعبارات شريفة، وربما ذكرت تفسير آية لم يفسِّرها المشايخ، ثم أردفتُ بعد قولى أقوال مشايخى مما عباراتها ألطف، وإشاراتها أظرف ببركاتهم، وتركتُ كثيرًا منها ليكون كتابى أخف محملًا وأحسن تفصيلًا، واستخرتُ الله تعالى فى ذلك، واستعنتُ به، ليكون موافقًا لمراده، ومواطئًا لسُنَّة رسوله وأصحابه وأولياء أُمَّته، وهو حسبى وحسب كل ضعيف.. وسميته بـ»عرائس البيان فى حقائق القرآن" ... إلخ.
 
٢ ‏/ ٢٨٨
 
فأنت ترى من هذه المقدمة أن صاحبنا يعترف بالمعانى الظاهرة للقرآن، ويقرر أن ما ذكره فى كتابه ما هو إلا سوانح سنحت له من حقائق القرآن، وإشارات تجلَّت له من جانب الرحمن، كما ترى فيها وصفة لكتابه والمسلك الذى سلكه فيه، غير أنى ألحظ فى قوله: «واستعنتُ به لمراده، ومواطئًا لسُنَّة رسوله» أنه يريد أن يقرر أن كل ما فى كتابه من المعانى ليس إلا تفسيرًا لكتاب الله وبيانًا لمراده منه، وهذا هو ما لا نقره عليه، ولا نُسلِّمه له، لأن هذه المعانى الغريبة التى يأتى بها فى تفسيره لا يمكن أن تكون داخلة تحت مدلول اللَّفظ القرآنى، ولا يعقل أن تكون مرادة لله تعالى من خطابه لأفراد الأُمة، وحسبه أن نقره على أنها ذكر لنظير ما ورد به القرآن.
وإليك بعض ما جاء فى هذا التفسير:
فى سورة التوبة عند قوله تعالى فى الآية [٩١]: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ .. يقول: «وصف الله زُمرة أهل المراقبات، ومجالس المحاضرات، والهائمين فى المشاهدات. والمستغرقين فى بحار الأزليات، الذين أنحلوا جسومهم بالمجاهدات، وأمرضوا نفوسهم بالرياضات، وأذابوا قلوبهم بدوام الذكر، وجولانها فى الفكر، وخرجوا بعقائدهم الصافية، عن الدنيا الفانية بمشاهدته الباقية، بأن رفع عنهم بفضله حَرَج الامتحان، وأبقاهم فى مجلس الأُنس ورياض الإيقان، وقال: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضعفآء﴾ يعنى الذين أضعفهم حمل أوقار المحبة، ﴿وَلاَ على المرضى﴾ الذين أمرضهم مرارة الصبابات، ﴿وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ﴾ الذين يتجردون عن الأكوان بتجريد التوحيد وحقائق التفريد، ﴿حَرَجٌ﴾: عتاب من جهة العبودية والمجاهدة، لأنهم مقتولون بسيف المحبة، مطروحون بباب الوصلة، ضعفهم من الشوق، ومرضهم من الحب، وفقرهم من حسن الرضا».
وفى سورة النحل عند قوله تعالى فى الآية [٨١]: ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ .. يقول: «يعنى ظلال أوليائه، ليستظل بها المريدون من شدة حر الهجران، ويأوون إليها من قهر الطغيان، وشياطين الإنس والجان، لأنهم ظلال الله فى أرضه، لقوله ﵇:»السلطان ظل الله فى أرضه، يأوى إليه كل مظلوم"، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أَكْنَانًا﴾ أكنان الجبال: قلوب أكابر المعرفة، وظلال أهل السعادة من أهل المحبة، يسكن فيها المنقطعون إلى الله، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ جعل للعارفين سرابيل روح الأُنس، لئلا يحترقوا
 
٢ ‏/ ٢٨٩
 
بنيران القدس، ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ سرابيل المعرفة وأسلحة المحبة، لتدفعوا بها محاربة النفوس والشياطين، ثم زاد نعته ومنَّته عليهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ .
وفى سورة النمل عند قوله تعالى فى الآيتين [٢٠، ٢١]: ﴿وَتَفَقَّدَ الطير فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ .. يقول: «إن طير الحقيقة لسليمان طير قلبه فتفقده ساعة، وكان قلبه غائبًا فى غيب الحق، مشغولًا بالمذكور عن الذكر، فتفقده وما وجده. فتعجب من شأنه.. أين قلبه إن لم يكن معه؟.. فظن أنه غائب عن الحق وكان فى الحق غائبًا، وهذا شأن غيبة أهل الحضور من العارفين ساعات لا يعرفون أين هم، وهذا من كمال استغراقهم فى الله، فقال: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: لأُعذبنه بالصبر على دوام المراقبة والرعاية، وألقينه فى بحر النكرة من المعرفة، ليفنى ثم يفنى عن الفناء، أو أذبحنه بسيق المحبة أو بسيف العشق، أو ليأتينى من الغيب بسواطع أنوار أسرار الأزل..».
هذا.. والكتاب مطبوع فى جزءين، يضمهما مجلد كبير، وتوجد منه نسخة بالمكتبة الأزهرية.
* * *


٤- التأويلات النجمية (لنجم الدين داية، وعلاء الدولة السمنانى)

* التعريف بمؤلفى هذا التفسير:
ألَّف هذا التفسير نجم الدين داية، ومات قبل أن يتمه، فأكمله من بعده علاء الدولة السمنانى، وسنوضح ذلك فيما بعد عند الكلام عن هذا التفسير، إذن فقد اشترك نجم الدين داية وعلاء الدولة السمنانى فى هذا التفسير، وإذن لزم الكلام عن حياة كل من الشيخين.
* أما نجم الدين داية:
فهو الشيخ نجم الدين، أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن شاهادر الأسدى الرازى المعروف بـ «داية»، المتوفى سنة ٦٥٤هـ (أربع وخمسون وستمائة من الهجرة) .
كان من خيار الصوفية "أخذ الطريق عن شيخه نجم الدين أبى الجناب المعروف بالبكرى، وكان مقيمًا أول أمره بخوارزم، ثم خرج منها أيام حروب جنكيز خان إلى بلاد الروم، وهناك لقى صدر الدين القنوى وأخذ عنه، ويقال: إنه استشهد فى حروب
 
٢ ‏/ ٢٩٠
 
جنكيز خان، كما يقال إنه مدفون بالشونزية ببغداد، قرب السرى السقطى والجنيد».
* وأما علاء الدولة السمنانى:
فهو أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد السمنانى، البيانانكى، الملقب بعلاء الدولة، وركن الدين، والمولود سنة ٦٥٩ هـ (تسع وخمسين وستمائة) . تفقه وطلب الحديث على كثير من شيوخ عصره، حتى برع فى العلم، قال الذهبى: «كان إمامًا جامعًا. كثير التلاوة، وله وقع فى النفوس، وكان يحط على ابن عربى ويُكَفِّره، وكان مليح الشكل، حسن الخُلُق، غزير الفتوة، كثير البر، يحصل له من أملاكه نحو تسعين ألفًا فينفقها فى القرب. أخذ عن صدر الدين بن حمويه، وسراج الدين القزوينى، وإمام الدين بن علىّ مبارك البكرى. وذكر أن مصنفاته تزيد على ثلاثمائة».
وذكره الأسنوى فى طبقاته وقال: «كان عالمًا مرشدًا، له كرامات وتصانيف فى التفسير والتصوف وغيرهما»، ومن مصنفاته مدارج المعارج، وتكملة التأويلات النجمية. وذكر صاحب كشف الظنون أن له تفسيرًا كبيرًا فى ثلاثة عشر مجلدًا، ولكن لم يبين لنا إن كان هذا التفسير على طريقة القوم أو طريقة المفسِّرين. وكان ﵀ قد دخل بلاد التتار، ثم رجع وسكن تبريز وبغداد، ومات فى رجب سنة ٧٣٦ هـ (ست وثلاثين وسبعمائة من الهجرة) .
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفيه فيه:
يقع هذا التفسير فى خمس مجلدات كبار، ومنه نسخة مخطوطة بدار الكتب، وهى التى رجعنا إليها. ينتهى المجلد الرابع عند قوله تعالى فى الآيتين [١٧، ١٨] من سورة الذاريات: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ * وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .. وهذا هو نهاية ما وصل إليه نجم الدين داية فى تفسيره، أما المجلد الخامس، فهو تكملة لهذا التفسير، كتبه علاء الدولة وجعله تتمة لكتاب نجم الدين داية، وقد قدَّم لهذه التكملة بمقدمة طويلة لا يفهمها إلا مَن يعرف لغة القوم واصطلاحاتهم، ولهذا يقول فيها: «.. ولا يؤمن أحد بالذى قلته إلا بعد السلوك، ومشاهدته من حيث العيان ما سمعه من هذا البيان..»، ثم بعد أن فرغ من المقدمة، فسَّر الفاتحة على طريقة القوم، مع
 
٢ ‏/ ٢٩١
 
أن نجم الدين فسَّرها أول الكتاب. ثم بعد ذلك ابتدأ بسورة الطور، وانتهى عند آخر القرآن. ويُلاحَظ أنه لم يكمل تفسير سورة الذاريات، التى مات نجم الدين قبل أن يفرغ من تفسيرها.
والذى يقرأ فى هذا التفسير، ويقارن بين ما كتبه نجم الدين داية، وبين ما كتبه السمنانى، يلحظ أن هناك فرقًا بين التفسيرين، ذلك أن الجانب الذى كتبه نجم الدين يتعرض فيه أحيانًا للتفسير الظاهر، ثم يعقبه بالتفسير الإشارى قائلًا: والإشارة فيه إلى كذا وكذا، وما يذكره من التفسير الإشارى سهل المأخذ، لأنه لا يقوم على قواعد من الفلسفة الصوفية. كما أنه يربط بين الآيات.
أما الجانب الذى كتبه السمنانى فلا يعرج فيه على المعانى الظاهرة، كما أنه ليس فيه السهولة التى فى الجانب الذى كتبه نجم الدين، بل هو تفسير معقد مغلق، والسر فى ذلك: أنه بناه على قواعد فلسفية صوفية، هذه القواعد ذكرها فى مقدمة التكملة، وهى يطول ذكرها، ويصعب فهمها، ويكفى أن أشير هنا إلى بعض منها.
فمثلًا نراه يقرر فى هذه المقدمة: أن كل آية لها سبعة أبطن، كل بطن يخالف الآخر، ثم يوضح لنا هذه البطون السبعة: فبطن مخصوص بالطبقة القالبية، وبطن مخصوص باللطيفة النفسية، وبطن مخصوص باللطيفة القلبية، وبطن مخصوص باللطيفة السرية، وبطن مخصوص باللطيفة الروحية، وبطن مخصوص باللطيفة الخفية، وبطن مخصوص باللطيفة الحقية، ولتوضيح ذلك فسَّر لنا قوله تعالى فى الاية [٤٣] من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾ ... الآية، على هذه البطون السبعة سبع تفسيرات، كل يخالف الآخر. ثم هو لم يقف عند هذا الحد، بل تعدَّاه إلى القول بأن لكل آية سبعين بطنًا بل سبعمائة، ووضَّح ذلك بكلام يطول ذكره.
وعلى الجملة.. فهذا التفسير المعروف بالتأويلات النجمية يُعَد من أهم كتب التفسير الإشارى، وهو أقرب إلى الفهم من غيره لولا هذه التكملة. وإليك نماذج منه. بعضها لنجم الدين وبعضها لعلاء الدولة، لتعرف الفرق بين التفسيرين وتلمس اختلاف المشربين:
* من تأويلات نجم الدين:
فى سورة البقرة عند قوله تعالى فى الآية [٢٤٩]: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ .. يقول: "والإشارى فيها: أن الله تعالى ابتلى الخلق بنهر الدنيا، وماء
 
٢ ‏/ ٢٩٢
 
زينتها، وما زَيَّن للخلق فيها، لقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات مِنَ النساء والبنين﴾ [آل عمران: ١٤] .. الآية، ليُظهر المحسن من المسىء، وليُميز الخبيث من الطيب، والمقبول من المردود، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .. ثم امتحنهم وقال تعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني﴾ يعنى من أوليائه، ومحبى وطلابى، وله اختصاص بقربى، وقبولى، والتخلق بأخلاقى، ونيل الكرامة منى، كان النبى ﷺ يقول: «أنا من الله، والمؤمنون منى»، ﴿إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾: يعنى: مَن قنع من متاع الدنيا على ما لا بد منه: من المأكول، والمشروب، والملبوس، والمسكن، وصحبة الخلق. على حد الاضطرار بمقدار القوام، كما كان النبى ﷺ وأصحابه. وكان يقول: «اللَّهم ارزق آل محمد قوتًا» - أي ما يمسك رمقهم«.
وفى سورة التوبة عند قوله تعالى فى الآية [١٢٣]: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ .. يقول: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ﴾ أي صدَّقوا محمدًا ﷺ فيما دلَّهم إلى الله بإذنه، ﴿قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار﴾ أى جاهدوا كفار النفس وصفاتها بمخالفة هواها صفاتها، وتبديلها وحملها على طاعة الله، والمجاهدة فى سبيله، فإنها تحجبك عن الله، ﴿وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ أى عزيمة صادقة فى فنائها بترك شهواتها ولذَّاتها ومستحسناتها، ومنازعتها فى هواها، وحملها على المتابعة فى طلب الحق، ﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ بجذبة الوصول، ليتقوا به عما سواه، كما يتقى المرء بترسه عن النشاب، والرمح والسيف».
وفى سورة يوسف عند قوله تعالى فى الآيتين [٣٠، ٣١]: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة امرأة العزيز تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هاذا بَشَرًا إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ .. يقول: "يشير بالنسوة إلى صفات البشرية النفسانية من البهيمية، والسبعية، والشيطانية فى مدينة الجسد، ﴿امرأة العزيز﴾ وهى الدنيا، ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ تطالب عبدها وهو القلب. كان عبدًا فى البداية لحاجته إليها للتربية. قلما كمل القلب وصفا عن دنس البشرية استأهل المنظر الإلهى، فتجلى له الرب ﵎ فتنوّر القلب بنور جماله وجلاله، فاحتاج إليه كل شىء، وسجد له حتى الدنيا، ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أى أحبته الدنيا غاية الحب، لما ترى عليه آثار جمال الحق.
 
٢ ‏/ ٢٩٣
 
ولما لم يكن لنسوة صفات البشرية اطلاع على جمال يوسف القلب، كن يلمن الدنيا على محبته، فقلن: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ .. ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ﴾ زليخا الدنيا ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ فى ملامتها، ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ أى الصفات، ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا﴾ أى هيأت طعمة مناسبة لكل صفة منها، ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ وهو سكين الذكر، ﴿وَقَالَتِ﴾ زليخا الدنيا ليوسف القلب، ﴿اخرج عَلَيْهِنَّ﴾ وهو إشارة إلى غلبة أحوال القلب على صفات البشرية، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ﴾ أى وقعن على جماله وكماله، ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أكبرن جماله أن يكون جمال بَشَر، ﴿وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هاذا بَشَرًا﴾ أى جمال بشر، ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ما هذا إلا جمال ملك كريم، وهو الله تعالى بقراءة من قرأ مَلِك - بكسر اللام«.
وفى سورة النمل عند قوله تعالى فى الآيتين [١٧، ١٨] ﴿وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ * حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ .. يقول: ﴿وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجن﴾ أى صفته الشيطانية، ﴿والإنس﴾ أى صفته النفسانية، ﴿والطير﴾، أى صفته المالكية، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ عن طبيعتهم بالشريعة. ليسخِّروا لسليمان القلب وينقادوا له، ﴿حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل﴾ وهو هوى النفس الحريصة على الدنيا وشهواتها، ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ وهى النفس اللَّوامة، ﴿ياأيها النمل﴾ أى الصفات النفسانية، ﴿ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ محالكم المختلفة وهى الحواس الخمس، ﴿لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ﴾، ﴿سُلَيْمَانُ﴾ القلب، ﴿وَجُنُودُهُ﴾ المسخَّرة له، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ لأنهم الحق، وأنتم الباطل، فإذا جاء الحق زهق الباطل، كما أن الشمس إذا طلعت تبطل الظلمة وتنفيها، وهى لا تشعر بحال الظلمة وما أصابها».
* *
* من تأويلات السمنانى:
فى سورة التحريم عند قوله تعالى فى الآية [١١]: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امرأت فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الجنة وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ .. يقول: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ يعنى القوى المؤمنة من قوى النفس اللوَّامة، ﴿امرأت فِرْعَوْنَ﴾ يعنى القوة الصالحة القابلة تحت القوة الفاسدة الفاعلة المستكبرة، ما ضرَّها كفر القوة الفاعلة الفاسدة إذا كانت صالحة هى بنفسها، ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الجنة وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾ يعنى إذ قالت اللطيفة الصالحة القابلة فى مناجاتها مع
 
٢ ‏/ ٢٩٤
 
ربها: ابن لى بيتًا فى أخص أطوار القلب، وقالت أيضًا فى مناجاتها: نجنى من هذه القوة الفاسدة والفاعلة وعملها. ونجنى من أنوائها وقواها الظالمة ...«.
وفى سورة الشمس عند قوله تعالى فى الآيات [١١] وما بعدها: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ * إِذِ انبعث أَشْقَاهَا﴾ ... (إلى أخر السورة) .
يقول: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ * إِذِ انبعث أَشْقَاهَا﴾ يعنى إذ انبعثت اللطيفة، وأسرعت إلى الطاغية انبعث أشقى قوى النفس على إثر اللطيفة الصالحة، ليعقر ناقة شوقها، ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله﴾ أى اللطيفة، ﴿نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا﴾ أى احذروا عقر ناقة الشوق وشربها من عين الذكر، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ بتكذيبهم صالح اللطيفة النفسية، وعقروا ناقة الشوق، ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ﴾، أى أهلكهم الله، ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أى عمَّهم بذلك العذاب، ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ ولا يخاف القوى العاقرة فى عقر ناقة الشوق عاقبة الأمر، فأهلكهم بطغيانهم لرسوله وتكذيبهم إياه».
* * *


٥- التفسير المنسوب لابن عربى

* مَن مؤلف هذا التفسير؟
هذا التفسير طبع مجردًا من مجلدين، وطبع على هامش عرائس البيان فى حقائق القرآن، لأبى محمد بن أبى النصر الشيرازى، الصوفى، الذى تكلمنا عنه فيما مضى. وكلتا النسختين يُنسب فيهما التفسير لابن عربى، وبعض الناس يُصَدِّق هذه النسبة، ويعتقد أن هذا التفسير من عمل ابن عربى نفسه، والبعض الآخر لا يصدق أن هذا التفسير من عمل ابن عربى، بل يرى أنه من عمل عبد الرزاق القاشانى، وإنما نُسب لابن عربى ترويجًا له بين الناس، وتشهيرًا له بشهرة ابن عربى. وممن يرى هذا الرأى الأخير: المرحوم الشيخ محمد عبده فى مقدمة التفسير التى اقتبسها المرحوم الشيخ رشيد رضا من درسه، ورواها عنه بالمعنى، ووضعها فى مقدمة تفسير المنار. وذلك حيث يذكر وجوه التفسير يعد منها التفسير الإشارى، ثم يقول: «وقد اشتبه على الناس فيه كلام الباطنية بكلام الصوفية، ومن ذلك: التفسير الذى ينسبونه للشيخ الأكبر محيى الدين ابن عربى، وإنما هو للقاشانى الباطنى الشهير، وفيه من النزعات ما يتبرأ منه دين الله وكتابه العزيز».
ونحن مع الأستاذ الإمام فى أن هذا التفسير للقاشانى، لا «لابن عربى» وإن كنا لا نوافقه على دعواه أن القاشانى من الباطنية، كما سنوضحه بعد إن شاء الله تعالى.
 
٢ ‏/ ٢٩٥
 
هذا.. وإنى حين أميل لهذا الرأى - أعنى كون التفسير للقاشانى - أؤيده بما يأتى:
أولًا: أن جميع النسخ الخطية منسوبة للقاشانى، والاعتماد على النسخ المخطوطة أقوى، لأنها الأصل الذى أُخذت عنه النسخ المطبوعة.
ثانيًا: قال فى كشف الظنون: «تأويلات القرآن» المعروف بتأويلات القاشانى، هو تفسير بالتأويل على اصطلاح أهل التصوف إلى سورة (ص) للشيخ كمال الدين أبى الغنائم عبد الرزاق جمال الدين الكاشى السمرقندى، المتوفى سنة ٧٣٠ هـ (ثلاثين وسبعمائة)، أوله: الحمد لله الذى جعل مناظم كلامه مظاهر حسن صفاته ... «إلخ، وقد رجعنا إلى مقدمة التفسير المنسوب لابن عربى، فوجدنا أوله هذه العبارة المذكورة بنصها.
ثالثًا: فى تفسير سورة القصص من هذا الكتاب عند قوله تعالى فى الآية [٣٢]: ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب﴾ يقول:»... وقد سمعت شيخنا نور الدين عبد الصمد قدّس روحه العزيز فى شهود الوحدة ومقام الفناء عن أبيه أنه ... إلخ". ونور الدين هذا هو نور الدين عبد الصمد ابن علىّ النطنزى الأصفهانى، والمتوفى فى أواخر القرن السابع، وكان شيخًا لعبد الرزاق القاشانى، المتوفى سنة ٧٣٠هـ (ثلاثين وسبعمائة من الهجرة) . كما يُستفاد ذلك من كتاب نفحات الأنُس في مناقب الأولياء (ص ٥٣٤ - ٥٣٧) . وغير معقول أن يكون نور الدين عبد الصمد النطنزى المتوفى فى أواخر القرن السابع الهجرى شيخًا لابن عربى المتوفى سنة ٦٣٨ هـ (ثمان وثلاثين وستمائة من الهجرى) .
لهذا كله نستطيع أن نؤكد أن هذا التفسير ليس لابن عربى، وإنما هو لعبد الرزاق القاشانى الصوفى.
* * *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
هذا التفسير جمع مؤلفه فيه بين التفسير الصوفى النظرى، وبين التفسير الإشارى، ولم يتعرض فيه للكلام عن التفسير الظاهر بحال من الأحوال.
أما ما فيه من التفسير الصوفى النظرى: فغالبه يقوم على مذهب وحدة الوجود، ذلك المذهب الذى كان له أثره السئ فى تفسير القرآن الكريم.
 
٢ ‏/ ٢٩٦
 
وأما ما فيه من تفسير إشارى، فكثير منه لا نفهم له معنى، ولا نجد له فى سياق الآية أو لفظها ما يدل عليه، ولو أن المؤلف ﵀ كان واضحًا فى كلامه، كما كان التسترى واضحًا، أو جمع بين التفسير الظاهر والتفسير الباطن لهان الأمر، ولكنه لم يفعل شيئًا من ذلك، مما جعل الكتاب مغلقًا، وموهمًا لمن يقرؤه أن هذا مراد الله من كلامه، كما كان هذا هو السبب الذى من أجله قال الأستاذ الإمام فى القاشانى: إنه باطنى. وأنا مع اعترافى بأن الكتاب فى جملته أشبه ما يكون بتفسير الباطنية، من ناحية ما فيه من المعانى التى تقوم على نظرية وحدة الوجود، وما فيه من المعانى الإشارية البعيدة - مع اعترافى بهذا - أخالف كل مَن يقول: إن القاشانى من الباطنية، ذلك لأن تاريخ الرجل يشهد له بأنه كان من المتصوفة المشهود لهم بالزهد والورع، وأيضًا فإنَّا نعلم أن الباطنية ينكرون المعانى الظاهرية للقرآن، ويقولون: إن المراد هو الباطن وحده، أما صاحبنا، فلم يذهب هذا المذهب، بل نجده فى مقدمة تفسيره يعترف بأن الظاهر مراد ولا بد منه أولًا، كما نبَّه على أنه لا يحوم فى كتابه هذا حول ناحية التفسير الظاهر، ولعله فعل ذلك لأنه وجد من المفسِّرين مَن اعتنى بالظواهر دون الإشارات، فأراد هو أن يعتنى بالناحية الإشارية، دون الناحية الظاهرية للقرآن، فألَّف كتابه على النحو الذى نراه، وإليك بعض ما جاء فى هذه المقدمة، لتعلم أن الرجل ليس باطنيًا، ولتعلم أيضًا منهجه الذى نهجه فى تفسيره، وطريقته التى سار عليها فى شرحه لكتاب الله. قال ﵀:
»وبعد.. فإنى طالما تعهدتُ تلاوة القرآن، وتدبرتُ معانيه بقوة الإيمان، وكنتُ مع المواظبة على الأوراد، حَرِج الصدر، قَلِق الفؤاد، لا ينشرح بها قلبى ولا يصرفنى عنها ربى، حتى استأنستُ بها فألفتها، وذقتُ حلاوة كأسها وشربتها، فإذا أنا بها نشيط النفس، فَلِج الصدر، مُتَسِع البال، منبسط القلب، فسيح السر، طيب الوقت والحال، مسرور الروح بذلك الفتوح، كأنه دائمًا فى غبوق وصبوح، تنكشف لى تحت كل آية من المعانى ما يكل بوصفه لسانى لا القدرة تفى بضبطها وإحصائها، ولا القدرة تصبر عن نشرها وإفشائها، فتذكرت خبر من أتى ما ازدهانى، مما وراء المقاصد والأمانى، قول النبى الأُمِّى الصادق عليه أفضل الصلوات من كل صامت وناطق: «ما نزل من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع» وفهمت منه أن الظهر: هو التفسير، والبطن: هو التأويل، والحد: ما يتناهى إليه المفهوم من معنى الكلام، والمطلع: ما يصعد إليه منه فيطلع على شهود الملك العلام، وقد نُقل عن الإمام المحقق السابق جعفر بن محمد الصادق ﵇ أنه قال: لقد تجلَّى الله لعياده فى كلامه، ولكن لا يبصرون، ورُوى عنه ﵇ أنه خَرَّ مغشيًا عليه وهو فى الصلاة فسئل
 
٢ ‏/ ٢٩٧
 
عن ذلك فقال: ما زلت أردد الآية حتى سمعتها من المتكلم بها.. فرأيت أن أعلق بعض ما يسنح لى فى الأوقات من أسرار حقائق البطون وأنوار شوارق المطلعات، دون ما يتعلق بالظواهر والحدود، فإنه قد عُيِّن لها حد محدد، وقيل: مَن فسَّر برأيه فقد كفر، وأما التأويل فلا يبقى ولا يذر، فإنه يختلف بحسب أحوال المستمع وأوقاته، فى مراتب سلوكه وتفاوت درجاته، وكلما ترقى عن مقامه انفتح له باب فهم جديد، واطلع به على لطيف معنى عتيد، فشرعتُ فى تسويد هذه الأوراق بما عسى يسمح به الخاطر على سبيل الاتفاق، غير حائم بقيعة التفسير، ولا خائض فى لجة من المطلعات ما لا يسعه التقرير، مراعيًا لنطق الكتاب وترتيبه، غير معيد لما تكرر منه أو تشابه فى أساليبه، وكل ما لا يقبل التأويل عندى، أو لا يحتاج إليه فما أوردته أصلًا، ولا أزعم أنى بلغت الحد فيما أوردته كاملًا، فإن وجوه الفهم لا تنحصر فيما فهمت، وعلم الله لا يتقيد بما علمت،
ومع ذلك فما وقف الفهم منى على ما ذكر فيه، بل ربما لاح لى فيما كتب من الوجوه ما تهت فى محاويه، وما يمكن تأويله من الأحكام الظاهر منها إرادة ظاهرها فما أوَّلته إلا قليلًا، ليعلم به أن للفهم إليه سبيلًا، ويُستدل بذلك على نظائرها إن جاوز مجاوز عن ظواهرها، إذ لم يكن فى تأويلها بُدّ من تعسف، وعنوان المروءة ترك التكلف، وعسى أن يتجه لغيرى وجوه أحسن منها طوع القياد، فإن ذلك سهل لمن تيسر له من أفراد العباد. ولله تعالى فى كل كلمة كلمات ينفد البحر دون نفادها، فكيف السبيل إلى حصرها وتعدادها ... ولكنها أنموذج لأهل الذوق والوجدان، يحتذون على حذوها عند تلاوة القرآن، فينكشف لهم ما استعدوا له من مكنونات علمه، ويتجلى عليهم ما استطاعوا له من خفيات غيبه، والله الهادى لأهل المجاهدة، إلى سبيل المكاشفة والمشاهدة، ولأهل الشوق إلى مشارب الذوق، إنه ولى التحقيق، وبيده التوفيق».
فمن هذه المقدمة يمكنك أن تحكم على القاشانى بأنه صوفى لا باطنى، كما أنك تجد فيها منهجه الذى سار عليه فى تفسيره، ولو تصفحتَ الكتاب لوجدتَ أنه سار على الطريقة التى رسمها لنفسه ولم يحد عنها، وإليك نماذج منه:
* نماذج من التفسير الإشارى:
فى سورة البقرة عند قوله تعالى فى الآية [١٢٦]: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هاذا بَلَدًا آمِنًا وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بالله واليوم الآخر قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار وَبِئْسَ المصير﴾ .. يقول ما نصه: "وإذ قال إبراهيم ربِّ اجعل هذا الصدر الذى هو حرم القلب، بلدًا آمنًا من استيلاء صفات
 
٢ ‏/ ٢٩٨
 
النفس، واغتيال العدو اللَّعين، وتخطف جن القوى البدنية أهله، وارزق أهله من ثمرات معارف الروح أو حكمه أو أنواره، ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بالله واليوم الآخر﴾ مَن وَحَّدَ الله منهم وعلم المعاد، ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ﴾ أى: ومن احتجب أيضًا من الذين سكنوا الصدر، ولا يجاوزون حده بالترقى إلى مقام العين، لاحتجاجهم بالعلم الذى وعاؤه الصدر، فأُمتعه قليلًا من المعانى العقلية، والمعلومات الكلية، النازلة إليهم من عالَم الروح على قدر ما تعيَّشوا به، ثم أضطره إلى عذاب نار الحرمان والحجاب، وبئس المصير مصيرهم لتعذبهم بنقصانهم، وتألمهم بحرمانهم».
وفى سورة الأنعام عند قوله تعالى فى الآيى [٩٥]: ﴿إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي ذلكم الله فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ .. يقول ما نصه: «إن الله فالق حبة القلب بنور الروح عن العلوم والمعارف. ونور النفس بنور القلب عن الأخلاق والمكارم، ويخرج حى القلب عن ميت النفس تارة باستيلاء نور الروح عليها ومخرج ميت النفس عن حي القلب أخرى بإقباله عليها، واستيلاء الهوى وصفات النفس عليه، ذلكم الله القادر على تقليب أحوالكم، وتقليبكم فى أطواركم، فأنَّى تُصرفون عنه إلى غيره».
* * *
* نماذج من التفسير المبنى على وحدة الوجود:
فى سورة آل عمران عند قوله تعالى فى الآية [١٩١]: ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ .. يقول: «ربنا ما خلقت هذا الخلق باطلًا، أي شيئًا غيرك، فإن غير الحق هو الباطل، بل جعلته أسماءك ومظاهر صفاتك. سبحانك: ننزهك أن يوجد غيرك، أى يقارن شىء فردانيتك أو يُثَنِّى وحدانيتك..».
وفى سورة الواقعة عند قوله تعالى فى الآية [٥٧]: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ .. يقول: «نحن خلقناكم بإظهاركم بوجودنا وظهورنا فى صوركم».
وفى سورة الحديد عند قوله تعالى فى الآية [٤]: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ .. يقول: «وهو معكم أينما كنتم بوجودكم به، وظهوره فى مظاهركم».
وفى سورة المجادلة عند قوله تعالى فى الآية [٧]: ﴿مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ ... الآية، يقول: "لا بالعدد والمقارنة، بل بامتيازهم عنه بتعيناتهم. واحتجابهم عنه بماهياتهم ونياتهم، وافتراقهم منه بالإمكان اللازم لماهياتهم وهوياتهم، وتحققهم بوجوبه اللازم لذاته، واتصاله بهم بهويته المندرجة فى هوياتهم، وظهوره فى
 
٢ ‏/ ٢٩٩
 
مظاهرهم، وتستره بماهياتهم ووجوداتهم المشخصة، وإقامتها بعين وجوده، وإيجابهم بوجوبه، فبهذه الاعتبارات هو رابع معهم، ولو اعتبرت الحقيقة لكان عينهم، ولهذا قيل: لولا الاعتبارات لارتفعت الحكمة».
وفى سورة المزمل عند قوله تعالى فى الآيتين [٨، ٩]: ﴿واذكر اسم رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَّبُّ المشرق والمغرب﴾ .. يقول: «واذكر اسم ربك الذى هو أنت - أى اعرف نفسك - واذكرها، ولا تنسها، فينسك الله، واجتهد لتحصيل كمالها بعد معرفة حقيقتها، ﴿رَّبُّ المشرق والمغرب﴾ أى الذى ظهر عليك نوره، فطلع من أفق وجودك بإيجادك، أو المغرب الذى اختفى بوجودك، وغرب نوره فيك واحتجب بك».
هذه بعض النماذج التى تكشف لك عن روح هذا التفسير، ولو أنك تصفحت هذا الكتاب لوجدته يقوم فى الغالب على مذهب صاحبه فى وحدة الوجود، ولعل هذا هو السر الذى من أجله نُسب الكتاب لابن عربى، فإن ابن عربى يقول بوحدى الوجود، ويبنى كثيرًا من تفسيره لبعض الآيات على هذا المذهب، فلاتحاد المذاهب وتشابه التفسير وقع الالتباس، فنُسِب التفسير لابن عربى، أو قُصِدت النسبة ليروج الكتاب كما قلنا، وأمن مَن فعل ذلك من افتضاح أمره، اعتمادًا على الاتحاد فى المذهب، والتشابه فى التفسير.
وإذ قد جرَّنا الحديث إلى ابن عربى، فأرى إتمامًا للفائدة أن أذكر نُبذة عن حياة هذا الرجل، وعن مذهبه فى التفسير، وليقف القارئ بعد ذلك على مقدار التشابه بين ابن عربى والقاشانى فى فهم كتاب الله تعالى، والكشف عن معانيه.
* * *

ابن عربى ومذهبه فى تفسير القرآن الكريم


ترجمة ابن عربى


هو أبو بكر محيى الدين محمد بن علىّ بن أحمد بن عبد الله الحاتمى، الطائى، الأندلسى، المعروف بابن عربى - بدون أداة التعريف - كما اصطلح على ذلك أهل المشرق، فرقًا بينه وبين القاضى أبى بكر بن العربى صاحب أحكام القرآن. وكان بالمغرب يُعرف بابن العربى - بالألف واللام - كما كان يُعرف فى الأندلس بـ «ابن سراقة».
ولد بمرسية سنة ٥٦٠ هـ (ستين وخمسمائة من الهجرة) ثم انتقل إلى إشبيلية سنة
 
٢ ‏/ ٣٠٠
 
٥٦٨ هـ (ثمانى وستين وخمسمائة) وبقى بها نحوًا من ثلاثين عامًا، تلقى فيها العلم على كثير من الشيوخ حتى ظهر نجمه، وعلا ذكره، وفى سنة ٥٩٨ هـ (ثمان وتسعين وخمسمائة) نزح إلى المشرق وطوَّف فى كثير من البلاد، فدخل الشام، ومصر، والموصل، وآسيا الصغرى، ومكة، وأخيرًا ألقى عصاه واستقر به النوى فى دمشق، وتوفى بها فى سننة ٦٣٨ هـ (ثمان وثلاثين وستمائة)، ودُفِنَ بها، فرحمه الله رحمة واسعة.
* *

ابن عربى بين أعدائه ومريديه
كان ابن عربى شيخ المتصوفة فى وقته، وكان له أتباع ومريدون، يعجبون به إلى حد كبير، حتى لقبوه فيما بينهم بالشيخ الأكبر، والعارف بالله.. كما كان له أعداء ينقمون عليه، ويرمونه بالكفر والزندقة، وذلك لما كان يدين به من القول بوحدة الوجود، ولما كان يصدر عنه من المقالات الموهمة، التى تحمل فى ظاهرها كل معانى الكفر والزندقة، فمن المعجبين بابن عربى: قاضى القضاة مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازى الفيروزآبادى صاحب القاموس، وقد كتب كتابًا يدافع فيه عنه، ردًا على رضى الدين به الخياط الذى كتب عن عقيدة ابن عربى ورماه بالكفر. وكمال الدين الزملكانى، من أكابر مشايخ الشام، والشيخ صلاح الدين الصفدى، والحافظ السيوطى، الذى ألَّف فى الدفاع عنه كتابًا سماه «تنبيه الغبى على تنزيه ابن عربى»، وسراج الدين البلقينى، وتقى الدين بن السبكى، وغيرهم.
ومن الناقمين عليه: ابن الخياط السابق ذكره، والحافظ الذهبى، وابن تيمية عدو الصوفية على الإطلاق، ولقد بلغ من عداوة بعض الناس لابن عربى أنهم حاولوا اغتياله بمصر، ولكن الله سلَّمه وأنجاه.
* *

مكانته العلمية

لم تقتصر براعة ابن عربى على التصوف، بل برع مع ذلك فى كثير من العلوم، فكان عارفًا بالآثار والسنن. أخذ الحديث عن جمع من علمائه، وكان شاعرًا وأديبًا، ولذلك كان يكتب الإنشاء لبعض ملوك الغرب. وقد بلغ مبلغ الاجتهاد والاستنباط، وتأسيس القواعد والمقاصد التى لا يحيط بها إلا مَن طالعها، ووقف على حقيقتها. ويقال إنه كان من أنصار مواطنه ابن حزم ومذهبه الظاهرى، ولكنه مع ذلك أبطل التقليد.
* *

مذهب ابن عربى فى وحدة الوجود

أما مذهبه فى وحدة الوجود فهو: أنه يرى أن الوجود حقيقة واحدة. ويعد التعدد
 
٢ ‏/ ٣٠١
 
والكثرة أمرًا قضت به الحواس الظاهرة «وقد أداه قوله بوحدة الوجود إلى قوله بوحدة الأديان، لا فرق بين سماويها وغير سماويها، إذ الكل يعبدون الإله الواحد المتجلى فى صورهم، وصور جميع المعبودات، والغاية الحقيقية من عبادة العبد لربه: هو التحقق من وحدته الذاتية معه. وإنما الباطل من العبادة: أن يُقصر العبد ربه على مجلى واحد دون غيره، ويسميه إلهًا».
«وبالجملة، فمنزلة ابن عربى العلمية كبيرة، ولا أدل على ذلك من مؤلفاته الكثيرة التى تدل على سعة باعه، وتبحره فى العلوم الظاهرة والباطنة، وقد بلغ ما بقى منها إلى اليوم مائة وخمسون كتابًا، ويظهر أن هذا العدد ليس إلا نصف ما ألَّفه ابن عربى فى الواقع». وأهم هذه المؤلفات «الفتوحات المكية» الذى ذاع صيته. وكلف به كثير من الرجال، ثم «فصوص الحكم»، وله ديوان فى الأشعار الصوفية، وكتاب «الأخلاق»، وكتاب «مجموع الرسائل الإلهية»، وغير ذلك من مؤلفاته الكثيرة.
غير أن هذه المؤلفات يوجد فى تضاعيفها كثير من الكلمات المشكلة، التى سببت خوص الناس فى عقيدته، ورميهم إياه بالكفر والزندقة، ولكن أتباعه ومريديه ومَن أعجب به من العلماء لم يأخذوا هذه الألفاظ على ظواهرها بل قالوا: إن ما أوهمته تلك الظواهر ليس هو المراد، وإنما المراد أُمور اصطلح عليها متأخروا أهل الطريق غيرة عليها. حتى لا يدَّعيها الكذَّابون. وقد قال السيوطى فى كتابه «تنبيه الغبى على تنزيه ابن عربى»: «والقول الفصل فى ابن عربى: اعتقاد ولايته، وتحريم النظر فى كتبه، فقد نُقِل عنه هو أنه قال: نحن قوم يحرم النظر فى كتبنا. قال السيوطى: وذلك لأن الصوفية تواضعوا على ألفاظ اصطلحوا عليها. وأرادوا بها معانى غير المعانى المتعارفة، فمَن حمل ألفاظهم على معانيها المتعارفة بين أهل العلم الظاهر كفر. نص على ذلك الغزالى فى بعض كتبه وقال: إنه شبيه بالمتشابه من القرآن والسُّنَّة، مَن حمله على ظاهره كفر».
ومما استدلوا به على أن ابن عربى لا يريد الظاهر الموهم من كلامه: ما يروونه عنه من أنه أنشد بعض إخوانه هذا البيت وهو من نظمه:
يا من يرانى ولا أراه ... كم ذا أراه ولا يرانى
فاعترض عليه السامع وقال: كيف تقول إنه لا يراك، وأنت تعلم أنه يراك؟ فقال مرتجلًا:
 
٢ ‏/ ٣٠٢
 
يامن يرانى مجرمًا ... ولا أراه آخذًا
كم ذا أراه منعمًا ... ولا يرانى لائذًا
قالوا: فهذا يدل على أن كلام الشيخ لا يُراد به ظاهره، وإنما له محامل تليق به.
ومن العلماء مَن يُنزِّه ابن عربى عن هذه العبارات الموهمة ويقول: إن ما جاء من ذلك فهو مدسوس عليه، ويروون فى ذلك أن الشعرانى الذى اختصر الفتوحات قال: «وقد توقفتُ حال الاختصار فى مواضع كثيرة منه، لم يظهر لى موافقتها لما عليه أهل السُّنَّة والجماعة. فحذفتها من هذا المختصر. وربما سهوت فتبعت ما فى الكتاب، كما وقع للبيضاوى مع الزمخشرى، ثم لم أزل كذلك أظن أن المواضع التى حُذفت ثابتة عن الشيخ محيى الدين، حتى قدم علينا الأخ العالِم الشريف شمس الدين السيد محمد بن السيد أبى الطيب المدنى المتوفى سنة ٩٥٥ هـ (خمسة وخمسون وتسعمائة من الهجرة)، فذاكرته فى ذلك، فأخرج إلىّ نسخة من الفتوحات التى قابلها على النسخة التى عليها خط للشيخ محيى الدين نفسه بقونية، فلم أر فيها شيئًا مما توقفت فيه وحذفته، فعلمت أن النسخ التى فى مصر الآن كلها كتبت من النسخة التى دسوا على الشيخ فيها ما يخالف عقائد أهل السُّنَّة والجماعة، كما وقع له ذلك فى كتاب الفصوص وغيره».
ومهما يكن من شىء، فابن عربى مُعقَّد فى أفكاره، موهم فى ألفاظه وتعابيره، مشكل فى أكثر ما يقول. ومع كل هذا فلا أتهمه فى عقيدته، لجهلى باصطلاحات القوم ورموزهم. وكلمه الإنصاف فيه - كما أعتقد - قول الحافظ الذهبى عنه: «وله توسع فى الكلام، وذكاء، وقوة خاطر، وحافظة وتدقيق فى التصوف، وتآليفه جمَّة فى العرفان، ولولا شطحه فى الكلام لم يكن به بأس».
* *

مذهب ابن عربى فى تفسير القرآن الكريم

يقوم مذهب ابن عربى فى التفسير غالبًا على نظرية وحدة الوجود التى يدين بها، وعلى الفيوضات والوجدانيات التى تنهل عليه من سحائب الغيب الإلهى، وتنقذف فى قلبه من ناحية الإشراق الربانى.
أما من الناحية الأولى: ناحية التأثر بمذهب وحدة الوجود. فإنَّا نراه فى كثير من الأحيان يتعسف فى التأويل، ليجعل الآية تتمشى مع هذه النظرية. وهذا - فيما أعتقد - منهج كله شر فى التفسير، فهو يبدل فيما أراد الله من آياته، ويقسرها على
 
٢ ‏/ ٣٠٣
 
أن تتضمن مذهبه، وتكون أسانيد له، وهذا ليس من شأن المفسِّر المنصف، الذى يبحث فى القرآن بحثًا مجردًا عن الهوى والعقيدة.
وأما من الناحية الثانية: ناحية الفيض الإلهى، فهو واسع الباع فيها، وقد مرَّت بك مقالته فى التفسير الإشارى، ورأيتَ كيف ادَّعى أن كل ما يجرى على لسان أهل الحقيقة من المعانى الإشارية فى القرآن هو فى الحقيقة تفسير وشرح لمراد الله، وإنما عبَّر عنها بالإشارة. تقيَّة من أهل الظاهر، ورأيتَ كيف ادَّعى أن أهل الله - وهم الصوفية - أحق الناس بشرح كتابه، لأنهم يتلقون علومهم عن الله، فهم يقولون فى القرآن على بصيرة، أما أهل الظاهر فيقولون بالظن والتخمين.
ثم هو لا يرى فرقًا بين القرآن نفسه، وبين تفسير أهل الله له، من ناحية أن كلا منهما حق ثابت، وصدق لا يعتريه شك، فإذا كان القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه من عند الله، فكذلك أقوال أهل الحقيقة فى التفسير، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، لأنها منزَّلة على قلوبهم من عند الله.
يقرر ابن عربى كل هذه المبادئ، ويُصرِّح بها فى فتوحاته، وأنا لا زلت واقفًا عند رأيى الذى قررته آنفًا، وهو: أن دعوى الفيض والإلهام لا يصح أن تكون أصلًا يُحكم به على كتاب الله تعالى.
هذا.. وإن ابن عربى لم نظفر له بكتاب فى التفسير، ولكن نجد صاحب كشف الظنون يقول: إنه «صنَّف تفسيرًا كبيرًا على طريقة أهل التصوف فى مجلدات. قيل إنه فى ستين سِفْرًا، وهو إلى سورة الكهف، وله تفسير صغير فى ثمانية أسفار على طريقة المفسِّرين»، وإذا كنا لم نظفر بهذين الكتابين، فإنَّا قد ظفرنا بما فيه بعض الكفاية عنهما، وهو تفسيره لبعض الآيات التى وجدناها متفرقة فى غضون مؤلفاته، كالفصوص، والفتوحات. إليك بعضًا منها لتكون على بصيرة، ولتطمئن إلى حكمى على الرجل فى شرحه لكتاب الله تعالى:

نماذج من التفسير الصوفى النظرى له
فى سورة نوح عند قوله تعالى فى الآية [٢٥]: ﴿مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَارًا﴾ .. يقول: ﴿مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ﴾ فهى التى خطت بهم فغرقوا فى بحار العلم بالله وهو الحيرة، ﴿فَأُدْخِلُواْ نَارًا﴾ فى عين الماء، ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَارًا﴾ فكان الله عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد".
وعند قوله تعالى فى الآيتين [٢٧، ٢٨] من سورة نوح أيضًا: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا * رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا
 
٢ ‏/ ٣٠٤
 
وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَارًا﴾ يقول ما نصه: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ﴾ أى تدعهم وتتركهم، ﴿يُضِلُّواْ عِبَادَكَ﴾ أي يحيروهم فيخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرَار الربوبية، فينظروا أنفسهم أربابًا، بعدما كانوا عبيدًا، فهم العبيد الأرباب، ﴿وَلاَ يلدوا﴾ أي لا ينتجوا ولا يظهروا، ﴿إِلاَّ فَاجِرًا﴾ أى مظهرًا ما سُتِر، ﴿كَفَّارًا﴾ أى ساترًا ما ظهر بعد ظهوره، فيظهرون ما سُتِر فيهم، ثم يسترونه بعد ظهوره، فيحار الناظر، ولا يعرف قدر الفاجر فى فجوره، ولا الكافر في كفره، والشخص واحد، ﴿رَّبِّ اغفر لِي﴾ أي استرنى واستر من أجلى، فيُجهَل مقامى وقدرى، كما جُهِل قَدركَ - ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]- ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ كنت نتيجة عنهما، وهما العقل والطبيعة، ﴿وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ أى قلبى، ﴿مُؤْمِنًا﴾ أى مصدِّقًا بما يكون فيه من الإخبارات الإلهية، وهو ما حدَّثت به أنفسهم، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ من العقول، ﴿والمؤمنات﴾ من النفوس، ﴿وَلاَ تَزِدِ الظالمين﴾ من الظلمات أهل الغيب المكتنفين خلف الحُجُب الظلمانية، ﴿إِلاَّ تَبَارًا﴾ أى هلاكًا، فلا يعرفون نفوسهم وشهودهم وجه الحق دونهم».
وفى سورة النساء عند قوله تعالى فى الاية [٨]: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ .. يقول «لأنه لا ينطق إلا عن الله، بل لا ينطق إلا بالله، بل لا ينطق إلا الله منه فإنه صورتُه».
* *

نماذج من التفسير الإشارى له

فى سورة الأعراف عند قوله تعالى فى الآيتين [٥٧، ٥٨]: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ والذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كذلك نُصَرِّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ ..
نراه يذكر: أنه لما أدركته الفطرة التى لا بد منها لكل داخل فى الطريق، وتحكَّمت فيه، رأى الحق سبحانه، فتلا عليه هاتين الآيتين، قال: فعلمت أنى المراد بهذه الآية، وقلت: ينبه بما تلاه علينا على التوفيق الأول الذى هدانا الله به على يد عيسى وموسى ومحمد سلام الله عليهم جميعهم، فإن رجوعنا إلى هذا الطريق، كان بمبشرة على يد عيسى، وموسى، ومحمد ﵈، ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ وهى العناية بنا، ﴿حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ وهو ترادف التوفيق، ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ وهو أنا، ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ - وهو ما ظهر علينا من أنوار القبول،
 
٢ ‏/ ٣٠٥
 
والعمل الصالح، والتعشق به. ثم مثَّل فقال: ﴿كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يشير بذلك إلى خبر ورد عن النبى ﷺ فى البعث - أعنى حشر الأجسام - من أن الله يجعل السماء تُمطر مثل مَنِّى الرجال.. (الحديث) . قال: ﴿والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ وليس سوى الموافقة والسمع والطاعة لطهارة المحل، ﴿والذي خَبُثَ﴾ وهو الذى غلبت عليه نفسه والطبع، وهو معتنى به فى نفس الأمر، ﴿لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا﴾ مثل قوله: «إن لله عبادًا يُقادرون إلى الجِنَّة بالسلاسل»، وقوله فى الآية [١٥] من سورة الرعد: ﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ فقلنا: طوعًا لا إلهنا«.
وفى سورة الحج عند قوله تعالى فى الآيتين [٣٢، ٣٣]: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق﴾ .. نجده يُفسِّر: ﴿شَعَائِرَ الله﴾ فيقول: ﴿شَعَائِرَ الله﴾ أعلامه، وأعلامه الدلالة الموصلة إليه، ويُفسِّر قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق﴾ .. فيقول: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق﴾ وهو بيت الإيمان عند أهل الإشارات، وليس إلا قلب المؤمن الذى وسع عظمة الله وجلاله».
وفى سورة لقمان عند قوله تعالى فى الآية [١٦]: ﴿يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ ... . الآية، نجده يُفسِّر قوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ .. فيقول: «أى عند ذى قلب قاس لا شفقة له على خلق الله. قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]،
* *

نماذج من التفسير الظاهر لابن عربى

فى سورة الأنعام عند قوله تعالى فى الآية [١٥٣]: ﴿وَأَنَّ هاذا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .. يقول: ﴿وَأَنَّ هاذا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ فأضافه إليه، ولم يقل: صراط الله، ووصفه بالاستقامة.. ثم قال: ﴿فاتبعوه﴾ الضمير يعود على صراطه، ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل﴾ يعنى شرائع من تقدَّمه ومناهجهم من حيث ما هى شرائع لهم، إلا إن وجد حكم فيها في شرعى فاتبعوه من حيث ما هو شرع لنا لا من حيث ما كان شرعًا لهم، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ يعنى تلك الشرائع، ﴿عَن سَبِيلِهِ﴾ أى عن طريقه الذى جاء به محمد ﷺ، ولم يقل عن سبيله الله، لأن الكل سبيل الله، إذ كان الله غايتها، ﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أى تتخذون تلك السبيل وقاية تحول بينكم وبين المشى على غيره».
 
٢ ‏/ ٣٠٦
 
وهذا تفسير مقبول، لجريانه على مقتضى الظاهر من الآية، ولكن نجد صاحبنا أحيانًا يشطح فى فهمه لظاهر الآيات شطحات لا نستطيع أن نسلمها له على ظاهرها، وإنما أقول «على ظاهرها» لأنه ربما كان يعنى من وراء هذا الظاهر معنى لا غبار عليه، أراده هو، وجهلته أنا، فمن ذلك أنه يقول: «اعلم - وفقك الله - أن الله أخبر عن نبيه ورسوله ﵇ فى كتابه أنه قال: ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ﴾ فما ثَمَّ إلا مَن هو مستقيم على الحقيقة على صراط الرب، لأنه ما ثَمَّ إلا مَن الحقُّ آخذ بناصيته، ولا يمكن إزالة ناصيته من يد سيده وهو على صراط مستقيم، ونكَّرَ لفظ»دابة«فعمَّ، فأين المعوج حتى نعدل عنه؟ فهذا جبر، وهذه استقامة، فالله يوفقنا فى إنزال كل حكمة فى موضعها».
هذه بعض النماذج من تفسير ابن عربى. ومنها تستطيع أن تحكم على فهمه لمعانى القرآن، كما تستطيع أن تقارن بينها وبين ما فى تأويلات القاشانى، المنسوبة لابن عربى، لتقف على مقدار التشابه بين التفسيرين، وتأثر كل منهما بعقيدته فى وحده الوجود.
وبعد.. فهذا هو تفسير الصوفية، وهؤلاء هم أهم مفسريه، وهذه هى أهم الكتب المؤلَّفة فيه، ولعلى أكون قد أوفيتُ البحث حقه، وألممتُ بالموضوع من جميع نواحيه.
* * *
 
٢ ‏/ ٣٠٧

عن الكاتب

Ustadz Online

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية