الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

الشيعة وموقفهم من تفسير القرآن الكريم

الشيعة وموقفهم من تفسير القرآن الكريم

عنوان الكتاب: التفسير والمفسرون
المؤلف: الذهبي، محمد حسين
الموضوع: التفسير وعلوم القرأن
حالة الفهرسة: غير مفهرس
الناشر: مكتبة وهبة
سنة النشر: 2000
عدد المجلدات: 3
رقم الطبعة: 7
تاريخ إضافته: 15 / 10 / 2008
 

 فهرس الموضوعات

  1. الشيعة وموقفهم من تفسير القرآن الكريم
    1. كلمة إجمالية عن الشيعة وعقائدهم
    2. الزيدية
    3. قوام مذهب الزيدية
    4. الإمامية
    5. الإمامية الإثنا عشرية
    6. أشهر تعاليم الإمامية الإثنا عشرية
    7. الإمامية الاسماعيلية
    8. موقف الشيعة من تفسير القرآن الكريم
    9. ١- موقف الإمامية الإثنا عشرية من تفسير القرآن الكريم
    10. ٢- موقف القرآن من الأئمة وأوليائهم وأعدائهم
    11. ٣- تحريف القرآن وتبديله
    12. ٤- موقفهم من الأحاديث النبوية وآثار الصحابة
    13.  أهم الكتب التى يعتمدون عليها فى رواية الأحاديث والأخبار
    14.  أهم كتب التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية
    15. ١- مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار (للمولى عبد اللطيف الكازرانى)
    16. ٢- تفسير الحسن العسكرى
    17. ٣- مجمع البيان لعلوم القرآن (للطبرسى)
    18. ٤- الصافى فى تفسير القرآن (لملا محسن الكاشى)
    19. ٥- تفسير القرآن (للسيد عبد الله العلوى)
    20. ٦- بيان السعادة فى مقامات العبادة (لسلطان محمد الخراسانى)
  2. الإمامية الإسماعيلية "الباطنية" وموقفهم من تفسير القرآن الكريم
    1. كلمة إجمالية عن الإسماعيلية وعقائدهم وأغراضهم
    2. مؤسسو هذه الطائفة
    3. احتيالهم على الوصول إلى أغراضهم
    4. مراتب الدعوة عند الباطنية
    5. إنتاج الباطنية فى تفسير القرآن الكريم
    6. موقف متقدمى الباطنية من تفسير القرآن الكريم
  3. البابية والبهائية
    1. كلمة إجمالية عن نشأة البابية والبهائية
    2. بهاء الله
    3. الصلة بين عقائد البابية وعقائد الباطنية القدامى
    4. موقف البابية والبهائية من تفسير القرآن الكريم
    5. أبو الفضائل الإيرانى يعيب تفاسير أهل السنة
    6. إنتاج البابية والبهائية فى التفسير، ومثل من تأويلاتهم الفاسدة
  4. الزيدية وموقفهم من التفسير والقرآن الكريم
    1. تمهيد
    2. أهم كتب التفسير عند الزيدية
  5. فتح القدير للشوكاني
    1. التعريف بمؤلف هذا التفسير
    2. التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه
    3. طريقة الشوكانى فى تفسيره
    4. نقله للروايات الموضوعة والضعيفة
    5. ذمه للتقليد والمقدين
    6. حياة الشهداء
    7. التوسل
    8. موقفه من المتشابه
    9. موقفه من آراء المعتزلة
    10. موقف الشوكانى من مسألة خلق القرآن
  6. الخوارج وموقفهم من تفسير القرآن الكريم
    1. كلمة إجمالية عن الخوارج
    2. مواقف الخوارج من تفسير القرآن الكريم
    3. سلطان المذهب يغلب على الخوارج فى فهم القرآن
    4. مدى فهم الخوارج لنصوص القرآن
    5. موقف الخوارج من السنة وإجماع الأمة، وأثر ذلك فى تفسيرهم للقرآن
    6. الإنتاج التفسيرى للخوارج
    7. أسباب قلة إنتاج الخوارج فى التفسير
  7. هميان الزاد إلى دار المعاد
    1. التعريف بمؤلف هذا التفسير
    2. التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه
    3. حقيقة الإيمان
    4. موقفه من أصحاب الكبائر
    5. حملته على أهل السنة
    6. مغفرة الذنوب
    7. رأيه فى الشفاعة
    8. رؤية الله تعالى
    9. أفعال العباد
    10. موقفه من المتشابه
    11. موقفه من تفسير الصوفية
    12. موقفه من الشيعة
    13. رأيه فى التحيكم
    14. إشادته بالخوارج وحطه من قدر عثمان وعلى ومن والاهما
    15. اعتداده بنفسه وحملته على جمهور المسلمين
  8. العودة الي كتاب التفسير والمفسرون


الشيعة وموقفهم من تفسير القرآن الكريم

 
كلمة إجمالية عن الشيعة وعقائدهم

*كلمة إجمالية عن الشيعة وعقائدهم:
الشيعة في الأصل، هم الذين شايعوا عليًا وأهل بيته ووالوهم، وقالوا: إن عليًا هو الإمام بعد رسول الله ﷺ، وإن الخلافة حق له، استحقها بوصية من رسول الله ﷺ، وهى لا تخرج عنه في حياته، ولا عن أبنائه بعد وفاته، وإن خرجت عنهم فذلك يرجع إلى واحد من أمرين:
أحدهما: أن يغتصب غاصب ظالم هذا الحق لنفسه.
ثانيهما: أن يتخلى صاحب الحق عنه في الظاهر، تقيَّة منه، ودرءًا للشر عن نفسه وعن أتباعه.
وهذا المذهب الشيعي، من أقدم المذاهب الإسلامية، وقد كان مبدأ ظهوره في آخر عهد عثمان رضى الله عنه، ثم نما واتسع على عهد علىّ رضى الله عنه، إذ كان كلما اختلط - رضى الله عنه - بالناس تملكهم العجب، واستولت عليهم الدهشة، مما يظهر لهم من قوة دينه، ومكنون علمه، وعظيم مواهبه، فاستغل الدعاة كل هذا الإعجاب وأخذوا ينشرون مذهبهم بين الناس.
ثم جاء عصر بني أُمية وفيه وقعت المظالم على العلويين، ونزلت بهم محن قاسية، أثارت كامن المحبة لهم، وحرّكت دفين الشفقة عليهم، ورأى الناس في علىّ وذُرِّيته شهداء هذا الظلم الأمور، فاتسع نطاق هذا المذهب الشيعى وكثر أنصاره. ويظهر لنا أن هذا الحب لعلىّ وأهل بيته، وتفضيلهم على مَن سواهم، ليس بالأمر الذي جَدَّ وحدث بعد عصر الصحابة، بل وُجِدَ من الصحابة مَن كان يحب عليًا ويرى أنه أفضل من سائر الصحابة، وأنه أَولى بالخلافة من غيره، كعمَّار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبى ذر الغفارى، وسلمان الفارسى، وجابر بن عبد الله ... وغيرهم كثير.
غير أن هذا الحب والتفضيل لم يمنع أصحابه من مبايعة الخلفاء الذين سبقوا عليًا رضى الله عنه، لعلمهم أن الأمر شورى بينهم، وأن صلاح الإسلام والمسلمين لا بد له من شمل متحد وكلمة مجموعة، كما أن الأمر لم يصل بهم إلى القول بالمبدأ الذى تكاد تتفق عليه كلمة الشيعة، ويرونه قوام مذهبهم وعقيدتهم وهو "أن الإمامة ليست من مصالح العامة التى تُفوَّض إلى نظر الأُمة، ويعين القائم بها بتعيينهم، بل هى ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز للنبى إغفاله ولا تفويضه إلى الأُمة، بل يجب
 
٢ ‏/ ٥
 
عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصومًا من الكبائر والصغائر، وأن عليًا رضى الله عنه، هو الذى عيَّنه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه».
لم يكن الشيعة جميعًا متفقين فى المذهب، والعقيدة، بل تفرّقت بهم الأهواء فانقسموا إلى فِرَق عِدّة، يرجع أساس اختلافها وانقسامها إلى عاملين قويين، كان لهما كل الأثر تقريبًا في تعدد فِرَق الشيعة وتفرق مذاهبهم.
أولهما: اختلافهم فى المبادئ والتعاليم، فمنهم مَن تغالى فى تشيعه وتطرّف فيه إلى حد جعله يلقى على الأئمة نوعًا من التقديس والتعظيم، ويرمى كل مَن خالف علياَ وحزبه بالكفر. ومنهم مَن اعتدل فى تشيعه فاعتقد أحقية الأئمة بالإمامة وخطأ مَن خالفهم، ولكن ليس بالخطأ الذى يصل بصاحبه إلى درجة الكفر.
وثانيهما: الاختلاف فى تعيين الأئمة، وذلك أنهم اتفقوا جميعًا على إمامة علىّ رضى الله عنه، ثم على إمامة ابنه الحسن من بعده، ثم على إمامة الحسين من بعد أخيه. ولما قُتل الحسين على عهد يزيد بن معاوية تعددت وجهة نظر الشيعة فيمن يكون الإمام بعد الحسين رضى الله عنه:
ففريق يرى أن الخلافة بعد قتل الحسين انتقلت إلى أخيه من أبيه، محمد ابن علىّ، المعروف بابن الحنفية، فبايعوه بها.
وفريق ثان: يرى حصر الإمامة فى ولد علىّ من فاطمة، وقد أصبحت بعد قتل الحسين حقًا لأولاد الحسن، لأنه أكبر إخوته فلا يؤثر بها غير أولاده، وهم ينتظرون كبرهم ليبايعوا أرشدهم.
وفريق ثالث: يرى ما يراه الفريق الثانى من حصرها فى ولد علىّ من فاطمة، غاية الأمر أنه يقول: إن الحسن قد تنازل عنها فسقط حق أولاده فيها، وبقيت الإمامة حقًا لأولاد الحسين الذى قُتل من أجلها فهم أولى بالانتظار.
بلغ عدد الفِرَق التي انقسم إليها الشيعة حدًا كبيرًا من الكثرة، منها مَن تغالى في تشيعه وتجاوز بمعتقداته حد العقل والإيمان، ومنها مَن اعتدل فى تشيعه فلم تبالغ كما بالغ غيرها.
ولست بمستوعب كل هذه الفرق، ولكنى سأقتصر على فرقتين هما: الزيدية، والإمامية «الإثنا عشرية»، والإسماعيلية، لأنى لم أعثر على مؤلفات فى التفسير لغير هاتين الفرقتين من فرق الشيعة.
* *

الزيدية
أما الزيدية، فهم أتباع زيد بن عليّ بن الحسين رضى الله عنهم، طمحت نفسه إلى
 
٢ ‏/ ٦
 
استرداد الخلافة، فخرج على الخليفة الأموى هشام بن عبد الملك، ولكن أتباعه خذلوه وتفرَّقوا عنه فقُتل وصُلب، ثم أُحرق جسده. وقد ورد فى سبب تفرق أصحابه عنه وخذلانهم له «أنه لما اشتد القتال بينه وبين يوسف ابن عمر الثقفى عامل هشام بن عبد الملك، قال الذين بايعوه: ما تقول فى أبى بكر وعمر؟ فقال زيد: اثنى عليهما جدى علىّ، وقال فيهما حسنًا، وإنما خروجى على بنى أُمية، فإنهم قاتلوا جدى عليًا، وقتلوا جدى حسينًا، فخرجوا عليه ورفضوه، فسُمُّوا رافضة بذلك السبب».
والزيدية أقرب فرق الشيعة إلى الجماعة الإسلامية، إذ أنها لم تغل فى معتقداتها، ولم يُكَفِّر الأكثرون منها أصحاب رسول الله ﷺ، ولم ترفع الأئمة إلى مرتبة الإله أو إلى درجة النبيين.
* *

قوام مذهب الزيدية

وقوام مذهب زيد وأتباعه إلى ما قبل طرو التغير عليه والتفرق بين أصحابه، هو ما يأتى:
١- أن الإمام منصوص عليه بالوصف لا بالاسم، وهذه الأوصاف هى: كونه فاطميًا، ورعًا، سخيًا، يخرج داعيًا الناس لنفسه.
٢- أنه يجوز إمامة المفضول مع وجود مَن هو أفضل منه بتوفر هذه الصفات فيه.
وبنوا على هذا أنه لو وقع اختيار أُولى الحل والعقد على إمام تتوفر فيه هذه الصفات مع وجود مَن تتوفر فيه صحَّت إمامته، ولزمت بَيْعته، ولهذا قالوا بصحة إمامة أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، وعدم تكفير الصحابة ببيعتهما.
ولقد كان من مذهب الزيدية جواز خروج إمامين فى قُطْرين مختلفين لا فى قُطْر واحد، كما كان من مذهبهم أن مرتكب الكبيرة إذا لم يتب فهو مُخَلَّد فى النار، وهذا هو عَيْن مذهب المعتزلة. ويظهر أن هذه العقيدة تسرَّبت من المعتزلة إلى الزيدية فقالوا بها كما قالوا بكثير من مبادئهم. والسر فى ذلك هو أن زيدًا ﵀ تتلمذ لواصل بن عطاء، فأخذ عنه آراءه الاعتزالية وقال بها.
غير أن الزيدية لم يدوموا على وحدتهم المذهبية زمنًا طويلًا، بل تفرَّقوا واختلفت عقائدهم. وقد ذكر لنا صاحب «المواقف» أنهم تفرَّقوا إلى ثلاث فِرَق، وذكر لكل فرقة خصائصها ومميزاتها وعقائدها، ولا نطيل بذكر ذلك. ومَن أراد الوقوف عليه فليرجع إليه فى موضعه.
* * *

الإمامية

أما الإمامية فهم القائلون بأن النبى ﷺ نص على إمامة علىّ رضى الله عنه نصًا
 
٢ ‏/ ٧
 
ظاهرًا، لا بطريق التعريض بالوصف كما يقول الزيدية، كما أنهم يحصرون الإمامة بعد علىّ فى ولده من فاطمة رضى الله عنها.
وأصحاب هذا المذهب قد بالغوا فى تشيعهم، وتعدوا حدود العقل والشرع، فكفَّروا الكثير من الصحابة، واعتبروا أبا بكر وعمر مغتصبين للخلافة ظالمين لعلىّ رضى الله عنه، فأوجبوا التبرؤ منهما، ولم يسلم من هذا التطرف إلا نفر قليل، كالعلامة الطبرسى صاحب التفسير.
وقد اتفق الإمامية على إمامة علىّ رضى الله عنه، ثم انتقلت الإمامة إلى ابنه الحسن بالوصية له من أبيه، ثم إلى أخيه الحسين من بعده، ثم إلى ابنه علىّ زين العابدين، ثم إلى ابنه محمد الباقر، ثم إلى ابنه جعفر الصادق، ثم اختلفوا بعد ذلك فى سَوْق الإمامة، وانقسموا إلى فِرَق عدة أشهرها فرقتان: الإمامية الإثنا عشرية، والإمامية الإسماعيلية.

الإمامية الإثنا عشرية

أما الإمامية الإثنا عشرية، فيرون أن الإمامة بعد جعفر الصادق انتقلت إلى ابنه موسى الكاظم، ثم إلى ابنه علىّ الرضا، ثم إلى ابنه محمد الجواد، ثم إلى ابنه علىّ الهادى، ثم إلى ابنه الحسن العسكرى، ثم إلى ابنه محمد المهدى المنتظر وهو الإمام الثانى عشر، ويزعمون أنه دخل سردابًا فى دار أبيه بـ «سرُ مَن رأى» ولم يعد بعد، وأنه سيخرج فى آخر الزمان، ليملأ الدنيا عدلًا وأمنًا، كما مُلئت ظلمًا وخوفًا.
وهؤلاء قد جاوزوا الحد فى تقديسهم للأئمة، فزعموا: أن الإمام له صلة روحية بالله كصلة الأنبياء. وقالوا: إن الإيمان بالإمام جزء من الإيمان بالله، وأن مَن مات غير معتقد بالإمام فهو ميت على الكفر، وغير ذلك من اعتقاداتهم الباطلة فى الأئمة.
* *

أشهر تعاليم الإمامية الإثنا عشرية
وأشهر تعاليم الإمامية الإثنا عشرية أمور أربعة: العصمة، والمهدية، والرجعة، والتقية.
أما العصمة: فيقصدون منها أن الأئمة معصومون من الصغائر والكبائر فى كل حياتهم، ولا يجوز عليهم شىء من الخطأ والنسيان.
وأما المهدية: فيقصدون منها الإمام المنتظر الذى يخرج فى آخر الزمان فيملأ الأرض أمنًا وعدلًا، بعد أن مُلئت خوفًا وجورًا. وأول مَن قال بهذا هو «كيسان» مولى علىّ بن أبى طالب فى محمد ابن الحنفية. ثم تسرَّبت إلى طوائف الإمامية، فكان لكل منها مهدى منتظر.
 
٢ ‏/ ٨
 
وأما الرجعة: فهى عقيدة لازمة لفكرة المهدية، ومعناها: أنه بعد ظهور المهدى المنتظر، يرجع النبى ﷺ إلى الدنيا، ويرجع علىّ، والحسن، والحسين، بل وكل الأئمة، كما يرجع خصومهم، كأبى بكر وعمر، فيُقتص لهؤلاء الأئمة من خصومهم، ثم يموتون جميعًا، ثم يحيون يوم القيامة.
وأما التقية: فمعناها المداراة والمصانعة، وهى مبدأ أساسى عندهم، وجزء من الدين يكتمونه عن الناس، فهى نظام سرى يسيرون على تعاليمه، فيدعون فى الخفاء لإمامهم المختفى ويظهرون الطاعة لمن بيده الأمر، فإذا قويت شوكتهم أعلنوها ثورة مسلحة فى وجه الدولة القائمة الظالمة.
هذه هى أهم تعاليم الإمامية الإثنا عشرية، وهم يستدلون على كل ما يقولون ويعتقدون بأدلة كثيرة، غير أنها لا تُسلَّم لهم، ولا تُثبت مدعاهم. ونحن نمسك عنها وعن ردها خوف الإطالة، وسيمر بك - إن شاء الله تعالى - شىء من ذلك.
* *

الإمامية الاسماعيلية

وأما الإمامية الإسماعيلية، فيرون أن الإمامة بعد جعفر الصادق انتقلت إلى ابنه إسماعيل، بالنص من أبيه على ذلك، قالوا: وفائدة النص مع أنه مات قبل أبيه هو بقاء الإمامة فى عقبه، ثم انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى ابنه محمد المكتوم، وهو أول الأئمة المستورين، وبعده تتابع أئمة مستورون إلى أن ظهر بالدعوة الإمام عبد الله المهدى رأس الفاطميين.
ثم إن هؤلاء الإمامية الإسماعيلية لُقِّبوا بسبعة ألقاب، وبعض هذه الألقاب أسماء لبعض فرقهم، وهذه الألقاب هى ما يأتى:
١- الإسماعيلية: لإثباتهم الإمامة لإسماعيل بن جعفر الصادق كما قلناه.
٢- الباطنية: لقولهم بالإمام الباطن أى المستور، أو لقولهم بأن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، والمراد منه باطنه دون ظاهره.
٣- القرامطة: لأن أولهم الذى دعا الناس إلى مذهبهم رجل يقال له «حمدان قرمط».
٤- الحرمية: لإباحتهم المحرَّمات والمحارم.
 
٢ ‏/ ٩
 
٥- السبعية: لأنهم زعموا أن النطقاء بالشرائع سبعة: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، ومحمد المهدى المنتظر سابع النطقاء، وبين كل اثنين من النطقاء سبعة أئمة يتممون شريعته، ولا بد فى كل عصر من سبعة بهم يُقتدى وبهم يُهتدى.
٦- البابكية أو الخرمية: لاتباع طائفة منهم «بابك الخرمى» الذى خرج بأذربيجان.
٧- المحمرة: للبسهم الحمرة أيام بابك، أو لتسميتهم المخالفين لهم حميرًا.
هذا وسيأتى بعد ما يكشف لنا عن عقيدة هؤلاء الباطنية، عندما نتكلم عن موقفهم من تفسير القرآن الكريم.
وقبل أن أخلص من هذه العُجَالة أسوق لك كلمة أنقلها بنصها عن أبى المظفر الإسفراينى فى كتابه «التبصير فى الدين» قال ﵀:
«واعلم أن الزيدية، والإمامية منهم، يُكَفِّر بعضهم بعضًا، والعداوة بينهم قائمة دائمة، والكيسانية يُعَدون فى الإمامية. واعلم أن جميع مَن ذكرناهم من فِرق الإمامية متفقون على تكفير الصحابة، ويدَّعون أن القرآن قد غُيِّر عما كان، ووقع فيه الزيادة والنقصان من قِبَل الصحابة، ويزعمون أنه قد كان فيه النص على إمامة علىّ فأسقطه الصحابة منه، ويزعمون أنه لا اعتماد على القرآن الآن ولا على شىء من الأخبار المروية عن المصطفى ﷺ، ويزعمون أنه لا اعتماد على الشريعة التى فى أيدى المسلمين، وينتظرون إمامًا يسمونه»المهدى«يخرج ويعلمهم الشريعة، وليسوا على شىء من الدين وليس مقصودهم من هذا الكلام تحقيق الكلام فى الإمامة، ولكن مقصودهم إسقاط كلفة تكليف الشريعة عن أنفسهم حتى يتوسعوا فى استحلال المحرَّمات الشرعية، ويعتذروا عند العوام بما يعدونه من تحريف الشريعة وتغير القرآن من عند الصحابة، ولا مزيد على هذا النوع من الكفر، إذ لا بقاء فيه على شىء من الدين».
* *

موقف الشيعة من تفسير القرآن الكريم
إذا نحن أجلنا النظر فى مذهب الشيعة، وجدنا أصحابه لم يسلموا من التفرق والتحزب والانقسام فى الرأى والعقيدة. فبينا نجد الغلاة الذين رفعوا عليًا إلى مرتبة الآلهة فكفروا، نجد المعتدلين الذين يرون عليًا أفضل من غيره من الصحابة، وأنه أحق
 
٢ ‏/ ١٠
 
بالولاية وأولى بها من غيره فحسب، ونجد مَن يقف موقفًا وسطًا بين هؤلاء وهؤلاء، فلا هو يؤلِّه عليًا، ولا هو يرى أنه بشر يُخطىء ويُصيب، بل يرى أنه معصوم، وأنه الخليفة بعد رسول الله ﷺ غير منازع ولا مدافع وإن غُلب على أمره واعتُصِبَت الولاية منه.
ولم يقل أمر الشيعة عند حد الانقسام إلى حزبين أو ثلاثة، بل تفرَّقت بهم الأهواء - كما قلنا - إلى حد الكثرة فى التحزب، وكان كل حزب له عقيدة خاصة لا يشاركه فيها غيره، ورأى خاص لا يقول به سواه.
وكان طبيعيًا - وكل حزب من هذه الأحزاب يَدَّعى الإسلام، ويعترف بالقرآن ولو فى الجملة - أن يبحث كل عن مستند يستند إليه من القرآن ويحرص كل الحرص على أن يكون القرآن شاهدًا له لا عليه، فما وجده من الآيات القرآنية يمكن أن يكون دليلًا على مذهبه تمسك به، وأخذ فى إقامة مذهبه على دعامة منه. وما وجده مخالفًا لمذهبه حاول بكل ما يستطيع أن يجعله موافقًا لا مخالفًا، وإن أدى هذا كله إلى خروج اللفظ القرآنى عن معناه الذى وُضِعَ له وسِيقَ من أجله. وإليك طرفًا من تأويلات هؤلاء الغلاة:
* من تأويلات السبئية:
فمثلًا نجد بعض السبئية يزعم أن عليًا فى السحاب، وعلى هذا يُفسِّرون الرعد بأنه صوت علىّ، والبرق بأنه لمعان سَوْطه أو تبسمه، ولهذا كان الواحد منهم إذا سمع صوت الرعد يقول: عليك السلام يا أمير المؤمنين.
كذلك نجد زعيم السبئية يزعم أن محمدًا ﷺ سيرجع إلى الحياة الدنيا، وتأوَّل على ذلك قوله تعالى فى الآية [٨٥] من سورة القصص: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ﴾ . *
* من تأويلات البيانية:
كذلك نجد بيان بن سمعان التميمى زعيم البيانية، يزعم أنه هو المذكور فى
 
٢ ‏/ ١١
 
القرآن بقوله تعالى فى الآية [١٣٨] من سورة آل عمران: ﴿هاذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ .. ويقول: أنا البيان، وأنا الهدى والموعظة.
كما نراه يزعم أن الله تعالى رجل من نور، وأنه يفنى كله غير وجهه، ويتأوَّل على زعمه هذا قوله تعالى فى الآية [٨٨] من سورة القصص:
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ .. وقوله فى الآيتين [٢٦-٢٧] من سورة الرحمن: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ...﴾ .
*
* من تأويلات المغيرية:
كذلك نجد المغيرة بن سعيد العجلى زعيم المغيرية يقول: إن الله تعالى لما أراد أن يخلق العالَم تكلَّم بالاسم الأعظم، فطار ذلك الاسم ووقع تاجًا على رأسه، وتأوَّل على ذلك قوله تعالى فى الآية الأولى من سورة الأعلى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ ... وزعم أن الاسم الأعلى إنما هو ذلك التاج.
ويزعم المغيرة أيضًا: أن الله تعالى خلق أظلال الناس قبل أجسادهم، فكان أول ما خلق منها ظل محمد ﷺ. وقال: فذلك قوله فى الآية [٨١] من سورة الزخرف: ﴿قُلْ إِن كَانَ للرحمان وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾ .. قال: ثم أرسل ظل محمد إلى أظلال الناس، ثم عرض على السماوات والجبال أن يمنعن علىّ أبى طالب من ظالميه فأبين ذلك، فعرض ذلك على الناس. فأمر عمر أبا بكر أن يتحمل نُصْرة علىّ ومنعه من أعدائه، وأن يغدر به فى الدنيا، وضمن له أن يعينه على الغدر به، على شريطة أن يجعل له الخلافة من بعده، ففعل أبو بكر ذلك. قال: فذلك تأويل قوله فى الآية [٧٢] من سورة الأحزاب: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ .. فزعم أن الظلوم والجهول أبو بكر.
وتأوَّل فى عمر قوله تعالى فى الآية [١٦] من سورة الحشر: ﴿كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي برياء مِّنكَ﴾ .. والشيطان عنده عمر.
*
*
 
٢ ‏/ ١٢
 
من تأويلات المنصورية:
وكذلك نجد أبا منصور العجلى زعيم المنصورية والمعروف بـ «الكِسْف»، يزعم أنه عُرِج به إلى السماء، وأن الله تعالى مسح بيده على رأسه وقال له: يا بنى بلِّغ عنى، ثم أنزله إلى الأرض، وزعم أنه الكِسْف الساقط من السماء المذكور فى قوله تعالى فى الآية [٤٤] من سورة الطور: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفًا مِّنَ السمآء سَاقِطًا يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ .
وتأوَّلت هذه الطائفة الجنَّة بأنها رجل أُمِرنا بموالاته وهو الإمام، والنار بالضد، أى رجل أُمِرنا ببغضه وهو ضد الإمام وخصمه كأبى بكر وعمر، وتأوَّلوا الفرائض والمحرَّمات فقالوا: الفرائض أسماء رجال أُمِرنا بموالاتهم، والمحرَّمات أسماء رجال أُمِرنا بمعاداتهم.
*
* من تأويلات الخطابية:
كذلك نجد من الخطابية مَن يتأوَّل الجنَّة بأنها نعيم الدنيا، والنار بأنها آلامها.
ووجدنا منهم مَن يقول: إنه لا يؤمن إلا والله تعالى يُوحى إليه، وعلى هذا المعنى كانوا يتأوَّلون قوله تعالى فى الآية [١٤٥] من سورة آل عمران: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ .. ويقولون: إن معناه: بوحى من الله، ويقولون: إذا جاز أن يُوحى إلى النحل كما ورد فى قوله تعالى فى الآية [٦٨] من سورة النحل: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتًا وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ .. لِمَ لا يجوز أن يُوحى إلينا؟.
*
*
 
٢ ‏/ ١٣
 
من تأويلات العبيدين:
كذلك نجد أبا إسحاق الشاطبى يذكر لنا عن بعض العلماء: أن عبيد الله الشيعى المسمى المهدى، حين ملك إفريقيا واستولى عليها، كان له صاحبان من كتامة ينتصر بهما على أمره.. وكان أحدهما يسمى بـ «نصر الله»، والآخر يسمى بـ «الفتح» فكان يقول لهما: أنتما اللَّذان ذكركما الله فى كتابه فقال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: ١] قالوا: وقد كان عمل ذلك فى آيات من كتاب الله تعالى فبدَّل قوله تعالى فى الآية [١١٠] من سورة آل عمران: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ .. بقوله: «كتامة خير أُمَّة أُخْرِجت للناس».
فأنت ترى أن هؤلاء الغلاة الذين كفروا بما يعتقدون، يجدون فى صرف اللَّفظ القرآنى عن معناه الذى سيق له إلى معنى يتفق مع عقيدتهم، ويتناسب مع أهوائهم ونزعاتهم، وهم بعملهم هذا يُحَمِّلون القرآن ما لا يحتمله، ويقولون على الله بغير علم ولا برهان.
كذلك نجد الإمامية الإثنا عشرية يميلون بالقرآن نحو عقائدهم، ويلوونه حسب أهوائهم ومذاهبهم، وهؤلاء ليس لهم فى تفسيرهم المذهبى مستند صحيح يستندون إليه، ولا دليل سليم يعتمدون عليه، وإنما هى أوهام نشأت عن سلطان العقيدة الزائفة، وخرافات صدرت من عقول عشَّش فيها الباطل وأفرخ، فكان ما كان من خرافات وترهات!!
نعم.. يعتمد الإمامية الإثنا عشرية فى تفسيرهم للقرآن الكريم ونظراتهم إليه، على أشياء لا تعدو أن تكون من قبيل الأوهام والخرافات التى لا توجد إلا فى عقول أصحابها، فمن ذلك الذى يعتمدون عليه ما يأتى:
أولًا: جمع القرآن الكريم وتأويله، وهو كتاب جمع فيه علىّ رضى الله عنه القرآن على ترتيب النزول.
ثانيًا: كتاب أملى فيه أمير المؤمنين ﵇ ستين نوعًا من أنواع علوم القرآن، وذكر لكل نوع مثالًا يخصه. ويعتقدون أنه الأصل لكل مَن كتب فى أنواع علوم القرآن، وهم يروون عن علىّ رضى الله عنه هذا الكتاب بطرق عدة، وهو فى أيديهم إلى اليوم، ويبلغ ثلاث عشرة ورقة إلا ربعًا بالقطع الكبير الكامل، كل صفحة منها سبعة وعشرون سطرًا.
 
٢ ‏/ ١٤
 
ثالثًا: الجامعة وهى كتاب طوله سبعون ذراعًا من إملاء رسول الله ﷺ وخط علىّ ﵇، مكتوب على الجلد المسمى بالرق فى عرض الجلد، جُمِعت الجلود بعضها ببعض حتى بلغ طولها سبعين ذراعًا وعدها من مؤلفات علىّ باعتبار أنه كتبها ورتبها من قول رسول الله ﷺ وإملائه. قالوا: وفيها كل حلال وحرام، وكل شئ يحتاج الناس إليه حتى الأرش فى الخدش.
رابعًا: الجفر، وهو غير الجامعة وفيه يقول ابن خلدون: «واعلم أن كتاب الجفر كان أصله أن هارون بن سعد العجلى وهو رأس الزيدية، كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق، وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم، ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص، وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم، على طريق الكرامة والكشف الذى يقع لمثلهم من الأولياء، وكان مكتوبًا عند جعفر فى جلد ثور صغير، فرواه عنه هارون العجلى، وكتبه، وسماه»الجفر«باسم الجلد الذى كُتِب فيه، لأن الجفر فى اللغة هو الصغير، وصار هذا الاسم عَلَمًا على هذا الكتاب عندهم، وكان فيه تفسير القرآن وما فى باطنه من غرائب المعانى، مروية عن جعفر الصادق.
وهذا الكتاب لم تتصل روايته، ولا عُرِف عَيْنه، وإنما يظهر منه شواذ من الكلمات لا يصحبها دليل، ولو صح السند إلى جعفر الصادق لكان فيه نِعْمَ المستند من نفسه، أو من رجال قومه، فهم أهل الكرامات».
ويُعرِّف صاحب أعيان الشيعة «الجفر» بأنه كتاب أملاه رسول الله ﷺ على علىّ رضى الله عنه، ويذكر فى ذلك أقوالًا متضاربة ثم يقول بعد فراغه منها: «الظاهر من الأخبار أن الجفر كتاب فيه العلوم النبوية من حلال، وحرام، وأحكام، وأُصول.. ما يحتاج إليه الناس فى أحكام دينهم وما يصلحهم فى دنياهم، والإخبار عن بعض الحوادث، ويمكن أن يكون فيه تفسير بعض المتشابه من القرآن المجيد، ثم ينكر على مَن يستبعد أن يكون الجفر فيه كل هذه العلوم، ويتمثل بقول أبى العلاء المَعرِّى:
لقد عجبوا لأهل البيت لما ... أروهم علمهم فى مسك جفر
ومرآة المنجم وهى صغرى ... أرته كل عامرة وقفر
خامسًا: مصحف فاطمة، جاء فى البصائر:»أن أبا عبد الله سأله بعض الأصحاب
 
٢ ‏/ ١٥
 
عن مصحف فاطمة، فقال: إنكم تبحثون عما تريدون وعما لا تريدون. إن فاطمة مكثت بعد رسول الله ﷺ خمسة وسبعين يومًا، وقد كان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبريل يأتيها ويُحسن عزاءها على أبيها، ويُطِّيب نفسها، ويُخبرها عن أبيها ومكانه، ويُخبرها بما يكون بعدها فى ذُرِّيتها. وكان علىّ ﵇ يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة.
هذه هى أهم الأشياء التى يستند إليها الإمامية الإثنا عشرية فى تفسيرهم لكتاب الله تعالى، وهى كلها أوهام وأباطيل لا ثبوت لها إلا فى عقول الشيعة.. وكيف يكون سائغًا ومقبولًا أن ينبنى تفسير القرآن وفهم معانيه على أوهام وأباطيل؟؟ لهذا نرى العلامة ابن قتيبة يشدد النكير على الشيعة فى تفسيرهم لكتاب الله تعالى فيقول:
"وأعجب من هذا التفسير - يعنى تفسير المعتزلة - تفسير الروافض للقرآن، وما يدَّعونه من علم باطنه بما وقع إليهم من الجفر الذى ذكره هارون بن سعد العجلى، وكان رأس الزيدية فقال:
ألم نر أن الرافضين تفرَّقوا ... فكلهم فى جعفر قال منكرا
فطائفة قالوا: إمام، ومنهم ... طوائف سمَّته النبى المُطهَّرا
ومن عجب لم أقضه جلد جفرهم ... بَرِئتُ إلى الرحمن ممن تجفَّرا
بَرئتُ إلى الرحمن من كان رافض ... بصير بباب الكفر.. فى الدين أعورا
إذا كفَّ أهل الحق عن بدعة مضى ... عليها، وإن يمضوا على الحق قصَّرا
ولو قال: إن الفيل ضبٌ لصدَّقوا ... ولو قال: زنجى تحوَّل أحمرا
وأخلف من بول البعير فإنه ... إذا هو للإقبال وُجِّه أدبرا
فقُبِّح أقوام رموه بفرية ... كما قال فى عيسى الفَرى مَن تنصرا
 
٢ ‏/ ١٦
 
قال أبو محمد: وهو جلد جفر ادَّعوا أنه كتب فيه لهم الإمام كل ما يحتاجه إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم القيامة، فمن ذلك قولهم فى قول الله ﷿: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]: إنه الإمام ورث النبى ﷺ علمه. وقولهم فى قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]: إنها عائشة رضى الله عنها، وفى قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣]: إنه طلحة والزبير. وقولهم فى الخمر والميسر: إنهما أبو بكر وعمر رضى الله عنهما.. والجبت والطاغوت: إنهما معاوية وعمرو بن العاص.. مع عجائب أرغب عن ذكرها، ويرغب مَن بلغه كتابنا هذا عن استماعها.
وكان بعض أهل الأدب يقول: ما أشبه تفسير الرافضة للقرآن إلا بتأويل رجل من أهل مكة للشعر، فإنه قال ذات يوم: ما سمعتُ بأكذب من بنى تميم، زعموا أن قول القائل:
بيت زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع، وأبو الفوارس نهشل
إنه فى رجال منهم.. قيل له: فما تقول أنت فيهم؟ قال: البيت: بيت الله. وزرارة: الحِجْر، قيل: فمجاشع؟ قال: رمز.. جشعت بالماء. قيل: فأبو الفوارس؟ قال: أبو قبيس، قيل له: فنهشل؟ قال: نهشل.. أشده، وفكر ساعة ثم قال: نهشل: مصباح الكعبة، لأنه طويل أسود، فذلك نهشل.
وهم أكثر البدع اقترافًا ونحلًا، فمنهم قوم يقال لهم البيانية، يُنسبون إلى رجل يقال له «بيان»، قال لهم: إلىّ أشار الله تعالى إذ قال: ﴿هاذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨] ..
وهم أول مَن قال بخلق القرآن، ومنهم المنصورية، أصحاب أبى منصور الكسْف، وكان قال لأصحابه: فىّ نزل قوله: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفًا مِّنَ السمآء سَاقِطًا﴾ [الطور: ٤٤] .. ومنهم الخنَّاقون والشدَّاخون، ومنهم الغرَّابية، وهم الذين ذكروا أن عليًا رضى الله عنه كان أشبه بالنبى ﷺ من الغراب بالغراب، فتغلط جبريل ﵇ حيث بُعِثَ إلى علىّ لشبهه به.
قال أبو محمد: ولا نعلم فى أهل البدع والأهواء أحدًا ادَّعى الربوبية لبَشر غيرهم، فإن عبد الله بن سبأ، ادَّعى الربوبية لعلىّ فأحرق علىُّ أصحابه بالنار، وقال فى ذلك:
 
٢ ‏/ ١٧
 
لما رأيت الأمر أمرًا منكرا ... أججت نارى ودعوت قنبرا
ولا نعلم أحدًا ادَّعى النبوة لنفسه غيرهم، فإن المختار بن أبى عبيد ادَّعى النبوة لنفسه، وقال: «إن جبريل وميكائيل يأتيان إلى جهته، فصدَّقه قوم واتبعوه، وهم الكيسانية».
هذا ولا يفوتنا أن نقول: إن هذه الطوائف من الشيعة قد باد معظمها، وأشهر ما بقى منها إلى اليوم ثلاث فِرَق، هى: الإمامية الإثنا عشرية، والإمامية الإسماعيلية - وهم المسمون بالباطنية - والزيدية.
أما الإمامية الإثنا عشرية، فينتشرون اليوم فى بلاد إيران، وبلاد العراق كما يوجد منهم جماعة بالشام.
وأما الإسماعيلية، فينتشرون فى بلاد الهند، كما يوجدون فى نواح أخرى متفرقة، وزعيمهم أغا خان الزعيم الهندى الإسماعيلى المعروف.
وأما الزيدية فيوجدون ببلاد اليمن.
إذن.. فالأجدر بنا أن نمسك عن موقف هذه الفِرَق البائدة من تفسير القرآن، ما دامت قد بادت ولم يبق لها أثر، وما دمنا لم نقف لها على شئ فى التفسير أكثر من هذه النُبَذ المتفرقة التى وجدناها للبعض منهم وجمعناها من بطون الكتب المختلفة.
والذى يستحق عنايتنا وبحثنا بعد ذلك، هو تلك الفِرَق الثلاث التى لا تزال موجودة إلى اليوم، محتفظة بتعاليمها وآرائها. وسنبدأ أولًا بالإمامية الإثنا عشرية، ثم الإمامية الإسماعيلية، ثم بالزيدية، فنقول وبالله التوفيق:
 
٢ ‏/ ١٨
 


١- موقف الإمامية الإثنا عشرية من تفسير القرآن الكريم

للإمامية الإثنا عشرية معتقدات يدينون بها، وينفردون بها عمن عداهم من طوائف الشيعة. وهم حين يعتقدون هذه المعتقدات لا بد لهم - ما داموا يقرون بالإسلام ويعترفون بالقرآن ولو بوجه ما - أن يقيموا هذه العقائد على دعائم من نصوص القرآن الكريم، وأن يدافعوا عنها بكل ما يمكنهم من سلاح الجدل وقوة الدليل.
* موقفهم من الأئمة وأثر ذلك فى تفسيرهم:
وإذا نحن استعرضنا هذه المعتقدات وجدنا أن أهمها يدور حول أئمتهم، فهم يلقون على الأئمة نوعًا من التقديس والتعظيم، ويرون أن الأئمة «أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحُجَّة الله البالغة على مَن فوق الأرض ومَن تحت الثرى»، ويرون أن الإمامة «زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين».
ولما كان الإمام عندهم فوق أن يُحكم عليه، وفوق الناس فى طينته وتصرفاته، فإنَّا نراهم يعتقدون بأن له صلة روحية بالله تعالى كتلك الصلة التى للأنبياء والرسل، وأنه مُشَرِّع ومُنَقِّذ، وأن الله قد فوَّض النبى والإمام فى الدين، ويروون عن الصادق أنه قال: «إن الله خلق نبيه على أحسن أدب وأرشد عقل، ثم أدَّب نبيه فأحسن تأديبه فقال: ﴿خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩] .. ثم أثنى الله عليه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] .. ثم بعد ذلك فوَّض إليه دينه، فوَّض إليه التشريع فقال: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ [الحشر: ٧]، و﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠] .. والله فوَّض دينه إلى نبيه. ثم إن نبى الله فوَّض كل ذلك إلى علىّ وأولاده سلَّمتم وجحده الناس، فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، وأن تصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله، وما جعل الله لأحد خيرًا فى خلاف أمرنا».
وحيث إن الله تعالى خلق النبى وكل إمام بعده على أحسن أدب وأرشد عقل، فلا يختار النبى ولا الإمام إلا ما فيه صلاح وثواب، ولا يخطر بقلب النبى ولا بقلب الإمام ما يخالف مشيئة الله وما يتناقض مصلحة الأُمة، فيفوِّض الله تعيين بعض الأُمور إلى رأى النبى ورأى الإمام، مثل الزيادة فى عدد ركعات الفرض، ومثل تعيين النوافل من
 
٢ ‏/ ١٩
 
الصلاة والصيام، وذلك إظهارًا لكرامة النبى والإمام، ولم يكن أصل التعيين إلا بالوحى، ثم لم يكن الاختيار إلا بالإلهام، وله فى الشرع شواهد: حرَّم الله الخمر، وحرَّم النبى كل مسكر فأجازه الله، وفرض الله الفرائض ولم يذكر الجد، فجعل النبى للجد السدس، وكان النبى يُبَشِّر ويُعطى الجنَّة على الله ويجيزه الله.
وأيضًا فوَّض الله للنبى والأئمة من بعده أُمور الخلق، وأُمور الإدارة والسياسة من التأديب والتكميل والتعليم، وواجب على الناس طاعتهم فى كل ذلك. قالوا: وهذا حق ثابت دلَّت الأخبار عليه.
وأيضًا فوَّضهم الله تعالى فى البيان، بيان الأحكام والإفتاء وتفسير آيات القرآن وتأويلها، ولهم أن يُبيِّنوا ولهم أن يسكتوا، ولهم فوق ذلك البيان كيفما أرادوا وعلى أى وجه شاءوا، تَقيَّة منهم وعلى حسب الأحوال والمصلحة. والتفويض بهذا المعنى يدَّعون أنه حق ثابت لهم، والأخبار ناطقة به وشاهدة عليه. يقول صاحب الكافى: «سأل ثلاثة من الناس الصادق عن آية واحدة فى كتاب الله فأجاب كل واحد بجواب، أجاب ثلاثة بأجوبة ثلاثة، واختلاف الأجوبة فى مسألة واحدة كان يقع إما على سبيل التقيَّة وإما على سبيل التفويض».
وهناك نوع آخر من التفويض يثبتونه للنبى والأئمة، ذلك هو أن النبى أو الإمام له أن يحكم بظاهر الشريعة، وله أن يترك الظاهر ويحكم بما يراه وما يلهمه الله من الواقع وخالص الحق فى كل واقعة، كما كان لصاحب موسى فى قصة الكهف، وكما وقع لذى القرنين.
ثم كان من توابع هذه العقيدة التى يعتقدونها فى أئمتهم أن قالوا بعصمة الأئمة، وقالوا بالمهدى المنتظر، وقالوا بالرجعة، وقالوا بالتَقيَّة، وهذه كلها عقائد رسخت فى أذهانهم وتمكنت من عقولهم، فأخذوا بعد هذا ينظرون إلى القرآن الكريم من خلال هذه العقائد ففسَّروا القرآن وفقًا لهواهم، وفهموا نصوصه وتأوَّلوها حسبما تمليه عليهم العقيدة ويزينه لهم الهوى.. وهذا تفسير بالرأى المذموم، تفسير مَن اعتقد أولًا، ثم فسَّر ثانيًا بعد أن اعتقد.
* *
* تأثير الإمامية الإثنا عشرية بآراء المعتزلة وأثر ذلك فى تفسيرهم:
هذا.. وإن الإمامية الإثنا عشرية لهم فى نصوص القرآن التى تتصل بمسائل علم الكلام نظرة تتفق إلى حد كبير مع نظرة المعتزلة إلى هذه النصوص نفسها، ولم يكن بينهم وبين المعتزلة خلاف إلا فى مسائل قليلة، ويظهر أن هذا الارتباط الوثيق الذى كان بين الفريقين راجع إلى تتلمذ الكثير من شيوخ الشيعة وعلمائهم لبعض شيوخ
 
٢ ‏/ ٢٠
 
المعتزلة، كما يظهر لنا جليًا أن هذا الارتباط فى التفكير شئ قديم غير جديد، فالحسن العسكرى، والشريف المرتضى، وأبو على الطبرسى، وغيرهم من قدماء الشيعة، ينظرون هذه النظرة الاعتزالية فى تفاسيرهم التى بأيدينا، والتى تعرَّضنا لبعضها وسنعرض لبعضها الآخر قريبًا، بل إننا نجد الشريف المرتضى فى أماليه يحاول محاولة جدية أن يجعل عليًا رضى الله عنه معتزليًا أو رأس المعتزلة على الأصح، وقد تقدمت لنا مقالته التى عرضنا لها عند الكلام عن أماليه. وليس من شك فى أن هذه النظرات الاعتزالية كان لها أثر كبير فى تفسيرهم، وسنقف على شئ من ذلك إن شاء الله تعالى.
* *
* تأثرهم بمذاهبهم الفقهية والأُصولية فى تفاسيرهم:
ثم إن الشيعة لهم فى الفقه وأُصوله آراء خالفوا بها مَن سواهم، فمثلًا نجدهم يذكرون أن أدلة الفقه أربعة وهى: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، ودليل العقل. أما الكتاب فلهم رأى فيه سنعرض له فيما بعد.
وأما السَّنَّة فهم غير أمناء عليها ولا ملتزمين ما صح منها، وسنعرض لها فيما بعد أيضًا.
وأما الإجماع فليس حُجَّة بنفسه، وإنما يكون حُجَّة إذا دخل الإمام المعصوم فى المُجْمِعين، أو كان الإجماع كاشفًا عن رأيه فى المسألة، أو كان الإجماع عن دليل معتبر، فهو فى الحقيقة داخل فى الكتاب أو السُّنَّة.
وأما دليل العقل عندهم فلا يدخل فيه القياس، ولا الاستحسان، ولا المصالح المرسلة، لأن ذلك كله ليس حُجَّة عندهم.
وفى الفقه لهم مخالفات يشذون بها، فمثلًا تراهم يقولون: إن فرض الرِجْلين فى الوضوء هو المسح دون الغسل، ولا يجوِّزون المسح على الخفين، وجوَّزوا نكاح المتعة، وجوَّزوا أن تورث الأنبياء، ولهم مخالفات فى نظام الإرث، كإنكارهم للعول مثلًا، ولهم مخالفات كثيرة غير ذلك فى مسائل الاجتهاد.
 
٢ ‏/ ٢١
 
لهذا كان طبيعيًا أن يقف الإمامية الإثنا عشرية من الآيات التى تتعلق بالفقه وأصوله موقفًا فيه تعصب وتعسف، حتى يستطيعوا أن يخضعوا هذه النصوص ويجعلوها أدلة لآرائهم ومذاهبهم، كما كان طبيعيًا، أن يتأوَّلوا ما يعارضهم من الآيات والأحاديث. بل ووجدناهم أحيانًا يزيدون فى القرآن ما ليس منه ويدَّعون أنه قراءة أهل البيت، وهذا إمعان منهم فى اللجاج، وإغراق فى المخالفة والشذوذ.
* * *
* احتيالهم على تركيز عقائدهم وترويجها:
ويظهر لنا أن الإمامية الإثنا عشرية لم يجدوا فى القرآن كل ما يساعدهم على أغراضهم وميولهم، فراحوا (أولًا) يدَّعون أن القرآن له ظاهر وباطن بل وبواطن كثيرة، وأن علم جميع القرآن عند الأئمة، سواء فى ذلك ما يتعلق بالظواهر وما يتعلق بالبواطن، وحجروا على العقول فمنعوا الناس من القول فى القرآن بغير سماع من أئمتهم.
وراحوا (ثانيًا) يدَّعون أن القرآن وارد كُلّه أو جُلّه فى أئمتهم ومواليهم، وفى أعدائهم ومخالفيهم كذلك.
وراحوا (ثالثًا) يدَّعون أن القرآن حُرِّف وبُدِّل عما كان عليه زمن النبى ﷺ، وكل هذا لا أعتقد إلا أنه من قبيل الاحتيال على تركيز عقائدهم وإيهام الناس أنها مستقاة من القرآن الذى هو المنبع الأساسى والأول للدين.
وأعجب من هذا.. أنهم أخذوا يموِّهون على الناس، ويغرون العامة بما وضعوه من أحاديث على رسول الله ﷺ وعلى أهل بيته، وطعنوا على الصحابة إلا نفرًا قليلًا منهم، ورموهم بكل نقيصة فى الدين، ليجدوا لأنفسهم من وراء ذلك ثغرة يخرجون منها عندما تأخذ بخناقهم الأحاديث الصحيحة التى يرويها هؤلاء الصحابة عن رسول الله ﷺ.
ويحسن بنا ألا نمر سراعًا على هذه النقط الأربع بالذات، بل علينا أن نقف أمامها وقفة طويلة ودقيقة حتى نستطيع أن نقف على مدى هذه الأوهام والدعاوى. التى كان لها أكبر الأثر فى اتجاه التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية، فنقول وبالله التوفيق:
١ - ظاهر القرآن وباطنه:
يقول الإمامية الإثنا عشرية: إنَّ القرآن له ظاهر وباطن. وهذه حقيقة نقرهم عليها ولا نعارضهم فيها بعد ما صح لدينا من الأحاديث التى تقرر هذا المبدأ فى التفسير، غاية الأمر أن هؤلاء الإمامية لم يقفوا عند هذا الحد. بل تجاوزوا إلى
 
٢ ‏/ ٢٢
 
القول بأن للقرآن سبعة وسبعين بطنًا، ولم يقتصروا على ذلك بل تمادوا وادَّعوا أن الله تعالى جعل ظاهر القرآن فى الدعوة إلى التوحيد والنبوة والرسالة، وجعل باطنه فى الدعوة إلى الإمامة والولاية وما يتعلق بهما.
* حرصهم على التوفيق بين ظاهر القرآن وباطنه:
ولقد كان من أثر هذا الرأى فى القرآن، أن اشتد حرص هؤلاء القائلين به على أن يعقدوا صلة بين المعانى الظاهرة والمعانى الباطنة للقرآن، ويعملوا بكل ما فى وسعهم وطاقتهم على إيجاد مناسبة بينهما حتى يُقرِّبوا هذا المبدأ من عقول الناس ويجعلوه أمرًا سائغًا مقبولًا. ومن أمثلة هذا التوفيق والربط بين ظاهر القرآن وباطنه، قوله تعالى فى الآية [١٥] من سورة محمد ﵇: ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات﴾ .. فهم يقرون أن هذا الظاهر مراد الله تعالى، ومراد له مع هذا الظاهر معنى آخر باطنى هو علوم الأئمة ﵈، ويقولون: إن الجامع بين المعنيين هو الانتفاع بكل منهما وبمثل هذا يوفقون بين المعانى الظاهرة والباطنة، حتى لا يكون مستبعدًا إرادة الله لمعنى خاص بحسب ما يدل عليه ظاهر اللفظ، وإرادته لمعنى آخر بحسب ما يدل عليه باطن الأمر.
* *
* حملهم الناس على التسليم بما يدَّعون من المعانى الباطنة للقرآن:
وكأنِّى بالإمامية الإثنا عشرية بعد أن ربطوا بين ظاهر القرآن وباطنه، وجمعوا بينهما بجامع التناسب والتشابه.. كأنَّى بهم يعتقدون أن مثل هذا الربط لا يكفى فى حمل الناس على أن يذهبوا مذهبهم هذا، فحاولوا أن يحملوهم عليه من ناحية العقيدة والإرهاب الدينى، الذى يشبه الإرهاب الكَنَسى للعامة فى العصور المظلمة، من حمل الناس على ما يوحون به إليهم بعد أن حظروا عليهم إعمال العقل، وحالوا بينهم وبين حريتهم الفكرية، فقالوا: إن الإنسان يجب عليه أن يؤمن بظاهر القرآن وباطنه على السواء، كما يجب عليه أن يؤمن بمحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، ولا بد أن يكون ذلك على سبيل التفصيل إن وصل إليه علم ذلك مفصَّلًا عن آل البيت، ويكفى فيه الإجمال إن لم يصل إليه التفصيل. قالوا: ولا يجوز أن ينكر الباطن بحال، وعليه أن يُسَلِّمْ بكل ما وصل إليه من ذلك عن طريق آل البيت وإن لم يفهم معناه، ولو أن إنسانًا آمن بالظاهر وأنكر الباطن لكفر بذلك، كما لو أنكر الظاهر وآمن بالباطن أو الظاهر والباطن جميعًا.
وحرصًا منهم على تعطيل عقول الناس ومنعهم من النظر الحر فى نصوص القرآن الكريم، قالوا: إن جميع معانى القرآن، سواء منها ما يتعلق بالظاهر وما يتعلق بالباطن،
 
٢ ‏/ ٢٣
 
اختص بها النبى ﷺ والأئمة من بعده، فهم الذين عندهم علم الكتاب كله، لأن القرآن نزل فى بيتهم «وأهل البيت أدرى بما فى البيت». أما مَن عداهم من الناس فلا يرون أدنى شبهة فى قصور علمهم، وعدم إدراكه لكثير من معانى القرآن الظاهرة، فضلًا عن معانيه الباطنة، قالوا: ولهذا لا يجوز لإنسان أن يقول فى القرآن إلا بما وصل إليه من طريقهم، غاية الأمر أنهم جوَّزوا لمن أخلص حبه وانقياده لله ولرسوله ولأهل البيت، واستمد علومه من أهل البيت حتى آنس من نفسه العلم والمعرفة.. جوَّزوا لمثل هذا أن يستنبط من القرآن ما يتيسر له، لأنه بحبه لآل البيت وأخذه عنهم صار كأنه منهم، وقد قيل: «سلمان منا آل البيت».
* * *
* أثر التفسير الباطنى فى تلاعبهم بنصوص القرآن:
ولقد كان من نتائج هذا التفسير الباطنى للقرآن أن وجد القائلون به أمام أفكارهم مضطربًا بالغًا ومجالًا رحبًا، يتسع لكل ما يشاؤه الهوى وتزينه لهم العقيدة، فأخذوا يتصرَّفون فى القرآن كما يحبون، وعلى أى وجه يشتهون، بعد ما ظنوا أن العامة قد انخدعت بأوهامهم وسلَّموا بأفكارهم ومبادئهم.
فقالوا - مثلًا - إنَّ من لطف الله تعالى أن يشير بواسطة المعانى الباطنة لبعض الآيات إلى ما سيحدث فى المستقبل من حوادث، ويعدون هذا من وجوه إعجازه، ثم يُفرِّعون على هذه القاعدة ما يشاؤه لهم الهوى، وما يزينه فى أعينهم داعى العقيدة وسلطانها، فيقولون مثلًا فى قوله تعالى فى الآية [١٩] من سورة الانشقاق: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبقٍ﴾: إنه إشارة إلى أن هذه الأُمة ستسلك سبيل مَن كان قبلها من الأُمم فى الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء.
كذلك مكَّن لهم القول بباطن القرآن من أن يقولوا: إن اللَّفظ الذى يراد به العموم ظاهرًا، كثيرًا ما يراد به الخصوص بحسب المعنى الباطن، فمثلًا لفظ «الكافرون» الذى يُراد به العموم، يقولون: هو فى الباطن مخصوص بمن كفر بولاية علىّ.
كما مكَّنهم أيضًا من أن يصرفوا الخطاب الذى هو موجَّه فى الظاهر إلى الأُمم السابقة أو إلى أفراد منها، إلى مَن يصدق عليه الخطاب فى نظرهم من هذه الأُمة بحسب الباطن، فمثلًا قوله تعالى فى الآية [١٥٩] من سورة الأعراف: ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ .. يقولون فيه: قوم موسى فى الباطن هم أهل الإسلام.
ولقد مكَّنهم أيضًا من أن يتركوا أحيانًا المعنى الظاهر ويقولوا بالباطن وحده، كما فى قوله تعالى فى الآيتين [٧٤-٧٥] من سورة الإسراء: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا
 
٢ ‏/ ٢٤
 
نَصِيرًا﴾ .. فالظاهر غير مراد عندهم، ويقولون: عنى بذلك غير النبى، لأن مثل هذا لا يليق أن يكون موجهًا للنبى ﵊، وإنما هو معنى به من قد مضى، أو هو من باب: «إياكِ أعنى واسمعى يا جارة».
كذلك مكَّنهم هذا المبدأ من إرجاع الضمير إلى ما لم يسبق له ذكر، كما فى قوله تعالى فى الآية [١٥] من سورة يونس: ﴿قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ .. حيث يفسرون «أو بَدِّلُه» بمعنى أو بدِّل عليًا. ومعلوم أن عليًا لم يسبق له ذكر، ولم يكن الكلام مسوقًا فى شأن خلافته وولايته.
ومما ساغ لهم أن يقولوه بعد تقريرهم لمبدأ القول بالباطن: أن تأويل الآيات القرآنية لا يجرى على أهل زمان واحد، بل عندهم أن كل فقرة من فقرات القرآن لها تأويل يجرى فى كل آن، وعلى أهل كل زمان، فمعانى القرآن على هذا متجددة. حسب تجدد الأزمنة وما يكون فيها من حوادث. بل وساغ لهم ما هو أكثر من ذلك فقالوا: إن الآية الواحدة لها تأويلات كثيرة مختلفة متناقضة، وقالوا: إن الآية الواحدة يجوز أن يكون أولها فى شئ وآخرها فى شئ آخر.. ولا شك أن باب التأويل الباطنى باب واسع يمكن لكل مَن ولجه أن يصل منه إلى كل ما يدور بخلده ويجيش بخاطره.
وليس لقائل أن يقول: إن رسول الله ﷺ صرَّح بأن للقرآن باطنًا، وأن المفسِّرين جميعًا يعترفون بذلك ويقولون به، فكيف توجه اللوم إلى الإمامية وحدهم؟ ليس لقائل أن يقول ذلك، لأن الباطن الذى أشار إليه الحديث وقال به جمهور المفسِّرين، هو عبارة عن التأويل الذى يحتمله اللفظ القرآنى، ويمكن أن يكون من مدلولاته. أما الباطن الذى يقول به الشيعة فشئ يتفق مع أذواقهم ومشاربهم، وليس فى اللفظ القرآنى الكريم ما يدل عليه ولو بالإشارة.
* *
* مخلصهم من تناقض أقوالهم فى التفسير:
ثم إن الإمامية الإثنا عشرية، أحسوا بخطر موقفهم وتحرجه عندما جوَّزوا أن يكون للآية الواحدة أكثر من تفسير واحد مع التناقض والاختلاف بين هذه التفاسير. فأخذوا يموِّهون على العامة ويضللونهم، فقرروا من المبادئ ما أوجبوا الاعتقاد به أولًا على الناس ليصلوا بعد ذلك إلى مخلص يتخلصون به من هذا المأزق الحرج، فكان من هذه المبادئ التى قرروها وأوجبوا الاعتقاد بها ما يأتى:
أولًا: أن الإمام مفوَّض من قِبَلِ الله فى تفسير
 
٢ ‏/ ٢٥
 
القرآن.
ثانيًا: أنه مفوَّض فى سياسة الأُمة.
ثالثًا: التقية.
وكل واحد من هذه الثلاثة يمكن أن يكون مخلصًا للخروج من هذا التناقض الذى وقع فى تفاسيرهم التى يروونها عن أئمتهم، فكون الإمام مفوَّضًا من قِبَلِ الله فى تفسير القرآن مخلص لهم، لأن باب التفويض واسع. وكونه مفوَّضًا فى سياسة الأُمة مخلص أيضًا، لأن الإمام أعلم بالتنزيل والتأويل، وأعلم بما فيه صلاح السائل والسامع، فهو يجيب كل إنسان على حسب ما يرى فيه صلاح حاله، والقول بالتقية مخلص أوسع من سابقيه، لأن الإمام له أن يسكت ولا يجيب، تقية منه. «قيل عند الباقر: إن الحسن البصرى يزعم أن الذين يكتمون العلم تؤذى ريح بطونهم أهل النار، فقال الباقر: فهلك إذن مؤمن آل فرعون، ما زال العلم مكتومًا منذ بعث الله نوحًا، فليذهب الحسن يمينًا وشمالًا، لا يوجد العلم إلا ههنا.. وأشار إلى صدره».
وللإمام أن يجيب بحسب الأحوال وما يرى فيه المصلحة.. تقية منه أيضًا وبنوا على هذا «أن الإمام إن قال قولًا على سبيل التقية، فللشيعى أن يأخذ به ويعمل بما قاله الإمام إن لم يتنبه الشيعى إلى أن قول الإمام كان على سبيل التقية».
ونحن لا نظن أن الأئمة كانوا يلجأون إلى هذه التقية.. تقية الخداع فى الأخبار، والنفاق فى الأحكام، وإنما هى تمحلات يتمحلونها، ليُخلِّصوا بها أنفسهم من هذا الارتباك الذى وقعوا فيه.
* *


٢- موقف القرآن من الأئمة وأوليائهم وأعدائهم

ثم إن الإمامية الإثنا عشرية، قرروا أن الإقرار بإمامة علىّ ومَن بعده مِنَ الأئمة والتزام حبهم وموالاتهم، وبغض مخالفيهم وأعدائهم، أصل من أُصول الإيمان، بحيث لا يصلح إيمان المرء إلا إذا حصل ذلك، مع الإقرار بباقى الأصول، كما قرروا وجوب طاعة الأئمة، واعتقاد أفضليتهم على الخلائق أجمعين.
قرر الإمامية هذا كله، ثم أخذوا يُنزلون نصوص القرآن على ما قرروه، بل وزادوا على ذلك فقالوا: إن كل آيات المدح والثناء وردت فى الأئمة ومَن والاهم، وكل آيات الذم والتقريع وردت فى مخالفيهم وأعدائهم، بل ويدَّعون ما هو أكثر من ذلك فيقولون: إن جُلّ القرآن بل كُلّه، أُنزِل فى الإرشاد إليهم، والإعلان بهم، والأمر بموافقتهم، والنهى عن مخالفتهم.
ولقد كان من أثر زعمهم أن القرآن جُلّه أو كُلّه وارد فى أئمتهم ومَن والاهم، وفى أعدائهم ومَن وافقهم، أن قالوا: إن ما نسبه الله إلى نفسه بصيغة الجمع أو ضميره سره أن أراد إدخال النبى ﷺ والأئمة معه، قالوا: وهو مجاز شائع معروف، بل وبالغوا فقالوا: إن الأئمة هم المقصودون بالذات أحيانًا كما فى قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولاكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] .. حيث رووا عن أبى جعفر محمد الباقر أنه قال فيها: إن الله أعظم وأعَزّ وأَجلّ من أن يُظلم، ولكن خلطنا
 
٢ ‏/ ٢٦
 
بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته، حيث يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ﴾ [المائدة: ٥٥] بمعنى الأئمة منا.
وأعجب من هذا، أنهم جعلوا لفظ الجلالة، والإله والرب، مرادًا به الإمام، وكذا الضمائر الراجعة إليه سبحانه، وتأوَّلوا ما أضافه الله إلى نفسه من الإطاعة والرضا والغنى والفقر مثلًا، بما يتعلق بالإمام كإطاعته، ورضاه، وغناه، وفقره ... إلخ، ويعدون ذلك من قبيل المجاز الشائع المعروف.. ولكن لا شيوع لمثل هذا المجاز ولا معرفة لنا به إذ المجاز المتعارَف عليه بين العلماء هو استعمال اللَّفظ فى غير ما وُضِع له لعلاقة مع قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلى، وأين العلاقة هنا؟ وإذا تكلَّفوا العلاقة فأين القرينة الصارفة للفظ عن حقيقته؟ ثم.. لِمَ هذا التكلف والعدول إلى المجاز، وقد تقرر أنه لا يُعدل إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة؟
* *


٣- تحريف القرآن وتبديله
وأحسب أن الإمامية الإثني عشرية، عزَّ عليهم أن يكون القرآن غير صحيح فى عقيدتهم بالنسبة للأئمة وموافقيهم، وبالنسبة لأعدائهم ومخالفيهم، وكأنِّى بهم وقد تساءلوا فيما بينهم فقالوا: إذا كان القرآن جُلّه واردًا فى شأن الأئمة وشيعتهم، وفى شأن أعدائهم ومخالفيهم، فلِمَ لَمْ يأت القرآن بذلك صريحًا مع أنه المقصود أولًا بالذات؟ ولِمَ اكتفى بالإشارة الباطنة فقط؟.. كأنِّى بهم بعد هذا التساؤل، وبعد هذا الاعتراض الذى أخذ بخناقهم، وراحوا يتلمسون للتخلص منه كل سبيل، فلم يجدوا أسهل من القول بتحريف القرآن وتبديله، فقالوا: إن القرآن الذى جمعه علىّ ﵇، وتوارثه الأئمة من بعده، هو القرآن الصحيح الذى لم يتطرق إليه تحريف ولا تبديل، أما ما عداه فمحرَّف ومبدَّل، حُذِف منه كل ما ورد صريحًا فى فضائل آل البيت، وكل ما ورد صريحًا فى مثالب أعدائهم ومخالفيهم. وأخبار التحريف متواترة عند الشيعة، ولهم فى ذلك روايات كثيرة يروونها عن آل البيت، وهم منها براء.
يروى الكافى عن الصادق: أن القرآن الذى نزل به جبريل على محمد سبعة عشر ألف آية، والتى بأيدينا منها ستة آلاف ومائتان وثلاث وستون آية، والبواقى مخزونة عند أهل البيت فيما جمعه علىّ.
ويقولون: إن سورة «لم يكن» كانت مشتملة على اسم سبعين رجلًا من قريش بأنسابهم وآبائهم. وإن سورة «الأحزاب» كانت مثل سورة «الأنعام» أسقطوا منها
 
٢ ‏/ ٢٧
 
فضائل أهل البيت، وإن سورة «الولاية» أُسقطت بتمامها ... وغير ذلك من خرافاتهم.
وأخف ما لهم فى هذا الموضوع هو «أن جميع ما فى المصحف كلام الله، إلا أنه بعض ما نزل، والباقى مما نزل عند المستحفظ لم يضع منه شئ، وإذا قام القائم يقرؤه الناس كما أنزله الله على ما جمعه أمير المؤمنين علىّ».
ولقد اصطدم مدَّعو التحريف والتبديل، بنصوص من القرآن صريحة فى هدم مدَّعاهم هذا، فمن تلك النصوص: قوله تعالى فى الآية [٩] من سورة الحِجْر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .. ولكن سرعان ما تخلَّصوا منها بالتأويل فقالوا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أى عند الأئمة، وبمثل هذا التأويل يتخلَّصون من باقى النصوص المعارضة لهم.
واصطدموا أيضًا بأمرين آخرين لهما عظيم الخطر على عقائدهم ومبائدهم.
أولهما: كيف تعتمدون فى تعاليمكم ومعتقداتكم على هذا القرآن الذى بأيدينا وقد جزمتم بوقوع التحريف والتبديل فيه؟
ثانيهما: كيف تُوجبون على الناس أن يعترفوا بفضائل آل البيت، ويتبرأوا من أعدائهم ومخالفيهم، والحُجَّة غير قائمة عليهم بعد أن حُذِف كل ذلك من القرآن؟
وقد أجابوا عن الأول: بأن التحريف إنما وقع فيما لا يخل بالمقصود كثير إخلال، كحذف اسم علىّ، وآل محمد، وأسماء المنافقين.
وأجابوا عن الثانى: بأن الله تعالى علم ما سيكون من وقوع التحريف والتبديل فى القرآن، فلم يكتف بما جاء صريحًا فى فضائل أهل البيت ومثالب أعدائهم، بل أشار إلى ذلك ودَلَّ عليه بحسب بطون القرآن وتأويله، وهذا قد سلم من التحريف والتبديل قطعًا، فبقيت الحُجَّة قائمة على الناس وإن بدَّلوا الظاهر وحرَّفوه.
والحق أن الشيعة هم الذين حرَّفوا وبدَّلوا. فكثيرًا ما يزيدون فى القرآن ما ليس منه، ويدَّعون أنه قراءة أهل البيت، فمثلًا نراهم عند قوله تعالى فى الآية [٦٧] من سورة المائدة: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ .. يزيدون: «فى شأن علىّ»، وهى زيادة لم ترد إلا من طريقهم، وهى طريق مطعون فيها.
وهم الذين حرَّفوا القرآن أيضًا حيث تأوَّلوه على غير ما أنزل الله "قيل للصادق: ألم يكن علىّ قويًا فى دين الله؟ قال: بلى. قيل: فكيف ظهر عليه القوم ولم يدفعهم؟ وما منعه من ذلك قال؟ الصادق: آية فى كتاب الله منعته. قيل: أى آية؟ قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]، كان لله ودائع مؤمنون فى أصلاب
 
٢ ‏/ ٢٨
 
قوم كافرين ومنافقين، ولم يكن علىّ يقتل الآباء حتى تخرج الودائع، فلما خرجت ظهر علىّ على مَن ظهر فقتلهم«.
وروى العياشى عن الباقر أنه قال:»لما قال النبى: «اللَّهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام» أنزل الله: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُدًا﴾ .
[الكهف: ٥١] وتقول أُصول الكافى فى قوله تعالى فى الآية [١٣٧] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾: إن هذه الآية نزلت فى أبى بكر وعمر وعثمان، آمنوا بالنبى أولًا، ثم كفروا حيث عُرضت عليهم ولاية علىّ، ثم آمنوا بالبيعة لعلىّ، ثم كفروا بعد موت النبى. ثم ازدادوا كفرًا بأخذ البيعة من كل الأُمة.
هذه أمثلة نذكرها ونضعها بين يدى القارئ الكريم ليحكم بنفسه حكمًا صادقًا: أن هؤلاء الشيعة، الذين يدَّعون التحريف والتبديل للقرآن، هم أنفسهم المحرَّفون لكتاب الله، المبدلِّون فيه، بصرفهم ألفاظ القرآن إلى غير مدلولاتهم وتقولهم على الله بالهوى والتشهى.
* *


٤- موقفهم من الأحاديث النبوية وآثار الصحابة

ولقد رأى الإمامية الإثنا عشرية أنفسهم أمام كثرة من الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ، وأمام كثيرة من الروايات المأثورة عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وفى تلك الأحاديث وهذه الآثار ما يخالف تعاليمهم مخالفة صريحة، لذا كان بدهيًا أن يتخلص القوم من كل هذه الروايات، إما بطريق ردها، وإما بطريق تأويلها. والرد عندهم سهل ميسور، ذلك لأن الرواية إما أن تكون قولًا لصحابى، وإما أن تكون قولًا لرسول الله ﷺ عن طريق صحابى، وهم يُجَرِّحون معظم الصحابة، بل ويُكَفِّرونهم لمبايعتهم أبا بكر أولًا، ثم عمر من بعده، ثم عثمان من بعدهما.. وأما التأويل فباب واسع.. وهم أهله وأربابه.
فمثلًا نجدهم يردون الأحاديث والآثار التى ثبتت فى تحريم نكاح المتعة ونسخ حِلَّه، كما نجدهم يردون أحاديث المسح على الخفين ويقولون: إنها من رواية المغيرة بن شعبة رأس المنافقين. ثم نجدهم يُسَلِّمون صحة الرواية جدلًا ولكنهم يتأوَّلونها فيقولون: إن الخف الذى كان يلبسه النبى ﷺ كان مشقوقًا من أعلى، فكان يمسح على ظاهر قدمه من هذا الشق.. وظاهر أن هذا تأويل بارد متكلف.
 
٢ ‏/ ٢٩
 
فإذا كان هؤلاء لا يقبلون أقوال الصحابة، ولا يثقون بروايتهم عن رسول الله ﷺ، إذن فمَن يقبلون قوله؟ ومَن يثقون بروايته؟
الذى عليه الشيعة إلى اليوم، أنهم لا يأخذون الحديث إلا ممن كان شيعيًا، ولا يقبلون تفسيرًا إلا ممن كان شيعيًا، ولا يثقون بشئ مطلقًا إلا إذا وصل إليهم من طريق شيعى!! ... وبهذا حصروا أنفسهم فى دائرة خاصة، حتى كأنهم هم المسلمون وحدهم، فإن عاشوا وسط السنيين فباطنهم لأنفسهم، وظاهرهم للتقية!!
وليت الأمر وقف بهم عند هذا الحد - حد الثقة بأشياعهم والاتهام لمن عداهم - بل وجدنا الرؤساء من الشيعة كجابر بن يزيد الجعفى وغيره - قد استغلوا أفكار الجمهور الساذجة، وقلوبهم الطيبة الطاهرة، وحبهم لآل بيت رسول الله ﷺ، فراحوا يضعون الأحاديث عن رسول الله ﷺ وعلى آل بيته، ويضمنونها ما يَرضى ميولهم المذهبية، وأغراضهم السيئة الدنيئة، ولم يفتهم أن يحكموا أسانيد هذه الشيعة لأنهم وجدوها مؤيدة لدعواهم..
ويعجبنى هنا ما ذكره أبو المظفر الإسفرائينى فى كتابه «التبصير فى الدين»، وهو: أن الروافض «لما رأوا الجاحظ يتوسع فى التصانيف، ويصنف لكل فريق، قالت له الروافض: صنِّفْ لنا كتابًا، فقال لهم: لستُ أدرى لكم شبهة حتى أرتبها وأتصرف فيها، فقالوا له: إذن دلنا على شئ نتمسك به، فقال: لا أرى لكم وجهًا إلا أنكم إذا أردتم أن تقولوا شيئًا تزعمونه، تقولون: إنه قول جعفر بن محمد الصادق، لا أعرف لكم سببًا تستندون إليه غير هذا الكلام. فتمسكوا بحمقهم وغباوتهم بهذه السوءة التى دلَّهم عليها، فكلما أرادوا أن يختلقوا بدعة أو يخترعوا كذبة، نسبوها إلى ذلك السيد الصادق، وهو عنها منزَّه ومن مقالتهم فى الدارين برئ». * *

أهم الكتب التى يعتمدون عليها فى رواية الأحاديث والأخبار

هذا.. وللإمامية الإثنا عشرية كتب كثيرة، يعتمدون عليها فى رواية الأحاديث والأخبار، ويُنزلونها من أنفسهم منزلة سامية، ويثقون بها وثوقًا بالغًا، فمن أهم هذه الكتب ما يأتى:
أولًا: كتاب «الكافى»، وهو أهم الكتب عند الإمامية الإثنا عشرية على الإطلاق، وهو لأبى جعفر محمد بن يعقوب الكلينى المتوفى سنة ٣٢٨ هـ (أو ٣٢٩هـ) . وهو عندهم كالبخارى عند أهل السُّنَّة، وهذا الكتاب يحتوى على ستة عشر ألف حديث، قسمها - كما فعل أهل السُّنَّة - إلى صحيح، وحسن، وضعيف. وهو يقع فى ثلاث مجلدات: المجلد الأول فى الأصول، والثانى والثالث فى الفروع.
 
٢ ‏/ ٣٠
 
ثانيًا: كتاب «التهذيب» لمحمد بن الحسن الطوسى، مجلدان فى الفروع.
ثالثًا: كتاب «مَن لا يحضره الفقيه»، لمحمد بن علىّ بن بابويه. وهو فى الفروع.
رابعًا: كتاب «الاستبصار فيما اختُلِفَ فيه من الأخبار»، لمحمد ابن الحسن الطوسى (اختصره من كتاب التهذيب) .
هذه الكتب الأربعة، هى أُمهات كتب الشيعة التى يعتمدون عليها ويثقون بها، وقد جمعها كتاب «الوافى» فى ثلاث مجلدات كبيرة، وهو من مؤلفات محمد بن مرتضى، المعروف بملا محسن الكاشى.
وهناك كتب فى الحديث ذكرها صاحب «أعيان الشيعة» غير ما تقدم، منها: «وسائل الشيعة إلى أحاديث الشريعة»، للشيخ محمد بن الحسن العاملى، و«بحار الأنوار فى أحاديث النبى والأئمة الأطهار»، للشيخ محمد الباقر، وهى لا تقل أهمية عن الكتب المتقدمة.
والذى يقرأ فى هذه الكتب لا يسعه أمام ما فيها من خرافات وأضاليل إلا أن يحكم بأن متونها موضوعة، وأسانيدها مفتعلة مصنوعة، كما لا يسعه إلا أن يحكم على هؤلاء الإمامية بأنهم قوم لا يُحسنون الوضع، لأنهم ينقصهم الذوق، وتعوزههم المهارة، وإلا فأى ذوق وأية مهارة فى تلك الرواية التى يروونها عن جعفر الصادق رضى الله عنه، وهى: أنه قال: «ما من مولود يولد إلا وإبليس من الأبالسة بحضرته، فإن علم الله أن المولود من شعيتنا حجبه من ذلك الشيطان، وإن لم يكن المولود من شيعتنا أثبت الشيطان أصبعه فى دُبرُ الغلام فكان مأبونًاَ، وفى فَرْج الجارية فكانت فاجرة».
أظن أن القارئ معى فى أن الذى وضع هذه الرواية واختلقها على جعفر الصادق، رجل ينقصه الذوق، وتعوزه المهارة، ونحن أمام هذه الأحاديث والروايات، لا يسعنا إلا أن نردها ردًا باتًا، وذلك لأسباب الآتية:
أولًا: إن غالب هذه الأحاديث يروونها بدون سند، بل يعتمدون على مجرد وجودها فى كتبهم. تروى كتب الشيعة أن إمامًا من أئمة أهل البيت أولاد علىّ يقول: «ذروا الناس فإن الناس أخذوا عن الناس وإنكم أخذتم عن رسول الله». ولكن بأى سند؟ تجيب كتب الشيعة: «إن شيوخنا رووا عن الباقر وعن الصادق وكانت التقية شديدة، وكانت الشيوخ تكتم الكتب، فلما خلت الشيوخ وماتت وصلت كتب الشيوخ إلينا، فقال إمام من الأئمة: حدِّثوا بها فإنها صادقة».
 
٢ ‏/ ٣١
 
ثانيًا: إن ما روى من هذه الروايات مسندًا لا بد أن يكون فى سنده شيعى متعصب لمذهبه، وقد قال رجال الحديث: إنه لا تُقبل رواية المبتدع الذى يدعو لمذهبه ويُرَوِّج له.
ثالثًا: إن القاعدة المتفق عليها بين المحدِّثين: أن «كل متن يناقض المعقول. أو يخالف الأصول. أو يعارض الثابت من المنقول، فهو موضوع على الرسول»، وغالب أحاديثهم لا تسلم لهم إذا عرضناها على هذه القاعدة.
وكلمة الحق والإنصاف: أنه لو تصفح إنسان أُصول «الكافى»، وكتاب «الوافى» وغيرهما من الكتب التى يعتمد عليها الإمامية الإثنا عشرية، لظهر له أن معظم ما فيها من الأخبار موضوع وضع كذب وافتراء، وكثير مما روى فى تأويل الآيات وتنزيلها، لا يدل إلى على جهل القائل بها وافترائه على الله، ولو صح ما ترويه هذه الكتب من تأويلات فاسدة للقرآن، لما كان قرآن، ولا إسلام، ولا شرف لأهل البيت، ولا ذِكْر لهم.
وبعد.. فغالب ما فى كتب الإمامية الإثنا عشرية فى تأويل الآيات وتنزيلها، وفى ظهر القرآن وبطنه، استخفاف بالقرآن والكريم، ولعب بآيات الذكر الحكيم ... وإذا كان لهم فى تأويل الآيات وتنزيلاتها أغلاط كثيرة، فليس من المعقول أن تكون كلها صادرة عن جهل منهم، بل المعقول أن بعضها قد صدر عن جهل، والكثير منها صدر عمدًا عن هوى ملتزم، وللشيعة - كما بيَّنا - أهواء التزمتها.
* *

أهم كتب التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية
للإمامية الإثنا عشرية ثروة كبيرة من كتب التفسير، منها ما تم، ومنها ما لم يتم، ومنها القديم، ومنها الحديث. ومنها ما بقى، ومنها ما اندثر، وكلها تدور حول تركيز عقيدتهم مع اختلاف بينها فى الغلو والاعتدال، واختلاف فى المنهج الذى سلكه مؤلف كل منها ومن هذه الكتب ما يأتى:
١ - تفسير الحسن العسكرى، المتوفى سنة ٢٤٥ هـ (أربع وخمسين ومائتين من الهجرة) لم يتم، وهو مطبوع فى مجلد واحد، ومنه نسخة بدار الكتب المصرية.
٢ - تفسير محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السلمى الكوفى المعروف بـ «العياشى» من علماء القرن الثالث الهجرى، وهو من أُمهات كتب التفسير عند الشيعة. وعليه يعوِّلون كثيرًا، ولم يقع لنا هذا التفسير.
٣ - تفسير علىّ بن إبراهيم القُمِّى. فى أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجرى، وهو تفسير مختصر يعتمد عليه أرباب هذا المذهب كثيرًا، وهو مطبوع فى مجدل واحد كبير، ومنه نسخة بدار الكتب المصرية.
٤ - التبيان: للشيخ أبى جعفر محمد بن الحسن بن على الطوسى المتوفى سنة ٤٦٠ هـ (ستين وأربعمائة من الهجرة) . وهو الذى استمد منه الطبرسى تفسيره، وقد ذكر صاحب «أعيان الشيعة» أنه يقع فى عشرين مجلدًا. ولم يقع لنا هذا التفسير أيضًا.
٥ - مجمع البيان: لأبى علىّ الفضل بن الحسن الطبرسى المتوفى سنة ٥٣٨ هـ (ثمان وثلاثين وخمسمائة من الهجرة)، وهو مطبوع فى مجلدين كبيرين، وموجود بدار الكتب المصرية وبالمكتبة الأزهرية.
٦ - الصافى: لمحمد بن مرتضى، الشهير بملا محسن الكاشى، من علماء القرن الحادي عشر الهجرى، وهو مطبوع فى مجلد واحد كبير، ومنه نسخة بدار الكتب المصرية.
٧ - الأصفى: للمؤلف السابق، وهو مختصر من الصافى، ومطبوع فى مجلد واحد كبير، ومنه نسخة بدار الكتب المصرية، وأخرى بمكتبة الجامعة المصرية «جامعة القاهرة».
٨ - البرهان: لهاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسينى البحرانى، المتوفى سنة ١١٠٧ هـ (سبع ومائة بعد الألف من الهجرة)، وهو مطبوع فى مجلدين، وموجود بدار الكتب المصرية.
 
٢ ‏/ ٣٢
 
٩ - مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار: للمولى عبد اللطيف الكازرانى، ولم يقع لنا هذا التفسير والموجود منه مقدمته فقط، وهى مطبوعة فى مجلد كبير وموجودة فى دار الكتب المصرية.
١٠ - المؤلِّف: لمحمد مرتضى الحسينى، المعروف بنور الدين، من علماء القرن الثانى عشر الهجرى، وهو مخطوط فى مجلد واحد صغير، وموجود بدار الكتب المصرية.
١١ - تفسير القرآن: للمولى السيد عبد الله بن محمد رضا العلوى، المتوفى سنة ١٢٤٢ هـ (اثنتين وأربعين ومائتين بعد الألف من الهجرة)، وهو مطبوع فى مجلد كبير، وموجود بدار الكتب المصرية.
١٢ - بيان السعادة فى مقامات العبادة: لسلطان بن محمد بن حيدر الخراسانى، من علماء القرن الرابع عشر الهجرى، وهو مطبوع فى مجلد كبير وموجود بدار الكتب المصرية.
 
٢ ‏/ ٣٣
 
١٣- آلاء الرحمن فى تفسير القرآن: لمحمد جواد بن الحسن النجفى المتوفى سنة ١٣٥٢ هـ (اثنتين وخمسين وثلاثمائة بعد الألف من الهجرة) . لم يتم، والموجود منه بدار الكتب المصرية الجزء الأول، وهو كل ما كتبه المؤلف، ثم عاجلته المنية قبل إتمامه. وهو يبدأ بسورة الفاتحة، وينتهى عند قوله تعالى فى الآية [٥٦] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ ... . الآية.
هذا هو أهم ما عرفناه من كتب التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية وقد أمكننى أن أطلع على كل ما ذكرته من الموجود من هذه الكتب. وعلى غير ما ذكرته مما هو موجود أيضًا بدار الكتب المصرية، فوقفت بنفسى على مشارب أصحابها فى التفسير، واتجاهاتهم فى فهمهم لكتاب الله تعالى، وكم كنت أود أن أطلع على تفسير العياشى، وتفير الطوسى، لأقف بنفسى على هذين الكتابين المعتبرين أهم المراجع فى التفسير عند أرباب هذا المذهب.
وأظننى لست بحاجة إلى أن أتكلم عن كل كتاب اطلعت عليه من كتب هؤلاء القوم فى التفسير، بل يكفينى أن أتكلم عن بعض منها، وهو أهمها، مع ملاحظة أن يكون كل كتاب عليه اختيارى، له لون خاص من ألوان التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية، وطابع يمتاز به عما سواه.
وقد رأيت أن ألخص أولًا مقدمة «مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار» للكازرانى، لأنها تعطينا فكرة واضحة عن التفسير من وجهة نظر هؤلاء القوم بوجه عام، ومن وجهة نظر مؤلفها بوجه خاص.
ثم أتكلم عن «تفسير الحسن العسكرى»، لأنه يمثل لنا تفسير إمام من أئمتهم المعصومين، الذين عندهم علم الكتاب كله، ظاهره وباطنه.
ثم عن «مجمع البيان» للطبرسى، لأنه يمثل لنا تفسير معتدلى الإمامية الإثنا عشرية كما أنه يعطينا فكرة واضحة عن طريقة الجدل عندهم، ومقدار دفاعهم عن آرائهم وعقائدهم.
ثم عن «الصافى» لملا محسن الكاشى، لأنه يمثل لنا التفسير عند متطرفى الإمامية الإثنا عشرية.
ثم عن «تفسير القرآن» للسيد عبد الله العلوى، لأنه يمثل لنا التفسير السهل الذى جمع بين الاختصار وكثرة الفائدة.
ثم عن «بيان السعادة فى مقامات العبادة»، لسلطان بن محمد الخراسانى، لأنه يمثل لنا التفسير الصوفى الفلسفى عند الإمامية الإثنا عشرية.
هذه هى أهم الكتب التى سأتكلم عنها وعن مؤلفيها وسأعرض لها مرتَّبة حسب ترتيبها فى الذكر، فأقول مستمدًا من الله العون والتوفيق:
 
٢ ‏/ ٣٤
 


١- مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار (للمولى عبد اللطيف الكازرانى

*التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو المولى عبد اللطيف الكازرانى مولدًا، النجفى مسكنًا.
* *
* التعريف بمرآة الأنوار ومشكاة الأسرار وطريقة مؤلفه فيه:
هذا التفسير يُعَد فى الحقيقة مرجعًا مهمًا من مراجع التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية، وأصلًا لا بد من قراءته لمن يريد أن يقف على مدى تأثير عقيدة صاحبه ومَن على شاكلته فى فهمه لكتاب الله، وتنزيله لنصوصه على وفق ميوله المذهبية وهواه الشيعى ... ولكن كيف نحكم بأهمية هذا التفسير كمرجع من مراجع التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية، ونحن لم نعثر عليه فى مكتبة من مكاتبنا المصرية؟ أليس هذا يُعَد من قبيل الحكم على ما نجهله، والقول فيما ليس لنا به علم؟؟ ... لا، فالكتاب وإن لم نظفر به ولم نطلع عليه، قد وجدنا ما هو عوض عنه إلى حد كبير، ذلك هو مقدمته التى قدَّم بها مؤلفه لتفسيره هذا.
وجدت هذه المقدمة فى دار الكتب المصرية، فقرأتها، فرأيتها تكشف لنا عن منهج صاحبها فى تفسيره، وتوضح لنا كثيرًا من آرائه فى فهم كتاب الله وتبين فى صراحة تامة كيف تأثر المولى الكازرانى بعقيدته الزائفة، فحمَّل كتاب الله ما لا يحتمله بأى حال من الأحوال. وها أنا ذا أُلخص لك أهم المباحث التى تشتمل عليها هذه المقدمة، وبذلك نُلقى ضوءًا على هذا التفسير المفقود ونُعطى القارئ فكرة واضحة إلى حد كبير عن طريقة المؤلف ومنهجه فى تفسيره.
* *
المؤلف يتكلم عن الباعث له على تأليف تفسيره وعلى منهجه الذى سلكه فيه:
يجد القارئ أول ما يقرأ فى هذه المقدمة، بيانًا مسهبًا من المؤلف، يكشف لنا فيه عن الباعث الذى حمله على تأليفه لهذا التفسير، وعن المنهج الذى نهجه لنفسه فيه وسار عليه، كما يكشف لنا فى أثناء بيانه هذا، عن نظرته لكتاب الله وموقفه من تفسيره. تلك النظرة التى لا نشك أنها نظرة رجل ينظر إلى القرآن من خلال عقيدته، وذلك الموقف الذى لا نرتاب فى أنه موقف من أغراه مذهبه وخدعه هواه.
يقول المؤلف فى المقدمة (ص ٢-٣) ما نصه: "... إن من أبين الأشياء وأظهرها، وأوضح الأُمور وأشهرها، أن لكل آية من كلام الله المجيد ... وكل فقرة من
 
٢ ‏/ ٣٥
 
كتاب الله الحميد، ظهرًا وبطنًا، وتفسيرًا وتأويلا، بل لكل واحدة منها - كما يظهر من الأخبار المستفيضة - سبعة بطون وسبعون بطنًا، وقد دلَّت أحاديث متكاثرة، كادت أن تكون متواترة، على أن بطونها وتأويلها، بل كثيرًا من تنزيلها وتفسيرها، فى فضل شأن السادة الأطهار، وإظهار جلالة حال القادة الأخيار، أعنى النبى المختار، وآلة الأئمة الأبرار، عليهم صلوات الله الملك الغفَّار. بل الحق المتين، والصدق المبين، كما لا يخفى على البصير الخبير بأسرار كلام العليم القديم، المرتوى من عيون علوم أمناء الحكيم الكبير، أن أكثر آيات الفضل والإنعام، والمدح والإكرام، بل كلها فيهم وفى أوليائهم نزلت، وأن جُلَّ فقرات التوبيخ والتشنيع، والتهديد والتفضيح، بل جملتها فى مخالفيهم وأعدائهم وردت.
بل التحقيق الحقيق - كما سيظهر عن قريب - أن تمام القرآن إنما أُنزل للإرشاد إليهم، والإعلام بهم، وبيان العلوم والأحكام لهم، والأمر بإطاعتهم وترك مخالفتهم، وأن الله ﷿ جعل جملة بطن القرآن فى دعوة الإمامة والولاية، كما جعل جُلّ ظهره فى دعوة التوحيد والنبوة والرسالة».
وهذه الدعاوى من المولى الكازرانى لا نكاد نُسلِّمها له، إذ أنها لا تقوم على دليل صحيح، وما ادّعاه من دلالة الأخبار المستفيضة والأحاديث المتكاثرة على ما ذهب إليه، أمر لا يُلتفَت إليه ولا يُعوَّل عليه، لأن ما يعنيه من الأخبار والأحاديث لا يعدو أن يكون موضوعًا لا أصل له. ومن هذا يتضح لنا أن هذا الشيعى مبالغ فى تشيعه إلى حد جعله يُحَمِّل كتاب الله تعالى ما لا يحتمله، ويجعله موزعًا بين دعوة الحق ودعوة الباطل، تلك بظاهرالقرآن وهذه بباطنه!!
ثم ذكر المؤلف بعد ذلك ما كان من تسامح مفسِّرى الشيعة الذين سبقوه، وسكوتهم عن ذكر ما ثبت عن الأئمة فى تفاسيرهم، وبيَّن عذرهم فى ذلك.
ثم ذكر أنه كان يجيش بصدره، ويدور بخاطره وخلده، أن يجمع ما تفرَّق من الأخبار المأثورة عن آل البيت ويشرح مضامينها، ثم يُلحق نصوص كل آية بسورتها، وذلك كله فى كتاب مستقل، ولكن حال بينه وبين ما تطمح إليه نفسه - حقبة من الزمن - تفرُّق باله، وتشتُّت حاله، وكثرة أشغاله، ثم ظفر بعد ذلك بجملة من الآثار التى كان حريصًا على جمعها، فرأى أن الذى تطمح إليه نفسه لا يصح التغافل والتسامح فيه، فاستخار الله واستعان بحَوْله وقوته على تحقيق مرامه، فشرع فى جمع الروايات وتحريرها، وتفسير الآيات وتقريرها.
ثم بيّن لنا هدفه الذى يرمى إليه من وراء هذا التفسير، وهو أنه أراد أن يُفسِّر آيات القرآن ويقرر معانيها على وجه منيف، وبيان لطيف، وطور رشيق، وطرز أنيق، بطريق
 
٢ ‏/ ٣٦
 
الإيجاز والاختصار، مع ذكر لب المقصود من الآيات والأخبار، بحيث يوضح غوامض أسرارها، ويكشف عن خبايا أستارها، ويتبين طريق الوصول إلى ذخائر كنوزها، ويرفع النقاب عن وجوه رموزها، من غير تطويل ممل، ولا اختصار زائد مخل.
ثم بيَّن لنا منهجه الذى سلكه فى تأليفه لهذا التفسير، وهو يتلخص فيما يأتى:
١ - يختصر الأخبار فلا يذكرها بتمامها، بل يقتصر على موضع الحاجة ويحذف الأسانيد رغبة منه فى الاختصار.
٢ - أنه لا يتعرض لبيان جميع ما يتعلق بظاهر الآيات إلا إذا وجد أن التصريح بالمعنى الظاهر أمر لازم محترم، وقد جعل مدار هذا التفسير على بيان ما يتعلق بالبطون لخلو أكثر التفاسير منها أو من جُلِّها.
٣ - أنه إذا لم يعثر على نص يفسِّر به الآية اجتهد فى تفسيرها على وفق الأخبار العامة المطلقة التى يمكن استخلاص معنى الآية منها.
٤ - أنه يحرص كل الحرص على ذكر ما يعرفه من قراءة أهل البيت عند كل آية من القرآن.
ثم ذكرأنه وفق لما وفق إليه من كتابة التفسير»ببركات أول مَن آمن بالله بعين الإيقان، وثانى أول ما خلق الله قبل الكون والمكان، قاسم درجات الجنان ودركات النيران ... إمام المشارق والمغارب، أمير المؤمنين أبى الحسنين علىّ بن أبى طالب«.
ثم قال:»وكنت لا أرجو من الإقدام على هذا الأمر إلا أن يدخلنى فى شيعته الخاصين. وأوليائه الخالصين. وأن تدركنى شفاعته المقبولة، وحمايته المأمولة، وجعلته خدمة لسدته السنية، وثوابه هدية إلى حضرته العلية، وسميته «مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار».
وبالجملة.. فهذا التفسير أشبه ما يكون بالتفسير المأثور، لالتزام صاحبه فيه بيان المعنى بما ورد من الأخبار عن علماء أهل البيت إما صريحًا أو استخلاصًا من عموم الأخبار، غاية الأمر أن هذه الأخبار أخبار لا يُوثق بصحتها، ولا يُعوَّل على صدق نسبتها إلى مَن تُنسب إليه من علماء آل البيت رضى الله عنهم.
بعد هذا البيان قال المولى عبد اللطيف الكازرانى: «ولنذكر قبل الشروع فى المقصود ثلاث مقدمات نافعة لابد من بيانها ههنا».
ونستعرض هذه المقدمات الثلاث فنراه قد جعل المقدمة الأولى فى بيان ما يوضح حقيقة ورود بطن القرآن فيما يتعلق بدعوة الولاية والإمامة، كما أن ورود ظهره فيما يتعلق بدعوة التوحيد والنبوة والرسالة، وأن الأصل فى تنزيل آيات القرآن بتأويلها، إنما هو الإرشاد إلى ولاية النبى والأئمة صلوات الله عليهم وإعلام عز شأنهم وذل حال
 
٢ ‏/ ٣٧
 
شانئهم، بحيث لا خير أخبر به إلا وهو فيهم وفى أتباعهم وعارفيهم، ولا سوء ذُكِر فيه إلا وهو صادق على أعدائهم وفى مخالفيهم. قال:»ويستبين ذلك فى ثلاث مقالات:
المقالة الأولى: فى بيان ما يوضح المقصود بحسب الأخبار الواردة فى خصوص هذه المقدمة، وهى تتم بفصول. ثم ذكر ثلاثة فصول.
جعل الفصل الأول منها فى بيان نبذ مما يدل على أن للقرآن بطونًا ولآياته تأويلات. وأن مفاد فقرات القرآن غير مقصور على أهل زمان واحد، بل لكل منها تأويل يجرى فى كل أوان وعلى أهل كل زمان ...
ثم ساق الروايات الدالة على ذلك وكلها مسندة إلى آل البيت، فمن هذه الروايات ما رواه العياشى وغيره عن جابر قال: «سألت أبا جعفر ﵇ عن شئ من تفسير القرآن فأجابنى، ثم سألته ثانية فأجابنى بجواب آخر، فقلت: جُعِلتُ فداك، كيف أجبتَ فى هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم؟ فقال لى: يا جابر؛ إن للقرآن بطنًا، وللبطن بطنًا وظهرًا. يا جابر؛ وليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن.. إن الآية ليكون أولها فى شئ وآخرها فى شئ وهو كلام متصل يتصرف على وجوه».
ثم عقب المولى عبد اللطيف على هذا الخبر فقال: «دلالة مبدأ هذا الخبر على وجود تأويل له باطن وظاهر، وعلى تعدد تأويل آية واحدة، وعلى عدم تنافى تأويل أول آية فى شئ وآخرها فى آخر، بل عدم تنافى التفسير بالظاهر فى أولها والباطن فى آخرها أو بالعكس ظاهرة، فإذا سمعت شيئًا من ذلك فلا تنكره، لأنهم ﵈ أعلم بالتنزيل والتأويل، وبما فيه إصلاح السائل والسامع، ولهذا ورد:»إن القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه«. ويؤيده ما فى الكافى عن الصادق ﵇ أنه قال لعمر بن يزيد لما سأله عن قوله تعالى: ﴿والذين يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢١]: هذه نزلت فى رحم آل محمد ﷺ وقد يكون فى قرابتك، فلا تكونن ممن يقول للشئ إنه فى شئ واحد».
ومن هذه الروايات ما نقله عن كتاب العلل بإسناده إلى أبى حكيم الزاهد قال: حدثنى أبو عبد الله بمكة قال: «بينما أمير المؤمنين ﵇ مار بفناء الكعبة إذ نظر إلى رجل يصلى فاستحسن صلاته، فقال: يا هذا الرجل؛ إن الله ﵎ ما بعث نبيه ﷺ بأمر من الأمور إلا وله متشابه وتأويل وتنزيل، وكل ذلك على التعبد، فمَن لم يعرف تأويل صلاته فصلاته كلها خداج ناقصة غير تامة».
ثم عقب المولى على هذا فقال: "الظاهر أن المراد المتشابه الشبيه، وبالتأويل الباطن، وبالتنزيل الظاهر، وبالتعبد سبيل الإطاعة، والمعنى: أن كل ما جاء به النبى
 
٢ ‏/ ٣٨
 
ﷺ وأمر به الظاهر فله شبيه ونظير مأمور به فى الباطن، ويلزم الإيمان بهما جميعًا، فمَن لم يعرف شبيه الصلاة وباطنها الذى هو الإمام وإطاعته - كما سيأتى - فصلاته الظاهرية ناقصة» (ص ٣-٤) .
وعند الفصل الثانى فى ذكر الأخبار الصريحة فى أن بطن القرآن وتأويله، إنما - هو بالنسبة إلى الأئمة - وولايتهم وأتباعهم وما يتعلق بذلك، فكان من جملة الأخبار التى ساقها: ما رواه الكلينى بإسناده إلى أبى بصير قال: «قال الصادق ﵇: يا أبا محمد؛ ما من آية تقود إلى الجنة ويُذكر أهلها بخير إلا وهى فينا وفى شعيتنا، وما من آية نزلت يُذكر أهلها بشر وتسوق إلى النار إلا وهى فى عدونا ومَن خالفنا».
وما نقله عن الكافى وتفسير العياشى وغيرهما، عن محمد بن ميمون، عن الكاظم ﵇ فى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .. قال: القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرَّم الله فى الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحَلَّ الله فى الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أمئة الحق.
وما رواه عن الباقر ﵇ قال: قال النبى ﷺ فى خطبته يوم الغدير: «معاشر الناس؛ هذا علىّ أحقكم بى، وأقربكم إلىّ، والله أنا عنه راضيان، وما نزلت آية رضا إلا فيه، وما خاطب الذين آمنوا إلا بدأ به، وما نزلت آية مدح فى القرآن إلا فيه. معاشر الناس؛ إن فضائل علىّ عند الله ﷿، وقد أنزلها علىّ فى القرآن أكثر من أن أحصيها فى مكان واحد، فمن نبأكم بها وعرفها فصدِّقوه».
وما رواه عن عبد الله بن سنان أنه قال: قال ذريح المحاربى: سألت أبا عبد الله ﵇ عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] . فقال: المراد لقاء الإمام، فأتيت أبا عبد الله ﵇ وقلت له: جُعِلتُ فداك، قوله ﷿: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ﴾ .. قال: أخذ الشارب، وقص الأظافر، وما أشبه ذلك. فحكيت له كلام ذريح فقال: صدق ذريح وصدقت، إن للقرآن ظاهرًا وباطنًا ومَن يحتمل ما يحتمل ذريح؟ ثم عقَّب المولى على هذا فقال: «الكلام من الإمام ﵇ صريح فى أنهم ﵈ كانوا يكتمون أمثال هذه التأويلات عن أكثر الناس، حتى عن ابن سنان الذى كان من فضلاء أصحابه» (ص ٥) .
وعقد الفصل الثالث فى بيان نبذ مما يدل على وجوه تناسب الظواهر مع البطون، وجهات تشابه أهل التأويل مع أهل التنزيل فقال: "اعلم أن ما دلَّت عليه الأخبار الماضية، وما تدل عليه الأخبار التى ستأتى من المعانى الباطنة والتأويلات. ليست جملتها مما استعمل فيها اللفظ على سبيل الحقيقة، بل أكثرها ومعظمها على طريق
 
٢ ‏/ ٣٩
 
التجوًُّز، ونهج الاستعارة، وسبيل الكناية ومن قبيل المجازات اللُّغوية والعقلية، إذ أبواب التجوُّز فى كلام العرب واسعة وموارده فى عبارات الفصحاء سائغة، فلا استبعاد إن أراد الله ﷿ بحسب الاستعمال الذى يدل عليه ظاهر اللفظ معنى، وبحسب التجوُّز الذى تدل عليه القرائن ويجتمع مع الظاهر بنوع من التناسب معنى آخر، وسنشير إلى كثير من وجوه التناسب فى المقدمة الثالثة وغيرها، ولكن نذكر فى هذا المقام من كليات تلك الوجوه بعض ما يُستفاد من أخبار الأئمة الأطياب، ونرفع عن وجوه الآيات لطالب تأويلها الحجاب، ونكشف عنها النقاب، تبصرة لمن أراد التبصر من أُولى الألباب. وأما إحاطة العلم بالجميع، فهى للراسخين فى العلم ومَن عنده علم الكتاب ... كما سيظهر فى الفصل الآخير.
فاعلم أنه يمكن تبيين المرام فى هذا المقام من وجوه وإن أمكن إرجاع بعضها إلى بعض، ثم ساق وجوهًا خمسة يرجع بعضها إلى بعض كما قال، فكان مما ذكره فى الوجه الرابع ما جاء فى البصائر عن نصر بن قابوس قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن قوله ﷿: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ * وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٠-٣٣] قال: يا نصر؛ إنه ليس حيث يذهب الناس، وإنما هو العالِم وما يخرج منه.
ثم قال المولى:»قال شيخنا العلامة ﵀: «لعل المعنى ليس حيث يذهب الناس من انحصار جنَّة المؤمنين فى الجنَّة الصورية الأخروية، بل لهم فى الدنيا أيضًا ببركة أئمتهم ﵈ جنَّات روحانية من ظل حمايتهم ولطفهم الممدود فى الدنيا والآخرة. وماء مسكوب من علومهم الممتعة التى بها تحيا النفوس والأرواح، وفواكه كثيرة من أنواع معارفهم التى لا تنقطع عن شيعتهم ولا يُمنعون منها، وفُرُشٌ مرفوعة مما يتلذذون به من حكمهم وآدابهم، بل لا يتلذذ المقرَّبون فى الآخرة أيضًا فى الجنان الصورية إلا بتلك الملاذ المعنوية التى كانوا يتنعمون بها فى الدنيا كما تشهد به الأخبار» - انتهى كلامه أعلى الله مقامه - فتأمل ولا تغفل عن جريان مثله فى ساير نِعَم الجنَّة، مثل أنهار الخمر وأمثالها، كما يشهد له ما سيأتى فى الأنهار واللبن من تأويل اللبن والخمر بعلوم الأئمة ﵈. وسيأتى فى الجنَّة والنار وما بمعناهما من تأويل الأولى بولاية الأئمة، والثانية بعداوتهم، وأمثال هذه التأويلات كثيرة ينادى بها كثير من الأخبار فى الترجمات الجائية المناسبة لها فافهم، وكذا كل ما ورد ظاهره فى العذاب، والمسخ والهلاك، والموت البدنى، ونحو ذلك، فباطنه فى الهلاك المعنوى بضلالاتهم وحرمانهم عن العلم والكمالات، وموت قلوبهم ومسخها وعميها عن إدراك الحق، فهم إن كانوا فى صور البَشر لكنهم كالأنعام بل هم أضل، وإن كانوا
 
٢ ‏/ ٤٠
 
ظاهرًا بين الأحياء، فهم أموات، ولكن لا يشعرون، إذ لا يسمعون الحق، ولا يبصرونه، ولا يعقلونه، ولا ينطقون به، ولا يأتى منهم أمر ينفعهم فى أُخراهم، فهم شر من الأموات، وكذا كل ما كان فى القرآن مما ظاهره فى النهى عن القبائح الصورية، وتحريم الخبائث الظاهرية، كالزنا، والسرقة، والإيذاء، ونحوها مما هو علامة رذالة حال فاعله، ودليل خباثة طبع مرتكبه، كالخمر، والميتة، والدم، ونحوها مما تستقذر منه الطبائع السليمة، وتنفر منه القرائح المستقيمة، فبطنه فى النهى عن القبائح الباطنة التى هى معاداة الأئمة ﵈، والزجر عن الخبائث المعنوية التى هى أعاديهم ومنكرو ولايتهم والفضائل التى هى فيهم، فإنها أيضًا - فى استقذار الأرواح،
وتخبث القلوب، واستنفار العقول ... ونحو ذلك مثل الخبائث الظاهرة والقبائح الصورية. بل أشد كما لا يخفى، وهكذا حال بطون ما ظاهره فى الترغيب بالمبرات والأمر بالخيرات بالنسبة إلى الأئمة وولايتهم ومعرفتهم، وبالجملة المدار على تشبيه الأمور المعنوية بالصورية، كالحياة والموت والانتفاعات والتصورات الروحانية بالجسمية ... وهكذا فى البواقى. على أن فى هذا الأخير تناسبًا آخر أيضًا، وهو أنه لا خفاء فى كون النبى والأئمة صلوات الله عليهم وسائط معرفة العبادات والمأمورات، وأنهم الأصل فى قبولها فلا بُعْد إن أريدوا بها فى بطن القرآن. وكذا لا بُعْد فى كون أعدائهم من حيث مضادتهم لهم من المراد بالخبائث والمنهيات» (ص ٨) .
وفى الوجه الخامس من العلل، علَّل ما ورد من تأويل معرفة الله، وعبادته، ومخالفته، وأسفه، وظلمه، ورضاه، وسخطه، وأمثالها بمعرفة الإمام وإطاعته ومخالفته وأسفه وظلمه ورضاه وسخطه، وكذا تأويل الإمام يد الله، وعينه، وجنبه، وقلبه، وسائر ما هو من هذا القبيل مما نسبه الله إلى نفسه وخصَّه به، بالإمام ﵇، وما ورد من الأخبار فى تأويل روح الله ونفسه، ولفظ الجلالة والإله والرب الإمام ﵇.. علَّل هذه التأويلات وما شاكلها بأن الذى جرى من عادة الأعاظم والملوك والأكبر أن ينسبوا ما وقع من خدمهم بأمرهم إلى نفسهم تجوُّزًا، وكذا قد ينسبون مجازًا ما يصيب خدمهم ومقربيهم من الإطاعة والخير والشر إلى أنفسهم، إظهارًا لجلالة حال أُولئك الخدم عندهم، وإشعارًا بأنهم فى لزوم المراعاة والإطاعة ودفع الضر عنهم وجلب النفع إليهم بمنزلة مخاديمهم وفى حكمهم، بحيث أن كل ما يصل إليهم فهو كالواصل إلى المخاديم.
قال الصادق ﵇ كما سيأتى عن الكافى وغيره - إن الله تعالى - لا يأسف كأسفنا، ولكن خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون وهم مخلوقون مربوبون، فجعل رضاهم رضا نفسه، وسخطهم سخط نفسه، لأنهم جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه ... (الخبر) .
 
٢ ‏/ ٤١
 
وفى رواية أخرى: ولكن الله خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته، ثم أنزل بذلك قرآنًا على نبيه ... (الخبر) .
قال المولى: وسيأتى بقية الأخبار مفصَّلة. وهكذا كثيرًا ما يُطلق تجوُّزًا على مُقرِّبى الرجل وأعوانه أسامى جوارحه وأعضائه وسائر ما يختص به فى النفع كما يقال للوزير الكامل المقرَّب عند السلطان النافع له جدًا: إنه يده وسيفه وعينه.. وهكذا بناء على أنه فى الدفع والنفع والقُرب والعِزَّة مثل ذلك، حتى إنه قد يقال: إنه روحه ونفسه، بل ربما يقال إنه السلطان تجوُّزًا بمعنى أنه جعل إطاعته إطاعته، ومخالفته مخالفته، بحيث لا يرضى بغير ذلك (ص ٩) .
ثم عقد الفصل الرابع فى بيان ما يدل على أن الواجب على الإنسان أن يؤمن بظاهر القرآن وباطنه، وتنزيله وتأويله معًا، كما أن الواجب الإيمان بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه، وبسائر ما يتعلق بذلك جميعًا مفصَّلًا أو على سبيل الإجمال إن لم يعلم التفصيل من طريق أهل البيت الذين هم أدرى بما فى البيت. وأن مَن أنكر الظاهر كافر وإن أقر بالباطن، كما هو مذهب الباطنية من ملاحدة الخطابية والإسماعيلية وغيرهم القائلين بسقوط العبادات كما سيظهر، وكذا بالعكس: أى إنكار الباطن وإن أقر بالظاهر، على كل مؤمن أن لا يجترئ بإنكار ما نُقِل عن الأئمة ﵈ فى ذلك تفسيرًا وتأويلًا وإن لم يفهم معناه ولم يدرك مغزاه.
ثم ساق من الروايات ما يدل على ذلك، وكلها منسوبة إلى أهل البيت، فمن ذلك ما روى عن الباقر ﵇ أنه قال: «إن الله ﷿ قد أرسل رسله بالكتاب وبتأويله، فمن كذَّب بالكتاب أو كذَّب بما أرسل به رسله من تأويل الكتاب فهو مشترك» (ص ٩) .
ومنها ما روى عن الهيثم التميمى، قال: «قال أبو عبد الله ﵇: يا هيثم؛ إن قومًا آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن فلم ينفعهم ذلك شيئًا، وجاء قوم من بعدهم فآمنوا بالباطن وكفروا بالظاهر فلم ينفعهم ذلك شيئًا.. لا إيمان بظاهر إلا بباطن، ولا بباطن إلا بظاهر» (ص ٩) .
وعقد الفصل الخامس فى بيان ما يدل على أن علم تأويل القرآن كله عند الأئمة ﵈، وما ذكر فى الأخبار الواردة فى المنع من تفسير القرآن بالرأى وبغير سماع من الأئمة، وفى الجمع بينها وبين ما يعارضها من الآيات والروايات وتوجيه ما هو الحق فى ذلك، فقال: اعلم أنه لا ريب فى اطلاع النبى والأئمة على جميع وجوه آيات القرآن ومعانيها كلها، ظواهرها وبواطنها، تنزيلها وتأويلها، وأنهم الذين عندهم علم الكتاب كله، كما أنزله الله فى بيتهم، فإن أهل البيت أدرى بما فى البيت، وقد
 
٢ ‏/ ٤٢
 
دلَّت على هذا أخبار متواترة ... فمنها: ما فى البصائر بسند صحيح عن أبى الصباح قال: واللهِ لقد قال لى جعفر بن محمد ﵇: إن الله علَّم نبيه ﷺ التنزيل والتأويل. قال: فعلَّم رسول الله ﷺ عليًا ﵇، قال: وعلَّمنا ... . (الخبر) .
وما فيه أيضًا بإسناده عن يعقوب بن جعفر قال: كنت مع أبى الحسن ﵇ بمكة، فقال له رجل: إنك لتفسِّر من كتاب الله ما لم نسمع به، فقال أبو الحسن: فنحن نعرف حلاله وحرامه، وناسخه ومنسوخه، وسفريه وحضريه، وفى أى ليلة نزلت من آية، فيمن نزلت، وفيم أنزلت ... (الخبر) .
واستدل أيضًا بما فى الكافى عن أبى جعفر ﵇ أنه قال: ما يستطيع أحد يدَّعى أن عنده علم جميع القرآن كله ظاهره وباطنه إلا الأولياء.
ثم قال المولى عبد اللطيف بعد سياقه لهذه الروايات وغيرها: «وأما غيرهم ﵈ فلا شبهة فى قصور علومهم وعجز أفهامهم عن الوصول إلى ساحة إدراك كثير من تفسير الظواهر والتنزيل، فضلًا عن البواطن والتأويل، بلا إسناد من الأئمة العاملين، وعناية من الله رب العالمين».
ثم بعد أن استدل على ذلك بما ذكره من روايات سابقة ولاحقة قال: «ولهذا ورد المنع من التفسير بغير الأخذ منهم ﵈». ثم استدل على عدم جواز تفسير القرآن بالرأى وضرورة الرجوع إلى الأئمة فى فهم معانيه، فكان مما استدل به، ما رواه عن العياشى عن الصادق ﵇ قال: «مَن فَسَّر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر، وإن أخطأ فهو أبعد من السماء»، وما روى عن النبى ﷺ: «مَن فسَّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعدة من النار»، وما ورد فى تفسير الإمام ﵇ من قوله: «أتدرون من المتمسك بالقرآن الذى له الشرف العظيم؟ هو الذى يأخذ القرآن وتأويله عنا أهل البيت، أو عن وسائط السفراء عنا إلى شيعتنا، لا عن آراء المجادلين، وقياسا الفاسقين، فأما مَن قال فى القرآن برأيه فإن اتفق له مصادفة صواب فقد جهل فى أخذه عن غير أهله، وإن أخطأ القائل فى القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار» (ص ١١-١٢) .
ثم بعد ذلك وفَّق بين الأخبار الدالة بظواهرها على حُرْمة التفسير بالرأة وبين ما ورد من قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: ٢٤]، وقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ... وقوله ﵇: «القرآن ذلولَ ذو وجوه، فاحملوه على أحسن الوجوه»، وغير ذلك من الآيات والأخبار الدالة على أن فى معانى القرآن لأرباب الفهم متسعًا بالغًا ومجالًا رحبًا فقال: لنا فى هذا المقام توجيهات عديدة نشير ههنا إلى ما هو الأكمل منها، وهو ما ذكره بعض محققى علمائنا، وقال: "الصواب أن يقال: إن مَن أخلص الانقياد لله ورسوله ولأهل البيت،
 
٢ ‏/ ٤٣
 
وأخذ علمه منهم، وتتبع آثارهم، واطلع على جمله من أسرارهم، بحيث يحصل له المراس فى العلم والطمأنينة فى المعرفة، وانفتح عينا قلبه، وهجم به العلم على حقائق الأُمور، وباشر روح اليقين، وأنس بما استوحش منه الجاهلون، فله أن يستفيد من القرآن غرائبه، ويستنبط منه نُبذًا من عجائبه، وليس ذلك من كرم الله بغريب، ولا من جوده بعجيب، وليست السعادة وقفًا على قوم دون آخرين، وقد عدُّوا ﵈ جماعة من أصحابهم المتصفين بهذه الصفات من أنفسهم، كما قالوا: سلمان منا أهل البيت، فمَن هذه صفته لا يبعد دخوله فى الراسخين فى العلم، العالمين بالتأويل» (ص ١٢-١٣) .
ثم قال: وأما التفسير المنهى عنه، فقد نزَّله المحقق أيضًا على وجهين:
أحدهما: أن يكون للمفسِّر فى الشئ رأى وإليه ميل من طبعه وهواه فيتأوَّل القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتج به على تصحيح غرضه ومدَّعاه، فيكون قد فسَّر القرآن برأيه، أى رأيه هو الذى حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه. وهذا كما أنه مع الجهل كأكثر تفاسير المخالفين مثلًا كذلك قد يكون مع العلم، كالذى يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته وهو يعلم أنه ليس المراد بالآية ذلك، ولكن يُلبِّس على خصمه، ومن هذا ما مرَّ من تأويلات الباطنية، وقد يصدر مثله عمن له غرض صحيح، لكن يطلب له دليلًا من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به ذلك، كالذى يدعو مثلًا إلى مجاهدة القلب القاسى فيقول: قال الله تعالى: ﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ [طه: ٢٤]، ويشير إلى قلبه ويومئ إليه أنه المراد بفرعون. قال ذلك المحقق: وهذا قد يستغله بعض الوعَّاظ فى المقاصد الصحيحة تحسينًا للكلام وترغيبًا للمستمع وهو ممنوع.
ثانيهما: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل عن الأئمة فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيها من الألفاظ المبهمة والمبدَّلة، وما فيها من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، وفيما يتعلق بالناسخ والمنسوخ والخاص والعام والرخص والعزائم والمحكم والمتشابه ... إلى غير ذلك من وجوه الآيات المفتقرة إلى السماع إذ مَن بادر إلى استنباط المعانى فيها بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل فى زمرة مَن يفسِّر بالرأى، فلا بد له أولًا من السماع وظاهر التفسير ليتقى مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع التفهم والاستنباط، فإن ظاهر التفسير يجرى مجرى تعليم اللُّغة التى لا بد منها للفهم، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩] .. فإن معناه: آبة مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها، والناظر إلى ظاهرة العربية يظن أن المراد أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن
 
٢ ‏/ ٤٤
 
عمياء. ولا يدرى أنهم بماذا ظلموا، وأنهم ظلموا غيرهم أو أنفسهم. ومن ذلك الآيات التى سنشير إلى كونها واردة على سبيل الكناية والرموز بحيث لا يطلع على ما فيها إلا مَن تجرَّع كؤوس علوم آل محمد صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، كما سيأتى فى الفصل السادس من المقالة الأولى من المقدمة الثالثة فى قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولاكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] من أن المراد ظلم محمد وآله. ومنها ما سيأتى أيضًا فى الفصل الثالث من المقالة المذكورة فى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] من أنه تعالى عنى بذلك غير النبى ﷺ كما قال الصادق ﵇:»ما خاطب الله به نبيه فهو يعنى به مَن قد مضى«وقد روى الكلينى وغيره عنه ﵇ أنه قال:»نزل القرآن بـ «إياكِ أعنى واسمعى يا جارة». وعن الباقر ﵇: «إذا علم الله شيئًا هو كائن أخبر عنه ما قد كان»، وقد مرَّ فى حديث جابر قوله ﵇: «وليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن أن الآية ليكون أولها فى شئ وآخرها فى شئ» ... (الخبر) .
وسنذكر عن قريب فى فصول المقالة المذكورة وغيرها، ما يوضح حال تفسير الآيات التى كذا شأنها، ليتبصر به الناظر فيما نذكره من تفسير تلك الآيات إن شاء الله تعالى (ص ١٣) .
ونحن لا نرى أدنى خلل فيما ذكره من الوجهين السابقين بصرف النظر عما ذكره من تفسير، ولكن نأخذ عليه أنه لم يأخذ بما قال، بل جعل القرآن تبعًا لرأيه. ونزَّله على معان تتفق وهواه، ورمى غيره بالداء الذى هو فيه.
ثم ذكر المقالة الثانية، فجعلها فى بيان ما يوضح اشتمال كلام الله تعالى، الوارد فيما يتعلق بالتوحيد والنبوة صريحًا وتنزيلًا، على ما يتعلق بالولاية والإمامة بطنًا وكناية وتأويلًا، بحسب الأخبار الواردة فى أن الولاية - أى الإقرار بنبوة النبى وإمامة الأئمة والتزام حبهم وإطاعتهم وبغض أعدائهم ومخالفيهم - أصل الإيمان، مع توحيد الله ﷿، بحيث لا يصح الدين إلا بذلك كله، بل إنها بسبب إيجاد العالَم، وبناء حكم التكليف، وشرط قبول الأعمال والخروج عن حد الكفر والشرك، وأنها التى عُرِضت كالتوحيد على الخلق جميعًا، وأُخِذ عليهم الميثاق، وبُعِث بها الأنبياء، وأُنزِلت فى الكتب، وكُلِّف بها جميع الأُمم ولو ضمنًا، وأن نسبة النبوة إلى الإمامة كنسبتها إلى التوحيد فى تلازم الإقرار بها وبقرينها، بحيث إن الكفر بكلٍّ فى حكم الكفر بالآخر. ولا يفيد الإيمان ببعض دون بعض، وأن الأئمة مثل النبى فى فرض الطاعة والأفضلية بعده على الخلائق أجمعين، وكونهم وسائط ووسائل لسائر عباد الله المكرَّمين، من الأنبياء والأوصياء والملائكة المقرَّبين ... عقد هذه المقالة الثانية لهذا
 
٢ ‏/ ٤٥
 
الغرض فقال:»اعلم أن الأحاديث الغير المحصورة، تدل على هذه الأُمور المذكورة، بل أكثرها مما هو مُجمعَ عليه عند علمائنا الإماميين، وقد نص على حقيقتها بل كون جُلّها من ضروريات هذا المذهب أعاظم أصحابنا المحدثين، وكفى فى بيان ذلك ما ذكروه من مباحث الإمامة وكتب فضائل الأئمة، وسنذكر فى هذا الكتاب لها شواهد كثيرة، فلنكتف ههنا بنقل شئ من تصريحات محققى أصحابنا فى هذا الباب، وذكر أقل قليل من نصوص الأئمة الأطياب إذ ليس هنا موضع البسط والإطناب، ويكفى ما سنذكره فى تبصرة مَن هو مِن أُولى الألباب «فههنا فصول خمسة» ... ثم ساق الفصول الخمسة:
فجعل الفصل الأول منها فى بيان نُبَذ من تصريحات علماء الشيعة الإمامية من عِظَم شأن الأئمة وولايتهم وكفر منكريهم.
وجعل الفصل الثانى فى بيان نُبَذ من الأخبار التى وردت فى خصوص فرض ولاية أهل البيت وحبهم وطاعتهم، وأن ذلك مناط صحة الإيمان، وشرط قبول الأعمال والخروج عن حد الكفر والشرك، وأورد فيه ما جاء من ذم إنكار الولاية والشك فيهم، وكفر مبغضيهم ومخالفيهم.
وجعل الفصل الثالث فى بيان بعض الأخبار التى وردت فى أن الإقرار بإبمامة الأئمة وحبهم وولايتهم يتلو الإقرار بنبوة النبى ﷺ وآله وسلم فى مدخلية صحة الدين وصدق الإيمان، كما أن الإقرار بالنبوة يتلو التوحيد فى ذلك، وأن نسبة النبوة إلى الإمامة، كنسبتها إلى التوحيد فى تلازم الإقرار بها وبقرينها، بحيث إن الكفر بكلٍّ فى حكم الكفر بالآخر ولا يفيد الإيمان ببعض دون الآخر.
وجعل الفصل الرابع فى بيان بعض الأخبار التى وردت فى خصوص أن الولاية عُرضت مع التوحيد على الخلق جميعًا، وأُخِذ عليهم الميثاق، وبُعِث بها الأنبياء، وأُنزِلت فى الكتب، وكُلِّفَ بها جميع الأُمم، وأورد فيه ما يدل على أنها سبب إيجاد الخلق أيضًا.
وجعل الفصل الخامس فى بيان بعض الأخبار التى وردت فى أن النبى ﵌ والأئمة ﵈ أول المخلوقين، وأفضلهم وأكملهم، وأكرمهم بحيث كانت الملائكة والأنبياء تتوسل بهم وبولايتهم، وتفخر الملائكة بخدمتهم، وتعلَّموا التسبيح والتمجيد منهم، وأنهم وولايتهم العِلَّة فى الإيجاد، والأصل فى الطاعة والمعرفة.
ثم ذكر المقالة الثالثة وجعلها فى بيان ما يوضح ورود بطون القرآن فيما يتعلق بالولاية والإمامة، بحسب الأخبار التى تدل على أن هذه الآية تقتفى سنن الأُمم السابقة، وسيرة مَن كان قبلهم من كل أفعالهم وجميع أطوارهم وأعمالهم، كما أنه
 
٢ ‏/ ٤٦
 
كان كذلك فى سائر الأُمم، قال: «فإنها بجملتها - يعنى بطون القرآن - تقتضى بحسب لطف الله تعالى أن لا يترك الإنذار والتبشير فيهم، كما لم يترك بالنسبة إلى سابقهم، وأن يشير إلى الزين والشين فى كل أوان بالنسبة إلى أهل كل زمان. وحيث لم يكن وقت نزول القرآن بعض ما علم الله صدوره من هذه الأمة صار أبعد منهم، فلا بد من ألطافه الكاملة أن يجعل ذلك تأويل كلامه البليغ، بحيث يُستفاد من التنزيل والتبليغ، ولا شك أن هذا أبلغ فى الإعجاز وأجمل للإيجاز..».
وقد أورد فى جملة ما أورد من الأخبار فى ذلك، ما رواه الطبرسى فى الاحتجاج عن علىّ ﵇ أنه قال فى قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]: أى لتسلكن سبيل مَن كان قبلكم من الأمم فى الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء. وما رواه الكلينى فى الصحيح عن زرارة عن أبى جعفر ﵇ فى قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبقٍ﴾ .. قال: «يا زرارة؛ أى لتركبن هذه الأمة بعد نبيها طبقًا عن طبق فى أمر فلان، وفلان، وفلان».. قال المولى الكازرانى: «أقول: أى كانت ضلالتهم بعد نبيهم مطابقة إلى صور من الأمم السابقة فى ترك الخليفة واتباع العجل والسامرى وأشباه ذلك.. قال: ويحتمل أن يكون المعنى تطابق أحوال خلفاء الجور فى الشدة والفساد» (ص ٢٣-٢٤) .
ثم ذكر المقدمة الثانية فتكلم فى بيان ما يوضح وقوع بعض تغيير فى القرآن وأنه السر فى جعل الإرشاد إلى أمر الولاية والإمامة والإشارة إلى فضائل أهل البيت وفرض طاعة الأئمة بحسب بطن القرآن وتأويله، والإشعار بذلك على سبيل التجوُّز والرموز والتعريض فى ظاهر القرآن وتنزيله فقال: "اعلم أن الحق الذى لا محيص عنه بحسب الأخبار الواردة المتواترة الآتية وغيرها، أن هذا القرآن الذى فى أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله ﵌ شئ من التغييرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيرًا من الكلمات والآيات، وأن القرآن المحفوظ عما ذكر، الموافق لما أنزله الله تعالى، ما جمعه علىّ ﵇ وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن ﵇ ... وهكذا إلى أن ينتهى إلى القائم ﵇، وهو اليوم عنده صلوات الله عليه. ولهذا - كما قد ورد صريحًا حديث سنذكره - لما أنَّ الله ﷿ قد سبق فى علمه الكامل صدور تلك الأفعال الشنيعة من المفسدين فى الدين، وأنهم بحيث كلما اطلعوا على تصريح بما يضرهم ويزيد فى شأن علىّ ﵇ وذُرِّيته الطاهرين، حاولوا إسقاط ذلك رأسًا أو تغييره محرِّفين، وكان فى مشيئته الكاملة ومن ألطافه الشاملة محافظة أوامر الإمامة والولاية، ومحارسة مظاهر فضائل النبى صلى الله عليه وآله الأئمة، بحيث تسلم عن تغيير أهل التضييع والتحريف ويبقى لأهل مفادها مع بقاء
 
٢ ‏/ ٤٧
 
التكليف، لم يكتف بما كان مصرحًا به منها فى كتابه الشريف، بل جعل جُلّ بيانها بحسب البطون وعلى نهج التأويل، وفى ضمن بيان ما تدل عليه ظواهر التنزيل، وأشار إلى جمل من برهانها بطريق التجوُّز والتعريض، والتعبير عنها بالرموز والتورية وسائر ما هو من هذا القبيل، حتى تتم حُجَّته على الخلائق جميعًا ولو بعد إسقاط المسقطين ما يدل عليه صريحًا بأحسن وجه وأجمل سبيل«قال: ويستبين صدق هذا المقال بملاحظة جميع ما نذكره فى هذه الفصول الأربعة المشتملة على كل هذه الأحوال.
ثم عقد الفصل الأول فى بيان نُبَذ مما ورد فى جمع القرآن ونقصه وتغييره، من الروايات التى نقلها أصحابه من الإمامية فى كتبهم.
وعقد الفصل الثانى فى بيان نُبَذ مما ورد فى جمع القرآن ونقصه وتغييره، والاختلاف فيه من الروايات التى نقلها المخالفون فى كتبهم.
وعقد الفصل الثالث فى بيان ما وعد به سابقًا، من الخبر المشتمل على التصريح بتغيير القرآن، وأنه هو السر فى الإشارة إلى ما يتعلق بالولاية والإمامة على سبيل الرمز والتعريض.
وعقد الفصل الرابع فى بيان خلاصة أقوال علمائهم فى تغيير القرآن وعدمه وتزييف استدلال مَن أنكر التغيير.
ثم ذكر المقدمة الثالثة وقد عقدها لبيان ما يوضح نُبَذًا من التأويلات المأثورة عن الأئمة السادات والمفهومة من بعض الروايات، المرشدة إلى تأويل ما لم يظفر من تأويله على نص خاص من الكلمات القرآنية والآيات.
قال: ويُستبان بها أيضًا ما بينته من صحة ورود بطن القرآن فيما يتعلق بالولاية والإمامة، وأن فى هذا الأمر تأويل ما ورد تنزيله فيما يتعلق بالتوحيد والنبوة.. عقد هذه المقدمة لبيان ما تقدم فقال:
»اعلم أن التأويلات التى ظفرنا عليها من أخبار الأئمة الأطهار على ثلاثة أقسام:
الأول: ما ورد مختصًا بكلمة أو آية مذكورة فى موضع واحد بحيث لا يجرى فى غيرها، ومحل ذكر مورده.
الثانى: ما ورد فى آية أو كلمة قرآنية لكنه بحيث يجرى فى غيرها. بل ربما يكون الورود على سبيل العموم أيضًا، ونحن نذكر هذا القسم فى هذه المقدمة مع نصه أو الإشارة إلى موضع ذكر النص.
الثالث: ما لم يرد فى تأويل آية إلا أنه مما يجرى فيها، كقوله ﵇: «نحن يد الله» ... ونحوه، وهذا أيضًا مما نذكره فى هذه المقدمة مع ذكر نصه أو الإشارة إليه، وفى هذين الأخيرين إذا وصلنا فى كتابنا هذا إلى موضع يجرى فيه أحدهما
 
٢ ‏/ ٤٨
 
أولناه على وفقه بعد الإشارة إلى ورود التأويل وموضعه، بل مع إعادة ذكر أكثر النصوص فى مواردها. ثم من هذه التأويلات ما هو على نهج الكناية والتعريض والمجازات العقلية. ومنها ما هو من قبيل المجاز اللُّغوى، وها نحن نرتب هذه المقدمة على مقالتين، نذكر فى إحداهما مظاهره على النهج الأول مما لا بد من إفراد ذكره، وفى الأخرى سائر التأويلات العامة مع نصوصها. ثم نلحقها بخاتمة نختم بها المقدمات» (ص ٣٦) .
ثم ذكر المقالة الأولى: فجعلها فى بيان بعض التأويلات التى لا بد من إفراد ذكرها من حيث عِظَم فوائدها، وجُلّها من قبيل المجازات العقلية، والتجوُّز فى الإسناد، والكناية، والتعريض وإن أمكن التكلف فى إدخال بعضها تحت المجاز اللُّغوى، وقد جعل هذه المقالة مشتملة على سبعة فصول:
جعل الفصل الأول منها: فى بيان ما يظهر من الأخبار من أن الله ﷿ كثيرًا ما أراد فى كتابه بحسب الباطن بالألفاظ والخطابات الواردة ظاهرًا على سبيل العموم خصوص بعض أفراد ما صدقت عليه، كالأئمة أو شيعتهم أو أعدائهم أو نحو ذلك. قال: ويدل على هذا أحاديث كثيرة، منها ما سيأتى فى تأويل الكافرين: بمن كفر بالولاية، والمنافقين: بمن نافق فيها، والمشركين: بمن أشرك مع الإمام مَن ليس بإمام، وأشباه ذلك.. ثم قال: والحق أنه إذا تأمل بصيرٌ فى أكثر ما ورد من تفسير البطن علن أن معظم ذلك من هذا القبيل، وهو مجاز شائع ذائع استعماله فى كثير من الألفاظ العامة والمطلقة ونحوها ... إلخ (ص ٣٦) .
وجعل الفصل الثانى: فى بيان ما يظهر من الأخبار أن الله تعالى كثيرًا ما يخاطب بخطاب أو وصف صادق على الماضين من أهل أزمان النبى ﷺ والأُمم السالفة بحسب الظاهر، ومراده بحسب التأويل والباطن مَن صدق ذلك الخطاب أو الوصف عليه من هذه الأُمة بالنظر إلى حال الإمامة والولاية وإن لم يكن فى ذلك الزمان.. ثم ذكر فى ضمن ما رواه من الأخبار الدالة على ذلك ما جاء فى تفسير العياشى عن عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله فى قوله ﷿: ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] .. قال: قوم موسى: هم أهل الإسلام. قال المولى: «والظاهر أن مراده ﵇: أن نظيره جار فيهم، وإنما ذكر فى الآية تمثيلًا لحال هذه الأُمة، ويؤيده ما سيأتى فى الأئمة، فلا ينافى هذا ما هو الظاهر من الآية من وجود جماعة فى قوم موسى هادين إلى الحق صريحًا كما يظهر من بعض الأخبار» (ص ٣٧) .
 
٢ ‏/ ٤٩
 
وجعل الفصل الثالث: فى بيان ما يظهر من الأخبار من أن الله سبحانه قد يريد بخطابه فى كتابه بحسب التأويل والبطن مخاطبًا غير مَن يَفهم من الظاهر كون الخطاب متوجهًا إليه، وكان ذلك فى أثناء الخطاب وبين الخطاب مع المخاطب المفهوم من الظاهر وفى آية واحدة، وذلك كما ورد فى خبر جابر من قوله ﵇: «إن الآية لتكون أولها فى شئ وآخرها فى شئ»، وما ورد فى الكافى وفى تفسير العياشى عن عبد الله بن بكير عن أبى عبد الله قال: نزل القرآن بـ إياكِ أعنى واسمعى يا جارة«، وفيهما أيضًا عن أبى عمير عمن حدَّثه عن أبى عبد الله قال:»ما خاطب الله به فهو يعنى به مَن قد مضى ذكره فى القرآن مثل قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] عَنِىَ بذلك غيره. قال بعض المحدثين: لعل المراد مَن مضى ذكره فى القرآن من الذين أسقط أسماءهم الملحدون فى آيات ... قال: وفى كنز الفوائد عن الأعمش قال: سمعت عطاء بن أبى رباح يقول: سُئل رسول الله ﷺ عن قول الله ﷿: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤] فقال رسول الله ﷺ: «أنا وعلىّ نُلْقِى فى جهنم كل من عادانا» ... . (الخبر) (ص ٣٧) .
وجعل الفصل الرابع: فى بيان ما يظهر من الأخبار من أن الضمير فى القرآن قد يكون بحسب التأويل راجعًا إلى شئ ليس بمذكور صريحًا، بل مقصود بحسب الباطن ومعهود تأويلًا، كالضمائر التى ورد رجوعها إلى الولاية أو إلى أمير المؤمنين ﵇ أو نحو ذلك، بلا سبق ذكر ظاهرًا. ثم ذكر ما ورد من الأخبار فى ذلك، منها: ما رواه الكلينى عن المفضل قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن قول الله ﷿: ﴿قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] .. قال: قالوا: أو بَدِّل عليًا.. وما ورد فى كنز الفوائد للكراكجى من تأويل أهل البيت فى حديث أحمد بن إبراهيم عنهم ﵈ قالوا: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٢]: أى أن شكر النعمة التى رزقكم وما مَنَّ عليكم بمحمد وآله ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أى بوصيه ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ إلى وصيه علىّ ﵇ يبشر وليه بالجنَّة: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾: يعنى أقرب إلى أمير المؤمنين علىّ منكم ﴿ولاكن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ .. أى لا تعرفون.
ومنها ما ورد فى تفسير القُمِّى عن أبى الشمال عن أبى جعفر ﵇ فى قوله تعالى فى سورة المدثر: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر * نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٥-٣٦] قال: يعنى فاطمة، وكذا قال فى سائر الضمائر التى فى السورة (ص ٣٨) .
وجعل الفصل الخامس: فى بيان ما يدل على أنه لا استبعاد فى أن يحمل ما عبر
 
٢ ‏/ ٥٠
 
عنه بالماضى على ما هو المستقبل الآتى كما يقتضيه كثير من التأويلات فقال: روى الكلينى فى الكافى بإسناده عن أبى جعفر الباقر ﵇ أنه قال: إذا علم الله شيئًا هو كائن أخبر خبر ما قد كان. يعنى: إذا كان فى علم الله تعالى الكامل وقوع الشئ لا محالة وأنه سيكون قطعًا، أخبر عنه على سبيل ما قد مضى وكان، سواء أكان ذلك مما يدل عليه ظاهر القرآن وتنزيله، أو باطنه وتأويله، كما هو مقتضى التطابق كأحوال يوم القيامة مثلًا، والثواب والعقاب وسائر ما هو من هذا القبيل كالرجعة وما يكون فيها، وما يصدر من الأُمة بالنسبة إلى الإمامة وأمثال ذلك.. قال: ولا يخفى أنه بناءً على هذا يرتفع الاستبعاد المذكور (ص ٣٨) .
وجعل الفصل السادس: فى بيان ما يظهر من الأخبار من أن إيراد أكثر الأشياء التى نسبها الله ﷿ إلى نفسه على صيغة الجمع وضميره كقوله ﷾: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، وقوله ﷿: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥-٢٦]، وأمثالها من الكلمات القرآنية فإن السر فيه إدخال النبى ﷺ والأئمة فيها، بل إنهم هم المقصودون فى كثير منها. وعَدَّ هذا من قبيل المجازات الشائعة فى كلام الملوك والأعاظم ... ثم قال: فلنكتف ههنا بنقل بعض الأخبار الدالة عليه، وذكر أخبارًا، منها: ما رواه الكلينى فى الصحيح عن حمزة بن بزيغ عن أبى عبد الله ﵇ فى قول الله ﷿: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ﴾ .. فقال: إن الله تعالى لا يأسف كأسفنا، ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون وهم مخلوقون مربوبون، فجعل رضاهم رضا نفسه، وسخطهم سخط نفسه، لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه ... إلخ، وليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه، ولكن هذا معنى ما قال من ذلك، وقد قال: «مَن أهان لى وليًا فقد بارزنى بالمحاربة ودعانى إليها»، وقال: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠]، وقال: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] .. قال: وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك الخبر ولا يخفى صراحة فى المقصود ههنا.. قال: وفى الكافى وغيره عن زرارة عن أبى جعفر قال: سألته عن قول الله ﷿: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولاكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٠] فقال: إن الله أعظم وأعَزّ وأجَلّ من أن يُظلم، ولكن خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته حيث يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ﴾ [المائدة: ٥٥] .. يعنى الأئمة منا (ص ٣٩) .
وجعل الفصل السابع: فى بيان ما يظهر من الأخبار من إطلاق لفظ الجلالة والإله والرب بحسب بطن القرآن وتأويله على الإمام فى مواضع عديدة، بل هكذا حال بعض الضمائر الراجعة بحسب التنزيل إليه سبحانه، وأن تأويل ما نسبه الله إلى نفسه
 
٢ ‏/ ٥١
 
بإضافته إلى هذه الألفاظ من العبادة، والإطاعة، والمعرفة، والرضا، والسخط، والمخالفة، والفقر، والغنى ... إلى غير ذلك هو ما يتعلق بالإمام كمتابعته، وإقامته، وإطاعته، ورضاه، وسخطه، وسبه، وأذاه، ومخالفته، وغناه، وفقره ... ونحو ذلك. وعَدَّ ذلك من قبيل المجازات العقلية والتجوُّز فى الإسناد، قال: لكن يظهر من بعض ما سنذكره من الأخبار أن فى ذلك ما هو من قبيل المجاز اللُّغوى أو التشبيه بالمعنى العُرْفى. ثم ذكر بعض ما هو نص فى بيان المقصود، فذكر من ذلك ما رواه الطبرسى فى الاحتجاج عن علىّ ﵇ أنه قال فى حديث له طويل: إن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي فِي السمآء إلاه وَفِي الأرض إلاه﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] .. فإنما أراد بذلك استيلاء أمنائه بالقدرة التى ركبها فيهم على جميع خلقه، وأن فعلهم فعله ... (الخبر)، وما رواه العياشى فى تفسيره عن أبى بصير قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلاهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إلاه وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] يعنى بذلك: لا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد، وما جاء فى كنز الفوائد للكراكجى عن علىّ بن أسباط عن إبراهيم الجعفرى عن أبى الجارود عن أبى عبد الله ﵇ فى قوله تعالى: ﴿أإلاه مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] .. قال: أىءَإمام هدى مع إمام ضلال فى قرن واحد؟ وما رواه القُمِّى فى تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] .. أن الصادق ﵇ قال: أى رب الأرض، يعنى إمام الأرض، وما جاء فى تفسير القُمِّى فى قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح﴾ [إبراهيم: ١٨] ... الآية،
قال: مَن لم يقر بولاية علىّ ﵇ بطل عمله مثل الرماد الذى تجئ الريح فتحمله، وما جاء فى كنز الفوائد من تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا﴾ [الكهف: ٨٧] .. أن الإمام ﵇ قال: هو يُرَدّ إلى أمير المؤمنين ﵇ فيعذبه عذابًا نكرًا، ثم يقول: ﴿ياليتني كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] .. أى من شيعة أبى تراب (ص ٤١) .
وأما المقالة الثانية: فهى فى بيان سائر التأويلات العامة التى تجرى فى غير موضعها وتعم أكثر من موضع واحد مع نصوصها وأدلتها. وقد رتب المولى ما فى هذه المقالة على ترتيب حروف الهجاء ونهج فيها منهج كتب اللُّغة بملاحظة الحرف الأول، ثم الآخر ثم الثانى. فمن ذلك الذى ذكره ما يأتى:
«الإصر» قال: هو فى سورة البقرة، وآل عمران، والأعراف. وفى أساس البلاغة: الإصر: الثقل. وفى القاموس: الإصر - بالكسر: الذنب، وسيأتى فى الذنب تأويله. وقد روى الكلينى أيضًا عن الباقر ﵇ فى قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
 
٢ ‏/ ٥٢
 
والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .. أنه قال: «الإصر: الذنوب التى كانوا فيها قبل معرفة فضل الإمام، فلما عرفوا فضل الإمام وضع عنهم الإصر، قال: قال ﵇: الإصر الذنب، وهى الآصار» ... (الخبر)، وتأويله ظاهر. وفى تفسير القُمِّى عن الصادق ﵇ أنه قال من قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١]: أى عهدى، أى عهد الإيمان بالنبى ﷺ ونُصرة علىّ ﵇ ... . (ص ٥٠) .
«الباطل» قال: الباطل والمبطلون، والباطل ضد الحق وقد ورد تأويله بأعداء الأئمة، وبدولة الباطل، وبما كان عليه بنو أُمية وأشباههم من غاصبى الخلافة، كعداوة الأئمة وغيرها، ومنه يظهر المراد بالمبطلين أى مُدَّعى الباطل وأتباعهم، ففى تفسير القُمِّى عن الصادق ﵇ فى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ اتبعوا الباطل﴾ [محمد: ٣] قال: هم الذين اتبعوا أعداء علىّ وآل الرسول ... . (الخبر) (ص ٧٠) .
«الراجفة» قال: الراجفة، والرادفة، والرجفة، والمرجفون: أصل الرجفة الحركة والاضطراب، ومنها الأرجوفة للكذب الذى يوقع فى الاضطراب. وفى سورة الأحزاب فى الآية [٦٠]: ﴿والمرجفون فِي المدينة﴾ .. قال: وسيأتى هناك عن الصادق ﵇: أن الراجفة الحسين ﵇، والرادفة أبوه علىّ ﵇، وأن أول من ينفض التراب عن رأسه فى الرجفة الحسين ﵇. وقد فسَّرها المفسِّرون بالنفخ الأول، والرادفة بالنفخ الثانى، وهو أيضًا مناسب للتأويل المذكور كما سيأتى فى الصور. وربما أمكن إجراء ما ذكرناه من التأويل فى بعض موارد الرجفة على حسب التناسب، بل يمكن التأويل أيضًا بقيام القائم ورجعة الناس فلا تغفل (ص ١٠٩) .
«الزيت والزيتون» قال: أما الزيتون فمعروف. وأما الزيت ففرد منه، ويأتى إن شاء الله فى المشكاة، وفى سورة النور عند تأويل آية النور ما يدل على تأويل الزيت بالعلم، وفى سورة «التين» ما يدل على تأويل الزيتون بالحسين، وقد أوّله القُمِّى أيضًا بعلىّ ﵇ كما سيظهر فى السورة المذكورة، ولعله يمكن إجراء ذلك فى غير تلك السورة أيضًا. وقد قيل فى وجه هذه الاستعارة: إن الزيتون فاكهة وإدام ودواء وله دهن مبارك لطيف، وعلىّ ﵇ وكذا الحسين ﵇ كل واحد ثمره فؤاد المقرَّبين، وعلومه قوة قلب المؤمنين، وبنوره ونور أولاده الطاهرين اهتدى جميع المهتدين، وقد مثَّل الله نوره بأنوارهم كما شاع فى أخبارهم، ثم قد ورد تأويل الزيتون ببيت المقدس كما يأتى فى «الطور» (ص ١١٣) .
«القِبْلة» قال فى القاموس: القِبْلة التى يُصَلَّى نحوها، والجهة، والكعبة، وكل ما يُستقبل - يقال: ما له قِبْلة ولا دِبْرة - بكسرهما - أى وجهة، هذا وقد مَرَّ فى الصلاة ما يدل على تأويل القِبْلة بالأئمة ﵈، وأنهم المراد بها بحسب بطن القرآن،
 
٢ ‏/ ٥٣
 
واستقبالها كناية عن التمسك بهم واتباعهم ونحو هذا. وفى تفسير العياشى عن الصادق ﵇:»نحن قِبْلة الله، ونحن كعبة الله«وسيأتى بعض المؤيِّد فى»الكعبة«والله الهادى (ص ١٨٣) .
ثم ذكر الخاتمة، وجعلها مشتملة على فصلين:
الفصل الأول: فى بيان نُبَذ مما ورد من تأويلات الحروف المقطعة التى فى أوائل بعض السور فقال:»اعلم أن أصل تركيب مقطعات أوائل السور من غير ملاحظة ما تكرر منها أربع عشرة بعدد المعصومين الأربعة عشر: النبى وفاطمة والأئمة الإثنا عشر. والسور هى هذه: «آلم. آلمص. آلر. آلمر. كهيعص. طه. طسم. طس. يس. ص. حم. حمعسق. ق. ن».. ثم قال: وفى معانى الأخبار بإسناده إلى أبى بصير عن أبى عبد الله ﵇ قال: «آلم: حروف من حروف اسم الله الأعظم المقطع فى القرآن، الذى يؤلفه النبى والإمام ﵇، فإذا دعا به أُجيب»، قال بعض الأفاضل: فى هذ الحديث دلالة على أن الحروف المقطعات أسرار بين الله ونبيه، ورموز لم يُقصد بها إفهام غيره وغير الراسخين فى العلم من ذُرِّيته. أقول: ويؤيده ما فى تفسير الإمام ﵇: أن معنى «آلم»: أن هذا الكتاب الذى أنزلته هو الحروف المقطعة التى منها «أل م» وهو بلغتكم وحروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين ... ثم قال: وسنشير فيما ورد فى «ص» إلى ما يدل على أن جميع المقطعات القرآنية اسم للنبى ﷺ، ولنذكر بعض ما يتعلق بتأويلها على ترتيبها. فما ورد فى: آلم، وآلمص، وآلر، وآلمر. ما قيل من أن معنى «آلم»: أنا الله أعلم وأرى. و«آلمص»: أنا الله أعلم وأفصل. وعلى هذا يمكن التأويل بأنه علم حيث اختار محمدًا وعليًا وآلهمًا الطيبين للنبوة والإمامة وأنزل لهم وفيهم كتابه المجيد، وعلى هذا القياس تأويل ما يأتى بعده ... . إلخ«(ص ٢٣١) .
ثم قال: وأما»كهيعص«فمعناه: أنا الكافى الهادى، والوالى العالم الصادق الوعد.
أقول: تأويل هذا: ما ورد عنه ﵇ أيضًا أنه قال: أى كاف لشيعتنا، هاد لهم، ولى لهم، وعده حق، يبلغ بهم المنزلة التى وعدهم إياها فى بطن القرآن. وما فى الاحتجاج والمناقب وإكمال الدين عن سعد بن عبد الله عن الحُجَّة القائم ﵇ أنه سأل عن تأويل»كهيعص" فقال: إن هذه الحروف من أنباء الغيب أطلع الله عليها عبده زكريا، ثم فصَّلها على محمد ﷺ، وذلك أن زكريا سأل ربه أن يعلمه بأسماء الخمسة، فأهبط الله عليه جبريل ﵇ فعلَّمه إياها، فكان زكريا إذا ذكر محمدًا، وعليًا، وفاطمة، والحسن سرى عنه همه وانجلى كربه، وإذا ذكر الحسين خنقته العبرة ووقعت عليه البهرة. فقال ذات يوم: إلهى؛ ما بالى إذا ذكرت أربعًا منهم تسليت بأسمائهم من همومى، وإذا ذكرت الحسين تدمع عينى وتثور زفرتى؟ فأنبأه
 
٢ ‏/ ٥٤
 
﵎ عن قصته فقال: «كهيعص» فالكاف: اسم كربلاء، والهاء: هلاك العترة، والياء: يزيد لعنه الله - وهو ظالم الحسين - والعين: عطشه، والصاد: صبره، فلما سمع بذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيام، ومنع فيها الناس من الدخول عليه ... . (الخبر) . قال: وسيأتى تتمته فى سورته (ص ٢٢٣) .
وجعل الفصل الثانى من الخاتمة فى ذكر بعض الفوائد.
فالفائدة الأولى: بيَّن فيها أن دأبه فى هذا التفسير على شيئين:
أحدهما: تأويل ما ورد بحسب التنزيل بالنسبة إلى الأُمم السابقة وما صدر منهم بالنسبة إلى إطاعة أنبيائه وعصيانهم، بأن المراد الإطاعة وعدمها فيما بلَّغوا إليهم وأمروهم به من الإقرار بولاية النبى والأئمة، والاعتراف بحقهم، والتمسك بهم، مع التبرى من أعدائهم. بعد الإقرار بالله ورسله، وتصديقهم فيما بلَّغوا جميعًا، لا سيما الولاية.
وثانيهما: تطبيق كثير مما ورد بالنسبة إلى تلك الأُمم وإلى إطاعتهم وإلى معصيتهم وما ورد عليهم من الشر والنقم والخير والنعم وغير ذلك على طوائف هذه الأُمة فيما صدر منهم بالنسبة إلى إطاعة النبى والأئمة فى أمر الولاية وعدمها، وما ورد ويرد عليهم من الشر والخير لذلك، وذلك بتمثيل الأخيار بالأخيار، والأشرار بالأشرار، وتبيان وجه الشبه فى تنظيم أفعالهم بأفعالهم، كتنظير أصحاب السبت بقتلة ذُرِّية النبى كبنى أُمية وبنى العباس مثلًا، وأصحاب الكهف بأبى طالب ونظرائه مثلا، وأصحاب العِجْل بأهل السقيفة ... وغير ذلك (ص ٢٣٥) .
والفائدة الثانية: بيَّن فيها أن المراد فى الباطن بجميع ما حرَّم الله فى القرآن: أئمة الجور، وبما أحلّ: أئمة الحق، وأنهم أصل كل خير، ومن فروعهم كل بر، وأعداؤهم أصل كل شر، ومن فروعهم كل قبيح وفاحشة، وأن أعداءهم المراد بالفواحش والمناهى وما يُعبد من دون الله (ص ٢٣٦) .
والفائدة الثالثة: قال فيها: "إنه تقدَّم وجوب الإيمان بظاهر القرآن وباطنه معًا، وأن كُلًا منهما مقصود البارى، ولكن لما كانت التفاسير المتداولة مشتملة على جُلِّ ما يتعلق بالظاهر، وكان مقصدنا بالذات من وضع هذا الكتاب إبراز خبايا التأويلات المستفادة من الأئمة السادة، لخلو أكثر التفاسير عنها جميعًا، ومن أكثرها، جعلنا مدار كلامنا على تبيين هذا الأمر وبيان ما يتعلق بالبطون فلا نتعرض لما يتعلق بالظواهر مفصَّلًا، حذرًا من التطويل والخروج عن المقصود الأصلى (ص ٢٣٦) .
والفائدة الرابعة: بيَّن فيها أن كل ما ذكره من تأويل الآيات والكلمات القرآنية فى تفسيره، فمبناه على التجوُّز فى المعنى، أو الإسناد، أو نحو ذلك من وجوه الاستعارات
 
٢ ‏/ ٥٥
 
وأمثالها. قال: ومع هذا لا يجوز ذلك فى موضع إلا بعد وجدان مستند له فيه وفى مثله، أو بحسب العموم والإطلاق الشامل (ص ٢٣٦) .
والفائدة الخامسة: بيَّن فيها أنه اقتصر فى نقل الأخبار على موضع الحاجة منها وما يدل على المراد، مخافة التطويل.
قال: فربما فرَّقنا مضمون خبر على مواضع، وربما نقلنا خلاصة مضمون روايته، ولكن كل ذلك بحيث لا يخل بالحديث ولا يتغير منه معناه (ص ٢٣٦) .
والفائدة السادسة: بيَّن فيها أن كل ما ذكره فى تفسيره من التأويلات فهو غير خال من المستند المستفاد من الأئمة ﵈ (ص ٢٣٦) .
والفائدة السابعة: بيَّن فيها أن الرجعة من ضروريات مذهب الشيعى، وادَّعى تواتر الأحاديث المثبتة لها فى الجملة وإن كانت مختلفة فى تفصيلها وقال: لقد وقفت على أزيد من مائتى حديث فيها، ثم ذكر من الأخبار ما يدل على ذلك (ص ٢٣٧-٢٣٩) .
ثم قال: «وليكن هذا آخر ما أردنا إيراده فى مقدمات تفسيرنا، ونشرع بعد هذا فى أصل التفسير إن شاء الله تعالى وبحَوْله وقُوَّته وتوفيقه، حامدًا ومُصَلِّيًا ومُسَلِّمًا، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الأئمة المعصومين، صلوات الله عليهم أجمعين، حمدًا وصلاة وتسليمًا كثيرًا كثيرًا كثيرًا».
ولكن أين هذا التفسير؟؟. قلنا: لم نعثر عليه فى مكتبة من مكاتبنا المصرية. وقلنا: إنه لو وقع لنا لكان خير مرجع يُصوِّر لنا معالم التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية.. ولكن ألستَ معى فى أن هذه المقدمة التى لخصتُ لك أهم مباحثها، تكشف لنا إلى حد كبير عن مذهب صاحبها فى تفسيره، وعن مقدار تأثره بعقيدته فى فهمه لكتاب الله؟ أظن أنك معى فى هذا وإليك أسوق أهم القواعد التى سار عليها المولى عبد اللطيف فى تفسيره، وهى قواعد استخلصتها ولخصتها من مقدمة تفسيره، ولا أحسب أنه تخطاها أو شذ عنها بعد ما دافع عنها وقوَّاها بما استطاع من الأدلة. وهذه هى أهم القواعد:
أولًا: القرآن له ظهر وبطن، بل كل فقرة من كتاب الله لها سبعة وسبعون بطنًا، وجملة باطن الكتاب فى الدعوة إلى الإمامة والولاية، وجملة ظاهره فى الدعوة إلى التوحيد والنبوة والرسالة، وكل ما ورد من الآيات المشتملة على المدح والإكرام ففى أئمتهم، وكل ما ورد من الآيات المشتملة على التهديد والوعيد والتوبيخ والتقريع ففى مخالفيهم وأعدائهم نزلت.
ثانيًا: لا تقتصر معانى الآيات القرآنية على أهل زمان واحد، بل لكل آية تأويل يجرى فى كل أوان وعلى أهل كل زمان.
 
٢ ‏/ ٥٦
 
ثالثًا: معانى القرآن الظاهرة متناسبة مع معانيه الباطنة.
رابعًا: المعانى الباطنة ليست جملتها مما استعمل فيها اللَّفظ على سبيل الحقيقة بل أكثرها ومعظمها على طريق التجوُّز ونهج الاستعارة وسبيل الكناية ومن قبيل المجازات اللُّغوية والعقلية، وهذا فى تقديره أمر لا غرابة فيه ولا استبعاد، إذ أن أبواب التجوُّز فى كلام العرب واسعة، وموارده فى عبارات الفصحاء سائغة.
خامسًا: يجب على الإنسان أن يؤمن بظاهر القرآن وباطنه على السواء، كما يجب عليه أن يؤمن بمحكم القرآن ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وبسائر ما يتعلق بذلك تفصيلًا أو إجمالًا إن لم يعلم التفصيل من أهل البيت، ومَن أنكر الظاهر وأقرَّ بالباطن أو العكس فهو ملحد كافر، بل ويجب على كل إنسان أن يُصدِّق بكل ما نُقِل عن الأئمة من تفسير وتأويل وإن لم يفهم معناه، ومن الجرأة أن ينكر أحد شيئًا من ذلك لخفائه عليه.
سادسًا: علم تأويل القرآن جميعه عند الأئمة، وهذا أمر اختُصوا به دون مَن عداهم، فلهذا لا يجوز لأحد أن يُفسِّر القرآن برأيه وبدون سماع منهم، لأنه لا شبهة فى أن مَن عداهم تقصر علومهم وتعجز أفهامهم عن الوصول إلى كثير من ظواهر القرآن فضلًا عن بواطنه وتأويله.
سابعًا: ما علم الله صدوره من هذه الأُمة المحمدية فى الأزمنة المستقبلة - أى بعد نزول القرآن - أشار الله إليه ونَبَّه عليه فى كتابه الكريم، فكل ما جَدَّ ويَجِدّ من الحوادث بعد نزول القرآن يُستفاد من آياته عن طريق تأويلها، وهذا أبلغ فى الإعجاز وأجمل للإيجاز، فقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] تأويله الإخبار من الله بأن هذه الأُمة ستسلك سبيل مَن كان قبلها من الأُمم فى الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء.
ثامنًا: القرآن الذى جمعه علىّ ﵇ وتوارثته الأئمة من بعده هو القرآن الصحيح، وما عداه وقع فيه التغيير والتبديل، فكل ما ورد صريحًا فى مدح أهل البيت وذم شانئيهم أُسْقِط من القرآن أو حُرِّف وبُدِّل، ولعلم الله بما سيكون من التغيير والتبديل لم يكتف الله تعالى بالإرشاد إلى أمر الإمامة والولاية وفضائل أهل البيت ومثالب أعدائهم بما صرَّح به القرآن، بل أرشد إلى ذلك أيضًا بحسب ما يدل عليه باطن اللَّفظ وتأويله، لتقوم بذلك الحُجَّة على الناس وإن حُرِّف القرآن وبُدِّل.
تاسعًا: كثيرًا ما يريد الله فى كتابه بحسب الباطن بالألفاظ والخطابات الواردة ظاهرًا على سبيل العموم خصوص بعض أفراد ما صدقت عليه، كالأئمة أو شيعتهم أو أعدائهم أو نحو ذلك، كما ورد فى تأويل «المشركين» بمن أشرك مع الإمام مَن ليس بإمام.
 
٢ ‏/ ٥٧
 
عاشرًا: ما ورد من الخطاب للأُمم السابقة كثيرًا ما يُراد به بحسب الباطن ما يصدق عليه الخطاب من هذه الأُمة بحسب الإمامة والولاية وغيرهما، مع إرادة الظاهر أيضًا مثل: ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] أراد فى الباطن بقوم موسى: أهل الإسلام.
الحادية عشرة: قد يُراد بالخطاب فى الباطن مخاطَبًا غير مَن نفهم من الظاهر كون الخطاب له، كما ورد عن أبى عبد الله أنه قال: نزل القرآن بـ «إياك أعنى واسمعى يا جارة»، فقوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] عَنِىَ به غير النبى.
الثانية عشرة: قد يرجع الضمير بحسب التأويل والباطن إلى ما لم يسبق له ذكر صريحًا، مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥]: يعنى أو بَدِّل عليًا.
الثالثة عشرة: ما نسبه الله إلى نفسه بصيغة الجمع أو ضميره كقوله: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] السر فيه إدخال النبى ﷺ والأئمة فى مفهومه وهذا مجاز شائع معروف.
الرابعة عشرة: لفظ الجلالة وما شاكله والضمائر الراجعة إلى الله فى الظاهر مراد به الإمام باطنًا وتأويلًا، وهذا مجاز شائع معروف.
هذه هى أهم القواعد التى سار عليها المؤلف فى تفسيره، وهى كما ترى ملخصه من مقدمة تفسيره.
* * *


٢- تفسير الحسن العسكرى

* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو أبو محمد الحسن بن علىّ الهادى بن محمد الجواد ابن علىّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علىّ زين العابدين بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب، الإمام الحادى عشر عند الإمامية الإثنا عشرية، والمعروف بالحسن العسكرى، وهو والد المهدى المنتظر.
ولد سنة ٢٣١ هـ (إحدى وثلاثين ومائتين من الهجرة) وقيل سنة ٢٣٢ هـ
 
٢ ‏/ ٥٨
 
بالمدينة على الراجح، وتوفى بـ «سُرَّ من رأى» سنة ٢٦٠ هـ (ستين ومائتين) ودفن بها بجانب أبيه.
* *
*التعريف بهذا التفسير:
عثرنا على هذا التفسير فى دار الكتب المصرية فوجدناه منسوبًا إلى الإمام أبى محمد الحسن العسكرى، ومرويًا عنه برواية أبى يعقوب يوسف بن محمد بن زياد، وأبى الحسن علىّ بن محمد بن محمد بن سيار، وهما من الشيعة الإمامية، وقد تلقيا هذا التفسير وكتباه عن الحسن العسكرى فى سبع سنين. ولهما فى تلقى هذا التفسير عن الحسن العسكرى قصة غريبة فى مقدمة الكتاب حدَّثا بها فقالا ما ملخصه: كنا صغيرين. وكان أبوانا إماميين، وكانت الزيدية هم الغالبين بـ «إستراباذ»، وكنا فى إمارة الحسن ابن زيد العلوى، الملقب بالداعى إلى الحق، إمام الزيدية، وكان كثير الإصغاء إليهم، يقتل الناس لسعاياتهم، فخاف أبوانا الوشاية بهما عنده فخرجا بنا وبأهلينا إلى حضرة الإمام أبى محمد الحسن بن علىّ بن محمد أبى القائم، فلما دخلا عليه قال لهما: مرحبًا بالآوين إلينا، الملتجئين إلى كنفنا، قد تقبَّل الله سعيكما، وآمن روعكما، وكفاكما أعداءكما، فانصرِفا آمنين على أنفسكما وأموالكما، قالا: فماذا تأمر أيها الإمام؟ أن نرجع فى طريقنا إلى أن ننتهى إلى بِلد خرجنا منه؟ وكيف ندخل ذلك البلد ومنه هربنا وطلب سلطان البلد لنا حثيث، ووعيده إيانا شديد؟ فقال ﵇: خلِّفا علىَّ ولديكما هذين لأفيدهما العلم الذى يشرفهما الله به، ثم لا تحفلا بالسعاة ولا بوعيد المسعى إليه، فإن الله ﷿ يقصهم السعاة ويلجئهم إلى شفاعتكم فيهم عند مَن هربتم منه.
قال أبو يعقوب وأبو الحسن: فأتمرا لما أُمِرا، وخرجا وخلِّفانا هناك، فكنا نختلف إليه فيتلقانا ببر الإماء وذوى الأرحام الماسة، فقال لنا ذات يوم: إذا أتاكما خبر كفاية الله ﷿ أبويكما، وإخزائه أعداءهما، وصدق وعدى إياهما، جعلت من شكر الله ﷿ أن أفيدكما تفسير القرآن مشتملًا على بعض أخبار محمد ﷺ، فيعظم الله بذلك شأنكما، قالا: ففرحنا وقلنا: يا ابن رسول الله؛ فإذن نأتى جميع علوم القرآن ومعانيه؟ قال: كلا، إن الصادق علم ما أريد أن أعلمكما بعض أصحابه ففرح بذلك وقال: يا ابن رسول الله قد جمعت علوم القرآن كلها، قال: قد جمعت خيرًا كثيرًا وأُوتيتُ فضلًا واسعًا، ولكنه مع ذلك أقل قليل أجزء علم القرآن، إن الله ﷿ يقول: ﴿قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ
 
٢ ‏/ ٥٩
 
جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]، ويقول: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله﴾ [لقمان: ٢٧]، وهذا علم القرآن ومعانيه وما أودع من عجائبه، فكيف ترى مقدار ما أخذته من جميع هذا القرآن؟ ولكن القدر الذى أخذته قد فضَّلَك الله به على كل مَن لا يعلم كعلمك ولا يفهم كفهمك.
ثم ذكرا ما كان من أمر عدول الحسن بن زيد العلوى عن بطشه وفتكه، وعدم تعرضه للناس فى مذاهبهم، وأمره لأبويهما بملازمة الإمام أبى محمد الحسن العسكرى لما سمع بهذا قال: هذا حين إنجازى ما وعدتكما من تفسير القرآن، ثم قال: قد وظَّفتُ لكما كل يوم شيئًا منه تكتبانه، فالزَمانى وواظبا على توفيق الله تعالى من العبادة حظوظكما. فأول ما أملى علينا أحاديث فى فضل القرآن وأهله، ثم أملى علينا التفسير بعد ذلك فكتبناه فى مدة مقامنا عنده، وذلك سبع سنين، نكتب فى كل يوم منه مقدار ما ننشط له، فكان أول ما أملى علينا وكتبناه قال:»حدَّثنى أبى: علىّ بن محمد، عن أبيه: محمد بن علىّ، عن أبيه: علىّ بن موسى، عن أبيه: موسى ابن جعفر، عن أبيه: جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه: الباقر محمد ابن علىّ، عن أبيه: علىّ بن الحسين زين العابدين، عن أبيه: الحسين ابن علىّ سيد المستشهدين، عن أبيه: أمير المؤمنين وسيد الوصيين وخليفة رسول الله رب العالمين، فاروق الأُمة، وباب مدينة الحكمة، ووصى رسول الرحمة، علىّ بن أبى طالب صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، عن رسول رب العالمين، وسيد المرسلين، وقائد الغُرّ المُحجَّلين، والمخصوص بأشرف الشفاعات فى يوم الدين، صلى الله عليه وآله أجمعين«.
ثم ذكر شيئًا من الأخبار فى فضل القرآن وحملته.. ثم قال:»قال رسول الله: «أتدرون من المتمسك الذى بتمسكه ينال هذا الشرف العظيم؟ هو الذى أخذ القرآن وتأويله عنا أهل البيت، وعن وسائطنا السفراء عنا إلى شيعتنا، لا عن آراء المجادلين وقياس القايسين..». ثم قال: «قال رسول الله ﷺ فى قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧ـ٥٨] قال رسول الله ﷺ: فضَّلَ الله ﷿ القرآن والعلم بتأويله. وبرحمته: توفيقه لموالاة محمد وآله الطيبين، ومعاداة أعدائهم..».
ثم ذكر الحسن العسكرى تفسير «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» منسوبًا إلى علىّ رضى الله عنه، وفيه يقول علىّ: "ألا أُنبئكم ببعض أخبارنا؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. قال: إن رسول الله لما بنى مسجده بالمدينة وأشرع فيه بابه وأشرع المهاجرين والأنصار أبوابهم، أراد الله إبانة محمد وآله الأفضلين بالفضيلة، فنزل جبريل
 
٢ ‏/ ٦٠
 
عن الله تعالى: بأن سُدُّوا الأبواب عن مسجد رسول الله قبل أن ينزل بكم العذاب، فأول مَن بعث إليه رسول الله يأمره بسد بابه العباس بن عبد المطلب، فقال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله - وكان الرسول معاذ بن جبل - ثم مرَّ العباس بفاطمة فرآها قاعدة على بابها وقد أقعدت الحسن والحسين، فقال لها: ما بالك قاعدة؟ انظروا إليها كأنها لبؤَة بين يديها جرواها، أتظن أن رسول الله يُخرج عمه ويُدخل ابن عمه؟! فمرَّ بهم رسول الله ﷺ فقال لها: ما بالك قاعدة؟ قالت: أنتظر أمر رسول الله بسد الأبواب، فقال لها: إن الله تعالى أمرهم بسد الأبواب واستثنى منهم رسول الله، وإنما أنتم نفس رسول الله. ثم إن عمر بن الخطاب جاء فقال: أحب النظر إليك يا رسول الله إذا مررت إلى مُصَلاك، فأْذن لى فى فُرجة أنظر إليك منك، فقال: قد أبى الله ﷿ ذلك، قال: فمقدار ما أضع عليه وجهى، قال: قد أبى الله ذلك، قال: فمقدار ما أضع عليه إحدى عَيْنىَّ، قال: أبى الله ذلك، ولو قلتَ قدر طرف الإبرة لم آذن لك، والذى نفس محمد بيده ما أنا أخرجتكم ولا أدخلتهم، ولكن الله أدخلهم وأخرجكم.. ثم قال: لا ينبغى لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت فى هذا المسحد جُنُبًا إلا محمد وعلىّ وفاطمة والحسن والحسين والمنتجبون من آلهم الطيبين من أولادهم. قال: فأما المؤمنون فقد رضوا وسلَّموا، وأما المنافقون فاغتاظوا لذلك وأنفوا، ومشى بعضهم يقول إلى بعض فيما بينهم: ألا ترون محمدًا لا يزال يخص بالفضائل ابن عمه ليُخرجنا منها صفرًا، والله لئن أنفذنا له فى حياته لنأتين عليه بعد وفاته، وجعل عبد الله بن أُبُىّ يصغى إلى مقالتهم ويغضب تارة ويسكن أخرى، ويقول لهم: إن محمدًا لمتألِّه، فإياكم ومكاشفته، فإن مَن كاشف المتألِّه انقلب خاسئًا
حسيرًا وينغص عليه عيشه. وإن الفطن اللبيب مَن يتجرع على الغُصَّة لينتهز الفُرصة. فبينما هم كذلك إذا طلع رجع من المؤمنين يقال له زيد بن أرقم فقال لهم: يا أعداء الله، أباللهِ تُكَذِّبون؟ وعلى رسوله تطعنون؟ ولدينه تكيدون؟ والله لأُخْبِرن رسول الله بكم، فقال عبد الله ابن أُبَىّ والجماعة: واللهِ لئن أخبرته بنا لنكذبنك ولنحلفن له، فإنه إذن يُصدِّقنا، ثم واللهِ لنقيمن عليك من يشهد عليك عنده بما يوجب قتلك أو قطعك أو حدك، قال: فأتى زيد رسول الله فأسَرَّ إليه ما كان من عبد الله بن أُبَىّ وأصحابه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ [الأحزاب: ٤٨] المجاهدين لك يا محمد فيما دعوتهم إليه من الإيمان بالله والموالاة لك ولأوليائك، والمعاداة لأعدائك، ﴿والمنافقين﴾ الذين يطيعونك فى
 
٢ ‏/ ٦١
 
الظاهر ويخالفونك فى الباطن، ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ مما يكون منهم من القول السئ فيك وفى ذويك، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ فى إتمام أمرك وإقامة حُجَّتك، فإن المؤمن هو الظاهر بالحُجَّة وإن غُلِبَ فى الدنيا، لأن العاقبة له، لأن غرض المؤمنين فى كدحهم فى الدنيا إنما هو الوصول إلى نعيم الأبد فى الجنة، وذلك حاصل لك ولآلك ولأصحابك وشيعتك.
ثم إن رسول الله ﷺ لم يلتفت إلى ما بلغه عنهم، وأمر زيدًا فقال: «إن أردت أن لا يصيبك شرهم ولا ينالك مكرهم فقل إذا أصبحت: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم، فإن الله يعيذك من شرهم، فإنهم شياطين يُوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، وإذا أردت أن يُؤَمِّنك بعد ذلك من الغرق والحرق والسرق فقل إذا أصبحت: بسم الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، بسم الله لا يسوق الخير إلا الله، بسم الله ما شاء الله ما يكون من نعمة فمن الله، بسم الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، بسم الله ما شاء الله وصلى الله على محمد وآله الطيبين، فإن مَن قالها ثلاثًا إذا أصبح أمن من الغرق والحرق والسرق حتى يمسى، ومَن قالها ثلاثًا إذا أمسى أمن من الحرق والغرق حتى يصبح، وإن الخضر وإلياس يلتقيان فى كل موسم، فإذا تفرقا تفرقا عن هذه الكلمات، وإن ذلك شعار شيعتى، وبه يمتاز أعدائى من أوليائى يوم خروج قائمهم..».
ثم ذكر حديثًا آخر طويلًا عن الباقر يتضمن ما كان من المحاورة بين العباس ورسول الله ﷺ بشأن إغلاق باب العباس وغيره، وإبقاء باب علىّ وحده، وفيه شهادة رسول الله ﷺ بالفضل لعلىّ على غيره، وفى آخره يقول رسول الله ﷺ: «يا عم رسول الله؛ إن شأن علىّ عظيم، إن حال علىّ جليل. وإن وزن علىّ ثقيل، وما وُضِع حب علىّ فى ميزان أحد إلا رجع على سيئاته، ولا وُضِع بغضه فى ميزان أحد إلا رجح على حسناته» ... إلخ.
هذا.. والكتاب مطبوع فى مجلد صغير يقع فى (٢٨٦ صحيفة)، وهو غير شامل للقرآن كله، بل بعد الفراغ من المقدمة وشرح الاستعاذة شرع فى الفاتحة ففسَّرها، ثم شرع فى سورة البقرة فوصل فيها إلى قوله تعالى فى الآية [١١٤]: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه وسعى فِي خَرَابِهَآ أولائك مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ لَّهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .. (وذلك يبدأ من أول الكتاب إلى ص ٢٣٦) .
ومن قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ الصفا والمروة﴾ الآية [١٥٨] ... إلى قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ الآية [١٧٩] .. (وذلك يبدأ من ص ٢٣٦ إلى ص ٢٥٤) .
 
٢ ‏/ ٦٢
 
ومن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآية [١٩٨] ... إلى قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾ الآية [٢١٠] .. (وذلك يبدأ من ص ٢٥٤ إلى ص ٢٦٧) .
ومن قوله تعالى فيها: ﴿أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل﴾ الآية [٢٨٢] ... إلى قوله: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ فى الآية [٢٨٣] .. (وذلك يبدأ من ص ٢٦٧ إلى ص ٢٨٦) .
هذا هو كل ما وُجِد وطُبع من التفسير المنسوب إلى الحسن العسكرى رحمه الله تعالى، وأرى أن أسوق لك بعض النماذج لتقف بنفسك على مسلكه فى التفسير، وتأثره بمذهب الإمامية، ولنرى بعد ذلك هل يمكن أن يكون هذا التفسير حقيقة لهذا الإمام الصالح، أو نُسب إليه زورًا وبهتانًا.
* ولاية على:
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٨] من سورة البقرة: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله وباليوم الآخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ .. يقول: "قال العالم موسى بن جعفر: إن رسول الله لما أوقف أمير المؤمنين علىّ ابن أبى طالب فى يوم الغدير موقفه المشهور المعروف، ثم قال: يا عباد الله؛ انسبونى، فقالوا: أنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف، ثم قال: يا أيها الناس؛ ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فنظر إلى السماء وقال: اللَّهم اشهد بقول هؤلاء - وهو يقول ويقولون ذلك ثلاثًا - ثم قال: ألا فمَن كنتُ مولاه وأولى به فهذا علىّ مولاه وأولى به، اللَّهم وال مَن والاه، وعاد مَن عاداه، وانصر مَن نصره. واخذل من خذله.. ثم قال: قم يا أبا بكر فبايع له بإمرة المؤمنين، فقام وبايع له. ثم قال: قم يا عمر فبايع له بإمره المؤمنين، فقام فبايع له، ثم قال بعد ذلك لتمام التسعة رؤساء المهاجرين والأنصار، فبايعوا كلهم، فقام من بين جماعتهم عمر بن الخطاب فقال: بَخٍ بَخٍ يا ابن أبى طالب، أصحبتَ مولاى ومولى كل مؤمن ومؤمنة، ثم تفرّقوا عند ذلك وقد وُكِّدَتْ عليهم العهود والمواثيق. ثم إن قومًا من متمرديهم وجبابرتهم تواطأوا بينهم لئن كان بمحمد كائنة ليدفعن هذا الأمر من علىّ ولا يتركونه، فعرف الله ذلك من قِبَلهم، وكانوا يأتون رسول الله ويقولون: لقد أقمتَ علينا أحب خلق الله إلى الله وإليك وإلينا فكفيتنا مؤنة الظلمة لنا والمتجبرين فى سياستنا، وعلم الله من قلوبهم خلاف ذلك من مواطأة بعضهم لبعض أنهم على العداوة مقيمون، ولدفع الأمر عن مستحقه مؤثرون، فأخبر الله ﷿ محمدًا عنهم فقال: يا محمد ﴿وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله﴾ الذى أمرك بنصب علىّ إمامًا وسايسًا لأُمتك ومدبرًا، ﴿وَمَا هُم
 
٢ ‏/ ٦٣
 
بِمُؤْمِنِينَ﴾ بذلك، ولكنهم يتواطأون على إهلاكك وإهلاكه، يوطنون أنفسهم على التمرد على علىّ إن كانت بك كائنة».
وعند قوله تعالى فى الآية [١٣] من سورة البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ الناس قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء ولاكن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ .. يقول: «قال موسى بن جعفر: إذا قيل لهؤلاء الناكثين للبَيْعة، قال لهم خيار المؤمنين كسلمان والمقداد وأبى ذر وعمار: آمنوا برسول الله وعلىّ الذى أوقفه موقفه وأقامه مقامه وأناط مصالح الدين والدنيا كلها به، وآمنوا بهذا النبى وسلِّموا لهذا الإمام، وسلِّموا له فى ظاهر الأمر وباطنه، كما آمن الناس المؤمنون كسلمان والمقداد وأبى ذر وعمار، قالوا فى الجواب لمن يفضون إليه لا لهؤلاء المؤمنين، فإنهم لا يجسرون على مكاشفتهم بهذا الجواب، ولكنهم يذكرون لمن يفضون إليه من أهلهم والذين يثقون بهم من المنافقين ومن المستضعفين من المؤمنين الذين هم بالستر عليهم واثقون بهم، يقولون لهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء﴾؟! يعنون سلمان وأصحابه لما أعطوا عليًا خالص ودهم ومحض طاعتهم، وكشفوا رؤوسهم بموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه حتى إن اضمحل أمر محمد طحطحهم أعداؤه، وأهلكهم سائر الملوك والمخالفين لمحمد، فهم بهذا التعرض لأعداء محمد جاهلون سفهاء، قال الله ﷿: ﴿ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء﴾ الأخفاء العقول والآراء، الذين لم ينظروا فى أمر محمد حق النظر فيعرفوا نبوته، ويعرفوا صحة ما ناطه بعلمه من أمر الدين والدنيا، حتى بقوا لتركهم تأمل حجج الله جاهلين، وصاروا خائفين وجلين من محمد وذُرِّيته ومن مخالفيهم، لا يأمنون أيهم يغلب فيهلكون معه. فهم السفهاء حيث لا يسلم لهم بنفاقهم هذا لا محبة محمد والمؤمنين ولا محبة اليهود وسائر الكافرين، لأنهم يُظهرون لمحمد من موالاته وموالاة أخيه علىّ ومعاداة أعدائهم اليهود والنصارى، كما يُظهرون لهم معاداة محمد وعلىّ وموالاة أعدائهم، فهم يُقدِّرون فيهم نفاقهم معهم كنفاقهم مع محمد وعلىّ، ولكن لا يعلمون أن الأمر كذلك وأن الله يُطْلِع نبيه على أسرارهم فيخشاهم ويعلنهم ويُسقطهم».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [١٥٩و ١٦٠] من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكتاب أولائك يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون * إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ .. يقول: ﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات﴾ من صفة محمد وصفة علىّ وحليته، ﴿والهدى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكتاب﴾ .. قال:
 
٢ ‏/ ٦٤
 
والذى أنزلناه هو ما أظهرناه من الآيات على فضلهم ومحلهم، كالغمامة التى تظل رسول الله فى أسفاره، والمياه الأجاجة التى كانت تعذب فى الآبار بريقه، والأشجار التى كانت تتهدل ثمارها بنزوله تحتها، والعاهات التى كانت تزول بمسح يده عليها أو بنفث ريقه فيها، وكالآيات التى ظهرت على علىّ من تسليم الجبال والصخور والأشجار قائلة: يا ولى الله ويا خليفة رسول الله، والسموم القاتلة التى تناولها مَن سمَّى باسمه عليها ولم يصبه بلاؤها ... وسائر ما خصَّه الله تعالى به من فضائله، فهذا من الهدى الذى بيَّنه الله للناس فى كتابه ... إلخ.
* *
* روايات مكذوبة فى فضل أهل البيت:
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣] من سورة البقرة: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ .. يقول: "ثم وصف هؤلاء المتقين الذين هذا الكتاب هدىً لهم فقال: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ يعنى بما غاب عن حواسهم من الأُمور التى يلزمهم الإيمان بها: كالبعث، والنشور، والحساب، والجنَّة، والنار، وتوحيد الله تعالى، وسائر ما لا يُعرف بالمشاهدة وإنما يُعرف بدلائل قد نصبها الله ﷿ عليها: كآدم، وحواء، وإدريس، ونوح، وإبراهيم، والأنبياء الذين يلزمهم الإيمان بهم بحجج الله تعالى وإن لم يشاهدوهم، ويؤمنون بالغيب وهم من الساعة مشفقون، وذلك أن سلمان الفارسى مَرَّ بقوم من اليهود فسألوه أن يجلس إليهم ويُحدِّثهم بما سمع من محمد فى يومه هذا، فجلس إليهم لحرصه على إسلامهم فقال: سمعتُ محمدًا يقول: إن الله ﷿ يقول: يا عبادى؛ أوَ ليس مَن له إليكم حوائج كبار لا تجودون بها إلا أن يتجمل عليكم بأحب الخلق إليكم تقضونها كرامة لشفيعه؟ ألا فاعلموا أن أكرم الخلق علىّ وأفضلهم لدىَّ محمد وأخوه علىّ، ومن بعده الأئمة الذين هم الوسائل إلىَّ، ألا فليَدُعُنى مَن أَهْمَّته حاجة يريد نفعها، أو دهته دهياء يريد كف ضررها، بمحمد وآله الأفضلين الطيبين الطاهرين أقضها له أحسن مما يقضيها مَن تشفعون إليه بأعزِّ الخلق عليه. قالوا لسلمان - وهم يستهزئون به - يا عبد الله؛ فما بالك لا تقترح على الله وتتوسل بهم أن يجعلك أغنى أهل المدينة؟ فقال سلمان: قد دعوتُ الله ﷿ بهم، وسألته ما هو أجَلّ وأفضل وأنفع من مُلْك الدنيا بأسرها، وسألته بهم أن يهب لى لسانًا لتمجيد شأنه ذاكرًا، وقلبًا لآلائه شاكرًا، وعلى الدواهى الداهية لى صابرًا، وهو ﷿ قد أجابنى إلى ملتمسى من ذلك، وهو أفضل من مُلْك الدنيا بحذافيرها وما يشتمل عليه من خيراتها مائة ألف ألف مرة. قال: فجعلوا يهزأون ويقولون: يا سلمان؛ لقد ادَّعيت مرتبة عظيمة يُحتاج أن يُمتحن صدقك من كذبك فيها، وها نحن إذن قائمون إليك
 
٢ ‏/ ٦٥
 
بسياط عذابنا فضاربوك، فاسأل ربك أن يكفَّ أيدينا عنك، فجعل سلمان يقول: اللَّهم اجعلنى على البلايا صابرًا، وجعلوا يضربونه بسياطهم حتى أعيوا وملُّوا، وجعل
سلمان لا يزيد على قوله: اللَّهْم اجعلنى على البلايا صابرًا، فلما مَلُّوا وأعيوا قالوا: يا سلمان؛ ما ظننا أن روحًا تثبت فى مقرها على مثل هذا العذاب الوارد عليك، فما بالك لا تسأل ربك أن يكفّنا عنك؟ قال: لأن سؤال ذلك ربى خلاف الصبر، بل سلَّمتُ لإمهال الله تعالى لكم، وسألته الصبر، فلما استراحوا قاموا بعد إليه بسياطهم فقالوا: لا نزال نضربك بسياطنا حتى تزهق روحك أو تكفر بمحمد، فقال: ما كنتُ أفعل ذلك، فإن الله قد أنزل على محمد: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾، وإن احتمالى لمكارهكم لأدخل فى جملة مَن مدحه الله بذلك سهل علىَّ يسير، فجعلوا يضربونه بسياطهم حتى مَلُّوا، ثم قعدوا وقالوا: يا سلمان؛ لو كان لك عند ربك قدر لإيمانك بمحمد لاستجاب دعاءك وكفَّنا عنك، فقال سلمان: ما أجهلكم!! كيف يكون مستجيبًا دعائى إذا فعل بى خلاف ما أريد منه، أنا أردت منه الصبر فقد استجاب لى فصبرت، ولم أسأله كفكم عنى فيمنعنى حتى يكون ضد دعائىكما تظنون، فقاموا إليه ثالثة بسياطهم فجعلوا يضربونه وسلمان لا يزيد على قوله: اللَّهم صبِّرنى على البلايا فى حب صفيك وخليلك محمد، فقالوا له: يا سليمان؛ ويحك! أو ليس محمد قد رخَّص لك أن تقول كلمة الكفر به بما تعتقد ضده للتقية؟ فقال سلمان: إن الله قد رخَّص لى ذلك ولم يفرضه علىّ، بل أجاز لى ألا أعطيكم ما تريدون وأحتمل مكارهكم، وجعله أفضل المنزلتين، وأنا لا أختار غيره، ثم قاموا إليه بسياطهم وضربوه ضربًا كثيرًا وسيَّلوا دماءه، وقالوا له وهم ساخرون: لو لم تسأل الله كفّنا عنك ولا تُظهر لنا ما نريد منك لنكفّ به عنك فادع علينا بالهلاك إن كنتَ من الصادقين فى دعواك أن الله لا يرد دعاءك بمحمد وآله الطيبين الطاهرين، فقال سلمان: إنى لأكره أن أدعوا الله بهلاككم مخافة أن يكون فيكم مَن قد علم الله أن سيؤمن من بعد فأكون قد سألت الله اقتطاعه عن الإيمان، فقالوا: قل: اللَّهم أهْلِك مَن كان فى علمك أنه يبقى إلى الموت على تمرده، فإنك لا تصادف بهذا الدعاء ما خِفْته، قال: فانفرج له حائط البيت الذى هو فيه مع القوم وشاهد رسول الله ﷺ وهو يقول: يا سلمان؛ ادع عليهم بالهلاك فليس فيهم أحد
يرشد. كما دعا نوح على قومه لما عرف أنه لن يؤمن من قومه إلا مَن قد آمن، فقال سلمان: كيف تريدون أن أدعو عليكم بالهلاك؟ فقالوا: تدعو الله بأن يقلب سَوْط كل واحد منا أفعى تعطف رأسها ثم تمشش عظام سائر بدنه.. فدعا الله بذلك، فما من سياطم سَوْط إلا قلبه الله تعالى أفعى لها رأسان تتناول برأس رأسه، وبرأس آخر يمينه التى كان فيها سوطه، ثم رضضتهم ومششتهم وبلعتهم والتقمتهم، فقال رسول الله ﷺ وهو فى مجلسه: معاشر المؤمنين؛ إن الله
 
٢ ‏/ ٦٦
 
تعالى قد نصر أخاكم سلمان ساعتكم هذه على عشرين فِرْقة من اليهود والمنافقين، قُلِبت سياطهم أفاعى رضضتهم ومششتهم وهَشمت عظامهم والتقمتهم، فقوموا بنا ننظر إلى تلك الأفاعى المبعوثة لنُصْرة سلمان، فقام رسول الله وأصحابه إلى تلك الدار وقد اجتمع إليها جيرانها من اليهود والمنافقين لما سمعوا ضجيج القوم بالتقام الأفاعى لهم، فإذا هم خائفون منها، نافرون من قُرْبها، فلما جاء رسول الله ﷺ خرجت كلها إليه عن البيت إلى شارع المدينة، وكان شارعًا ضيقًا فوسَّعه الله تعالى وجعله عشرة أضعافه، ثم نادت الأفاعى: السلام عليك يا محمد يا سيد الأوَّلين والآخرين، السلام عليك يا علىّ يا سيد الوصيين، السلام على ذُرِّيتك الطيبين الطاهرين الذين جُعلوا على الخلق قوَّامين، ها نحن سياط هؤلاء المنافقين الذين قلبنا الله تعالى أفاعى بدعاء هذا المؤمن سلمان، قال رسول الله: الحمد لله الذى جعل من يضاهى بدعائه عند قبضه وعند انبساطه نوحًا نبيه. ثم نادت الأفاعى: يا رسول الله؛ قد اشتد غضبنا على هؤلاء الكافرين، وأحكامك وأحكام وصيك علينا جائزة فى ممالك رب العالمين، ونحن نسألك أن تسأل الله تعالى أن يجعلنا أفاعى جهنم حتى نكون فيها لهؤلاء مُعذِّبين كما كنا لهم فى هذه الدنيا ملتقمين، فقال رسول الله ﷺ: قد أجبتكم إلى ذلك فالحقوا بالطبق الأسفل من جهنم، بعد أن تقذفوا ما فى أجوافكم من أجزاء أجسام هؤلاء الكافرين ليكون أتم لخزيهم وأبقى للعار عليهم إذا كانوا بين أظهرهم مدفونين، يعتبر بهم المؤمنون المارون بقبورهم، يقولون: هؤلاء الملعونون المخزيون بدعاء ولى محمد سلمان
الخير من المؤمنين، فقذفت الأفاعى ما فى بطونها من أجزاء أبدانهم، فجاء أهلوهم فدفنوهم، وأسلم كثير من الكافرين، وأخلص كثير من المنافقين، وغلب الشقاء على كثير من الكافرين والمنافقين، فقالوا: هذا سحر مبين. ثم أقبل رسول الله على سلمان فقال: يا عبد الله؛ أنت من خواص إخواننا المؤمنين، ومن أحباب قلوب ملائكة الله المقرَّبين، إنك فى ملكوت السماوات والحُجُب والكرسى والعرش وما دون ذلك إلى الثرى أشهر فى فضلك عندهم من الشمس الطالعة فى يوم لا غيم ولا قتر ولا غبار فى الجو، فأنت من أفاضل الممدوحين بقوله: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ .
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢١٠] من سورة البقرة: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة وَقُضِيَ الأمر وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ .. يقول ما نصه: ".. قالَ علىُّ بن الحسين: طلب هؤلاء الكفار الآيات ولم يقنعوا بما أتاهم به منها بما فيه الكفاية والبلاغ، حتى قيل لهم: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله﴾ .. أى إذا لم يقتنعوا بالحجج الواضعة الدامغة، فهل ينظرون إلا أن يأتيهم الله؟ وذلك محال،
 
٢ ‏/ ٦٧
 
لأن الإتيان على الله لا يجوز، كذلك النواصب اقترحوا على رسول الله فى نصب أمير المؤمنين علىّ إمامًا، واقترحوا.. حتى اقترحوا المحال، وذلك أن رسول الله لما نص على علىّ بالفضيلة والإمامة، وسكن إلى ذلك قلوب المؤمنين وعاند فيه أصناف الجاحدين من المعاندين، وشك فى ذلك ضعفاء من الشاكين، واحتال فى السلم من الفريقين من النبى وخيار أصحابه ومن أصناف أعدائه جماعة المنافقين، وفاض فى صدورهم العداوة والبغضاء، والحسد والشحناء، حتى قال قائل المنافقين: لقد أسرف محمد فى مدح نفسه، ثم أسرف فى مدح أخيه علىّ، وما ذاك من عند رب العالمين، ولكنه فى ذلك من المتقوِّلين، يريد أن يثبت لنفسه الرياسة علينا حيًا ولعلىّ بعد موته، قال الله تعالى: يا محمد؛ قل لهم: وأى شئ أنكرتم من ذلك؟ هو عظيم كريم حكيم، ارتضى عبادًا من عباده، قد اختصهم بكرامات، لما علم من حسن طاعتهم ولانقيادهم لأمره، ففوَّض إليهم أمور عباده، وجعل إليهم سياسة خلقه بالتدبير الحكيم الذى وفقهم له، أفلا ترون لملوك الأرض إذا ارتضى أحدهم خدمة بعض عبيده ووثق بحسن اصطناعه بما يندب له من أُمور ممالكه، جعل ما وراء بابه إليه واعتمد فى سياسة جيوشه ورعاياه عليه؟ كذلك محمد فى التدبير الذى رفعه له ربه، وعلىّ من بعده الذى جعله وصيه وخليفته فى أهله، وقاضى دينه ومنجز عداته، والموازر لأوليائه والمناصب لأعدائه، فلم يقنعوا بذلك ولم يُسلِّموا، وقالوا: ليس الذى تسنده إلى ابن أبى طالب أمرًا صغيرًا إنما هو دماء الخلق، ونساؤهم، وأولادهم، وأموالهم، وحقوقهم، وأنصباؤهم، ودنياهم، وأخراهم، فلتأتنا بآية تليق بجلالة هذه الولاية، فقال
رسول الله: أما كفاكم نور علىّ الْمشْرِق فى الظلمات الذى رأيتموه ليلة خروجه من عند رسول الله إلى منزله؟ أما كفاكم أن عليًا جاز والحيطان بين يديه ففتحت له وطُرِّقت ثم عادت والتأمت؟ أما كفاكم يوم غدير خُم أن عليًا لما أقامه رسول الله رأيتم أبواب السماء مفتحة والملائكة فيها مطلعين تناديكم: هذا ولى الله فاتبعوه وإلا حَلَّ بكم عذاب الله فاحذروه؟ أما كفاكم رؤيتكم علىّ بن أبى طالب وهو يمشى والجبال تسير من بين يديه لئلا يحتاج إلى انحراف عنها، فلما جاز رجعت الجبال إلى أماكنها؟ ثم قال: اللَّهم زدهم آيات فإنها عليك سهلات يسيرات لتزيد حُجَّتك عليهم تأكيدًا. قال: فرجع القوم إلى بيوتهم فأرادوا دخولها فاعتقلتهم الأرض ومنعتهم ونادتهم: حرام عليكم دخولها حتى تؤمنوا بولاية علىّ، قالوا: آمنا.. ودخلوا.. ثم ذهبوا ينزعون ثيابهم ليلبسوا غيرها فثقلت عليهم ولا يقلوها، ونادتهم: حرام عليكم سهولة نزعنا حتى تقروا بولاية علىّ، فأقروا.. ونزعوها.. ثم ذهبوا يلبسون ثياب الليل فثقلت عليهم ونادتهم: حرام عليكم لبسنا حتى تعترفوا بولاية علىّ، فاعترفوا.. ثم ذهبوا يأكلون فثقلت عليهم اللقم وما لم يثقل منها استحجر فى أفواههم وناداهم: حرام عليكم
 
٢ ‏/ ٦٨
 
أكلنا حتى تعترفوا بولاية علىّ، فاعترفوا.. ثم ذهبوا يبولون ويتغوطون فتعذبوا وتعذر عليهم ونادتهم بطونهم ومذاكيرهم: حرام عليكم السلامة منا حتى تعترفوا بولاية علىّ بن أبى طالب، فاعترفوا.. ثم ضجر بعضهم وقال: ﴿اللهم إِن كَانَ هاذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] .. إلخ.
* *
* الشجرة التى نُهى آدم عن الأكل منها:
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَآءَادَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هاذه الشجرة﴾ .. يبين المراد من الشجرة ويعلل النهى عنها فيقول: «.. لا تقربا هذه الشجرة: شجرة العلم، شجرة علم محمد وآل محمد، الذين آثرهم الله ﷿ به دون سائر خلقه، فقال الله تعالى: لا تقربا هذه الشجرة، شجرة العلم، فإنها لمحمد وآله خاصة دون غيرهم، ولا يتناول منها بأمر الله إلا هم.. ومنها ما كان يتناوله النبى، وعلىّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، بعد إطعامهم المسكين واليتيم والأسير حتى لم يحسوا بعد بجوع ولا عطش ولا تعب ولا نَصَب، وهى شجرة تميزت من بين أشجار الجنة، إن سائر أشجار الجنة كان كل نوع منها يحمل نوعًا من الثمار والمأكول، وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البُرَّ والعِنَب والتين والعُنَّاب وسائر أنواع الثمار والفواكه والأطعمة، فلذلك اختلف الحاكون لتلك الشجرة، فقال بعضهم: هى بُرَّة، وقال آخرون: هى عِنَبة، وقال آخرون: هى عُنَّابة. قال الله تعالى: ولا تقربا هذه الشجرة تلتمسان بذلك دوحة محمد وآل محمد فى فضلهم، فإن الله تعالى خصَّهم بهذه دون غيرها، وهى شجرة التى مَن يتناول منها بإذن الله ﷿ أُلْهِم علم الأوَّلين والآخرين من غير تعلم. ومَنِ تناول منها بغير إذن الله خاب من مراده وعصى ربه، ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظالمين﴾ .. بمعصيتكما والتماسكما درجة قد أوثر بها غيركما كما إذ أردتما بغير حكم الله».
* *
* توسل الأنبياء والأُمم السابقة بمحمد ﷺ وبأهل البيت:
وقد جاء فى هذا التفسير من الأخبار ما يدل على أن الأنبياء والأُمم السابقين كانوا إذا حزبهم أمر وأهمهم توسلوا بمحمد ﷺ وأهل بيته رضوان الله تعالى عليهم.
فمثلًا عند قوله تعالى فى الآية [٣٨] من سورة البقرة: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .. نراه يقول: ".. فلما زلَّت من آدم الخطيئة واعتذر إلى ربه ﷿ قال: يا رب؛ تُبْ علىّ واقبل معذرتى، وأعدنى إلى مرتبتى، وارفع لديك درجتى فما أشد تبين بغض الخطيئة وذلها بأعضائى وسائر
 
٢ ‏/ ٦٩
 
بدنى، قال الله تعالى: يا آدم؛ أما تذكر أمرى إياك بأن تدعونى بمحمد وآله الطيبين عند شدائدك ودواهيك وفى النوازل تنزل بك؟ قال آدم: يا رب بلى، قال الله ﷿ له: فتوسل بمحمد وعلىّ وفاطمة والحسن والحسين خصوصًا، فادعنى أجبك إلى ملتمسك وأزدك فوق مرادك، فقال آدم: يا رب وقد بلغ عندك من محلهم أنك بالتوسل بهم تقبل توبتى، وتغفر خطيئتى، وأنا الذى أسجدتَ له ملائكتك، وأبحته جنَّتك، وزوَّجته حواء أَمَتك، وأخدمته كرام ملائكتك؟ قال الله: يا آدم؛ إنما أمرتُ الملائكة بتعظيمك بالسجود إذ كنتَ وعاءً لهذه الأنوار، ولو كنتَ سألتنى بهم قبل خطيئتك أن أعصمك منها وأن أفطنك لدواعى عدوك إبليس حتى تحذر منها لكنتُ قد جعلتُ ذلك، ولكن المعلوم فى سابق علمى يجرى موافقًا لعلمى، فالآن بهم فادعنى لأُجبك، فعند ذلك قال آدم: اللَّهم بجاه محمد وآله الطيبين، بجاه محمد وعلىّ وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم لما تفضَّلتَ بقبول توبتى، وغفران زلَّتى. وإعادتى من كراماتك إلى مرتبتى، فقال الله ﷿: قد قبلتُ توبتك وأقبلتُ برضوانى عليك، ورزقتُ آلائى ونعمائى عليك، وأعدتك إلى مرتبتك من كراماتى، ووفرت نصيبك من رحماتى. فذلك قوله ﷿: ﴿فتلقىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم﴾ [البقرة: ٣٧] .
ومثلًا عند قوله تعالى فى الآية [٥٠] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ نجده يقول: "قال الله ﷿: واذكروا إذ جعلنا ماء البحر فرقًا ينقطع بعضه عن بعض، فأنجيناكم هناك وأغرقنا فرعون وقومه وأنتم تنظرون إليهم وهم يغرقون، وذلك أن موسى لما انتهى إلى البحر أوحى الله ﷿ إليه: قل لبنى إسرائيل جدِّدوا توحيدى، وأَمِرُّوا بقلوبكم ذكر محمد سيد عبيدى وإمائى، وأعيدوا على أنفسكم الولاية لعلىّ أخى محمد وآله الطبيين، وقولوا: اللَّهم بجاههم جوِّزنا على متن هذا الماء، فإنه يتحول لكم أرضًا، فقال لهم موسى ذلك، فقالوا: أتورد علينا ما نكره، وهل فررنا من آل فرعون إلا من خوف الموت، وأنت تقتحم بنا هذا الماء الغمر بهذه الكلمات، وما يدرينا ما يحدث من هذه علينا؟ فقال لموسى كالب بن يوحنا وهو على دابة له - وكان ذلك الخليج أربعة فراسخ - يا نبى الله؛ أمرك الله بهذا أن نقوله وندخل الماء؟ قال: نعم. قال: وأنت تأمرنى به؟ قال: نعم، فوقف وجدَّد على نفسه من توحيد الله ونبوة محمد وولاية علىّ والطيبين من آلهما ما أُمِرَ به، ثم قال: اللَّهم بجاههم جوِّزنى على متن هذا الماء، وإذا الماء قصته كأرض لينة، حتى بلغ آخر الخليج ثم عاد راكضًا، ثم قال لبنى إسرائيل: يا بنى
 
٢ ‏/ ٧٠
 
إسرائيل؛ أطيعوا موسى، فما هذا الدعاء إلا مفتاح أبواب الجنان، ومغاليق أبواب النيران، ومستنزل الأرزاق. وجالب على عباد الله وإمائه رضا المهيمن الخلاق. فأبوا وقالوا: لا نسير إلا على الأرض، فأوحى الله: يا موسى؛ اضرب بعصاك البحر وقل: اللَّهم بجاه محمد وآله الطيبين لما فلقته، ففعل؛ فانفلق وظهرت الأرض إلى آخر الخليج، فقال موسى: ادخلوها، قالوا: الأرض وحلة، نخاف أن نرسب فيها، فقال الله ﷿: يا موسى؛ قل: اللَّهم بحق محمد وآله الطيبين جففها، فقالها، فأرسل الله عليها ريح الصبا فجفَّت، فقال موسى: ادخلوها، فقالوا: يا نبى الله؛ نحن اثنتا عشرة قبيلة بنو اثنى عشر أبًا، وإن دخلناها رام كل فريق منا تقدم صاحبه، ولا نأمن من وقوع الشر بيننا، فلو كان لكل فريق منا طريق على
حدة لأمنا ما نخافه، فأمر الله موسى أن يضرب البحر بعددهم اثنى عشر ضربة، فى اثنتى عشرة موضعًا إلى جانب ذلك الموضع ويقول: اللَّهم بجاه محمد وآله الطيبين بَيِّن الأرض لنا، وأقصر الماء عنا، فصار فيه تمام اثنى عشر طريقًا، وجَفَّ قرار الأرض بريح الصبا، فقال: ادخلوها، فقالوا: كل فريق منا يدخل سكة من هذه السكك لا يدرى ما يحدث على الآخرين، فقال الله ﷿: فاضرب كل طَوْد من الماء بين هذه السكك، فضرب فقال: اللَّهم بجاه محمد وآله الطيبين لما جعلت فى هذا الماء طيقانًا واسعة يرى بعضهم بعضًا، فحدثت طيقان واسعة يرى بعضهم بعضًا، ثم دخلوها، فلما بلغوا آخرها جاء فرعون وقومه فدخل بعضهم، فلما دخل آخرهم وهمَّ أولهم بالخروج أمر الله تعالى البحر فانطبق عليهم فغرقوا، وأصحاب موسى ينظرون إليهم فذلك قوله ﷿: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ .
* *
* التقيَّة:
وهو يعترف بالتقيَّة ويدين بها، ويروى عن رسول الله ﷺ أحاديث فيها، فمن ذلك: أنه روى عن الحسن بن علىّ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الأنبياء إنما فضَّلهم الله على الخلق أجمعين لشدة مداراتهم لأعداء دين الله، وحُسن تقيتهم لأجل إخوانهم فى الله».
وروى عن أمير المؤمنين أنه قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول:»مَن سُئل عن علم فكتمه حيث يجب إظهاره وتزول عنه التقية، جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من النار«.
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٦٣] من سورة البقرة: ﴿وإلاهكم إلاه وَاحِدٌ لاَّ إلاه إِلاَّ هُوَ الرحمان الرحيم﴾ .. يقول:»الرحيم بعباده المؤمنين من شيعة آل محمد،
 
٢ ‏/ ٧١
 
وسَّع لهم فى التقية، يجاهرون بإظهار موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه إذا قدروا، ويُسِّرُّونها إذا عجزوا».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٧٣] من سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير﴾ .. الآية، يقول: «.. نظر الباقر إلى بعض شيعته وقد دخل خلفَ بعض المنافقين إلى الصلاة، وأحس الشيعى بأن الباقر قد عرف ذلك منه بقصده وقال: أعتذر إليك يا ابن رسول الله عن صلاتى خلف فلان فإنها تقيَّة، ولولا ذلك لصليتُ وحدى، قال له الباقر: يا أخى؛ إنما كنت تحتاج أن تعتذر لو تركت، يا عبد الله المؤمن؛ ما زالت ملائكة السماوات السبع والأرضين السبع تصلى عليك وتلعن إمامك ذاك، وإن الله تعالى أمر أن تُحسب صلاتك خلفه للتقيَّة بسبعمائة صلاة لو صليتها لوحدك. فعليك بالتقيَّة».
* *
* تأثره بمذهب المعتزلة:
وإنا لنجد فى هذا التفسير تأثرًا بمذهب المعتزلة ومعتقداتهم، فمثلًا عند قوله تعالى فى الآية [٧] من سورة البقرة: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ .. نجد المؤلف لا يرتضى نسبة الختم إلى الله على ظاهره، ونراه يتأوَّل هذا الختم بما يتفق ورأى المعتزلة فيقول: «أى وسَمَها بسِمَة يعرفها مَن يشاء من ملائكته إذا نظروا إليها بأنهم الذين لا يؤمنون، وعلى سمعهم كذلك بسِمَات، وعلى أبصارهم غشاوة، وذلك أنهم لما أعرضوا عن النظر فيما كُلِّفوه، وقصَّروا فيما أُرِيد منهم، جهلوا ما لزمهم من الإيمان به، فصاروا كمن على عينه غطاء لا يبصر ما أمامه، فإن الله ﷿ يتعالى عن العبث والفساد، وعن مطالبة العباد بما قد منعهم بالقهر منه، فلا يأمرهم بمغالبته ولا بالمسير إلى ما قد صدَّهم بالعجز».
* *
* تأثره فى تفسيره بآراء الشيعة فى الفروع الفقهية:
كذلك نجد المؤلف يجرى فى تفسيره على وفق ما يميل إليه من الأحكام الفقهية التى يقول بها الإمامية الإثنا عشرية.
فمثلًا عند قوله تعالى فى الآية [٤٣] من سورة البقرة: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ .. نراه يروى حديثًا طويلًا عن رسول الله ﷺ يؤخذ منه صراحة أن فرض الرِجْلين فى الوضوء مسحهما لا غسلهما، وأن غسلهما لا يجوز إلا للتقيَّة، وهذا الحديث هو: أن رسول الله ﷺ قال: إن العبد إذا توضأ فغسل وجهه تناثرت ذنوب وجهه، وإذا غسل يديه إلى المرفقين تناثرت عنه ذنوب يديه، وإذا مسح رأسه تناثرت ذنوب رأسه، وإذا مسح رجليه - أو غسلهما تقيَّة - تناثرت ذنوب رجليه" ... إلخ.
 
٢ ‏/ ٧٢
 
وهكذا نجد هذا التفسير يسير مع الهوى الشيعى، سيرًا فيه كثير من التطرف والغلو والخروج عن دائرة المعقول المقبول. وإذا كان هذا التفسير من عمل الحسن العسكرى، الإمام المعصوم، الذى عنده علم القرآن كله، فتلك أكبر شهادة على أنه لا عصمة له ولا علم عنده، وكيف يصدر هذا التلاعب بنصوص القرآن من إمام له قيمته ومكانته.
وإذا كان ما يذكره صاحب أعيان الشيعة من علمه وصلاحه أمرًا حقيقيًا، فالظن بهذا الكتاب أن يكون منسوبًا إلى هذا الإمام زورًا وبهتانًا، وهذا ما أُرجحه وأختاره، لأنى لم أعثر على نقل صحيح يدل على غلو الرجل وتطرفه فى التشيع كما فعل غيره.
* * *
 
٢ ‏/ ٧٣
 


٣- مجمع البيان لعلوم القرآن (للطبرسى)

* ترجمة المؤلف ومكانته العلمية:
مؤلف هذا التفسير فى نظر أصحابه هو أبو علىّ، الفضل بن الحسن ابن الفضل الطبرسى المشهدى، الفاضل، العالِم، المفسِّر، الفقيه، المحدِّث، الجليل، الثقة، الكامل، النبيل، وهو من بيت عُرِف أهله بالعلم، فهو وابنه رضى الدين أبو نصر حسن بن الفضل صاحب مكارم الأخلاق، وسبطه أبو الفضل علىّ بن الحسن، وسائر سلسلته وأقربائه، من أكابر العلماء. ويروى عنه جماعة من العلماء منهم: ولده المذكور، وابن شهراشوب، والشيخ منتخب الدين، والقطب الراوندى، وغيرهم. ويروى هو عن الشيخ أبى علىّ ابن الشيخ الطوسى. قال الشيخ منتخب الدين فى الفهرس: «هو ثقة، فاضل، دَيِّن، عَيْن، له تصانيف، منها: مجمع البيان فى تفسير القرآن، والوسيط فى التفسير أربع مجلدات، والوجيز مجلدة، وإعلام الورى بأعلام الهدى مجلدتين، وتاج المواليد، والآداب الدينية للخزانة المعيبة».
قال صاحب روضات الجنَّات معقبًا على هذا: «وقد فرغ من تأليف المجمع فى منتصف ذى القعدة سنة ٥٣٤ هـ (أربع وثلاثين وخمسمائة) ولعل مراده بالوسيط هو تفسير جوامع الجامع المشهور. وبالوجيز: الكافِ الشافِ عن الكشاف، ويحتمل المغايرة».
وقال صاحب مجالس المؤمنين ما معناه: «إن عمدة المفسِّرين، أمين الدين، ثقة الإسلام، أبو علىّ الفاضل بن الحسن بن الفضل الطبرسى، كان من نحارير علماء التفسير، وتفسيره الكبير الموسوم بمجمع البيان، بيان كاف ودليل واف لجامعيته لفنون الفضل والكمال، ثم لما وصل إليه بعد هذا التأليف كتاب الكشاف واستحسن طريقته، ألَّف تفسيرًا آخر مختصرًا، شاملًا لفوائد تفسيره الأول ولطائف الكشاف، وسماه الجوامع، وله تفسير ثالث أيضًا أخصر من الأولين، وتصانيف أخرى فى الفقه والكلام، ويظهر من كتاب اللمعة الدمشقية فى مبحث الرضاع أن الطبرسى هذا كان داخلًا فى زمرة مجتهدى علمائنا أيضًا، ومقالته فى الرضاع معروفة، وهى قوله بعدم اعتبار اتحاد الفحل فى نشر الحرمة، وكذا قوله بأن المعاصى كلها كبائر، وإنما يكون اتصافها بالصغيرة بالنسبة لما هو أكبر».
ومن العجيب أنهم يذكرون قصة فى غاية الطرافة والغرابة فى سبب تأليفه لتفسيره «مجمع البيان» - الذى نحن بصدده - فيقولون: "ومن عجيب أمر هذا الطبرسى بل
 
٢ ‏/ ٧٤
 
من غريب كراماته، وما اشتهر بين الخاص والعام، أنه قد أصابته السكتة فظنوا به الوفاة فغسلوه وكفنوه ودفنوه ثم رجعوا، فلما أفاق وجد نفسه فى القبر ومسدودًا عليه سبيل الخروج عنه من كل جهة، فنذر فى تلك الحالة أنه إذا نجى من تلك الداهية ألَّف كتابًا فى تفسير القرآن، فاتفق أن بعض النبَّاشين قصده لأخذ كفنه، فلما كشف عن وجه القبر أخذ الشيخ بيده، فتحيَّر النباش، ودهش مما رآه، ثم تكلم معه فأزداد به قلقًا، فقال له: لا تخف، أنا حى وقد أصابتنى السكتة ففعلوا بى هذا، ولما لم يقدر على النهوض والمشى من غاية ضعفه، حمله النبَّاش على عاتقه وجاء به إلى بيته الشريف، فأعطاه الخلعة وأولاه مالًا جزيلًا، وتاب على يده النبَّاش، ثم إنه بعد ذلك وفى بنذره الموصوف، وشرع فى تأليفه مجمع البيان».
وكانت وفاته ليلة النحر سنة ٨٣٥ هـ (ثمان وثلاثين وخمسمائة من الهجرة) .
* *
* الكلام على هذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
قبل أن أخوض فى الكلام عن هذا التفسير أرى أن أسوق ما جاء فى مقدمة هذا التفسير للمؤلف ﵀، لما جاء فيه من بيان الحوافز التى دفعت مؤلفه إلى تأليفه، ولما أوضحه لنا من طريقته التى سلكها فى تفسيره، فهو أدرى بها وأعلم..
*
* الدواعى التى حملت الطبرسى على كتابة هذا التفسير:
ذكر الطبرسى هذه الدواعى فقال: «... وقد خاض العلماء قديمًا وحديثًا فى علم تفسير القرآن، واجتهدوا فى إبراز مكنونه وإظهار مضمونه، وألَّفوا فيه كتبًا جمَّة غاصوا فى كثير منها إلى أعماق لججه، وشققوا الشعر فى إيضاح حججه، وحققوا فى تفتيح أبوابه وتغلغل شعابه، إلا أن أصحابنا - رضى الله عنهم - لم يدوِّنوا فى ذلك غير مختصرات نقلوا فيها ما وصل إليهم فى ذلك من الأخبار، ولم يعنوا ببسط المعانى فيه وكشف الأسرار، إلا ما جمعه الشيخ الأجل السعيد، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسى من كتاب التبيان، فإنه الكتاب الذى يُقتبس من ضيائه الحق، ويلوح عيه رواء الصدق، وقد تضمن فيه من المعانى الأسرار البديعة، واختصر من الألفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبينها، ولا بتنميقها دون تحقيقها، وهو القدوة أستضئ بأنواره، وأطأ مواقع آثاره، غير أنه خلط فى أشياء مما ذكره فى الإعراب والنحو الغث بالسمين، والخاثر بالزباد، ولم يميز الصلاح مما ذكر فيه والفساد، وأدى الألفاظ فى مواضع من متضمناته قاصرة عن المراد، وأخلَّ بحسن الترتيب وجودة التهذيب، فلم يقع له لذلك من القلوب السليمة الموقع المرضى، ولم يعل من الخواطر الكريمة المكان العلى».
 
٢ ‏/ ٧٥
 
«وقد كنت فى ريعان الشباب وحداثة السن، وريَّان العيش ونضارة الغصن، كثير النزاع شديد التشوق إلى جمع كتاب فى التفسير، ينتظم أسرار النحو اللطيفة، ولمع اللُّغة الشريفة، ويفى موارد القراءات من متوجهاتها، مع بيان حججها الواردة من جميع جهاتها، ويجمع جوامع البيان فى المعانى المستنبطة من معادنها، المستخرجة من كوامنها، إلى غير ذلك من علومه الجمَّة، مطلعة من الغلف والأكمة، فيعترض لذلك جوائح الزمان، وعوائق الحدثان، وواردات الهموم، وهفوات القدر المحتوم، وهلم جرآ إلى الآن، وقد زرف سنى على الستين واشتعل الرأس شيبًا، وامتلأت العيبة عيبًا، فحدانى على تصميم هذه العزيمة ما رأيت من عناية مولانا الأمير السيد الأجل العالِم، ولى النعِيم جلال الدين ركن الإسلام، فخر آل رسول الله صلى الله عليه وآله، أبَى منصور محمد بن يحيى بن هبة الله الحسين - أدام الله علاه - بهذا العلم، وصدق رغبته فى معرفة هذا الفن. وقصر همه على تحقيق حقائقه، والاحتواء على جلائله ودقائقه، والله عَزَّ اسمه المسئول أن يحرس للإسلام والمسلمين رفيع حضرته، ويفيض على الفضل والفضلاء سجال سيادته، ويمد على العلم والعلماء أمداد سعادته.. فأوجبتُ على نفسى إجابته إلى مطلوبه، وإسعافه بمحبوبه، واستخرتُ الله تعالى، ثم قصرت وهَمْى وهَمِّى على اقتناء هذه الذخيرة الخطيرة، واكتساب هذه الفضيلة النبيلة، وشمرتُ عن ساق الجد، وبذلتُ غاية الجهد والكد، وأسهرتُ الناظر، وأتعبتُ الخاطر، وأطلتُ التفكير، وأحضرتُ التفاسير، واستمددتُ من الله التوفيق والتيسير».
* *
* وصف الطبرسى لتفسيره:
ثم وصف الطبرسى تفسيره فقال: «وابتدأتُ فى تأليف كتاب هو فى غاية التلخيص والتهذيب، وحسن النظم والترتيب، يجمع أنواع هذا العلم وفنونه، ويحوى فصوصه وعيونه، من علم قراءاته وإعرابه ولغاته، وغوامضه ومشكلاته، ومعانيه وجهاته، ونزوله وأخباره، وقصصه وآثاره، وحدوده وأحكامه - وحلاله وحرامه، والكلام على مطاعن المبطلين فيه، وذكرنا ما يتفرد به أصحابنا - رضى الله عنهم - من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة ما يعتقدونه من الأصول والفروع، والمعقول والمسموع، على وجه الاعتدال والاختصار، فوق الإيجاز دون الإكثار، فإن الخواطر فى هذا الزمان لا تحمل أعباء العلوم الكثيرة، وتضعف عن الإجراء فى الحلبات الخطيرة، إذ لم يبق من العلماء إلا الأسماء، ومن العلوم إلا الذماء». * *
*
 
٢ ‏/ ٧٦
 
منهج الطبرسى فى تفسيره:
ثم وضَّح منهجه فقال:»وقدَّمتُ فى مطلع كل سورة ذكر مكيها ومدنيها، ثم ذكر الاختلاف فى عدد آياتها، ثم ذكرت تلاوتها، ثم أُقدِّم فى كل آية الاختلاف فى القراءات، ثم أذكر العلل والاحتجاجات، ثم أذكر العربية واللُّغات، ثم أذكر الإعراب والمشكلات، ثم أذكر الأسباب والنزولات، ثم أذكر المعانى والأحكام والتأويلات، والقصص والجهات، ثم أذكر انتظام الآيات. على أنى قد جمعت فى عربيته كل غُرَّة لائحة، وفى إعرابه كل حُجَّة واضحة، وفى معانيه كل قول متين، وفى مشكلاته كل برهان مبين، فهو بحمد الله للأديب عمدة، وللنحوى عُدَّة، وللمقرئ بصيرة، وللناسك ذخيرة، وللمتكلم حُجَّة، وللمحدِّث محجة، وللفقيه دلالة، وللواعظ آلة، وسميته «مجمع البيان لعلوم القرآن».
* *
* مقدمات الكتاب:
ثم استطرد إلى ذكر مقدمات تتعلق ببعض علوم القرآن فقال: وقبل أن نشرع فى تفسير السور والآيات، فنحن نُصدِّر الكتاب بذكر مقدمات لا بد من معرفتها، لمن أراد الخوض فى علومه تجمعها فنون سبعة:
جعل الفن الأول منها: فى أعداد آى القرآن والفائدة من معرفتها.
والفن الثانى: فى ذكر أسامى القرَّاء المشهورين فى الأمصار ورواتهم.
والفن الثالث: فى ذكر التفسير والتأويل والمعنى، والتوفيق بين ما ورد من الآيات والآثار من النهى عن التفسير بالرأى وإباحته.
والفن الرابع: فى ذكر أسامى القرآن ومعانيها.
والفن الخامس: فى أشياء من علوم القرآن يحال فى شرحها وبسط الكلام فيها على المواضع المختصة بها والكتب المؤلَّفة فيها كإعجاز القرآن، والكلام عن زيادة القرآن ونقصانه.
وهنا يقول: فأما الزيادة فيه فمُجْمَع على بطلانه، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن فى القرآن تغييرًا ونقصانًا، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذى نصره المرتضى قدَّس الله روحه ... إلخ.
ثم ذكر من جمله العلوم التى يحال فى شرحها وبسط الكلام فيها على الكتب المؤلَّفة فيها الكلام فى النسخ والناسخ والمنسوخ وغير ذلك من العلوم المتعلقة بالقرآن وليست داخلة فى التفسير.
والفن السادس: فى ذكر بعض ما جاء من الأخبار المشهورة فى فضل القرآن وأهله.
 
٢ ‏/ ٧٧
 
والفن السابع: فى ذكر ما يُستحَب للقارئ من تحسين اللفظ وتزيين الصوت بقراءة القرآن.
ثم شرع فى التفسير فتكلم عن الاستعاذة فالبسملة ففاتحة الكتاب وهكذا إلى آخر القرآن.
والحق أن تفسير الطبرسى - بصرف النظر عما فيه من نزعات تشيعية وآراء اعتزالية - كتاب عظيم فى بابه، يدل على تبحر صاحبه فى فنون مختلفة من العلم والمعرفة. والكتاب يجرى على الطريقة التى أوضحها لنا صاحبه، فى تناسق تام وترتيب جميل، وهو يجيد فى كل ناحية من النواحى التى يتكلم عنها، فإذا تكلم عن القراءات ووجوهها أجاد، وإذا تكلم عن المعانى اللُّغوية للمفردات أجاد، وإذا تكلم عن وجوه الإعراب أجاد، وإذا شرح المعنى والإجمالى أوضح المراد، وإذا تكلم عن أسباب النزول وشرح القصص استوفى الأقوال وأفاض، وإذا تكلم عن الأحكام تعرَّض لمذاهب الفقهاء، وجهر بمذهبه ونصره إن كانت هناك مخالفة منه للفقهاء، وإذا ربط بين الآيات آخى بين الجُمَل، وأوضح لنا عن حُسْن السبك وجمال النظم، وإذا عرض لمشكلات القرآن أذهب الإشكال وأراح البال. وهو ينقل أقوال مَن تقدَّمه من المفسِّرين معزوة لأصحابها، ويرجح ويوجه ما يختار منها، وإذا كان لنا بعض المآخذ عليه فهو تشيعه لمذهبه وانتصاره له، وحمله لكتاب الله على ما يتفق وعقيدته، وتنزيله لآيات الأحكام على ما يتناسب مع الاجتهادات التى خالف فيها هو ومَن على شاكلته، وروايته لكثير من الأحاديث الموضوعة. غير أنه - والحق يقال - ليس مغاليًا فى تشيعه، ولا متطرفًا فى عقيدته، كما هو شأن كثير غيره من علماء الإمامية الإثنا عشرية.
وإليك بعض المثل من هذا التفسير، لترى كيف يميل الطبرسى بالآيات القرآنية إلى المعانى التى تتفق ومذهبه، وكيف يحاول بكل قواه الجدلية العنيفة أن يقيم مذهبه على أُسس من القرآن الكريم، وأن يرد ما يصادفه من ظواهر النصوص ويدفع بها فى وجه خصمه:
* إمامة علىّ:
لما كان الطبرسى يدين بإمامة علىّ رضى الله عنه، ويرى أنه خليفة النبى ﷺ بلا فصل، فإنَّا نراه يحاول بكل جهوده أن يثبت إمامته وولايته من القرآن فنراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. يبذل مجهودًا كبيرًا لاستخلاص وجوب إمامة علىّ رضى الله عنه من هذه الآية، فنجده أولًا يتكلم
 
٢ ‏/ ٧٨
 
عن المعانى اللُّغوية لبعض مفردات الآية، فيفسِّر «الولى» بقوله: «الولى هو الذى يلى النُصْرة والمعونة، والولى هو الذى يلى تدبير الأمر. يقال: فلان ولى أمر المرأة إذا كان يملك تدبير نكاحها. وولى الدم مَن كان إليه المطالبة بالقَوْد. والسلطان ولى أمر الراعية. ويقال لمن يرشحه للخلافة عليهم بعده: ولى عهد المسلمين. قال الكميت يمدح عليًا:
ونِعْم ولى الأمر بعد وليه ... ومنتجع التقوى ونِعْم المؤدب
ويروى الفتوى:»وإنما أراد ولى الأمر والقائم بتدبيره، قال المبرد فى كتاب العبادة عن صفات الله: «أصل الولى الذى هو أولى - أى أحق - ومثله المولى».
ثم بعد ذلك فسَّر الطبرسى «الركوع» و«الحزب»، ثم ذكر الإعراب ثم ذكر سبب النزول فقال بعد سياقه لسند طويل: «... بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول:»قال رسول الله ﷺ«، إذ أقبل رجل متعمم بعمامة، فجعل ابن عباس لا يقول: قال رسول الله ﷺ، إلا قال الرجل:»قال رسول الله، فقال ابن عباس: سألتك بالله مَن أنت؟ فكِشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيها الناس؛ مَن عرفنى فقد عرفنى، ومَن لم يعرفنى فأنا جندب من جنادة البدرى أبو ذر الغفارى، سمعتُ رسول الله ﷺ بهاتين وإلا صمتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول: «علىّ قائد البررة، وقاتل الكفرة، ومنصورٌ مَن نصره، ومخذولٌ مَن خذله»، أما إنى صليتُ مع رسول الله ﷺ يومًا من الأيام صلاة الظهر فسأل سائل فى المسجد فلم يعطه أحد شيئًا، فرفع السائل يده إلى السماء فقال: اللَّهم إنى سألت فى مسجد رسول الله فلم يعطنى أحد شيئًا، وكان علىّ راكعًا فآوى بخنصره اليمنى إليه - وكان يتختم فيها - فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين رسول الله ﷺ، فلما فرغ النبى من صلاته رفع رأسه إلى السماء فقال: اللَّهم إن أخى موسى سألك فقال: ﴿رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لي أَمْرِي * واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * واجعل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي* اشدد بِهِ أَزْرِي *وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي﴾ [طه: ٢٥-٣٢] فأُنزِلت عليه قرآنًا ناطقًا: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: ٣٥]، اللَّهُم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللَّهم فاشرح لى صدرى، ويَسِّر لى أمرى، واجعل لى وزيرًا من أهلى، عليًا أشدد به ظهرى. قال أبو ذر: فواللهِ ما استتم رسول الله ﷺ الكلمة حتى نزل عليه جبريل من عند ربه فقال: يا محمد؛ اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال اقرأ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ﴾ [المائدة: ٥٥] ..
وروى هذا الخبر أبو إسحاق الثعلبى فى تفسيره بهذا الإسناد بعينه، وروى أبو بكر الرازى فى كتاب أحكام القرآن - على ما حكاه المغربى عنه، والرمانى، والطبرى أنها نزلت فى علىّ حين تصدَّق بخاتمه وهو راكع، وهو قول مجاهد والسدى. والمروى عن أبى جعفر وأبى عبد الله وجميع علماء أهل البيت.
 
٢ ‏/ ٧٩
 
وقال الكلينى: نزلت فى عبد الله بن سلام وأصحابه لما أسلموا فقطعت اليهود موالاتهم فنزلت الآية. وفى رواية عطاء قال عبد الله بن سلام: يا رسول الله؛ أنا رأيت عليًا تصدَّق بخاتمه وهو راكع فنحن نتولاه.
وقد رواه السيد أبو الحمد أبى القاسم الحسكانى بالإسناد المتصل المرفوع إلى أبى صالح أبى الصلاح عن ابن عباس قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه ممن آمنوا بالنبى ﷺ فقالوا: يا رسول الله؛ إن منازلنا بعيدة، وليس لنا مجلس ولا متحدث دون هذه المجالس. وإن قومنا لما رأونا آمنا بالله ورسوله وصدَّقناه رفضونا وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا فشق ذلك علينا، فقال لهم النبى ﷺ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ﴾ ... الآية، ثم إن النبى خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع، فبصر بسائل، فقال النبى ﷺ: هل أعطاك أحد شيئًا؟ فقال: نعم، خاتم من فضة، فقال النبى: مَن أعطاكه؟ قال: ذلك القائم - وأومأ بيده إلى علىّ - فقال النبى ﷺ: على أى حال أعطاكه؟ قال: أعطانى وهو راكع، فكبَّر النبى ثم قرأ: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون﴾ [المائدة: ٥٦] .. فأنشأ حسان بن ثابت يقول فى ذلك:
أبا حسن تفديك نفسى ومُهجتى ... وكل بطئ فى الهدى ومسارع
أيذهب مدحيك المحبر ضائعًا ... وما المدح فى جنب الإله بضائع
فأنت الذى أعطيت إذ كنت راكعًا ... زكاة فدتك النفس يا خير راكع
فأنزل فيك الله خير ولاية ... وثبتها ثبت الكتاب الشرائع
وفى حديث إبراهيم بن الحكم بن ظهير: أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله ﷺ مع رهط من قومه يشكو إلى رسول الله ﷺ ما لقوا من قومهم، فبينا هم يشكون إذ نزلت هذه الآية، وأذَّن بلال فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد وإذا بمسكين يسأل، فقال ﷺ: ماذا أُعْطِيتَ؟ قال: خاتم من فضة، قال: مَن أعطاكه؟ قال: ذلك القائم. فإذا هو علىّ. قال: على أى حال أعطاكه؟ قال: أعطانى وهو راكع، فكبَّر رسول الله ﷺ وقال: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ..﴾ ..
ثم شرح المعنى فقال: "ثم بيَّن تعالى مَن له الولاية على الخلق والقيام بأمرهم، ويجب طاعته عليهم، فقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ﴾ .. أى الذى يتولى مصالحكم ويحقق تدبيركم هو الله تعالى، ورسوله يفعله بأمره: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ .. ثم وصف الذين آمنوا فقال: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ بشرائطها، ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ أى ويعطون الزكاة ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ أى فى حال الركوع. وهذه الآية من أوضح الدلالة على صحة إمامة علىّ بعد النبى ﷺ بلا فصل. والوجه فيه: أنه إذا ثبت أن لفظة: ﴿وَلِيُّكُمُ﴾ فى الآية تفيد مَن هو أولى بتدبير أموركم ويجب طاعته عليكم،
 
٢ ‏/ ٨٠
 
وثبت أن المراد بـ ﴿الذين آمَنُواْ﴾ علىّ، ثبت النص عليه بالإمامة ووضح. والذى يدل على الأول هو الرجوع إلى اللُّغة. فمن تأملها علم أن القوم نَصُّوا على ذلك، وقد ذكرنا قول أهل اللُّغة فيه قبل فلا وجه لإعادته. وإن الذى يدل على أنها فى الآية تفيد ذلك دون غيره، أن لفظة ﴿إِنَّمَا﴾ على ما تقدم ذكره تفيد التخصيص ونفى الحكم عمن عدا المذكور، كما يقولون: إنما الفصاحة للجاهلية، ويعنون نفى الفصاحة عن غيرهم. وإذا تقرر هذا لم يجز حمل لفظة «الوالى» على الموالاة فى الدين والمحبة، لأنه لا تخصيص فى هذا المعنى لمؤمن دون مؤمن آخر، والمؤمنون كلهم مشتركون فى هذا المعنى، كما قال سبحانه: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .. وإذا لم يجز حمله على ذلك لم يبقَ إلا الوجه الآخر وهو التحقيق بالأمور، وما يقتضى فرض الطاعة على الجمهور، لأنه لا محتمل للفظ إلا الوجهان، فإذا بطل أحدهما ثبت الآخر، والذى يدل على أن المعنى بـ ﴿الذين آمَنُواْ﴾ هو علىّ؛ الرواية الواردة من طريق العامة والخاصة بنزول الآية فيه لما تصدَّق بخاتمه فى حال الركوع، وقد تقدم ذكرها، وأيضًا فإن كل مَن قال: إن المراد بلفظة «ولى» ما يرجع إلى فرض الطاعة والإمامة، ذهب إلى أنه هو المقصود بالآية والمنفرد، ولا أحد من الأمة يذهب إلى أن هذه اللفظة تقتضى ما ذكرنا ويذهب إلى أن المعنىَّ بها سواه، وليس لأحد أن يقول: إن لفظة ﴿الذين آمَنُواْ﴾ لفظ جمع فلا يجوز أن يتوجه إليه
على الانفراد، وذلك أن أهل اللغة قد يُعبِّرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التفخيم والتعظيم، وذلك أشهر فى كلامهم من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه. وليس لهم أن يقولوا: إن المراد بقوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، أن هذه شيمتهم وعادتهم ولا يكون حالًا لإيتاء الزكاة، وذلك لأن قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصلاة﴾، قد دخل فيه الركوع، فلو لم يحمل قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ على أنه حال مَن ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾، وحملناه على مَن صفتهم الركوع، كان ذلك كالتكرار غير المفيد، والتأويل المفيد أولى من البعيد الذى لا يفيد. ووجه آخر فى الدلالة على أن الولاية فى الآية مختصة، أنه قال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله﴾ فخاطب جميع المؤمنين، ودخل فى الخطاب النبى ﷺ وغيره، ثم قال: ﴿وَرَسُولُهُ﴾ فأخرج النبى ﷺ من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته، ثم قال: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ فوجب أن يكون الذى خوطب بالآية هو الذى جُعِلَت له الولاية وإلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، وإلى أن يكون كل واحد من المؤمنين ولى نفسه، وذلك محال. واستيفاء الكلام فى هذا الباب يطول به الكتاب ومَن أراده فليطلبه من مظانه ... ".
 
٢ ‏/ ٨١
 
ولا شك أن هذه محاولة فاشلة، فإن حديث تصدق علىّ بخاتمه فى الصلاة - وهو محور الكلام - حديث موضوع لا أصل له، وقد تكفل العلامة ابن تيمية بالرد على هذه الدعوى فى كتابه منهاج السُّنَّة (الجزء الرابع ص ٣-٩) .
* *
* عصمة الأئمة:
ولما كان الطبرسى يدين بعصمة الأئمة فإنَّا نراه عند تفسيره لقوله تعاتلى فى الآية [٣٣] من سورة الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ .. يحاول محاولة جدية أن يقصر أهل البيت على النبى ﷺ وعلىّ وفاطمة والحسن والحسين، ليصل من وراء ذلك إلى أن الأئمة معصومون من جميع القبائح كالأنبياء سواء بسواء، فلهذا يقول بعد ما سرد من الروايات ما يشهد له بالقصر الذى يريده: «... والروايات فى هذا كثيرة من طريق العامة والخاصة، لو تصدينا لإيرادها لطال الكلام، وفيما أوردناه كفاية.. واستدلت الشيعة على اختصاص الآية بهؤلاء الخمسة بأن قالوا: إن لفظة ﴿إِنَّمَا﴾ محققة لما أُثبت بعدها، نافية لما لم يثبت، فإن قول القائل: إنما لك عندى درهم، وإنما فى الدار زيد، يقتضى أنه ليس عندى سوى الدرهم، وليس فى الدار سوى زيد. وإذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة فى الآية أن تكون هى الإرادة المحضة، أو الإرادة التى يتبعها التطهير وإذهاب الرجس، ولا يجوز الوجه الأول، لأن الله تعالى قد أراد من كل مُكلَّف هذه الإرادة المطلقة، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق، ولأن هذا القول يقتضى المدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة، ولا مدح فى الإرادة المجردة، فثبت الوجه الثانى، وفى ثبوته ثبوت عصمة الأئمة بالآية من جميع القبائح. وقد علمنا أن مَن عدا مَن ذكرنا من أهل البيت غير مقطوع على عصمته، فثبت أن الآية مختصة بهم لبطلان تعلقها بغيرهم. ومتى قيل: إن صدر الآية وما بعدها فى الأزواج، فالقول فيه: إن هذا لاينكره مَن عرف عادة الفصحاء فى كلامهم، فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه، والقرآن من ذلك مملوء وكذلك كلام العرب وأشعارهم».
فأنت ترى أن الطبرسى يحاول من وراء هذا الجدل العنيف أن يثبت عصمة الأئمة، وهى عقيدة فاسدة يؤمن بها هو ومَن على شاكلته من الإمامية الإثنا عشرية، ولا شك أن هذا تحكم فى كلام الله تعالى دفعه إليه الهوى وحمله عليه تأثير المذهب.
* *
* الرجعة:
ولما كان الطبرسى يقول بالرجعة، فإنَّا نراه عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٥٦] من سورة البقرة: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ يقول ما نصه: "..
 
٢ ‏/ ٨٢
 
واستدل قوم من أصحابنا بهذه الآية على جواز الرجعة. وقول مَن قال: إن الرجعة لا تجوز إلا فى زمن النبى لتكون معجزة له دلالة على نبوته باطل، لأن عندنا - بل عند أكثر الأمة - يجوز إظهار المعجزات على أيدى الأئمة والأولياء، والأدلة على ذلك مذكورة فى كتب الأصول ... .».
* *
* المهدى:
والطبرسى يدين بالمهدى، ويعتقد أنه اختفى وسيرجع فى آخر الزمان، وقد تأثر بهذه العقيدة، فنجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣] من سورة البقرة: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يذكر الأقوال الواردة فى المعنى المراد بـ «الغيب»، وينقل فى جملة ما ينقل من الأقوال: أن ابن مسعود وجماعة من الصحابة فسَّروا الغيب بما غاب عن العباد علمه. ثم يقول: «وهذا أولى لعمومه، ويدخل فيه ما رواه أصحابنا من زمان غيبة المهدى ووقت خروجه».
* *
* التقيَّة:
ولما كان الطبرسى يقول بمبدأ التقيَّة، فإنَّا نجده يستطرد إلى الكلام فيها ويؤيد مذهبه عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٢٨] من سورة آل عمران: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ... الآية، فيقول: "مَن اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فليس من الله فى شئ، أى ليس هو من أولياء الله، والله برئ منه، وقيل: ليس هو من ولاية الله تعالى فى شئ. وقيل: ليس من دين الله فى شئ. ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ .. والمعنى: إلا أن يكون الكفار غالبين والمؤمنون مغلوبين فيخافهم المؤمن إن لم يُظهر موافقتهم ولم يُحسن العِشْرة معهم، فعند ذلك يجوز له إظهار موَدَّتهم بلسانه، ومداراتهم تَقيَّة منهم ودفعًا عن نفسه من غير أن يعتقد ذلك. وفى هذه الآية دلالة على أن التقيَّة جائزة فى الدين عند الخوف
 
٢ ‏/ ٨٣
 
على النفس، وقال أصحابنا: إنها جائزة فى الأحوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح وليس تجوز من الأفعال فى قتل المؤمن، ولا فيما يُعلم أو يغلب على الظن أنه استفساد فى الدين.
قال المفيد: إنها قد تجب أحيانًا وتكون فرضًا، وتجوز أحيانًا من غير وجوب، وتكون فى وقت أفضل من تركها، وقد يكون تركها أفضل وإن كان فاعلها معذورًا أو معفوًا عنه متفضلًا عليه بترك اللوم عليها.
وقال الشيخ أبو جعفر الطوسى: وظاهر الروايات يدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس، وقد روى رُخْصته فى جواز الإفصاح بالحق عنده، وروى الحسن: أن مسيلمة الكذَّاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ فلقال لأحدهما: أتشهد أنَّ محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أفتشهد أنى رسول الله؟ قال: نعم، ثم دعا بالآخر فقال: أتشهد أنَّ محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أفتشهد أنى رسول الله؟ قال: إنى أصم.. قالها ثلاثًا، كل ذلك يجيبه بمثل الأول، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله فقال: أما ذلك المقتول فمضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضله فهنيئًا له، وأما الآخر فقبل رُخْصة الله فلا تبعة عليه، فعلى هذا تكون التقيَّة رُخْصة والإفصاح بالحق فضيلة».
* *
* تأثر الطبرسى بفقه الشيعة فى تفسيره:
ونجد الطبرسى فى تفسيره يتأثر بفقه الإمامية الإثنا عشرية وآرائهم الاجتهادية، فنراه يستشهد بكثير من الآيات على صحة مذهبه، أو يرد استدلال مخالفيه بآيات القرآن على مذاهبهم، وهو فى استدلاله، ورده، ودفاعه، وجدله، عنيف كل العنف، قوى إلى حد بعيد، بحيث يخيل لغير المدقق الخبير أن الحق بجانبه، والباطل بجانب مَن يخالفه.
* نكاح المتعة:
فمثلًا نجد الإمامية الإثنا عشرية يقولون بجواز نكاح المتعة، ولا يعترفون بنسخه كغيرهم من المسلمين، فلهذا حاول الطبرسى - وهو واحد منهم - أن يأخذ هذا المذهب بدليله من كتاب الله تعالى؛ فعندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٢٤] من سورة النساء: ﴿والمحصنات مِنَ النسآء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ... الآية، قيل: المراد بالاستمتاع هنا درك البغية والمباشرة وقضاء الوطر من اللَّذة.. عن الحسن ومجاهد وابن زيد. فمعناه على هذا: فما استمتعتم وتلذذتم من النساء بالنكاح فآتوهن مهورهن. وقيل: المراد نكاح المتعة، وهو النكاح المنعقد بمهر معيَّن إلى أجل معلوم.. عن ابن عباس والسدى وابن سعيد وجماعة من التابعين، وهو مذهب أصحابنا الإمامية، وهو الواضح، لأن أصل الاستمتاع والتمتع وإن كان فى الأصل واقعًا على الانتفاع والالتذاذ فقد صار بُعْرف الشرع مخصوصًا بهذا العقد، ولا سيما إذا أضيف إلى النساء، فعلى هذا يكون معناه: فمتى عقدتم عليهن هذا العقد المسمى مُتعة فآتوهن أُجورهن، ويدل على ذلك أن الله علَّق وجوب إعطاء المهر
 
٢ ‏/ ٨٤
 
بالاستمتاع وذلك يقتضى أن يكون معناه هذا العقد المخصوص دون الجِماع والاستلذاذ، لأن المهر لا يجب إلا به. هذا، وقد روى عن جماعة من الصحابة منهم أُبَىّ بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود: أنهم قرأوا: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مُسمَّى فآتوهن أُجورهن».. وفى ذلك تصريح بأن المراد به عقد المتعة. وقد أورد الثعلبى فى تفسيره عن حبيب بن أبى ثابت قال: أعطانى ابن عباس مصحفًا فقال: هذا على قراءة أُبَىّ، فرأيت فى المصحف: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مُسمَّى». وبإسناده عن أبى نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ فقلت: بلى، فقال: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مُسمَّى»، قلت: لا أقرؤها
هكذا. قال ابن عباس: واللهِ هكذا أنزلها الله تعالى (ثلاث مرات) . وبإسناده عن سعيد بن جبير أنه قرأ: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مُسمَّى». وبإسناده عن شعبة بن الحكم بن عيينة قال: سألته عن هذه الآية: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أمنسوخة هى؟ قال: قال الحكم: قال علىّ بن أبى طالب: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شفى. وبإسناده عن عمران بن الحصين قال: نزلت آية المتعة فى كتال الله تعالى ولم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا رسول الله ﷺ وتمتعنا مع رسول الله ﷺ، ومات ولم ينهنا عنها، فقال بعد رجل برأيه ما شاء. ومما أورده مسلم بن الحجاج فى الصحيح قال: حدثنا الحسن الحلوانى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: قدم جابر ابن عبد الله معتمرًا فجئناه فى منزله، فسأله القوم عن أشياء، ثم ذكروا المتعة، فقال: استمتعنا على عهد رسول الله وأبى بكر وعمر.
ومما يدل أيضًا على أن لفظ الاستمتاع فى الآية لا يجوز أن يكون المراد به الانتفاع والجِماع، أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم شئ مِن المهر مَن لا ينتفع من المرأة بشئ، وقد علمنا أن لو طلَّقها قبل الدخول لزم نصف المهر، ولو كان المراد به النكاح الدائم لوجب للمرأة بحكم الآية جميع المهر بنفس العقد، لأنه قال: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أى مهورهن، ولا خلاف فى أن ذلك غير واجب، وإنما يجب الأجر بكماله بنفس العقد فى نكاح المتعة.
ومما يمكن التعلق به فى هذه المسألة، الرواية المشهورة عن عمر بن الخطاب أنه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ حلالًا، أنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما، فأخبر بأن هذه المتعة كانت على عهد رسول الله وأضاف النهى عنها إلى نفسه بضرب من الرأى، فلو كان النبى ﷺ نسخها أو نهى عنها أو أباحها فى وقت مخصوص دون غيره
 
٢ ‏/ ٨٥
 
لأضاف التحريم إليه دون نفسه. وأيضًا فإنه قرن بين متعة الحج ومتعة النساء فى النهى، ولا خلاف فى أن متعة الحج غير منسوخة ولا محرَّمة، فوجب أن يكون حكم متعة النساء حكمها. وقوله: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة﴾ .. من قال إن المراد بالاستمتاع الانتفاع والجِماع، قال: المراد به: ولا حرج ولا إثم عليكم فيما تراضيتم به من زيادة مهر ونقصانه، أو حط، أو إبراء، أو تأخير. وقال السدى: معناه: لا جُناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء مدة الأجل المضروب فى عقد المتعة، يزيدها الرجل فى الآخر وتزيده فى المدة، وهذا قول الإمامية وتظاهرت به الروايات عن أئمتهم..».
* *
* فرض الرِجْلَين فى الوضوء:
كذلك يقول الطبرسى - كغيره من علماء مذهبه - بأن المسح هو فرض الرِجْلين فى الوضوء، فلهذا نراه يجادل بكل قوة، ويدافع عن مذهبه وينصره بأدلة إن دلَّت على شئ فهو قوة عقلية هذا الرجل وسعة ذهنه وكثرة اطلاعه، فعندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٦] من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ .. يقول ما نصه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ .. اختُلِفَ فى ذلك، فقال جمهور الفقهاء: إن فرضهما الغسل. وقالت الإمامية: فرضهما المسح دون غيره، وبه قال عِكرمة. وقد روى القول بالمسح عن جماعة من الصحابة والتابعين، كابن عباس، وأنس وأبى العالية والشعبى. وقال الحسن البصرى بالتخيير بين المسح والغسل، وإليه ذهب الطبرى والجبائى إلا أنهم قالا: يجب مسح جميع القدمين ولا يجوز الاقتصار على مسح ظاهر القدم. قال ناصر الحق من جملة أئمة الزيدية: يجب الجمع بين المسح والغسل. وروى عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله فمسح على رجليه. وروى عنه أنه قال: إن فى كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل. وقال: الوضوء غسلتان ومسحتان. وقال قتادة: فرض الله غسلتين ومسحتين. وروى ابن عُلية، عن حميد، عن موسى ابن أنس: أنه قال لأنس ونحن عنده: إن الحَجَّاج خطبنا بالأهواز فذكر الطهر فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم، وإنه ليس شئ من بنى آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقبهما، فقال أنس: صدق الله وكذب الحَجَّاج، قال تعالى: ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ .. قال فكان أنس إذا مسح قدميه بَلَّهما. وقال الشعبى: نزل جبريل ﵇ بالمسح. وقال: إن فى التيمم يمسح ما كان غسلًا، ويلغى ما كان مسحًا.
 
٢ ‏/ ٨٦
 
وقال يونس: حدثنى مَن صحب عِكرمة إلى واسط. قال: فما رأيته غسل رجليه، إنما كان يمسح عليهما - وأما ما رُوى عن سادة أهل البيت فى ذلك فأكثر من أن يُحصَى، فمن ذلك ما روى الحسين بن سعيد الأهوازى، عن فضالة، عن حماد بن عثمان، عن غالب بن هذيل قال: سألت أبا جعفر عن المسح على رجلين
فقال: هو الذى نزل به جبريل. وعنه عن أحمد ابن محمد قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضح بكفه على الأصابع ثم مسحهما إلى الكعبين، فقلت له: لو أن رجلًا قال بأصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين؟ قال: لا، إلا بكفه كلها. وأما وجه القراءتين فى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فمن قال بالغسل حمل الجر فيه على أنه عطف على ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾، وقال: المراد بالمسح هو الغسل. وروى عن أبى زيد أنه قال: المسح خفيف الغسل، فقد قالوا: تمسَّحت للصلاة، وقوى ذلك بأن التحديد إنما جاء فى المغسول ولم يجئ فى الممسوح، فلما وقع التحديد فى المسح عُلِم أنه فى حكم الغسل لموافقة الغسل فى التحديد، وهذا قول ابن علىّ الفارسى.
وقال بعضهم: هو خفض على جوار، كما قالوا: جحر ضب خرب. وخرب من صفات الحجر لا الضب، وكما قال امرؤ القيس:
كأن ثبيرًا فى عرانين وبله ... كبير أناس بجاد مزمل
وقال الزجَّاج: إذا قرئ بالجر يكون عطفًا على الرؤوس فيقتضى كونه ممسوحًا، وذُكر عن بعض السَلَف أنه قال: نزل جبريل بالمسح، والسُّنَّة فيه الغسل. قال: والخفض على الجوار لا يجوز فى كتاب الله تعالى، ولكن المسح على هذا التحديد فى القرآن كالغسل. وقال الأخفش: هو معطوف على الرؤوس فى اللفظ، مقطوع فى المعنى، كقول الشاعر:
علفتها تبنًا وماءً باردًا
أى: وسقيتها ماءً باردًا.
وأما القراءة بالنصب، فقالوا فيه: إنه معطوف على ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾، لأنَّا رأينا فقهاء الأمصار عملوا على الغسل دون المسح، ولما روى أن النبى ﷺ رأى قومًا توضأوا وأعقابهم تلوح. فقال: «ويل للعراقيب من النار». ذكره أبو علىّ الفارسى، وأما مَن قال بوجوب مسح الرجلين.. حمل الجر والنصب فى «أرجلكم» على ظاهره بدون تعسف، فالجر للعطف على الرؤوس، والنصب للعطف على موضع الجار والمجرور، وأمثال ذلك فى كلام العرب أكثر من أن تُحصى. قالوا: ليس فلان بقائم ولا ذاهبًا، وأنشد:
معاوى إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وقال تأبط شرًا:
هل أنت باعث دينارًا لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عون بن مخراق
 
٢ ‏/ ٨٧
 
فعطف «عبد» على موضع «دينار»، فإنه منصوب فى المعنى، ومن ذلك قول الشاعر:
جئنى بمثل بنى بدر لقومهم ... أو مثل إخوة منظور بن سيار
فإنه لما كان معنى «جئنى»: هات وأحضر لى مثلهم، عطف بالنصب على المعنى، وأجابوا الأوَّلين عما ذكروه فى وجه الجر والنصب بأجوبة نوردها على وجه الإيجاز.. قالوا: ما ذكروه أولًا من أن المراد بالمسح الغسل فباطل من وجوه:
أحدها: أن فائدة اللَّفظين فى اللُّغة والشرع مختلفة، وقد فرَّق الله سبحانه بين الأعضاء المغسولة وبين الأعضاء الممسوحة، فكيف يكون معنى المسح والغسل واحدًا؟
وثانيها: أن الأرجل إذا كان معطوفًا على الرؤوس، وكان الفرض فى الرؤوس المسح الذى ليس بغسل بلا خلاف، فيجب أن يكون حكم الأرجل كذلك، لأن حقيقة العطف تقتضى ذلك.
وثالثها: أن المسح لو كان بمعنى الغسل لسقط استدلالهم بما رووه عن النبى ﷺ أنه توضأ وغسل رجليه، لأن على هذا لا ينكر أن يكون مسحهما فسمُّوا المسح غسلًا وفى هذا ما فيه.
فأما استشهاد أبى زيد بقولهم: تمسَّحْتُ للصلاة، فالمعنى فيه: أنهم لما أرادوا أن يُخبروا عن الطهور بلفظ موجز ولم يجز أن يقولوا: تغسَّلْتُ للصلاة، لأن ذلك تشبيه بالغُسل، قالوا بدلًا من ذلك تمسَّحْتُ، لأن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضًا فتجوَّزوا لذلك تعويلًا على أن المراد مفهوم، وهذا لا يقتضى أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل.
وأما ما قالوا فى تحديد طهارة الرِجْلين فقد ذكر المرتضى فى الجواب عنه: أن ذلك لا يدل على الغسل، وذلك لأن المسح فعل قد أوجبته الشريعة كالغسل فلا يُنكر تحديده كتحديد الغسل، ولو صرَّح ﷾ فقال: وامسحوا أرجلكم وانتهوا بالمسح إلى الكعبين لم يكن منكرًا. فإن قالوا: إن تحديد اليدين لما اقتضى الغسل فكذلك تحديد الرِجْلين يقتضى الغسل، قلنا: إنَّا لم نوجب الغسل فى اليدين للتحديد بل للتصريح بغسلهما، وليس كذلك فى الرِجْلين، وإن قالوا: عطف المحدود على المحدود أولى وأشبه بترتيب الكلام. قلنا: هذا لا يصح، لأن الأيدى محدودة وهى معطوفة على الوجوه التى ليست فى الآية محدودة، فإذن جاز عطف الأرجل وهى محدودة، على الرؤوس التى ليست بمحدودة، وهذا أشبه مما ذكرتموه، لأن الآية تضمنت ذكر عضو مغسول غير محدود وهو الوجه، وعطف عضو محدود مغسول عليه، ثم استؤنف ذكر عضو ممسوح غير محدود، فيجب أن يكون «أرجل» ممسوحة محدودة
 
٢ ‏/ ٨٨
 
معطوفة على الرؤوس دون غيره. ليتقابل الجملتان فى عطف مغسول محدود على مغسول غير محدود، وعطف ممسوح محدود على ممسوح غير محدود.
وأما مَن قال: إنه عطف على الجوار، فقد ذكرنا عن الزجَّاج أنه لم يُجوِّز ذلك فى القرآن، ومَن أجاز ذلك فى الكلام فإنما يجوز مع فقد حرف العطف، وكل ما استشهد به على الإعراب بالمجاورة فلا حرف فيه حائل بين هذا وذاك. وأيضًا فإن المجاورة إنما وردت فى كلامهم عند ارتفاع اللَّبْس والأمن من الاشتباه، فإن أحدًا لا يشتبه عليه أن «خربًا» لا يكون من صفة الضب، ولفظة «مزمل» لا يكون من صفة البجاد، وليس كذلك الأرجل فإنها يجوز أن تكون ممسوحة كالرؤوس. وأيضًا فإن المحققين من النحويين نفوا أن يكون الإعراب بالمجاورة جائزًا فى كلام العرب، وقالوا فى «حجر ضب خرب»: إنهم أرادوا خرب جحره، فحذفوا المضاف الذى هو «جحر» وأقيم المضاف إليه وهو الضمير المجرور مقامه، وإذا ارتفع الضمير استكن فى «خرب» وكذلك القول فى «كبير أناس فى بجاد مزمل»، فتقديره: مزمل كبيره، فبطل الإعراب بالمجاورة جملة، وهذا واضح لمن تدبره.
وأما مَن جعله مثل قول الشاعر: «علفتها تبنًا وماءً باردًا»، كأنه قدَّر فى الآية: واغسلوا أرجلكم، فقوله أبعد من الجميع، لأن مثل ذلك لو جاز فى كتاب الله تعالى - على ضعفه وبُعْده فى سائر الكلام - فإنما يجوز إذا استحال حمله على ظاهر، فأما إذا كان الكلام مستقيمًا ومعناه ظاهرًا فكيف يجوز مثل هذا التقدير الشاذ البعيد؟
وأما ما قاله أبو علىّ فى القراءة بالنصب على أنه معطوف على الأيدى، فقد أجاب عنه المرتضى بأن قال: جعل التأثير فى الكلام للقريب أولى من جعله للبعيد، فنصب الأرجل عطفًا على الموضع أولى من عطفها على الأيدى والوجوه، على أن الجملة الأولى المأمور فيها بالغسل قد انقضت وبطل حكمها باستئناف الجملة الثانية، ولا يجوز بعد انقطاع حكم الجملة الأولى أن تعطف على ما فيها، فإن ذلك يجرى مجرى قولهم: ضربتُ زيدًا وعَمْرًا، وأكرمتُ خالدًا وبكرًا، فإن رد بكر إلى خالد فى الإكرام هو الوجه فى الكلام لا يسوغ الذى سواه، ولا يجوز رده إلى الضرب الذى قد انقطع حكمه، ولو جاز ذلك أيضًا لترجح ما ذكرناه لتطابق معنى القراءتين ولا تتنافيان.
فأما ما روى فى الحديث أنه قال: «ويل للعراقيب من النار»، وغير ذلك من الأخبار التى رووها عن النبى ﷺ أنه توضأ وغسل رجليه، فالكلام فى ذلك أنه لا يجوز أن يُرجعْ عن ظاهر القرآن المعلوم بظاهر الأخبار الذى لا يوجب علمًا وإنما يقتضى الظن، على أن هذه الأخبار معارضة بأخبار كثيرة وردت من طرقهم ووُجِدت فى كتبهم، ونُقِلت عن شيوخهم، مثل ما روى عن أوس بن أبى أوس أنه قال: رأيتُ النبى ﷺ يتوضأ ومسح على نعليه ثم قام فصلَّى، وعن حذيفة قال: أتى رسول الله سباطة قوم فبال عليها ثم
 
٢ ‏/ ٨٩
 
دعا بماء فتوضأ ومسح على قدميه، وذكره أبو عبيدة فى غريب الحديث ... إلى غير ذلك مما يطول ذكره.
وقوله: «ويل للعراقيب من النار»، فقد روى فيه أن قومًا من أجلاف الأعراب كانوا يبولون وهم قيام، فيتشرشر البول على أعقابهم وأرجلهم فلا يغسلونها، ويدخلون المسجد للصلاة، وكان ذلك سببًا لهذا الوعيد..
وأما الكعبان فقد اختُلِف فى معناهما، فعند الإمامية هما العظمان النابتان فى ظهر القدم عند معقد الشراك، ووافقهم فى ذلك محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة، وإن كان يوجب غسل الرجلين إلى هذا الموضع. وقال جمهور المفسَرين والفقهاء: الكعبان هما عظما الساقين، قالوا: ولو كان كما قالوه لقال سبحانه: «وأرجلكم إلى الكعاب» ولم يقل: إلى الكعبين، لأن على ذلك القول يكون فى كل رِجْل كعبان«.
* *
* نكاح الكتابيات:
ولما كان مذهب الطبرسى عدم جواز نكاح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فإنَّا نجده يتأثر بهذا المذهب فيفسِّر كلام الله على مقتضاه، فنجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٢١] من سورة البقرة: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ﴾ ... الآية، يقول بعد ما تكلم عن اللُّغة والإعراب وسبب النزول:»لما تقدم ذكر المخالطة بيَّن تعالى مَن يجوز مخالطته بالنكاح فقال: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ أى لا تزوجوا النساء الكافرات حتى يؤمنّ - أى يصدقن بالله - وهى عامة عندنا فى تحريم مناكحة جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم. وليست بمنسوخة ولا مخصوصة، فاختلفوا فيه، فقال بعضهم: لا يقع اسم المشركات على أهل الكتاب، وقد فصل الله بينهما فقال: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١]، و﴿مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين﴾ [البقرة: ١٠٥] وعطف أحدهما على الآخر، فلا نسخ فى الآية ولا تخصيص.
وقال بعضهم: الآية متناولة جميع الكفار، والشرك يُطلق على الكل، ومَن جحد نبوة نبينا محمد ﷺ فقد أنكر معجزته وأضافه إلى غير ذلك، وهذا هو الشرك بعينه، لأن المعجزة شهادة من الله له بالنبوة. ثم اختلف هؤلاء: منهم مَن قال: إن الآية منسوخة فى الكتاب بالآية التى فى المائدة: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [المائدة: ٥] .. عن ابن عباس والحسن ومجاهد - ومنهم من قال: إنها مخصوصة بغير الكتابيات.. عن قتادة وسعيد بن جبير - ومنهم مَن قال: إنها على ظاهرها فى تحريم نكاح كل كافرة كتابية كانت أو مشركة.. عن ابن عمر وبعض الزيدية وهو مذهبنا،
 
٢ ‏/ ٩٠
 
وسيأتى بيان آية المائدة فى موضعها إن شاء الله: ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ﴾: معناه: مملوكة مصدِّقة مسلمة خير من حُرَّة مشركة، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾: معناه: ولو أعجبتكم بمالها أو حسبها أو جمالها، فظاهر هذا يدل على أنه يجوز نكاح الأَمَة المؤمنة فى وجود الطَوْل، فأما قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] ... الآية، فإنما هى على التنزيه دون التحريم، ﴿وَلاَ تُنْكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ﴾ معناه: ولا تُنكِحوا النساء المسلمات جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم حتى يؤمنوا، وهذا يؤيد قول من يقول: إن قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ يتناول جميع الكافرات، وقوله: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾، أى عبد مصدِّق مسلم خير من حُرٍّ مشرك ولو أعجبكم ماله أو حاله أو جماله».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥] من سورة المائدة: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ ... الآية، نراه يقول ما نصه: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ وهم اليهود والنصارى، واختُلف فى معناه، فقيل: هنَّ العفائف حرائر كنَّ أو إماء، حربيات كنَّ أو ذِمِّيات.. عن مجاهد والحسن والشعبى وغيرهم - وقيل: هنَّ الحرائر ذِمِّيات كنَّ أو حربيات - وقال أصحابنا: لا يجوز عقد نكاح الدوام على الكتابية، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ولقوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] . وأوَّلوا هذه الآية بأن المراد بـ ﴿المحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ اللاتى أسلمن منه، والمراد بـ ﴿والمحصنات مِنَ المؤمنات﴾: اللاتى كُنَّ فى الأصل مؤمنات بأن وُلِدْن على الإسلام، وذلك أن قومًا كانوا يتحرَّجون من العقد على مَن أسلمت عن كفر، فبيَّن سبحانه أنه لا حَرَج فى ذلك، ولهذا أفردهن بالذكر، حكى ذلك أبو القاسم البلخى. قالوا: ويجوز أن يكون مخصوصًا أيضًا بنكاح المتعة وملك اليمين، فإن عندنا يجوز وطؤهن بكلا الوجهين، على أنه قد روى أبو الجارود عن أبى جعفر أنه منسوخ بقوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾، بقوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ .
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٠] من سورة الممتحنة: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ قال ما نصه: "أى لا تمسكوا بنكاح الكافرات، وأصل العصمة المنع، وسمى النكاح عصمة، لأن المنكوحة تكون فى حبال الزوج وعصمته، وفى هذا دلالة على أنه لا يجوز العقد على الكافرة سواء أكانت حربية أو ذِميَّة، وعلى كل حال، الآية
 
٢ ‏/ ٩١
 
عامة فى الكوافر، وليس لأحد أن يخص الآية بعابدة الوثن لنزولها بسببهن، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بالسبب».
* *
* الغنائم:
ولما كانت الإمامية الإثنا عشرية لهم فى الغنائم نظام خاص يخالفون به مَن عداهم فيوجبون الخُمس لمستحقيه فى مطلق الغنيمة، فهو غير مختص عندهم بغنائم الحرب بل يشمل أنواعًا سبعة هى: غنائم الحرب، وغنائم الغوص، والكنز الذى يُعثر عليه، والمعدن الذى يُستنبط من الأرض، وأرباح المكاسب، والحلال المختلط بالحرام، والأرض المنتقلة من المسلم إلى الذِمِّى. وليس الخُمس الهاشمى الذى يرون وجوبه - فيما عدا الغنائم الحربية - من الصدقات كما يتوهم البعض، ولكنهم يعتبرونه حقًا امتيازيًا لآل محمد الذين حُرِّمت عليهم الصدقات نظير ما تمتاز به الأسر المالكة اليوم من التمتع بمخصصات خاصة، وقد تضافر الحديث عن الأئمة بأن الخُمس حق سلطانى بإرادة ملكية، وهى إرادة مليك الكائنات لمستحقيه الذين ذكرهم القرآن.
لما كان هذا، فإنَّا نجد الطبرسى يُنزل ما ورد فى الغنائم من الآيات على مذهبه، ولهذا عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٤١] من سورة الأنفال: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ ... الآية، يقول متأثرًا بمذهبه: "اختلف العلماء فى كيفية قسمة الخُمس ومَن يستحقه على أقوال:
أحدها: ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أن الخُمس يُقسَّم على ستة أسهم، فسهم الله، وسهم للرسول، وهذان السهمان مع سهم ذى القُرَبى للإمام القائم مقام الرسول، وسهم ليتامى آل محمد، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، ولا يشركهم فى ذلك غيرهم، لأن الله سبحانه حَرَّم عليهم الصدقات لكونها أوساخ الناس وعوَّضهم من ذلك الخُمس، وروى ذلك الطبرى عن علىّ بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علىّ الباقر. وروى ايضًا عن أبى العالية والربيع أنه يُقسم على ستة أسهم إلا أنهما قالا: سهم الله للكعبة، والباقى لمن ذكره الله. وهذا القسم مما يقتضيه ظاهر الكتاب ويقويه.
الثانى: أن الخُمس يُقسم على خمسة أسهم، وأن سهم الله والرسول واحد، ويُصرف هذا السهم إلى الكراع والسلاح، وهو المروى عن ابن عباس، وإبراهيم، وقتادة، وعطاء.
الثالث: أن يُقسم على أربعة أسهم: سهم لذى القُرَبى.. لقرابة النبى ﷺ، والأسهم الثلاثة لمن ذُكِروا بعد ذلك من سائر المسلمين وهو مذهب الشافعى.
الرابع: أنه يُقسم على ثلاثة أسهم، لأن سهم الرسول قد سقط بوفاته، لأن الأنبياء
 
٢ ‏/ ٩٢
 
لا تورث فيما يزعمون، وسهم ذوى القُربى قد سقط، لأن أبا بكر وعمر لم يعطيا سهم ذى القُرَبى ولم ينكر ذلك، أحد من الصحابة عليهما.. وهو مذهب أبى حنيفة وأهل العراق - ومنهم مَن قال: لو أعطى فقراء ذوى القُربَى سهمًا والآخرين ثلاثة أسهم جاز، ولو جعل ذوى القُرَبى أُسوة بالفقراء ولا يفرد لهم سهم جار - واختُلِف فى ذى القُرَبى: فقيل: هم بنو هاشم خاصة من ولد عبد المطلب، لأن هاشمًا لم يعقب إلا منه.. عن ابن عباس ومجاهد، وإليه ذهب أصحابنا - وقيل: هم بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو عبد المطلب بن عبد مناف ... وهو مذهب الشافعى، وروى ذلك عن جبير بن مطعم عن النبى ﷺ وقال أصحابنا: إن الخُمس واجب فى كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب، وأرباح التجارات، وفى الكنوز والمعادن، والغوص، وغير ذلك مما هو مذكور فى الكتب، ويمكن أن يُستدل على ذلك بهذه الآية، فإن فى عُرْف اللغة يُطلق على جميع ذلك اسم الغُنْم والغنيمة..».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧] من سورة الحشر: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ أى من أموال كفار أهل القرى، ﴿فَلِلَّهِ﴾ يأمركم فيه بما أحب، ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ بتمليك الله إياه، ﴿وَلِذِي القربى﴾ يعنى أهل بيت رسول الله وقرابته، وهم بنو هاشم، ﴿واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ منهم، لأن التقدير: ولذى قُرْباه، ويتامى أهل بيته ومساكينهم وابن السبيل منهم، وروى المنهال بن عمرو عن علىّ بن الحسين قال: قلت: قوله: ﴿وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ قال: هم أقرباؤنا ومساكيننا وأبناء سبيلنا. وقال جميع الفقهاء: هم يتامى الناس عامة، وكذلك المساكين وأبناء السبيل. وقد روى أيضًا ذلك عنهم. وروى محمد بن مسلم عن أبى جعفر أنه قال: «كان أبى يقول: لنا سهم رسول الله وسهم ذوى القُرَبى، ونحن شركاء الناس فيما بقى. والظاهر يقتضى أن ذلك لهم، سواء أكانوا أغنياء أو فقراء.. وهو مذهب الشافعى - وقيل: إن مال الفئ للفقراء من قرابة رسول الله وهم بنو هاشم وبنو المطلب. وروى عن الصادق أنه قال: نحن قوم فرض الله طاعتنا، ولنا الأنفال، ولنا صفو المال.. يعنى ما كان يُصطفى لرسول الله ﷺ من فره الدواب، وحسان الجوارى، والدُرَّة الثمينة، والشئ الذى لا نظير له».
* *
* ميراث الأنبياء:
والطبرسى يقول كغيره من علماء مذهبه بأن الأنبياء ﵈ يورثون كما
 
٢ ‏/ ٩٣
 
يورث سائر الناس، ولهذا نراه يتأثر بمذهبه هذا. فيحمل عليه كلام الله، فمثلًا عندما فسَّر قوله تعالى فى الآيتين [٥، ٦] من سورة مريم: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امرأتي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ واجعله رَبِّ رَضِيًّا﴾ .. يقول ما نصه: «.. اختُلِف فى معناه، فقيل: معناه: يرثنى مالى ويرث من آل يعقوب النبوة.. عن أبى صالح - وقيل معناه: يرث نبوتى ونبوة آل يعقوب.. عن الحسن ومجاهد. واستدل أصحابنا بالآية على أن الأنبياء يورثون المال، وأن المراد بالإرث المذكور فيها المال دون العلم والنبوة، بأن قالوا: إن لفظ الميراث فى اللُّغة والشريعة لا يُطلق إلا على ما يُنقل من الموروث إلى الوارث كالأموال، ولا يُستعمل فى غير المال إلا على طريق المجاز والتوسع، ولا يُعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة. وأيضًا فإن زكريا قال فى دعائه: ﴿واجعله رَبِّ رَضِيًّا﴾ .. أى اجعل يا رب ذلك المولى الذى يرثنى رضيًا عندك ممتثلًا لأمرك، ومتى حملنا الإرث على النبوة لم يكن لذلك معنى، وكان لغوًا عبثًا، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد: اللَّهم ابعث لنا نبيًا، واجعله عاقلًا رضيًا فى أخلاقه، لأنه إذا كان نبيًا فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا فى النبوة، ويقوى ما قلناه أن زكريا صرَّح بأنه يخاف بنى عمه بعده بقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي﴾ .. وإنما يطلب وارثًا لأجل خوفه، ولا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون النبوة والعلم، لأنه كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيًا مَن ليس بأهل النبوة، وأن يورث علمه وحكمته مَن ليس لهما بأهل، ولأنه إنما بُعث لإذاعة العلم ونشره فى الناس، فكيف يخاف من الأمر الذى هو الغرض من بعثته. فإن قيل: إن هذا يرجع عليكم فى ورثة المال، لأن فى ذلك إضافة الضن والبخل إليه، قلنا: معاذ الله أن يستوى الأمران، فإن المال قد يروق المؤمن والكافر، والصالح والطالح، ولا يمتنع أن يأسى على بنى عمه إذا كانوا من أهل الفساد أن يظفروا بماله فيصرفوه فيما لا
ينبغى، بل فى ذلك غاية الحكمة، فإن تقوية الفُسَّاق وإعانتهم على أفعالهم المذمومة محظورة فى الدين، فمن عَدَّ ذلك بخلًا وضَنا فهو غير منصف، وقوله: ﴿خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي﴾ يُفهم منه أن خوفه إنما كان من أخلاقهم وأفعالهم ومعان فيهم لا من أعيانهم، كما أن مَن خاف الله تعالى فإنما خاف عقابه، فالمراد به: خِفْتُ تضييع الموالى مالى وإنفاقهم إياه فى معصية الله».
وعندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [١٦] من سورة النمل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ .. نجده يقول ما نصه: "فى هذه دلالة على أن الأنبياء يورثون المال كتوريث غيرهم.. وهو قول الحسن - وقيل: معناه: أنه ورث علمه ونبوته ومُلكه دون سائر
 
٢ ‏/ ٩٤
 
أولاده. ومعنى الميراث هنا أنه قام مقامه فى ذلك، فأْطلق عليه اسم الإرث كما أُطلق على الجنَّة اسم الإرث.. عن الجبائى، وهذا خلاف الظاهر، والصحيح عند أهل البيت هو الأول».
* *
* الإجماع:
ولما كان الطبرسى كعلماء مذهبه لا يعتبرون حِجِّية الإجماع مهما كان نوعه إلا إذا كان كاشفًا عن رأى الإمام أو كان الإمام داخلًا فى جملة المجمعين، فإنَّا نراه يرد الأدلة القرآنية التى استدل بها الجمهور على حِجِّية الإجماع ويناقشهم فى فهم هذه الآيات.
فمثلًا عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٥٩] من سورة النساء: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .. نراه يرد استدلال الجمهور بهذه الآية على حِجِّية الإجماع فيقول ما نصه: «... واستدلّ بعضهم بقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول﴾ على أن إجماع الأُمة حُجَّة بأن قالوا: إنما أوجب الله الرد إلى الكتاب والسُّنَّة بشرط وجود التنازع، فدل على أنه إذا لم يوجد التنازع لا يجب الرد، ولا يكون كذلك إلا والإجماع حُجَّة. وهذا الاستدلال إنما يصح لو فُرض أن فى الأُمة معصومًا حافظًا للشرع، فأما إذا لم يُفرض ذلك فلا يصح، لأن تعليق الحكم بشرط أو صفة لا يدل على أن ما عداه بخلافه عند أكثر العلماء، فكيف اعتمدوا عليه ههنا. على أن الأُمة لا تُجْمِع على شئ إلا عن كتاب أو سُنَّة. وكيف يقال إنها إذا أجمعت على شئ لا يجب عليها الرد إلى الكتاب والسُّنَّة وقد رُدَّت إليهما»؟.
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١١٥] من سورة النساء: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين نُوَلِّهِ مَا تولى﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ".. وقد استدل بهذه الآية على أن إجماع الأُمة حُجَّة، لأنه توعَّد على مخالفة سبيل المؤمنين كما توعَّد على مشاقة الرسول. والصحيح أنه لا يدل على ذلك، لأن ظاهر الآية يقتضى إيجاب متابعة مَن هو مؤمن على الحقيقة ظاهرًا وباطنًا، لأن مَن أظهر الإيمان لا يوصف بأنه مؤمن إلا مجازًا، فكيف يُحمل ذلك على الإيجاب متابعة مَن أظهر الإيمان، وليس كل مَن أظهر الإيمان مؤمنًا، ومتى حملوا الآية على بعض الأُمة حملها غيرهم على مَن هو مقطوع على عصمته عنده من المؤمنين وهم الأئمة من آل محمد ﷺ. على أن ظاهر الآية يقتضى أن الوعيد إنما يتناول مَن جمع
 
٢ ‏/ ٩٥
 
بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، فمن أين لهم أنَّ مَن يفعل أحدهما يتناوله الوعيد؟. ونحن إنما علمنا أن الوعيد إنما يتناول بمشاقة الرسول بانفرادها بدليل غير الآية، فيجب أن يسندوا تناول الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين إلى دليل آخر».
* *
* تأثر الطبرسى بمذهب المعتزلة فى تفسيره:
هذا.. وإن عقيدة الطبرسى كعقيدة غيره من الشيعة لها كثير الارتباط بمبادئ المعتزلة فى علم الكلام، ولهذا نراه فى تفسيره كثيرًا ما يوافق المعتزلة فى بعض آرائهم الكلامية، ويرتضى مذهبهم، ويدافع عنه، ويحاول أن يهدم ما عداه. وأحيانًا نراه لا يرتضى ما يقوله المعتزلة ولا يسلمه لهم بل يقف موقف المنازع لهم، والمعارض لأدلتهم.
* الهدى والضلال:
ففى الآيات التى لها تعلق بهداية العبد وضلاله، نراه يوافق المعتزلة فى عقيدتهم، ويدافع عنها، ويهدم ما عداها.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٢٥] من سورة الأنعام: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ".. قد ذُكِر فى تأويل الآية وجوه:
أحدها: أن معناه: مَن يرد الله أن يهديه إلى الثواب وطريق الجنَّة يشرح صدره للإسلام فى الدنيا، بأن يثبت عزمه عليه، ويقوى دواعيه على التمسك به، ويزيل عن قلبه وساوس الشيطان وما يعرض فى القلوب من الخواطر الفاسدة. وإنما يغفل ذلك لطفًا له ومَنا عليه وثوابًا على اهتدائه بهدى الله وقبوله إياه. ونظيره قوله سبحانه: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، ﴿وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ عن ثوابه وكرامته، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ﴾ فى كفره، ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ عقوبة له على ترك الإيمان من غير أن يكون سبحانه مانعًا له عن الإيمان، وسالبًا إياه القدرة عليه، بل ربما يكون ذلك سببًا داعيًا له إلى الإيمان، فإن مَن ضاق صدره بالشئ كان ذلك داعيًا له إلى تركه. والدليل على أن شرح الصدر قد يكون ثوابًا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .. الآيات ومعلوم أن وضع الوزْر ورفع الذِكْر يكون ثوابًا على تحمل أعباء الرسالة وكلفها، وكذلك ما قُرِن به من شرح الصدر. والدليل على أن الهدى قد يكون إلى الثواب قوله: ﴿والذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤-٥]، ومعلوم
 
٢ ‏/ ٩٦
 
أن الهداية بعد القتل لا تكون إلا إلى الثواب، فليس بعد الموت تكليف، وقد وردت الرواية الصحيحة: أنه لما نزلت هذه الآية سُئل رسول الله ﷺ عن شرح الصدر: ما هو؟ فقال: نور يقذفه الله فى قلب المؤمن فيشرح له صدره وينفسح، قالوا: فهل لذلك من أمارة يُعرف بها؟. قال: «نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافى عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت».
وثانيها: أن معنى الآية: فمن يرد الله أن يثبته على الهدى يشرح صدره من الوجه الذى ذكرنا جزاءً له على إيمانه واهتدائه، وقد يُطلق لفظ الهدى والمراد به الاستدامة كما قلنا فى قوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]، ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ .. أى يخذله ويخَلى بينه وبين ما يريده لاختياره الكفر وتركه الإيمان، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بأن يمنعه الألطاف التى ينشرح بها صدره لخروجه من قبولها بإقامته على كفره. فإن قيل: إنَّا نجد الكافر غير ضيق الصدر لما هو فيه، ونراه طيب القلب على كفره، فكيف يصح الخلف فى خبره سبحانه؟ قلنا: إنه سبحانه بيَّن أنه يجعل صدره ضيقًا ولم يقل فى كل حال، ومعلوم من حاله فى أحوال كثيرة أنه يضيق صدره بما هو فيه من ورود الشبه والشكوك عليه، وعندما يجازى الله المؤمنين على استعمال الأدلة الموصلة إلى الإيمان، وهذا القدر هو الذى يقتضيه الظاهر.
وثالثها: أن معنى الآية: مَن يرد الله أن يهديه زيادة الهدى التى وعدها المؤمن يشرح صدره لتلك الزيادة، لأن من حقها أن تزيد المؤمن بصيرة، ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ عن تلك الزيادة بمعنى يُذهبه عنها من حيث أخرج هو نفسه من أن يصح عليه، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ لمكان فقد تلك الزيادة، لأنها إذا اقتضت فى المؤمن ما قلناه أوجب فى الكافر ما يضاده، ويكون الفائدة فى ذلك الترغيب فى الإيمان والزجر عن الكفر.. وهذا التأويل قريب مما تقدم. وقد روى عن ابن عباس أنه قال: إنما سمى الله قلب الكافر حَرَجًا، لأنه لا يصل الخير إلى قلبه - وفى رواية أُخرى: لا تصل الحكمة إلى قلبه - ولا يجوز أن يكون المراد بالإضلال فى الآية الدعاء إلى الضلال، ولا الأمر به، ولا الإجبار عليه، لإجماع الأمة على أن الله تعالى لا يأمر بالضلال ولا يدعو إليه، فكيف يُجبر عليه، والدعاء إليه أهون من الإجبار عليه. وقد ذم الله تعالى فرعون والسامرى على إضلالهما عن دين الهدى فى قوله: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى﴾ [طه: ٧٩]، وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السامري﴾ [طه: ٨٥]، ولا خلاف فى أن إضلالهما إضلال أمر وإجبار ودعاء، وقد ذمهما الله تعالى عليه مطلقًا، وكيف يتمدح بما ذم عليه غيره".
* *
*
 
٢ ‏/ ٩٧
 
رؤية الله:
كذلك يقول الطبرسى بما يقول به المعتزلة من عدم جواز رؤية الله ووقوعها فى الآخرة، ولهذا نراه يُفسِّر قوله تعالى فى الآيتين [٢٢، ٢٣] من سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بما يتفق ومذهبه فيقول: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ اختلف فيه على وجهين:
أحدهما: أن معناه نظرة العين. والثانى: أنه الانتظار.
واختلف من حمله على نظر العين على قولين:
أحدهما: أن المراد: إلى ثواب ربها ناظرة، أى هى ناظرة إلى نعيم الجنَّة حالًا بعد حال، فيزداد بذلك سرورها. وذكر الوجوه والمراد به أصحاب الوجوه.. روى ذلك عن جماعة من علماء المفسِّرين من الصحابة والتابعين وغيرهم.. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما فى قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]: أمر ربك. وقوله: ﴿وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى العزيز الغفار﴾ [غافر: ٤٢]: أى إلى إطاعة العزيز الغفار وتوحيده. وقوله: ﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله﴾ [الأحزاب: ٥٧]: أى أولياء الله.
والآخر: أن النظر بمعنى الرؤية، والمعنى: تنظر إلى الله معاينة، روى ذلك عن الكلبى ومقاتل وعطاء وغيرهم.. وهذا لا يجوز، لأن كل منظور إليه بالعين، مشار إليه بالحدقة واللحاظ، والله يتعالى عن أن يشار إليه بالعين، كما يجل سبحانه عن أن يُشار إليه بالأصابع، وأيضًا فإن الرؤية بالحاسة لا تتم إلا بالمقابلة والتوجه، والله يتعالى عن ذلك بالاتفاق. وأيضًا فإن رؤية الحاسة لا تتم إلا باتصال الشعاع بالمرئى، والله منزَّه عن اتصال الشعاع به. على أن النظر لا يفيد الرؤية فى اللُّغة، فإنه إذا علق بالعين أفاد طلب الرؤية. كما أنه إذا علق بالقلب أفاد طلب المعرفة بدلالة قولهم: نظرت إلى الهلال فلم أره، فلو أفاد النظر الرؤية لكان هذا القول ساقطًا متناقضًا، وقولهم: ما زلتُ أنظر إليه حتى رأيته، والشئ لا يُجعل غاية لنفسه، فلا يقال: ما زلتُ أراه حتى رأيته، ولأنَّا نعلم الناظر ناظرًا بالضرورة، ولا نعلمه رائيًا بالضرورة، بدلالة أنَّا نسأله: هل رأيتَ أم لا؟
وأما مَن حمل النظر فى الآية على الانتظار فإنهم اختلفوا فى معناه على أقوال:
أحدها: أن المعنى: منتظرة لثواب ربها.. روى ذلك عن مجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك.. وهو المروى عن علىّ. ومَن اعترض على هذا بأن قال: إن النظر بمعنى الانتظار لا يتعدى بـ «إلى»، فلا يقال: انتظرت إليه، وإنما يقال: انتظرته، فالجواب عنه على وجوه:
منها: أنه قد جاء فى الشعر بمعنى الانتظار ومعدى بـ «إلى»، كما فى البيت الذى سبق ذكره:
 
٢ ‏/ ٩٨
 
. ناظرات ... إلى الرحمن
وكقول جميل بن معمر:
وإذا نظرتُ إليك من ملك ... والبحر دونك زدتنى نعمًا
وقول الآخر:
إنى إليك لما وعدتَ لناظر ... نظر الفقير إلى الغنى الموسر
ونظائره كثيرة..
ومنها أن تحمل «إلى» فى قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ على أنها اسم، فهو واحد الآلاء التى هى النعم، فإن فى واحدها أربع لغات: «إلا» و«ألا» مثل: معى وقفا، و«ألى»و«إلى» مثل جدى وحسى، وسقط التنوين بالإضافة. وقال الأعشى:
أبيض لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحمًا ولا يخون إلى
وليس لأحد أن يقول: إن هذا من أقوال المتأخرين وقد سبقهم الإجماع، فإنَّا لا نُسلِّم ذلك، لما ذكرناه من أن عليًا ومجاهدًا والحسن وغيرهم قالوا: المراد بذلك: تنتظر الثواب.
ومنها: أن لفظ النظر يجوز أن يعدى بـ «إلى» فى الانتظار على المعنى، كما أن الرؤية عديت بـ «إلى» فى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: ٤٥] فأجرى الكلام على المعنى، ولا يقال: رأيت إلى فلان. ومن إجراء الكلام على المعنى قول الفرزدق:
ولقد عجبت إلى هوازن أن أصبحت ... منى تلوذ ببطن أم جرير
فعدى «عجبت» بـ «إلى» لأن المعنى نظرت.
وثانيها: أن معناه: مؤملة لتجديد الكرامة، كما يقال: عينى ممدودة إلى الله تعالى وإلى فلان، وأنا شاخص الطرف إلى فلان.. ولما كانت العيون بعض أجزاء الوجوه أضيف الذى يقع بالعين إليها.. عن أبى مسلم.
وثالثها: أن المعنى: أنهم قطعوا آمالهم وأطماعهم عن كل شئ سوى الله، ورجوه دون غيره، فكنى سبحانه عن الطمع بالنظر، ألا ترى أن الرعية تتوقع نظر السلطان
 
٢ ‏/ ٩٩
 
وتطمع فى إفضاله عليها وإسعافه فى حوائجها، فنظر الناس مختلف: فناظر إلى السلطان، وناظر إلى تجارة، وناظر إلى زراعة، وناظر إلى ربه يؤمله.. وهذه الأقوال متقاربة فى المعنى، وعلى هذا فإن هذا الانتظار متى يكون؟ فقيل: إنه بعد الاستقرار فى الجنَّة، وقيل: إنه قبل استقرار الخلق فى الجنة والنار، فكل فريق ينتظر ما هو له أهل.. وهذا اختيار القاضى عبد الجبار - وذكر جمهور أهل العدل أن النظر يجوز أن يُحمل على المعنيين جميعًا، ولا مانع لنا من حمله على الوجهين، فكأنه سبحانه أراد أنهم ينظرون إلى الثواب المُعَد لهم فى الحال من أنواع النعيم، وينتظرون أمثالها حالًا بعد حال ليتم لهم ما يستحقون من الإجلال، ويُسئل على هذا فيقال: إذا كان بمعنى النظر بالعين حقيقة وبمعنى الانتظار مجازًا فكيف يُحمل عليهما؟ والجواب: أن عند أكثر المتكلمين فى أصول الفقه يجوز أن يرادا بلفظ واحد إذ لا تنافى بينهما.. وهو اختيار المرتضى قدَّس الله روحه، ولَمْ يجوزِّ ذلك أبو هاشم إلا إذ تكلم به مرتين: مرة يريد النظر، ومرة يريد الانتظار. وأما قولهم: المنتظر لا يكون نعيمه خالصًا فكيف يوصف أهل الجنَّة بالانتظار؟ فالجواب عنه: أن مَن ينتظر شيئًا لا يحتاج إليه فى الحال وهو واثق بوصوله إليه عند حاجته فإنه لا يهتم بذلك ولا ينقص سروره به، بل ذلك زايد فى نعيمه، وإنما يحلق الهم المنتظر إذا كان يحتاج إلى ما ينتظره فى الحال ويلحقه بفوته مضرَّة وهو غير واثق بالوصول إليه. وقد قيل فى إضافة النظر إلى الوجوه: إن الغم والسرور إنما يظهران فى الوجوه، فبيَّن الله سبحانه أن المؤمن إذا ورد يوم القيامة تهلل وجهه، وأن الكافر يخاف مغبة أفعاله القبيحة فيكلح وجهه.. «
* *
السحر:
والطبرسى ينكر حقيقة السحر ولا يقول به، ويخالف جمهور أهل السُّنَّة فى ذلك، ويرد أدلتهم، وينكر حديث البخارى فى سحر رسول الله ﷺ، ولهذا نراه فى آخر تفسيره لقوله تعالى للآية [١٠٢] من سورة البقرة: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ... الآية، يقول ما نصه:».. واختُلِف فى ماهية السحر على أقوال:
فقيل: إنه ضرب من التخييل وصنعة لطيفة من الصنائع، وقد أمر الله تعالى بالتعوذ منه وجعل التحرز منه بكتابة وقاية منه، وأنزل فيه سورة الفلق.. وهو قول الشيخ المفيد أبى عبد الله من أصحابنا.
وقيل: إنه خدع ومخاريق وتمويهات لا حقيقة لها، تخيل إلى المسحور لها حقيقة..
وقيل: إنه يمكن الساحر أن يقلب الإنسان حمارًا ويقلبه من صورة إلى صورة، وينشئ الحيوان على وجه الاختراع. وهو لا يجوز، ومن صدَّق به فهو لا يعرف النبوة،
 
٢ ‏/ ١٠٠
 
ولا يأمن من أن تكون معجزات الأنبياء من هذا النوع، ولو أن الساحر والمعزم قدرا على نفع أو ضرر، وعلما الغيب لقدرا على إزالة الممالك واستخراج الكنوز من معادنها والغلبة على البلدان بقتل الملوك من غير أن ينالهم مكروه وضرر، فلما رأيناهم أسوأ الناس حالًا وأكثرهم مكيدة واحتيالًا. علمنا أنهم لا يقدرون على شئ من ذلك. فأما ما روى من الأخبار أن النبى ﷺ سُحر فكان يرى أنه فعل ما لم يفعله أو أنه لم يفعل ما فعله فأخبار مفتعلة لا يُلتفت إليها، وقد قال الله حكاية عن الكفار: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨] . فلو كان السحر عمل فيه لكان الكفار صادقين فى مقالهم، حاشا للنبى من كل صفة نقص تنفر عن قبول قوله، فإنه حُجَّة الله على خلقه وصفوته على بريته..».
* *
* الشفاعة:
هذا.. ولا يلتزم الطبرسى القول بكل معتقدات المعتزلة، بل نراه يخالفهم فى كثير من الأحيان، ويرد عليهم معتقداتهم، ويجادلهم فيها جدالًا عنيفًا قويًا.
فمذهب الطبرسى فى الشفاعة - مثلًا - يخالف مذهب المعتزلة، ولهذا نراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٨] من سورة البقرة: ﴿واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ .. يقول ما نصه: ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ قال المفسرون: حكم هذه الآية مختص باليهود، لأنهم قالوا: نحن أولاد الأنبياء وآباؤنا يشفعون لنا، فأيأسهم الله عن ذلك فخرج الكلام مخرج العموم والمراد به الخصوص، ويدل على ذلك أن الأمة اجتمعت على أن للنبى شفاعة مقبولة، وإن اختلفوا فى كيفيتها، فعندنا هى مختصة بدفع المضار وإسقاط العقاب عن مستحقيه من مذنبى المؤمنين.
وقالت المعتزلة: هى فى زيادة المنافع للمطيعين والتائبين دون العاصين. وهى ثابتة عندنا للنبى، ولأصحابه المنتخبين، وللأئمة من أهل بيته الطاهرين، ولصالحى المؤمنين، وينجى بشفاعتهم كثيرًا من الخاطئين، ويؤيده الخبر الذى تلقته الأمة بالقبول وهو قوله: «ادخرتُ شفاعتى لأهل الكبائر من أُمتى»، وما جاء فى روايات أصحابنا رضى الله عنهم مرفوعًا إلى النبى أنه قال: «إنى أُشَفَّع يوم القيامة فأشفع، ويُشفَّع علىّ فيشفع، ويُشَفَّع أهل بيتى فيشفعون، وإن أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع فى أربعين من إخوانه كل قد استوجب النار»، وقوله مخبرًا عن الكفار عند حسراتهم على الفائت لهم مما حصل لأهل الإيمان من الشفاعة: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠-١٠١] .
* *
*
 
٢ ‏/ ١٠١
 
حقيقة الإيمان:
وهو أيضًا يخالف المعتزلة فى حقيقة الإيمان، فلذلك لما عرض لتفسير قوله تعالى فى الآية [٣] من سورة البقرة: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ .. قال ما نصه: «.. وقالت المعتزلة بأجمعها: الإيمان هو فعل الطاعة، ثم اختلفوا فمنهم مَن اعتبر الفرائض والنوافل. ومنهم مَن اعتبر الفرائض فحسب. واعتبروا الاجتناب من الكبائر كلها، وقد روى العام والخاص عن علىّ بن موسى الرضا: أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان، وقد روى ذلك على لفظ آخر منه أيضًا: الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول.
وأقول أنا: أصل الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاءت به رسله. وكل عارف بشئ فهو مصدِّق به، يدل عليه هذه الآية، فإنه تعالى لما ذكر الإيمان علَّقه بالغيب، ليعلم أنه تصديق للمخبر فيما أخبر به من الغيب على معرفة وثقة، ثم أفرده بالذكر عن سائر الطاعات البدنية والمالية وعطفها عليه فقال: ﴿وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، والشئ لا يُعطف على نفسه إنما يُعطف على غيره، ويدل عليه أيضًا أنه تعالى حيث ذكر الإيمان أضافه إلى القلب فقال: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦]، وقال: ﴿أولائك كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان﴾ [المجادلة: ٢٢] .. وقال النبى ﷺ:»الإيمان سر - وأشار إلى صدره - والإسلام علانية«وقد يسمى الإقرار إيمانًا كما يسمى تصديقًا إلا أنه متى صدر على شك أو جهل كان إيمانًا لفظيًا لا حقيقيًا، وقد تُسمى أعمال الجوارح أيضًا إيمانًا استعارة وتلويحًا كما يسمى تصديقًا كذلك، فيقال: فلان تُصدِّق أفعاله مقاله، ولا خير فى قول لا يصدقه الفعل. والفعل ليس بتصديق حقيقى باتفاق أهل اللُّغة، وإنما استعير هذا الاسم على الوجه الذى ذكرناه. فقد آل الأمر مع تسليم صحة الخبر وقبوله إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب والتصديق به على نحو ما تقتضيه اللُّغة، ولا يُطلق لفظه إلا على ذلك. إلا أنه يستعمل فى الإقرار باللسان والعمل بالأركان مجازًا واتساعًا، وبالله التوفيق».
* *
* روايته للأحاديث الموضوعة:
هذا.. ولا يفوتنا أن نقول: إن الطبرسى ﵀ لم يكن صادقًا فى وصفه لكتابه هذا بأنه محجة للمحدِّث، ذلك لأنَّا تتبعناه فوجدناه غير موفق فيما يروى من الأحاديث فى تفسيره، فقد أكثر من ذكر الموضوعات، خصوصًا ما وضعه الشيعة ونسبوه إلى النبى ﷺ أو إلى أهل البيت مما يشهد لمعتقداتهم ويدل على تشيعهم.
 
٢ ‏/ ١٠٢
 
وإذا نحن تتبعنا ما يرويه من الأحاديث فى فضائل السور لوجدناه قد وقع فيما وقع فيه كثير من المفسِّرين من الاغترار بما جاء من الأحاديث فى فضائل السور مسندًا إلى أُبَىّ وغيره، ومرفوعًا إلى رسول الله ﷺ، وهى أحاديث موضوعة باتفاق أهل العلم.
كذلك لو تتبعنا هذا التفسير لوجدنا صاحبه يروى فى تفسيره من الأحاديث ما يشهد لمذهبه أو يتصل به، وهى أخبار نقرؤها ولا نكاد نرى عليها صبغة الصدق ورواء الحق.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧] من سورة الرعد: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ .. نجد أنه يذكر من الروايات ما هو موضوع على ألسنة الشيعة، ثم يمر عليها بدون تعقيب منه، مما يدل على أنه يصدقها ويقول بها. فهو بعد أن ذكر أقوالًا أربعة فى معنى هذه الآية نقل عن ابن عباس أنه قال:»لما نزلت الآية قال رسول الله ﷺ: «أنا المنذر وعلىّ الهادى من بعدى، يا علىّ، بك يهتدى المهتدون». ونقل بسنده إلى أبى بردة الأسلمى أنه قال: «دعا رسول الله ﷺ بالطهور، وعنده علىّ ابن أبى طالب، فأخذ رسول الله بيد علىّ بعد ما تطهر فألزمها بصدره ثم قال: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾، ثم ردها إلى صدره، ثم قال: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، ثم قال: إنك منارة الأنام، وغاية الهدى، وأمير القرى، وأشهد علىّ ذلك أنك كذلك».
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٣] من سورة الشورى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ .. نجده يذكر أقوالًا ثلاثة فى معنى هذه الآية:
أحدها: لا أسألكم على تبليغ الرسالة وتعليم الشريعة أجرًا إلا التوادد والتحاب فيما يُقَرِّب إلى الله تعالى من العمل الصالح.
وثانيها: أن معناه: إلا أن تودونى فى قرابتى منكم وتحفظونى لها.
وثالثها: إلا أن تودوا قرابتى وتحفظونى فيهم ... وهنا يسوق من الروايات عن أهل البيت وغيرهم ما يصرِّح بأن الذين أمر الله بمودتهم: علىّ وفاطمة وولدهما، ويروى - فيما يروى - هذا الحديث الغريب الذى نقله من كتاب «شواهد التنزيل لقواعد التفضيل» مرفوعًا إلى أبى أُمامة الباهلى قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله تعالى خلق الأنبياء من أشجار شتَّى، وخُلقت أنا وعلىّ من شجرة واحدة، فأنا أصلها، وعلىّ فرعها، وفاطمة لقاحها، والحسن والحسين ثمارها، وأشياعنا أوراقها، فمَن تعلَّق بغصن من أغصانها نجا، ومَن زاغ عنها هوى، ولو أن عبدًا عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام حتى يصير كالشن البالى، ثم لم يدرك محبتنا كبَّه الله على منخريه فى النار، ثم تلا: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ .
* *
*
 
٢ ‏/ ١٠٣
 
نموقفه من الإسرائيليات:
وكثيرًا ما يروى الطبرسى فى تفسيره الروايات الإسرائيلية معزوَّة إلى قائليها، ونلاحظ عليه أنه يذكرها بدون أن يُعقِّب عليها.. اللَّهُمَ إلا إذا كانت مما يتنافى مع العقيدة، فإنه ينبه على كذب الرواية، ويبين ما فيها من مجافاتها للحق وبُعدها عن الصواب، فمثلًا عند قوله تعالى فى الآية [٢١] وما بعدها من سورة (ص): ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب * إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودَ ... .﴾ ... الآيات، نجده يقول:»واختلف فى استغفار داود من أى شئ كان، فقيل: إنه حصل منه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والخضوع والتذلل بالعبادة والسجود، كما أخبر سبحانه عن إبراهيم بقوله: ﴿والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين﴾ [الشعراء: ٨٢] .. وأما قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] فالمعنى أنَّا قبلناه منه وأثبتناه، فأخرجه على لفظ الجزاء مثل قوله: ﴿يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقوله: ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] . فلما كان المقصود من الاستغفار والتوبة القبول قيل فى جوابه: «غفرنا» وهذا قول من يُنَزِّه الأنبياء عن جميع الذنوب من الإمامية وغيرهم. ومَن جوَّز على الأنبياء الصغائر قال: إن استغفاره كان لذنب صغير وقع منه، ثم إنهم اختلفوا فى ذلك على وجوه:
أحدها: أن أُوريا بن حيّان خطب امرأة وكان أهلها أرادوا أن يُزوِّجوها منه، فبلغ داود جمالها فخطبها أيضًا فزوَّجوها منه، فقدَّموه على أوربا، فعوتب داود على الدنيا.. عن الجبائى.
وثانيها: أنه أخرج أُوريا إلى بعض ثغوره فقُتل فلم يجزع عليه جزعه على أمثاله من جنده إذ مالت نفسه إلى نكاح امرأته، فعوتب على ذلك بنزول المَلَكين.
وثالثها: أنه كان فى شريعته أن الرجل إذا مات وخلَّف امرأته فأولياؤه أحق بها إلا أن يرغبوا عن التزوج بها، فحينئذ يجوز لغيرهم أن يتزوج، فلما قُتل أُوريا خطب داود امرأته ومنعت هيبة داود وجلالته أولياءه يخطبوها فعوتب على ذلك.
ورابعها: أن داود كان متشاغلًا بالعبادة فأتاه رجل وامرأة متحاكمين فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها وذلك مباح، فمالت نفسه إليها ميل الطباع ففصل بينهما وعاد إلى عبادة ربه، فشغله الفكر فى أمرها عن بعض نوافله فعوتب.
وخامسها: أنه عوتب على عجلته فى الحكم قبل التثبت، وكان يجب عليه حين سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيها ويحكم عليه قبل ذلك، وإنما أنساه التثبت فى الحكم فزعه من دخولهما عليه فى غير وقت العادة.
وأما ما ذُكر فى القصة أن داود كان كثيرا الصلاة فقال: يا رب فضَّلتَ علىّ إبراهيم فاتخذَتُه خليلًا، وفضَّلتَ علىّ موسى فكلَّمتَه تكليمًا، فقال: يا داود إنا ابتليناهم بما
 
٢ ‏/ ١٠٤
 
لم نبتلك بمثله فإن شئت ابتليتْ، فقال: نعم يا رب فابتلنى، فبينا هو فى محرابه ذات يوم وقعت حمامة، فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوَّة المحراب، فذهب ليأخذها فاطلع من الكوَّة فإذا امرأة أُوريا ابن حيَّان تغتسل فهواها وهَمَّ بتزوجها، فبعث بأُوريا إلى بعض سراياه وأمر بتقديم أمام التابوت الذى فيه السكينة ففعل ذلك وقُتِل، فلما انقضت عِدَّتها تزوجها وبنى بها فولد له منها سليمان، فبينا هو ذات يوم فى محرابه يقرأ إذ دخل عليه رجلان ففزع منهما، فقالا: ﴿لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ ...﴾ ... إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ .. فنظر أحد الرجلين إلى صاحبه ثم ضحك فتنبه داود على أنهما ملكان بعثهما الله إليه فى صورة خصمين ليبكتاه على خطيئته فتاب وبكى حتى نبت الزرع من كثرة دموعه، فمما لا شبهة فى فساده، فإن ذلك مما يقدح فى العدالة فكيف يجوز أن يكون أنبياء الله تعالى الذين هم أمناؤه على وحيه وسفراؤه بينه وبين خلقه بصفة مَن لا تُقبل شهادته وعلى حالة تنفر عن الاستماع إليه والقبول منه؟ جَلَّ أنبياء الله عن ذلك. وقد روى عن أمير المؤمنين أنه قال: لا أُوتى برجل يزعم أن داود تزوج امرأة أُوريا إلا جلدتُه حدَّين: حدًا للنبوة، وحدًا للإسلام».
* *
* التفسير الرمزى:
والطبرسى مع أنه فى كتابه هذا يُفسِّر القرآن تفسيرًا يتمشى مع الظاهر المتبادر إلى الذهن إلا أنَّا نلاحظ عليه أحيانًا أنه يذكر المعانى الباطنية، أو بعبارة أخرى يذكر التفسير الرمزى الذى يقول به الشيعة، وهو وإن كان ناقلًا لهذه الأقوال إلا أنه يرتضيها ولا يرد عليها، وكثيرًا ما يؤيدها بأدلة من عنده.
مثال ذلك أنه عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة النور: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ... الآية، نجده يقول بعد كلام طويل: «واختلف فى هذا المشبه والمشبه به على أقوال».. ثم ذكر هذه الأقوال، فكان من جملة ما ذكره هذه الروايات التى لا تعدو أن تكون من وضع الشيعة، وهى ما روى عن الرضا أنه قال: «نحن المشكاة فيها المصباح محمد ﷺ يهدى الله لولايتنا من أحب». وما نقله من كتاب التوحيد لأبى جعفر بن بابويه ﵀ بالإسناد عن عيسى بن راشد عن أبى جعفر الباقر فى قوله: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ قال: نور العلم فى صدر النبى، ﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة﴾ الزجاجة صدر علىّ، صار علم النبى إلى صدر علىّ، علَّم النبى عليًا، ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ نور العلم، ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ لا يهودية ولا نصرانية، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ قال:
 
٢ ‏/ ١٠٥
 
يكاد العالم من آل محمد يتكلم بالعلم قبل أن يُسئل، ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ أى إمام مؤيَّد بنور العلم والحكمة فى أثر إمام من آل محمد ﷺ، ذلك من النبى آدم ﵇ إلى أن تقوم الساعة. فهؤلاء الأوصياء الذين جعلهم الله خلفاء فى أرضه، وحججه على خلقه، لا تخل الأرض فى كل عصر من واحد منهم، ويدل عليه قول أبى طالب:
أنت الأمير محمد ... قرم أغر مسود
لمسودين أطاهر ... كرموا وطاب المولد
أنت السعيد من السعو ... د تكنفتك الأسعد
من لدن آدم لم يزل ... فينا وصى مرشد
ولقد عرفتك صادقًا ... والقول لا يتفند
مازلت تنطق بالصوا ... ب وأنت طفل أمرد
تحقيق هذه الجملة يقتضى أن الشجرة المباركة المذكورة فى الآية هى دوحة التقى والرضوان وعترة الهدى والإيمان، شجرة أصلها النبوة، وفرعها الإمامة، وأغصانها التنزيل، وأوراقها التأويل، وخدمها جبريل وميكائيل».
* *
* اعتداله فى تشيعه:
والطبرسى معتدل فى تشيعه غير مغال فيه كغيره من متطرفى الإمامية الإثنا عشرية، ولقد قرأنا فى تفسيره فلم نلمس عليه تعصبًا كبيرًا، ولم نأخذ عليه أنه كفَّر أحدًا من الصحابة أو طعن فيهم بما يُذهب بعدالتهم ودينهم.
كما أنه لم يغال فى شأن علىّ بما يجعله فى مرتبة الإله أو مصاف الأنبياء، وإن كان يقول بالعصمة. ولقد وجدناه يروى عن رسول الله ﷺ حديثًا فى شأن مَن وإلى عليًا ومَن عاداه، وهو بصرف النظر عن درجته من الصحة يدل على أن الرجل وقف موقفًا وسطًا أو فوق الوسط إلى حد ما فيه من حبه لعلىّ رضى الله عنه، هذا الحديث هو ما رواه فى الوجه الرابع من الوجوه التى قيلت فى سبب نزول قوله تعالى فى الآية [٥٧] من سورة الزخرف: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، حيث قال: «.. ورابعها: ما رواه سادة أهل البيت عن علىّ عليهم أفضل الصلوات أنه قال: جئت إلى رسول الله يومًا فوجدته فى ملإٍ من قريش فنظر إلىّ ثم قال: يا علىّ؛ إنما مثلك فى هذه الأمة كمثل عيسى ابن مريم أحبه قوم فأفرطوا فى حبه فهلكوا، وأبغضه قوم وأفرطوا فى بغضه فهلكوا، واقتصد فيه قوم فنجوا، فعظم ذلك عليهم فضحكوا وقالوا: يشبه بالأنبياء والرسل.. فنزلت الآية».
 
٢ ‏/ ١٠٦
 
وكل ما لاحظناه عليه من تعصبه أنه يدافع بكل قوة عن أُصول مذهبه وعقائد أصحابه، كما أنه إذا روى أقوال المفسِّرين فى آية من الآيات ونقل أقوال المفسِّرين من أهل مذهبه فيها نجده يرتضى قول علماء مذهبه ويؤيده بما يظهر له من الدليل.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٨] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ ... الآية، يقول: «قيل فى المعنىِّ بهذه الآية أقوال».. ثم يذكر الأقوال، ويذكر ما رواه أصحابه عن أبى جعفر الباقر وأبى عبد الله الصادق من أنهما قالا: «أمر الله كل واحد من الأئمة أن يُسلِّم الأمر إلى مَن بعده».. ثم قال مؤيدًا لهذا القول: «ويعضده أنه أمر الرعية بعد هذا بطاعة ولاة الأمر. وروى عنهم أنهم قالوا: آيتان إحداهما لنا والأخرى لكم، قال الله: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ ... الآية».
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٩] من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ .. الآية، نجده بعد أن يذكر ما جاء عن بعض السَلَف من أن المراد بأُولى الأمر الأمراء، وما جاء عن بعضهم من أن المراد بهم العلماء يقول: «وأما أصحابنا فإنهم رووا عن الباقر والصادق أن أُولى الأمر هم الأئمة من آل محمد، أوجب الله طاعتهم بالإطلاق كما أوجب طاعته وطاعة رسوله، ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلا مَن ثبت عصمته، وعلم أن باطنه كظاهره، وأمن منه الغلط والأمر بالقبيح، وليس ذلك بحاصل فى الأمراء ولا العلماء سواهم، جلَّ الله أن يُطاعه مَن يعصيه، أو بالانقياد للمختلفين فى القول والفعل، لأنه محال أن يُطاع المختلفون، كما أنه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه. ومما يدل على ذلك أيضًا أن الله لم يقرن طاعة أُولى الأمر بطاعة رسوله كما قرن طاعة رسوله بطاعته، ألا وإن أُولى الأمر فوق الخلق جميعًا، كما أن الرسل فوق أُولى الأمر وفوق سائر الخلق، وهذه صفة أئمة الهدى من آل محمد الذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم، واتفقت الأمة على علو رتبتهم وعدالتهم».
وبعد.. أفلا ترى معى أن هذا التفسير يجمع بين حسن الترتيب، وجمال التهذيب، ودقة التعليل، وقوة الحُجَّة؟ أظن أنك معى فى هذا، وأظن أنك معى أيضًا فى أن الطبرسى وإن دافع عن عقيدته ونافح عنها لم يغل غلو غيره ولم يبلغ به الأمر إلى الدرجة التى كان عليها المولى الكازرانى وأمثاله من غلاة الإمامية الإثنا عشرية.
* * *
 
٢ ‏/ ١٠٧
 


٤- الصافى فى تفسير القرآن (لملا محسن الكاشى)

* التعريف بصاحب هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو محمد بن الشاه مرتضى بن الشاه محمود، المعروف بملا محسن، وبالفيض الكاشى، وأحد غلاة الإمامية الإثنا عشرية. قال صاحب روضات الجنَّات فى ترجمته ما ملخصه:»وأمره فى الفضل والفهم والنبالة فى الفروع والأصول، والإحاطة بمراتب المعقول والمنقول، وكثرة التأليف والتصنيف، مع جودة التعبير والترصيف، أشهر من أن يخفى فى هذه الطائفة على أحد إلى منتهى الأبد. وعمره كما استفيد لنا من تتبع تصانيفه الوافرة تجاوز حدود الثمانين. ووفاته بعد الألف من الهجرة الطاهرة بنيف يلحق تمام التسعين. وأبوه مرتضى المذكور أيضًا كان من العلماء، وكذا أخوه محمد المعروف بنور الدين، وكذا أخوه الآخر المشهور بالمولى عبد الغفور، وبالجملة: فقد كان بيته الجليل المرتفع قدره إلى ذروة الأفلاك، من كبار بيوتات العلم والعمل والفضل والإدراك. وأما نفس الرجل فقد بلغ فضله إلى حيث لم يُعرف بين هذه الطائفة مثله، وخصوصًا فى مراتب المعرفة والأخلاق، وتطبيق الظواهر بالبواطن بحسن المذاق، وجودة الإشراق، وكان يشبه مشربه مشرب أبى حامد الغزالى، وقد نسب إليه الشيخ على المشهدى العاملى فى ذيل رسالته فى تحريم الغناء وغيرها، كثيرًا من الأقاويل الفاسدة، والآراء الباطلة والعاطلة، التى تفوح منها رائحة الكفر والمضارة بضروريات هذا الدين المتين، والمضادة لما هو من قطعيات علم هذا الشرع المتين، ولو أردنا تأويل جملة منها بمحامل وجيهة صحيحة لما أمكننا ذلك بالنسبة إلى ما تدل عليه ألفاظه الظاهرة بل الصريحة ... من منافيات أصول هذه الشريعة وفروع مذهب الشيعة. مثل قوله بوحدة الوجود، وبعدم خلود الكفار فى عذاب النار، وعدم نجاة أهل الاجتهاد وإن كانوا فى جملة أجلائنا الكبار، وفى قوله بعدم منجسية المتنجس لغيره مثل النجس.. وبالجملة فقد كان ﵀ دائمًا فى طرف النقيض من الشيخ على المذكور ... ومن جملة مَن كان ينكر عليه أيضًا كثيرًا من علماء زمانه الفاضل المحدِّث المولى محمد طاهر القُمِّى صاحب كتاب حُجَّة الإسلام وغيره، وإن قيل إنه رجع فى أواخر عمره عن اعتقاده السوء فى حقه، فخرج من «قُم» المباركة إلى بلدة«كاشان» للاعتراف عنده بالخلاف، والاعتذار
لديه بحسن الإنصاف، ماشيًا على قدميه إلى أن وصل إلى باب داره، فنادى: يا محسن قد أتاك المسئ، فخرج إليه مولانا المحسن وجعلا يتصافحان ويتعانقان ويستحل كل منهما من صاحبه ثم رحل من فوره
 
٢ ‏/ ١٠٨
 
إلى بلده وقال: لم أرد من هذه الحركة إلا هضم النفس وتدارك الذنب وطلب رضوان الله العزيز الوهَّاب. ويقال أيضًا: إن بعض مَن اعتقد فى حقه الباطل رجع عنه بعد وفاته لما رآه فى المنام على هيئة حسنة يأمره بالرجوع إلى بعض ما كتبه فى أواخر عمره وهو فى مكان كذا كذا، فلما استيقظ وطلبه وجده كما نسبه، وكان فيه تبرئة نفسه من جميع ما يُنسب إليه من أقوال الضلال ... وقد ذكره صاحب أمل الآمل فقال: المولى الجليل، محمد بن مرتضى، المدعى بمحسن الكاشى، كان فاضلًا عالمًا، حكيمًا متكلمًا، محدِّثًا فقيهًا، شاعرًا أديبًا، أحسن التصنيف، من المعاصرين، وله كتب: منها كتاب الوافى فى جمع الكتب الأربعة مع شرح أحاديثها المشكلة، وهو حسن إلا أن فيه ميلًا إلى بعض طريقة الصوفية، وكذا جملة من كتبه، وكتاب سفينة النجاة فى طريقة العمل، وتفاسير ثلاثة: كبير وصغير ومتوسط، وكتاب عَيْن اليقين، وكتاب علم اليقين، وكتاب حق اليقين.. وقال صاحب لؤلؤة البحرين:»وهذا الشيخ كان فاضلًا، محدِّثًا، إخباريًا، صلبًا، كثير الطعن على المجتهدين، ولا سيما فى رسالة سفينة النجاة، حتى إنه يُفهم منها نسبة جملة من العلماء إلى الكفر فضلًا عن الفسق، مثل إيراده لآية: ﴿يابني اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين﴾ [هود: ٤٢] .. وهو تفريط وغلو بحت، مع أن له أدلة من المقالات التى جرى فيها على مذهب الصوفية والفلاسفة مما يكاد يوجب الكفر والعياذ بالله، مثل ما يدل فى كلامه على القول بوحدة الوجود، وقد وقفتُ له على رسالة قبيحة صريحة فى القول بذلك، قد جرى فيها على عقائد ابن عربى الزنديق، وأكثر فيها من النقل عنه وإن عبَّر عنه ببعض العارفين. ثم قال: وقد تتلمذ فى الحديث على السيد ماجد البحرانى، وفى الحكمة والأصول على صدر الدين محمد ابن إبراهيم الشيرازى، كان صهره على ابنته، ولذا ترى أن كتبه فى الأصول كلها على قواعد الصوفية والفلاسفة. ولاشتهار مذهب التصوف فى بلاد العجم وميلهم إليه،
بل وغلوهم فيه صارت إليه المرتبة العليا فى زمانه، والغاية القصوى فى أوانه، وفاق عند الناس جملة أقرانه. حتى جاء شيخنا المجلس فسعى غاية السعى فى سد تلك الشقائق الفاغرة، وإطفاء ثائرة البدع البائرة. وله تصانيف كثيرة أفرد لها فهرسًا على حدة ونحن ننقل عنه ملخصًا: كتاب الصافى فى تفسير القرآن يقرب من سبعين ألف بيت فرغ من تأليفه فى سنة ١٠٧٥ هـ (خمس وسبعين بعد الألف من الهجرة) . وكتاب الأصفى، منتخب منه، أحد وعشرين ألف بيت تقريبًا. ثم عدَّد كتبه التى ألفها وهى كثيرة. وحكى السيد السعيد السيد نعمة الله الجزائرى التسترى قال: كان أستاذنا المحقق المولى محمد محسن الكاشانى صاحب مؤلفات وفيرة مما يقرب من مائتى كتاب ورسالة، وكان نشوه فى بلدة «قُم»،
 
٢ ‏/ ١٠٩
 
فسمع بقدوم السيد الأجَّل المحقق الإمام الهمام السيد ماجد البحرانى الصادقى إلى «شيراز»، فأراد الارتحال إليه لأخذ العلوم منه، فتردد والده فى الرخصة إليه، ثم بنوا الرخصة وعدمها على الاستخارة، فلما فتح القرآن جاءت الآية: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين﴾ [التوبة: ١٢٢] ... الآية، ثم بعده تفاءل بالديوان المنسوب إلى مولانا أمير المؤمنين فجاءت الأبيات هكذا:
تغرب عن الأوطان فى طلب العلا ... وسافِر ففى الأسفار خمس فوائد
تفرج هم، واكتساب معيشة ... وعلم، وآداب، وصحبة ماجد
هذه ترجمة المؤلف وفيها ما يشهد للرجل بعلو كعبه بين أصحابه فى العلم، كما أن الأقوال التى قيلت عن عقيدته تكاد تكون مجمعة على أنها عقيدة زائفة فاسدة، وإن كان صاحب روضات الجنَّات يحاول تبرئته من هذه التهمة ويقول إنها فرية بلا مرية.. أما أنا فلم ألاحظ عليه فى تفسيره أثرًا للقول بوحدة الوجود، ولا ما يشهد بأنه يرى عدم خلود الكفار فى عذاب النار. ولم أر على تفسيره ذلك اللون الصوفى الفلسفى، ولعل الكتاب من أواخر مؤلفاته وبعد رجوعه عما نُسِب إليه واتُهِم به".
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
الصافى فى تفسير القرآن الكريم، كتاب فسَّر فيه صاحبه القرآن الكريم على وفق مبادئ الإمامية الإثنا عشرية. وهو تفسير وسط يقع فى جزئين كبيرين ومتناول لشرح الآيات القرآنية شرحًا مختصرًا جدًا ولا يطيل إلا إذا وجد فى الآية ما يمكن أن يأخذ منه شاهدًا على مبدأ من مبادئه، أو دليلًا على عقيدة من عقائده، أو دفعًا يدفع به رأيا من آراء مخالفيه. كذلك يطيل عندما يعرض لشرح قصة من قصص القرآن، أو غزوة من غزوات الرسول ﷺ. والكتاب يعتمد أولًا وقبل كل شئ على ما ورد من التفسير عن الأئمة وعلماء أهل البيت، شأنه فى هذا شأن كل كتب التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية، الذين يعتقدون أن أهل البيت هم أدرى الناس بأسرار القرآن وأعلمهم بمعانيه، والكتاب فى جملته يدل على مقدار تعصب صاحبه لمذهبه وغلوه فى تشيعه، فهو يجادل ويدافع عن مبادئ حزبه، ويطعن فى صاحبه رسول الله ﷺ، ويرميهم بالنفاق والكفر.. إلى غير ذلك مما ستقف عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى. هذا وقد قدَّم ملا محسن الكاشى لتفسيره باثنتى عشرة مقدمة، أرى أنه لا داعى لذكرها جميعًا، ولكن حسبى وحسب القارئ أن أذكر أهم الآراء التى يقول بها المؤلف ويشرحها لنا فى هذه المقدمات، ثم أذكر طريقته التى سار عليها فى تفسيره
 
٢ ‏/ ١١٠
 
كما أوضحها هو، ثم أعرض على القارئ بعد ذلك بعض مواقف المؤلف فى تفسيره، ومنها يتبين جليًا قيمة هذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه، ومسلكه الذى سلكه فى شرحه لكتاب الله تعالى بما يتفق مع مذهبه ويتمشى مع عقيدته، وإليك أهم هذه الآراء التى قالها المؤلف:
* آل البيت هم تراجمة القرآن، لأنهم جمعوا علمه كله دون مَن عداهم«.
يرى المؤلف أن آل البيت هم تراجمة القرآن دون مَن عداهم، فهم الذين جمعوا علم القرآن كله وأحاطوا بمعانيه وأسراره، ووقفوا على رموزه وإشارته، ذلك لأن القرآن نزل فى بيتهم - بيت النبوة - ورب البيت أدرى بما فيه، وهو فى هذه العقيدة لا يشذ وحده بل هو رأى هذه الطائفة كلها لا فرق بين معتدل ومتطرف.
يرى المؤلف هذا الرأى ويصرِّح به فى مقدمة تفسيره فيقول:»... وإن العترة تراجمة القرآن فمَن الكشاف عن وجوه عرايس أسرار ودقائقه وهم خوطبوا به؟ ومَن لتبيان مشكلاته ولديه مجمع بيان معضلاته ومنبع بحر حقائقه وهم أبو حسنه؟ ومَن يشرح آيات الله وييسر تفسيرها بالرموز والصراح إلا مَن شرح الله صدره بنوره ومثَّله بالمشكاة والمصباح؟ ومَن عسى يبلغ علمهم بمعالم التنزيل والتأويل، وفى بيوتهم كان ينزل جبريل؟.. وهى البيوت التى أذن الله أن تُرفع، فمنهم يُؤخذ ومنهم يُسمع. إذن أهل البيت بما فى البيت أدرى، والمخاطَبون بما خُوطبوا به أوعى، فأين نذهب عن بابهم وإلى مَن نصير.. «؟.
ثم يمضى صاحبنا بعد ذلك فيؤيد قوله هذا بأحاديث يرويها عن أهل البيت كلها - فيما نعتقد وكما يظهر من أسلوبها - من وضع الشيعة وأخلاقهم، فمن ذلك ما نقله عن الكافى بإسناده عن سليم بن قيس الهلالى قال: سمعت أمير المؤمنين ﵇ يقول.. وساق الحديث إلى أن قال: ما نزلت آية على رسول الله ﷺ وآله إلا أقرأنيها وأملاها علىّ فأكتبها بخطى، وعلَّمنى تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، ودعا الله أن يُعلِّمنى فهمها وحفظها، فما نسيتُ آية من كتاب الله، ولا علمًا أملاه علىّ فكتبته منذ دعا لى بما دعا، وما ترك شيئًا علَّمه الله من حلال وحرام، ولا أمر ولا نهى كان أو يكون من طاعة أو معصية إلا علَّمنيه. وحفظته فلم أنس منه حرفًا واحدًا، ثم وضع يده على صدرى ودعا الله أن يملأ قلبى علمًا وفهمًا وحكمة ونورًا، فقلت: يا رسول الله - بأبى أنت وأمى - منذ دعوتَ الله لى بما دعوت لم أنس شيئًا ولم يفتنى شئ لم أكتبه، أوَ تتخوَّف علىّ النسيان فيما بعد؟. فقال: لستُ أتخوَّفُ عليك نسيانًا ولا جهلًا» قال: ورواه العياشى فى تفسيره
 
٢ ‏/ ١١١
 
والصدوق فى إكمال الدين. بتفاوت يسير فى ألفاظه، وزيد فى آخره: «وقد أخبرنى ربِّى أنه قد استجاب لى فيك وفى شركائك الذين يكونون من بعدك، فقلت: يا رسول الله؛ ومَن شركائى من بعدى؟ قال: الذين قرنهم الله بنفسه وبى، فقال: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ .. فقلت: ومَن هم؟ قال: الأوصياء منى إلى أن يردوا علىَّ الحوض، كلهم هادين مهتدين لا يضرهم مَن خذلهم، هم مع القرآن والقرآن معهم، لا يفارقهم ولا يفارقونه، بهم تُنصر أُمتى وبهم تُمطر، وبهم يُدفع عنهم البلاء، وبهم يُستجاب دعاؤهم. فقلت: يا رسول الله؛ سمِّهم لى.. فقال: ابنى هذا.. ووضع يده على رأس الحسن، ثم قال: ابنى هذا.. ووضع يده على رأس الحسين، ثم ابن له يقال له: علىّ وسيولد فى حياتك فأقرئه منى السلام، ثم تكملة اثنى عشر من ولد محمد. فقلت له: بأبى أنت وأُمى أنت فسمِّهم لى، فسمَّاهم رجلًا رجلًا، فقال: منهم - والله يا أخا بنى هلال - مهدى أُمة محمد، الذى يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت
ظلمًا وجورًا، والله أنى لأعرف مَن يبايعه بين الركن والمقام وأعرف أسماء آبائهم وقبائلهم».
ومنها ما نقله عن الكافى بإسناده إلى زيد الشحَّام.. قال: دخل قتادة ابن دعامة على أبى جعفر ﵇ فقال: يا قتادة؛ أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون. فقال أبو جعفر ﵇: بعلم تُفسِّره أم بجهل؟ قال: لا، بل بعلم، فقال له أبو جعفر ﵇: فإن كنت تُفسِّره بعلم فأنت أنت وأنا أسألك. قال قتادة: سل. قال: أخبرنى عن قول الله تعالى فى سبأ: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨] .. فقال قتادة: مَن خرج من بيته بزاد وراحلة وكرى حلال يريد هَذَا البيت كان آمنًا حتى يرجع إلى أهله. فقال أبو جعفر ﵇: نشدتك بالله - يا قتادة - هل تعلم أنه قد يخرج الرجل من بيته بزاد وراحلة وكرى حلال يريد هذا البيت فيُقطع عليه الطريق فتذهب نفقته ويُضرب مع ذلك ضربة فيها اجتياحه؟ قال قتادة: اللَّهم نعم. فقال أبو جعفر ﵇: ويحك يا قتادة.. إن كنت إنما فسَّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكتَ وأهلكت، وإن كنتَ أخذته من الرجال فقد هلكتَ وأهلكت، ويحك يا قتادة.. ذلك من خرج من بيته بزاد وراحلة وكرى حلال يؤم هذا البيت عارفا بحقنا، يهوانا قلبه، كما قال الله تعالى: ﴿فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، ولم يعين البيت فقيل: إليه.. ونحن واللهِ دعوة إبراهيم ﵇ التى مَن هوانا قلبه قُبِلت حَجَّته وإلا فلا، يا قتادة فإذا كان ذلك كان آمنًا من عذاب جهنم يوم القيامة. قال قتادة: لا جَرَم والله لا أُفسرها إلا هكذا. فقال أبو جعفر ﵇: ويحك يا قتادة.. إنما يعرف القرآن من خُوطب به".
* *
*
 
٢ ‏/ ١١٢
 
مَن يجوز له أن يُفسِّر القرآن برأيه:
ولكن هل معنى ذلك أن ملا محسن يرى أن فهم معانى القرآن ومعرفة أسراره أصبح أمرًا مقصورًا على أهل البيت وحدهم فيكون بذلك قد حجر واسعًا وجحد فضل مَن عداهم من العلماء؟ أو يرى أن القرآن فى فهمه قدر مشترك بين العلماء جميعًا لا فرق بين أهل البيت وغيرهم؟.. الحق أن صاحبنا يرى أن فى معانى القرآن لأرباب الفهم متسعًا بالغًا ومجالًا رحبًا، ولكن مَن هم أُولوا الفهم الذين يجوز لهم أن يُعمِلوا عقولهم فى فهم معانى القرآن واستنباط أحكامه؟. نرى المؤلف يحدد لنا أُولى الفهم بحدود، ويقيدهم بقيود لها صلة قوية بمذهبه الشيعى، وذلك حيث يقول: «.. فالصواب أن يقال: إن مَن أُخلص الانقياد لله ولرسوله ولأهل البيت ﵈، وأخذ عمله منهم، وتتبع آثارهم، واطلع على جملة من أسرارهم، بحيث حصل له الرسوخ فى العلم، والطمأنينة فى المعرفة، وانفتح عينا قلبه، وهجم به العلم على حقائق الأُمور، وباشر روح اليقين، واستلان ما استوعره المترفون، وأنس بما استوحش منه الجاهلون، وصحب الدنيا ببدن روحه معلَّقة بالمحل الأعلى، فله أن يستفيد من القرآن بعض غرائبه، ويستنبط منه نبذًا من عجائبه، ليس ذلك من كرم الله بغريب، ولا من جوده بعجيب، فليست السعادة وقفًا على قوم دون آخرين، وقد عَدُّوا ﵈ جماعة من أصحابهم المتصفين بهذه الصفات من أنفسهم، كما قالوا: سلمان منا أهل البيت، فمَن هذه صفته فلا يبعد دخوله فى الراسخين فى العلم، العالمين بالتأويل».
* *
* المؤلف يرى أن تفسيره للقرآن بما جاء من أهل البيت هو التفسير المثالى ويطعن فى بقية الصحابة وفى تفسيرهم:
ولما كان المؤلف ﵀ قد جعل جُلّ اعتماده فى تفسيره، بل كله، على ما وصل إليه من التفسير عن آل البيت، لاعتقاده أنهم أدرى به من غيرهم، فإنَّا نراه يرى - مع شئ من التواضع التقليدى - أن تفسيره هو التفسير المثالى الذى يجب أن يُحتذى، كما نراه لا يعترف بتفسير غيره ممن تقدم عصره، بل ويبالغ فى عدم الاعتراف فيطعن على مَن عدا أهل البيت من الصحابة ويرميهم بالنفاق وغيره، ولا يرتضى ما جاء عنهم من تفسير، كأن عقول الصحابة جميعًا قد عقمت وضلَّت إلا عقول أهل البيت ومَن والاهم..
يقرر المؤلف هذا بكل صراحة وجراءة مع حملة ظالمة على صحابة رسول الله صلى الله ﷺ، وذلك حيث يقول: ".. هذا يا إخوانى ما سألتمونى من تفسير القرآن، بما وصل إلينا
 
٢ ‏/ ١١٣
 
من أئمتنا المعصومين من البيان، أتيتكم به مع قِلَّة البضاعة، وقصور يدى عن هذه الصناعة، على قدر مقدور، فإن المأمور معذور، والميسور لا يُترك بالمعسور، ولا سيما أنى كنت أراه أمرًا مهمًا، وبدونه أرى الخطب مدلهمًا، فإن المفسِّرين وإن أكثروا القول فى معانى القرآن، إلا أنه لم يأت أحد منهم فيه بسلطان، وذلك لأن فى القرآن ناسخًا ومنسوخًا، ومحكمًا ومتشابهًا، وخاصًا وعامًا، ومبينًا ومبهمًا، ومقطوعًا وموصولًا، وفرائض وأحكامًا، وسُنَنًا وآدابًا، وحلالًا وحرامًا، وعزيمة ورُخصة، وظاهرًا وباطنًا، وحدًا ومطلعًا.. ولا يعلم تمييز ذلك كله إلا مَن نزل فى بيته، وذلك هو النبى ﷺ وآله وأهل بيته، فكل ما لا يخرج من بيتهم فلا تعويل عليه، ولهذا ورد عن النبى ﷺ: «مَن فسَّر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ»، وقد جاءت عن أهل البيت صلوات الله عليهم فى تفسير القرآن وتأويله أخبار كثيرة، إلا أنها خرجت متفرقة عن أسئلة السائلين، وعلى أقدار أفهام المخاطبين، وبموجب إرشادهم إلى مناهج الدين، وبقيت بعد خبايا فى زوايا، خوفًا من الأعداء وتقيَّة من البعداء، ولعله مما برز وظهر لم يصل إلينا الأكثر، لأن رواته كانوا فى محنة من التقيَّة، وشدة من الخطر، وذلك أنه لما جرى فى الصحابة ما جرى، وضَلَّ بهم عامة الورى، أعرض الناس عن الثَقَلين، وتاهوا فى بيداء ضلالاتهم عن النجدين إلا شرذمة من المؤمنين فمكث العامة بذلك سنين، وعمهوا فى غمرتهم حتى حين، فآل الحال إلى أن نبذ الكتاب حملته، وتناساه حفظته، فكان الكتاب وأهله فى الناس وليسا فى الناس، ومعهم وليسا معهم، لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا. وكان العلم مكتومًا، وأهله مظلومًا، لا سبيل لهم بإبرازه إلا بتعميته وإلغازه، ثم خلف من بعدهم خلف غير عارفين ولا ناصيين، لم يدروا ما صنعوا بالقرآن، وعمن أخذوا التفسير والبيان. فعمدوا إلى طائفة يزعمون أنهم من العلماء، فكانوا يُفسِّرون لهم
بالآراء، ويروون تفسيره عمن يحسبونه من كبرائهم، مثل أبى هريرة وأنس وابن عمر ونظرائهم، وكانوا يعدون أمير المؤمنين من جملتهم، ويجعلونه كواحد من الناس، وكان خير مَن يستندون إليه بعده ابن مسعود وابن عباس، ممن ليس على قوله كثير تعويل، ولا له إلى لُبَاب الحق سبيل، وكان هؤلاء الكبراء ربما ينقلونه من تلقاء أنفسهم غير خائفين من مآله، وربما يسندونه إلى رسول الله ﷺ وآله، ومن الآخذين عنهم مَن لم يكن له معرفة بحقيقة أحوالهم، لما تقرر عندهم من أن الصحابة كلهم عدول ولم يكن لأحد منهم عن الحق عدول، ولم يعلموا أن أكثرهم كانوا يُبطنون النفاق، ويجترئون على الله ويفترون على رسول الله ﷺ فى عزة وشقاق، وهكذا كان حال الناس قرنًا بعد قرن، فكان لهم فى كل قرن
 
٢ ‏/ ١١٤
 
رؤساء ضلالة، عنهم يأخذون، وإليهم يرجعون، وهم بآرائهم يجيبون، أو إلى كبرائهم يستندون، وربما يروون عن بعض أئمة الحق ﵈ فى جملة ما يروون عن رجالهم، ولكن يحسبونه من أمثالهم، فتبًا لهم ولأدب الرواية، إذ ما رعوها حق الرعاية، نعوذ بالله من قوم حذفوا محكمات الكتاب، ونسوا الله رب الأرباب، وراموا غير باب الله أبوابًا، واتخذوا من دون الله أربابًا، وفيهم أهل بيت نبيهم، وهم أزِّمة الحق، وسُنَّة الصدق، وشجرة النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحى، وعَيْبة العلم، ومنار الهدى، والحجج على أهل الدنيا، خزائن أسرار الوحى والتنزيل، ومعادن جواهر العلم والتأويل، والأمناء على الحقائق، والخلفاء على الخلائق. أُولوا الأمر الذين أُمروا بطاعتهم، وأهل الذكر الذين أُمروا بمسألتهم، وأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطَهَّرهم تطهيرًا، والراسخون فى العلم الذين عندهم القرآن كله تأويلًا وتفسيرًا، ومع ذلك كله يحسبون أنهم مهتدون، إنا لله وإنا إليه راجعون. ولما أصبح الأمر كذلك وبقى العلم سخريًا هنالك، صار الناس كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب بإمامهم، فضربوا بعضه ببعض لترويج مرامهم، وحملوه على أهوائهم فى تفاسيرهم وكلامهم، والتفاسير التى صنَّفها العامة من هذا القبيل، فكيف يصح عليها التعويل، وكذلك التى صنَّفها متأخرو أصحابنا
فإنها أيضًا مستندة إلى رؤساء العامة وشذ ما تُقِل فيه حديث عن أهل العصمة ﵈، وذلك لأنهم إنما نسجوا على منوالهم، واقتصروا فى الأكثر على أقوالهم، مع أن أكثر ما تكلم به هؤلاء وهؤلاء - فإنما تكلموا فى النحو، والصرف، والاشتقاق، واللُّغة، والقراءة، وأمثالها - مما يدور على القشور دون اللُّباب - فأين هم والمقصود من الكتاب؟ وإنما ورد على طائفة منهم ما قويت فيه منته، وترك ما لا معرفة له به مما قصرت عنه همته، ومنهم مَن أدخل فى التفسير ما لا يليق به، فبسط الكلام فى فروع الفقه وأُصوله، وطوَّل القول فى اختلاف الفقهاء. أو صرف همته فيه إلى المسائل الكلامية وذكر ما فيها من الآراء، وأما ما وصل إلينا مما ألَّفه قدماؤنا من أهل الحديث فغير تام، لأنه إما غير منته إلى آخر القرآن، وإما غير محيط بجميع الآيات المفتقرة إلى البيان، مع أن منه ما لم يثبت صحته عن المعصوم، لضعف رواته أو جهالة حالهم، ونكارة بعض مقالهم».. إلى أن قال: «وبالحرى أن يسمى هذا التفسير بالصافى، لصفائه عن كدروات آراء العامة والممل والمحير والمتنافى».
* *
* جُلّ القرآن نازل فى شأن آل البيت وأوليائهم وأعدائهم:
ويعتقد صاحبنا أن معظم القرآن إنما نزل فى شأن آل البيت وأوليائهم وأعدائهم،
 
٢ ‏/ ١١٥
 
فما كان من آية مدح فهى فى آل البيت وأشياعهم، وما كان من آية ذم أو وعيد أو تهديد فهى فى مخالفيهم، ثم يقوِّى رأيه هذا ويستدل له بما يرويه عن علماء أهل البيت من روايات واردة فى هذا المعنى، فمن ذلك ما نقله عن الكافى وتفسير العياشى بالإسناد إلى أبى جعفر ﵇ قال: «نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، وربع فى أعدائنا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام»، وزاد العياشى: «ولنا كرائم القرآن».. ثم مضى بعد ذكره لهذه الرواية وأمثالها فقال: «وقد وردت أخبار جَمَّة عن أهل البيت ﵈، فى تأويل كثير من آيات القرآن بهم وبأوليائهم وبأعدائهم، حتى إن جماعة من أصحابنا صنَّفوا كتبًا فى تأويل القرآن على هذا النحو، جمعوا فيها ما ورد عنهم ﵈ فى تأويل آية آية، إما بهم أو بشيعتهم، أو بعدوهم، على ترتيب القرآن. وقد رأيت منها كتابًا يقرب من عشرين ألف بيت.. ثم قال: وذلك مثل لما رواه الكافى عن أبى جعفر ﵇ فى قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين * على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين *بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٥] .. قال: هى الولاية لأمير المؤمنين ﵇. وفى تفسير العياشى عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر ﵇ قال: يا أبا محمد؛ إذا سمعتَ الله ذكر قومًا من هذه الأمة بخير فنحن هم، وإذا سمعت الله ذكر قومًا بسوء ممن مضى فهم عدونا. وفيه عن عمير بن حنظلة عن أبى عبد الله ﵇: سأله عن قوله تعالى: ﴿قُلْ كفى بالله شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣] .. قال: فلما رآنى أتتبع هذا وأشباهه من الكتاب قال: حسبك.. كل شئ فى الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا فهو فى الأئمة عُنوا به».
* *
* رأى المصنف فى تحريف القرآن وتبديله:
يدين ملا محسن بأنَّ عليًا رضى الله عنه هو أول مَن جمع القرآن، وأن القرآن الذى جمعه هو القرآن الكامل الذى لم يتطرق إليه تحريف ولا تبديل، ويروى لنا أحاديث عن آل البيت كمستند له فى رأيه هذا، فمن ذلك: ما نقله عن القُمَّى فى تفسيره بإسناده عن أبى عبد الله ﵇ أنه قال: «إن النبى ﷺ وآله وسلم قال لعلىّ ﵇:»يا علىّ؛ إن القرآن خلف فراشى فى الصحف والحرير والقراطيس، فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة«، فانطلق ﵇ فجمعه فى صوب أصفر ثم ختم عليه فى بيته وقال: لا أرتدى حتى جمعه. قال: كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداء حتى جمعه».
ومنها ما رواه القُمِّى بإسناده عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبى عبد الله -
 
٢ ‏/ ١١٦
 
وأنا أستمع - حروفًا من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله: كُفّ عن هذه القراءة. اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام اقرأ كتاب الله تعالى على حدة، وأخرج المصحف الذى كتبه علىّ ﵇ إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله كما أنزله الله على محمد ﷺ، وقد جمعته بين اللوحين. فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال: أما واللهِ ما ترونه بعد يومكم هذا أبدًا، إنما كان علىّ أن أخبركم حين جمعته لقراءته.
ومن ذلك ما روى عن أبى ذر الغفارى رضى الله عنه: أنه لما توفى رسول الله ﵌ جمع علىّ ﵇ القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم، لما قد أوصاه بذلك رسول الله ﷺ وآله وسلم. فلما فتحه أبو بكر خرج فى أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علىّ.. اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه علىّ ﵇ وانصرف، ثم حضر زيد بن ثابت - وكان قارئًا للقرآن - فقال له عمر: إن عليًا جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد أردنا أن تؤلف لنا القرآن وتُسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علىّ القرآن الذى ألَّفه أليس قد بطل كل ما عملتم؟. ثم قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه، فدبَّر فى قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك.. فلما استخلف عمر سأل عليًا ﵇ أن يدفع إليه القرآن فيحرقوه فيما بينهم فقال: يا أبا الحسن؛ إن كنتَ جئت به إلى أبى بكر فأت به إلينا حتى نجمع عليه، فقال علىّ ﵇: هيهات، ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئتُ به لأبى بكر لتقوم به الحُجَّة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة: إنَّا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا: ما جئتنا به. إن القرآن الذى عندى لا يمسه إلا المطهَّرون والأوصياء من ولدى، فقال عمر: فهل وقت لإظهاره معلوم؟ قال علىّ ﵇: نعم، إذا قام القائم من ولدى فيُظهره ويحمل الناس عليه فتجرى السُّنَّة به».
ولكنَّا نجد صاحبنا بعد ما ساق هذه الروايات وكثيرًا غيرها يقف منها موقف المستشكل فيقول: "ويرد على هذا كله إشكال.. وهو أنه على هذا التقدير لم يبق لنا اعتماد على شئ من القرآن، إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن يكون محرَّفًا ومغيَّرًا، أو يكون على خلاف ما أنزل الله، فلم يبق لنا فى القرآن حُجَّة أصلًا، فتنفى فائدة الأمر باتباعه والوصية بالتمسك به إلى غير ذلك، وأيضًا قال الله ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤١-٤٢]، وقال:
 
٢ ‏/ ١١٧
 
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .. فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير؟ وأيضًا قد استفاض عن النبى والأئمة صلوات الله عليهم حديث عرض الخبر المروى على كتاب الله ليُعلم صحته بموافقته له، وفساده بمخالفته، فإذا كان القرآن الذى بأيدينا محرَّفًا فما فائدة العرض؟ مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذِّب له، فيجب رده والحكم بفساده أو تأويله«.
وهنا يجيب ملا محسن على إشكاله هذا بجوابين:
أولهما: أن هذه الأخبار إن صحَّت فلعل التغيير إنما وقع فيما لا يخل بالمقصود كثير إخلال، كحذف اسم علىّ وآل محمد، وحذف أسماء المنافقين، فإن انتفاء التعبير باق لعموم اللَّفظ.
وثانيهما: أن بعض المحذوفات كان من قبيل التفسير والبيان ولم يكن من أجزاء القرآن، فيكون التبديل من حيث المعنى، أى حرَّفوه وغيَّروه فى تفسيره وتأويله، بأن حملوه على خلاف ما يُراد منه».
ثم ذكر بعد هذا أقوال مَن تقدَّمه من شيوخه وعلماء مذهبه وهم ما بين مجيز للتحريف والنقصان ومانع لذلك، ولكلِّ أدلته وحُجَّته، ولا نطيل بذكرها ومَن أرادها فليرجع إليها فى المقدمة السادسة (ص ١٤، ١٥) .
* *
* طريقة المؤلف فى تفسيره:
بيَّن المؤلف فى المقدمة الثانية عشرة من مقدمات تفسيره طريقته واصطلاحاته التى جرى عليها فى كتابه فقال: "كل ما يحتاج من الآيات إلى بيان وتفسير لفهم المقصود من معانيه. أو إلى تأويل لمكان تشابه فيه، أو إلى معرفة سبب نزوله المتوقف عليه فهمه وتعاطيه، أو إلى تعرف نسخ أو تخصيص أو صفة أُخرى فيه، وبالجملة ما يزيد على شرح اللفظ والمفهوم مما يفتقر إلى السماع عن المعصوم، فإن وجدنا شاهدًا من محكمات القرآن يدل عليه أتينا به، فإن القرآن يُفسِّر بعضه بعضًا، وقد أُمِرنا من جهة أئمة الحق ﵈ أن نرد متشابهات القرآن إلى محكماته، وإلا فإن ظفرنا فيه بحديث معتبر عن أهل البيت ﵈ فى الكتب المعتبرة من طرق أصحابنا رضوان الله عليهم أوردناه، وإلا أوردنا ما روينا عنهم ﵈ من طرق العامة.. نظائره فى الأحكام ما روى عن الصادق: إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما يروى عنا، فانظروا إلى ما رووه عن علىّ ﵇ فاعملوا به (رواه الشيخ الطوسى فى العدة) .
 
٢ ‏/ ١١٨
 
وما لم نظفر فيه بحديث عنهم ﵈ أوردنا ما وصل إلينا من غيرهم من علماء التفسير إذا وافق القرآن وفحواه، وأشبه حديثهم فى معناه.. فإن لم نعتمد عليه من جهة الاستناد، اعتمدنا عليه من جهة الموافقة والشبه والسداد، قال رسول الله ﵌: «إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورًا، فما وافق كتب الله فخذوه»، وقال الصادق: «ما جاءك فى رواية من راوٍ فاجر يوافق القرآن فخذ به، وما جاءك فى رواية من راوٍ فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به»، وقال الكاظم: «إذا جاءك الحديثان المختلفان فقسهما على كتاب الله وعلى أحاديثنا. فإن أشبههما فهو حق، وإن لم يشبهها فهو باطل»، وما ورد فيه أخبار كثيرة فإن لم يكن فيها كثير اختلاف اقتصرنا منها على ما اشتمل على مجامعها، وتركنا سايرها مما فى معناه رومًا للاختصار، وصونًا عن الإكثار، وربما أشرنا إلى تعددها وتكثرها إذا أهمنا الاعتماد.
وإن كانت مختلفات نقلنا أصحها وأحسنها وأعمها فائدة، ثم أشرنا إلى موضع الاختلاف ما استطعنا. وما لا يحتاج إلى شرح اللَّفظ والمفهوم، والنكات المتعلقة لعلوم الرسوم، مما لا يفتقر إلى السماع من المعصوم، أوردنا فيه ما ذكره المفسِّرون الظاهريون، مَن كان تفسيره أحسن، وبيانه أوجز وأتقن، كائنًا مَن كان".
ثم ذكر أنه اقتبس من تفسير الحسن العسكرى وغيره، وذكر اصطلاحاته فى العزو إلى الكتب التى استقى منها، وفى نسبة الأقوال إلى قائليها ولا نطيل بذكرها.
هذه هى أهم الآراء التى يقول بها ملا محسن، والتى استخلصناها من مقدماته التى قدَّم بها تفسيره. وهذه هى طريقته التى سار عليها فى كتابه الذى نحن بصدده. والكتاب - كما أشرنا آنفًا - مذهبى إلى حد التطرف والغلو، فهو لا يكاد يمر بآية من القرآن إلا ويحاول صاحبه أن يأخذ منها شاهدًا لمذهبه أو دفعًا لمذهب مخالفيه! ... ولقد قرأت فى هذا الكتاب، فلمست فيه روح التحيز المزرى، والتعصب الممقوت. ولأجل أن يكون القارئ على بيِّنة من الأمر أسوق إليه نماذج من نواح شتَّى وفى موضوعات مختلفة ليلمس كما لمست مقدار هذا التعصب الذى يريد صاحبه من ورائه أن يحجب نور الحق ويطمس معالمه.
* *
* القرآن وأهل البيت:
فمثلًا، نجد كثيرًا من آيات القرآن لها معان خاصة، ولا صلة لها بأهل البيت، ولا بما لهم من مناقب وشمائل، ولكنَّا نجد صاحبنا يتأثر بمذهبه الشيعى، فيحاول أن يلوى
 
٢ ‏/ ١١٩
 
هذه الآيات إلى معان لا صلة لها باللَّفظ.. معان تحمل فى طياتها طابع التعاصب المذهبى بصورة مكشوفة مفضوحة.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٤] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لأَدَمَ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: «وذلك لما كان فى صلبه من أنوار نبينا وأهل بيته المعصومين، وكانوا قد فُضِّلوا على الملائكة باحتمالهم الأذى فى جنب الله، فكان السجود لهم تعظيمًا وإكرامًا، ولله سبحانه عبودية، ولآدم طاعة. قال علىّ بن الحسين: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: يا عباد الله؛ آدم لما رأى النور ساطعًا من صلبه إذ كان الله قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره، رأى النور ولم يتبين الأشباح، فقال: يا رب؛ ما هذه الأنوار؟ قال الله ﷿: أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشى إلى ظهرك، ولذلك أمرتُ الملائكة بالسجود لك إذ كنتَ وعاءً لتلك الأشباح، فقال آدم: يا رب؛ لو بينتها لى؟ فقال الله ﷿: انظر يا آدم إلى ذروة العرش، فنظر آدم ﵇ ووقع نور أشباحنا من ظهر آدم إلى ذروة العرش، فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التى فى ظهره، كما ينطبع وجه الإنسان فى المرأة الصافية، فرأى أشباحنا فقال: ما هذه الأشباح يا رب؟ قال الله: يا آدم؛ هذه أشباح أفضل خلائقى وبرياتى، هذا محمد، وأنا الحميد المحمود فى فعالى، شققتُ له أسمًا من اسمى. وهذا علىّ، وأنا العالى، شققتُ له اسمًا من اسمى. وهذه فاطمة، وأنا فاطر السماوات والأرض، فاطم أعدائى من رحمتى يوم فصل قضائى، وفاطم أوليائى عما يعيرهم ويشينهم فشققتُ لها اسمًا من اسمى، وهذا الحسن، وهذا الحسين، وأنا المُحَسِّن المُجَمِّل، شققتُ اسميهما من اسمى. هؤلاء خيار خليقتى، وكرام بريتى، بهم آخذ، وبهم أعطى، وبهم أُعاقب، وبهم أُثيب، فتوسل بهم إلىّ يا آدم، وإذا دهتك داهية فاجعلهم إلىّ شفعاءك، فإنى آليت على نفسى قسَمًا حقًا لا أخيب بهم آملًا، ولا أرد بهم سائلًا، فلذلك حين زلَّت به الخطيئة دعا الله ﷿ بهم، فتاب عليه وغفر له».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١-٣] من سورة البلد: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهاذا البلد * وَأَنتَ حِلٌّ بهاذا البلد * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ .. يقول ما نصه: «فى المجمع عن الصادق: يعنى آدم وما ولد من الأنبياء والأوصياء وأتباعهم..».
فأنت ترى من كل هذا أن المؤلف يجِّد فى إخضاع آيات القرآن لمذهبه، وتنزيلها على وفق هواه وعقيدته، وهذا خروج بكتاب الله عن معانيه الظاهرة المرادة منه!!
* *
*
 
٢ ‏/ ١٢٠
 
طعن المؤلف على الصحابة:
كذلك نجد ملا محسن فى تفسيره هذا، يطعن على أبى بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم من صحابة رسول الله ﷺ، ويرميهم بما لا يليق بمؤمن فضلًا عن صحابى جاهد مع رسول الله ﷺ وبذل فى سبيل نُصرْته دمه وماله، كما يطعن فى بنى أُمية ويرميهم بكل نقيصة، وهو فى حملته هذه مدفوع بدافع الخصومة المذهبية والنزعة الشيعية.
* طعنه على عثمان رضى الله عنه:
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٨٤، ٨٥] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هاؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .. نجده يفسر الآية تفسيرًا مختصرًا مقبولًا، ثم يروى عن القُمِّى:»أنها نزلت فى أبى ذر - رحمة الله عليه - وفيما فعل به عثمان بن عفان، وكان سبب ذلك: أنه لما أمر عثمان بنفى أبى ذر - رحمة الله عليه - إلى الرِبْذة، دخل عليه أبو ذر وكان عليلًا وهو متكئ على عصاه، وبين يدى عثمان مائة ألف درهم أتته من بعض النواحى، وأصحابه حوله ينظرون إليه ويطعمون أن يقسمها فيهم، فقال أبو ذر لعثمان: ما هذا المال؟ فقال: حُمِل إلينا من بعض الأعمال مائة ألف درهم أريد أن أضم إليها مثلها ثم أرى فيها رأيى.. قال أبو ذر: يا عثمان؛ أيما أكثر؟ مائة ألف درهم أم أربعة دنانير؟ قال عثمان: بل مائة ألف درهم، فقال: أما تذكر إذ أنا وأنت دخلنا على رسول الله ﷺ عِشاءً فوجدناه كئيبًا حزينًا، فسلَّمنا عليه فلم يرد علينا السلام، فلما أصبحنا أتيناه فرأيناه ضاحكًا مستبشرًا، فقلت له: بأبى أنت وأُمى، دخلنا عليك البارحة فرأيناك كئيبًا حزينًا، وعدنا إليك اليوم فرأيناك ضاحكًا مستبشرًا، فقال: «نعم.. قد بقى عندى من فئ المسلمين أربعة دنانير لم أكن قسمتها، وخِفتُ أن يدركنى الموت وهى عندى، وقد قسمتها اليوم فاسترحت». فنظر عثمان إلى كعب الأحبار فقال له: يا أبا إسحاق؛ ما تقول فى رجل أدَّى زكاة ماله المفروضة، هل يجب عليه فيها بعد ذلك شئ؟ فقال: لا، ولو اتخذ لبنة من ذهب ولبنة من
فضة ما وجب عليه شئ، فرفع أبو ذر عصاه فضرب بها رأس كعب، فقال يابن اليهودية المشركة، ما أنت والنظر فى أحكام المسلمين؟ قول الله ﷿ أصدق من قولك حيث قال: ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ...﴾ ... إلى
 
٢ ‏/ ١٢١
 
قوله: ﴿فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] .. قال عثمان: يا أبا ذر؛ إنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك، ولولا صحبتك لرسول الله ﷺ لقتلتك، فقال: كذبتَ يا عثمان؛ ويلك، أخبرنى رسول الله ﷺ فقال: «لا يفتنونك يا أبا ذر ولا يقتلونك»، أما عقلى فقد بقى منه ما أذكرنى حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ قاله فيك وفى قومك، قال: وما سمعتَ من رسول الله فىّ وفى قومى؟ قال: سمعته يقول - وهو قوله ﷺ: «إذا بلغ آل أبى العاص ثلاثون رجلًا صيَّروا مال الله دولًا، وكتاب الله دغلًا، وعباد الله خولًا، والصالحين حربًا، والفاسقين حزبًا». قال عثمان: يا معشر أصحاب محمد؛ هل سمع أحد منكم هذا الحديث من رسول الله؟ قالوا: لا ما سمعنا هذا من رسول الله ﷺ، قال عثمان: ادعوا عليًا.. فجاء أمير المؤمنين فقال له عثمان: يا أبا الحسن؛ اسمع ما يقول الشيخ الكذَّاب، فقال أمير المؤمنين: يا عثمان؛ لا تقل كذابًا، فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أظلَّت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء على ذى لهجة أصدق من أبى ذر». قال أصحاب رسول الله. صدق علىّ، سمعنا هذا من رسول الله، فعند ذلك بكى أبو ذر، وقال: ويلكم، كلكم قد مدَّ عنقه إلى هذا المال، ظننتم أنى أكذب على رسول الله ﷺ، ثم نظر إليهم فقال: مَن خيركم؟ فقالوا: أنت تقول إنك خيرنا، قال: نعم.. خلفت حبيبى رسول الله ﷺ وهو على بعيره، وأنتم قد أحدثتم أحداثًا كثيرة، والله سائلكم عن ذلك ولا يسألنى، فقال عثمان: يا أبا ذر؛ أسألك بحق رسول الله ألا ما أخبرتنى عما أنا سائلك عنه؟ فقال أبو ذر: واللهِ لو لم تسألنى بحق رسول الله ﷺ لأخبرتك، فقال: أى البلاد أحب إليك أن تكون فيها؟ فقال: مكة
حرم الله وحرم رسوله، أعبد الله فيها حتى يأتينى الموت، فقال: لا، ولا كرامة لك. قال: المدينة حرم رسول الله، فقال: لا، ولا كرامة لك، قال: فسكت أبو ذر. فقال: وأى البلاد أبغض إليك أن تكون بها؟ قال: الرِبْذة التى كنتُ بها على غير دين الإسلام، فقال عثمان: سر إليها، فقال أبو ذر: قد سألتنى فصدقتك، وأنا أسألك فاصدقنى، قال: نعم، قال: أخبرنى، لو أنك بعثتنى فيمن بعثت من أصحابك إلى المشركين فأسرونى وقالوا لا نفديه إلا بثلث ما تملك؟.. قال: كنت أفديك، قال: فإن قالوا: لا نفديه إلا بكل ما تملك، قال: كنت أفديك، فقال أبو ذر: الله أكبر.. قال لى حبيبى رسول الله ﷺ يومًا: «يا أبا ذر؛ كيف أنت إذا قيل لك أى البلاد أحب إليك أن تكون فيها؟ فتقول: مكة حرم الله وحرم رسوله، أعبد الله فيها حتى يأتينى الموت، فيقال: لا، ولا كرامة لك، فتقول: المدينة حرم رسول الله، فيقال: لا، ولا كرامة لك، ثم يقال لك: فأى البلاد أبغض إليك أن تكون فيها؟ فتقول: الرِبْذة التى كنت بها على غير دين الإسلام، فيقال لك: سر إليها»، فقلت: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟ فقال: «والذى نفسى بيده إنه لكائن»، فقلت: يا رسول الله؛ أفلا أضع سيفى على
 
٢ ‏/ ١٢٢
 
عاتقى فأضرب به قدمًا قدمًا؟ قال: «لا.. اسمع واسكت ولو لعبد حبشى، وقد أنزل الله فيك وفى عثمان - خصمك - آية، فقلت: وما هى يا رسول الله؟ فقال: قول الله ... .. وتلا الآية».
* *
* طعنه على أبى بكر:
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٠] من سورة التوبة: ﴿ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِي الغار إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ ... الآية، نجده لا يعترف بهذه المنقبة لأبى بكر، رضى الله عنه، بل ويحاول بكل جهوده أن يأخذ منها مغمزًا على أبى بكر، وذلك حيث يقول ما نصه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ وهو أبو بكر، ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾ لا تخف، ﴿إِنَّ الله مَعَنَا﴾ بالعصمة والمعونة.. فى الكافى عن الباقر أن رسول الله ﷺ أقبل يقول لأبى بكر فى الغار: اسكن فإن الله معنا، وقد أخذته الرعدة وهو لا يسكن، فلما رأى رسول الله حاله قال له: تريد أن أريك أصحابى من الأنصار فى مجالسهم يتحدثون؟ وأريك جعفر وأصحابه فى البحر يغوصون؟ قال: نعم، فمسح رسول الله ﷺ بيده على وجهه فنظر إلى الأنصار يتحدثون، وإلى جعفر وأصحابه فى البحر يغوصون، فأضمر تلك الساعة أنه ساحر، ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ﴾ أمنته التى تسكن إليها القلوب ﴿عَلَيْهِ﴾ .. فى الكافى عن الرضا: أنه قرأها: «على رسوله» قيل له: هكذا؟ قال: هكذا نقرؤها، وهكذا تنزيلها. والعياشى عنه: إنهم يحتجون علينا بقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِي الغار﴾ وما لهم فى ذلك من حُجَّة، فوالله لقد قال الله: «فأنزل الله سكينته على رسوله» وما ذكره فيها بخبر، قَيل: هكذا تقرأونها؟ قال: هكذا قراءتها«.
* *
* طعنه على أبى بكر وعمر وعائشة وحفصة:
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى أول سورة التحريم: ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ ...﴾ ... الآيات إلى قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هاذا قَالَ نَبَّأَنِيَ العليم الخبير﴾ [التحريم: ٣] .. نراه ينقل عن القُمِّى فى سبب نزول هذه الآية:»أن رسول الله ﷺ كان فى بعض بيوت نسائه، وكانت مارية القبطية تكون معه تخدمه، وكانت ذات يوم فى بيت حفصة، فذهبت حفصة فى حاجة لها، فتناول رسوله الله مارية، فعلمت حفصة بذلك فغضبت، وأقبلت على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ فى يومى؟ وفى دارى؟ وعلى فراشى؟ فاستحى رسول الله منها فقال: كُفِّى، فقد حرَّمتُ مارية على نفسى، ولا أطؤها بعد هذا أبدًا، وأنا أفضى إليكِ سرًا إن أخبرتِ به فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فقالت: نعم، ما هو؟ فقال: إن أبا
 
٢ ‏/ ١٢٣
 
بكر يلى الخلافة بعدى، ثم بعده أبوك، فقالت: مَن أنبأك هذا؟ فقال: نبأنى العليم الخبير، فأخبرت حفصةُ به عائشةَ من يومها ذلك، وأخبرت عائشة أبا بكر فجاء أبا بكر إلى عمر فقال له: إن عائشة أخبرتنى عن حفصة بشئ ولا أثق بقولها فاسأل أنت حفصة، فجاء عمر إلى حفصة فقال لها: ما هذا الذى أخبرتْ عنكِ عائشة، فأنكرت ذلك وقالت: ما قلتُ لها من ذلك شيئًاَ. فقال لها عمر: إن هذا حق فأخبرينا حتى نتقدم فيه، فقالت: نعم.. قد قاله رسول الله ﷺ، فاجتمعوا أربعة على أن يسمُّوا رسول الله، فنزل جبريل على رسول الله بهذه السورة قال: ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ يعنى أظهره على ما أخبرت به وما هَمُّوا به من قتله ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾: أخبرها وقال: لِمَ أخبرتِ بما أخبرتك ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ .. قال: لم يخبرهم بما يعلم مما هَمُّوا به من قتله».
* *
* صرفه لآيات العتاب عن ظاهرها:
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى أول سورة عبس: ﴿عَبَسَ وتولى * أَن جَآءَهُ الأعمى﴾ ... الآيات إلى آخر القصة، نجده يصرف الآيات عن ظاهرها المتعارف بين المفسِّرين جميعًا، ويجعل العتاب موجهًا إلى عثمان رضى الله عنه، أو إلى رجل آخر من بنى أُمية. والذى حمله على ذلك هو ما يراه من أن مثل هذا العتاب لا يليق أن يكون موجهًا إلى النبى ﷺ أو إلى أحد من الأئمة المعصومين، كما أن سبب العتاب لا يليق أن يصدر منهم، أما توجه العتاب إلى عثمان وصدور سببه منه فهذا أمر جائز وواقع فى نظره، لأن عثمان ليس له من العصمة ما للأئمة، فلهذا تراه يروى عن القُمِّى: «أنها نزلت فى عثمان وابن أُم مكتوم»، وكان ابن أُم مكتوم مؤذنًا لرسول الله ﷺ، وكان أعمى، وجاء إلى رسول الله ﷺ وعنده أصحابه وعثمان عنده، فقدَّمه رسول الله ﷺ على عثمان فعبس عثمان وجهه وتولَّى عنه، فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وتولى * أَن جَآءَهُ الأعمى﴾ .. ونقل عن مجمع البيان أنها نزلت فى رجل من بنى أُمية كان عند النبى فجاء ابن أُم مكتوم، فلما رآه تقذَّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله ذلك وأنكره عليه.. ثم قال: أقول: «وأما ما اشتهر من تنزيل هذه الآيات فى النبى ﷺ دون عثمان فيأباه سياق مثل هذه المعاتبات الغير اللائقة بمنصبه، وكذا ما ذكره بعدها إلى آخر السورة كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام، ويمكن أن يكون من مختلقات أهل النفاق خذلهم الله».
* *
* دفاع المؤلف عن أُصول مذهبه:
كذلك نجد المؤلف ينظر إلى القرآن من خلال عقيدته، ونراه ينتصر لمذهبه
 
٢ ‏/ ١٢٤
 
ويتعصب له، ويؤيد أُصوله بكل ما يستطيع من الأدلة، ويدفع الشبه عنه، ويرد على الخصوم بما يستطيع من أوجه الرد، فلهذا نجده إذا مرَّ بآية من آيات القرآن التى يستطيع أن يستند إليها ويعتمد عليها فى نظره، أخذ فى تأويلها على وفق مذهبه وهواه، وإن كان فى ذلك خروج عن ظاهر النظم القرآنى.
* ولاية على:
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. نراه يستند إلى هذه الآية استنادًا قويًا فى أن عليًا رضى الله عنه هو وصى النبى ﷺ وخليفته من بعده، فيقول ما نصه:»فى الكافى عن الصادق فى تفسير هذه الآية «أولى بكم»: أى أحق بكم وبأموركم من أنفسكم وأموالكم الله ورسوله والذين آمنوا - يعنى عليًا وأولاده الأئمة إلى يوم القيامة - ثم وصفهم الله فقال: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. وكان أمير المؤمنين فى صلاة الظهر - وقد صلَّى ركعتين - وهو راكع، عليه حُلَّة قيمتها ألف دينار، وكان النبى أعطاه إياها، وكان النجاشى أهداها له، فجاء سائل فقال: السلام عليك يا ولى الله وأولى المؤمنين من أنفسهم.. تصدق على مسكين، فطرح الحُلَّة إليه، وأومأ بيده إليه أن احملها، فأنزل الله ﷿ فيه هذه الآية، وصيَّر نعمة أولاده بنعمته، فكل مَن بلغ من أولاده مبلغ الإمامة يكون بهذه النعمة مثله، فيتصدَّقون وهم راكعون. والسائل الذى سأل أمير المؤمنين من الملائكة، والذين يسألون الأئمة من أولاده يكونون من الملائكة.
وعنه عن أبيه عن جده فى قوله ﷿: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ .. قال: لما نزلت: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله﴾ ... الآية، اجتمع نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فى مسجد المدينة فقال بعضهم: إن كفرنا بهذه الآية نكفر بسائرها، وإن آمنا فإن هذا ذلٌ حين يُسلَّط علينا علىّ ابن أبى طالب، فقالوا: قد علمنا أن محمدًا صادق فيما يقول، ولكنا نتولاه ولا نطيع عليًا فيما أمرنا، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ يعنى ولاية على، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾ بالولاية.
وعنه أنه سُئل: الأوصياء طاعتهم مفروضة؟. قال: نعم، هم الذين قال الله: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .. وهم الذين قال الله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ﴾ ... الآية، وروى المؤلف غير ذلك من الروايات، وكلها يدور حول هذا الشأن، ثم ادّعى إجماع الأُمة على أنه لم يُؤْتِ الزكاة يومئذ أحد منهم وهو راكع غير رجل واحد هو علىّ.. ثم علَّل عدم ذكره باسمه فى الكتاب بأنه لو ذُكِر باسمه فى الكتاب لأُسقط مع ما أُسقط.. ثم وفَّق بين الروايات
 
٢ ‏/ ١٢٥
 
القائلة بأنه تصدَّق بحُلَّته، وبين الروايات القائلة بأنه تصدَّق بخاتمه فقال: «لعله تصدَّق مرة فى ركوعه بالحُلَّة، ومرة بالخاتم.. والآية نزلت بعد الثانية، وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ﴾ إشعار بذلك، لتضمنه التكرار والتجديد، كما أن فيه إشعارًا بفعل أولاده أيضًا».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦٧] من سورة المائدة: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ... الآية، نراه يحمل التبليغ المأمور به ﵇ على تبليغه للناس إمامة علىّ وولايته، ويروى هنا قصة طويلة جدًا، ويروى خطبة النبى لأصحابه عند «غدير خُمْ»، وهى خطبة طويلة كذلك، وفى هذه الخطبة يقول رسول الله ﷺ مبينًا سبب نزول الآية: «وأنا مبين لكم سبب هذه الآية: إن جبريل هبط إلىَّ مرارًا ثلاثة، يأمرنى عن السلام ربى وهو السلام: أن أقوم فى هذا المشهد وأُعلم كل أبيض وأسود أن علىَّ بن أبى طالب أخى، ووصيى وحليفتى، والإمام من بعدى، الذى محله منى محل هارون من موسى، إلا أنه لا نبى بعدى، وهو وليكم بعد الله ورسوله، وقد أنزل الله علىّ بذلك آية من كتابه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، وعلىّ بن أبى طالب أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكع، يريد الله ﷿ فى كل حال، وسألتُ جبريل أن يستغفر لى عن تبليغ ذلك إليكم أيها الناس، لعلمى بِقِلَّة المتقين، وكثرة المنافقين، وإدغال الآثمين، وحيل المستهزئين بالإسلام، الذين وصفهم الله فى كتابه بأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم، ويحسبونه هَيِّنًا وهو عند الله عظيم، وكثرة أذاهم لى غيره مرة حتى سمونى أُذُنًا، وزعموا أنى كذلك لكثرة ملازمته إياى وإقبالى عليه، حتى أنزل الله ﷿ فى ذلك: ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ [التوبة: ٦١] ... الآية، ولو شئتُ أن أسميهم بأسمائهم لسميت، وأن أُومئ إليهم لأعيانهم لأومأت، وأن أدل عليهم لدللت، ولكنى - والله - فى أُمورهم قد تكرمت، وكل ذلك لا يرضى الله منى إلا أن أُبلِّغ ما أنزل إلىّ.. ثم تلا: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ فى علىّ، ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾ .. إلخ». * *
* أُولوا الأمر الذين تجب طاعتهم:
ومثلًا عند قوله تعالى فى الآية [٥٩] من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ .. الآية، نراه يحمل هذه الآية على وفق مذهبه، فيقصر أُولى الأمر على الأئمة من أهل البيت خاصة، أما مَن عداهم فليسوا أُولى الأمر، وليس يجب على أحد من يقوم بطاعتهم، ولهذا يقول عند تفسيره لهذه
 
٢ ‏/ ١٢٦
 
الآية ما نصه:»فى الكافى والعياشى عن الباقر: إيانا عنى خاصة.. أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا. وفى الكافى عن الصادق: أنه سُئِل عن الأوصياء، طاعتهم مفترضة؟ قال: نعم، هم الذين قال الله: ﴿أَطِيعُواْ الله﴾ ... .. الآية، وقال الله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله﴾ ... الآية. وفيه والعياشى عنه فى هذه الآية قال: نزلت فى علىّ بن أبى طالب والحسن والحسين، فقال: إن الناس يقولون: فما له لم يُسَمِ عليًا وأهل بيته فى كتابه؟ فقال: فقولوا لهم: نزلت الصلاة ولم يُسَمِ الله لهم ثلاثًا ولا أربعًا حتى كان رسول الله ﷺ فسَّر ذلك لهم، ونزلت: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾، ونزلت فى علىّ والحسن والحسين، فقال رسول الله ﷺ فى علىّ: «مَن كنت مولاه فهذا علىّ مولاه»، وقال: «أُوصيكم بكتاب الله وأهل بيتى، فإنى سألت الله أن لا يُفرِّق بينهما حتى يوردهما على الحوض، فأعطانى ذلك». وقال: «لا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم»، وقال: «إنهم لم يخرجوكم من باب هدى ولم يدخلوكم فى باب ضلالة»، فلو سكت رسول الله ﷺ ولم يبين مَنْ أهل بيته لادعاها آل فلان وآل فلان، ولكن الله أنزل فى كتابه تصديقًا لنبيه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، فكان علىّ والحسن والحسين وفاطمة، فأدخلهم رسول الله ﷺ تحت الكساء فى بيت أُم سلمة ثم قال: «اللَّهم إن لكل نبى أهلًا وثَقَلًا، وهؤلاء أهل بيتى وثَقَلى»، فقالت أُم سلمة: ألستُ من أهلك؟ فقال: «إنك إلى خير، ولكن هؤلاء أهل بيتى وثقلى» ... (الحديث)، وزاد العياشى: آل عباس، وآل عقيل، قبل قوله: وآل فلان.
عن الصادق أنه سئُل عما بنيت عليه دعائم الإسلام التى إذا أُخِذَ بها زكى العمل ولم يضر جهل ما جهل بعده، فقال: «شهادة أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وحق فى الأموال: الزكاة، والولاية التى أمر الله بها: ولاية آل محمد، فإن رسول الله قال:»مَن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية«.. قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾، فكان علىّ، ثم صار من بعده الحسن، ثم بعده الحسين، ثم من بعده علىّ بن الحسين، ثم من بعده محمد بن علىّ، ثم هكذا يكون الأمر، إن الأرض لا تصلح إلا بإمام» ... (الحديث) .
وفى المعانى عن سليم بن قيس الهلالى عن أمير المؤمنين أنه سأله: ما أدنى ما يكون به الرجل ضالًا، فقال: أن لا يعرف مَن أمر الله بطاعته وفرض ولايته، وجعله حُجَّته فى أرضه، وشاهده على خلقه.. قال: فمن هم يا أمير المؤمنين؟ قال: الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه فقال: ﴿أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ . قال: فقبلَّتُ رأسه وقلت: أوضحتَ لى، وفرَّجتَ عنى، وأذهبتَ كل شئ كان فى قلبى.
 
٢ ‏/ ١٢٧
 
وفى الإكمال عن جابر بن عبد الله الأنصارى قال: لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله؛ عرفنا الله ورسوله، فمَن أُولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال:»هم خلفائى يا جابر وأئمة المسلمين من بعدى، أولهم علىّ بن أبى طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علىّ بن الحسين، ثم محمد بن علىّ المعروف فى التوراة بالباقر - وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه منى السلام - ثم الصادق جعفر بن محمد بن موسى بن جعفر، ثم علىّ بن موسى، ثم محمد بن علىّ، ثم علىّ بن محمد، ثم الحسن ابن علىّ، ثم سميى محمد، وكنيته «حُجَّة الله فى أرضه، وبقيته فى عباده»، ابن الحسن بن علىّ، ذاك الذى يُفتح على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذى يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا مَن امتحن الله قلبه للإيمان«. قال جابر: فقلت: يا رسول الله؛ فهل لشيعته الانتفاع به فى غيبته، فقال:»إى، والذى بعثنى بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته، كانتفاع الناس بالشمس وإن تجللها سحاب. يا جابر؛ هذا من مكنون سر الله ومخزون علم الله فاكتمه إلا عن أهله«.
والأخبار فى هذا المعنى من الكتب المتداولة المعتبرة لا تحصى كثرة. وفى التوحيد عن أمير المؤمنين: اعرفوا الله بالله، والرسول بالرسول، وأُولى الأمر بالمعروف والعدل والإحسان.
وفى العلل عنه: لا طاعة لمن عصى الله، وإنما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر، إنما أمر الله بطاعة الرسول لأنه معصوم مُطهَّر لا يأمر بمعصية، وإنما أمر بطاعة أُولى الأمر لأنهم معصومون مُطهَّرون لا يأمرون بمعصية».
* *
الإمام يوصى لمن بعده:
ولما كان مذهب المؤلف أن كل إمام يوصى بالإمامة لمن بعده، وليس ذلك لأحد من المسلمين غيره، فإنَّا نجده يتأثر بهذه العقيدة ويُفسِّر قوله تعالى فى الآية [٥٨] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ ... الآية على وفق هذه العقيدة فيقول: «فى الكافى وغيره فى عدة روايات أن الخطاب إلى الأئمة.. أمر كُلًا منهم أن يؤدى إلى الإمام الذى بعده ويوصى إليه، ثم هى جارية فى سائر الأمانات.. وفيه وفى العياشى عن الباقر: إيانا عنى، أن يؤدى الإمام الأول إلى الذى بعده العلم والكتب والسلاح» ... إلخ.
* *
* استدلاله على الرجعة:
ولما كان المؤلف يدين بالرجعة فإنَّا نجده يستدل على جوازها بقوله تعالى فى الآيتين [٥٥، ٥٦] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً
 
٢ ‏/ ١٢٨
 
فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .. وذلك حيث يقول:»أقول: قيَّد البعث بالموت لأنه قد يكون عن إغماء ونوم، وفيه دلالة واضحة على جواز الرجعة التى قال بها أصحابنا نقلًا عن أئمتهم، واحتج بهذه الآية أمير المؤمنين على ابن الكواء حين أنكرها كما رواه عنه الإصبع بن نباتة، والقُمِّى، هذا دليل على الرجعة فى أُمة محمد ﷺ. فإنه قال: لم يكن فى بنى إسرائيل شئ إلا وفى أُمته مثله - يعنى دليلًا على وقوعها«.
* *
* الإيمان بالرجعة وقيام القائم من الإيمان بالغيب:
ولكون المؤلف يعتقد بالرجعة ويرى ضرورة الإيمان بها لكل مؤمن، فإنَّا نراه يعد الإيمان بها من ضمن الإيمان بالغيب الذى مدح الله به عباده المتقين وذلك حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢، ٣] من سورة البقرة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ بما غاب عن حواسهم من توحيد الله، ونبوة الأنبياء، وقيام القائم، والرجعة، والبعث، والحساب، والجنَّة، والنار، وسائر الأُمور التى يلزمهم الإيمان بها مما لا يُعرف بالمشاهدة وإنما يُعرف بدلائل نصبها الله ﷿».
* *
* التقيَّة:
ولما كان ملا محسن يقول بالتقية، ويراها ضرورة من ضروريات قيام مذهبه وصون أصحابه من الاضطهاد، فإنَّا نراه يفيض فيها عندما تكلم عن قوله تعالى فى الآية [٢٨] من سورة آل عمران: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ... الآية فيقول: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ إلا أن تخافوا من جهتهم خوفًا وأمرًا يجب أن يُخاف منه، وقرئ: «تقية»، منع عن موالاتهم ظاهرًا وباطنًا فى الأوقات كلها إلا وقت المخافة، فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز بالمخالفة كما قيل: كن وسطًا وامش جانبًا.. ثم قال: وفى العياشى عن الصادق قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «لا إيمان لمن لا تقية له»، ويقول: قال الله: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ . وفى الكافى عنه قال: التقية ترس الله بينه وبين خلقه. وعن الباقر قال: التقية فى كل شئ يضطر إليه ابن آدم، وقد أحلَّ الله له. والأخبار فى ذلك مما لا يُحصى".
* *
* تأثره فى تفسيره بالفروع الفقهية للإمامية:
ولما كان المؤلف كغيره من علماء مذهبه له فى بعض المسائل الاجتهادية الفقهية
 
٢ ‏/ ١٢٩
 
رأى يخالف آراء مجتهدى المذاهب الأخرى، فإنا نراه ينتصر لمذهبه ويعمل على تأييده بما يظهر له من آيات القرآن.. والمتتبع لتفسيره لآيات الأحكام يجد أثر هذا كله ظاهرًا جليًا، فهو يحاول محاولة جدية أن يأخذ رأيه من النص القرآنى أو يدفع رأى مخالفيه بما يظهر له منه، وإليك بعض المثل لتعرف مقدار تأثر هذا التفسير بمذهب صاحبه الفقهى:
* المتعة:
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٤] من سورة النساء: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ .. نراه يتأثر بما يراه من حِلِّ نكاح المتعة فيحمل الآية على هذا ويجعلها دليلًا على صحة مذهبه وذلك حيث يقول ما نصه: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن، سمى أجرًا لأنه فى مقابلة الاستمتاع، ﴿فَرِيضَةً﴾ مصدر مؤكد. فى الكافى عن الصادق: وإنما أُنزلت: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أُجورهن فريضة».. والعياشى عن الباقر: أنه كان يقرأها كذلك، وروته العامة أيضًا عن جماعة من الصحابة: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة﴾ من زيادة فى المهر أو الأجل، أو نقصان فيهما، أو غير ذلك مما لا يخالف الشرع. فى الكافى مقطوعًا والعياشى عن الباقر: "لا بأس بأن تزيدها وتزيدك إذا انقطع الأجل فيما بينكما، تقول: استحللتك بأجر آخر برضًا منها، ولا تحل لغيرك حتى تنقضى عدَّتها، وعدَّتها حيضتان، ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيمًا﴾ بالمصالح، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما شرع من الأحكام. فى الكافى عن الصادق: المتعة نزل بها القرآن، وجرت بها السُّنَّة من رسول الله ﷺ وآله، وعن الباقر: كان علىّ يقول: لولا ما سبقنى به ابن الخطاب ما زنى إلا شفى - بالفاء، يعنى إلا قليل - أراد أنه لولا ما سبقنى به عمر من نهيه عن المتعة وتمكن نهيه من قلوب الناس، لندبتُ الناس عليها، ورغَّبتهم فيها، فاستغنوا بها عن الزنا، فما زنى منهم إلا قليل، وكان نهيه عنها تارة بقوله: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنا مُحرِّمهما ومُعاقِبٌ عليهما: مُتعة الحج، ومُتعة النساء، وأخرى بقوله: ثلاث كُنّ على عهد رسول الله ﷺ أنا مُحرِّمهن ومُعاقِبٌ عليهن: مُتعة الحج ومُتعة النساء وحىّ على خير العمل فى الأذان. وفيه: جاء عبد الله بن عمر الليثى إلى أبى جعفر فقال له: ما تقول فى مُتعة النساء؟ فقال: أحلَّها الله فى كتابه وعلى لسان نبيه، فهى حلال إلى يوم القيامة، فقال: يا أبا جعفر؛ مثلك يقول هذا وقد حرَّمها عمر ونهى عنها؟ فقال: وإن كان فعل، قال:
فإنى أُعيذك بالله من ذلك أن تحل شيئًا حرَّمه عمر، فقال له: فأنت على قول صاحبك وأنا على قول رسول الله ﷺ، فهلم أُلاعنك أن القول ما قال رسول الله ﷺ وأن الباطل ما قال صاحبك، وقال: فأقبل عبد الله بن عمر فقال: أيسرك أن نساءك، وبناتك، وأخواتك، وبنات عمك،
 
٢ ‏/ ١٣٠
 
يفعلن ذلك؟ فأعرض عنه أبو جعفر حين ذكر نساءه وبنات عمه. وفيه: سأل أبو حنيفة أبا جعفر محمد ابن النعمان صاحب الطاق فقال: يا أبا جعفر؛ ما تقول فى المتعة؟ أتزعم أنها حلال؟ قال: نعم. قال: فما يمنعك أن تأمر نساءك ليستمتعن ويكسبن عليك؟ فقال أبو جعفر: ليست كل الصناعات يُرغَب فيها وإن كانت حلالًا، وللناس أقدار ومراتب يرفعون أقدارهم، ولكن ما تقول يا أبا حنيفة فى النبيذ، أتزعم أنه حلال؟ قال: نعم، قال: فما يمنعك أن تُقْعِد نساءك فى الحوانيت نبَّاذات فيكسبن عليك؟ فقال أبو حنيفة: واحدة بواحدة، وسهمك أنفذ، ثم قال: يا أبا جعفر؛ إن الآية التى فى «سأل سائل» تنطق بتحريم المتعة والرواية عن النبى قد جاءت بنسخها، فقال أبو جعفر: يا أبا حنيفة؛ إن سورة «سأل سائل» مكية وآية المتعة مدنية، وروايتك شاذة ردية، فقال أبو حنيفة: وآية الميراث أيضًا تنطق بنسخ المتعة، فقال أبو جعفر: قد ثبت النكاح بغير ميراث، فقال أبو حنيفة: من أين قلت ذاك؟ فقال أبو جعفر: لو أن رجلًا من المسلمين تزوج بامرأة من أهل الكتاب ثم توفى عنها. ما تقول فيها: قال: لا ترث منه، فقال: قد ثبت النكاح بغير ميراث.. ثم افترقا. وعن الصادق أنه سأله أبو حنيفة عن المتعة فقال: عن أى المتعتين تسأل؟ فقال: سألتك عن متعة الحج فأنبئنى عن متعة النساء أحق هى؟ فقال: سبحان الله.. أما تقرأ كتاب الله: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؟ فقال أبو حنيفة: واللهِ لكأنها آية لم أقرأها قط. وفى الفقه عنه: ليس منا مَن لم يؤمن بكَرَّتنا ويستحل متعتنا (أقول): الكَرَّة: الرجعة، وهى إشارة إلى ما ثبت عندهم من رجوعهم إلى الدنيا مع جماعة من شيعتهم فى زمن القائم لينصروه، وقد مضت الإشارة إليه فيما سلف، ويأتى أخبار أُخر فيها إن شاء الله.
* *
* نكاح الكتابيات:
وملا محسن، لا يميل إلى حُرْمة نكاح الكتابيات من اليهود والنصارى، بل نراه يذكر لنا فى تفسيره للآيات التى تتصل بهذا الموضوع أقوال العلماء، ويفيض فى سرده لأقوال المجيزين منهم، ويُعقِّب على أقوال المجيزين بما يدل على أنه مؤيد لعدم الحُرْمة، ومرتض لقول مَن يقول بالحِلِّ، ولهذا نراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٢١] من سورة البقرة: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ لا تزوجوا الكافرات ﴿حتى يُؤْمِنَّ﴾، ﴿وَلأَمَةٌ﴾ مملوكة، ﴿مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ﴾ حُرَّة، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ المشركة بجمالها أو مالها أو حسبها، ﴿وَلاَ
 
٢ ‏/ ١٣١
 
تَنْكِحُواْ المشركين﴾ لا تزوِّجوا منهم المؤمنات، ﴿حتى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ﴾ مملوك، ﴿خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾ حُرٍّ، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ جماله أو ماله أو حاله، ﴿أولائك﴾ إشارة إلى المشركين والمشركات، ﴿يَدْعُونَ إِلَى النار﴾ إلى الكفر المؤدى إلى النار، فحهقم أن لا يُوالوا لا يُصَاهروا، ﴿والله يدعوا إِلَى الجنة والمغفرة﴾ إلى فعل ما يوجب الجنَّة والمغفرة من الإيمان والطاعة، ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بأمره وتوفيقه، ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ﴾ أوامره ونواهيه، ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ويتعظون. القُمِّى: هى منسوخة بقوله تعالى فى الآية [٥] من سورة المائدة: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات ...﴾ ... إلى قوله: ﴿والمحصنات مِنَ الذين
 
٢ ‏/ ١٣٢
 
أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ قال: فنسخ هذه الآية: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ وترك قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ﴾ على حاله لم ينسخ، لأنه لا يحل للمسلم أن يُنكح المشرك، ويحل له أن يتزوج المشركة من اليهود والنصارى، وكذلك قال النعمان فى كتابه، وكلاهما عَدَّ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ من منسوخ النصف من الآيات، ويأتى تمام الكلام فيه فى سورة المائدة إن شاء الله تعالى».
وعندما تكلم عن قوله تعالى فى الآية [٥] من سورة المائدة: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ﴿.. والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ فى الفقيه عن الصادق: هن العفائف. والعياشى عن الكاظم: أنه سُئل ما معنى إحصانهن؟ قال: هن العفائف من نسائهم. وفى الكافى، والمجمع، والعياشى، عن الباقر: أنها منسوخه بقوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] .. وزاد فى المجمع: وبقوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ .. القُمِّى: أحل الله نكاح أهل الكتاب بعد تحريمه فى قوله فى سورة البقرة: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ .. قال: وإنما يحل نكاح أهل الكتاب الذين يؤدون الجزية، وغيرهم لم تحل مناكحتهم.. (أقول): يؤيد هذا الحديث النبوى: «إن سورة المائدة آخر القرآن نزولًا فأحِلُّوا حلالها وحَرَّموا حرامها».. وفى الكافى عن الحسن ابن الجهم قال: قال لى أبو الحسن الرضا: يا أبا محمد؛ ما تقول فى رجل يتزوج نصرانية على مسلمة؟ قلت: جُعِلتُ فداك، وما قولى بين يديك؟ قال: لتقولن، فإن ذلك تعلم به قولى. قلت: لا يجوز تزوج نصرانية على مسلمة ولا على غير مسلمة؟ قال: ولِمَ؟ قلت: لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ .. قال: فما تقول فى هذه الآية: ﴿والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾؟ قلت: فقوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ نسخت هذه الآية، فتبسم ثم سكت. وفيه وفى الفقيه عن الصادق فى الرجل المؤمن يتزوج النصرانية واليهودية قال: إذا أصاب المسلمة فماذا يصنع باليهودية والنصرانية؟ فقيل: يكون له فيها الهوى، فقال: إن فعل فيمنعها من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، واعلم أن عليه فى دينه غضاضة. وعن الباقر: لا ينبغى للمسلم أن يتزوج يهودية ولا نصرانية وهو يجد مسلمة حُرَّة أو أَمَة. وعنه: إنما يحل منهم نكاح البُلْه. وفى الفقيه عنه: أنه سئل عن الرجل المسلم يتزوج المجوسية قال:
لا، ولكن إن كانت له أَمَة مجوسية فلا بأس أن يطأها ويعزل عنها ولا يطلب ولدها، وفى رواية: لا يتزوج الرجل اليهودية ولا النصرانية على المسلمة، ويتزوج المسلمة على اليهودية والنصرانية. وفى التهذيب عن الصادق: لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية والنصرانية وعنده حُرَّة. وفيه فى جواز التمتع بهما وبالمجوسية أخبار أُخر«.
وفى سورة الممتحنة عند قوله تعالى فى الآية [١٠]: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ .. قال ما نصه: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ بما يعتصم به الكافرات من عقد ونسب.. جمع عصمة، والمراد نهى المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات. القُمِّى عن الباقر فى هذه الآية قال: يقول: مَن كانت عنده امرأة كافرة - يعنى على غير مِلَّة الإسلام - وهو على مِلَّة الإسلام، فليعرض عليها الإسلام، فإن قبلت فهى امرأته، وإلا فهى بريئة منه، فنهى الله أن يمسك بعصمتها. وفى الكافى عنه قال: لا ينبغى نكاح أهل الكتاب، قيل: وأين تحريمه؟ قال: قوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ .. (أقول): قد مضى فى سورة المائدة ما يخالف ذلك».
* فرض الرِجْلين فى الوضوء وحكم المسح على الخُفَّين:
ويرى صاحبنا أن فرض الرِجْلين فى الوضوء مسحها لا غسلها، كما يرى عدم جواز المسح على الخُفَّين، ولهذا نراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦] من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ ... الآية، نراه يقول بوجوب وصول الماء إلى بشرة سائر الأعضاء كما هو مقتضى الأمر بالغسل والمسح، وعليه فلا يجزئ المسح على القلنسوة ولا على الخُفَّين، ثم يروى ما جاء فى التهذيب عن الباقر من أن عمر جمع أصحاب رسول الله ﷺ وفيهم علىّ فقال: ما تقولون فى المسح على الخُفَّين؟ فقام المغيرة بن شعبة فقال: رأيتُ رسول الله ﷺ يمسح على الخُفَّين، فقال علىّ: قبل المائدة أو بعد المائدة؟ قال: لا أدرى، فقال علىّ: سبق الكتاب الخُفَّين، إنما نزلت المائدة قبل أن
 
٢ ‏/ ١٣٣
 
يُقبض بشهرين أو ثلاثة. وهنا يُعقِّب ملا محسن على هذه الرواية فيقول: (أقول): المغيرة بن شعبة هذا هو أحد رؤساء المنافقين من أصحاب العقبة والسقيفة لعنهم الله.. ثم يقول: وفى الفقيه: روت عائشة عن النبى أنه قال: أشد الناس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره. وروى عنها أنها قالت: لأن أمسح على ظهر عير بالفلاة أحب إلىّ من أن أمسح على خُفَّىْ. ولم يُعرف للنبى خف إلى خف أهداه النجاشى وكان موضع ظهر القدمين منه مشقوقًا، فمسح النبى ﷺ على رِجْليه وعليه خُفَّاه، فقال الناس: إنه مسح علىخُفَّيه، على أن الحديث فى ذلك غير صحيح الإسناد (انتهى كلام الفقيه) .
وبعد هذا انتقل المؤلف إلى الكلام على فرض الرِجْلين فى الوضوء، فقال بعد ما بيَّن أولًا أن قراءة نصب الأرجل مردودة عندهم: «.. ثم دلالة الآية على مسح الرِجْلين دون غسلهما أظهر من الشمس فى رابعة النهار، وخصوصًا على قراءة الجر، ولذلك اعترف بها جمع كثير من القائلين بالغسل، وفى التهذيب عن الباقر أنه سُئل عن قول الله ﷿: ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ .. على الخفض هى أم على النصب؟ قال:»بل هى على الخفض«، ثم قال: (أقول): وعلى تقدير القراءة على النصب أيضًا تدل على المسح، لأنها تكون حينئذ معطوفة على محل الرؤوس، كما تقول: مررت بزيد وعَمْرًا، إذ عطفهما على الوجوه خارج عن قانون الفصاحة، بل عن أسلوب العربية.. ثم روى من الأخبار عن أهل البيت ما يشهد لمذهبه».
* * *
*الغنائم:
وهو يرى فى الغنائم ما يراه غيره من علماء مذهبه من أن الخُمس يُقسم إلى ستة سهام: سهم لله. وسهم للرسول. وسهم للإمام، وسهم ليتامى آل الرسول، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم. وسهم الله وسهم الرسول يرثهما الإمام، فيكون للإمام ثلاثة أسهم من ستة.. ثم يعلل اختصاص الإمام من الخُمس بالأسهم الثلاثة، بأن الله تعالى قد ألزم الإمام بما ألزم به النبى من تربية الأُمة، ومؤن المسلمين وقضاء ديونهم، وحملهم فى الحج والجهاد، وذلك قول رسول الله ﷺ، لما أُنزل عليه: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ «وهو أبٌ لهم»، فلما جعله الله أبًا للمؤمنين لزمه ما يلزم الوالد للولد، فقال عند ذلك: «مَن ترك مالًا فلورثته، ومَن ترك دَيْنًا أو ضَيَاعًا فعلىَّ وإلىَّ»، فلزم الإمام ما لزم الرسول. فلذلك صار له من الخُمس ثلاثة أسهم.
"والمؤلف يرى أن الله تعالى عوّض يتامى آل البيت ومساكينهم وأبناء سبيلهم بما
 
٢ ‏/ ١٣٤
 
خُصوا به من هذه السهام عن الصدقات التى حُرِّمت عليهم ومُنعوا من أخذها لكونهها أوساخ الناس، ويروى فى ذلك أخبارًا كثيرة عن علماء آل البيت«.
وعندما فسَّر المؤلف قوله تعالى فى الآية [٧] من سورة الحشر: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى﴾ ... الآية، نقل من الكافى عن أمير المؤمنين أنه قال:»نحن والله الذين عنى الله بـ «ذى القُرْبَى» الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه فقال: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين﴾ منا خاصة ولم يجعل لنا سهمًا فى الصدقة.. أكرم الله نبيه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما فى أيدى الناس«. * *
* الاستنباط:
ويرى ملا محسن أن الاستنباط لا يجوز لأحد من الأُمة إلا للأئمة، لأنهم هم المعصومون عن الخطأ، أما من عداهم فليس له هذه العصمة، ولهذا نراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٨٣] من سورة النساء: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف﴾ مما يوجب الأمن والخوف، ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ فشوه. قيل: كان قوم من ضعفه المسلمين إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله ﷺ أو أخبرهم الرسول بما أُوحى إليه من وعد بالظفر أو تخويف من الكفرة أذاعوه، وكانت إذاعتهم مفسدة، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ ردوا ذلك الأمر، ﴿إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ قيل: أى يستخرجون تدبيره بتجاربهم وأنظارهم. فى الجوامع عن الباقر: هم الأئمة المعصومون. والعياشى عن الرضا: يعنى آل محمد ﷺ وهم الذين يستنبطون من القرآن، ويعرفون الحلال والحرام، وهم حُجَّة الله على خلقه. وفى الإكمال عن الباقر: مَن وضع ولاية الله وأهل استنباط علم الله فى غير أهل الصفوة من بيوتات الأنبياء فقد خالف أمر الله ﷿، وجعل الجُهَّال وُلاة أمر الله، والمتكلفين بغير هدى زعموا أنهم أهل استنباط علم الله فكذبوا على الله وزاغوا عن وصية الله وطاعته، فلم يضعوا فضل الله حيث وضعه الله ﵎، فضلُّوا وأضلُّوا أتباعهم، فلا تكون لهم يوم القيامة حُجَّة».
* *
* موقف المؤلف من مسائل علم الكلام:
والمؤلف كغيره من الشيعة متأثر إلى حد ما بتعاليم المعتزلة وآرائهم الكلامية، فهو يوافقهم فى بعض المسائل، ويخالفهم فى بعض آخر منها. وإنَّا لنلحظ هذا التأثر فى تفسيره للآيات التى لها ارتباط بالمسائل الكلامية، وإليك بعض المثل التى وافق فيها المعتزلة، وبعض المثل التى خالفهم فيها:
*
 
٢ ‏/ ١٣٥
 
أفعال العباد:
يرى صاحبنا أن العبد يخلق أفعال نفسه، ويوافق برأيه هذا رأى المعتزلة القائلين بخلق العباد أفعال أنفسهم. ولهذا نراه يتأثر بهذه العقيدة فى تفسيره. فمثلًا عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [١٢٣] من سورة الأنعام: ﴿وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا﴾ ... الآية، نراه يفر من نسبة هذا الجعل إلى الله تعالى فيقول: «.. والمعنى خليناهم وشأنهم ليمكروا ولم نكفهم عن المكر».
* *
* رؤية الله:
كذلك يوافق ملا محسن المعتزلة فى أن رؤية الله تعالى غير جائزة ولا واقعة، ولهذا نراه يتأوَّل آيات الرؤية كما تأوَّلها المعتزلة.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢٢، ٢٣] من سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .. يقول ما نصه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ القُمِّى: أى مشرقة، ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: ينظرون إلى وجه الله أى إلى رحمته ونعمته. وفى العيون عن الرضا قال: يعنى مشرقة تنتظر ثواب ربها. وفى التوحيد والاحتجاج عن أمير المؤمنين فى حديث قال: ينتهى أولياء الله بعد ما يُفرغ من الحساب إلى نهر يسمى «الحيوان»، فيغتسلون فيه ويشربون منه فتبيض وجوههم إشراقًا، فيذهب عنهم كل قذى ووعث، ثم يُؤمرون بدخول الجنَّة، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وإنما نعنى بالنظر إليه النظر إلى ثوابه ﵎. وزاد فى الاحتجاج: والناظرة فى بعض اللغة هى المنتظرة، ألم تسمع إلى قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون﴾ [النمل: ٣٥] .. أى منتظرة«.
* الشفاعة:
ويخالف المؤلف المعتزلة فى القول بالشفاعة فهو يرى أنها جائزة وواقعة يوم القيامة، وأهل البيت يشفعون للعصاة من شيعتهم، ولهذا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٨] من سورة البقرة: ﴿واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ ... الآية، نراه ينقل من تفسيره الإمام عن الصادق أنه قال:»هذا يوم الموت فإن الشفاعة والفداء لا يُغنى عنه، فأما القيامة فإنَّا وأهلنا نجزى عن شيعتنا كل جزاء، ليكونن على الأعراف بين الجنَّة والنار: محمد، وعلىّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، والطيبون من آلهم، فنرى بعض شيعتنا فى تلك العرصات، فمَن كان منهم مُقصِّرًا وفى بعض شدائدها فنبعث عليهم خيار شيعتنا كسلمان، والمقداد، وأبى ذر، وعمَّار، ونظرائهم فى العصر الذى يليهم، ثم فى كل عصر إلى يوم القيامة، فينقضوُّن عليهم كالبزاة والصقور، ويتناولونهم كما تتناول البزاة والصقور صيدها،
 
٢ ‏/ ١٣٦
 
فيزفونهم إلى الجنة زفًا، وإنَّا لنبعث على آخرين من محبينا خيار شيعتنا كالحمام فيلتقطونهم من العرصات كما يلتقط الطير الحب وينقلونهم إلى الجنان بحضرتنا، وسيؤتى بالواحد من مُقصِّرى شيعتنا فى أعماله بعد أن حاز الولاية والتقية وحقوق إخوانه ويوقف بإزائه مائة أو أكثر من ذلك إلى مائة ألف من النُّصَّاب فيقال له: هؤلاء فداؤك من النار، فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنَّة وأُولئك النُّصَّاب النار، وذلك ما قال الله ﷿ فى الآية [٢] . من سورة الحجر: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ يعنى: بالولاية، ﴿لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ فى الدنيا، منقادين للأئمة، ليُجعل مخالفوهم من النار فداؤهم».
* *
* السحر:
كذلك يخالف المؤلف المعتزلة فى القول بالسحر، فهو يعترف بحقيقته ولا ينكر أن النبى ﷺ سُحر، ولهذا نراه عند تفسيره لسورة الفلق يقول ما نصه: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ [الفلق: ٤] ومن شر النفوس أو النساء السواحر اللواتى يعقدن عقدًا فى خيوط وينفثن عليها، والنفث: النفخ مع ريق.. ثم ذكر الحديث الذى فيه أن رسول الله ﷺ سُحِر بفعل لبيد ابن الأعصم.
* *
* روايته للأحاديث الموضوعة:
ثم لا يفوتنا أن ننبه على أن هذه الأحاديث التى يرويها المؤلف فى تفسيره عن رسول الله ﷺ أو عن أهل البيت كشاهد لصحة ما يقول، هى فى الغالب مكذوبة موضوعة لا أصل لها، وقد مَرّ بك الكثير من هذه الروايات، وهى ناطقة على نفسها بالوضع، فلستُ فى حاجة إلى بيان وضعها بميزان نقد الرواة، إذ نحن فى غنى عن هذا بعد ما حمل الحديث تكذيب نفسه بنفسه فى ثنايا ألفاظه ومعانيه. والمصنف بعد هذا لا يفوته أن يذكر فى نهاية تفسير كل سورة من الروايات عن أهل البيت ما يشهد لفضل هذه السورة، وما أعد الله لقارئها من الأجر والثواب، وفى اعتقادى أن هذه الروايات لا تعدو أن تكون مكذوبة كالروايات المنسوبة إلى أُبَىّ وابن عباس فى فضائل السور، وليس بغريب أن يذكر صاحبنا مثل هذه الروايات المكذوبة فى تفسيره بعد ما سوَّد كتابه من أوله إلى آخره بالأحاديث الموضوعة على رسول الله ﷺ وعلى آل بيته عليهم رضوان الله.
* * *
 
٢ ‏/ ١٣٧
 


٥- تفسير القرآن (للسيد عبد الله العلوى)

* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو السيد عبد الله بن محمد رضا، العلوى، الحسينى، الشهير بشبَّر، وُلِد بأرض النجف سنة ١١٨٨ هـ (ثمان وثمانين ومائة بعد الألف من الهجرة النبوية) .. ثم ارتحل مع والده إلى الكاظمية ومكث بها إلى أن مات سنة ١٢٤٢ هـ (اثنتين وأربعين ومائتين بعد الألف من الهجرة) . كان فى نظر أصحابه من أعيان الشيعة وفضلائهم، فقيهًا، محدِّثًا، مفسِّرًا متبحرًا، جامعًا لعلوم كثيرة، آية فى الأخلاق. تلقى العلم على والده، وعلى الإمام الكبير السيد محسن الأعرجى، وقد تتلمذ عليه خلق كثير، لأنهم كانوا يعتبرونه عَلَمًا من أعلام الشيعة، وشخصية علمية بارزة لها مكانها ومقدارها. ولقد عكف مدة حياته العلمية على التأليف والتصنيف حتى أخرج للناس مع سنه الذى لم يتجاوز الأربع والخمسين سنة كتبًا كثيرة ومصنفات عديدة نذكر منها:
١ - الدرر المنثورة فى المواعظ المأثورة عن الله تعالى والنبى والأئمة الطاهرين ﵈ والحكماء.
٢ - رسالة فى حِجَّية خبر واحد.
٣ - إعمال السُّنَّة. كتاب على نمط زاد المعاد للمجلسى.
٤ - رسالة فى حِجِّية العقل والحسن والقبح العقليين.
٥ - مصباح الظلام فى شرح مفاتيح شرائع الإسلام.
٦ - قصص الأنبياء.
٧ - البرهان المبين فى فتح أبواب علوم الأئمة المعصومين.
٨ - كتاب شرح نهج البلاغة.
٩ - صفوة التفاسير فى ستين ألف بيت.
١٠ - الجوهر الثمين فى تفسير القرآن المبين.. فى مجلدين فى ثلاثين ألف بيت.
١١ - التفسير الوجيز، مجلد واحد فى ثمانية عشر ألف بيت. ولعل هذا التفسير هو الذى فى أيدينا.
وهناك مؤلفات أخرى كثيرة مذكورة فى ترجمته لا نطيل بذكرها.
* *
* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
هذا التفسير يجرى على مذهب الإمامية الإثنا عشرية، من حمل ألفاظ القرآن
 
٢ ‏/ ١٣٨
 
الكريم على معان تتفق وأصول المذهب وتعاليمه، مع شئ من التعصب والغلو فى التنويه بشأن أهل البيت والحط من قدر الصحابة الذين يعتبرهم غير موالين لعلىّ وذُرِّيته. والكتاب مختصر فى ألفاظه، موجز فى عباراته، مع تضمنه للمعانى الكثيرة الدقيقة، فهو أشبه ما يكون بتفسير الجلالين من جهة إفادة المعانى كثيرة، والنكات الخفية الدقيقة، بعبارة سهلة موجزة.
ولقد حرص المؤلف فيه على أن يكون جُلّ اعتماده على ما ورد من التفسير عن أهل البيت، وإن كان لا يعزو كل قول إلى قائله فى الغالب، كما حرص على أن ينصر مذهبه ويدافع عنه سواء فى ذلك ما يتعلق بأُصول المذهب أو بفروعه، وهو بعد ذلك يشرح الآيات التى لها صلة بمسائل علم الكلام شرحًا يتفق أحيانًا كثيرة مع مذهب المعتزلة، وأحيانًا مع مذهب أهل السُّنَّة. وذلك راجع إلى أنه يأخذ بمذهب المعتزلة فى بعض المسائل، وبمذهب أهل السُّنَّة فى بعض آخر منها، شأن الكثير الغالب من علماء الإمامية الإثنا عشرية. ثم لا يفوت المؤلف فى تفسيره هذا أن يشير إلى بعض مشكلات القرآن التى ترد على ظاهر النظم الكريم. ثم يجيب عنها. كما لا يفوته أن يكشف لنا عن كثير من النكات اللَّفظية والبيانية والمعنوية، مع الخوض أحيانًا فى المعانى اللُّغوية والمسائل النحوية، كل هذا - كما قلت - فى أسلوب ممتع لا يمل قارئه من تعقيد ولا يسأم من طول.
ولقد وصف المؤلف تفسيره هذا، وبيَّن مسلكه فيه فقال فى مقدمته:
«هذه كلمات شريفة، وتحقيقات منيفة، وبيانات شافية، وإشارات وافية، تتعلق ببعض مشكلات الآيات القرآنية، وغرائب الفقرات الفرقانية. وتتحرى غالبًا ما ورد عن خُزَّان أسرار الوحى والتنزيل، ومعادن جواهر العلم والتأويل، والذين نزل فى بيوتهم جبرائيل، بأوجز إشارة، وألطف عبارة، وفيما يتعلق بالألفاظ والأغراض والنكات البيانية تفسير وجيز، فإنه ألطف التفاسير بيانًا وأحسنها تبيانًا مع وجازة اللَّفظ وكثرة المعنى».
هذا.. وقد أتم المؤلف تفسيره هذا - كما قال فى خاتمته - فى جمادى الأولى سنة ١٢٣٩ هت (تسع وثلاثين ومائتين بعد الألف من الهجرة) والكتاب مطبوع فى مجلد واحد كبير الحجم، وموجود بدار الكتب المصرية، وإليك بعض ما يكشف عن منهج هذا التفسير:
* تعصب المؤلف لأصول مذهبه وأثر ذلك فى تفسيره:
هذا.. وإن المؤلف بحكم عقيدته وهواه يتأثر فى تفسيره بتعاليم الإمامية
 
٢ ‏/ ١٣٩
 
الإثنا عشرية وأُصول مذهبهم، فلا يكاد يمر بآية يلمح منها حُجَّة لمذهبه أو دفعًا لمذهب مخالفيه إلا فسَّرها كما يحب ويهوى.
* الإمامة:
فمثلًا نراه يتأثر بعقيدته فى الإمامة عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. فيذكر أنها «نزلت فى علىّ ﵇ حين سأل سائل وهو راكع فى صلاته فأومأ إليه بخنصره فأخذ خاتمه منها».. ويدَّعى إطباق أكثر المفسِّرين على ذلك واستفاضة الروايات فيه من الجانبين - جانب الموافقين وجانب المخالفين - ثم يقول بعد ذلك: «وتدل - يعنى الآية - على إمامته دون مَن سواه، للحصر وعدم اتصاف غيره بهذه الصفات، وعَبَّر عنه بصيغة الجمع تعظيمًا، أو لدخول أولاده الطاهرين».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦٧] من سورة المائدة أيضًا: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ... الآية، يروى عن أهل البيت وابن عباس وجابر: «أن الله أوحى إلى نبيه أن يستخلف عليًا، فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه فنزلت، فأخذ بيده فقال: ألستُ أولى بكم من أنفسكم»؟ قالوا: بلى.. قال: «مَن كنت مولاه فعلىّ مولاه».
* كل إمام يوصى لمن بعده:
ويدين المؤلف بأن الأمر الإمامة ليس موكولًا لأحد من الناس، بل كل إمام يوصى لمن بعده، ولهذا نراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٨] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ .. الآية، يعترف بأن الأمر يعم كل مكلَّف وكل أمانة.. ثم يقول: «وعنهم ﵈ أنه أمر لكل واحد من الأئمة أن يسلم الأمر لمن بعده».
وفى سورة الأحزاب عند قوله تعالى فى الآية [٣٦]: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ... الآية، يقول: «وفيه رد على من جعل الإمامة بالاختيار».
* *
* وجود الأئمة فى كل زمان وعصمتهم، ووجوب الرجوع إليهم عند الاختلاف دون غيرهم:
ولما كان المؤلف يرى أنه لا يخلو كل زمان من إمام، وأن الأئمة لهم من الله العصمة
 
٢ ‏/ ١٤٠
 
كالأنبياء وليس هذا لغيرهم، فإنه يوجب الرجوع إليهم عند الاختلاف وعدم وجود نص من الكتاب أو السُّنَّة، وأما مَن عداهم من الناس فلا يصح الرجوع إليه بحال من الأحوال، لأن غير المعصوم لا يُرجع إليه، ولا يُؤخذ برأيه فى مسائل الخلاف.
يقول المؤلف هذا ويدين به فنجده يتأثر به فى تفسيره، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٩] من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ .. الآية، يقول:»دَلَّ على وجود أُولى الأمر فى كل زمان، بحيث يجب طاعتهم لعلمهم وفضلهم، وعصمتهم، ولا ينطبق إلا على مذهب الإمامية.. وعنهم ﵈: إيانا عنى خاصة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا. ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ﴾ أيها المأمورون، ﴿فِي شَيْءٍ﴾ من أُمور الدين،. ﴿فَرُدُّوهُ﴾ فراجعوا فيه، ﴿إِلَى الله﴾ إلى محكم كتابه، ﴿والرسول﴾ بالأخذ لسُنَّته، والمراجعة إلى من أمر بالمراجعة إليه، فإنها رد إليه. وقرئ: «فإن خفتم تنازعًا فى شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أُولى الأمر منكم».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٨٣] من سورة النساء أيضًا: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ .. يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ﴾ هم آل محمد ﵈، ﴿لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يستخرجون تدبيره بأفكارهم وهم آل محمد ﵈.
* *
* الرجعة:
والمؤلف يدين بالرجعة ويتأثر بها، فمثلًا فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢، ٣] من سورة البقرة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ .. نجده يُفسِّر الغيب: «بما غاب عن حواسهم من معرفة الصانع، وصفاته، والنبوة، وقيام القائم، والرجعة، والبعث، والحساب، والجنَّة والنار».
ومثلًا فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٦] من سورة البقرة أيضًا: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .. يقول: «وفيه حُجَة على صحة البعث والرجعة».
* *
* التقيَّة:
ولتأثر المؤلف بعقيدته فى التقيَّة نجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٨] من سورة آل عمران: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين وَمَن يَفْعَلْ
 
٢ ‏/ ١٤١
 
ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ... الآية، يقول: «رخَّص لهم إظهار موالاتهم إذا خافوهم مع إبطال عداوتهم وهى التقيَّة التى تدين بها الإمامية، ودلت عليها الأخبار المتواترة وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦] .
* *
* تحريف القرآن:
كذلك نجد شبَّرًا يعتقد بأن القرآن بُدِّل وحُرِّف، ولما اصطدم بقوله تعالى فى الآية [٩] من سورة الحِجْر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، نجحده يتفادى هذا الاصطدام بالتأويل فيقول: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ عند أهل الذكر واحدًا بعد واحد إلى القائم، أو فى اللَّوح.. وقيل: الضمير للنبى».
* *
*آيات العتاب:
والمؤلف يكبر عليه معاتبة الله لنبيه محمد ﷺ على أمر من الأُمور، فيحاول بكل ما يستطيع أن يُحوِّل العتاب إلى غير النبى ﷺ.
فمثلًا عتاب الله لنبيه ﷺ فى شأن ابن أُم مكتوم يشق على شبَّر أن يكون مقصودًا به النبى، فنراه يقتصر على ما روى عن أهل البيت من أن آيات العتاب «نزلت فى رجل من بنى أُميَّة، كان عند النبى ﷺ فجاء ابن أُم مكتوم فلما رآه تقذَّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه».
* *
* طعنه على الصحابة:
وإنَّا لنلاحظ على المؤلف أنه يطعن على الصحابة ويرميهم بالكفر أو ما يقرب منه، ويجردهم من كل فضل نُسب إليهم فى القرآن تنقيصًا لهم، وحطًا من قدرهم.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٠] من سورة التوبة: ﴿ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِي الغار إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ ... الآية، نجده يعرض عن تعيين هذا الذى صحب النبى ﷺ فى هجرته، وهو أبو بكر، ثم يُصرِّح أو يُلمِّح بما ينقص من قدره، أو يذهب بفضله المنسوب إليه والمنوَّه به فى القرآن الكريم فيقول: ﴿ثَانِيَ اثنين﴾ حال أى معه واحد لا غير، ﴿إِذْ هُمَا فِي الغار﴾ نقب فى ثور، وهو جبل بقرب مكة، ﴿إِذْ﴾ بدل ثان، ﴿يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ - ولا مدح فيه إذ قد يصحب المؤمن الكافر كما قال: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧]- ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾ فإنه خاف على نفسه وقُبض واضطرب حتى كاد أن يدل عليهما فنهاه عن ذلك، ﴿إِنَّ الله مَعَنَا﴾ عالم بنا. ﴿مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ
 
٢ ‏/ ١٤٢
 
هُوَ رَابِعُهُمْ ...﴾ ... . إلى قوله. ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]: أى عالِم بهم. ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ طمأنينته، ﴿عَلَيْهِ﴾ على الرسول. وفى إقرانه ﷺ ههنا مع اشتراك المؤمنين معه حيث ذكرت ما لا يخفى، وجعل»الهاء«لصاحبه ينفيه كونها للرسول قبل وبعد.. إلخ».
* *
* تعصبه لآل البيت:
ولقد مَرَّ بنا عند قراءتنا فى هذا التفسير، الكثير مما يدل على تعصب المؤلف لآل البيت تعصبًا ممقوتًا مرذولًا، فتارة نجده يصرف اللفظ العام إلى علىّ رضى الله عنه، كما فعل فى الآية [٤] من سورة التحريم عند قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، فإنه صرف لفظ «صالح المؤمنين» عن عمومه وادَّعى أنه خاص بأمير المؤمنين علىّ ﵇، كما ادَّعى رواية العامة والخاصة لذلك.
كما نجده يحاول أن يأخذ من القرآن ما يدل على أن آل البيت كانوا معروفين لدى الأُمم السابقة وأنبيائهم يتوسلون بهم إلى الله، فيكشف عنهم الغُمَّة، ويزحزح عنهم الكُرْبة.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٤] وما بعدها من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لأَدَمَ﴾ ... إلى آخر القصة، نجده يدَّعى أن السجود لآدم إنما كان «لما فى صلبه من نور محمد ﷺ وأهل بيته»، ويدَّعى أن الكلمات التى تلقاها آدم من ربه ليتوب عليه هو «التوسل فى دعائه بمحمد ﷺ وآله الطيبين».
ومثل هذا التعصب كثير فى مواضع من هذا التفسير.
* *
* علم القرآن كله عند آل البيت:
والمؤلف يدَّعى - كغيره من الإمامية الإثنا عشرية - أن علم القرآن كله عند أهل البيت دون غيرهم، وأنَّا لنجد أثر هذا واضحًا فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧] من سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم﴾ ... الآية، وذلك حيث يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ تأويل القرآن كله الذى يجب أن يُحمل عليه ﴿إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم﴾ الثابتون فيه ومَن لا يُختلف فى علمه.. عن الصادق ﵇: نحن الراسخون فى العلم، ونحن نعلم تأويله. ومَن وقف مِن الجمهور على «الله»، فسَّر المتشابه بما استأثر الله تعالى بعلمه كوقت قيام الساعة ...
 
٢ ‏/ ١٤٣
 
نحوه». * *
* تأثر المؤلف فى تفسيره بفروع الإمامية الفقهية:
ثم إن المؤلف يجرى فى تفسيره لآيات الأحكام على وفق ما يأخذ به ويميل إليه من اجتهادات فقهاء الإمامية.
* نكاح المتعة:
فمثلًا نجده يتأثر برأيه الذى يقول بجواز نكاح المتعة وعدم نسخه. فنراه عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٤] من سورة النساء: ﴿... وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ... الآية، يقول: «والمراد به نكاح المتعة بإجماع أهل البيت، ويدل عليه قراءة أُبَىّ وابن عباس وابن مسعود:»فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى«، ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن، ﴿فَرِيضَةً﴾ من الله ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة﴾ من استئناف عقد آخر بعد انقضاء المدة بزيادة فى الأجر والمدة».
* *
* فرض الرِجْلين فى الوضوء:
ولما كان المؤلف يرى أن فرض الرِجْلين فى الوضوء هو المسح لا الغسل، فإنَّا نراه يشير إلى ذلك عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦] من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ ... الآية، فيقول: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ .. بالجر كما عن حمزة وابن كثير وأبى عمرو.. ونصبه الباقون عطفًا على «رُءُوسِكُمْ» محلًا«.
* *
* الغنائم:
كذلك يقول المؤلف بما يقول به علماء مذهبه فى تفسير خُمس الغنائم، ويجرى على مذهبه فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤١] من سورة الأنفال: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ ... الآية، فيقول: ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ خبر محذوف، أو مبتدأ، أى فالحكم أو فواجب أن الله خُمُسه، ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى﴾ الإمام، ﴿واليتامى﴾ يتامى الرسول، ﴿والمساكين﴾ منهم، ﴿وابن السبيل﴾ منهم».
وفى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧] من سورة الحشر: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ ...
 
٢ ‏/ ١٤٤
 
الآية. يقول مثل ما قاله فى الآية السابقة وينبه على أنه مَرَّ فى الأنفال نحوه.
* *
* ميراث الأنبياء:
ونجد شبَّرًا يقول بأن الأنبياء يُوَرِّثون المال كسائر الناس، ولهذا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٥، ٦] من سورة مريم: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امرأتي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ واجعله رَبِّ رَضِيًّا﴾ .. يقول ما نصه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي﴾ الذين يلونى فى النسب، وهم بنو عمه، ﴿مِن وَرَآئِي﴾ بعد موتى أن يرثوا مالى فيصرفوه فيما لا ينبغى، إذ كانوا أشرارًا ﴿وَكَانَتِ امرأتي عَاقِرًا﴾ لا تلد ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا﴾ ابنًا، ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ... إلخ».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٦] من سورة النمل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: «وورث سليمان داود ماله ومُلْكه، وقيل: نبوته وعلمه، بأن قام مقامه فى ذلك بدون سائر بنيه وهم تسعة عشر، والأول مروى».
* *
* نكاح الكتابيات:
ولكن نرى المؤلف فى مسألة نكاح الكتابيات يميل إلى القول بالحلِّ وعدم الحُرْمة، ففى قوله تعالى فى الآية [٥] من سورة المائدة: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ ... الآية، يقول: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ ظاهره حل نكاح كل كتابية ذمِيَّة أو حربية، دائمًا، أو منقطعًا، أو ملكًا.. فيخص آية: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات﴾ إن شملت الكتابية.. وعن الباقر ﵇ أنه منسوخ بتلك«.
وعند قوله تعالى فى الآية [١٠] من سورة الممتحنة: ﴿وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر﴾ .. نراه يمر عليها بدون أن يتعرَّض لهذا الموضوع أصلًا». * *
* تأثره بمذهب المعتزلة فى تفسيره:
والمؤلف كغيره من علماء الإمامية الإثنا عشرية ينظر إلى بعض المسائل الكلامية نظرة المعتزلة إليها، ويقول بما يقولون به فى كثير من أُمور العقائد، كما يخالف أهل الاعتزال فى بعض منها ويقول بما يقول به أهل السُّنَّة، وإننا لنلمس أثر ذلك واضحًا جليًا فى تفسيره لكتاب الله تعالى.
 
٢ ‏/ ١٤٥
 
* حرية الإرادة وخلق الأفعال:
فمثلًا نجد المؤلف يوافق المعتزلة فى أن العبد حُرٌ فى إرادته. خالق لأفعاله كلها، ولهذا نراه كلما اصطدم بآية من الآيات التى تدل على أن الله هو الذى يخلق أفعال العباد، لجأ إلى التأويل الذى يتفق مع عقيدته هذه.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٧] من سورة البقرة: ﴿... خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ .. نراه يفر من نسبة الختم إلى الله تعالى ويقول: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ﴾ وسمها بسمة يعرفها مَن يشاء من ملائكته وأوليائه، إذا نظروا إليها علموا بأنهم لا يؤمنون. وعن الرضا ﵇: الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم - كما قال تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]- ﴿وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ غطاء.. (أقول): ويمكن أن يكون تهكمًا حكاية لقولهم: ﴿قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] أى فى الآخرة. والتعبير بالماضى لتحققه، ويشهد له قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] .
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٠٨] من سورة الأنعام: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ .. الآية، نراه يفر من نسبة التزيين إلى الله فيقول: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ .. أى لم نكفهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زينَّه لهم».
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١١٢] من السور نفسها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ ... الآية، يتخلص من نسبة الجعل هنا إلى الله تعالى بتأويله بالتخلية فيقول: «أسند الجعل إليه تعالى لأنه بمعنى التخلية، أى لم يمنعهم من العداوة».
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٢٥] من السور نفسها: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ... الآية، نراه يخرج من هذه الورطة بإرادة معنى اللطف والخذلان فيقول: ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ﴾ أى يلطف به ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ بأن يفسح فيه ويُنوِّر قلبه، ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ أى يمنعه آلطافه حتى ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الإيمان".
 
٢ ‏/ ١٤٦
 
* رؤية الله:
ولقد تأثر المؤلف أيضًا فى تفسيره باعتقاده بعدم رؤية الله وعدم وقوعها، ولهذا لما فسَّر قوله تعالى فى الآية [١٤٣] من سورة الأعراف: ﴿قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولاكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ ... الآية، قال ما نصه: ﴿قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ روى لما كرر سؤال الرؤية أوحى الله إليه: يا موسى سلنى ما سألوك فلن أُؤاخذك بجهلهم، ﴿قَالَ لَن تَرَانِي ولاكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ علق على المحال، ﴿فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ أى أظهر له أمره واقتداره أو نوره وعظمته، ﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ تنزيها لك عما لا يليق بك من الرؤية وغيرها، ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من طلب الرؤية، أو السؤال بلا إذن، ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾ بأنك لا تُرى».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢٢، ٢٣] من سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .. يقول: «ناظرة إلى رحمته وإنعامه».
* *
* غفران الذنوب:
ولما كان المؤلف يخالف المعتزلة فى بعض معتقداتهم، فإنَّا نراه يُفسِّر الآيات التى يستندون إليها فى بعض عقائدهم بخلاف تفسيرهم لها، فمثلًا يرى المؤلف أنه يجوز فى حق الله تعالى أن يغفر الذنوب - إلا الشرك - بدون توبة من العبد تفضلًا منه ورحمة، وهذا ما لا يقول به المعتزلة، فلهذا نجده يجرى على هذه العقيدة فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٨] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ فيقول: ﴿.. إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ﴾ أى الشرك ﴿بِهِ﴾ بدون توبة للإجماع على غفرانها بها، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ما سواه من الذنوب بدون توبة، ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ تفضلا، ومقتضاه الوقوف بين الخوف والرجاء".
وهكذا نجد هذا الكتاب يجمع بين الاختصار وسهولة العبارة مع كثير من التعصب للمذهب الشيعى، والدفاع عن أُصوله وفروعه.
* * *


٦- بيان السعادة فى مقامات العبادة (لسلطان محمد الخراسانى)


* التعريف بمؤلف هذا التفسير:
مؤلف هذا التفسير هو سلطان محمد بن حيدر الجنابذى الخراسانى أحد متطرفى الإمامية الإثنا عشرية فى القرن الرابع عشر الهجرى.
* *
*
 
٢ ‏/ ١٤٧
 
قيمة هذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
يعطينا هذا التفسير لونا آخر من ألوان التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية، وذلك لأن كل ما تقدم لنا من كتبهم فى التفسير يكاد يكون متفقًا على لون واحد، وهو نقل ما جاء فى التفسير عن الأئمة وآل البيت، وما كان من تفاوت بينها فهو لا يعدو أن يكون تفاوتًا بمقدار ما بين مؤلفيها من اعتدال فى التشيع أو غلو فيه، وبمقدار ما بينهم من تفاوت فى القدرة على تأييد مذهبهم وتدعيم أُصوله بالأدلة والبراهين.
أما هذا الكتاب الذى نحن بصدده فقد سلك مؤلفه فيه مسلكًا غير هذا المسلك، مما جعل له لونًا مخالفًا للون تلك الكتب السابقة، ذلك أن المؤلف وإن كان يعتقد كغيره من علماء مذهبه أن علم القرآن كله عند الأئمة، إلا أنه لم يعتمد فى تفسيره على هذه الناحية كل الاعتماد، بل تراه يمزج بها التفسير الصوفى الذى يقوم على الرموز والإشارات، كما يخلط بالتفسير كثيرًا من البحوث الفلسفية الدقيقة. والذى يقرأ هذا الكتاب ويتتبع ما فيه من الشطحات الصوفية العميقة فى إدراكها، الغريبة فى لفظها وأسلوبها، لا يسعه إلا أن يحكم على الكتاب بأنه مغلق فى إدراك معانيه، عسير فى فهم مراده ومراميه. وأنا إذ أحكم على الكتاب هذا الحكم لا أكون مغاليًا ولا متجنيًا فيما حكمت، فكثيرًا ما قرأت فيه العبارة المرة بعد المرة، ولا أخرج منها إلا بالمعنى القاصر المبتور، بعد أن يرتد إلىَّ البصر خاسئًا وهو حسير، ويرجع الذهن عاجزًا عن الفهم وهو كليل.. وربما أكون واهمًا فى هذا الحكم، لقصور معرفتى باصطلاحات القوم، وعدم وقوفى على أُصول مذهبهم ومرامى رموزهم التى يرمزون بها.. ولو تيسر لى ذلك لجاز أن يكون لى حكم على هذا التفسير مغاير لهذا الحكم، ورأى فيه مخالف لهذا الرأى..
والذى نلحظه فى هذا التفسير بعد ذلك: أنه يدافع عن أُصول مذهبه ويطيل فى دفاعه، مع تعصب كبير، وتطرف بالغ إلى درجة الغلو والعناد. أما فروع المذهب ومسائله الاجتهادية الفقهية، فيمر عليها مرًا سريعًا بدون تفصيل للأدلة وبيان لوجهة النظر، كما نلاحظ فيه أنه لا يقتصر على النقل من تفاسير الشيعة بل ينقل من تفاسيرها أهل السُّنَّة أيضًا كالبيضاوى وغيره، وكثيرًا ما ينقل بعض العبارات الفارسية لبعض العلماء كشاهد على ما يقول.
وبالجملة.. فالكتاب يكاد فى جملته أن يكون تفسيرًا جاريًا على النمط الذى يجرى عليه الصوفية فى تفاسيرهم، ويظهر أن مؤلفه كان يقصد هذا اللون الصوفى فى تفسيره أولًا، وبالذات، يدلنا على ذلك هذه العبارة التى نقتطفها من مقدمة تفسيره وهى قوله: ".. وقد كنت نشيطًا منذ أوان اكتسابى للعلوم وعنفوان شبابى بمطالعة
 
٢ ‏/ ١٤٨
 
كتب التفاسير والأخبار ومدارستها، ووفقنى الله تعالى لذلك، وقد كان يظهر لى فى بعض الأحيان من إشارات الكتب وتلويحات الأخبار لطائف ما كنت أجدها فى كتاب ولا أسمعها من خطاب، فأردت أن أُثبتها فى وريقات، وأجعلها نحو تفسير للكتاب، لتكون تذكرة لى ولإخوانى المؤمنين، وتنبيهًا لنفسى ولجملة الغافلين، راجيًا من الله أن يجعلها لى ذخيرة ليوم الدين، ولسان صدق فى الآخرين وهو جدير بأن يسمى: «بيان السعادة فى مقدمات العبادة».
فأنت ترى أن المؤلف يقرر فى هذه العبارة أن تفسيره هذا عبارة عن مجموعة تلك الإشارات والتلويحات التى فتح الله بها عليه ولم يُسبق إليها، فلو أَنَّا جعلناه ضمن تفسير الصوفية لما كنا بعيدين عن وجهة الحق والصواب، ولكنا آثرنا أن نجعله ضمن تفاسير الإمامية الإثنا عشرية، لما فيه من اللَّون المذهبى والأثر الشيعى البالغ حد التطرف والغلو حتى فى ناحيته الصوفية والفلسفية. والكتاب مطبوع فى جزءين، وموجود بدار الكتب المصرية، آخره ما يدل على أن مؤلفه فرغ منه سنة ١٣١١هـ.
وأرى قبل كل شئ أن أسوق للقارئ الكريم أهم الآراء التى يقول بها المصنِّف ويجهر بها فى مقدمة تفسيره، ثم أعرض بعد هذا لتوضيح مسلكه الذى سلكه فى هذا التفسير بما أذكره ضمن النماذج المختلفة. وإليك أهم هذه الآراء:
* الإمامية الإثنا عشرية والمهدى المنتظر:
يدين صابحنا بأن عليًاَ أول العترة، ووارث علم محمد ﷺ، وبعده الأحد عشر من ولده، وأن الحادى عشر منهم غائب قائم منتظر لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج ويملأ الأرض قِسْطًا وعدلًا، كما مُلئت ظلمًا وجورًا، وأن هؤلاء الإثنا عشر أئمته وشفعاؤه يوم القيامة.
* *
* القرآن والعترة:
ويعتقد المؤلف أن القرآن دليل العترة، وأن العترة مبينون للقرآن، ويقول: «إن القرآن إمام صامت، والعترة إمام ناطق»، كما يقول: "إن محبة العالِم من العترة وتعظيمه، والنظر إليه، والجلوس عنده، واستماع قوله وسماعه، والتدبر فى أفعاله وأحواله وأخلاقه، والتفكر فى شئونه والتسليم له والمتشابهات ما منه، وتخلية بيت القلب لنزوله بملكوته فيه، بملاحظة أنه حبل الله الممدود إلى الناس من غير عناد منه من أعظم العبادات. كذلك تعظيم القرآن، والنظر فى سطوره، واستماع كلماته وسماعها، والتدبر فى عباراته، والتفكر فى إشاراته ولطائفه، وتخلية بيت القلب
 
٢ ‏/ ١٤٩
 
لتجلى حقائقه، واتباع أحكامه وتسليم متشابهاته من أعظم العبادات إذا كان بلحاظ كونه حبلًا ممدودًا من الله».
* *
* علم القرآن جميعه عند محمد والأوصياء:
ويعتقد المؤلف أن علم القرآن جميعه عند النبى ﷺ والأئمة، أما مَن عداهم فعلمهم بمعانى القرآن قاصر لا يبلغ المبلغ الذى خُصَّ به النبى والأئمة، وذلك فى نظره راجع إلى تفاوت المقامات التى يتفاوت العلم بتفاوتها. ونظرية تفاوت المقامات التى يتفاوت من أجلها العلم بمعانى القرآن، نظرية فلسفية صوفية شيعية، وإليك نص عبارة المؤلف فى الفصل العاشر من مقدمة كتابه لتكون على بصيرة بها..
يقول المؤلف ما نصه: «الفصل العاشر: إن علم القرآن بتمام مراتبه منحصر فى محمد ﷺ وأوصيائه الإثنا عشر وليس لغيرهم إلا بقدر مقامه، قد مضى أن بطون القرآن وحقائقه كثيرة متعددة، وأن بطنه الأعلى وحقيقته العليا هو محمدية محمد، وعلوية علىّ، وهو مقام المشيئة التى هى فوق الإمكان، وكل نبى ووصى كان لا يتجاوز مقامه الإمكان سوى محمد ﷺ وأوصيائه، ومن لم يبلغ إلى مقام المشيئة لا يعلم ما فيه، ولا يتبين من ذلك المقام شيئًا، لأن المفسِّر لا يتجاوز فى تفسيره حد نفسه، فكل مَن علم من القرآن شيئًا أو فسَّر منه شيئًا وإن بلغ من المقامات لا يكون علمه وتفسيره بالنسبة إلى علم القرآن إلا كقطرة من بحر محيط، فإن حقيقة القرآن - التى هى حقيقة محمد وعلىّ - هى مقام الإطلاق الذى لا نهاية له، والممكن وإن كان أشرف الممكنات الذى هو العقل اإلكلى يكون محدودًا، ولا يتصور النسبة بين المحدود وغير المتناهى الغير محدود، فعلم كل عالِم ومفسِّر للقرآن بالنسبة إلى علم القرآن كقطرة إلى البحار. ولما كان مقام محمد ﷺ وعلىّ وأولاده المعصومين مقام المشيئة كان علم القرآن كله عندهم، وكان علىّ هو مَن عنده علم الكتاب كما فى الآية بإضافة العلم إلى الكتاب المفيد للاستغراق. وكان آصف هو الذى عنده علم من الكتاب. وكان إبراهيم ابتلاه ربه بكلمات معدودة لا بجملة الكلمات، مع أنه كان أكمل الأنبياء بعد نبينا. وكان محمد ﷺ يؤمن بالله وكلماته جميعًا فى قوله تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ النبي الأمي الذي يُؤْمِنُ بالله وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .. فإن»الكلمات«جمع مضاف مفيد للاستغراق، وليس المراد به الإيمان الإجمالى وإلا لشاركه غيره فيه، بل الإيمان التفصيلى، والإيمان التفصيلى لا يكون إلا بإدراك المؤمن به شهودًا وعيانًا».
* *
* تحريف القرآن وتبديله:
والمؤلف يذكر لنا رأيه بوضوح فى تحريف القرآن وتبديله فيقول ما نصه: "اعلم أنه
 
٢ ‏/ ١٥٠
 
قد استفاضت الأخبار عن الأئمة الأطهار بوقوع الزيادة والنقيصة والتحريف والتغيير فيه بحيث لا يكاد يقع شك فى صدور بعضها منهم وتأويل الجميع بأن الزيادة والنقيصة والتغيير إنما هى فى مدركاتهم من القرآن لا فى لفظ القرآن كلغة، ولا يليق بالكاملين فى مخاطباتهم العامة، لأن الكامل يخاطب بما فيه حظ العوام والخواص، وصرف اللَّفظ عن ظاهره من غير صارف، وما تواهموه صارفًا من كونه مجموعًا عندهم فى زمن النبى، وكانوا يحفظونه ويدرسونه، وكانت الأصحاب مهتمين بحفظه عن التغيير والتبديل، حتى ضبطوا قراءات القُرَّاء وكيفيات قراءاتهم.
فالجواب عنه: أن كونه مجموعًا غير مُسَلَّم، فإن القرآن نزل فى مدة رسالته إلى آخر عمره نجومًا، وقد استفاضت الأخبار بنزول بعض السور وبعض الآيات فى العام الآخر، وما ورد من أنهم جمعوه بعد رحلته، وأن عليًا جليس فى بيته مشغولًا بجمع القرآن، أكثر من أن يمكن إنكاره. وكونهم يحفظونه ويدرسونه مُسَلَّم، لكن كان الحفظ والدرس فيما كان بأيديهم، واهتمام الأصحاب بحفظه وحفظ قراءات القُرَّاء وكيفيات قراءاتهم كان بعد جمعه وترتيبه، وكما كانت الدواعى متوفرة فى حفظه، كذلك كانت متوفرة من المنافقين فى تغييره. أما ما قيل: إنه لم يبق لنا حينئذ اعتماد عليه، والحال أنَّا مأمورون بالاعتماد عليه، واتباع أحكامه، والتدبر فى آياته، وامتثال أوامره ونواهيه. وإقامة حدوده، وعرض الأخبار عليه، لا يعتمد عليه صرف مثل هذه الأخبار الكثيرة الدالة على التغيير والتحريف عن ظواهرها، لأن الاعتماد على هذا المكتوب ووجوب اتباعه، وامتثال أوامره ونواهيه، وإقامة حدوده وأحكامه، إنما هى للأخبار الكثيرة الدالة على ما ذُكِر، للقطع بأن ما بين الدفتين هو الكتاب المنزَّل على محمد ﷺ من غير نقيصة وزيادة وتحريف فيه. ويُستفاد من هذه الأخبار: أن الزيادة والنقيصة والتغيير إن وقعت فى القرآن لم تكن مخلة بمقصود الباقى منه، بل نقول: كان المقصود الأهم من الكتاب الدلالة على العترة والتوسل بهم، وفى الباقى منه حُجَّتهم أهل البيت، وبعد التوسل بأهل البيت إن أمروا باتباعه كان حُجَّة قطعية لنا ولو كان مغيرًا تغييرًا مخلًا بمقصوده، وإن لم نتوسل بهم أو لم يأمروا باتباعه، وكان التوسل به، واتباع أحكامه، واستنباط أوامره ونواهيه، وحدوده، وأحكامه، من قِبَل أنفسنا كان من قِبَل التفسير بالرأى الذى منعوا منه، ولو لم يكن متغيرًا».
* *
* نزول القرآن فى شأن الأئمة وأشياعهم وأعدائهم:
ويرى المؤلف أن القرآن نزل بتمامه فى الأئمة الإثنا عشر بوجه، ونزل فيهم وفى
 
٢ ‏/ ١٥١
 
أعدائهم بوجه، ونزل أثلاثًا: ثلث فيهم وفى أعدائهم، وثلث سُنَن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام.. بوجه. أو ثلث فيهم وفى أحبائهم، وثلث فى أعدائهم، وثلث سُنَّة ومُثل.. بوجه. ونزل أرباعًا: ربع فيهم، وربع فى عدوهم، وربع سُنَن وأمثال، وربع فرائض وأحكام.. بوجه. ويرى أن كل هذا قد أشعرت به الأخبار الواردة عن أهل البيت، ويوجه ذلك فيقول: «لما كان جميع الشرائع الإلهية والكتب السماوية لتصحيح الطريق الإنسانية، وتوجيه الخلق إلى الولاية، وكان أصل المتحققين بالطريق الإنسانية والولاية والمتحقق بالولاية المطلقة محمدًا ﷺ وعليًا وأولادهما، صح أن يقال: جملة الشرائع الإلهية وجميع الكتب السماوية نزلت فيهم وفى توجيه الخلق إليهم. وهو أيضًا وصف وتبجيل لهم. ولما كان كثير من آيات القرآن نزلت فيهم تصريحا أو تعريضًا أو تورية، وما كان فى أعدائهم لم يكن المقصود منه إلا الاعتبار بمخالفيهم والانزجار عن مخالفتهم ليكون سببًا للتوجه إليهم ولمعرفة قدرهم وعظمة شأنهم، وكان سائر آيات الأمر والنهى والقصص والأخبار لتأكد السير على الطريق الإنسانية إلى الولاية، صح أن يقال: جميع القرآن نزل فيهم، ولما كان القرآن مفصَّلًا يكون بعض آياته فيهم وفى محبيهم. وبعضها فى أعدائهم ومخالفيهم، وبعضها سُنَنًا وأمثالًا، وبعضها فرائص وأحكامًا، صح أن يقال: نزل القرآن فيهم وفى أعدائهم، أو نزل أثلاثًا أو أرباعًا، والآية الدالة على أخبار الأخيار والأشرار الماضين كلها تعريض بالأئمة وأخيار هذه الأمة وأشرارهم، مع قطع النظر عن رجوعها إليهم وإلى أعدائهم بسبب كونهم أصلا فى الخير وكون أعدائهم أصلًا فى الشر. بل نقول: كل آية ذُكِر فيها خير كان المراد بها أخيار الأُمة، وكل آية ذُكِر فيها شر كان المراد بها أشرار الأُمة، لكون الآية فيهم أو تعريضًا بهم، أو لكونهم وكون أعدائهم أصلًا فى الخير والشر».
هذه أهم آراء المصنِّف التى يراها فى القرآن وتفسيره ومُفسِّريه. وإليك بعض النماذج التى توضح لك الطريقة التى جرى عليها المصنِّف فى تفسيره، ومقدار تأثره بنزعته الصوفية، وهواه الشيعى:
* من التفسير الصوفى:
قلنا: إن هذا التفسير يغلب عليه الطابع الصوفى لكثرة ما فيه من التأويلات الإشارية، والشطحات الصوفية، والمواجيد التى تقرؤها للمؤلف فى تفسيره للآيات القرآنية، وإليك بعض المثل لتعرف مقدار طغيان هذه الناحية على باقى النواحى فى هذه التفسير:
 
٢ ‏/ ١٥٢
 
فمثلًا عندما تكلَّم عن قوله تعالى فى الآية [٧٥] من سورة النساء: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله والمستضعفين مِنَ الرجال والنسآء والولدان الذين يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هاذه القرية الظالم أَهْلُهَا واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيرًا﴾ .. يقول عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هاذه القرية﴾ ... الآية: «إن كان النزول فى ضعفاء قِلَّة فلا اختصاص لها بهم كما فى الخبر. فالقرية مكة وكل قرية لا يجد الشيعة فيها وليًا من الإمام ومشايخهم، وكل قرية وقع بها الأئمة بين منافقى الأُمة، وقرية النفس الحيوانية التى لا يجد الجنود الإنسانية فيها وليًا ويطلبون الخروج منها إلى قرية الصدر ومدينة القلب. ويسألون الحضور عند إمامهم أو مشايخهم فى بيت القلب خاليًا عن مزاحمة الأغيار بقولهم: ﴿واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيرًا﴾ .. تكرار»جعل«، لأن مقام التضرع والابتهال يناسبه التطويل والإلحاح فى السؤال، ولأن المسئول ليس شخصًا واحدًا، ولو كان واحدًا، لم يكن مسئولا من جهة واحدة، بل المسئول محمد ﷺ وعلىّ، أو المسئول محمد من جهة هدايته ومن جهة نُصْرته، وعلىّ كذلك».
«وقد بقى بين الصوفية أن يكون التعليم والتلقين بتعاضد نفسين متوافقتين، يسمى أحد الشخصين هاديًا والآخر دليلًا، والشيخ الهادى له الهداية وتولى أمور السالك فيما ينفعه ويجذبه، والشيخ الدليل ينصره لمدافعة الأعداء، ويخرجه عن الجهل والردى بدلالة طريق التوسل إلى شيخ الهدى، وفى الآية إشارة إلى أن السالك ينبغى له أن يطلب دائمًا حضوره عند شيخه بحسب مقام نورانيته ومقام صدره، وهو معنى انتظار ظهور الشيخ فى عالم الصغير، وأما ظهور الشيخ بحسب بشريته على بشرية السالك، فلا يصدق عليه أنه لدن الله، وإذا ظهر الشيخ بحسب النورانية كان وليًا من لدن الله ونصيرًا من لدنه».
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٨٧] من سورة المائدة: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين﴾ .. يقول: ".. اعلم أن الإنسان ذو مراتب عديدة بعضها فوق بعض إلى ما لا نهاية له، والتكاليف الإلهية الواردة عليه ليست لمرتبة خاصة منه، بل - ما عرفتَ سابقًا - للمفاهيم الواردة فى التكاليف مصاديق متعددة بتعدد مراتب الإنسان. بعضها فوق بعض، فكل ما ورد فى الشريعة المطهَّرة من الألفاظ فهى مقصودة من حيث مفاهيمها العامة باعتبار جميع مصاديقها بحيث لا يشذ عنها مصداق من المصاديق، فالإنسان
 
٢ ‏/ ١٥٣
 
بحسب مرتبته النباتية له محللات إلهية، وبحسب مرتبته الحيوانية أخرى، وبحسب الصدر أخرى، وبحسب القلب أخرى، وبحسب الروح أخرى، والتحريم الإلهى فى كل مرتبة بحسبه، وكذا تحريم الإنسان على نفسه، فالمحللات بحسب مرتبته الحيوانية والنباتية: ما أباح الله له من المأكول، والمشروب، والملبوس، والمركوب، والمنكوح، والمسكون، والمنظور، وبحسب الصدر: ما أباح الله له من الأفعال الإرادية، والأعمال الشرعية، والتدبيرات المعادية والمعاشية، والأخلاق الجميلة، والمكاشفات الصورية، وبحسب القلب: ما أباح الله له من الأعمال القلبية، والواردات الإلهية، والعلوم اللدنية، والمشاهدات المعنوية الكلية.. وهكذا فى سائر المراتب. والطيبات من ذلك فى كل مرتبة: ما تستلذه المدارك المختصة بتلك المرتبة، ومطلق المباح فى كل مرتبة طيب بالنسبة إلى مباح المرتبة الدانية منه، وأن الله تعالى يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه، ولا يحب الشره والاعتداء فى رخصه بحيث يؤدى إلى الانتقال إلى ما هو حرام محظور بأصل الشرع، أو بحيث يؤدى إلى صيرورة المباح حرامًا بفضل التجاوز عن حد الترخيص بالإكثار فيه، كما لا يحب الامتناع عن رخصه، فمعنى الآية: «يا أيها الذين آمنوا لا تمتنعوا من الرخص، ولا تحرِّموا - بقسم وشبهة، ولا بكسل ونحوه - على أنفسكم ما تستلذه المدارك بحسب كل مرتبة وقوة مما أباحه الله لكم، لأن الله يحب أن يرى عبده مستلذًا بما أباحه له، كما يحب أن يراه مستلذًا بعباداته ومناجاته، ولا
تمتنعوا بالاكتفاء بمستلذات المرتبة الدانية عن مستلذات المرتبة العالية، فإنه يحب أن يرى عبده مُصِّرًا على طلب مستلذات المرتبة العالية، كما يحب أن يراه فى هذه الحالة معرضًا عن مباحات المرتبة الدانية، مكتفيًا بضرورياتها وراجحاتها. ولا تعتدوا عما أباح الله إلى ما حظره، وفى المباح إلى حد الحظر. والآية إشارة إلى التوسط بين التفريط والإفراط فى كل الأُمور من الأفعال والطاعات والأخلاق والعقائد والسير إلى الله، فإن المطلوب من السائر إلى الله أن يكون واقعًا بين إفراط الجذب وتفريط السلوك»..
ثم بعد ذلك فسَّر قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلاَلًا طَيِّبًا واتقوا الله الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨] بما يشبه التفسير السابق.. ثم بعد ذلك ذكر أن الآية نزلت فى علىّ وبلال وعثمان بن مظعون، فأما علىّ فحلف أن لا ينام بالليل، وأما بلال فحلف أن لا يفطر بالنهار أبدًا، وأما عثمان ابن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدًا، فلما علم بذلك رسول الله خرج على الناس ونادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال أقوام يُحرِّمون على أنفسهم الطيبات؟ إنى أنام الليل وأنكح وأفطر بالنهار، فمن رغب عن سُنَّتى فليس منى»، فقام
 
٢ ‏/ ١٥٤
 
هؤلاء فقالوا: يا رسول الله؛ قد حلفنا على ذلك، فأنزل الله آيات الحلف.. ثم استشكل المؤلف على هذه الرواية إشكالين:
أولهما: أن مثال هذه المعاتبات ونسبة التحريم والاعتداء والتقوى ولغو الأيمان غير مناسبة لمقام علىّ.
وثانيهما: أن عليًا إما كان عالمًا بأن تحريم الحلال إن كان بالاستبداد والرأى كان من البدع والضلال، وإن كان بالنذر وشبهه كما دَلَّ عليه الخبر، كان مرجوحًا غير مرضى لله تعالى، ومع ذلك حرَّمه على نفسه، أو كان جاهلًا بذلك، وكِلا الوجهين غير لائق بمقامه..
ثم أجاب عن هذين الإشكالين بجواب كله من قبيل النظرات الصوفية فقال: "والجواب الجلى لطالبى الآخرة والسالكين إلى الله، الذين بايعوا عليًا بالولاية، وتابعوه بقدم صدق، واستشهوا نفحات نشأته حال سلوكه أن يقال: إن السالك إلى الله يتم سلوكه باستجماعه بين نشأتى الجذب والسلوك، بمعنى توسطه بين تفريط السلوك الصرف، وإفراط الجذب الصرف، فإنه إن كان فى نشأة السلوك فقد جمد طبعه ببرودة السلوك حتى يقف عن السير. وإن كان فى نشأة الجذب فقط، فنى بحرارة الجذب عن أفعاله وصفاته وذاته، بحيث لا يبقى منه أثر ولا خبر، وهو وإن كان فى روح وراحة، لكنه ناقص كمال النقص من حيث أن المطلوب منه حضوره بالعودة لدى ربه مع جنوده، وخدمه، وأتباعه، وحشمه، وهو طرح الكل، وتسارع بوحدته، فالسالك إلى الله تكميله مربوط بأن يكون فى الجذب والسلوك منكسرًا برودة سلوكه بحرارة جذبه، فالجذب والسلوك كالليل والنهار وكالصيف والشتاء، من حيث أنهما يربيان المواليد بتضادهما، فهما - مع كونهما متنازعين متآلفان متوافقان.
إذا علمت ذلك، فاعلم أن السالك إذا وقع فى نشأة الجذب، وشرب من شراب الشوق الزنجبيلى، سكر وطرب ووجد، بحيث لا يبقى فى نظره سوى الخدمة للمحبوب، وكل ما رآه منافيًا للخدمة رآه ثقلًا ووبالًا على نفسه ومكروهًا لمولاه، فيصمم فى طرحه، ويعزم على ترك الاشتغال به، وهو من كمال الطاعة لا أنه ترك الطاعة كما يظن، فلا ضير أن يكون أمير المؤمنين حال سلوكه وقع فى تلك النشأة، وحرَّم على نفسه كل ما يشغله عن الخدمة، لكمال الاهتمام بالطاعة، ولما لم يكن تحصيل الكمال التام إلا بالجمع بين النشأتين، أسقاه محمد ﷺ من شراب السلوك، لأنه كان مكملًا مربيًا له ولغيره، ولذا قالوا: لأن يكون للسالك شيخ وإلا فيوشك أن يقع فى الورطات المهلكة، ولا منقصة فى أمثال هذه المعاتبات على الأحباب، بل فيها من اللطف والترغيب فى الخدمة ما لا يخفى، وعلىّ كان عالمًا بأن الكمال لا يحصل إلا بالنشأتين، لكنه يرى حين الجذب أن كل ما يشغله عن الخدمة فهو مكروه المحبوب،
 
٢ ‏/ ١٥٥
 
ومرجوح عنده، فحلف على ترك المرجوح. أو يقال: إن عليًا لما كان شريكًا للرسول ﷺ فى تكميل السلاك لقوله: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى»، وكان له شأن الدلالة، ولمحمد شأن الإرشاد، والمرشد بنشأته النبوية شأنه تكميل السالك بحسب نشأة السلوك، وإن كان بنشأته الولوية وشأن الإرشاد شأنه التكميل بحسب الجذب، والدليل بنشأته الولوية شأنه التكميل بحسب نشأة الجذب، وإن كان بنشأته النبوية وشأن الدلالة شأنه التكميل بحسب السلوك فالدليل بولايته يقرب السالك إلى الحضور، ويعلمه آداب الحضور، وطريق العبودية، من عدم الالتفات إلى ما سوى المعبود، وطرح جميع العوائق من طريقه، والمرشد بنبوته يُبعده عن الحضور، ويُقربه إلى السلوك، ويرغبه فيه، فهما فى فعلهما كالنشأتين: متضادان متوافقان، فأمير المؤمنين لما رأى بلالًا وعثمان مستعدين لنشأة الجذب، رغَّبهما إلى تلك النشأة بطرح المستلذات وترك المألوفات، وشاركهما فى ذلك ليستكمل بذلك شوقهما ويتم جذبهما، ولما مضى مدة ورأى الرسول أن عودهما إلى السلوك أوفق وأنفع لهما، ردهما إلى نشأة السلوك، وعاتبهما بألطف عتاب، ولا يرد نقص على أمير
المؤمنين. ولما قالوا بعد عتابه: قد حلفنا.. نزل ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥، المائدة: ٨٩]، وهو الذى يؤتى به للتأكيد فى الكلام كما هو عادة العوام«.. إلخ.
فأنت ترى من هذين المثالين السابقين، أن المؤلف يفيض فى الناحية الصوفية فى تفسيره للآيات، كما أنه لم يخل تفسيره الصوفى من التشيع لعلىّ وذُرِّيته بل ومن اتخاذه مخرجًا يخرج به من الإشكالات التى ترد عليه.
* *
* من التفسير الفلسفى:
كذلك نجد المؤلف فى كثير من الأحيان يخلط البحوث الفلسفية بتفسيره للآيات القرآنية، فمثلًا فى أول سورة الإسراء نراه يحقق أن المعراج كان بجسده وروحه ﵇، ويرد على الفلاسفة الذين ينكرون ذلك، ويقدم لبحثه هذا بمقدمة كلها نظريات فلسفية مخلوطة ببعض خرافات منسوبة إلى الإمام علىّ رضى الله عنه، وذلك حيث يقول:
»العالَم ليس منحصرًا فى هذا العالَم المحسوس المعبَّر عنه بعالَم الطبع بسماواته وأرضيه، بل فوقه البرزخ، وهو عالَم بين عالَم الطبع وعالَم المثال، وله الحكومة على عالَم الطبع والتصرف فيه أى تصرف شاء، من الإحياء والإماتة، وإيجاد المعدوم، وإعدام الموجود، وستر المحسوس، وإظهار غير المحسوس بصورة المحسوس. ومنه طى
 
٢ ‏/ ١٥٦
 
الأرض، والسير على الماء والهواء، والدخول فى النار سالمًا، وقلب الماهيات. ومنه طى الزمان، كما ورد فى الأخبار أنه قال المعصوم لمنافق: اخسأ فصار كلبًا. وقال لآخر: أنت امرأة بين الرجال فصار امرأة. وأنكر آخر قلب الماهيات عند المعصوم، فسار إلى نهر ليغتسل فدخل الماء وارتمس فخرج ورأى نفسه امرأة على ساحل بحر قرب قرية منكورة، فدخلت القرية وتزوجت وعاشت مدة وولدت لها أولاد.. ثم خرجت لتغتسل فى البحر فدخلت الماء وارتمست فخرجت على ساحل النهر المعهود وهو رجل وإذا بثيابه موضوعة كما وضعها. فلبسها ودخل بيته وأهله غير شاعرين بغيبته لقصر الزمان، وأمثال ذلك رويت عن التابعين لهم على الصدق، وهذا من قبيل بسط الزمان إن كان وقوعه فى عالَم الملك، كما نقل أن امرأة وقع لها ذلك فأخبرت وأنكرها جماعة فأُتيت بأولادها بعد ذلك من بلدة بعيدة، مع أنه لم يمض فى بلدها قدر ساعة، أو من قبيل البسط فى الدهر من غير تصرف فى الزمان إن كان وقوعه فى الملكوت. وفوق البرزخ عالَم المثال، وله التصرف فى البرزخ والطبع. وفوقه عالَم النفوس الكليات المعبَّر عنها بـ ﴿فالمدبرات أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥] . وفوقه الأرواح المعبَّر عنها بـ ﴿والصافات صَفَّا﴾ [الصافات: ١]، ويُعبَّر عنها فى لسان الإشراقيين بأرباب الأنواع وأرباب الطلَسمات. وفوقها العقول المعبَّر عنها بالمقرَّبين. وفوقها الكرسى وفوقه العرش، وهو سرير الملك المتعال، وهما بين الوجوب والإمكان لا واجبان ولا ممكنان، بل فوق الإمكان وتحت الوجوب. وكل من تلك العوالم له الإحاطة والتصرف والحكومة على جميع ما دونه، فإذا غلب واحد من تلك العوالم على ما دونه صار ما دونه بحكمه، وذهب عنه حكم نفسه.
ثم اعلم أن الإنسان مختصر من تلك العوالم، وله مراتب بإزاء تلك العوالم، وكل مرتبة عالية لها الحكومة على ما دونها من غير فرق، كما نشاهده من حكومة النفس على البدن والقوى، لكن تلك المراتب فى أكثر الناس بالقوة، وما بالفعل من النفس المجردة التى هى بإزاء عالَم النفوس ضعيفة غاية الضعف، بحيث لا يمكنها التصرف فى بدنها زائدًا على ما جعله الله فى جبلتها، فكيف بغير بدنها؟ فإذا صار بعض تلك المراتب بالفعل كما فى أكثر الأنبياء والأولياء، أو جميعها كما فى خاتم الأنبياء وصاحبى الولاية الكلية، كان لهم التصرف فى أبدانهم بأى نحو شاءوا، وفى سائر أجزاء العالم، كما روى عن الأنبياء والأولياء من طى المكان والزمان، والسير على الماء والهواء، ودخول النار، وإحياء الموتى، وإماتة الأحياء، وقلب الماهيات، وغير ذلك مما لا يُنكر تمامها لكثرتها، وتواتر الأخبار بمجموعها وإن كان آحادها غير متواترة. وأما
 
٢ ‏/ ١٥٧
 
التصرف فى البدن الطبيعى بحيث يُخرجه عن حكم الإمكان ويُدخله فى عالم العرش الذى هو فوق الإمكان وفوق عالَم العقول والملائكة المقرَّبين، كما روى أن جبريل تخلَّف عن الرسول ﷺ فى المعراج، وقال: لو دنوتُ أنملة لاخترقت، مع أنه من عالَم العقول المقرَّبين، فهو من خواص خاتم الكل فى الرسالة والنبوة والولاية، وهو من خواص نبينا ﷺ لا يشاركه فيه غيره لا نبى مرسل ولا خاتم الأولياء. ولذلك جعلوا المعراج الجسمانى بالكيفية المخصوصة من خواصه ﷺ. ولما كان المعراج بتلك الكيفية أمرًا لا يتصور أمر فوقه من الممكن، وكان لا يتيسر إلا إذا غلب العالَم الذى فوق الإمكان على البدن الطبيعى ولا تتيسر تلك الغلبة بسهولة ولكل واحد وفى كل زمان، قالوا: إن المعراج للنبى ﷺ كان مرتين، مع أنه نُسِب إلى بعض العرفاء أنه قال: إنى أعرج كل ليلة سبعين مرة، والمعراج بالروح أمر يقع لكثير من الرياضيين، بل ورد أن الصلاة معراج المؤمن.
إذا تقرر ذلك نقول: إنه عرج ببدنه الطبيعى وعليه عباءته ونعلاه إلى بيت المقدس، ومنه إلى السماوات، ومنها إلى الملكوت، ومنها إلى الجبروت، ومنها إلى العرش الذى هو فوق الإمكان، وفى هذا السير تخلَّف جبريل عنه ﷺ، لأنه كان من عالَم الإمكان، ولم يكن له طريق إلى ما فوق الإمكان، لأن الملائكة كُلٌ له مقام معلوم لا يتجاوزه، بخلاف الإنسان. ولم يكن منه ذلك المعراج إلا مرتين كما فى الأخبار، ولا يلزم منه خرق السماوات، لارتفاع حكم الملك عن بدنه بغلبة الملكوت - ولا استغراب فى عروج البدن الطبيعى إلى الملكوت والجبروت - ولسقوط حكم الملك بل حال الإمكان عنه مع بقاء عينه، ولا غرو فى كثرة وقائعه فى المعراج، فإنه من بسط الدهر مع قصر الزمان كما قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، وقال أيضًا: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] .. فقدر ساعة من الدهر بإزاء ساعة من الزمان تكون كألف ساعة من الزمان أو خمسين ألف ساعة».
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢١] من سورة الحِجْر: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ .. يقول ما نصه: "اعلم أنه قد يُطلق الشئ ويراد به ما يساوق الموجود، فيشمل الحق الأول تعالى شأنه. وقد يُطلق ويُراد به المشئ وجوده، فلا يشمل الحق الأول، ولا حضرة الأسماء ولا حضرة الفعل الذى هو مبدأ إضافاته، ويشمل الممكنات كلها من حضرة العقول المعبَّر عنها بالأقلام العالية والملائكة المقرَّبين، وحضرة الأرواح المعبَّر عنها بأرباب الأنواع والصَّافات صفًا، وحضرة النفوس الكلية المعبَّر عنها بالأرواح
 
٢ ‏/ ١٥٨
 
الكلية المحفوظة والمدبِّرات أمرًا، وحضرة النفوس الجزئية بألواح المحو والإثبات وبعالم المثال باعتبارين، ويشمل موجودات عالَم الطبع تمامًا، وكل ما فى تلك الحضرات له حقيقة فى حضرة الأسماء، وحقيقة فى حضرة الفعل والإضافة الإلهية الإشراقية. وكل ما فى حضرة الفعل له حقيقة أيضًا فى حضرة الأسماء، وكل ما فى حضرة الأرواح له حقيقة فى حضرة الأقلام، وحقيقة فى حضرة الفعل، وحقيقة فى حضرة الأسماء، وهكذا حضرة النفوس الكلية وما فيه، وحضرة النفوس الجزئية وما فيها، وعالَم الطبع وما فيه، وبعبارة أخرى: كل دان له صورة بالاستقلال فى العالى، وصورة بالاستقلال فى عالى العالى، وصروة بتبع العالى فى عالى العالى، فلكل شئ من الممكنات حقائق فى حضرة الأسماء استقلالًا وتبعًا، وهكذا فى حضرة الفعل، وهكذا فى حضرة الأقلام إلى عالَم المثال، وكل تلك الحضرات من حيث إنها عوالم مجردة عن المادة وأغشيتها، تسمى «عند الله»، و«لدن الله»، لحضورها فى محضره، ولما كانت تلك الحقائق محفوظة عن التغير والتبدل كالأشياء النفيسة المخزونة المحفوظة، سمَّاها تعالى بالخزائن، فكل ما فى عالَم الملك له حقيقة فى عالَم المثال، ينزله - تعالى شأنه - من عالَم المثال إلى عالم الملك بقدر استعداد المادة لقبوله وحين استعدادها، وهكذا من النفوس الكلية إلى عالَم المثال، وهكذا الأمر فى العالى والأعلى إلى حضرة الأسماء. ولما كان موجودات عالَم الملك متحددة بالتحدد الذاتى، بمعنى أنها كل آن فانية عن ذواتها، وموجودة بموجدها كما حقق فى محله، فما من شئ مما فى عالم
الملك إلا ويفنى آنا فآنًا، وينزله تعالى من خزائنه آنًا فآنًا، فلذلك قال: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ .
* *
* آل البيت والأُمم السابقة:
ومما نلاحظه على المؤلف أنه يذكر لنا من الأخبار ما يدل على أن محمدًا ﷺ وآل بيته كانوا معروفين عند الأُمم السابقة، وكان لهم أشياع وأتباع يوالونهم، ويتوسَّلون بهم، وينالهم الخير والبركة بسبب حبهم.
وهذه الروايات لا نعتقد إلا أنها من قبيل الخرافات التى تسلَّطت على عقول أولئك القوم، ومن هذه الروايات - مثلًا - ما ذكره المؤلف فى قصة قتيل بنى إسرائيل المذكورة فى قوله تعالى فى الآية [٦٧] وما بعدها من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ ... الآيات إلى آخر القصة من أن موسى جمع أماثل القبيلة التى وجد القتيل فيها، وألزمهم أن يحلف خمسون منهم بالله
 
٢ ‏/ ١٥٩
 
القوى الشديد إله بنى إسرائيل بفضل محمد وآله الطيبين على البرايا أجمعين ما قتلناه ولا علمنا له قائلًا.
وبعد ذلك بقليل يذكر أنهم طلبوا هذه البقرة المذكورة بأوصافها فى القرآن فلم يجدوها إلا عند شاب من بنى إسرائيل أراه الله فى منامه محمدًا وعليًا وطيبى ذُرِّيتهما فقالا: إنك كنت لنا محبًا مفضِّلًا، ونحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك فى الدنيا، فإذا راموا شراء بقرتك فلا تبعها إلا بأمر أُمك، فإن الله يلقنها ما يغنيك عقبك، وجاء القوم يطلبون بقرته، فقالوا: بكم تبيع بقرتك هذه؟ قال: بدينارين، والخيار لأمى، قالوا: رضينا بدينار، فسألها، فقالت: بأربعة، فأخبرهم، فقالوا: نعطيك دينارين، فأخبر أُمه، فقالت: ثمانية، فما زالوا يطلبون على النصف مما تقول أُمه، ويرجع إلى أمه فتَضَعِّف الثمن حتى بلغ ثمنها ملئ مسك ثور أكبر ما يكون دنانير، فأوجب لهم البيع فذبحوها وما كادوا يفعلون..».
وبعد ذلك بقليل يقول: «وفى تفسير الإمام: أن أصحاب البقرة ضجوا إلى موسى وقالوا: افتقرت القبيلة، وانسلخنا بلجاجنا عن قليلنا وكثيرنا، فأرشدهم موسى إلى التوسل بنبينا ﷺ، فأوحى الله إليه: ليذهب رؤساؤهم إلى خربة بنى فلان ويكشفوا عن موضع كذا ويستخرجوا ما هناك، فإنه عشرة آلاف ألف دينار، وليردوا على كل مَن دفع من ثمن هذه البقرة ما دفع، لتعود أحوالهم على ما كانت، ثم ليتقاسموا بعد ذلك ما يفضل وهو خمسة آلاف ألف دينار على قدر ما دفع كل واحد منهم، لتتضاعف أموالهم جزاء على توسلهم بمحمد وآله، واعتقادهم لتفضيلهم».
كما يروى أنهم توسلوا إلى الله تعالى بالنبى محمد وآله عند ضربهم للقتيل ببعض البقرة، لأجل أن يُحييه لهم فاستجاب، وأن القتيل بعد حياته توسل إلى الله بمحمد وآله أن يُبقيه فى الدنيا متمتعًا بابنة عمه، ويجزى عنه أعداءه، ويرزقه رزقًا كثيرًا طيبًا، فوهب له سبعين سنة زيادة على السنين التى عاشها قبل ذلك، وعاش فى الدنيا صحيحة حواسه، قوية شهواته، متمتعًا بحلال الدنيا، وعاش معها لم يفارقها ولم تفارقه، وماتا جميعًا معًا، وصارا إلى الجنة وكانا فيها زوجين ناعمين".
* *
* قصص القرآن:
وإنَّا لنجد المؤلف يقرر فى غير موضع من كتابه: أن القصص القرآنى وما ورد فى شروحه من الروايات على اختلافها وتضاربها، ليس المقصود منه ظاهره الذى يتبادر إلى الذهن، بل هى مَن قبيل المرموزات التى رمزوا بها لأشياء يعلمونها ويريدونها، كما
 
٢ ‏/ ١٦٠
 
يقرر أن من يريد حملها على الظاهر فلا بد وأن يتحَّير فيها، وليس يمكن له أن يصل إلى حقيقتها، والمقصود منها بمجرد قوته البَشرية: فعندما تكلم على قصة آدم فى أول البقرة وجدناه يقول: «ولما كان قصة آدم وخلقته، وأمر الملائكة بسجدته، وإباء إبليس عن السجود، وهبوطه من الجنَّة، وبكائه فى فراق الجنَّة وفراق حواء، وخلقته حواء من ضلع الجنب الأيسر، وغرروة بقول الشيطان وحواء، وكثرة نسله، وحمل حواء فى كل بطن ذكرًا وأُنثى، وتزويج كل بطن لذكر البطن الآخر من مرموزات الأوائل، وقد كثر ذكره فى كتب السَلَف خصوصًا كتب اليهود وتواريخهم، وردت أخبارنا مختلفة فى هذا الباب اختلافًا كثيرًا، مرموزًا بها إلى ما رمزوه، ومَن أراد أن يحملها على ظاهرها تحيَّر فيها، ومَن رام أن يدرك المقصود بقوته البَشرية والمدارك الشيطانية منها طُرِد عنها، ولم يدرك منها إلا خلاف مدلولها».
وبعد أن يقرر المؤلف هذا نراه يكشف لنا عن تلك الأُمور المرموز إليها فى القصة، لا بقوته البشرية، فإنها عاجزة عن إدراكها كما يقول، بل بقوته الروحية التى تستلهم المعارف من الله، وذلك حيث يقول فى أثناء تفسيره للقصة نفسها: "اعلم أن قصة خلق آدم من الطين، وحواء من ضلعه الأيسر. وأمر الملائكة بالسجود لآدم، وإباء إبليس عن السجدة، وإسكان آدم وحواء الجنة، ونهيهما عن أكل شجرة من أشجارها، ووسوسة إبليس لهما، وأكلهما من الشجرة المنهية، وهبوطهما، من المرموزات المذكورة فى كتب الأُمم السالفة وتواريخهم كما ذكرنا سابقًا، فالمراد بآدم فى العالَم الصغير: اللطيفة العاقلة الآدمية، الخليفة على الملائكة الأرضيين، وعلى الجِنَّة والشياطين المطرودين عن وجه أرض النفس والطبع، المسجودة للملائكة، المخلوقة من الطين، الساكنة فى جنَّة النفس الإنسانية، وهى أعلا من مقام النفس الحيوانية، المخلوق من ضلع جنبها الأيسر الذى يلى النفس الحيوانية زوجتها المسماة بحواء، لكدورة لونها بقربها من النفس الحيوانية. والمراد بالشجرة المنهية: مرتبة النفس الإنسانية التى هى جامعة لمقام الحيوانية والمرتبة الآدمية. والمراد بالحيَّة واختفاء إبليس بين لحييها: القوة الواهمة، فإنها لكونها مظهرًا لإبليس، تسمى بإبليس فى العالَم الصغير، ووسوسته: تزيينها ما لا حقيقة له للجنب الأيسر من آدم المغبَّر عنه بحواء. وهبوط آدم وحواء عبارة عن تنزيلهما إلى مقام الحيوانية. وهبوط الحيَّة وذُرِّيتهما: عبارة عن تنزلهما عن مقام التبعية لآدم، فإن إبليس لما كان الواهمة أحد مظاهره كان رفعتها رفعته، وشرافتها باستخدام آدم لها شرافته، وهبوط الواهمة كان هبوطًا له، وإذا أريد بالشجرة: النفس الإنسانية ارتفع الاختلاف من الأخبار، فإن النفس الإنسانية شجرة لها أنواع الثمار
 
٢ ‏/ ١٦١
 
والحبوب، وأصناف الأوصاف والخصال، لأن الحبوب والثمار وإن لم تكن بوجود ذاتها العينية الدانية الموجودة فيها لكن الكل بحقائقها موجودة فيها، فتعيين تلك الشجرة بشئ من الحبوب والثمار، والعلوم والأصناف بيان لبعض شئونها.
روى فى تفسير الإمام: أنها شجرة علم محمد وآل محمد الذين آثرهم الله تعالى دون سائر خلقه، فقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هاذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] شجرة العلم، فإنها لمحمد وآله دون غيرهم، ولا يتناول منها بأمر الله إلا هم. ومنها ما كان يتناوله النبى ﷺ، وعلىّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، بعد إطعامهم المسكين، واليتيم، والأسير، حتى لم يحسوا بجوع، ولا عطش ولا تعب ولا نَصّب، وهى شجرة تميزت من بين سائر الأشجار بأن كلا منها إنما يحمل نوعًا من الثمار، وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البُرّ، والعِنَب، والتِّين، والعُنَّاب، وسائر أنواع الثمار والفواكه والأطعمة، فلذلك اختلف الحاكون.. فقال بعضهم: بُرَّة، وقال آخرون: هى الشجرة التى مَن تناول منها بإذن الله أُلْهِمَ عِلْم الأوَّلين والآخرين من غير تعلم، ومن تناول بغير إذن الله خاب مراده وعصى ربه».
أقول: «آخر الحديث يدل على ما قالته الصوفية من أن السالك ما لم يتم سلوكه، ولم ينته إلى مقام الفناء، ولم يرجع إلى الصحو بعد المحو بإذن الله، لم يجز له الاشتغال بالكثرات ومقتضيات النفس زائدًا على قدر الضرورة. وشجرة علم محمد وآل محمد إشارة إلى مقام النفس الجامع لكمالات الكثرة والواحدة».
وفى سورة البقرة أيضًا عندما تكلَّم عن قصة هاروت وماروت يقول: «اعلم أن أكثر قصص سليمان كان من مرموزات الأوائل، وأخذها المتأخرون بطريق الأسمار، وأخذوا منها ظاهرها الذى لا يليق بشأن الأنبياء، وورد عن المعصومين تقرير ما أخذوه أسمارًا نظرًا إلى ما رمزها الأقدمون، وأمثال هذه ورد عنهم تكذيبها نظرًا إلى ظاهر ما أخذها العوام، وتصديقها نظرًا إلى ما رمزوا إليه».
وفى أول سورة النساء عند قوله: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ... الآية: يقول: "لما كان تلك الحكاية وأمثالها من مرموزات الأوائل من الأنبياء والأولياء والحكماء التابعين لهم، وحملها العوام من الناس على ظاهرها، اختلفت الأخبار فى تصديقها وتقريرها وتكذيبها وتوهينها، فإن فى كيفية خلقه آدم وتناسلهما وتناكحهما وتناكح أولادهما، وكذا فى قصة هاروت وماروت. وقصة داود، وغير ذلك، اختلافًا كثيرًا فى الأخبار، واضطرابًا شديدًا، بحيث يورث التحير والاضطرابات لمن لا خبرة له، حتى يكاد يخرج من الدين، ولكن الراسخين فى العلم
 
٢ ‏/ ١٦٢
 
يعلمون أن كلًا من معادن النبوة ومحال الوحى صدر، ولا اختلاف فيها ولا اضطراب، جعلنا الله منهم، والله ولى التوفيق».
وفى سورة [ص] عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ .. الآيات من [٣٤] إلى تمام القصة، يقول بعد ما ذكر قصة الفتنة: «وأمثال هذه، وأمثال روايات سلب مُلْك سليمان، وجلوس الشيطان على كرسيه، وكون مُلْكه منوطًا بخاتم، ليس إلا من الرموز التى رمزها الأقدمون، ثم أخذها العامة بصورها الظاهرة، ومفاهيمها العامية، ونسبوا إلى الأنبياء ما لا يليق أن ينسب إلى مؤمن، فكيف بكامل أو نبى»؟!.
* *
* الإمامية:
والمؤلف يقرر فى تفسيره إمامة علىّ رضى الله عنه، وخلافته للنبى ﷺ بدون فصل، فمثلًا فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ .. نجده يؤكد أن الآية نازلة فى حق علىّ رضى الله عنه، وأن المراد من الولاية ولاية التصرف لا ولاية المعاشرة، ويرد على مَن يخالف ذلك بما يظهر له من الدليل، كما يبين السر الذى من أجله ذُكِر علىّ بوصفه دون اسمه. وذلك حيث يقول: «قد ورد من طريق العامة والخاصة أن الولاية نازلة فى علىّ حين تصدَّق فى المسجد فى ركوع الصلاة بخاتمه أو بحُلَّته التى كان قيمتها ألف دينار، ومفسرو العامة لا ينكرون الأخبار فى كونها نازلة فى أمير المؤمنين وقد نقلوا بطرق عديدة من رواتهم أنها نزلت فى علىّ، ومع ذلك يقولون فى تفسيرها: إن الآية نزلت بعد النهى عن اتخاذ أهل الكتاب أولياء، ولا شك أن المراد بالأولياء هناك أولياء المعاشرة، بقرينة المقابلة، وبقرينة جمع المؤمنين، ولو كان المراد أمير المؤمنين وبالولاية ولاية التصرف لصرَّح باسمه، أو لقال:»والذى آمن" بالإفراد، وهم غافلون عن أنه لو صرَّح باسمه، أو أفرد المؤمن - مع الاتفاق فى أنها نازلة فى أمير المؤمنين - لأسقطوه تمويهًا على عابدى عِجْلهم، فنقول: نسبة الولاية أولًا إلى الله، ثم إلى رسوله ﷺ وآله، ثم إلى الذين آمنوا، تدل على أن المراد بالولاية ولاية التصرف التى فى قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .. لأن ولاية الله ليست ولاية المعاشرة ولا ولاية الرسول، بقرينة العطف، وبما هو معلوم من الخارج، فكذلك ولاية الذين آمنوا بقرينة العطف، وبقرينة عدم تكرار الولى، فإن المراد أن الولاية ههنا أمر واحد مترتب فى الظهور، فإن ولاية الرسول ليست شيئًا سوى ولاية الله، وولاية الله تتحقق بولاية الرسول، فهكذا ولاية الذين آمنوا، فإنها ولاية الرسول ﵌ تظهر فى ولاية الذين آمنوا على ما قاله الشيعة، ولو كان المراد ولاية
 
٢ ‏/ ١٦٣
 
المعاشرة كان «أولياؤكم» بلفظ
الجمع أولى، وتقييد الذين آمنوا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فى حال الركوع يدل على أنها ليست ولاية المعاشرة، وإلا لكان جملة المؤمنين فيها سواء، وليس كل المؤمنين متصفين بالصفات المذكورة، على أنه لا خلاف معتدًا فى أنها نزلت فى علىّ وصورة الأوصاف خاصة به، وقوله: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ بالمضارع إشارة إلى أن هذا الوصف مستمر لهم، يعنى حالهم استمرار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فى حال الخضوع لله، لا فى حال بهجة النفس، لأنهم ﴿يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] .. بخلاف الفاعل من قِبَلِ النفس فإن شأنه الارتضاء بفعله، وتوقع المدح من الغير على فعله، لأن كل حزب من أحزاب النفس بما لديهم فرحون، ويحبون أن يُحمدوا على ما لم يفعلوا، فضلًا عمَّا فعلوا. واستمرار الصفات بحسب المعنى: لعلىّ وأولاده المعصومين بشهادة أعدائهم، وبحسب الصورة: ما كان أحد مصداقها إلا علىّ نقلًا عن طريق العامة والخاصة. ووقع صدور الزكاة فى الركوع من كل الأئمة كما ورد عن طريق الخاصة. وفى نسبة الولاية إلى الله دون المخاطب والإتيان بأداة الحصر دلالة تامة على أن المراد بها ولاية التصرف، فإنها ثابتة لله ذاتًا ولرسوله ولخلفاء رسوله باعتبار كونهما مظهرين لله، وليس لأحد شركة فيها، وليس المراد بها ولاية المعاشرة التى تكون بالمواضعة والاتخاذ، وإلا لم يكن للحصر وجه، وكان اقتضاء المقابلة أن يقول: بل أنتم أولياء الله ... إلخ، أو: بل اتخذوا الله ورسوله والمؤمنين أولياء، ولأن المراد بها ولاية التصرف التى كانت بالذات لله قال فى عكسه: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين آمَنُواْ﴾ .. إشعارًا بأن الولاية السابقة هى ولاية التصرف وليست لغير الله إلا قبولها، ومَن قبلها منهم باستعداده لظهورها فيه صار مرتبطًا بالله وخلفائه، ومَن صار مرتبطًا بالله صار من حزب الله، ومن صار من حزب الله كان غالبًا ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون﴾ [المائدة: ٥٦] . ولو كان المراد بها المعاشرة لكان الأوْلى أن يقول: ومن يتخذ الله، أو: ومَن صار وليًا لله، والحاصل: أن فى لفظ الآية دلالات واضحة على أن
المراد بالولاية ولاية التصرف، وأنها بعد الرسول ليست لجملة المؤمنين، بل لمن اتصف بصفات خاصة كائنًا مَن كان، متعددًا أو منفردًا، سواء قلنا نزلت فى علىّ أو لم نقل، لكن باتفاق الفريقين لم توجد الأوصاف إلا فيه، ونزلت الآية فى حقه، والمراد بـ ﴿الذين آمَنُواْ﴾ ههنا، هم الموصوفون فى الآية السابقة، لما تقرر عندهم أن المعرفة إذا تكررت كانت عَيْن الأولى".
وفى سورة المائدة أيضًا عند قوله تعالى فى الآية [٦٧]: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ ... الآية، نجده يدَّعى - كغيره من الإمامية - أن القراءة
 
٢ ‏/ ١٦٤
 
الصحيحة كانت:»بَلِّغ ما أُنزل إليك من ربك فى علىّ«، ويحمل التبليغ المأمور به النبى على ذلك فحسب، ويمنع إرادة العموم، ويُقيم الأدلة على ذلك ردًا على مَن يدَّعى العموم، وغرضه من ذلك كله إثبات إمامة علىّ رضى الله عنه بنص القرآن الكريم».
* *
* الرجعة:
والمؤلف يتأثر بعقيدة الرجعة، فلهذا نراه عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٥٦] من سورة البقرة: ﴿... ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .. يستدل بهذا البعث على جوار الرجعة فيقول: «وهذه الآية تدل على جواز الرجعة كما ورد الإخبار عنها وصارت كالضرورى فى هذه الأمة. وقد احتج أمير المؤمنين ﵇ بها على ابن الكواء فى إنكاره الرجعة».
* *
* تحريف القرآن:
ولما كان المؤلف ممن يقولون بوقوع التحريف والتبديل فى القرآن، فإنَّا نجده عندما يصطدم بقوله تعالى فى الآية [٩] من سورة الحِجْر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .. يحاول أن يتخلص من هذا النص الذى يجبهه فيقول: "ولا ينافى حفظه تعالى للذِكْر بحسب حقيقة التحريف فى صورة تدوينه، فإن التحريف إن وقع وقع فى الصورة المماثلة له كما قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هاذا مِنْ عِنْدِ الله﴾ [البقرة: ٧٩]، وكما قال: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بالكتاب لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ [آل عمران: ٧٨] .
* *
* موقف المؤلف من الصحابة:
لم نلاحظ على المؤلف فى تفسيره هذا ما يدل صراحة على أنه يُكَفِّر أحدًا من الصحابة، كما لاحظنا على ملا محسن فى تفسيره، غاية الأمر أننا نأخذ عليه أنه أحيانًا يقف من الآيات التى وردت فى شأن بعض الصحابة وما لهم من الفضل موقفًا يراد منه سلب هذا الفضل عنهم أو تقليل أهميته، وأحيانًا بنسب إلى بعض الصحابة ما يكاد يكون تصريحًا منه بفسقهم أو كفرهم.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٤٤] من سورة آل عمران: ﴿... وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئًا وَسَيَجْزِي الله الشاكرين﴾ نراه يصرف لفظ
 
٢ ‏/ ١٦٥
 
«الشاكرين» عن عمومه ويريد منه خصوص علىّ ونفر معه فيقول: «والمراد بالشاكرين ههنا: علىّ ونفر يسير بقوا عند رسول الله ﷺ حين انهزم المسلمون» هنا يروى رواية عليها دليل الوضع وسمته فيقول:
«روى عن الصادق: أنه لما انهزم المسلمون يوم أُحُد عن النبى ﷺ انصرف إليها بوجهه وهو يقول: أنا محمد رسول الله، لم أُقتل ولم أمت، فالتفت إليه فلان وفلان فقالا: الآن يسخر بنا أيضًا وقد هُزِمنا، وبقى معه علىّ وأبو دجانة ﵀، فدعاه النبى ﷺ فقال: يا أبا دجانة؟ انصرف وأنت فى حِلَّ من بَيْعتك، فأما علىّ فهو أنا، وأنا هو، فتحوَّل وجلس بين يدى النبى وبكى وقال: لا واللهِ، ورفع رأسه إلى السماء وقال: لا واللهِ، لا جعلتُ نفسى فى حِلٍّ من بَيْعتك، إنى بايعتك فإلى مَنْ انصرف يا رسول الله؟ إلى زوجة تموت؟ أو ولد يموت؟ أو دار تخرب ومال يفنى وأجل قد اقترب؟ فَرَق له النبى ﷺ، فلم يزل يُقاتل حتى قُتل، فجاء به علىّ إلى النبى فقال: يا رسول الله؛ أوفيتُ ببيعتى؟ فقال: نعم. وقال له النبى خيرًا. وكان الناس يحملون على النبى ﷺ الميمنة فيكشفهم علىّ، فإذا كشفهم أقبلت الميسرة إلى النبى فلم يزل كذلك حتى تقطَّع سيفه بثلاث قطع، فجاء إلى النبى فطرحه بين يديه وقال: سيفى قد تقطَّع، فيومئذ أعطاه النبى ذا الفقار، ولما رأى النبى ﷺ اختلاج ساقيه من كثرة القتال، رفع رأسه إلى السماء وهو ويبكى وقال: يا ربِّ، وعدتنى أن تُظهر دينك وإن شئتَ لم يعيك، فأقبل علىّ إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله؛ أسمع دويًا شديدًا، وأسمع: أقدم يا حيزوم، وما أهم أضرب أحدًا إلا سقط ميتًا قبل أن أضربه، فقال: هذا جبريل وميكائيل وإسرافيل والملائكة، ثم جاء جبريل فوقف إلى جنب رسول الله ﷺ فقال: يا محمد؛ إن هذه لهى المواساة، فقال النبى ﷺ: إن عليًا منى وأنا منه، فقال جبريل: وأنا منكم».. (إلى آخر الحديث) . ونزل: ﴿وَسَيَجْزِي الله الشاكرين﴾ .
ومثلًا نجد أن المؤلف عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٤] وما بعدها إلى آخر سورة اللَّيل: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تلظى * لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى * الذي كَذَّبَ وتولى * وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى * الذى يُؤْتِي مَالَهُ يتزكى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى * إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى * وَلَسَوْفَ يرضى﴾ يصعب عليه أن يعترف اعترافًا جازمًا بأن الأتقى مراد به الصِّدِّيق رضى الله عنه كما يقول المفسِّرون من أهل السًّنَّة، كما نراه حريصًا على أن يكون علىّ هو أولى الناس بهذا الشرف وهذا التنويه الإلهى، فلهذا نراه يقول ما نصه: "إن كانت الآيات نزلت فى رجل خاص فالمعنى عام، والأصل فيمن أعطى واتقَّى: علىّ، وفيمن بخل واستغنى هو الثانى، وقيل المراد بمن أعطى: أبو بكر
 
٢ ‏/ ١٦٦
 
حيث اشترى بلالًا فى جماعة من المشركين وكانوا يؤذونه فأعتقه، والمراد بالأشقى: أبو جهل وأُمية بن خلف».
وفى سورة النور عند قوله تعالى فى الآية [١١]: ﴿إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ ... الآية، يقول: «قد نُقِل فى تفاسير الخاصة والعامة أن الآيات نزلت فى عائشة». ثم يروى السبب المعروف لنا، ثم يقول: «ونُقِل عن الخاصة أنها نزلت فى مارية القبطية وما رمتها به عائشة، روى عن الباقر أنه قال: لما هلك إبراهيم ابن رسول الله ﷺ حزن عليه رسول الله ﷺ حزنًا شديدًا، فقالت له عائشة: ما الذى يُحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن جريج، فبعث رسول الله ﷺ عليًا وأمره بقتله، فذهب علىّ ومعه السيف، وكان جريج القبطى فى حائط، فضرب علىّ باب البستان، فأقبل إليه جريج ليفتح له الباب، فلما رأى عليًا عرف فى وجهه الغضب، فأدبر راجعًا ولم يفتح باب البستان، فوثب علىّ على الحائط، ونزل إلى البستان واتبعه، وولى جريج مدبرًا، فلما خشى أن يرهقه صعد فى نخلة وصعد علىّ فى إثره، فلما دنى منه رمى بنفسه من فوق النخلة فبدت عَوْرته، فإذا ليس له ما للرجال، ولا له ما للنساء، فانصرف علىّ إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إذا بعثتنى فى أمر أكون فيه كالمسمار المحمى فى الوبر أمضى على ذلك أم أتثبت؟ قال: لا، بل تثبت، قال: والذى بعثك بالحق ما له ما للرجال وما له ما للنساء، فقال: الحمد لله الذى صرف عنا السوء أهل البيت».
وفى سورة التحريم عند تفسيره لقوله تعالى فى أولها: ﴿ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ﴾ ... الآيات، إلى آخر القصة. نراه يذكر سبب نزولها فيقول: "قال القُمِّى وغيره: سبب نزول الآيات أن رسول الله ﷺ كان فى بيت عائشة أو فى بيت حفصة، فتناول رسول الله ﷺ مارية، فعلمت حفصة بذلك فغضبت، وأقبلت على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ فى يومى؟ وفى دارى؟ وعلى فراشى؟ فاستحى رسول الله ﷺ فقال: كفى، فقد حرَّمتُ مارية على نفسى، وأنا أُفضى إليكِ سرًا إن أنتِ أخبرتِ به فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فقالت: نعم.. ما هو؟ فقال: إن أبا بكر يلى الخلافة بعدى، ثم بعده أبوكِ، فقالت: مَن أنبأك هذا؟ قال: نبأنى العليم الخبير، فأخبرت حفصة به عائشة من يومها ذلك، وأخبرت عائشة أبا بكر، فجاء أبو بكر إلى عمر فقال له: إن عائشة أخبرتنى بشئ عن حفصة ولا أثق بقولها، فاسأل أنت حفصة، فجاء عمر إلى حفصة فقال: ما هذا الذى أخبرتْ عنكِ عائشة؟ فأنكرت ذلك وقالت: ما قلتُ لها من ذلك شيئًا، فقال لها عمر: إن هذا حق فأخبرينا حتى نتقدم فيه، فقالت: نعم، قاله رسول الله ﷺ، فاجتمعوا أربعة على أن
 
٢ ‏/ ١٦٧
 
يسمُّوا رسول الله ﷺ، فنزل جبريل على رسول الله ﷺ بهذه السورة: ﴿وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ﴾ .. يعنى أظهره الله على ما أخبرت به وما همُّوا من قتله، و﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ أى خبرها وقال: لِمَ أخبرتِ بما أخبرتك؟ ﴿وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ يعنى لم يخبرهم بما يعلمه مما هَمُّوا به من قتله».
* *
* عتاب النبى ﷺ:
ويرى المؤلف - كغيره من الشيعة - أن ما ورد من الآيات مشتملًا على عتاب النبى ﷺ، أو على التهديد والوعيد للنبى ﷺ، على فرض وقوع المعصية منه - إنما هو من قبيل: «إياكِ أعنى واسمعى يا جارة» والذى دفعه إلى ذلك، هو ارتفاعه بمقام النبوة عن أن يُوجَّه إليه عتاب من الله، أو لوم وتهديد على فرض صدور المعصية.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين: [٧٤، ٧٥] من سورة الإسراء: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ . نجده يقول: وقد ورد فى الأخبار أن هذه الآية من قبيل: «إياكِ أعنى واسمعى يا جارة» وورد أنها من فرية الملحدين، ولو كان الخطاب له ﷺ من غير كونه عن طريق «إياكِ أعنى واسمعى يا جارة»، ولم تكن فرية لم يكن فيها ازدراء به ﷺ بل يكون صدر الآية ازدراء بالملحدين، لإشعاره بأنهم بالغوا فى فتنته، يعنى أنهم ما أهملوا شيئًا مما يُفتن به، ولو كان المفتون غيرك ولم يكن التثبيت من الله لفتن، وذيَّلها ببيان امتنانه عليه بأن ثبَّته فى مثل هذا المقام«.
ومثلًا عند تفسيره لقول تعالى فى الآية [٢٨] من سورة الكهف: ﴿واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ... الآية، يقول ما نصه:»وهذا على إياكِ أعنى واسمعى يا جارة«.
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى أول سورة عبس: ﴿عَبَسَ وتولى * أَن جَآءَهُ الأعمى ...﴾ ... الآيات - إلى قوله: ﴿فَأَنتَ عَنْهُ تلهى﴾ يقول ما نصه:»وقد استبعد بعض العلماء كون الآيات فى الرسول الله لبُعْدِ مقامه عن العبوس والتولى عن الأعمى، وعلو مرتبته عن أن يصير مُعاتَبًا بمثل هذا العتاب.
أقول: لو كانت الآيات فيه والعتاب له لم يكن فيه نقص لشأنه، ولم يكن منافيًا لما قاله تعالى فى حقه من قوله: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] .. فإن إقباله وإدباره، وعبوسه، واستبشاره، كان لله، فإن عبوسه إن كان لمنع الأعمى عن نشر دين الله، وإسماع كلماته لأعداء الله وأعداء دينه وتقريبهم إلى دينه، لم يكن فيه نقص فيه
 
٢ ‏/ ١٦٨
 
وفى خُلُقه، وأما أمثال العتاب له ﷺ فإنها تدل على تفخيمه والاعتداد به، فإن كلها كانت بـ «إياكِ أعنى واسمعى يا جارة»، فالخطاب والعتاب يكون لغيره لا له، وكذا نسبة الله زرية عيب العبوس والقول له يكون متوجهًا إلى غيره فى الحقيقة«.
* *
* الناحية الفقهية فى هذا التفسير:
أما الناحية الفقهية فى هذا التفسير: فإنها تظهر فيه بمظهر التأثر بما لفقهاء الشيعة من الاجتهادات التى يخالفون فيها مَن عداهم، غير أن المؤلف يطوى الكلام طيًا، فلا يتعرض لتفصيل المسائل الجزئية، ولا يُشغل نفسه بكثرة الأدلة والبراهين، ولا بالدفاع عن مذهبه ورد مذهب مخالفيه، كما يفعل الطبرسى مثلًا..
* نكاح الكتابيات:
فمثلًا عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٥] من سورة المائدة: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ ... الآية، يقول ما نصه:»قد اختلفت الأخبار والأقوال فى نكاح النساء من أهل الكتاب، وكذا فى أن هذه الآية منسوخة بآية حُرْمة نكاح المشركات، وحُرْمة الأخذ بعِصَمِ الكوافر، أو ناسخة، وكذا فى الدوام والتمتع بهن. وقول النبى صلى الله عليه وآله: «إن سورة المائدة آخر القرآن نزولا، فأحلُّوا حلالها وحرِّموا حرامها» ينفى كونها منسوخة«.
* *
* المتعة:
وعندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٢٤] من سورة النساء: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة﴾ .. نجده يقول:»وفى لفظ الاستمتاع، وذكر الأجور، وذكر الأجل - على قراءة «إلى أجل» - دلالة واضحة على تحليل المتعة، ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ﴾ من إعطاء الزيادة على الفريضة أو إسقاطهن شيئًا من الفريضة ﴿مِن بَعْدِ الفريضة﴾ .. وفيه إشعار بكون الأجر من أركان عقد التمتع كما عليه من قال به.
وعن الباقر: لا بأس بأن تزيدها وتزيدك إذا انقطع الأجل فيما بينكما، تقول: استحللتك بأجر آخر برضا منها ولا تحل لغيرك حتى تنقضى عِدَّتها، وعِدَّتها حيضتان.. ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فحلَّل المتعة عن علم، ولغايات منوطة بالمصالح والحكم".
* *
*
 
٢ ‏/ ١٦٩
 
فرض الرِجْلين فى الوضوء:
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦] من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ .. الآية، يقول: «وَأَرْجُلِكُمْ» بالجر عطف على «رُءُوسِكُمْ»، وبالنصب على محل «رُءُوسِكُمْ»، وعطفه على «وُجُوهَكُمْ» مع جواز العطف على «رءوسكم» فى غاية البُعْد، غاية الأمر أنها فى هذا العطف محتملة مجملة كسائر أجزاء الآية محتاجة إلى البيان، ولم يكن رأينا مبينًا للقرآن لاستلزامه الترجيح بلا مرجح، بل المبين: من نص الله ورسوله عليه، لا مَن نصبوه لبيانه، فإن نصب شخص إنسانى لبيان القرآن وخلافة الرحمن ليس بأقل من نصب الأصنام لعبادة الآنام، أو العِجْل المصنوع للعوام، وتفصيل الوضوء وكيفيته قد وصل إلينا مفصَّلًا مبيَّنًا عن أئمتنا المعصومين من الله ورسوله، وقد فصَّله الفقهاء رضوان الله عليهم، فلا حاجة إلى التفصيل ههنا".
* *
* ميراث الأنبياء:
والمؤلف يقول كغيره من علماء مذهبه بأن الأنبياء يُوَرِّثون كما يُوَرِّث سائر الناس، ولكنا نلاحظ عليه أنه لم يقف من الآيات التى استدل بها علماء مذهبه على أن الأنبياء يُوَرِّثون المال موقفًا فيه تلك المغالاة وهذا التطرف كالذى وقفه الطبرسى منها، بل نجده عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [٥] من سورة مريم: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي﴾ .. يقول: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي﴾ فى الإرث الصورى من التضييع والنزاع والخلاف، أو فى الإرث المعنوى من الاختلاف وتضييع العباد، وهذا إشعار بأن دعاءه خال من مداخلة الهوى مقدمة للإجابة.
هذا هو كل ما قاله فى هذه الناحية من الآية فأنت ترى أنه لم يقطع أن الآية فى الإرث الصورى دون المعنوى، بل جوَّز صدقها على كل منهما، ولم يدافع عن مذهبه هذا الدفاع العنيف الذى كان من الطبرسى عندما أراد أن يُقصر الإرث فى الآية على الإرث الصورى.
ونجده عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [١٦] من سورة النمل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ
 
٢ ‏/ ١٧٠
 
دَاوُودَ﴾ ... الآية، يقرر أن الميراث هو ميراث ما ينبغى أن يرثه منه من الرسالة والعلم والمُلْك والسلطنة، ثم يقول: «ولذلك حذف المفعول الثانى»، يقول هذا أيضًا ولا يحاول أن يُخرج الآية عن ظاهرها وسياقها كما حاول غيره.
* *
* الغنائم:
ويرى المؤلف كغيره من علماء مذهبه أن الغنائم لا تختص بما أُخِذ من الكفار بطريق القهر والغلبة، بل تعم ذلك وكل ما استفاده الإنسان من أى وجه كان، كما يرى أن الخُمس يقسم بين ذوى القُرْبَى وهو الإمام، ويتامى آل البيت، ومساكينهم، وأبناء سبيلهم، وذلك تعويض لهم من الله عن الصدقات التى هى أوساخ الناس.
يرى المؤلف هذا كله ويقرره فى تفسيره باختصار فيقول عند قوله تعالى فى الآية [٤١] من سورة الأنفال: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين﴾ ... الآية، ما نصه: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ .. اسم الغنيمة قد غلب على ما كان يُؤخذ من الكفار بالقهر والغلبة حين القتال، وإلا فهى اسم لكل ما استفاد الإنسان من أى وجه كان وأى شئ كان، فعن الصادق: هى والله الرفادة يومًا بيوم ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾، وقد فسّر «ذوى القُرْبىَ» بالإمام من آل محمد، فإنه ذو القربى حقيقة، وفسَّر الثلاثة الأخيرة بمن كان من قرابات الرسول، جعل ذلك لهم بدلًا عن الزكاة التى هى أوساخ الناس تشريفًا لهم«.
وفى سورة الحشر عند قوله تعالى فى الآية [٧] ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنيآء مِنكُمْ﴾ ... الآية، يقول: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى﴾ .. أى ذى قُرْبَى الرسول ﷺ، واليتامى والمساكين وابن السبيل من قرابات الرسول ﷺ، وقد خصص فى الأخبار كل ذلك بأقرباء الرسول ﷺ».
* *
* موقف المؤلف فى تفسيره من المسائل الكلامية:
وإنَّا لنجد المؤلف يتأثر بمذهب المعتزلة فى بعض المسائل الكلامية فيوافقهم عليها فى تفسيره، ويخالفهم فى بعض آخر منها فيقول بما يقول به أهل السُّنَّة، فمن المسائل التى يوافق فيها المعتزلة مثلًا:
* رؤية الله:
فهو ينكر جوازها ووقوعها، ويُجرى تفسيره لآيات الرؤية على هذه العقيدة.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ نجده يقول ما نصه: "وورد أنه سُئِل الرضا: كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران لا يعلم أن الله لا يجوز عليه الرؤية حتى
 
٢ ‏/ ١٧١
 
يسأل هذا السؤال؟ فقال: إن كليم الله علم أن الله منزَّه عن أن يُرى بالأبصار، ولكنه لما كلَّمه وقرَّبه نجيا رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله كلَّمه وقرَّبه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعته، وكان القوم سبعمائة ألف، فاختار منهم سبعين ألفًا، ثم اختار منهم سبعة آلاف، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلًا لميقات ربه، فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم فى سفح الجبل، وصعد موسى إلى الطور وسأل ربه أن يُكلِّمه ويُسمعهم كلامه «وكلَّمه الله وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام - لا أن الله أحدثه فى الشجرة، ثم جعله منبعثًا منها - حتى سمعوه من جميع الوجوه. فقالوا: لن نؤمن بأن هذا الذى سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة، فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا، بعث الله عليه بصاعقة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، فماتوا، فقال موسى: ما أقول لبنى إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا إنك ذهبت بهم فقتلتهم، لأنك لم تكن صادقًا فيما ادعيتَ من مناجاة الله إياك، فأحياهم وبعثهم. فقالوا: إنك لو سألت الله أن يُريك تنظر إليه لأجابك فتخبرنا كيف هو ونعرفه حق معرفته، فقال موسى: يا قوم؛ إن الله لا يُرى بالأبصار ولا كيفية له، وإنما يُعرف بآياته ويُعلم بأعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى: يا ربِّ إنك قد سمعتَ مقالة بنى إسرائيل، وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله إليه: يا موسى؛ سلنى ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولاكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ وهو يهوى، ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسى صَعِقًا فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ يقول: رجعت إلى معرفتنى بك عن جهل قومى،
﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾ [الأعراف: ١٤٣] منهم بأنك لا تُرّى».
وفى سورة القيامة عند قوله تعالى فى الآيتين [٢٢، ٢٣]: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .. يقول: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أى إلى ربها المضاف لظهور الولاية وصاحبها فى ذلك اليوم، أو إلى ربها المطلق لظهور آثاره، أى إلى آثاره ناظرة، أو منتظرة إلى ثواب ربها. روى عن أمير المؤمنين فى حديث: ينتهى أولياء الله بعد ما يُفرغ من الحساب إلى نهر يسمى «الحيوان» فيغتسلون فيه ويشربون منه فتبيض وجوههم إشراقًا، فيذهب كل قذى ووعث، ثم يُؤمرون بدخول الجنَّة، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم كيف يثيبهم قال: فذلك قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وإنما يعنى بالنظر إليه، النظر إلى ثوابه ﵎. وفى الخبر: والناظرة فى بعض اللُّغة هى المنتظرة، ألم تسمع إلى قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون﴾ [النمل: ٣٥] أى منتظرة".
* *
ومن المسائل التى يخالف فيها المعتزلة:
* السحر:
فهو يقول به ويعترف بحقيقته ويوضح لنا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٠٢] من سورة البقرة: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولاكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر﴾ ... الآية، حقيقة السحر
 
٢ ‏/ ١٧٢
 
وكيفية تأثيره فى المسحور وذلك حيث يقول: «والسحر اسم لقول أو فعل أو نقش فى صفحة يؤثر فى عالَم الطبع تأثيرًا خارجًا عن الأسباب والمعتاد، وذلك التأثير يكون سبب مزج القُوَى الروحانية مع القُوَى الطبيعية، أو بتسخير القُوَى الروحانية بحيث تتصرف على إرادة المسخِّر الساحر، وهذا أمر واقع فى الأمر ليس محض تخييل كما قيل.. وتحقيقه أن يقال: إن عالَم الطبع واقع بين الملكوت السفلى والملكوت العلوى كما مَرّ، وأن لأهل العالمين تصرفًا بإذن الله فى عالَم الطبع بأنفسهم، أو بأسباب من قِبَل النفوس البَشرية، وأن النفوس البَشرية إذا تجردت من علائقها، وصفت من كدروتها بالرياضات الشرعية أو غير الشرعية، وناسبت المجردات العلوية أو السفلية، تؤثر بالأسباب أو بغير الأسباب فى أهل العالمين بتسخيرها إياهم، وجذبها لهم إلى عالمها، وتوجيههم فى مراداتها شرعية كانت أو غير شرعية، وإذا كان التأثير كان من أهل العالَم السفلى تسمى أسبابه سحرًا، وقد يسمى ذلك التأثير والأثر الحاصل به سحرًا، وإذا كان من أهل العالَم العلوى يسمى ذلك التأثير والأثر الحاصل به معجزة وكرامة، وقد تتقوى فى الجهة السفلية أو العلوية فتؤثر بنفسها من دون حاجة إلى التأثير فى الأرواح، ويُسمى ذلك التأثير والأثر أيضًا سحرًا ومعجزة. فالسحر هو السبب المؤثر فى الأرواح الخبيثة الذى خفى سببيته، أو تأثير تلك الأرواح وآثارها فى عالَم الطبع بحيث خفى مدركها، ثم أُطلق على كل علم وبيان دقيق قلَّما يُدرك مدركه، ويُطلق على العالم بذلك العلم اسم الساحر، ومنه: ﴿ياأيه الساحر ادع لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] على وجه.. فيُستعمل على هذا فى المدح، والذم».
وفى الآية [٤] من سورة الفلق نجده يعترف أيضًا بالسحر ويُروى أن الرسول سُحِرَ بيد لُبيد بن الأعاصم وذلك حيث يقول: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ .. أى من شر النفوس اللاتى يعقدن على الشعور والخيوط، وينفثن فيها، ويسحرون الناس بها. أو النساء اللاتى يفعلن ذلك.. ثم ساق حديث سِحْر الرسول ﷺ".
وهناك مسائل أُخرى يوافق فيها المعتزلة، ومسائل أُخرى يخالفهم فيها ويوافق أهل السُّنَّة، ولا أطيل بذكرها بعد أن ذكرت نموذجًا من كل طائفة، ومَن أراد الرجوع إليها فليرجع إلى تفسيره للآيات التى تتعلق بهذه المسائل.
هذا.. ولا يفوتنا أن ننبه على أن المؤلف كثيرًا ما يهتم فى بعض المواضع بالمسائل النحوية، فنراه يذكر الأعاريب التى فى الآية، كما يهتم فى بعض النواحى بالقراءات، وإن كان يعتمد فى كثير من الأحيان ما نُسِب إلى أهل البيت من قراءات لاأصل لها، كما نراه يذكر بعض النكات التى ترجع إلى نظم القرآن وأسلوبه.
وبالجملة.. فهذا التفسير يكشف لنا عن مقدار تعصب صاحبه لمذهبه، وتأثره بعقيدته الشيعية، ونزعته الصوفية الفلسفية فى فهمه لكتاب الله تعالى.
.. والكتاب مطبوع فى جزءين كبيرين. وموجود بدار الكتب المصرية.
* * *
 
٢ ‏/ ١٧٣
 
الإمامية الإسماعيلية «الباطنية» وموقفهم من تفسير القرآن الكريم

 
كلمة إجمالية عن الإسماعيلية وعقائدهم وأغراضهم

قلنا: إن الإسماعيلية من الشيعة الإمامية تنتسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وقلنا: إنهم يلقبون بالباطنية أيضًا لقولهم بباطن القرآن دون ظاهره، أو لقولهم بالإمام الباطن المستور.
والحق أن هذه الطائفة لا يمكن أن تكون داخلة فى عدَاد طوائف المسلمين، وإنما هى فى الأصل جماعة من المجوس رأوا شَوْكة الإسلام قوية لا تُقهر، وأبصروا عِزَّة المسلمين فتية لا تُغلب ولا تُكسر، فاشتعلت بين جوانحهم نار الحقد على الإسلام والمسلمين، ورأوا أنه لا سبيل لهم إلى الغلب على المسلمين بقوة الحديد والنار، ولا طاقة لهم بالوقوف أمام جيشهم الزاخر الجرَّار، فسلكوا طريق الاحتيال الذى يوصلهم إلى مآربهم وأهوائهم، ليطفئوا نور الله بأفواههم، وخفى على هؤلاء الملاحدة أن الله متم نوره ولو كره الكافرون.
* *

مؤسسو هذه الطائفة

ظهرت بوادر هذه الفتنة، ونبتت نواه هذه الطائفة: زمن المأمون، وبيد جماعة جمع بينهم سجن العراق، هم: عبد الله بن ميمون القدَّاح، وكان مولى جعفر بن محمد الصادق. ومحمد بن الحسين المعروف بـ «ذيذان»، وجماعة كانوا يدعون «الجهاربجة».
اجتمع هؤلاء النفر، فوضعوا مذهب الباطنية وأسسوا قواعده، فلما خلصوا من السجن ظهرت دعوتهم، لم استفحل أمرها، واستطار خطرها إلى كثير من بلاد المسلمين. وما زالت لها بقية إلى يومنا هذا بين كثير ممن يَدَّعون الإسلام.
* *

احتيالهم على الوصول إلى أغراضهم

رأى المؤسسون لمبادئ الباطنية أنه لا طاقة لهم بالوقوف فى وجه المسلمين صراحة وجهارًا، فاحتالوا - كما قلنا - على الوصول إلى مآربهم بشتَّى الحيل، فاندسوا بين المسلمين باسم الحدب على الإسلام، وتلفعوا بالتشيع والموالاة لأهل البيت، وتظاهروا
 
٢ ‏/ ١٧٤
 
بالورع الكاذب، وجعلوا ذلك كله ستارًا لما يريدون أن يبذروه بين المسلمين من بذور الفساد والاضطراب فى العقيدة والسياسة.
ومن المحزن أن يَدِّعى هؤلاء الملاحدة الانتماء إلى أهل بيت النبوة، ويصلون أنسابهم بأنسابهم عن طريق آباء وأئمة مستورين، فيلقى هذا الادعاء رواجًا وقبولا من أناس ضعفاء أغمار، غرَّهم التباكى على آل البيت والتحزن عليهم، فتحركت أحقاد دفينة، وثارت فتن دامية بين المسلمين كان لها أثرها وخطرها.
أسس هؤلاء الباطنية الجمعيات السرية لنشر مذهبهم وهدم مذهب المسلمين، ورسموا لهذا المذهب خطة دبروها بنوع من المكر والخديعة، فجعلوا هدفهم الأول: الاحتيال على الطغام بتأويل الشرائع إلى ما يعود إلى قواعدهم من الإباحة والإلحاد، وتدرجوا فى وصولهم إلى غرضهم هذا بجعلهم الدعوة على مراتب وهى ما يأتى:

مراتب الدعوة عند الباطنية

أولا - الذوق: وهو تفرس حال المدعو. هل هو قابل للدعو أو لا؟ ولذلك منعوا من إلقاء البذر فى السبخة.. أى دعوة مَن ليس قابلًا لها، ومنعوا التكلم فى بيت البذر فى السبخة.. أى دعوة مَن ليس قابلًا لها، ومنعوا التكلم فى بيت فيه سراج.. أى فى موضع فيه فقيه أو متعلم.
ثانيًا - التأنيس: باستمالة كل واحد من المدعوين بما يميل إليه بهواه وطبعه، من زهد، وخلاعة، وغيرهما، فإن كان يميل إلى زهد زيَّنه فى عينه وقبَّح نقيضه، وإن كان يميل إلى الخلاعة زينَّها وقبَّح نقيضها، ومَن رآه الداعى مائلًا إلى أبى بكر وعمر مدحهما عنده وقال: لهما حظ فى تأويل الشريعة، ولهذا استصحب النبى أبا بكر إلى الغار، ثم إلى المدينة، وأفضى إليه فى الغار تأويل الشريعة.. وهكذا حتى يحصل له الأُنس به.
ثالثًا - التشكيك فى أُصول الدين وأركان الشريعة: كأن يقول للمدعو: ما معنى الحروف المقطعة فى أوئل السور؟ ولِمَ تقضى الحائض الصوم دون الصلاة؟ ولِمَ يجب الغُسل من المنى دون البول؟ ولِمَ اختلفت الصلوات فى عدد ركعاتها فكان بعضها ركعتين، وبعضها ثلاثًا، وبعضها أربعًا؟ وحيث يشككون بمثل هذا فلا يجيبون ليتعلق قلب مَن يشككونه بالرجوع إليهم والأخذ عنهم.
رابعًا - الرابط: وهو أمران: أحدهما: أخذ الميثاق على الشخص بأن لا يفشى لهم سرًا، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله: ﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١] .. وثانيهما: حوالته على الإمام فى حل ما أشكل عليه من الأُمور التى أُلقيت إليه، فإنها لا تُعلم إلا من قِبَلِ الإمام.
 
٢ ‏/ ١٧٥
 
خامسًا - التدليس: وهو دعوة موافقة أكابر الدين والدنيا ليزداد الإقبال على مذاهبهم.
سادسًا - التأسيس: وهو تمهيد مقدمات يراعون فيها حال المدعو لتقع تعاليمهم منه موقع القبول من نفسه.
سابعًا - الخلع: وهو الطمأنينة إلى إسقاط الأعمال البدنية.
ثامنًا - السلخ: وهو سلخ المدعو من العقائد الإسلامية، ثم بعد ذلك يأخذون من تأويل الشريعة على ما تشاء أهواؤهم.
فأنت ترى أن الباطنية قد توسَّلوا بكل هذه الحيل إلى تشكيك المسلمين فى عقائدهم، وكأنهم رأوا أن القرآن ما دام موجودًا بين المسلمين ومحفوظًا عندهم يرجعون إليه فى أُمور الدين، ويهتدون بهَدْيه كلما نزلت بهم نازلة، فليس من السهل صرف الناس عنه إلا بواسطة تأويله، وصرف ألفاظه وآياته عن مدلولاتها الظاهرة، فأخذوا يَجِدُّون فى تأويل نصوص القرآن كما يُحبون. وعلى أى وجه يرونه هدمًا لتعاليم الإسلام، الذى أصبح قذىً فى أعينهم، وشجىً فى حلوقهم!!
وحرصًا منهم على أن تكون دعواهم فى تأويل القرآن مقبولة لدى مَن يَستخِفُّونه.. قالوا: «إن الأئمة هم الذين أودعهم الله سره المكنون، ودينه المخزون، وكشف لهم بواطن هذه الظواهر، وأسرار هذه الأمثلة، وإن الرشد والنجاة من الضلال بالرجوع إلى القرآن وأهل البيت، ولذلك قال ﵇ لما قيل: ومن أين يُعرف الحق بعدك؟ -:»ألم أترك فيكم القرآن وعترتى«؟.. وأراد به أعقابه، فهم الذين يَطِّلِعون على معانى القرآن».
ولكن احتيال الباطنية بتأويل القرآن على هدم الشريعة لم يلق رواجًا عند عقلاء المسلمين، ولم يجد غباوة فى عقول علمائهم الذين نصبوا أنفسهم لحماية القرآن من أباطيل المضللين.. وكيف يمكن أن يجد رواجًا عند هؤلاء أو غباوة من أولئك، وقد علموا وتيقنوا بأن الألفاظ إذا صُرِفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشريعة، ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل، اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ، وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يُوثق به، والباطن لا ضبط له. بل تتعارض فيه الخواطر، ويمكن تنزيله على وجوه شتَّى.
* *
 
٢ ‏/ ١٧٦
 
إنتاج الباطنية فى تفسير القرآن الكريم

ومع أن هؤلاء الباطنية قد اتخذوا من تأويل القرآن بابًا للوصول إلى أغراضهم، فإنَّا لم نقف لهم على كتب مستقلة فى تفسير كتاب الله تعالى، ولم نسمع أن واحدًا منهم كتب تفسيرًا جامعًا للقرآن كله، سورة سورة، وآية آية، ولعل السر فى ذلك: أنهم لم يستطيعوا أن يتمشوا بعقائدهم مع القرآن آية آية، ولو أنهم حاولوا ذلك لاصطدموا بعقبات وصعاب لا يستطيعون تذليلها، ولا يقدرون على التخلص منها.
وكل الذى وجدناه لهم فى تفسير القرآن - أو تأويله على الأصح - إنما هو نصوص متفرقة فى بطون الكتب، تعطينا إلى حد ما صورة واضحة، وفكرة جلية عن موقف هؤلاء القوم من القرآن الكريم، ومبلغ تهجمهم على القول فيه بغير علم ولا هُدىً ولا كتاب منير.
وأرى أن أقسم موقف الباطنية من القرآن الكريم إلى قسمين اثنين:
الأول: موقف الباطنية المتقدمين من القرآن الكريم.
والثانى: موقف الباطنية المتأخرين منه أيضًا.
ونريد المتقدمين: الذين أسسوا مذهب الباطنية ومَن قاربهم من الزمن، وبالمتأخرين: البابية والبهائية. وسنوضح عند الكلام عن البابية والبهائية السبب الذى من أجله عددناهم من قبيل الباطنية.
* * *
 
٢ ‏/ ١٧٧
 
موقف متقدمى الباطنية من تفسير القرآن الكريم
علمت أن الغرض الأول الذى تقوم عليه دعوة الباطنية وتتركز فيه: هو العمل على هدم الشرائع عمومًا، وشريعة الإسلام على الخصوص. فكان لزامًا عليهم وقد قاموا يحاربون الإسلام - أن يُعمِلوا معاول الهدم فى ركن الإسلام المكين، وهو القرآن الكريم، وقد عجموا معاولهم كلها فلم يجدوا مِعْوَلًا أصلب ولا أقوى على تنفيذ غرضهم من مِعْوَل التأويل والميل بالآيات القرآنية إلى غير ما أراد الله.
كتب عبيد الله بن الحسن القيروانى إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنانى رسالة طويلة جاء فيها: «.. وإنى أوصيك بتشكيك الناس فى القرآن والتوراة والزبور والإنجيل، وتدعوهم إلى إبطال الشرائع، وإلى إبطال المعاد والنشور من القبور، وإبطال الملائكة فى السماء، وإبطال الجن فى الأرض، وأوصيك أن تدعوهم إلى القول بأنه قد كان قبل آدم بشر كثير، فإن ذلك عون لك على القول بقِدَم العالَم».
رأى هذا الزعيم الباطنى أن التشكيك فى القرآن خير معوان لهم على تركيز عقائدهم، ورأى رأيه أهل الباطن جميعًا فقالوا: «للقرآن ظاهر وباطن، والمراد منه باطنه دون ظاهره العلوم من اللُّغة، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللُّب إلى القشر، والمتمسك بظاهره معذَّب بالشقشقة فى الكتاب، وباطنه مُؤدِّ إلى ترك العمل بظاهره، وتمسكوا فى ذلك بقوله تعالى فى الآية [١٣] من سورة الحديد: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب﴾ .
فانظر إليهم كيف وضعوا هذه القاعدة لفهم نصوص القرآن الكريم، ثم اعجب ما شاء لك أن تعجب من استدلالهم بهذه الآية الكريمة على قاعدتهم التى قَعَّدوها؟ ولستُ أدرى ما صلة هذه الآية بتلك القاعدة والآية واردة فى شأن من شئون الآخرة ينساق إلى فهمه كل مَن يمر بالآية بدون كلفة ولا عناء.
* *
* من تأويلات الباطنية القدامى:
على هذه القاعدة السابقة جرى القوم فى شرحهم لكتاب الله تعالى، فكان من تأويلاتهم ما يأتى:
»الوضوء«عبارة عن موالاة الإمام، و»التيمم«هو الأخذ من المأذون عند غيبة الإمام الذى هو الحُجَّة، و»الصلاة" عبارة عن الناطق الذى هو الرسول بدليل قوله تعالى فى
 
٢ ‏/ ١٧٨
 
الآية [٤٥] من سورة العنكبوت: ﴿إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ .. و»الغُسْل، تجديد العهد ممن أفشى سرًا من أسرارهم من غير قصد، وإفشاء السر عندهم على هذا النحو هو معنى «الاحتلام». و«الزكاة» عبارة عن تزكية النفس بمعرفة ما هم عليه من الدين.. و«الكعبة» النبى. و«الباب» علىّ. و«الصفا» هو النبى. و«المروة» علىّ. و«الميقات» الإيناس. و«التلبية» إجابة الدعوة. و«الطواف بالبيت سبعًا» موالاة الأئمة السبعة. و«الجنة» راحة الأبدان من التكاليف. و«النار» مشقتها بمزاولة التكاليف.
وتأوَّلوا أنهار الجنة فقالوا: «أنهار من لبن» أى معادن العلم؛ اللبن العلم الباطن، يرتفع به أهلها، ويتغذون به تغذيًا تدوم به حياتهم اللطيفة، فإن غذاء الروح اللطيفة بارتضاع العلم من المعلم، كما أن حياة الجسم الكثيف بارتضاع اللبن من ثدى الأم. «وأنهار من خمر» هو العلم الظاهر. «وأنهار من عسل مصفى» هو علم الباطن المأخوذ من الحجج والأئمة.
كذلك نجد الباطنية يرفضون المعجزات، ولا يعترفون بها للرسل، وينكرون نزول ملائكة من السماء بالوحى من الله، بل وزادوا على ذلك فأنكروا أن يكون فى السماء مَلَك وفى الأرض شيطان، وأنكروا آدم والدجَّال، ويأجوج ومأجوج، ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام آيات من القرآن تُكذِّب دعواهم هذه، فتخلَّصوا منها بمبدائهم الذى ساروا عليه فى تفسيرهم وهو إنكار الظاهر والأخذ بالباطن، وأوَّلوا هذه الآيات بما يتفق ومذهبهم، فتأوَّلوا «الملائكة» على دعاتهم الذين يدعون إلى بدعتهم. وتأوَّلوا «الشياطين» على مخالفيهم. وتأوَّلوا كل ما جاء فى القرآن من معجزات الأنبياء ﵈، فقالوا: «الطوفان» معناه الطوفان العلم ... أغرق به المتمسكون بالسُّنَّة، و«السفينة» حرزه الذى تحصن به مَن استجاب لدعوته. و«نار إبراهيم» عبارة عن غضب نمروذ عليه لا النار الحقيقية. و«ذبح إسحاق» معناه أخذ العهد عليه. و«عصا موسى» حُجَّته التى تلقفت ما كانوا يأفكون من الشُبه لا الخشب. «وانفلاق البحر» افتراق علم موسى فيهم عن أقسام. و«البحر» هو العلم. و«الغمام الذى أظلمهم» معناه الإمام الذى نصبه موسى لإرشادهم وإفاضة العلم عليهم. و«الجراد والقُمَّل والضفادع» هى سؤالات موْسى والتزاماته التى سُلِّطت عليهم. و«المن والسلوى» علم نزل من السماء لداع من الدعاة هو المراد بالسلوى. و«تسبيح الجبال» معناه تسبيح رجال شداد فى الدين راسخين فى اليقين. و«الجن الذين ملكهم سليمان بن داود» باطنية ذلك الزمان. و«الشياطين» هم الظاهرية الذين كُلِّفوا بالأعمال الشاقة. و«عيسى» له
 
٢ ‏/ ١٧٩
 
أب من حيث الظاهر، وإنما أراد بالأب المنفى: الإمام، إذ لم يكن له إمام، بل استفاد العلم من الله بغير واسطة، وزعموا - لعنهم الله - أن أباه يوسف النجار و»كلامه فى المهد«اطلاعه فى مهد القالب قبل التخلص منه على ما يَطِّلِع عليه غيره بعد الوفاة والخلاص من القالب. و»إحياء الموتى من عيسى«معناه الإحياء بحياة العلم عن موت الجهل بالباطن. و»إبراؤه الأعمى: «عن عمى الضلالة. و»الأبرص«عن برص الكفر ببصيرة الحق المبين. و»إبليس وآدم«عبارة عن أبى بكر وعلىّ، إذ أُمِرَ أبو بكر بالسجود لعلىّ
والطاعة له فأبى واستكبر. و»الدجال«أبو بكر، وكان أعورًا إذ لم يبصر إلا بعين الظاهر دون عين الباطن. و»يأجوج ومأجوج«هم أهل الظاهر».
بل بالغوا فقالوا: «إن الأنبياء قوم أحبوا الزعامة، فساسوا العامة بالنواميس والحيل، طلبًا للزعامة بدعوة النبوة والإمامة.
هذا.. وإن مما زعمته الباطنية: أن مَن عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها وتأولَّوا فى ذلك قوله تعالى فى الآية [٩٩] من سورة الحِجْر: ﴿واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ .. وحملوا اليقين على معرفة التأويل.
كذلك استحل الباطنية نكاح البنات والأخوات وجميع المحارم، بحجة أن الأخ أحق بأُخته، والأب أولى بابنته ... وهكذا: ولست أدرى على أى وجه وتأوَّلوا آية النساء الى حرَّمت ذلك، ومنعته منعًا باتًا!!
ويقول القيروانى فى رسالته التى أرسلها إلى سليمان بن الحسن:».. وينبغى أن تحيط علمًا بمخاريق الأنبياء ومناقضاتهم فى أقوالهم، كعيسى ابن مريم، قال لليهود: لا أرفع شريعة موسى، ثم رفعها بتحريم الأحد بدلًا من السبت، وأباح العمل فى السبت، وأبدل قِبْلة موسى بخلاف جهتها..
وبذلك قتلته اليهود لما اختلفت كلمته، ولا تكن كصاحب الأُمَّة المنكوسة حين سألوه عن الروح فقال: ﴿الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] لما لم يحضره جواب المسألة، ولا تكن كموسى فى دعواه التى لم يكن عليها برهان سوى المخرقة بحسن الحيلة والشعوذة، ولما لم يجد المحق فى زمانه عنده برهانًا قال له: ﴿لَئِنِ اتخذت إلاها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ [الشعراء: ٢٩]، وقال لقومه: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] لأنه كان صاحب الزمان فى وقته«.
ثم قال فى آخر هذه الرسالة:».. وما العجب من شئ كالعجب من رجل يدَّعى العقل، ثم يكون له أُخت أو بنت حسناء وليس له زوجة فى حُسْنها، فيُحَرِّمها على نفسه ويُنكحها من أجنبى، ولو عقل الجاهل لعلم أنه أحق بأُخته، وبنته من الأجنبى؛ وما وجه ذلك إلا أن صاحبهم حرَّم عليهم الطيبات وخوَّفهم بغائب لا يُعقل، وهو الإله
 
٢ ‏/ ١٨٠
 
الذى يزعمونه، وأخبرهم بكون ما لا يرونه أبدًا من البعث من القبور، والحساب، والجنَّة، والنار، حتى استعبدهم بذلك عاجلًا وجعلهم له فى حياته، ولذُرِّيته بعد وفاته خولًا، واستباح بذلك أموالهم بقوله: ﴿لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ [الشورى: ٢٣] .
فكان أمره معهم نقدًا وأمرهم معه نسيئة، وقد استعجل منهم بذل أرواحهم وأموالهم على انتظار موعود لا يكون، وهل الجنَّة إلا هذه الدنيا ونعيمها؟ وهل النار وعذابها إلا ما فيه أصحاب الشرائع من التعب والنَصَب فى الصلاة والصيام والجهاد والحج»؟
ثم قال لسليمان بن الحسن فى هذه الرسالة: «.. وأنت وإخوانك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس، وفى هذه الدنيا ورثتم نعيمها ولذَّاتها محرَّمة على الجاهلين المتمسكين بشرائع أصحاب النواميس، فهنيئًا لكم ما نلتم منْ الراحة عن أمرهم».
ومن جملة تأويلاتهم الباطلة التى يتوصلون بها إلى هواهم النفسى، ومأربهم الشخصى، أنهم بعد أن يلقوا على المدعو ما يشككونه به، وتتطلع إلى معرفته من جهتهم نفسه، ويقولون له: لا نظهره إلا بتقديم خير عليه، فيطلبون مائة وتسعة عشر درهمًا من السبيكة الخالصة. ويقولون: هذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المزمل: ٢٠] .. فالحاء والسين والنون والألف إذا جُمِع عددها بحساب الجُمَّل يكون مبالغه مائة وتسعة عشر«.
ومن ذا الذى قال إن القرآن يخضع فى تفسيره وفهم معانيه إلى حساب الجُمَّل؟.. اللهم إن هذا لا يصدر إلا عن مُخرِّف أو زنديق يريد أن يضل الناس ويحتال على سلب أموالهم بدعوى يدعيها على كتاب الله!!
كذلك نجد الباطنية يحرصون على نفى وجود الإله الحق، والنبى المرسل محمد ﷺ، ليتوصلوا بذلك إلى رفع التكاليف، فنراهم يقولون للمبتدئ:»إن الله خلق الناس واختار منهم محمدًا ﷺ، فيستحسن المبتدئ هذا الكلام، ثم يقول له: أتدرى مَن محمد؟ فيقول: نعم، محمد رسول الله، خرج من مكة، وادَّعى النبوة، وأظهر الرسالة، وعرض المعجزة. فيقول له: ليس هذا الذى تقول إلا كقول هؤلاء الحمير - يعنون به المؤمنين من أهل الإسلام - إنما محمد أنت. فيستعيذ السامع ويقول: ليست أنا محمدًا، فيقول له: الله تعالى وصفه فى هذا القرآن فقال: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
 
٢ ‏/ ١٨١
 
[التوبة: ١٢٨] .. وهؤلاء الحمير يقولون: من مكة.. فيقول له الغر الغمر: على أى معنى تقول أنا محمد؟ فيقول: خلقك وصوَّرك خلقة محمد، فالرأس بمنزلة الميم، واليدان بمنزلة الحاء، والسُرَّة بمنزلة الميم، والرجلان بمنزلة الدال، وكذلك أنت علىّ أيضًا، عينك هى العين، والأنف هى اللام، والفم الياء».
وبهذا يوهمه أنه هو محمد الذى جاء ذكره فى القرآن، أما ما يدعى من وجود رسول اسمه محمد، فهذا ظاهره غير مراد.
ولأجل أن يوهمه أيضًا بأنه لا إله موجود على الحقيقة، وما جاء فى القرآن من ذلك فظواهر غير مرادة، نجده يقول للمبتدئ: إن المراد بإثبات الذات يرجع إلى نفسك، ويُؤوِّلون عليه قوله تعالى:.. ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هاذا البيت﴾ [قريش: ٣] ويقولون: الرب هو الروح والبيت هو البدن.
ولقد وصل الغلو ببعض الباطنية إلى ادعاء أُلوهية محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأنه هو الذى كلَّم موسى بقوله: ﴿إني أَنَاْ رَبُّكَ فاخلع نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] .. وفى هذا يروى لنا البغدادى صاحب الفَرْق بين الفِرَق قصة رجل دخل فى دعوة الباطنية، ثم وفقه الله لتركها والرجوع لرشده.. يحكى هذا الرجل قصته للبغدادى فيقول: «إنهم لما وثقوا بإيمانه قالوا له: إن المسمين بالأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وكل مَن ادَّعى النبوة: كانوا أصحاب نواميس ومخاريق، وأحبوا الزعامة على العامة، فخدعوهم بنيرنجات، واستعبدوهم بشرائعهم - قال الحاكى للبغدادى: ثم ناقض الذى كشف لى هذا السر بأن قال: ينبغى أن تعلم أن محمد ابن إسماعيل بن جعفر هو الذى نادى موسى بن عمران من الشجرة فقال له: ﴿إني أَنَاْ رَبُّكَ فاخلع نَعْلَيْكَ﴾ .. ثم قال: فقلت: سخنت عينك! تدعونى إلى الكفر برب قديم خالق للعاَلم، ثم تدعونى مع ذلك إلى الإقرار بربوية إنسان مخلوق، وتزعم أنه كان قبل ولادته إلهًا مرسلًا لموسى؟ فإن كان موسى عندك كاذبًا، فالذى زعمتَ أنه أرسله أكذب، فقال: إنك لا تفلح أبدًا، وندم على إفشاء أسراره إلىَّ وتُبْتُ من بدعتهم».
فانظر إليهم - لعنهم الله - كيف يصرفون القرآن عن أن يكون الله هو المتكلم به، ويدَّعون أنه كلام إلههم المزعوم محمد بن إسماعيل!!.. أليس هذا غلوًا فى الإلحاد؟ وإغراقًا فى الكفر والعناد؟
وبين أيدينا كتاب أسرار الباطنية، وهو يكشف لنا عن نواياهم ويفضح أسرارهم وخباياهم. وهو لمحمد بن مالك اليمانى أحد علماء القرن الخامس الهجرى، ولا أريد
 
٢ ‏/ ١٨٢
 
أن أُطيل على القارئ بذكر ما فيه من مخازى القوم، ولكن أكتفى بذكر نبذة من الكتاب. ضمنها المصنِّف ما شهده بنفسه من ضلالهم وإضلالهم، وذلك حين اندس بينهم متظاهرًا بدخوله فى زمرتهم، ليقف بنفسه على ما بلغه عنهم من أباطيل وأضاليل، وإنما اخترت هذه النبذة بالذات، لأنها تعطينا فكرة واضحة عن مقدار تلاعب الباطنية بكتاب الله تحت ستار التأويل. وعن مبلغ استهزائهم بعقول العامة الذين وقعوا فيما نصبوه لهم من الأحابيل!!
* *
* مقالة محمد بن مالك اليمانى فى الباطنية:
يقول محمد بن مالك اليمانى: "أول ما أشهد به وأشرحه، وأُبيِّنه للمسلمين وأُوضِّحه، أن له - يريد علىّ بن محمد الصليحى زعيم باطنية اليمن فى وقته - نوابًا يسميهم الدعاة المأذونين، وآخرين يلقبهم المُكَلبين، تشبيهًا لهم بكلاب الصيد، لأنهم ينِصبون للناس الجبائل، ويكيدونهم بالغوائل، وينقبضون عن كل عاقل، ويُلبِّسون على كل جاهل، بكلمة حق يُراد بها الباطل، ويحضونه على شرائع الإسلام، من الصلاة والزكاة والصيام، كالذى ينثر الحب للطير ليقع فى شِرْكه، فيقيم أكثر من سنة يمعنون به، وينظرون صبره، ويتصفحون أمره. ويخدعونه بروايات عن النبى ﷺ مُحرَّفة، وأقوال مزخرفة، ويتلون عليه القرآن على غير وجهه، ويُحرِّفون الكَلم عن مواضعه، فإذا رأوا منه الانهماك والركون والقبول والإعجاب بجميع ما يُعلِّمونه، والانقياد بما يأمرونه، قالوا حينئذ: اكشف عن السرائر ولا ترض لنفسه ولا تقنع بما قنع به العوام من الظواهر، وتدبر القرآن ورموزه، واعرف مُثله وممثوله، واعرف معانى الصلاة والطهارة، وما روى النبى ﷺ بالرموز والإشارة، دون التصريح فى ذلك والعبارة، فإنما جميع ما عليه الناس أمثال مضروبة، لممثولات محجوبة، فاعرص الصلاة وما فيها، وقف على باطنها ومعانيها، فإن العمل بغير علم لا ينفع به صاحبه. فيقول: عَمّ أسأل؟ فيقول: قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣] .. فالزكاة مفروضة فى كل عام مرة، وكذلك الصلاة، مَن صلاها مرة فى السنة فقد أقام الصلاة بغير تكرار، وأيضًا فالصلاة والزكاة لهما باطن لأن الصلاة صلاتان، والزكاة زكاتان، والصوم صومان، والحج حجان، وما خلق الله سبحانه من ظاهر إلا وله باطن، يدل على ذلك: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإثم وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠]، و﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .. ألا ترى أن البيضة لها ظاهر وباطن؟ فالظاهر ما تساوى به الناس، وعرفه الخاص والعام، وأما الباطن فقصر علم الناس به عن العلم به، فلا يعرفه إلا القليل، من ذلك قوله: ﴿وَمَآ آمَنَ مَعَهُ
 
٢ ‏/ ١٨٣
 
إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]، وقوله:
﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: ١٣] .. فالأقل من الأكثر الذين لا عقول لهم.
و«الصلاة» و«الزكاة» سبعة أحرف دليل على محمد وعلىّ صلى الله عليهما، لأنهما سبعة أحرف، فالَمعْنِىُ بالصلاة والزكاة ولاية محمد وعلىّ، فمن تولاهما فقد أقام الصلاة وآتى الزكاة، فيوهمون على مَن لا يعرف لزوم الشريعة والقرآن وسنن النبى ﷺ، فيقع هذا من ذلك المخدوع بموقع الاتفاق والموافقة، لأن مذهب الراحة والإباحة يريحهم مما تُلزمهم الشرائع من طاعة الله، ويبيح لهم ما حُظِرَ عليهم من محارم الله، فإذا قبل منهم ذلك المغرور هذا قالوا له: قرِّب قُربانًا ليكون لك سلما ونجوى، ونسأل لك مولانا يحط عنك الصلاة، ويضع عنك هذا الإصر، فيدفع اثنى عشر دينارًا، فيقول ذلك الداعى: يا مولانا؛ إن عبدك فلانًا قد عرف الصلاة ومعانيها، فاطرح عنه الصلاة وضع عنه هذا الإصر، وهذا نجواه إثنا عشر دينارًا، فيقول اشهدوا أنى قد وضعت عنه الصلاة ويقرأ له: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . فعند ذلك يقبل إليه أهل هذه الدعوة ويهنئونه ويقولون: الحمد لله الذى وضع عنك وزرك، الذى أنقض ظهرك. ثم يقول له ذلك الداعى - الملعون - بعد مدة: قد عرفت الصلاة وهى أول درجة، وأنا أرجو أن يُبلِّغك الله إلى أعلى الدرجات، فأسأل وابحث، فيقول: عمّ أسأل؟ فيقول له: سل عن الخمر والميسر، اللذين نهى الله تعالى عنهما: هما أبا بكر وعمر لمخالفتهما على علىّ، وأخذهما الخلافة دونه، فأما ما يُعمل من العنب والزبيب والحنطة وغير ذلك فليس بحرام، لأنه مما أنبتت الأرض، ويتلو عليه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢] ... إلى آخر الآية، ويتلو عليه: ﴿لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا﴾ [المائدة: ٩٣] .. إلى آخر الآية، والصوم: الكتمان، فيتلو عليه: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] يريد كتمان الأئمة فى وقت استتارهم خوفًا من الظالمين، ويتلو عليه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ للرحمان صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] فلو كان عَنِىَ بالصيام ترك الطعام لقال: فلن أُطعم اليوم
شيئًا، فدل على أن الصيام الصموت، فحينئذ يزداد ذلك المخدوع طغيانًا وكفرًا، وينهمك إلى قول ذلك الداعى الملعون، لأنه أتاه بما يوافق هواه، والنفس أمَّارة بالسوء.. ثم يقول له: ادفع النجوى تكن لك سلمًا ووسيلة حتى نسأل مولانا يضع عنك الصوم، فيدفع اثنى عشر دينارًا، فيمضى به إليه فيقول: يا مولانا؛ عبدك فلان قد عرف معنى الصوم على الحقيقة، فأبح له الأكل فى رمضان، فيقول له: قد وثَّقته وأمَّنته على سرائرنا؟ فيقول له: نعم، فيقول: قد وضعتُ عنه ذلك، ثم يقيم بعد ذلك مدة، فيأتيه ذلك الداعى الملعون فيقول له: قد عرفتَ ثلاث درجات، فاعرف الطهارة ما هى، ومعنى الجنابة ما هى فى التأويل، فيقول له: فسِّر لى ذلك، فيقول له: اعلم أن معنى الطهارة طهارة القلب، وأن المؤمن طاهر بذاته، والكافر نجس لا يطهره الماء ولا غيره، وأن الجنابة هى موالاة الأضداد، أضداد الأنبياء والأئمة، فأما المِنَى فليس بنجس، منه خلق الله الأنبياء، والأولياء، وأهل طاعته، وكيف يكون نجسًا وهو مبدأ خلق الإنسان، وعليه يكون أساس البنيان؟ فلو كان التطهير منه من أمر الدين لكان الغُسْل من الغائط والبول أوجب، لأنهما نجسان، وإنما معنى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] معناه: وإن كنتم جهلة بالعلم الباطن فتعلَّموا واعرفوا العلم الذى هو حياة الأرواح، كالماء الذى هو حياة الأبدان، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] .. وقوله: ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٥-٦] .. فلما سمَّاه الله بهذا دَلَّ على طهارته، ويوهمون ذلك المخدوع بهذه المقالة، ثم يأمره ذلك الداعى أن يدفع اثنى عشر دينارًا، ويقول: يا مولانا، عبدك فلان قد
 
٢ ‏/ ١٨٤
 
عرف معنى الطهارة حقيقة وهذا قربانه إليك، فيقول: اشهدوا أنى قد حللت له ترك الغُسل من الجنابة، ثم يقيم مدة فيقول له هذا الداعى الملعون: قد عرفتَ أربع درجات، وبقى عليك الخامسة، فاكشف عنها، فإنها منتهى أمرك وغاية سعادتك، ويتلو عليه: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] فيقول له: ألهمنى إياها ودلنى عليها، فيتلو
عليه: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هاذا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] .. ثم يقول له: أتحب أن تدخل الجنة فى الحياة الدنيا؟ فيقول: وكيف لى ذلك؟ فيتلو عليه: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى﴾ [الليل: ١٣] . ثم يتلو عليه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً يَوْمَ القيامة﴾ [الأعراف: ٣٢] .. والزينة ههنا: ما خفى على الناس من أسرار النساء التى لا يَطَّلع عَلِيها إلا المخلصوصون بذلك، وذلك قوله: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] .. والزينة مستورة غير مشهورة، ثم يتلو عليه: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ [الواقعة: ٢٢-٢٣] .. فمن لم ينل الجنة فى الدنيا لم ينلَها فى الآخرة، لأن الجنة مخصوص بها ذوو الألباب، وأهل العقول دون الجُهَّال، لأن المستحسن من الأشياء ما خفى، ولذلك سميت الجنَّة جَنّة لأنها مستجنة، وسميت الجِن جِنا لاختفائهم عن الناس، والمجنة المقبرة لأنها تستر مَن فيها، والترس المجن لأنه يُستتر به، فالجَنَّة ههنا: ما استتر عن هذا الحق المنكوس الذين لا علم لهم ولا عقول،
 
٢ ‏/ ١٨٥
 
فحينئذ يزداد هذا المخدوع انهماكًا، ويقول لذلك الداعى الملعون: تَلَطَّف فى حالى، وبَلِّغنى إلى ما شوَّقتنى إليه، فيقول: ادفع النجوى اثنى عشر دينارًا تكون لك قربانًا وسلمًا، فيمضى به فيقول: يا مولانا؛ إن عبدك فلانًا قد صَحَّت سريرته، وصفت خبرته وهو يريد أن تُدخله الجنة، وتُبلغه حد الأحكام، وتزوِّجه الحور العين، فيقول له: قد وثَّقته وأمَّنته؟ فيقول: يا مولانا؛ قد وثَّقته وأمَّنته وخبرته فوجدته على الحق صابرًا، ولأنعمك شاكرًا، فيقول: عِلْمُنا صعب مستعصب لا يحمله إلا نبى مرسل، أو مَلك مُقرَّب، أو عبد امتحن الله قلبه بالإيمان، فإذا صح عند حاله فاذهب به إلى زوجتك فاجمع بينه وبينها، فيقول: سمعًا وطاعة لله ولمولانا، فيمضى به إلى بيته، فيبيت مع زوجته، حتى إذا كان الصباح قرع عليهما الباب وقال: قوما قبل أن يعلم نبأنا هذا الخلق المنكوس،
فيشكر ذلك المخدوع ويدعو له، فيقول له: ليس هذا من فضلى، هذا من فضل مولانا، فإذا خرج من عنده تسامع به أهل هذه الدعوة الملعونة، فلا يبقى منهم أحد إلا بات مع زوجته كما فعل ذلك الداعى الملعون، ثم يقول له: لا بد لك أن تشهد هذا المشهد الأعظم عند مولانا، فادفع قربانك، فيدفع اثنى عشر دينارًا ويصل به ويقول: يا مولانا؛ إن عبدك فلانًا يريد أن يشهد المشهد الأعظم، وهذا قربانه، حتى إذا جن الليل، ودارت الكؤوس، وحميت الرؤوس، وطابت النفوس، أحضر جميع أهل هذه الدعوة الملعونة حريمهم، فيدخلن عليهم من كل باب، وأطفأوا السراج والشموع، وأخذ كل واحد منهم ما وقع عليه فى يده، ثم يأمر المقتدى زوجته أن تفعل كفعل الداعى الملعون وجميع المستجيبين، فيشكره ذلك المخدوع على ما فعل له، فيقول له: ليس هذا من فضلى، هذا من فضل مولانا أمير المؤمنين فاشكروه ولا تكفروه على ما أطلق من وثاقكم، ووضع عنك أوزاركم، وحَطَّ عنكم آصاركم، ووضع عنكم أثقالكم، وأحلَّ لكم بعض الذى حرَّم عليكم جُهَّالكم ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] .
قال محمد بن مالك - رحمه الله تعالى - هذا ما اطلعت عليه من كفرهم وضلالتهم، والله تعالى لهم بالمرصاد، والله تعالى علىّ شهيد بجميع ما ذكرته مما اطلعتُ عليه من فعلهم وكفرهم وجهلهم، والله يشهد علىّ بجميع ما ذكرته، عالِم به، ومَن تَكلَّم عليهم بباطل فعليه لعنة الله، ولعنة اللاعنين، والملائكة، والناس أجمعين، وأخزى الله مَن كذب عليهم، وأعدّ لهم جهنم وساءت مصيرًا، ومَن حكى عنهم بغير ما هم عليه فهو يخرج من حَوْل الله وقوته إلى حَوْل الشيطان وقوته.. "
 
٢ ‏/ ١٨٦
 
وبعد.. ألستَ ترى معى أن تأويلهم للقرآن تأويل فاسد لا يقوم على أساس ولا يستند إلى برهان، وإنما هى أوهام وأباطيل، غرورًا بها ضعاف العقول ليسلخوهم من الدين، وليدخلوهم فى زمرة الملحدين وحزب الشياطين؟ أعتقد ذلك، وأظن أن سؤالًا يدور بخلد القارئ هو: كيف نجزم بنسبة هذه التأويلات كلها إلى الباطنية مع وجود التناقض والاختلاف بين بعض المعانى التى نُقِلتْ عنهم للفظ الواحد؟ أليس هذا دليلًا على عدم صحة كل ما يُنسب إليهم؟.. والحق أن السؤال وارد، ولكنه مدفوع بما ذكره الغزالى من أن سر هذا الاضطراب راجع إلى أنهم كانوا لا يخاطبون الخلق بمسلك واحد، بل غرضهم الاستتباع والاحتيال، فلذلك تختلف كلمتهم، ويتفاوت نقل المذهب عنهم.
* * *
 
٢ ‏/ ١٨٧
 
البابية والبهائية

 
كلمة إجمالية عن نشأة البابية والبهائية

البابية: نسبة إلى الباب، وهو لقب ميرزا علىّ محمد، الذى ابتدع هذه النِحْلة، وإليه تُنسب هذه الطائفة، باعتباره المؤسس الأول لها.
والبهائية: نسبة إلى بهاء الله، وهو لقب ميرزا حسين على، الزعيم الثانى للبابية، وإليه تُنسب هذه الطائفة، باعتباره المؤسس الثانى لها.
وأصل نشأة هذه الطائفة: أن ميرزا علىّ محمد، الملقب بالباب، والمولود فى سنة ١٢٣٥ هجرية، توفى عنه والده ميرزا محمد رضا قبل فطامه، فرُبى في حجر خاله ميرزا سيد علىّ، ونشأ معه فى مدينة شيراز بجنوب إيران، واشتغل معه بالتجارة، ولما بلغ سنه الخامسة والعشرين ادعى أنه الباب - والباب عند الشيعة معناه نائب المهدى المنتظر - وكان ادعاؤه هذا فى سنة ١٢٦٠ هجرية، وما لبث أن وصلت هذه الدعوة إلى طائفة من الجاهلين فصدَّقوا بها، وتتابعوا عليها، وكان عدد مَن صدَّقه في أول الأمر ثمانية عشر رجلًا، فسماهم بكلمة «حى» لأن عدد حرفيها بحساب الجُمَّل ثمانية عشر، ثم أمر أتباعه هؤلاء بالانتشار في إيران وبلاد العراق، يبشرون به وبدعوته، وأوصاهم بكتمان اسمه حتى يُظهره هو بنفسه، ولما حج وفرغ من أعمال الحج أعلن دعوته فى المجتمع الكبير فاشتهر اسمه، ولما حج وفرغ من أعمال الحج أعلن دعوته في المجتمع الكبير فاشتهر اسمه، وذاعت دعوته، فثارت عليه طوائف المسلمين، وقاموا فى سبيل دعوته يحاربونها بكل الوسائل.
وقد عقد بعض الولاة بين العلماء وبين الباب مناظرات أظهرت ما فى دعوته من غواية وضلال، فكفَّره بعض العلماء، ورماه بعض آخر منهم بالجنون، فاعتقله الوالى فى سجن شيراز، ثم فى سجن أصفهان، ثم فى طهران، ثم فى أذربيجان. وفى عهد السلطان ناصر الدين شاه اشتدت الخصومة بين البابيين ومخالفيهم، وقامت بينهم حرب طاحنة كان من نتائجها أن أمر الصدر الأعظم بقتل الباب، فَعُلِّقَ في ميدان مدينة تبريز، وقُتِل رميًا بالرصاص، وذلك فى سنة ١٢٦٥ هجرية.
وبعد قتله اختلف أتباعه على أنفسهم في شأن مَن ينوب عنه، وظهرت من بعض أتباعه دعاوى مختلفة، من قبيل النبوة، والوصاية، والولاية، وأمثالها، وظلوا على هذا الأمر إلى أن حاول بعضهم اغتيال ناصر الدين شاه سنة ١٢٦٨ هجرية انتقامًا لزعيمهم الباب، ولما خاب سعيهم وفشلوا فى هذه المؤامرة، أخذت الحكومة تضطهد زعماء البابيين، وتسوقهم إلى التحقيق، فقُتل مَن قُتِل، ونُفِىَ مَن نُفى، وكان من بين زعمائهم فى هذا الوقت - وقت الاضطهاد - ميرزا حسين علىّ الملقب فيما بعد: «بهاء الله».
**

بهاء الله
ولد بهاء الله سنة ١٢٣٣ هجرية، وكان ابنه ميرزا عباس من كبار وزراء الدولة فى
 
٢ ‏/ ١٨٩
 
وقته، فلما قام الباب واشتهر أمره صدَّقه بهاء الله، فاشتد به أزر البابيين وكثرت جماعتهم، ولما حدثت حادثة سنة ١٢٦٨ هجرية، وهى محاولة اغتيال ناصر الدين شاه، قُبِض على بهاء الله وسُجِن نحو أربعة أشهر، ثم أُفرج عنه وأُبعد إلى العراق، فدخل بغداد سنة ١٢٦٩ هجرية، ومكث بها اثنى عشر عامًا، يدعو الناس إلى نفسه، ويزعم أنه هو الموعود به الذى أخبر عنه الباب، وكان يشير إليه بلفظ «مَن يُظهره الله» وهناك تجمَّع حوله بعض أتباعه الذين لحقوا به من البابيين، وتسموا حينئذ بالبهائيين، ووقعت بينهم وبين شيعة العراق فتنة كادت تُفضي إلى قيام حرب أهلية بين الفريقين، فقررت الحكومة العثمانية فى ذلك الوقت إرسال بهاء الله إلى الآستانة، فأرسل إليها ومكث بها نحوًا من أربعة أشهر، ثم نُفى إلى أدرنة ومكث بها نحوًا من خمس سنوات، ثم نُفى منها إلى عكا من بلاد الشام سنة ١٢٨٥ هجرية، وبقى بها إلى أن مات سنة ١٣٠٩ هجرية، فتولى رئاسة الطائفة ابنه عباس (المولود سنة ١٨٤٤م والمتوفى سنة ١٩٢١م) والملقب «عبد البهاء»، فأخذ يدعو إلى هذا المذهب، ويتصرف فيه كيف يشاء، فلم يرض هذا الصنيع أتباع البهاء فانشقوا عليه، والتف فريق منهم حول أخيه الميرزا علىّ، وألَّفوا كتبًا في الطعن على عبد البهاء يتهمونه فيها بالمروق من دين البهاء.
* *

الصلة بين عقائد البابية وعقائد الباطنية القدامى

بالرغم من أن هذه الفرقة لم تظهر إلا قريبًا، فإنَّا نجدها ليست بالفرقة المحدَثة فى عقائدها وتعاليمها، بل هى فى الحقيقة ونفس الأمر وليدة من ولائد الباطنية، تغذت من ديانات قديمة، وآراء فلسفية، ونزعات سياسية. ثم درجت تحذو حذو الباطنية الأُوَل، وتترسم خطاهم فى كل شىء، وتهذى فى كتاب الله، فتأوَّلته بمثل ما تأوَّلوه، لتصرف عنه قلوبًا تعلقت به ونفوسًا اطمأنت إليه.
والذى يقرأ تاريخ الباطنية الأُوَل، ويطلع على ما فى كتبهم من خرافات وأباطيل، ثم يقرأ تاريخ البابية والبهائية، ويطلع على ما فى كتبهم من خرافات وأباطيل، لا يسعه إلا أن يحكم بأن روح الباطنية حلَّت فى جسم ميرزا علىّ، وميرزا حسين علىّ، فخرجت للناس أخيرًا باسم البابية والبهائية.
 
٢ ‏/ ١٩٠
 
تقوم دعوة قدماء الباطنية على إبطال الشريعة الإسلامية، وينفذون إلى عقول العامة بإظهارهم الحب والتشيع، بل والانتساب إلى آل البيت، ثم يصلون إلى أهوائهم ومآربهم بصرفهم القرآن إلى معان باطنية لا يقبلها العقل، ولا تمت إلى الدين بسبب، وعلى هذا الأساس قامت دعوة البابية والبهائية، وبمثل هذه الوسيلة وصلوا إلى أغراضهم وأهوائهم، وإليك ما يوضح ذلك:
أولا: فى الباطنية مَن يدَّعى النبوة لنفسه أو يدَّعيها لغيره، وميرزا علىّ الملقب بالباب يدَّعى أنه رسول للناس من قِبَلِ الله تعالى، وله كتاب اسمه «البيان» ادَّعى أنه مُنزَّل عليه من عند الله تعالى. وقد جاء فى رسالة بعث بها الباب إلى العلامة الألوسى صاحب التفسير المعروف، يدعوه فيها إلى الإيمان به: «إنني أنا عبد الله، قد بعثنى بالهدى من عنده» وسمى فى هذه الرسالة مذهبه «دين الله» فقال: «ومَن لم يدخل فى دين الله، مثله كمثل الذين لم يدخلوا فى الإسلام».
ولا نعلم ماذا أجاب به الآلوسى على هذه الرسالة، وإن كنا نعلم رأيه فى هذه الطائفة عندما تعرَّض لتفسير قوله تعالى فى الآية [٤٠] من سورة الأحزاب: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولاكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين﴾ ... وذلك حيث يقول: «وقد ظهر فى هذا العصر عصابة من غلاة الشيعة لقبوا أنفسهم بالبابية، لهم فى هذا الباب فصول يحكم بكفر معتقدها كل من انتظم فى سلك ذوى العقول، وقد كاد يتمكن عرقهم من العراق لولا همة واليه النجيب الذى وقع على همته وديانته الاتفاق، حيث خذلهم - نصره الله - وشتت شملهم، وغضب عليهم - رضي الله تعالى عنه - وأفسد عملهم. فجزاه الله تعالى عن الإسلام خيرًا، ودفع عنه فى الدارين ضيمًا وضيرًا».
وكذلك ادَّعى زعيمهم الثانى الملقب ببهاء الله: أنه رسول من عند الله، جاء لتأسيس الإسلام على الأرض، وبين أيدينا كتاب بهاء الله، ويُطلق عليه اسم «الكتاب» قرأنا فيه فوجدناه يقول:
«لعمر الله إن البهاء ما نطق عن الهوى، قد أنطقه الذى أنطق الأشياء بذكره وثنائه، لا إله إلا هو الفرد الواحد المقتدر المختار».
"لعمرى ما أظهرتُ نفسى، بل الله أظهرنى كيف أراد، إنى كنت كأحد من العباد، وراقدًا على المهاد، مرّت علىّ نسائم السبحان، وعلَّمنى علم ما كان. ليس هذا من عندى بل من لدن عزيز عليم. وأمرنى بالنداء بين الأرض والسماء، بذلك ورد علىّ ما
 
٢ ‏/ ١٩١
 
ذرفت به دموع العارفين. ما قرأتُ ما عند الناس من العلم، وما دخلتُ المدارس؛ فاسأل المدينة التي كنتُ فيها لتوقن بأنى لست من الكاذبين».
«قل قد أتى المختار، فى ظل الأنوار، ليحيى الأكوان، من نفحات اسمه الرحمن، ويتحد العالم، ويجتمعوا على هذه المائدة التى نزلت من السماء».
ويرى الباب أن شريعته ناسخة للشريعة الإسلامية، فابتدع لأتباعه أحكامًا خالف بها ما جاءت به الشريعة الإسلامية، فجعل الصوم تسعة عشر يومًا من شروق الشمس إلى غروبها، وعيَّن لهذه الأيام وقت الاعتدال الربيعى، بحيث يكون عيد الفطر عندهم يوم «النيروز» على الدوام، وفى كتاب «البيان»: «... أيام معدودات، وقد جعلنا النيروز عيدًا لكم بعد إكمالها».
كذلك يرى بهاء الله أن شريعته ناسخة للشريعة الإسلامية، ويقرر ذلك فى كتابه فيقول: «لو كان القديم هو المختار عندكم، لما تركتم ما شرع فى الإنجيل، بَيِّنوا يا قوم ... لعَمْرى ليس لكم اليوم من محيص، إن كان هذا جرمى فقد سبقنى فى ذلك محمد رسول الله، ومن قبله الروح، ومن قبله الكليم. وإن كان ذنبى إعلاء كلمة الله وإظهار أمره، فأنا أول المذنبين. لا أبدل هذا الدين بملكوت السموات والأرضين».
وقرر البهاء أن الدين قسمان. عملى وروحانى، فالقسم الروحانى وهو مظاهر الألوهية والنبوة، غير قابل للتبديل. والقسم العملى، وهو المتعلق بالصور والأشكال الخارجية، قابل للتغيير. وعلى هذا المبدأ جعل لأتباعه الصلاة تسع ركعات فى اليوم والليلة، وجعل قبلتهم فى الصلاة أين يكون هو!!.
وفى هذا يقول: «إذا أردتم الصلاة فوَلَّوا وجوهكم شطرى الأقدس»، وسوَّى بين الرجل والمرأة في الحقوق الشرعية والسياسية، وقرر عقوبات مالية للزنا والسرقة وغيرهما، ومنع التسرِّى، وحرَّم الزواج بأكثر من واحدة، وقيَّد لهم الطلاق وصعَّبه. وحُجَّته فى هذا كله: أن جميع الأديان أضحت لا تصلح لإصلاح العالَم، فلا بد من دين جديد يوافق هذا العصر.. عصر التقدم المادى العظيم. وهذا الدين الذى جاء به هو الذى يصلح فى نظره لمسايرة هذا العصر دون غيره.
 
٢ ‏/ ١٩٢
 
ثانيًا: منع الحسن بن الصبَّاح وغيره من زعماء الباطنية، العوام من دراسة العلوم، والخواص من النظر فى الكتب المتقدمة، وفعل الباب مثل ذلك فحرَّم فى كتابه «البيان» التعليم وقراءة كتب غير كتبه، فكان من وراء ذلك أن حرق أتباعه القرآن الكريم، وما فى أيديهم من كتب العلم.. ولكن بهاء الله أدرك أن هذا التحجير قد يصرف بعض الناس عن دعوته، فنسخ ذلك التحجير، وذلك حيث يقول فى كتابه المسمى بـ «الأقدس»: «قد عفا الله عنكم ما نَزَّل فى البيان من محو الكتب، وآذنا بكم بأن تقرأوا من العلوم ما ينفعكم».
ثالثًا: مِنَ الباطنية مَن يدَّعى حلول الإله فى بعض الأشخاص، كالقرامطة الذين يدَّعون حلول الإله فى إمامهم محمد بن إسماعيل. ونجد مثل هذه الدعوى متجلية فى بعض مقالات البابية، فهذا بهاء الله يقول فى «الكتاب»: «لنا مع الله حالات نحن فيها هو، وهو نحن، ونحن نحن».
وهذا عباس الملقب بعبد البهاء يقول: «وقد أخبرنا بهاء الله بأن مجىء رب الجنود والأب الأزلى، ومخلِّص العالَم الذى لا بد منه فى آخر الزمان، كما أنذر جميع الأنبياء، عبارة عن تجليه فى الهيكل البشرى، كما تجلى فى هيكل عيسى الناصرى، إلا أن تجليه فى هذه المرة أتم وأكمل وأبهى، فعيسى وغيره من الأنبياء هيأوا الأفئدة والقلوب لاستعداد هذا التجلى الأعظم».
يريد بهذا: أن الله تجلَّى فيه بأعظم من تجليه فى أجسام الأنبياء على ما يزعم.
وهذا أبو الفضل الإيرانى أحد دعاتهم يقول: «... فكل ما توصف به ذات الله ويُضاف ويُسند إلى الله من العزة، والعظمة، والقدرة، والعلم، والحكمة، والإرادة، والمشيئة ... . وغيرها من الأوصاف، إنما يرجع بالحقيقة إلى مظاهر أمره، ومطالع نوره، ومهابط وحيه، ومواقع ظهوره» ... . ومثل هذا كثير فى كلام زعمائهم ودعاتهم.
رابعًا: يدَّعى الباطنية رجوع الإمام المعصوم بعد استتاره، ويحصرون مدارك الحق فى أقواله. والبهائية يقولون هذا القول ويثبتونه فى كتبهم.
يقول بهاء الله في الكتاب: «يسند القائم ظهره إلى الحرم، ويمد يده المباركة، فتُرى بيضاء من غير سوء، ويقول: هذه يد الله، ويمين الله، وعين الله ... وبأمر الله أنا الذى لا يقع عليه اسم ولا صفة، ظاهرى إمامة، وباطنى غيب لا يُدرك».
 
٢ ‏/ ١٩٣
 
وقد عرفت أن البابية والبهائية يعبرون عن الإمام المعصوم بـ «مَن سيُظهره الله»، ويزعمون أنه هو الذى يعرف تأويل ما جاءت به الرسل ﵈.
خامسًا: من مبادىء قدماء الباطنية التفرس. وعلى هذا المبدأ منعوا التكلم بآرائهم في بيت فيه سراج - أى فقيه أو متعلم - والبهائية يسيرون على هذا المبدأ وإليك ما يثبت ذلك:
أرسل إلى أبى الفضائل الإيرانى بعض إخوانه كتابًا يرجوه فيه أن يرد على مقال كتبه جرجس صال الإنجليزى بإمضاء هاشم الشامى، والمقال يتضمن توجيه الاعتراضات على فصاحة القرآن الكريم، فاعتذر أبو الفضائل عن ذلك فى رسالة أرسل بها إلى صاحبه يقول فيها:
«... إن هناك موانع جمة، أعظمها وأشدها مانع كبير لا يستسهل العاقل تذليل صعوباته، ولا يتسنم النبيه متن صهواته، حيث إن قلوب الذين اكتفوا من الإسلام باسمه، ومن القرآن برسمه، تعذت فى مدة مديدة، وأزمنة غير وجيزة بقشور المطالب، وألفت سفاسف المسائل حتى بعدت عن لباب الكتاب، وجهلت حقيقة معانى الخطاب، فلو كشفنا عن حقائق الإشارات، وأظهرنا المعانى المقصودة من ظواهر العبارات، فطلعت صور الحقائق المقصورة فى قصر الآيات، وتهللت وجوه المعانى المستورة فى خدور الاستعارات، لندفع تلك الردود والاعتراضات، ونظهر بطلان تلك الإيرادات والانتقادات، تثور أولًا أحقاد جهلائنا، ويرتفع نعيب سفهائنا، وينادون بالويل والثبور، ويثيرون الأحقاد الكامنة فى الصدور ...».
ثم يقول لصاحبه فى آخر الرسالة: «... لتعلم حق العلم أنى ما نسيت ولم أكره صفة من صفاتك، ولا خلة من خلالك، ولكن - والحق يقال - إنك نسيت وصية روح الله الواردة فى سفر مَتَّى:»لا تلقوا جواهركم تحت أرجل الخنازير«حيث تجاهر بجواهر الأسرار ومعالى المعانى، عند مَن لا يستحق أن تخاطبه وتلاطفه، وتجالسه وتؤانسه، فكيف أنه يكون مستودع الحكمة الإلهية، والأسرار الربانية، فتمسَّك بالحكمة، وكن على جانب عظيم من الفطنة».
ويقول فى رسالة أرسلها إلى الشيخ فرح الله زكى الكردى أحد أتباعهم فى مصر: ".. واعلم يا حبيبى أنه سيدخل عليكم كثيرون، ويتظاهرون بنوايا المتفحص الباحث، ويظهرون السلم والوفاق، وهم أهل النفاق وأصل الشقاق، ومقصودهم معرفة أهل الإيمان، واضطهاد أصحاب الإيقان كما تصرح وتنادى أى الفرقان، منها قوله تعالى: [الحديد: ١٣-١٥] ﴿يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ
 
٢ ‏/ ١٩٤
 
ارجعوا وَرَآءَكُمْ فالتمسوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب﴾ ... إلى آخر الآيات، فتحكم الآية المباركة أنه لا بد من دخول أهل النفاق على أصحاب الوفاق، للاستطلاع والاستراق، فلا يغرنك تحببهم وترفقهم، ولا يخدعنك ملاينتهم وتملقهم، فإن التهور والتعجل يوجب الندم والافتضاح، والتروى يكفل النجاح والفلاح. ومن الحكم المأثورة: «العجلة من الشيطان، والتأنى من الرحمن».
من كل ما تقدم يظهر لنا بوضوح: أن البابية والبهائية ليسوا أصحاب نِحْلة جديدة فى تعاليمها ومعتقداتها، وإنما هم قوم من أهل الباطن يريدون الكيد للإسلام باسم الإصلاح الدينى، وسيظهر لك من تأويلاتهم للقرآن - علاوة على ما سبق - أنهم ينهجون نهج الباطنية الأُوَل، ويترسمون خطاهم فى تحريفهم لكتاب الله، والعبث بآياته!!
* *

موقف البابية والبهائية من تفسير القرآن الكريم

لم تحل عقائد البابية والبهائية بينهم وبين الاعتراف بالقرآن الكريم، ولم يمنعهم موقفهم الشاذ من الرجوع إليه ليأخذوا منه الشواهد على دعاواهم الباطلة، ومذاهبهم الفاسدة، تمويهًا على العامة، وتغريرًا بعقول الأغمار الجهلة.
* *

أبو الفضائل الإيرانى يعيب تفاسير أهل السُّنَّة
ولم يكن فى وجوههم قطرة من الحياء تمنعهم من التنديد بتفاسير علماء أهل السُّنَّة وتحقيرها، فهذا داعيتهم أبو الفضائل الإيرانى، نجده فى رسالة أرسلها لصديق له، يعيب على تفاسير أهل السُّنَّة فيقول: «... ولقد يدهش الإنسان ويتحير يا حبيبى من تعاليمهم الباطلة، وتفاسيرهم المضحكة، فإن أحباءنا الأمريكيين الذين تشرفوا بالوفود على الأرض المقدسة فى هذه الأيام الأخيرة، قابلناهم فى بيروت، وسافرنا معهم إلى الأرض الفيحاء مدينة حيفًا، أخبرونا بما يتحير منه الأريب، ويدهش منه اللبيب، كيف تقدمت كلمة الله فى تلك الأقطار البعيدة الشاسعة مع هذه التفاسير الباطلة الضائعة، من النفوس الجاهلة الخادعة؟ أليس ذلك من عظيم قدرة الله وشديد قوته؟ وسطوع آياته وظهور بَيِّناته»؟
يعيب أبو الفضائل تفسير أهل السُّنَّة، لأنه يرى فى زعمه أنه وأهل نِحلْته خير مَن يفهم القرآن، ويعلم ما فيه من أسرار ورموز، ويرى أنه ومن شاكله هم الراسخون فى العلم، الذين يقفون على عجائب القرآن التى لا يدل عليها إلا باطنه، أما ما يعنى به
 
٢ ‏/ ١٩٥
 
مفسرو أهل السُّنَّة من الظواهر فليس فى زعمه من المعانى التى يرمى إليها القرآن، وفى هذا يقول ما نصه:
» ... لو كان معانى آيات القرآن ما هو ظاهر يعرفه كل مَن يعرف اللُّغة العربية، ويتلذذ منه كل مَن له إلمام بالعلوم الأدبية، كيف يتم هذا القول - يريد قول رسول الله ﷺ فى شأن القرآن: «إنه لا تنقضى عجائبه» - وكيف يصدق قول الله فى الآية [٧] من سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم﴾ .
* *

إنتاج البابية والبهائية فى التفسير، ومثل من تأويلاتهم الفاسدة
ولكن هل وصل إلى أيدينا شىء من كتب هذه الطائفة فى تفسير القرآن؟ لم نسمع ولم نقرأ أنهم ألَّفوا تفسيرًا متناولًا للقرآن آية آية، وإنما قرأنا أن رئيسهم الأول فسَّر سورة البقرة، وسورة الكوثر، ولكن لم يصل إلى أيدينا شىء من ذلك، وكل ما وصل إلينا هو نبذ من تفسيره، وتفسير بعض أشياعه ودعاته، قرأناها فى كتبهم أنفسهم، وفى الكتب والمقالات التى كتبت عنهم، وهذه النبذ مع قِلَّتها تصور لنا مقدار تهجمهم على تحريف القرآن الكريم، والميل بنصوصه إلى ما يُرضى أهواءهم، ويُشبع أطماعهم. وإليك بعض التأويلات، لتقف بنفسك على مقدار هذيان القوم، وتلاعبهم بالقرآن وبالعقول!!
*من تأويلات الباب:
فسَّر الباب سورة يوسف، فمشى فيها على طريقة التأويل الذى لا يقره الشرع ولا يقبله العقل، ولا يمكن أن يفهمه إلا مَن يفهم لغة المبرسمين كما قيل.
وإليك بعض ما قاله الباب في تفسيره لسورة يوسف، لتقف على مقدار هذيانه، وتلاعبه بالنصوص القرآنية:
عند قوله تعالى فى الآية: [٤]: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ياأبت إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ... يقول ما نصه: «وقد قصد الرحمن من ذكر يوسف نفس الرسول، وثمرة البتول، حسين ابن عليّ بن أبى طالب مشهودًا.. إذا قال حسين لأبيه يومًا: إنى رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم بالإحاطة على الحق لله القديم سُجَّادًا ... وإن الله قد أراد بالشمس فاطمة، وبالقمر محمدًا، وبالنجوم أئمة الحق فى أُمِّ الكتاب معروفًا، فهم الذين يبكون على يوسف بإذن الله سُجَّدًا وقيامًا».
وفى قوله تعالى فى الآية: [٥]: ﴿قَالَ يابني لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ
 
٢ ‏/ ١٩٦
 
لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشيطان لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ .. يقول ما نصه: «إذ قال علىّ: يا بُنَيَّ لا تُخبر مما أراك الله من أمرك إخوتك ترحمًا على إلفهم، وصبرًا لله تعالى، وهو الله كان عزيزًا حميدًا. إن كنت تخبر من أمرك فى بعض مما قضى الله فيك، فيكيدوا لك كيدًا، بأن يقتلوا أنفسهم فى محبة الله من دون نفسك الحق شهيدًا، وإن الله لوجهك بدمك محمرًا على الأرض بالحق على الحق صبيغًا، وإن الله قد شاء كما شاء أن يراك مخضبًا شعرك من دمك ونفسك على الأرض على غير الحق لدى الحق قتيلًا. وجسمك على الأرض عريًا. وإن الله شاء كما شاء بأن يرى بناتك وحريمك فى أيدى الكافرين أسيرًا.
وعند قوله تعالى فى الآية [٨]: ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ .. يقول ما نصه:».. إذ قالوا حروف لا إله إلا الله. وأن يوسف أحب إلى أبينا منا بما قد سبق من علم الله حرفًا مستسرًا بالسر مُقنَّعًا على السر محتجبًا في سطر، غايبًا في سر السر مرتفعًا عما فى الدنيا وأيدى العالَمين جميعًا. وإنَّا نحن عصبة فيما أراد الله فى شأن يوسف النبى محمد العربى حول السطر مسطورًا. وإن الله قد فضَّل أبانا بفضل نفسه وقدر الله سر المستسر من سر أمره بما فى أيدى العالمين بالكشف المبين على أهل النار من سر «الباء» ضلالًا ... إلخ.
**
*من تأويلات بهاء الله:
ويروى بهاء الله أن ما ورد فى القرآن عن الصراط، والزكاة، والصيام، والحج، والكعبة، والبلد الحرام، وما إلى ذلك، كله لا يراد به ظاهره وإنما يراد به الأئمة. وفى هذا يقول فى «الكتاب»: «قال أبو جعفر الطوسى: قلت لأبى عبد الله: أنتم الصراط فى كتاب الله، وأنتم الزكاة، وأنتم الحج؟ قال: يا فلان؛ نحن الصراط فى كتاب الله ﷿، ونحن الزكاة، ونحن الصيام، ونحن الحج، ونحن الشهر الحرام، ونحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله، ونحن قِبْلة الله، ونحن وجه الله».
وفى كتاب بهاء الله والعصر الجديد، ما يدل على أن البهائيين لا يعترفون بالبعث، ولا بالجنة والنار، حيث يفسِّرون يوم الجزاء ويوم القيامة بمجىء ميرزا حسين الملقب ببهاء الله، قال فى كتاب بهاء الله والعصر الجديد: «وطبقًا للتفاسير البهائية، يكون مجيء كل مظهر إلهى عبارة عن يوم الجزاء، إلا أن مجىء المظهر الأعظم بهاء الله: هو يوم الجزاء الأعظم للدورة الدنيوية التى نعيش فيها»، وقال: «ليس يوم القيامة أحد الأيام العادية، بل هو يوم يبتدئ بظهور المظهر، ويبقى ببقاء الدورة العالمية».
ويُفسِّر البهائية الجنة بالحياة الروحانية، والنار بالموت الروحانى، فقد جاء فى
 
٢ ‏/ ١٩٧
 
كتاب بهاء الله والعصر الجديد: «إن الجنة والنار فى الكتب المقدسة حقائق مرموزة» فالجنة ترمز إلى حياة الكمال، والنار ترمز إلى حياة النقص، ولما كانت الحياة الروحية في نظر البهاء هي الإيمان به، والموت الروحى هو تكذيب دعوته. فإنَّا نراه يقرر ذلك فيقول: «... منهم مَن قال: هل الآيات نزلت؟ قل: إى ورب السموات. قال: أين الجنة والنار؟ قل: الأولى لقائى، والأخرى نفسك يا أيها المشرك المرتاب».
*من تأويلات عبد البهاء عباس:
كذلك نجد عبد البهاء، يتكلم عن النبوة والوحى بما يوافق كلام قدماء الباطنية الذين قلَّدوا الفلاسفة فيقول: «الأنبياء مرايا تنبئ عن الفيض الإلهى، والتجلى الروحانى، وانطبعت فيها أشعة ساطعة من شمس الحقيقة، وارتسمت فيها الصور العالية ممثلة لها تجليات أسماء الله الحُسنى. ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فهم معادن الرحمة، ومهابط الوحى، ومشارق الأنوار، ومصادر الإرسال. وما أرسلناك إلا رحمة للعالَمين».
ونجد قُرَّة العيون - إحدى أتباع الباب - تدَّعى أنها الصُور الذي يُنفخ فيه يوم القيامة، وتقول: «إن الصُور الذى ينتظرون فى اليوم الأخير هو أنا».
وبين أيدينا رسائل أبى الفضائل، محمد بن رضا الجرفادقانى، المعروف بفضل الله الإيرانى، أحد دعاة البابية المتعصبين، وكتاب الحجج البهية له أيضًا، وفيهما تفسير لبعض الآيات القرآنية، بما يتفق ومذهبه الباطل.
فمن ذلك مثلًا أنه يُفسِّر الروح الأمين الذى ورد فى القرآن بأنه الحقيقة المقدسة، ثم يُعَرِّفها فيقول: «هى غيب فى ذاتها، مجردة بحقيقتها عن الجسم أو الجسمانيات، فلا تُوصف بأوصاف الماديات، ولا تُذكر بخصائصها، ولا يُطلق عليها الخروج والدخول، ولا تُوصف بالتحيز والحلول، وإنما هى حقيقة تنجلى فى مظاهر أمر الله تعالى، عرشها قلوب الأصفياء، ومرآة تجليها صدور الأولياء، وإنما مثل طلوعها وإشراقها فى النفوس القدسية كمثل انطباع الشمس فى المرايا، فلا يقال: إن الشمس حلَّت فى المرآة، ولا إنها دخلت فيها، بل ولا يقال: إنها عُرِضت عليها، بل يقال: إن الشمس تجلَّت في المرآة، وظهرت منها وأشرقت، وانطبعت بها» ... وهذا بعينه مذهب قدماء الباطنية والفلاسفة.
ومن ذلك أيضًا أنه فسَّر قوله تعالى فى الآيتين [١٤٢-١٤٣] من سورة الأعراف: ﴿وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ... الآيتين،
 
٢ ‏/ ١٩٨
 
تفسيرًا باطنيًا فقال:»المراد بالليل - كما سمعته منى مرارًا - هو عبارة عن أيام غيبة شمس الحقيقة، واليوم حسب ما نزل فى التوراة المقدِّس يُحسب كل يوم واحد بسنة واحدة، وكان موسى ﵇ لما فارق أرض مصر، وفرَّ من فرعون وملئه إلى مدين، كان ابن ثلاثين، وأقام فى مدين عشر سنوات يشتغل فيها برعى أغنام شعيب النبى ﵇، وكان فى طى هذه المدة التى كانت كالليالى المظلمة، والدياجى الكالحة من ظلم الفراعنة، وأوهام الصابئة، مشتغلًا بتهذيب أخلاقه، وتطييب أعراقه، وتنقية فؤاده، والمناجاة مع ربه فى وحدته وانفراده، فلما طاب خلُقُه، وتم خَلْقه، بعثه الله نبيًا لهداية بنى إسرائيل، وإنقاذهم من ذلك الوبيل. فالمراد بأربعين ليلة هو أربعون سنة. أقام موسى ﵇ فى أثنائها فى مصر ومدين، ولا تنافى كلمة «واعدنا» هذا التفسير، حيث ظاهرها يقتضى تكلم الرب مع موسى قبل بعثته، فإن أمثال هذه الكلمة كثيرًا ما أُطلقت على ما أُلقى فى الروع، وأُلهم فى القلب، حتى على الحيوانات، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتًا﴾، ﴿وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين﴾ ... ظاهر الآية المباركة يدل على أن موسى ﵇ أخلف أخاه هارون حينما كان مع الشعب فى البرية، كما هو مذكور فى التواريخ، إلا أن التواريخ القديمة مظلمة جدًا، حيث إن المؤرخين اعتمدوا فى هذه المسائل على ما جاء فى التوراة وسائر الكتب العتيقة، ولكنا أثبتنا فى كتاب الدرر البهية ضعف هذا المستند من حيث العلم، فيجوز أن يكون هارون مستخلفًا عن موسى ﵉، لحفظ الشعب أيام غياب موسى فى مدين، وقد كان بنو إسرائيل يحافظون على التوحيد من لدن جدهم إبراهيم ﵇، فلما غاب موسى وضع بنو إسرائيل رسم عجل إبيس أحد معبودات المصريين تزلفًا إلى فرعون وقومه،
فكأنهم تجنسوا بالجنسية المصرية، واعتنقنوا الديانة الوثنية، فلما رجع موسى ﵇ ورآهم على تلك الحال السيئة والعبادة الباطلة، أنكر ذلك على هارون، كما ذكره المؤرخون، إذ لا يعقل أن بنى إسرائيل على ما عُرفوا بصلابة الرأى يتركون ديانتهم الموروثة بسبب تأخير موسى عن الرجوع إليهم عشر ليال.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ موسى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولاكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسى صَعِقًا فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾ [الأعراف: ١٤٣] .. اعلم - حفظك الله - أن علماءنا - سامحهم الله - اختلفوا فى رؤية الله تعالى وعدم جواز رؤيته، فالشيعة والمعتزلة أنكروا جواز رؤيته، حيث تقتضى الجهة والمقابلة، وهى من مقتضيات الجسد والتحين والتحدد وأمثال ذلك، وهو منزَّه
 
٢ ‏/ ١٩٩
 
عن تلك الأوصاف، إذ لم يفهموا من لفظة «الله» سوى الذات، ولا شك أن الذات منزَّهة عن تلك الصفات. وأهل السُّنَّة والجماعة جوَّزوا رؤية الله تعالى اعتمادًا على صريح الآيات، واستنادًا على صريح الأحاديث والروايات، وكانوا على هذه العقيدة الصالحة إلى أواسط القرون الهجرية، فمزجوها بالعقائد الوهمية، حيث شاعت فى تلك القرون بينهم المسائل الكلامية، والمعارف الناقصة العقلية، فإنهم قالوا: إن رؤية الله تعالى جائزة وواقعة فى القيامة، إلا أنها ليست من قبيل الإحاطة بالنظر، فترى ذات الله تعالى من غير مواجهة ومقابلة، وكيفية وإحاطة، مما يرجع إلى الوهم الصريح، وإنكار الرؤية حقيقة، وأهل البهاء المستظلين بظلال الفرع الكريم المتشعب من الدوحة المباركة العليا، لما عرفوا - على حسب ما يعلمون من القلم الأعلى - أن ذات الله بسبب تجردها وتقديسها الذاتى لا تُدرك، ولا تُوصف، ولا تُسمى باسم، ولا تُشار بإشارة، ولا تتعين بإرجاع ضمير. والأسماء والأوصاف وكل ما يُسند ويُضاف إليها راجعة فى الحقيقة إلى مظاهرها ومطالعها، ولذلك سهل عليهم فهم معنى أمثال تلك الألفاظ التى نزلت فى الكتب المقدسة والصحف المطهّرة، من قبيل رؤية الله تعالى، ولقاء الله وظهور الله ومجىء الله وغيرها مما ليس بخاف على أهل التحقيق. ثم اعلم أيها الحبيب اللبيب أن أهل البيان كثيرًا ما أطلقوا فى عباراتهم لفظ «جَلَّ» على أكابر الرجال استعارة، سواء أكانوا من صناديد الدولة والملك، أو من
قروم أهل العلم والفضل، كما أطلق أمير المؤمنين ﵇ على مالك بن الحارث النخعى المعروف بالأشتر، لما اشتهر ذكر وفاته، وأخبر بمماته، ومقامه ﵇ معلوم لديك فى الفصاحة والبراعة، ورسائله وخطبه مستغنية عن المدح والإطراء بالطلاوة والصناعة، وعبارته هذه مذكورة فى نهج البلاغة. وهذه استعارة فى غاية المناسبة واللَّطافة حيث إن أكابر الرجال هم بمنزلة الأوتاد، لاستقرار أرض المعارف والديانة، أو الأُمة والدولة، وكثيرًا ما أطلقه داود ﵇ فى مزاميره، وسائر الأنبياء من بنى إسرائيل فى كتبهم على الرب تعالى، كما جاء فى مزمور [٤٢]: «أقول لله صخرتى لماذا نسيتنى»، وجاء فى مزمور [٧١]: «كن لى صخرة وملجأ أدخله دائمًا. أمرت بخلاصى لأنك صخرتى وحصنى» ... إلى كثير من أمثالها، فإذا عرفت هذا، فاعلم أن موسى ﵇ إنما طلب رؤيا الله تعالى بسبب اقتراح الشعب عليه أن يريهم الله، كما يدلك عليه قوله تعالى: ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ إلا أن الله تعالى أخبره بأن رؤيته موقوفة باستقرار جبال العلم والإيمان فى مكانهم من الإذعان واليقين، ولكنهم بسبب عدم بلوغهم إلى المقام الثابت الراسخ المكين من العلم والمعرفة واليقين فلا بد وأن تندك جبال وجودهم، ويتزعزع بنيان إذعانهم لمعبودهم حين لقائه فيتبدل إيمانهم بالكفر، ويقينهم بالشك، وإقبالهم بالإعراض، حيث لم تكمل بعد مراتب
 
٢ ‏/ ٢٠٠
 
عرفانهم، ولم يبلغ إلى الدرجة العليا بنيان إيمانهم، فلم يبلغوا بعد إلى رتبة استحقاق الرؤية واللقاء، ولم يصعدوا إلى درجة الاستقرار والبقاء، فلا بد من ظهور الأنبياء، وقيام الأصفياء، لتربية أشجار الوجودات البشرية، وتكمل معارفهم بالإيمان على ممر الدهور وطى العصور. حتى يبلغوا إلى درجة التمكن والاستقرار، حينئذ يتجلى عليهم رب الأرض والسماء، ويتشرف البالغون منهم إلى درجة المشاهدة واللقاء. فخلاصة تفسير الآية الكريمة: أن موسى ﵇ قال: ربِّ أرنى أنظر إليك، حيث إن الشعب طلبوا منه رؤية الله تعالى فأجابه الله تعالى: بأنك لن ترانى، لأن بنى إسرائيل لم يبلغوا بعد درجة كمال وجودهم، ولم يستعدوا للقاء معبودهم، فانظر إلى جبال الوجودات، ومقادير
استقرار الإيقان، فإن استقر جبل الوجود فى مقام إيمانه وإيقانه حين تجلَّى المعبود ولم يتزلزل ولم يتزعزع من مقامه حين الشهود، حينئذ استعد للقاء الله، واستحق للوقوف بين يدى الله، والتشرف برؤية الله. ثم تجلَّى الرب لأحد من تلك الأُمة ممن كان من رؤساء الشعب، ومن جبال الإيمان والإيقان، فاندك وجوده، وتضعضع إيمانه، واضطرب إيقانه فانصعق موسى من ذلك الامتحان، وعرف مقدار صعوبة مقام الافتتان، فندم على ما سأل الرؤية للطالبين ورجع فى الحين. وقال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
فانظر إليه كيف أوَّل الأربعين ليلة بأنها أربعين سنة، وهى التى يُبعث الأنبياء على رأسها، وكيف علَّل التعبير بلفظ «ليلة» بأن مدى الأربعين سنة كانت مظلمة كالليالي بظلم فرعون وملئه، وكيف تخلَّص من منافاة لفظ «واعدنا» للمعنى الذى يهذى به. وكيف اتهم التوراة وسائر الكتب العتيقة - بما فيها القرآن طبعًا كما سيأتى بعد - بأنها لا يُعَوَّل عليها فى الروايات التاريخية، وكيف رمى المعتزلة وأهل السُّنَّة بعدم إصابة المعنى الحقيقى للرؤية الواردة فى الآية، وكيف ادَّعى أنه ومَن على شاكلته من البهائيين هم الذين أصابوا المعنى الحقيقى للآية؛ وكيف صرف لفظ «الجبل» عن معناه المراد إلى معنى لا يُفهم من لفظ القرآن وسياق الآية!! ... ولستُ فى حاجة إلى أن أبين ما فى هذا التفسير من خطأ وضلال، فإن الحق بَيِّن واضح.
وفي كتاب الدرر البهية، صرَّح أبو الفضائل بأن قصص القرآن غير واقعة، وأنها فى الحقيقة رموز إلى معان خفية فقال: «لا يمكن للمؤرخ أن يستمد معارفه التاريخية من آيات القرآن»، وقال: "إن الأنبياء ﵈ تساهلوا مع الأُمم فى معارفهم
 
٢ ‏/ ٢٠١
 
التاريخية، وأقاصيصهم القومية، ومبادئهم العلمية، فتكلموا بما عندهم، وستروا الحقائق تحت أستار الإشارات، وسدلوا عليها ستائر بليغ الاستعارات».
ولا شك أن هذه دعوى كاذبة يُراد بها إدخال الشك فى قلوب المؤمنين، وإيهامهم بأن القرآن لا يُعتمَد على ظاهره، وإنما يُعتمد على باطنه الذى عندهم علمه دون مَن عداهم من الناس. وإلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، لم ولن يقوم دليل تاريخيى أو عقلى على عدم صحة قصة من قصص القرآن، وهو الذى ﴿لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ . [فصلت: ٤٢] .
كذلك نجد أبا الفضائل يعرض فى كتابه المسمى «الدرر البهية» لقوله تعالى فى الآية [٣٩] من سورة يونس: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾، ولقوله تعالى فى الآية [٥٣] من سورة الأعراف: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق﴾ ... فيقول:
«ليس المراد من تأويل آيات القرآن معانيها الظاهرية ومفاهيمها اللُّغوية، بل المراد المعانى الخفية التى أطلق عليها الألفاظ على سبيل الاستعارة والتشبيه والكناية» ... ثم قال بعد هذا: «قرر الله تنزيل تلك الآيات على ألسنة الأنبياء وبيان معانيها وكشف السر عن مقاصدها إلى روح الله حينما ينزل من السماء»، وقال: «إنما بُعثوا ﵈ لسوق الخلق إلى النقطة المقصودة، واكتفوا منهم بالإيمان الإجمالى حتى يبلغ الكتاب أجله، وينتهى سير الأفئدة إلى رتبة البلوغ فيظهر روح الله الموعود ويكشف لهم الحقائق المكنونة فى اليوم المشهود»، وقال: «وفى نفس الكتب السماوية تصريحات بأن تأويل آياتها إلى معانيها الأصلية المقصودة لا تظهر إلا فى اليوم الآخر، يعنى يوم القيامة، ومجىء مظهر أمر الله وإشراق آفاق الأرض ببهاء وجه الله». ثم قال: «ولذلك جاءت من لدن نزول التوراة إلى نزول البيان تافهة باردة عقيمة جامدة، بل مضلة مبعدة محرَّفة مفسدة».
ومعلوم أن لفظ التأويل في الآيتين عبارة عن وقوع المخبَر به ولكن يأبى هذا المنحرف المنحرف إلا أن يحمل التأويل على تأويل الآيات إلى المعانى الخفية، وعجيب بعد هذا أن يتهم الرسل بأنهم لا يعرفون تأويل الآيات، لأن وظيفتهم البلاغ فحسب، وأما كشف الستر عن المعانى الخفية فإلى روح الله حين نزوله. وروح الله فى نظره ونظر أشياعه: هو البهاء الذى يُعَبِّر عنه بالنقطة، ويدَّعى أن الرسل أُرسلوا لسوق الخلق إليه، ويدَّعى أيضًا أن ظهوره يكون يوم القيامة، ولا شك أن هذا تفسير بارد عقيم، وجامد مضل، ولكنه لا يريد أن يعترف بهذا، بل نجده يتعسف فيرمى كل التفاسير من
 
٢ ‏/ ٢٠٢
 
لدن نزول التوراة إلى نزول البيان بأنها تافهة باردة، عقيمة جامدة، مضلة مبعدة، محرَّفة مفسدة، لأن أصحابها خاضوا فيما لا علم لهم به، والعلم فى نظره عند البهاء وحده.
كذلك نجد أبا الفضائل يُفسِّر قوله تعالى فى الآية [٣١] من سورة المدثر: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بما لا يقره شرع، أو يرضى به عقل فيقول:»إن لفظ المَلَك واحد الملائكة، والملائكة في اللُّغة العربية توافق لفظاَ ومعنى ما في اللُّغة العبرانية، حيث إنها مأخوذة من الأصل السامى، الذى اشتُقَّت منه اللُّغات: السريانية، والعبرانية، والعربية، والآشورية، والكلدانية، وهو يفيد معنى المالكية والاستيلاء على شىء، فكما أنه أطلق لفظ المَلَك والملائكة في الكلمات النبوية المحفوظة في الكتب السماوية على النفوس القدسية، والأئمة الهداة، لخلعهم ثياب البشرية وتخلقهم بالأخلاق الروحانية الملكوتية، فملكوا زمام الهداية وصاروا ملوك ممالك الولاية، كأنهم أُعطوا سلطة مطلقة فى سعادة الناس وشقاوتهم، وهدايتهم وضلالهم، وهذا هو معنى الولاية المطلقة التى جاءت فى الأخبار، ولذا سمى سيد الأبرار وأمير الأبرار، بقسيم الجنة والنار. كذلك أطلق هذا اللفظ فى الكلمات النبوية على رؤساء الأشرار، وأئمة الضلال، حيث إنهم قادة الفُجَّار يقودونهم إلى النار ولذا أطلق عليهم لفظ الملائكة، كما أنه أطلق عليهم لفظ الأئمة فى قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار﴾ [القصص: ٤١] . ثم استدل أبو الفضائل بعبارات من الكتب القديمة على جواز إطلاق الملائكة على أئمة الجور والضلال، ثم تكلم عن سر تخصيص العدد بتسعة عشر، فذكر أن الديانات أبواب لدخول جنة الله ورضوانه، كما أنها أبواب للدخول فى جهنم بسخط الله حين تغييرها مثلًا ... ثم استطرد من هذا إلى أن الباب كما يُطلق أيضًا على الديانات، يُطلق أيضًا على الأنبياء وكبار الأولياء، واستدل على هذا بعبارة نقلها عن الجامعة وردت فى شأن الأئمة وهى: «أنتم باب الموتى والمأخوذ عنه» قال: وإليه أشير فى الآية الكريمة: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب﴾ [الحديد: ١٣]، بعد أن قرر هذا، ادَّعى «أن أبواب الجنة كانت عند ظهور النقطة الأولى تسعة عشر، وهى
ثمانية عشر حروف»الحى«والنقطة الفردانية، وبهم صعد المخلصون إلى الذروة العليا، ودخلوا الجنة ... . ثم عارض الدجال الرب سبحانه فعيَّن تسعة عشر إنسانًا من رؤساء أصحابه ودهاة أحبابه، لإضلال أهل الإيمان، ومعارضة جمال الرحمن»، ثم قال: "فالمراد بملائكة النار فى الآية المباركة هو هذه الرجال من أصحاب الدجال وأئمة
 
٢ ‏/ ٢٠٣
 
الضلال«.. ثم ذكر بعد ذلك أن عدد أبواب النار صار فى هذا الدور الحميد، والكون المجيد ثلاثة فقط وهى أيضًا ملائكة الجحيم، وقادة أصحاب الشمال إلى العذاب الأليم».
واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ * لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللهب﴾ ... ثم قال: «وفى كل دور وزمان تجد لكلمات الله تعالى مصاديق يعرفها أهل الإيمان، وحملة القرآن، ومخازن الحكمة، ومطالع البيان».
وفى الحجج البهية يقرر أبو الفضائل: أن جميع الديانات السماوية. وغير السماوية واحدة من ناحية الاتفاق على العقائد الأصلية، وإن اختلفت فى الأحكام الفرعية، وذلك حيث يقول فى تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٣] من سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحًا والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾: «فانظروا - وفقكم الله - كيف اعتبر فى الآية الكريمة ديانات الصابئة والزردشتية والموسوية والنصرانية والإسلامية دينًا واحدًا، كما اعتبر مؤسسها وشارعها إلهًا واحدًا، على اختلافها فى الأحكام والحدود والآداب» وهذا منه كفر صريح، لأن الآية لا تدل على أكثر من اتحاد جميع الشرائع السماوية فى أُصول العقائد، أما الديانة الصابئية، والديانة الزردشتية، فلم يقل أحد إنها شرائع الله، حتى يُسوِّى بينها وبين سائر الشرائع السماوية.
كذلك نجد أبا الفضائل يقول بالرجعة، ويريد بها: رجوع الحقيقة المقدسة التى هى الوحى، على معنى أن الوحى بعد انقطاعه بموت محمد ﷺ يرجع فينزل مرة ثانية على زعيمهم الباب ثم البهاء، ويُفسِّر القيامة: بأنها قيام مظهر الحقيقة المقدَّسة، والساعة: بساعة طلوعها وإشراقها بعد الغيبة ويقول: «وأما الرجعة والقيامة بالمعنى الذى تعتقد وتنتظره الأُمم فهى أمر غير معقول، إذ هو مخالف للنواميس الطبيعية، ومباين للسنن الإلهية».
ويقول: «إن جميع ما نزل فى الكتب المقدسة من بشارات يوم الله، ويوم القيامة، وظهور الرب، وورود الساعة وأشراطها ... لا بد أن تكون لتلك الألفاظ مقاصد معقولة، ومفاهيم ممكنة ومعان غير المعانى الظاهرية، ومدلولات غير المدلولات الأوَّلية».
 
٢ ‏/ ٢٠٤
 
وكأنى بأبى الفضائل - وقد قال بنبوة الباب والبهاء - نظر فى كتاب البيان وكتاب بهاء الله، فلم يجدهما فى رصانة القرآن وفصاحته، فأراد أن ينزل بالقرآن عن مستواه فى البلاغة، ويسلب عنه إعجازه حتى يكون فى درجة البيان والكتاب فقال: «ولا يُعرف ولا يمتاز كلام الله عن كلام البشر بفصاحته، وبلاغته، ورصف كلماته، وتسجيع عباراته، وترصيع جمله، ولطيف استعاراته، كما يدَّعيه قوم».
كما أعتقد أنه - وقد ادَّعى نبوة الباب والبهاء - راح يفتش لهما عن معجزة تُصدِّق دعواهما النبوة، فلم يعثر ولا على جزء معجزة، فجرَّه ذلك أن ينكر معجزات الرسل، ويتأوَّل ما ورد فى القرآن منها بأنها من قبيل الاستعارات عن الأمور المعقولة، والحقائق الممكنة، مما يُجوِّزه العقل السليم، كما جَرَّه إلى القول بأنه لا صلة بين دعوى الرسالة، وبين القُدْرة على الإتيان بالخوارق فقال: «لا نسبة بين القُدْرة على إتيان المعجزات والعجائب، وبين ادعاء النبوة والرسالة، فإن الرسالة والنبوة ليست إلا بعث إنسان من قِبَلِ الله تعالى لهداية الخلق، فما هو ارتباط هذا المعنى بالقُدْرة على شق البحار، وجفاف الأنهار، وإنطاق الأحجار والأشجار مثلًا».
ولا يشك عاقل فى أن هذا الزنديق يريد من وراء هذا أن يفتح باب شر عظيم، ليدخل منه كل مَن يدَّعى النبوة والرسالة، كما دخل منه أنبياء البابية والبهائية من قبل.
وكما تأوَّل متعصبو الشيعة الشجر المباركة، والشجرة الملعونة، فحملوا الأُولى على آل البيت، والثانية على أعدائهم من بني أمية، كذلك تأوَّلهما أبو الفضائل، فقال فى شرحه لقوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة النور: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ ... . الآية: «أطلق لفظ»شجرة مباركة زيتونة«على مظهر أمر الله، ومطلع الشمس حقيقته وذاته. ومشرق أنوار أسمائه وصفاته، فإن من هذا السدرة المباركة وحدها تتألف وتضىء الأنوار الإلهية، وتشرق وتلمع أشعة العلم والقوة، والقُدْرة الملكوتية السماوية، وهذه استعارة فى غاية الرقة واللَّطافة، وتجوّز فى نهاية اللطافة والبراعة، لم يُوجد مثلها إلا فى الكلمات النبوية، ولم يُسمع شبيهها إلا من نغمات طيور القدس فى الحدائق القدسية». قال: "وكذلك فى الآية [٦٠] من سورة بنى إسرائيل، أطلق لفظ الشجرة الملعونة: استعارة على أعداء الله، ومحاربى رسول الله، من السلالة الأُموية، والسلطة العضوضية
 
٢ ‏/ ٢٠٥
 
السفيانية، حيث قال جَلَّ وعَلا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ والشجرة الملعونة فِي القرآن﴾ . [الإسراء: ٦٠]
هذه نُبذ من تأويلات البابية للقرآن الكريم، تعطينا دليلًا قويًا، وبرهانًا صادقًا على أن المذهب البابى، أو البهائى، يقوم على أطلال الباطنية، ويحمل فى سريرته القصد إلى هدم شريعة الإسلام بمعول التأويل فى آيات القرآن، ودعوى النبوة والرسالة، بعد أن ختمها الله برسالة محمد ﷺ. وإذا كان لنا كلمة بعد ذلك فهى: إن البابية وأسلافهم من الباطنية، لم يكونوا أول من ابتدأ التأويل لنصوص الشريعة على هذه الصورة التى تأتى على بنيان الدين من قواعده، وإنما هو صنيع قلَّدوا فيه طائفة من فلاسفة اليهود الذين سبقوهم، فهذا هو «فيلون» الفيلسوف اليهودى المولود ما بين عشرين وثلاثين سنة قبل الميلاد، نجده ألَّف كتابًا فى تأويل التوراة، ذاهبًا إلى أن كثيرًا مما فيها رموز إلى أشياء غير ظاهرة، ويقول الكاتبون فى تاريخ الفلسفة: إن هذا التأويل الرمزى كان موجودًا ومعروفًا عند أدباء اليهود بالإسكندرية قبل زمن «فيلون»، ويذكرون أمثلة من تأويلهم: أنهم فسَّروا آدم بالعقل، والجنة برياسة النفس، وإبراهيم بالفضيلة الناتجة من العلم، وإسحاق عندهم هو الفضيلة الغريزية، ويعقوب الفضيلة الحاصلة من التمرين، إلى أمثال هذا من التأويل الذى لا يحوم عليه إلا الجاحدون المراءون، ولا يقبله منهم إلا قوم هم عن مواقع الحكمة ودلائل الحق غافلون".
وبعد أن انتهينا من موقف الباطنية - قديمهم وحديثهم - من القرآن الكريم، نتكلم عن موقف الزيدية منه ... . فنقول وبالله التوفيق:
* *
 
٢ ‏/ ٢٠٦
 
الزيدية وموقفهم من التفسير والقرآن الكريم 

تمهيد

لم يقع بين الزيدية من الشيعة، وبين جمهور أهل السُّنَّة خلاف كبير مثل ما وقع من الخلاف بين الإمامية وجمهور أهل السُّنَّة، والذى يقرأ كتب الزيدية يجد أنهم أقرب فِرَق الشيعة إلى مذهب أهل السُّنَّة، وما كان بين الفريقين من خلاف فهو خلاف لا يكاد يُذكر.
يرى الزيدية: أن عليًا أفضل من سائر الصحابة، وأولى بالخلافة بعد رسول الله ﷺ، ويقولون: إن كل فاطمى عالِم زاهد شجاع سخى خرج للإمامة صحَّت إمامته، ووجبت طاعته، سواء أكان من أولاد الحسن، أم من أولاد الحسين، ومع ذلك فهم لا يتبرأون من الشيخين، ولا يُكفرونهما، بل يُجوِّزون إمامتهما، لأنه تجوز عندهم إمامة المفضول مع وجود الفاضل، كما أنهم لم يقولوا بما قالت به الإمامية من التقية، والعصمة للأئمة، واختفائهم ثم رجوعهم فى آخر الزمان. وغير ذلك من خرافات الإمامية ومَن على شاكلتهم.
وكل الذى نلحظه على الزيدية، أنهم يشترطون الاجتهاد فى أئمتهم، ولهذا كثر فيهم الاجتهاد، وأنهم لا يثقون برواية الأحاديث إلا إذا كانت عن طريق أهل البيت. والذى يقرأ كتاب «المجموع» للزيدية يرى أن كل ما فيه من الأحاديث مروية عن زيد بن علىّ زين العابدين، عن آبائه من الأئمة، عن رسول الله ﷺ، وليس فيه بعد ذلك حديث يُروى عن صحابى آخر من غير أهل البيت رضى الله عنهم.
كما نلاحظ على الزيدية أيضًا أنهم تأثروا إلى حد كبير بآراء المعتزلة ومعتقداتهم، ويرجع السر فى هذا إلى أن إمامهم زيد بن علىّ، تتلمذ على واصل بن عطاء، كما قلنا ذلك فيما سبق.
إذن فلا نطمع بعد ذلك أن نرى للزيدية أثرًا مميزًا، وطابعًا خاصًا فى التفسير كما رأينا للإمامية، لأن التفسير إنما يتأثر بعقيدة مفسِّرة. ويتخذ له طابعًا خاصًا، واتجاهًا معينًا، حينما يكون لصاحبه طابع خاص واتجاه معين. وليست الزيدية - بصرف النظر عن ميولهم الاعتزالية - بمنأى بعيد عن تعاليم أهل السُّنَّة، وعقائدهم، حتى يكون لهم فى التفسير خلاف كبير.
* *

أهم كتب التفسير عند الزيدية

وإذا نحن ذهبنا نفتش عن تفاسير الزيدية فى المكتبات التى تحت أبصارنا وفى متناول أيدينا، فإنَّا لا نكان نظفر منها إلا بتفسير الشوكانى المسمى «فتح القدير» وهو تفسير متناول للقرآن كله، وجامع بين الرواية والدراية، وتفسير آخر فى شرح آيات الأحكام اسمه «الثمرات اليانعة» لشمس الدين يوسف بن أحمد - من علماء القرن التاسع الهجرى - هذا هو كل ما عثرنا عليه للزيدية من كتب فى التفسير.
ولكن هل هذا هو كل ما أنتجته هذه الطائفة؟ أو أن هناك كتبًا أخرى أُلِّفت فى
 
٢ ‏/ ٢٠٧
 
التفسير ثم دَرست؟ أو أُلِّفت وبقيت إلى اليوم غير أنه لم يُكتب لها الذيوع والانتشار، ولذا لم تصل إلى أيدينا؟
الحق أنى وجهت هذا السؤال إلى نفسى، فرجحت أن تكون هناك كتب كثيرة فى التفسير لهذه الطائفة، منها ما دَرس، ومنها ما بقى إلى اليوم مطمورًا فى بعض المكاتب الخاصة، إذ ليس من المعقول أن لا يكون لطائفة إسلامية قامت من قديم الزمان، وبقيت محتفظة بتعاليمها ومقوِّماتها إلى اليوم إلا هذا الأثر الضئيل فى التفسير.
رجحت هذا الرأى، فذهبت أفتش وأبحث فى بعض الكتب التى لها عناية بهذا الشأن، عَلِّى أعثر على أسماء لبعض كتب فى التفسير لبعض من علماء الزيدية ... . وأخيرًا وجدت فى الفهرست لابن النديم: أن مقاتل ابن سليمان - وعَدَّهُ من الزيدية - له من الكتب، كتاب التفسير الكبير، وكتاب نوادر التفسير.
ووجدت فى الفهرست أيضًا: أن أبا جعفر محمد بن منصور المرادى الزيدى، له كتابان فى التفسير، أحدهما، كتاب التفسير الكبير، والآخر: كتاب التفسير الصغير.
وقرأت مقدمة شرح الأزهار من كتب الزيدية فى الفقه، وهى مقدمة تشتمل على تراجم الرجال المذكورة فى شرح الأزهار لأحمد بن عبد الله الجندارى، فخرجت منها بما يأتى:

١- تفسير غريب القرآن للإمام زيد بن علىّ، جمعه بإسناده محمد ابن منصور بن يزيد الكوفى، أحد أئمة الزيدية، المتوفى سنة نيف وتسعين ومائتين.
٢- تفسير إسماعيل بن عليّ البُستى الزيدى، المتوفى فى حدود العشرين وأربعمائة، قال: وهو فى مجلد واحد.
٣- التهذيب، لمحسن بن محمد بن كرامة المعتزلى ثم الزيدى، المقتول سنة ٤٩٤هـ (أربع وتسعين وأربعمائة) . قال: وهذا التفسير مشهور، ويمتاز من بين التفاسير بالترتيب الأنيق، فإنه يورد الآية كاملة، ثم يقول: القراءة ويذكرها، ثم يقول: الإعراب ويذكره، ثم يقول: النظم ويذكره، ثم يقول: المعنى ويذكره، ويذكر أقوالًا متعددة، وينسب كل قول إلى قائله من المفسِّرين، ثم يقول: النزول ويذكر سببه، ثم يقول: الأحكام ويستنبط أحكامًا كثيرة من الآية.
 
٢ ‏/ ٢٠٨
 
٤- تفسير عطية بن محمد النجوانى الزيدى، المتوفى سنة ٦٦٥هـ (خمسة وستين وستمائة) . قال: وقد قيل إنه تفسير جليل، جمع فيه صاحبه علوم الزيدية.
٥- التيسير فى التفسير، للحسن بن محمد النحوى الزيدى الصنعانى، المتوفى سنة ٧٩١هـ (إحدى وتسعين وسبعمائة) .
هذا هو كل ما قرأت عنه فى كتب الزيدية فى التفسير، لكن هل بقيت هذه الكتب إلى اليوم؟ أو دَرست بتقادم العهد عليها؟ سألت نفسى هذا السؤال، وحاولت أن أقف على جوابه، وأخيرًا انتهزت فرصة وجود الوفد اليمنى فى مصر - وفيه الكثير من علماء الزيدية الظاهرين - فاتصلت بأحد أعضائه البارزين، وهو القاضى محمد بن عبد الله العامرى الزيدى، فسألته عن أهم مؤلفاته الزيدية فى التفسير، وعن الموجود منها إلى اليوم، فأخبرنى بأن للزيدية كتبًا كثيرة فى تفسير القرآن الكريم، منها ما بقى، ومنها ما اندثر، وما بقى منها إلى اليوم لا يزال مخطوطًا، وموجودًا فى مكاتبهم، وذكر لى من تلك المخطوطات الموجودة عندهم ما يأتى:
١- تفسير ابن الأقضم.. أحد قدماء الزيدية.
٢- شرح الخمسمائة آية «تفسير آيات الأحكام» لحسين بن أحمد النجرى، من علماء الزيدية فى القرن الثامن الهجرى.
٣- الثمرات اليانعة «تفسير آيات الأحكام» للشيخ شمس الدين يوسف ابن أحمد بن محمد بن عثمان، من علماء الزيدية فى القرن التاسع الهجرى.
٤- منتهى المرام، شرح آيات الأحكام، لمحمد بن الحسين بن القاسم، من علماء الزيدية فى القرن الحادى عشر الهجرى.
- تفسير القاضى ابن عبد الرحمن المجاهد، أحد علماء الزيدية فى القرن الثالث عشر الهجرى.
قال: وهناك كتب أخرى لا يحضرنى اسمها، ولا اسم مؤلفيها، فسألته عن السر الذى من أجله بقيت هذه الكتب مخطوطة إلى اليوم؟ وأى شىء يحول بينكم وبين طبعها، حتى تصبح متداولة بين أهل العلم، وعشاق التفسير؟ فأجابنى بأن السر فى هذا أمران: أحدهما: عدم تقدم فن الطباعة عندهم. وثانيهما: أن كل اعتمادهم فى التفسير على كتاب «الكشاف» للزمخشرى، نظرًا للصلة التى بين الزيدية والمعتزلة، مما
 
٢ ‏/ ٢٠٩
 
جعل أهل العلم ينصرفون عن كل ما عداه من كتب التفسير، ورجا ورجوت معه أن يهيىء الله لهذا التراث العلمى فى التفسير من الأسباب ما يجعله متداولًا بين أهل العلم ورجال التفسير.
وبعد ... فما دامت أيدينا لم تصل إلى شىء من كتب التفسير عند الزيدية سوى كتاب «فتح القدير» للشوكانى، و«الثمرات اليانعة» لشمس الدين يوسف بن أحمد، فإنى سأقتصر على هذين الكتابين فى دراستى وبحثى، وسأبدأ بتفسير الشوكانى، وإن كان لا يمثل لنا تفسير الزيدية تمثيلًا وافيًا شافيًا، وأُرجىء الكلام عن «الثمرات اليانعة» إلى أن أعرض للكلام عن تفاسير الفقهاء إن شاء الله:
* *
 
٢ ‏/ ٢١٠
 
فتح القدير للشوكاني 

التعريف بمؤلف هذا التفسير

ومؤلف هذا التفسير هو العلامة محمد بن علي بن عبد الله الشوكانى، وُلِد فى سنة ١١٧٣هـ (ثلاث وسبعين ومائة بعد الألف من الهجرة النبوية)، فى بلدة هجرة شوكان. ونشأ - رحمه الله تعالى - بصنعاء، وتربى فى حجر أبيه على العفاف والطهارة، وأخذ فى طلب العلم والسماع من العلماء الأعلام، وجَدَّ فى طلب العلم، واشتغل كثيرًا بمطالعة كتب التاريخ ومجاميع الأدب، وسار على هذه الطريقة ما بين مطالعة وحفظ، وما بين سماع وتلق، إلى أن صار إمامًا يُعَوَّل عليه، ورأسًا يُرحل إليه «فريدًا فى عصره، ونادرة لدهره، وقدوة لغيره، بحرًا فى العلم لا يُجارَى، ومفسِّرًا للقرآن لا يُبارَى، ومُحَدِّثًا لا يشق له غبار، ومجتهدًا لا يثبت أحد معه فى مضمار».
ولقد خلَّف ﵀ كتبًا فى العلم نافعة وكثيرة، أهمها: كتاب «فتح القدير» فى التفسير، وهو الكتاب الذى نحن بصدد الكلام عنه، وكتاب «نيل الأوطار فى شرح منتقى الأخبار» فى الحديث، وكتاب «إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والميعاد والنبوات». رد به على موسى ابن ميمون الأندلسي اليهودى، وغير هذا كثير من مؤلفاته.
تفقه ﵀ على مذهب الزيدية، وبرع فيه، وألَّف وأفتى. ثم خلع ربقة التقليد، وتحلَّى بمنصب الاجتهاد، وألَّف رسالة سماها «القول المفيد فى أدلة الاجتهاد والتقليد»، تحامل عليه من أجلها جماعة من العلماء، وأرسل إليه أهل جهته سهام اللوم والمقت، وثارت من أجل ذلك فتنة فى صنعاء اليمن بين مَن هو مُقَلِّد ومن هو مجتهد.
وعقيدة الشوكانى عقيدة السَلَف، من حمل صفات الله تعالى الواردة فى القرآن والسُّنَّة على ظاهرها من غير تأويل ولا تحريف، وقد ألَّف فى ذلك رسالة «التحف بمذهب السَلَف».
هذا وقد توفى الشوكانى ﵀ سنة ١٢٥٠هـ (خمسون بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية)، فرحمه الله وأرضاه.
* *

التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه

يعتبر هذا التفسير أصلًا من أُصول التفسير، ومرجعًا مهمًا من مراجعه، لأنه جمع
 
٢ ‏/ ٢١١
 
بين التفسير بالدراية، والتفسير بالرواية، فأجاد فى باب الدراية، وتوسَّع فى باب الرواية، وقد ذكر مؤلفه فى مقدمته أنه شرع فيه فى شهر ربيع الآخر من شهور سنة ثلاث وعشرين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية، وفرغ منه فى شهر رجب سنة تسع وعشرين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل السلام وأزكى التحية. كما ذكر أنه اعتمد فى تفسيره هذا على أبي جعفر النحاس، وابن عطية الدمشقى، وابن عطية الأندلسى، والقرطبى، والزمخشرى، وغيرهم.
* *

طريقة الشوكانى فى تفسيره

وطريقة الشوكانى التى سلكها فى تفسيره يكفينا فى بيانها عبارته التى ذكرها فى مقدمة هذا التفسير مبينًا بها منهجه فيه.
قال ﵀: «ووطنت النفس على سلوك طريقة هى بالقبول عند الفحول حقيقة، وها أنا أوضح لك منارها، وأبين لك إيرادها وإصدارها، فأقول: إن غالب المفسِّرين تفرَّقوا فريقين، وسلكوا طريقين، الفريق الأول: اقتصروا فى تفاسيرهم على مجرد الرواية، وقنعوا برفع هذه الراية، والفريق الآخر: جردوا أنظارهم إلى ما تقتضيه اللُّغة العربية، وما تفيده العلوم الآلية، ولم يرفعوا إلى الرواية رأسًا، وإن جاءوا به لم يصحوا لها أساسًا، وكلا الفريقين قد أصاب، وأطال وأطاب، وإن رفع عماد بيت تصنيفه على بعض الأطناب، وترك منها ما لا يتم بدونه كمال الانتصاب».
ثم قال بعد أن دلل على قوله هذا: «وبهذا يُعرف أنه لا بد من الجمع بين الأمرين، وعدم الاقتصار على مسلك أحد الفريقين، وهذا هو المقصد الذى وطنت نفسى عليه، والمسلك الذى عزمت على سلوكه إن شاء الله، مع تعرضى للترجيح بين التفاسير المتعارضة مهما أمكن واتضح لى وجهه، وأخذى من بيان المعنى العربى والإعرابى والبيانى بأوفر نصيب، والحرص على إيراد ما ثبت من التفسير عن رسول الله ﷺ، أو الصحابة، أو التابعين، أو تابعيهم، أو الأئمة المعتمدين، وقد أذكر ما فى إسناده ضعف، إما لأن فى المقام ما يقويه، أو لموافقته للمعنى العربى. وقد أذكر الحديث معزوًا إلى راويه من غير بيان حال الإسناد، لأنى أجده فى الأصول التى نقلت عنها كذلك، كما يقع فى تفسير ابن جرير والقرطبى وابن كثير والسيوطى، وغيرهم، ويبعد كل البُعد أن يعلموا فى الحديث ضعفًا ولا يبينوه، ولا ينبغى أن يُقال فيما أطلقوه: إنهم قد علموا ثبوته، فإن من الجائز أن ينقلوه من دون كشف عن حال الإسناد، بل هذا هو الذى يغلب به الظن، لأنهم لو كشفوا عنه فثبت عندهم صحته لم يتركوا بيان ذلك، كما يقع منهم كثيرًا التصريح بالصحة أو الحُسن، فمَن وجد الأصول التى يروون عنها، ويعزون ما فى تفاسيرهم إليها. فلينظر إلى أسانيدها موفقًا إن شاء الله.
»واعلم أن تفسير السيوطى المسمى بالدر المنثور، قد اشتمل على غالب ما فى تفاسير السَلَف من التفاسير المرفوعة إلى النبى ﷺ، وتفاسير الصحابة ومَن بعدهم،
 
٢ ‏/ ٢١٢
 
وما فاته إلا القليل النادر. وقد اشتمل هذا التفسير على جميع ما تدعو إليه الحاجة منه مما يتعلق بالتفسير، مع اختصار لما تكرر لفظًا واتحد معنى بقولى: ومثله ونحوه، وضممت إلى ذلك فوائد لم يشتمل عليها، وجدتها فى غيره من تفاسير علماء الرواية، أو من الفوائد التى لاحت لى، من تصحيح، أو تحسين، أو تضعيف، أو تعقيب، أو جمع، أو ترجيح ... فهذا التفسير وإن كبر حجمه فقد كثر علمه، وتوفر من التحقيق قسمه، وأصاب غرض الحق سهمه، واشتمل على ما فى كتب التفاسير من بدائع الفوائد، مع زوائد فرائد، وقواعد شرائد، ثم أرجع إلى تفاسير المعتمدين على الدراية، ثم انظر فى هذا التفسير بعد النظرين، فعند ذلك يسفر الصبح لذى عينين، ويتبين لك أن هذا الكتاب هو اللُّباب، وعجب العُجاب، وذخيرة الطُلاب، ونهاية مآرب أُولى الألباب ... وقد سميته «فتح القدير، الجامع بين فنى الرواية والدراية من علم التفسير».
مما تقدم يتضح لك جليًا طريقة المؤلف التى سلكها فى تفسيره هذا، وقد رجعت إلى هذا التفسير وقرأت فيه كثيرًا، فوجدته يذكر الآيات، ثم يفسِّرها تفسيرًا معقولًا ومقبولًا، ثم يذكر بعد الفراغ من ذلك: الروايات التفسيرية الواردة عن السَلَف، وهو ينقل كثيرًا عمن ذكر من أصحاب كتُب التفسير. ووجدته يذكر المناسبات بين الآيات، ويحتكم إلى اللُّغة كثيرًا. وينقل عن أئمتها كالمبرد وأبى عبيدة والفرَّاء، كما أنه يتعرض أحيانًا للقراءات السبع، ولا يفوته أن يعرض لمذاهب العلماء الفقهية فى كل مناسبة، ويذكر اختلافاتهم وأدلتهم، ويُدلى بدلوه بين الدلاء، فيرجح، ويستظهر، ويستنبط، ويعطى نفسه حرية واسعة فى الاستنباط، لأنه يرى نفسه مجتهدًا لا يقل عن غيره من المجتهدين.
* *

نقله للروايات الموضوعة والضعيفة

غير أنى آخذ عليه - كرجل من أهل الحديث - أنه يذكر كثيرًا من الروايات الموضوعة، أو الضعيفة، ويمر عليها بدون أن ينبه عليها.
فمثلًا نجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ﴾ ... الآية، وقوله فى الآية [٦٧] منها: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ ... الآية، يذكر من الروايات ما هو موضوع على ألسن الشيعة، ولا ينبه على أنها موضوعة، مع أنه يقرر عدم صلاحية مثل هذه الروايات للاستدلال على إمامة علىّ، ففى الآية الأولى يقول: ﴿.. وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ جملة حالية من فاعل للفعلين اللَّذين قبله، والمراد بالركوع: الخشوع والخضوع، أى يقيمون الصلاة، ويؤتون
 
٢ ‏/ ٢١٣
 
الزكاة، وهم خاشعون لا يتكبرون. وقيل: هو حال من فاعل الزكاة، والمراد بالركوع هو المعنى المذكور، أى يضعون الزكاة فى مواضعها غير متكبرين على الفقراء، ولا مترفعين عليهم، وقيل: المراد بالركوع على المعنى الثانى: ركوع الصلاة، ويدفعه عدم جواز إخراج الزكاة فى تلك الحال».
ثم نراه يذكر فى ضمن ما يذكر من الروايات عن ابن عباس أنه قال: تصدَّق علىّ بخاتم وهو راكع، فقال النبي ﷺ للسائل: «مَن أعطاك هذا الخاتم»؟ قال: ذلك الراكع، فأنزل الله فيه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ﴾ ... الآية، ثم يمر على هذه الرواية الموضوعة باتفاق أهل العلم ولا ينبه على ما فيها.
وفى الآية الثانية نجده يروى عن أبى سعيد الخدرى أنه قال: «نزلت هذه الآية: ﴿ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ على رسول الله ﷺ يوم»غدير خُم«، فى علىّ بن أبي طالب رضى الله عنه»، ويروى عن ابن مسعود أنه قال: «كنا نقرأ على عهد رسول الله ﷺ:»يا أيها الرسول بَلِّغْ ما أُنزل إليك من ربك أن عليًا مولى المؤمنين، وإن لم تفعل فما بلَّغتَ رسالته، والله يعصمك من الناس«- ثم يمر على هاتين الروايتين أيضًا بدون أن يتعقبهما بشىءٍ أصلًا.
* *

ذمه للتقليد والمقِّدين
كذلك نلاحظ على الشوكانى أنه لا يكاد يمر بآية من القرآن تنعى على المشركين تقليدهم آباءهم إلا ويطبقها على مقلِّدى أئمة المذاهب الفقهية، ويرميهم بأنهم تاركون لكتاب الله، مُعْرِضون عن سُنَّة رسوله ﷺ. ونحن وإن كنا لا نمنع من الاجتهاد مَن له قدرة عليه بتحصيله لأسبابه وإلمامه بشروطه إلا أنَّا لا ننكر أن فى الناس مَن ليس أهلًا للاجتهاد، وهؤلاء لا بد لهم من التقليد. ولستُ فى شك من أن الشوكانى مخطىء فى حملاته على المقلِّدة، كما أنه قاس إلى حد كبير حيث يطبق ما ورد من الآيات فى حق الكفرة على مقلِّدى الأئمة وأتباعهم، وإليك بعض ما قاله فى تفسيره.
فمثلًا عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [٢٨] من سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ .. قال ما نصه:».. وإن فى هذه الآية الشريفة لأعظم زاجر، وأبلغ واعظ للمقلِّدة، الذين يتبعون آباءهم فى المذاهب المخالفة للحق، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر لا بأهل الحق، فإنهم القائلون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ ... والقائلون: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا﴾ ...
 
٢ ‏/ ٢١٤
 
والمقلِّد لولا اغتراره بكونه وجد أباه على ذلك المذهب، مع اعتقاده بأنه الذى أمر الله به، وأنه الحق لم يبق عليه، وهذه الخصلة هى التى بقى بها اليهودى على اليهودية، والنصرانى على النصرانية، والمبتدع على بدعته، فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم فى اليهودية أو النصرانية أو البدعة. وأحسنوا الظن بهم، بأن ما هم عليه هو الحق الذى أمر الله به، ولم ينظروا لأنفسهم، ولا طلبوا الحق كما يجب، ولا بحثوا عن دين الله كما ينبغى، وهذا هو التقليد البحت والقصور الخالص. فيا مَن نشأ على مذهب من هذه المذاهب الإسلامية، أنا لك النذير المبالغ فى التحذير من أن تقول هذه المقالة، وتستمر على الضلالة، فقد اختلط الشر بالخير، والصحيح بالسقيم، وفاسد الرأى بصحيح الرواية، ولم يبعث الله إلى هذه الأُمة إلا رسولًا واحدًا أمرهم باتباعه، ونهى عن مخالفته فقال: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ . ولو كان محض رأى أئمة المذاهب وأتباعهم حُجَّة على العباد، لكان لهذه الأُمة رسل كثيرون متعددون بعدد أهل الرأى، المكلِّفين للناس بما لم يُكلِّفهم الله به. وإن من أعجب الغفلة، وأعظم الذهول عن الحق، اختيار المقلِّدة لآراء الرجال، مع وجود كتاب الله ووجود سُنَّة رسوله. ووجود مَن يأخذونهما عنه، ووجود آلة الفهم لديهم، وَمَلَكة العقل عندهم».
وفى سورة التوبة عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣١]: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله والمسيح ابن مَرْيَمَ وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلاها وَاحِدًا لاَّ إلاه إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يقول ما نَصه: "... وفى هذه الآية ما يزجر مَن كان له قلب أو أَلقى السمع وهو شهيد عن التقليد فى دين الله، وإيثار ما يقوله الأسلاف على ما فى الكتاب العزيز، والسُّنَّة المطهَّرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدى بقوله، ويستَّن بسُنَّته من علماء هذه الأُمة، مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه وأنبياؤه، هو كاتخاذ اليهود والنصارى الأخبار والرهبان أربابًا من دون الله. للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم، وحرَّموا ما حرَّموا. وحلَّلوا وهذا هو صنيع المقلِّدين من هذه الأمة، وهو أشبه به مِنْ شبَّه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء. فيا عباد الله، ويا أتباع محمد بن عبد الله؛ ما بالكم تركتم الكتاب والسُّنَّة جانبًا، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم فى تعبد الله لهم بهما، وطلبه منهم للعمل بما دلا عليه وأفاداه؟ فعلتم بما جاءوا به من الآراء التى لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين، ونصوص الكتاب والسُّنَّة تنادى بأبلغ
 
٢ ‏/ ٢١٥
 
نداء، وتُصوِّت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموهما آذانًا صُما، وقلوبًا غُلْفًا، وأفهامًا مريضة، وعقولًا مهيضة، وأذهانًا كليلة، وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال:
وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويتُ وإن ترشد غزية أرشد
فدعوا - أرشدكم الله وإياى - كتبًا كتبها لكم الأموات من أسلافكم، واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم، ومتعبدهم ومتعبدكم، ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاءوكم به من الرأى، بأقوال إمامكم وإمامهم، وقدوتكم وقدوتهم، وهو الإمام الأول محمد بن عبد الله ﷺ.
دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمِنٌ فى دينه كمخاطر
اللَّهم هادى الضال، مرشد التائه، موضح السبيل ... اهدنا إلى الحق، وأرشدنا إلى الصواب، وأوضح لنا منهج الهداية».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآيات [٥٢-٥٤] من سورة الأنبياء: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هاذه التماثيل التي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ نجده يذم المقلِّدة، وأَئمة المذاهب بما لا يليق أن يصدر من عالِم فى حق عالِم آخر ربما كان أفضل منه عند الله، وذلك حيث يقول: "... وهكذا يجيب هؤلاء المقلِّدة من أهل هذه المِلَّة الإسلامية، فإن العالم بالكتاب والسُّنَّة إذا أنكر عليهم العمل بمحض الرأى المدفوع بالدليل ... قالوا: هذا قد قال به إمامنا الذى وجدنا آباءنا له مقلِّدين، وبرأيه آخذين. وجوابهم هو ما أجاب به الخليل ههنا: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وآبَاؤُكُمْ فِى ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ . أى في خسران واضح لا يخفى على أحد، ولا يلتبس على ذى عقل، فإن قوم إبراهيم عبدوا الأصنام التى لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، وليس بعد هذا الضلال ضلال، ولا يساوى هذا الخسران خسران. وهؤلاء المقلِّدة من أهل الإسلام استبدلوا بكتاب الله وبسُنَّة رسوله كتابًا قد دُوِّنت فيه اجتهادات عالِم من علماء الإسلام، زعم أنه لم يقف على دليل يخالفها، إما لقصور منه، أو لتقصير فى البحث، فوجد ذلك الدليل مَن وجده، وأبرزه واضح المنار، كأنه عَلَم فى رأسه نار، وقال: هذا كتاب الله، أو هذه سُنَّة رسول الله، وأنشدهم:
دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمِنٌ فى دينه كمخاطر
فقالوا كما قال الأول:
وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويتُ وإن ترشد غزية أرشد
 
٢ ‏/ ٢١٦
 
وقد أحسن مَن قال:
يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح
* *

حياة الشهداء
هذا ... وإن الشوكانى ليقرر فى تفسيره هذا: أن الشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون، حياة حقيقية لا مجازية، وذلك حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٦٩] من سورة آل عمران: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾: «... وقد اختلف أهل العلم فى الشهداء المذكورين فى هذه الآية مَن هم؟. فقيل: شهداء أُحُد. وقيل: فى شهداء بدر. وقيل: فى شهداء بئر معونة ... على فرض أنها نزلت فى سبب خاص فالاعتبار بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب.. ومعنى الآية عند الجمهور: أنهم أحياء حياة محققة. ثم اختلفوا: فمنهم مَن قال: إنها تُرد إليهم أرواحهم فى قبورهم فيتنعمون. وقال مجاهد: يُرزقون من ثمر الجنة، أي يجدون ريحها وليسوا فيها. وذهب مَن عدا الجمهور إلى أنها حياة مجازية، والمعنى: أنهم فى حكم الله مستحقون للنعم فى الجنة، والصحيح الأول، ولا موجب للمصير إلى المجاز، وقد وردت السُّنَّة المطهَّرة بأن أرواحهم في أجواف طيور خضر، وأنهم فى الجنة يُرزقون ويأكلون ويتمتعوْن».
* *

التوسل
ولكنه مع هذه الموافقة للجمهور، نراه يقف من مسألة التوسل بالأنبياء والأولياء موقف المعارضة، ويفيض فى الإنكار على مَن يفعل ذلك فى سورة يونس عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٩]: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ ... يقول ما نصه: "... وفى هذا أعظم واعظ، وأبلغ زاجر لمن صار دينه وهجيراه المناداة لرسول الله ﷺ، والاستغاثة به عند نزول النوازل التى لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، وكذلك مَن صار يطلب من الرسول ﷺ ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقام رب العالمين، الذى خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين، ورزقهم وأحياهم ويميتهم، فكيف يُطلب من نبى من الأنبياء، أو مَلَك من الملائكة، أو صالح من الصالحين، ما هو عاجز عنه غير قادر عليه ويترك الطلب لرب الأرباب، القادر على كل شىء، الخالق الرازق، المعطى المانع، وحسبك بما فى هذه الآية موعظة، فإن هذا سيد ولد آدم، وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: ﴿لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا﴾، فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه فضلًا عن أن يملكه لغيره؟ فيا عجبا لقوم يعكفون على قبور الأموات
 
٢ ‏/ ٢١٧
 
الذين صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿. كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك، ولا يتنبهون لما حلَّ بهم من المخالفة لمعنى «لا إله إلا الله» ومدلول: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ . [الاخلاص: ١] .
«وأعجب من هذا، اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها، فإن أُولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق، المحيي المميت، الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ومقرِّبين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم تارة على الاستقلال، وتارة مع ذى الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه، ومُطهِّر شريعته من أوضار الشرك، وأدناس الكفر. ولقد توسل الشيطان - أخزاه الله - بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه، وينثلج به صدره، من كفر كثير من هذه الأُمة المباركة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا!! إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون».
* *

موقفه من المتشابه

ثم إن المؤلف - كما قلنا فى ترجمته - سَلَفى العقيدة، فكل ما ورد فى القرآن من ألفاظ توهم التشبيه حملها على ظاهرها، وفوَّض الكيف إلى الله، ولهذا نراه مثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٥٥] من سورة البقرة: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض﴾ . يقول: «الكرسى: الظاهر أنه الجسم الذى وردت الآثار بصفته كما سيأتى بيان ذلك. وقد نفى وجوده جماعة من المعتزلة، وأخطأوا فى ذلك خطئًا بيِّنًا، وغلطوا غلطًا فاحشًا، وقال بعض السَلَف: إن الكرسى هنا عبارة عن العلم، ومنه قول الشاعر:
تحف بهم بيض الوجوه وعصبة ... كراسى بالأخبار حين تنوب
ورجَّح هذا القول ابن جرير. وقيل: كرسيه: قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، كما يقال: اجعل لهذا الحائط كرسيًا ... أى ما يعمده. وقيل: إن الكرسى هو العرش، وقيل: هو تصوير لعظمته ولا حقيقة له. وقيل: هو عبارة عن الملك. والحق القول الأول. ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقى إلى مجرد خيالات وضلالات».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٤] من سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ ... الآية، يقول ما نصه: "قد اختلف العلماء فى معنى هذا على أربعة عشر قولًا، وأحقها وأولاها
 
٢ ‏/ ٢١٨
 
بالصواب مذهب السَلَف الصالح: أنه استوى سبحانه عليه بلا كيف، بل على الوجه الذى يليق به مع تنزهه عما لا يجوز عليه«.
* *

موقفه من آراء المعتزلة

وبالرغم من أن الزيدية تأثروا كثيرًا بتعاليم المعتزلة، وأخذوا عنهم آراءهم وعقائدهم فى غالب مسائل الكلام، فإنَّا نجد صاحبنا لا يميل إلى القول بمبادئهم بل ونجده يرد عليهم، ويعارضهم معارضة شديدة فى كثير من المواقف.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ ... . الآية، يقول ما نصه:»... وإنما عوقبوا بأخذ الصاعقة لهم، لأنهم طلبوا ما لم يأذن الله به من رؤية الدنيا، وقد ذهبت المعتزلة ومَن تابعهم إلى إنكار الرؤية فى الدنيا والآخرة. وذهب مَن عداهم إلى جوازها فى الدنيا، ووقوعها فى الآخرة. وقد تواترت الأحاديث الصحيحة بأن العباد يرون ربهم فى الآخرة، وهى قطعية الدلالة، لا ينبغى لمنصف أن يتمسك فى مقابلها بتلك القواعد الكلامية التى جاء بها قدماء المعتزلة، وزعموا أن العقل قد حكم بها، دعوى مبنية على شفا جرف هار، وقواعد لا يغتر بها إلا مَن لم يحظ من العلم بنصيب نافع«.
كذلك نراه يرد على الزمخشري فى دعواه: أن دخول الجنة مستحَق بسبب العمل الصالح، فيقول عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٣] من سورة الأعراف: ﴿ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:»... . قال الكشاف: «بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقول المبطلة». أقول: يا مسكين ... هذا قاله رسول الله ﷺ فيما صح عنه: «سددوا وقاربوا واعملوا. إنه لن يدخل أحد الجنة بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمته» والتصريح بسبب لا يستلزم نفى سبب آخر، ولولا التفضل من الله ﷾ على العامل بإقداره على العمل لم يكن عمل أصلًا، فلو لم يكن التفضل إلا بهذا الإقدار لكان القائلون به محقة لا مبطلة. وفى التنزيل: ﴿ذلك الفضل مِنَ الله﴾، [النساء: ٧٠] وفيه: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٥] .
كذلك نراه ينكر على المعتزلة القائلين: بأن العين لا تأثير لها فى المعين، وذلك حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦٧] من سورة يوسف: ﴿وَقَالَ يابني لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ ... الآية: "وقد أنكر بعض المعتزلة كأبى هاشم والبلخى، أن للعين تأثيرًا، وليس هذا بمستنكر من هذين
 
٢ ‏/ ٢١٩
 
وأتباعهما، فقد صار دفع أدلة الكتاب والسُّنَّة بمجرد الاستبعادات العقلية دأبهم وديدنهم، وأى مانع من إصابة العين بتقدير الله سبحانه لذلك، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بأن العين حق، وأُصيب بها جماعة فى عصر النبوة. ومنهم رسول الله ﷺ. وأعجب من إنكار هؤلاء لما وردت به نصوص هذه الشريعة ما يقع من بعضهم من الازدراء على مَن يعمل بالدليل المخالف، لمجرد الاستبعاد العقلى، والتنطع فى العبارات، كالزمخشرى فى تفسيره، فإنه فى كثير من المواطن لا يقف عند دفع دليل الشرع بالاستبعاد، حتى يضم إلى ذلك الوقاحة فى العبارة، على وجه يوقع المقصرين فى الأقوال الباطلة، والمذاهب الزائفة. وبالجمة، فقول هؤلاء مدفوع بالأدلة المتكاثرة. وإجماع مَن يُعتد به من هذه الأمة سَلَفًا وخَلَفًا، وبما هو مُشاهَد فى الوجود، فكم من شخص من هذا النوع الإنسانى، وغيره من أنواع الحيوان هلك بهذا السبب».
ويقف الشوكانى من المعتزلة موقف المعارضة فى مسألة غفران الذنوب. فعندما تعرَّض لتفسير قوله تعالى فى الآية [٥٣] من سورة الزمر: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعًا﴾ ... الآية، نجده يقول: «... وأما ما يزعمه جماعة من المفسِّرين من تفسير هذه الآية بالتوبة، وأنها لا تغفر إلا ذنوب التائبين. وزعموا أنهم قالوا ذلك للجمع بين الآيات، فهو جمع بين الضب والنون، وبين الملاح والحادى، وعلى نفسها براقش تجنى، ولو كانت هذه البشارة العظيمة مقيدة بالتوبة لم يكن لها كثير موقع، فإن التوبة من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين، وقد قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ ... فلو كانت التوبة قيدًا في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة، وقد قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾ ... قال الواحدى: المفسِّرون كلهم قالوا: إنّ هذه الآية فى قوم خافوا إن أسلموا أن لا يُغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام، كالشرك، وقتل النفس، ومعاداة النبي ﷺ. قلت: هب أنها فى هؤلاء فكان ماذا؟ فإن الاعتبار بما اشتملت عليه من العموم لا بخصوص السبب، كما هو متفق عليه بين أهل العلم. ولو كانت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية مقيدة بأسبابها غير متجاوزة لها، لارتفعت أكثر التكاليف عن الأمة إن لم ترتفع كلها، واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله».
* *

موقف الشوكانى من مسألة خلق القرآن
هذا.. ولم يرض الشوكانى موقف أهل السُّنَّة، ولا موقف المعتزلة من مسألة خلق القرآن، وإنما رضى أن يكون من العلماء الوقوف فى هذه المسألة، فلم يجزم فيها برأى،
 
٢ ‏/ ٢٢٠
 
وراح ينحى باللائمة على مَن يقطع بأن القرآن قديم أو مخلوق، فعندما تعرَّض لتفسير قوله تعالى فى الآية [٢] من سورة الأنبياء: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ استمعوه وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ يقول ما نصه:»... وقد استدل بوصف الذكّر بكونه مُحْدثًا على أن القرآن محدَث، لأن الذكر هنا هو القرآن، وأجيب بأنه لا نزاع فى حدوث المركب من الأصوات والحروف، لأنه متجدد فى النزول، فالمعنى: محدث تنزيله «وإنما النزاع فى الكلام النفسى. وهذه المسألة - أعنى قدم القرآن وحدوثه - قد ابتلى بها كثير من أهل العلم ... ولقد أصاب أئمة السُّنَّة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه، وحفظ الله بهم أُمة نبيه عن الابتداع، ولكنهم ﵏ جاوزوا ذلك إلى القول بِقدَمه، ولم يقتصروا على ذلك حتى كفَّروا من قال بالحدوث، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من قال: لفظى بالقرآن مخلوق، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير مَن وقف، وليتهم لم يجاوزوا حد الوقف، وإرجاع العلم إلى علام الغيوب، فإنه لم يُسمع من السَلَف الصالح من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إلى وقت قيام المحنة وظهور القول فى هذه المسألة شىء من الكلام، ولا تُنقل عنهم كلمة فى ذلك، فكان الامتناع من الإجابة إلى ما دعوا إليه، والتمسك بأذيال الوقف، وإرجاع علم ذلك إلى عالمه. هو الطريقة المثلى، وفيه السلامة والخلوص من تكفير طوائف من عباد الله، والأمر لله سبحانه».
هذا هو أهم ما فى تفسير الشوكانى من البحوث التى أعطى فيها لنفسه حرية واسعة. خوَّلت له أن يسخر من عقول العامة، وأن يهزأ من تعاليم المعتزلة، وأن يُندَّد ببعض مواقف أهل السُّنَّة. وأحسب أن الرجل قد دخله شىء من الغرور العلمى، فراح يوجه لومه لهؤلاء وهؤلاء، وليته وقف منهم جميعًا موقف الحاكم النزيه، والناقد العف ... وعلى الجملة، فالكتاب له قيمته ومكانته، وإن كان لا يعطينا الصورة الواضحة للتفسير عند الإمامية الزيدية، ونرجو أن نوفق إلى العثور على بعض ما لهم فى التفسير، وأحسب أنه كثير. والكتاب مطبوع فى خمس مجلدات، ومتداوَل بين أهل العلم.
* *
 
٢ ‏/ ٢٢١
 
الخوارج وموقفهم من تفسير القرآن الكريم  

كلمة إجمالية عن الخوارج

بعد مقتل عثمان رضى الله عنه، نشط أنصار علىّ ﵁ فى الدعوة له، حتى أخذوا له البَيْعة من المسلمين، ليكون خليفة لهم ... ولكن لم تكد تتم له البَيْعة حتى قام ثلاثة من كبار الصحابة ينازعونه الأمر، لاعتقادهم أن الحق فى غير جانبه.. وهؤلاء الصحابة هم: معاوية ابن ابي سفيان، وطلحة بن عبد الله، والزبير بن العوام.
وكان لعلىّ - رضى الله عنه - شيعة وأنصار، وكان لمعاوية ﵁ شيعة وأنصار كذلك. وكانت حروب طاحنة بين الفريقين!!. كان الغلب فيها لعلىّ وحزبه، إلى ان جاءت موقعة صفين، فكاد الفشل يحيق بجيش معاوية، وأوشكت الهزيمة أن تُحدق به، لولا أن لجأ إلى حيلة رفع المصاحف على أسِّنَة الرماح، طلبًا للهدنة، ورغبة في التحكيم بين الحزبين. وبعد أخذ ورد بين جيش علىّ فى قبول التحكيم وعدمه. رأى علىّ رضى الله اعنه قبول التحكيم، رغبة منه فى حقن الدماء. واختار معاوية: عمرو ابن العاص ليمثله، واختار أصحاب علىّ: أبا موسى الأشعرى.
وكان قبول علىّ - رضى الله عنه - لمبدأ التحكيم أول عامل من عوامل التصدع فى جيشه وحزبه، إذ أن بعض شيعته رأوا أن التحكيم خطأ، لأن الحق ظاهر فى جانب علىّ، ولا يعتوره شك فى نظرهم، وقبول التحكيم دليل الشك من علىّ فى أحقيته بالخلافة، وهم إنما قاموا معه فى حروبه لاعتقادهم بأن الحق فى جانبه، فكيف يشك هو فيه؟
لم يرض هؤلاء بفكرة التحيكم. فخرجوا على علىّ، ولم يقبلوا أن يرجعوا إليه إلا إذا أقرّ على نفسه بالكفر، لقبوله التحكيم، وإلا إذا نقض ما أبرم من الشروط بينه وبين معاوية، ولكن عليًا رضى الله عنه لم يستجب لرغبتهم هذه، فأخذوا كلما خطب علىّ أو ضمَّه وإياهم مكان جامع رفعوا أصواتهم بقوله: «لا حكم إلا لله».
وكان التحكيم، وفيه خدع عمرو بن العاص أبا موسى الأشعرى، فلم يكن إلا تحكيمًا فاشلًا، أمال قلوب كثير من الناس إلى ناحية الخوراج، وأخيرًا وبعد يأس الخوارج من رجوع علىّ إليهم اجتمعوا فى منزل أحدهم، وخطب فيهم خطبة حثَّهم على التمسك بمبدئهم والدفاع عنه، وطلب منهم الخروج من الكوفة إلى قرية بالقرب منها يقال لها «حروراء»، فخرجوا إليها وأمَّروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبى،
 
٢ ‏/ ٢٢٢
 
ووقعت بينهم وبين علىّ حروب طاحنة هزمهم فيها، ولكن لم يقض عليه. وأخيرًا دبروا له مكيدة قتله، فقتله عبد الرحمن بن ملجم.
وجاءت دولة الأُمويين، فكان الخوارج شوكة فى جنبها يهدودنها ويحاربونها، حتى كادوا يقضون عليها. ثم جاءت الدولة العباسية، فكان بينهم وبينها حروب كذلك، ولكن لم يكونوا فى قوتهم الأولى، لتفرق كلمتهم وتشتت وحدتهم، وضعف سلطانهم، وخور قواهم.
دبَّت فى وحدة الخوارج جرثومة التفرق، وأُصيبوا بداء التحزب، فبلغ عدد أحزابهم عشرين حزبًا، كل حزب يفارق الآخر فى المبدأ والعقيدة ... ولكن يجمع الكل على مبدأين اثنين:
أحدهما: إكفار علىّ، وعثمان، والحَكَمين، وأصحاب الجمل، وكل مَن رضى بتحكيم الحَكَمين.
وثانيهما: وجوب الخروج على السلطان الجائر.
وهناك مبدأ ثالث يقول به أكثر الخوارج، وهو: الإكفار بارتكاب الكبائر.
هذا.. وقد وضع الخوارج مبدأ للخلافة فقالوا: «إن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر من المسلمين، وإذا اختير الخليفة فليس يصح أن يتنازل أو يُحَكِّم، وليس بضرورى أن يكون الخليفة قرشيًا، بل يصح أن يكون من قريش ومن غيرهم، ولو كان عبدًا حبشيًا، وإذا تم الاختيار كان رئيس المسلمين ويجب أن يخضع خضوعًا تامًا لما أمر الله، وإلا وجب عزله، ولهذا أمَّروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبى، ولم يكن قرشيًا».
وعلى هذا حكموا بصحة خلافة أبى بكر وعمر، وبصحة خلافة عثمان فى سنيه الأولى، فلما غيَّر وبدَّل ولم يسر سيرة الشيخين - كما زعموا - وجب عزله، وأقروا بصحة خلافة علىّ أولًا، ثم خرجوا عليه بعد أن أخطأ فى التحكيم، وكفر به كما يزعمون!!
ولا يسعنا فى تلك العُجالة إلا أن نطوى الحديث عن التعرض لكل فرقة من فرق الخوارج، ولكن نكتفى بالكلام عن أشهرها، وهى ما يأتى:
أولا - الأزارقة: وهم أتباع نافع بن الأزرق، وهم يُكَفِّرُون من عداهم من المسلمين، ويُحَرِّمُون أكل ذبائحهم ومناكحتهم، ولا يُجيزون التوارث بينهم، ويعاملونهم معاملة الكفار من المشركين ... إما الإسلام، وإما السيف، ودارهم دار حرب، ويحل قتل نسائهم وأطفالهم، ولا يقولون برجم الزانى المحصن، ولا يقولون بحد مَن
 
٢ ‏/ ٢٢٣
 
يقذف المحصنين من الرجال ... أما قاذف المحصنات فعليه الحد قطعًا. ولا يرون جواز التقية.
ثانيًا - النجدات: وهم أتباع نجدة بن عامر، وهم يرون أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط، بل عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن رأوا أن الحاجة تدعو إلى إمام أقاموه، وإلا فلا. كما أنهم يُكَفِّرون من يقول بإمامة نافع ابن الأزرق، ويُكَفِّرون مَن يُكَفِّر القاعدين عن الهجرة لنافع وحزبه ويقولون: إن الدين أمران:
أحدهما: معرفة الله تعالى، ومعرفة الرسول، والإقرار بما جاء به جملة، فهذا واجب معرفته على كل مُكلَّف.
وثانيهما: ما عدا ما تقدم، فالناس معذورون بجهالته إلى أن تقوم عليهم الحُجَّة.
فمَن استحل شيئًا حرامًا باجتهاد فله عذره، وهم يعظمون جريمة الكذب، ويجعلونها أكبر جُرْمًا من شرب الخمر والزنا.
ومن بدع «نجدة» أنه تولى أصحاب الحدود من موافقيه، وقال: لعل الله يعذبهم بذنوبهم فى غير نار جهنم، ثم يُدخلهم الجنة، وزعم أن النار يدخلها مَن خالفه فى دينه.
ثالثًا - الصفرية: وهم أتباع زياد بن الأصفر، وهم يقولون بأن أصحاب الذنوب مشركون، غير أنهم لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم كما ترى الأزارقة ذلك. ومن الصفرية مَن يخالف فى ذلك فيقول: كل ذنب له حد فى الشريعة لا يسمى مرتكبه مشركًا، ولا كافرًا، بل يُدعى باسمه المشتق من جريمته يقال: سارق، وقاتل، وقاذف ... وكل ذنب ليس فيه حد معلوم فى الشريعة مثل الإعراض عن الصلاة فمرتكبه كافر ... ولا يُسمى مرتكب واحد من هذين النوعين جميعًا مؤمنًا، ومنهم مَن يقول: إن صاحب الذنب لا يُحكم عليه بالكفر حتى يُرفع إلى الوالى فيحده ويحكم بكفره.
رابعًا - الإباضية: وهم أتباع عبد الله بن إباض، وهم أعدل فِرَق الخوارج، وأقربها إلى تعاليم أهل السُّنَّة، وهم يُجمعون على أن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين، ولا مؤمنين، ولكنهم كفار. ويُروى عنهم أنهم يريدون: كفر النعمة، وأجازوا شهادة مخالفيهم من المسلمين، ومناكحتهم، والتوارث معهم، وحرَّموا دماءهم فى السر دون العلانية. لأنهم محاربون لله ولرسوله، ولا يدينون دين الحق، ودارهم دار توحيد إلا معكسر السلطان، واستحلوا من غنائمهم: الخيل والسلاح، وكل ما فيه قوة حربية لهم. ولم يستحلوا غنائم الذهب والفضة، بل يردونها لأهلها.
 
٢ ‏/ ٢٢٤
 
واختلفوا فى النفاق على ثلاثة أقوال:
فريق يرى أن النفاق براءة من الشرك والإيمان معًا، ويحتج بقوله تعالى فى الآية [١٤٣] من سورة النساء: ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هاؤلاء وَلاَ إِلَى هاؤلاء﴾ ..
وفريق يرى أن كل نفاق هو شرك، لأنه ينافى التوحيد.
وفريق ثالث يرى أن النفاق لا يُسمى به غير القوم الذين سمَّاهم الله تعالى منافقين.
وهناك مخالفة لبعض الإباضية فى بعض المسائل. لا نعرض لها هنا، مخافة التطويل.
هذه هى أهم فِرَق الخوراج، وهذه هى أهم ما لهم من تعاليم وعقائد، نضعها بين يدى القارئ قبل أن نتكلم عن موقفهم من التفسير، ليكون على علم بها، وليعلم بعد ذلك مقدار الصلة بينها وبين ما لهم من تفسير.
* *

مواقف الخوارج من تفسير القرآن الكريم
تعددت فِرَق الخوارج، وتعددت مذاهبهم وآراؤهم، فكان طبيعيًا - وهم ينتسبون إلى الإسلام، ويعترفون بالقرآن - أن تبحث كل فرقة منهم عن أُسس من القرآن الكريم، تبنى عليها مبادئها وتعاليمها، وأن تنظر إلى القرآن من خلال عقيدتها، فما رأته فى جانبها - ولو ادعاءً - تمكست به، واعتمدت عليه. وما رأته فى غير صالحها حاولت التخلص منه بصرفه وتأويله، بحيث لا يبقى متعارضًا مع آرائها وتعاليمها.
* *

سلطان المذهب يغلب على الخوارج فى فهم القرآن

والذى يقرأ تاريخ الخوارج، ويقرأ ما لهم من أفكار تفسيرية، يرى أن المذهب قد سيطر على عقولهم، وتحكَّم فيها، فأصبحوا لا ينظرون إلى القرآن إلا على ضوئه، ولا يدركون شيئًا من معانيه إلا تحت تأثير سلطانه، لا يأخذون منه إلا بقدر ما ينصر مبادئهم ويدعو إليها.
فمثلًا نرى أن أكثر الخوارج يُجمعون على أن مرتكب الكبيرة كافر، ومخلَّد فى نار جهنم، ونقرأ فى الكتب التي تكلمت عن الخوارج فنجد ابن أبي الحديد - وهو ممن تعرض لهم فى كتابه «شرح نهج البلاغة» - يسوق لنا أدلتهم التى أخذوها من القرآن، وبنوا عليها رأيهم فى مرتكب الكبيرة، كما نجده يناقش هذه الأدلة، ويفندها دليلًا بعد دليل. ونرى أن نمسك عن مناقشة ابن أبى الحديد لهذه الأدلة، ويكفى أن نسوق للقارئ الكريم هذه الآيات التى استندوا إليها، ووجهة نظرهم فيها، فهى التى تعنينا في هذا البحث، وهى التى ترينا إلى أى حد تأثر الخوارج بسلطان العقيدة فى فهم نصوص القرآن.. فمن هذه الأدلة ما يأتى:
 
٢ ‏/ ٢٢٥
 
قوله تعالى فى الآية [٩٧] من سورة آل عمران: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ .. قالوا: فجعل تارك الحج كافرًا.
ومنها قوله تعالى فى الآية [٨٧] من سورة يوسف: ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون﴾ .. قالوا: والفاسق - لفسقه وإصراره عليه - آيس من روح الله، فكان كافرًا.
ومنها قوله تعالى فى الآية [٤٤] من سورة المائدة: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولائك هُمُ الكافرون﴾ .. قالوا: وكل مرتكب للذنوب فقد حكم بغير ما أنزل الله.
ومنها قوله تعالى فى الآيات [١٤-١٦] من سورة اللَّيل: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تلظى * لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأشقى * الذي كَذَّبَ وتولى﴾ .. قالوا: وقد اتفقنا مع المعتزلة على أن الفاسق يصلى النار، فوجب أن يُسمى كافرًا.
ومنها قوله تعالى فى الآية [١٠٦] من سورة آل عمران: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .. قالوا: والفاسق لا يجوز أن يكون ممن ابيضت وجوههم، فوجب أن يكون ممن اسودت، ووجب أن يُسمى كافرًا، لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ..
ومنها قوله تعالى فى الآيات [٣٨] وما بعدها إلى آخر سورة عبس: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أولائك هُمُ الكفرة الفجرة﴾ ... قالوا: والفاسق على وجهه غبرة، فوجب أن يكون من الكفرة الفَجَرة.
ومنها قوله تعالى فى الآية [١٧] من سورة سبأ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور﴾ .. قالوا: والفاسق لا بد أن يُجازى، فوجب أن يكون كفورًا.
ومنها قوله تعالى فى الآية [٤٢] من سورة الحِجْر: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين﴾، وقال فى الآية [١٠٠] من سورة النحل: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ .. قالوا: فجعل الغاوى الذى يتبعه مشركًا.
ومنها قوله تعالى فى الآية [٢٠] من سورة السجدة: ﴿وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النار كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ .. قالوا: فجعل الفاسق مُكَذِّبًا.
ومنها قوله تعالى في الآية [٣٣] من سورة الأنعام: ﴿ولاكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ .. قالوا: فأثبت الظالم جاحدًا، وهذه صفة الكفار.
 
٢ ‏/ ٢٢٦
 
ومنها قوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة النور: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك فأولائك هُمُ الفاسقون﴾ .
ومنها قوله تعالى فى الآيات [١٠٢-١٠٥] من سورة المؤمنون: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فأولائك هُمُ المفلحون * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولائك الذين خسروا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ .. قالوا: فنص سبحانه على أن مَن تخف موازينه يكون مكذِّبًا، والفاسق تخف موازينه فكان مكذِّبًا، وكل مكذِّب كافر.
ومنها قوله تعالى فلا الآية [٢] من سورة التغابن: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾ . قالوا: وهذا يقتضى أن مَن لا يكون مؤمنًا فهو كافر، والفاسق ليس بمؤمن، فوجب أن يكون كافرًا.
هذه بعض الآيات التى تمسَّك بها الخوارج فى موقفهم من مرتكب الكبيرة الذى لم يتب، والتى حسبوا أنها حجج دامغة لمذهب مخالفيهم من المسلمين. ولا يسع الذى يعرف سياق هذه الآيات وسباقها، ويعرف الآيات والأحاديث الواردة فى شأن عصاة المؤمنين، ويتأمل قليلًا فى هذه التخريجات والاستنتاجات التى يقولون بها، لا يسعه بعد هذا كله: إلا أن يحكم بأن القوم متعصبون، ومندفعون بدافع العقيدة، وسلطان المذهب.
وهناك نصوص من القرآن استغلها أفراد من الخوراج، لتدعيم مبادئهم التى يشذون بها عمن عداهم من بعض فِرَق الخوارج، وهى فى مظهرها التفسيرى أكثر تعصبًا، وأبلغ تعنتًا، فمن ذلك: أن نافع بن الأزرق كان لا يرى جواز التقية التى هى فى الأصل من مبادئ الشيعة، ويستدل على حُرْمتها بقوله تعالى فى الآية [٧٧] من سورة النساء: ﴿.. إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله﴾ ..
ويرى نجدة بن عامر جواز التقية، ويستدل على ذلك بقوله تعالى فى الآية [٢٨] من سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ .
وأظهر من هذا: أن نجدة بن عامر كان لا يُصَوِّب نافع بن الأزرق فيما يقول به من إكفار القَعَدة، واستحلال قتل أطفال مخالفيه، وعدم رد الأمانات إلى مخالفيه، وغير ذلك من آرائه التى شذَّ بها، فأرسل نجدة إلى نافع رسالة يقول له فيها: ".. وأكفرتَ الذين عذرهم الله تعالى فى كتابه من قعدة المسلمين وضعفتهم. قال الله ﷿ وقوله الحق ووعده الصدق: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى
 
٢ ‏/ ٢٢٧
 
الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ثم سماهم - تعالى - أحسن الأسماء فقال: ﴿مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ﴾ . ثم استحللتَ قتل الأطفال وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتلهم، وقال الله جَلَّ ثناؤه: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾، وقال سبحانه فى القَعَدة خيرًا فقال: ﴿وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فتفضيله المجاهدين على القاعدين لا يدفع منزلة مَن هو دون المجاهدين أَوَ ما سمعت قوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِي الضرر﴾ .. فجعلهم من المؤمنين، ثم إنك لا تؤدى الأمانة إلى مَن خالفك، والله تعالى قد أمر أن تُؤدَى الأمانات إلى أهلها، فاتق الله فى نفسك، واتق يومًا لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا، فإن الله بالمرصاد، وحكمه العدل، وقوله الفصل. والسلام».
فرد عليه نافع بكتاب جاء فيه: ".. وعِبتَ ما دِنْتُ به من إكفار القَعَدة وقتل الأطفال، واستحلال الأمانة من المخالفين، وسأفسر ذلك إن شاء الله..
أما هؤلاء القَعَدة.. فليسوا كمن ذكرت ممن كان على عهد رسول الله ﷺ، لأنهم كانوا بمكة مقهورين محصورين لا يجدون إلى الهرب سبيلًا، ولا إلى الاتصال بالمسلمين طريقًا، وهؤلاء قد تفقهوا فى الدين وقرأوا القرآن والطريق لهم نهج واضح، وقد عرفتَ ما قاله الله تعالى فيمن كان مثلهم إذ قالوا: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض﴾ [النساء: ٩٧]، فقال: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، وقال سبحانه: ﴿فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ الله وكرهوا أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ [التوبة: ٨١]، وقال: ﴿وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٠] .. فأخبر بتعذيرهم، وأنهم كذبوا الله ورسوله، ثم قال: ﴿سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٠] . فانظر إلى أسمائهم وسماتهم.
وأما الأطفال.. فإن نوحًا نبى الله كان أعلم بالله منى ومنك، وقد قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦-٢٧] .. فسمَّاهم بالكفر وهم أطفال وقبل أن يُولدوا، فكيف كان ذلك فى قوم نوح ولا نقوله فى قومنا.. والله تعالى يقول: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزبر﴾ .. وهؤلاء كمشركى العرب لا يُقبل منهم جزية، وليس بيننا وبينهم إلا السيف أو الإسلام.
 
٢ ‏/ ٢٢٨
 
وأما استحلال أمانات مَن خالفنا. فإن الله تعالى أحلَّ لنا أموالهم كما أحلَّ دماءهم لنا، فدماؤهم حلال طلق وأموالهم فئ للمسلمين».
ولا شك لدينا فى أن نافع بين الأزرق متعصب فى فهمه للآيات على النحو الذى جاء فى رسالته هذه، وهو تعصب بلغ به إلى درجة المغالطة، وإلا فهو جهل منه بمواقع كلام الله، ومدلول آياته.
* *

مدى فهم الخوارج لنصوص القرآن
هذا.. وإن الخوارج عندما ينظرون إلى القرآن لا يتعمقون فى التأويل ولا يغوصون وراء المعانى الدقيقة، ولا يكلِّفون أنفسهم عناء البحث عن أهداف القرآن وأسراره، بل يقفون عند حرفية ألفاظه، وينظرون إلى الآيات نظرة سطحية، وربما كانت الآية لا تنطبق على ما يقصدون إليه، ولا تتصل بالموضوع الذى يستدلون بها عليه، لأنهم فهموا ظاهرًا معطلًا، وأخذوا بفهم غير مراد.
ولقد يعجب الإنسان ويدهش عندما يقرأ ما للقوم من سخافات فى فهمهم لبعض نصوص القرآن، أوقعهم فيها التنطع والتمسك بظواهر النصوص، ولكى لا أُتهم بالقسوة فى حكمى هذا، أضع بين يدى القارئ الكريم بعض ما جاء عن القوم، حتى لا يجد مفرًا من الحكم عليهم بمثل ما حكمت به.
«رُوىَ أن عبيدة بن هلال اليشكرى اتُهِمَ بامرأة حدَّاد رأوه يدخل منزله بغير إذنه، فأتوا قطريًا فذكروا ذلك له، فقال لهم: إن عبيدة من الدين بحيث علمتم، ومن الجهاد بحيث رأيتم، فقالوا: إنَّا لا نقاره على الفاحشة، فقال: انصرفوا.. ثم بعث إلى عبيدة فأخبره وقال: إنَّا لا نقار على الفاحشة، فقال: بهتونى يا أمير المؤمنين فما ترى؟ قال: إنى جامع بينك وبينهم، فلا تخضع خضوع المذنب، ولا تتطاول تطاول البرئ.. فجمع بينهم فتكلموا، فقام عبيدة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ... الآية [١١] وما بعدها من سورة النور - فبكوا وقاموا إليه فاعتنقوه وقالوا: استغفر لنا.. ففعل».
"ويُروى أن واصل بن عطاء وقع هو وبعض أصحابه فى يد الخوراج فقال لأصحابه: اعتزلوا ودعونى وإياهم - وكانوا قد أشرفوا على العطب - فقالوا: شأنك.. فخرج إليهم فقالوا: ما أنت وأصحابك؟ قال: مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله ويعرفوا حدوده، فقالوا: قد أجرناكم. قال: فعلِّمونا، فجعلوا يُعلِّمونه أحكامهم، وجعل يقول: قد قبلتُ أنا ومَن معى. قالوا: فامضوا مصاحبين فإنكم إخواننا. قال: ليس
 
٢ ‏/ ٢٢٩
 
ذلك لكم. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] . فأبلغونا مأمننا، فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ذلك لكم، فساروا بأجمعهم حتى بلغوهم المأمن».
ومن الخوارج مَن أدَّاه تمسكه بظاهر النصوص إلى أن قال: «لو أن رجلًا أكل من مال يتيم فلسين وجبت له النار، لقوله تعالى فى الآية [١٠] من سورة النساء: ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، ولو قتل اليتيم أو بقر بطنه لم تجب له النار، لأن الله لم ينص على ذلك».
وهذا هو ميمون العجردى زعيم الميمونية من الخوارج، يرى جواز نكاح بنات الأولاد وبنات أولاد الإخوة والأخوات ويستدل على ذلك فيقول: «إنما ذكر الله تعالى فى تحريم النساء بالنسب الأُمهات، والبنات، والأخوات، والعمَّات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأُخت، ولم يذكر بنات البنات ولا بنات البنين، ولا بنات أولاد الإخوة، ولا بنات أولاد الأخوات».
ويُروى أن رجلًا من الإباضية أضاف جماعة من أهل مذهبه، وكانت له جارية على مذهبه قال لها: قَدِّمى شيئًا، فأبطأت، فحلف ليبيعها من الأعراب، فقيل له: تبيع جارية مؤمنة من قوم كفار، فقال: ﴿وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا﴾ .. فى الآية [٢٧٥] من سورة البقرة.
وأيضًا نرى أن الخوارج خرجوا على عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، وقالوا: لِمَ خرجت من بيتها، والله تعالى يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾؟.. فى الآية [٣٣] من سورة الأحزاب.
وأيضًا فإن الأزارقة قالوا: مَن قذف امرأة محصنة فعليه الحد، ومن قذف رجلًا محصنًا فلا حد عليه، وهذا لأن الله تعالى نص على حد قاذف المحصنات، ولم ينص على حد قاذف المحصنين.
وقالوا - أيضًا - بأن سارق القليل يجب عليه القطع، أخذًا بظاهر قوله تعالى فى الآية [٣٨] من سورة المائدة: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ الله﴾ .
 
٢ ‏/ ٢٣٠
 
وغير هذا كثير نجده عندهم فى بطون الكتب، وهو لا يدع مجالًا للشك فى أن الخوارج قوم سطحيون فى فهمهم لآيات القرآن الكريم، وإدراك معانيه.
* *

موقف الخوارج من السُّنَّة وإجماع الأمة، وأثر ذلك فى تفسيرهم للقرآن

ولقد كان من أثر جمود الخوارج عند ظواهر النصوص القرآنية. أنهم لم يلتفتوا إلى ما جاء من الأحاديث النبوية ناسخًا لبعض آيات الكتاب. أو مخصصًا لبعض عموماته، أو زائدًا على بعض أحكامه، ويظهر أن هذا المبدأ قد تملَّك قلوب الخوارج، وتسلَّط على عقولهم، فنتج عنه أن وضع بعضهم على رسول الله ﷺ هذا الحديث، وهو: «إنكم ستختلفون من بعدى، فما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله، وما خالفه فليس عنى» فقد قال عبد الرحمن المهدى: «الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: ما أتاكم عنى فاعرضوه على كتاب الله ... إلخ».
كما كان من أثر هذا الجمود عند ظواهر القرآن أيضًا، أنهم لم يلتفتوا إلى إجماع الأمة، ولم يقدِّروه عند فهمهم لنصوص القرآن مع أن الإجماع فى الحقيقة يستند إلى أصل من الكتاب أو السُّنَّة، وليس أمرًاَ مبتدعًا فى الدين، أو خارجًا على قواعده وأُصوله.
وفي هذا كله نجد العلامة ابن قتيبة يحدثنا عن بعض أحكام احتج بها الخوارج، وهي مخالفة لإجماع الأُمة. ومناقضة لما صح عن الرسول ﷺ، وقالوا: يبطلها القرآن.. فيقول:
«قالوا: حكم فى الرجم يدفعه الكتاب.. قالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ رجم، ورجمت الأئمة من بعده، والله تعالى يقول فى الإماء: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب﴾ [النساء: ٢٥]، والرجم إتلاف للنّفس لا يتبعض، فكيف يكون على الإماء نصفه؟.. وذهبوا إلى أن المحصنات: ذوات الأزواج.. قالوا: وفى هذا دليل على أن المحصنة حدها الجَلْد».
«قالوا: حكم فى الوصية يدفعه الكتاب.. قالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ قال:»لا وصية لوارث«، والله تعالى يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْرًا الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين﴾ [البقرة: ١٨٠]، والوالدان وارثان على كل حال لا يحجبهما أحد عن الميراث. وهذه الرواية خلاف كتاب الله ﷿».
«قالوا: حكم فى النكاح يدفعه الكتاب.. قالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ قال:»لا
 
٢ ‏/ ٢٣١
 
تُنكح المرأة على عمَّتها، ولا على خالتها»، وأنه قال: «يُحَرِّم من الرضاع ما يُحَرِّم من النسب». والله ﷿ يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ١٨٠] ... إلى آخر الآية، ولم يذكر الجمع بين المرأة وعمَّتها وخالتها، ولم يُحَرِّم من الرضاع إلا الأُم المرضعة والأخت بالرضاع.. ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فدخلت المرأة على عمتَّها وخالتها، وكل رضاع سوى الأم والأُخت، فيما أحلَّه الله تعالى".
يحدثنا ابن قتيبة بهذا عنهم، ثم يتولى بنفسه الرد عليهم فى ذلك كله ردًا مسهبًا فيه إزالة كل شبهة، ودفع كل حُجَّة وردت على ألسن القوم، ولا نطيل بذكر ذلك. ومَن أراد الوقوف عليه، فليرجع إليه فى تأويل مختلف الحديث [ص ٢٤١ - ٢٥٠] .
* *

الإنتاج التفسيرى للخوارج
لم يكن للخوارج من الإنتاج التفسيرى مثل ما كان للمعتزلة، أو الشيعة أو غيرهما من فرق المسلمين، التي خلَّفت لنا الكثير من كتب التفسير، وكل ما وصل إلينا من تفسير الخوراج الأُوَل لم يزد عن بعض أفهام لهم لبعض الآيات القرآنية تضمنها جدلهم، واشتملت عليها مناظراتهم، وذكرنا لك منها كل ما وصل إلى أيدينا، وجميع ما استخلصناه من بطون الكتب المختلفة.
ولكن هل هذا هو كل ما كان للخوارج من تفسير؟ وهل وقف إنتاجهم عند هذا المقدار الضئيل؟ أو كان لهم مع هذا كتب مستقلة فى التفسير، ولكن فقدتها المكتبة الإسلامية على طور الأيام ومر العصور؟
الحق أنى وجهت لنفسى هذا السؤال، وكدت أعجز عن الجواب عنه.. ولكن هيأ الله لى ظرفًا جمعنى مع رجل من الإباضية المعاصرين، يقيم فى القاهرة، فوجهت إليها هذا السؤال نفسه، فأفهمنى أن الإنتاج التفسيرى للخوارج كان قليلًا بالنسبة لإنتاج غيرهم من فِرَق الإسلام، ومع هذا فلم تحتفظ المكتبة الإسلامية من هذا النتاج القليل إلا ببعض منه. لبعض العلماء من الإباضية فى القديم والحديث.
فسألته: وهل تذكر شيئًا من هذه الكتب؟ فذكر لى من الكتب ما يأتى:
١- تفسير عبد الرحمن بن رستم الفارسى.. من أهل القرن الثالث الهجرى.
٢- تفسير هود بن محكم الهوارى.. من أهل القرن الثالث الهجرى.
٣- تفسير أبى يعقوب، يوسف بن إبراهيم الورجلانى.. من أهل القرن السادس الهجرى.
 
٢ ‏/ ٢٣٢
 
٤- داعي العمل ليوم الأمل.. للشيخ محمد بن يوسف إطفيش.. من أهل القرن الحاضر.
٥- هميان الزاد إلى دار المعاد.. له أيضًا.
٦- تيسير التفسير.. له أيضًا.
فقلت له: وهل يوجد شىء من هذه الكتب إلى اليوم؟
فقال لى: أما تفسير عبد الرحمن بن رستم، فغير موجود. وأما تفسير هود بن محكم، فموجود، ومتداول بين الإباضية فى بلاد المغرب.. وهو يقع فى أربع مجلدات، وقد أطلعنى منه على جزئين مخطوطين عنده، وهما الأول والرابع. أما الأول: فيبدأ بسورة الفاتحة، وينتهى بآخر سورة الأنعام. وأما الرابع: فيبدأ بسورة الزمر، وينتهى بآخر القرآن.
قال: وأما تفسير أبى يعقوب الورجلانى، فغير موجود، ويذكر المحققون من علمائنا أنه من أحسن التفاسير بحثًا، وتحقيقًا، وإعرابًا.
وأما تفسير داعى العمل ليوم الأمل، فلم يتمه مؤلفه، لأنه عزم على أن يجعله في اثنين وثلاثين جزءًا، ثم عدل عن عزمه هذا، واشتغل بتفسير هميان الزاد إلى دار المعاد.
وقد أطلعنى مُحدِّثى على أربعة أجزاء من تفسير داعى العمل، فى مجلدين مخطوطين بخط المؤلف، أما أحد المجلدين: فإنه يحتوى على الجزء التاسع والعشرين، والجزء الثلاثين من أجزاء الكتاب، وهو يبدأ بسورة الرحمن، وينتهى بآخر سورة التحريم، وأما المجلد الثانى: فإنه يحتوى على الجزء الحادى والثلاثين، والجزء الثانى والثلاثين، وهو يبدأ بسورة تبارك، وينتهى بآخر القرآن. وقد وجدت بالمجلد الأخير بعض ورقات فيها تفسير أول سورة [ص]، ويظهر - كما قال مُحدِّثى - أن المؤلف قد ابتدأ تفسيره هذا بسورة الرحمن إلى أن انتهى إلى آخر سورة الناس، ثم بدأ بسورة [ص] ووقف عندها ولم يتم.
وأما تفسير هميان الزاد، فموجود ومطبوع فى ثلاثة عشر مجلدًا كبارًا، ومنه نسخة فى دار الكتب المصرية، ونسخة أخرى عند مُحدِّثى.
وأما تيسير التفسير، فموجود ومطبوع فى سبع مجلدات متوسطة الحجم، ومنه نسخة بدار الكتب المصرية، وأخرى عند مُحدِّثى أيضًا.
* *

أسباب قِلَّة إنتاج الخوارج فى التفسير

وأنت ترى أن هذه الكتب المذكورة، ما وُجِد منها وما لم يُوجد، كلها للإباضية وحدهم، ولعل السر فى ذلك: أن جميع فِرَق الخوارج ما عدا الإباضية بادت ولم يبق لها أثر.
 
٢ ‏/ ٢٣٣
 
أما الإباضية فموجودون إلى يومنا هذا، ومذهبهم منتشر فى بلاد المغرب، وحضرموت، وعُمان، وزنجبار.
ولكن بقى بعد هذا سؤال يتردد فى نفسى، ولعله يتردد فى نفس القارئ أيضًا وهو: ما السر فى أن الخوارج قَلَّ إنتاجهم فى التفسير؟
والجواب عن هذا السؤال - كما أعتقد - ينحصر فى أُمور ثلاثة وهي ما يأتى:
أولًا: أن الخوارج كان أكثرهم من عرب البادية، ومن قبائل تميم على الأخص، وقليل منهم كان يسكن البصرة والكوفة مع احتفاظه ببداوته، فكانوا لغلبة البداوة عليهم أبعد الناس عن التطور الدينى، والعلمى، والاجتماعى، وكانوا يمثلون الإسلام الأول فى بساطته، وعلى فطرته، بدون أن تشوبه تعاليم الأُمم الأُخرى. أضف إلى ذلك: احتفاظهم بأهم خصائص أهل البدو من سذاجة التفكير، وضيق التصور، والبُعْد عن التأثر بحضارة الأمم المجاورة لهم.
ثانيًا: أنهم شُغِلوا بالحروب من مبدأ نشأتهم. وكانت حروبًا قاسية وطويلة، ومتتابعة.. أسلمتهم حروب علىّ إلى حروب الأمويين، وأسلمتهم حروب الأمويين إلى حروب العباسيين التى تركتهم في حالة تشبه الاحتضار، وتؤذن بالفناء، فكان من الطبيعى أن لا تدع الحرب لهم من الوقت ما يتسع للبحث والتصنيف.
ثالثًا: أن الخوارج - مع ما هم عليه من شذوذ - كانوا يخلصون لعقيدتهم، ويتمسكون بإيمانهم إلى حد كبير، ويرون أن الكذب جريمة من أكبر الجرائم، وبه - عند جمهورهم - يخرج الإنسان من عِداد المؤمنين - فلعل هذا دعاهم إلى عدم الخوض في تفسير القرآن، وجعلهم يتورعون عن البحث وراء معانيه، مخافة أن لا يصيبوا الحق فيكونوا قد كذبوا على الله.. وقد سُئِل بعضهم: لِمَ لَمْ تُفسِّر القرآن؟ فقال: «كلما رأيت قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل * لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] أحجمت عن التفسير».
من أجل هذا كله لم يكن يُنتظر من الخوراج أن يُؤلِّفوا لنا فى التفسير كما ألفَ غيرهم، وليس التفسير وحده هو الذي حُرِم من تصنيف الخوارج وتأليفهم، بل كل العلوم فى ذلك سواء، وما وُجِد لهم من مؤلفات فى علم الكلام، أو الفقه، أو الأُصول، أو الحديث، أو التفسير، أو غير ذلك من العلوم فكله من عمل الإباضية وحدهم، لأن هذه الفِرْقة هى التى عاشت وانتشرت فى كثير من بلاد المسلمين، واستمرت إلى يومنا هذا، وتأثرت بتعاليم المعتزلة وغيرهم، وسايرت التطور العلمى والاجتماعى.
وبعد.. فهذا هو تراث الخوارج في التفسير، وهو تراث نادر عزيز، وما وُجِد منه أندر وأعز، وأرى أن أكتفى بالكلام عن «هميان الزاد إلى دار المعاد» وحده، وعذرى
 
٢ ‏/ ٢٣٤
 
فى ذلك: أن ما وجدناه من تفسير هود بن محكم، لم يتيسر لنا الاطاع عليه الاطلاع الكافى الذى يعطينا فكرة واضحة عنه، وعن مؤلِّفه، وذلك راجع إلى رداءة خطه، وضياع بعض أوراقه، وتآكل بعضها.
وما وجدناه من تفسير «داعى العمل ليوم الأمل». لم يكن أكثر حظًا من تفسير هود بن محكم.
وأما «تيسير التفسير».. فهو فى الحقيقة خلاصة لما تضمنه «هميان الزاد» فلم يكن الكلام عنه بمعطينا فكرة جديدة عن التفسير عند الإباضية أو عند مُفسِّره على الأقل.
* * *
 
٢ ‏/ ٢٣٥
 
هميان الزاد إلى دار المعاد
 

التعريف بمؤلف هذا التفسير

مؤلف هذا التفسير هو محمد بن يوسف بن عيسى بن صالح إطفيش الوهبى، الإباضى، وهو من وادى ميزاب بصحراء الجزائر من بلاد المغرب. نشأ بين قومه، وعُرِف عندهم بالزهد والورع.. واشتغل بالتدريس والتأليف وهو شاب لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وانكبَّ على القراءة والتأليف، حتى قيل إنه لم ينم فى ليلة أكثر من أربع ساعات. وله من المؤلفات فى شتَّى العلوم ثروة عظيمة تربو على الثلاثمائة مؤلَّف ... فمن ذلك: نظم المغنى لابن هشام خمسة آلاف بيت.. وكان ذلك فى شبابه، وشرح كتاب التوحيد للشيخ عيسى بن تبغورين وهو من أهم مؤلفاته فى علم الكلام، وشرح كتاب العدل والإنصاف فى أُصول الفقه لأبى يعقوب يوسف ابن إبراهيم الورجلانى، وله فى الحديث: وفاء الضمانة بأداء الأمانة، وهو مطبوع فى ثلاثة مجلدات، وجامع الشمل فى حديث خاتم الرسل، وهو مطبوع فى مجلد واحد. وله فى الفقه شرح كتاب النيل. وهو مطبوع فى عشر مجلدات، وله مؤلفات أخرى فى النحو والصرف، والبلاغة، والفلك، والعروض، والوضع، والفرائض، وغيرها.
وأما التفسير فله فيه «داعى العمل ليوم الأمل»، لم يتم ... و«هميان الزاد إلى دار المعاد»، وهو ما نحن بصدده ... و«تيسير التفسير»، وهو مختصر من السابق. هذا، وقد توفى المؤلف سنة ١٣٣٢ هـ (اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة)، وله من العمر ست وتسعون سنة.
* *

التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه

يعتبر هذا التفسير هو المرجع المهم للتفسير عند الإباضية من الخوارج، غير أنه لا يُصور لنا حالة التفسير عندهم فى عصورهم الأولى، وذلك لقرب عهد مؤلفه، وتأخره عن زمن كثير من التفسير الذين وافقوه على مذهبه، والذين خالفوه فيه.
ولقد جرت سُنَّة الله بين المؤلفين أن يأخذ اللاحق من السابق، وأن يستفيد المتأخر من المتقدم، وصاحبنا فى تفسيره هذا، استمد من كتب مَن سبقه من المفسِّرين على اختلاف نِحَلهم ومشاربهم وإن كان يدَّعى فى مقدمته أن لا يُقلِّد فيه أحدًا إلا إذا
 
٢ ‏/ ٢٣٦
 
حكى قولًا، أو قراءة، أو حديثًا، أو قصة، أو أثرًا لسَلَف. وأما نفس تفاسير الآى، والرد على بعض المفسِّرين، والجواب، فمن عنده إلا ما نسبه لقائله. كما يَدَّعى أنه كان ينظر بفكره فى الآية أولًا، ثم تارة يوافق نظر جار الله الزمخشرى، والقاضى البيضاوى - وهو الغالب - وتارة يخالفهما، ويوافق وجهًا أحسن مما أثبتناه أو مثله.
ومهما يكن من شىء فلا يسعنا إلا أن نقول: إن الرجل - وقد قرأ الكثير من كتب التفسير - تأثر بما جاء فيها، واستفاد الكثير من معانيها مما يدعونا إلى القول بأن تفسيره يمثل التفسير المذهبى للخوارج الإباضية فى أواخر عصورهم فقط، وبعد أن خرجوا من عزلتهم التى مكثوا فيها مدة طويلة من الزمن.
نقرأ فى هذا التفسير فنجد أن صاحبه يذكر فى أول كل سورة عدد آياتها، والمكى منها والمدنى، ثم يذكر فضائل السورة، مستشهدًا لذلك فى الغالب بالأحاديث الموضوعة فى فضائل السور، ثم يذكر فوائد السورة بما يشبه كلام المشعوذين الدجَّالين، ثم بعد ذلك كله يشرح الآيات شرحًا وافيًا، فيُسهب فى المسائل النحوية، واللُّغوية، والبلاغية، ويفيض فى مسائل الفقه، والخلاف بين الفقهاء كما يتعرض لمسائل علم الكلام ويفيض فيها، مع تأثر كبير بمذهب المعتزلة، كما لا يفوته أن يعرض للأبحاث الأصولية والقراءات، وهو مكثر إلى حد كبير من ذكر الإسرائيليات التى [لا] (*) يؤيدها الشرع، ولا يصدقها العقل، كما يطيل فى ذكر تفاصيل الغزوات التى كانت على عهد رسول الله ﷺ. ثم هو بعد ذلك لا يكاد يمر بآية يمكن أن يجعلها فى جانبه إلا مال بها إلى مذهبه، وجعلها دليلًا عليه، ولا بآية تصارحه بالمخالفة إلا تلَّمس لها كل ما فى طاقته من تأويل، ليتخلص من معارضتها.. وقد يكون تأويلًا متكلفًا، وفاسدًا، لا ينجيه من معارضة الآية له، لكنه التعصب الأعمى ... يدفع الإنسان إلى أن ينسى عقله، ويطرح تفكيره الصائب، ليمشى مع الهوى بعقل فارغ وتفكير خاطىء!!.. وإليك بعض ما جاء فى هذا التفسير، لتقف على مسلك صاحبه فى فهمه لآيات القرآن الكريم:

حقيقة الإيمان
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [٢-٣] من سورة البقرة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . نراه يقرر: «أن الإيمان يُطلق على مجموع الاعتقاد، والإقرار، والعمل»، ثم يقول: "فمَن أخلَّ بالاعتقاد وحده، أو به وبالعمل، فهو مشرك من حيث الإنكار، منافق أيضًا من حيث أنه أظهر ما ليس فى قلبه، ومَن أخلَّ بالإقرار وحده، أو بالإقرار والعمل، فهو مشرك عند جمهورنا وجمهور قومنا. وقال القليل: إنه إذا أخلَّ بالإقرار وحده، مسلم عند الله من أهل الجنة، وإن أخلَّ به وبالعمل ففاسق كافر كفر نعمة، وإن أخلَّ بالعمل فقط،
(*) قال مُعِدّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفين ليس في المطبوع
 
٢ ‏/ ٢٣٧
 
فمنافق عندنا، فاسق ضال، كافر كفرًا دون شرك غير مؤمن الإيمان التام».. ثم قال: «واختلف الخوارج.. وهم الذين خرجوا عن ضلالة علىّ، فقالت الإباضية الوهبية، وسائر الإباضية فيمن أخلَّ بواحد من الثلاثة: ما تقدم من إشراكه بترك الاعتقاد، أو بترك الإقرار، وينافق بترك العمل. ويثبتون الصغيرة. وقال الباقون كذلك وإنه لا صغيرة. ومذهب المحدثين أن انضمام العمل والإقرار إلى الاعتقاد على التكميل لا على أنه ركن. ونحن نقول: انضمامها إليه ركن، وهما جزء ماهيته».
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢٥] من سورة البقرة: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ ... الآية، نراه يحاول محاولة جدية فى تحقيق أن العمل جزء من الإيمان، ولا يتحقق الإيمان بدونه. فيقول: «ترى الإنسان يفيد كلامه مرة واحدة بقيد، فيحمل سائر كلامه المطلق على هذا التقييد، فكيف يسوغ لقومنا أن يلغوا تقييد الله ﷿ الإيمان بالعمل الصالح مع أنه لا يكاد يذكر الفعل من الإيمان إلا مقرونًا بالعمل الصالح؟ بل الإيمان نفسه مفروض لعبادة مَن يجب الإيمان به وهو الله تعالى، إذ لا يخدم الإنسان مثلًا سلطانًا لا يعتقد بوجوده، وثبوت سُلْطته، فالعمل الصالح كالبناء النافع، المظلل المانع للحر، والبرد والمضرات، والإيمان أُس، ولا ينفع الأُس بلا بناء عليه، ولو بنى الإنسان أُلوفًا من الأُسس ولم يبن عليها لهلك باللصوص، والحر، والبرد، وغير ذلك، فإن ذكر الإيمان مفردًا قيد بالعمل الصالح. وإذا ذكر العمل الصالح، فما هو إلا فرع الإيمان، دليل على أن كلًا منهما غير الآخر، لأن الأصل فى العطف المغايرة بين المتعاطفين، ففى عطف الأعمال الصالحات على الإيمان إيذان بأن البشارة بالجنَّات، وإنما يستحقها مَن جمع بين الأعمال الصالحات والإيمان».
* *

موقفه من أصحاب الكبائر

كذلك نجد المؤلف يحاول أن يأخذ من القرآن ما يدل على أن مرتكب الكبيرة مخلَّد فى النار وليس بخارج منها.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٨١] من سورة البقرة: ﴿بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولائك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .. يقول: ﴿سَيِّئَةً﴾ خصلة قبيحة، وهى الذنب الكبير، سواء أكان نفاقًا أو إشراكًا، ومن الذنوب الكبيرة: الإصرار، فإنه نفسه كبيرة، سواء أكان على الصغيرة أو الكبيرة، والدليل على أن السيئة: الكبيرة قوله: ﴿فأولائك أَصْحَابُ النار﴾ .. ويحتمل وجه آخر وهو أن السيئة: الذنب صغيرًا أو كبيرًا، ثم يختَص الكلام بالكبيرة بقوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ
 
٢ ‏/ ٢٣٨
 
خطيائته﴾ . وإن قلت روى قومنا عن ابن عباس رضى الله عنهما أن السيئة هنا الشرك. وكذا قال الشيخ هود ﵀ إنها الشرك. قلت: ما ذكرته أولى مما ذكراه، فإن لفظ السيئة عام، وحمله على العموم أولى، إذ ذلك تفسير منهما لا حديث، ولا سيما أنهما وقومنا يعترفون بأن الكبيرة تُدْخِل فاعلها النار، ولم يحصروا دخولها على الشرك، ومعترفون بأن لفظ الخلود يُطلق على المكث الكبير، سواء أكان أبديًا، أو غير أبدى، وادعاء أن الخلود فى الموحِّدين بمعنى المكث الطويل، وفى الشرك بمعنى المكث الدائم، استعمال للكلمة فى حقيقتها ومجازها، وهو ضعيف، وأيضًا ذكر إحاطة الخطيئات ولو ناسب الشرك كغيره، لكنه أنسب بغيره، لأن الشرك أقوى ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته﴾ .. ربطته ذنوبه وأوجبت له دخول النار، فصار لا خلاص له منها، كمن أحاط به العدو، أو الحرق، أو حائط السجن، وذلك بأن مات غير تائب».
* *

حملته على أهل السُّنَّة

ونرى المؤلف كلما سنحت له الفرصة للتنديد بجمهور أهل السُّنَّة القائلين بأن صاحب الكبيرة من المؤمنين يُعذَّب فى النار على قدر معصيته، ثم يدخل الجنة بعد ذلك، ندَّد بهم ولمزهم.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤] من سورة البقرة: ﴿والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ .. يقول: «.. وترى أقوامًا ينتسبون إلى المِلَّة الحنيفية يضاهئون اليهود فى قولهم: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات».
* *

مغفرة الذنوب

ثم إن المؤلف حمل كل آيات العفو والمغفرة على مذهبه القائل: بأن الكبائر لا يغفرها الله إلا بالتوبة منها والرجوع عنها، ويحمل على الأشاعرة القائلين بأن الله يجوز أن يغفر لصاحب الكبيرة وإن لم يتب.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الاية [٢٨٤] من سورة البقرة: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ يقول: «ولا دليل فى الآية على جواز المغفرة لصاحب الكبيرة الميت بلا توبة منها، كما زعم غيرها، لحديث، هلك المُصِّرون».
 
٢ ‏/ ٢٣٩
 
وعند قوله تعالى فى الآية [١٢٩] من سورة آل عمران: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ .. يقول: «يغفر لمن يشاء الغفران له بأن يوفقه للتوبة، ويُعذِّب مَن يشاء تعذيبه بأن لا يوفقه، وليس من الحكمة أن يُعذِّب المطيع الموفى، وليس منها أن يرحم العاصى المُصِّر، وقد انتفى الله من أن يكون ظالمًا، وعد من الظلم: النقص من حسنات المحسن، والزيادة فى سيئات المسىء، وليس من الجائز عليه ذلك، خلافًا للأشعرية فى قولهم: يجوز أن يدخل الجنة جميع المشركين، والنار جميع الأبرار. وقد أخطأوا فى ذلك ...».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٣] من سورة الزمر: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ .. يقول: «بشرط التوبة منها، بدليل التقييد بها فى مواضع من القرآن والسُّنَّة، والمطلق يُحمل على المُقَيَّد. وقد ذُكِرَت فى القرآن مرارًا شرطًا للغفران، فذكرها فيما ذكرت. ذكر لها فيما لم تذكر، وإنما تحذف لدليل، والقرآن فى حكم كلام واحد لا يتناقض حاشاه، وأيضًا يليق أن يذكر لهم أنه يغفر الكبائر بلا توبة مع أنه ناه عنها، لأن ذلك يؤدى بهم إلى الاجتراء عليها. وقد أخفى الصغائر لئلا يُجترأ عليها من حيث أنه غفرها. ويدل لذلك تعقيب الآية بقوله: ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] لئلا يطمع طامع كالقاضى - يريد البيضاوى - فى حصول المغفرة بلا توبة. ويدل له أيضًا قراءة ابن مسعود وابن عباس:»يغفر الذنوب جميعًا لمن يشاء«أى لمن يشاؤه بالتوبة.. وأما قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ فاستئناف معلل لمغفرة الذنوب بالتوبة، أي يغفرها، ويقبل التوبة منها. لأن من شأنه الغفران العظيم والرحمة والعظيمة وملكه وغناه واسع لذلك. والمراد بالآية: التنبيه على أنه لا يجوز لمن عصى الله - أى عصيان كان - أن يظن أنه لا يغفر له، ولا يقبل توبته، وذلك مذهبنا معشر الإباضية، وزعم القاضى وغيره: أن الشرك يُغفر بلا توبة، ومشهور مذهب القوم: أن الموحِّد إذا مات غير تائب: يُرجى له، وأنه إن شاء عذَّبه بقدر ذنبه وأدخله الجنة. وإن شاء غفر له. ومذهبنا: أن مَن مات على كبيرة غير تائب: لا يُرجى له».
* *

رأيه فى الشفاعة

ويرى المؤلف: أن الشفاعة لا تقع لغير الموحدِّين، ولا لأصحاب الكبائر، ومن خلال رأيه هذا ينظر إلى آيات الشفاعة فلا يرى فيها إلا ما يتفق ومذهبه.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٨] من سورة البقرة: ﴿واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ .. يقول: ".. وإن قلت: فهل الشفاعة والفداء بالعدل واقعان ولكن لا يُقبلان؟ أم غير واقعين؟ قلت: غير واقعين، أما مَن تأهل للشفاعة من الملائكة والأنبياء والعلماء
 
٢ ‏/ ٢٤٠
 
والصالحين، فلا يتعرضون بها لمن ظهرت شقاوته لهم. فإن تعرَّضوا بها لهم قبل أن تظهر لهم، قيل لهم: إنهم بَدَّلُوا وغيَّروا، وليسوا أهلًا لها، فيتركوا التعرض لها. وأما من لم يتأهل لها فمشغول بنفسه لا يدرى ما يُفعل به«.
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٢٣] من السورة نفسها: ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ ... يقول.. ﴿وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ لعدمها هناك، فالمراد أنه لا شفاعة تنفعها، فالشفاعة هنالك منفية من أصلها، وليس المراد أنه هناك شفاعة لا تُقبل. وإنما ساغ ذلك، لأن القضية السالبة تصدق بنفى الموضوع، كما تصدق بنفى المحمول، فكما تقول: ليس زيد قاعدًا فى السوق، وتريد أنه فيها لكنه قائم، كذلك تقول: ليس زيد قاعدًا فيها، وتريد أنه ليس فيها أصلًا، وذلك مخصوص بالمشرك، فإنه لا شفاعة له هنالك إلا شفاعة القيام لدخول النار، ولا نفع له فى دخول النار، وإنما الشفاعة للموحِّد التائب».
وعند قوله تعالى في الآية [١٥٩] من سورة الأنعام: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ... الآية، يقول: «فالآية نص - أو كالنص - فى أن لا شفاعة لأهل الكبائر. أى أنت برئ منهم على كل وجه، وقد علمت عن عمر وأبى هريرة أن الآية فى أهل البدع من هذه الأمة».
* *

رؤية الله تعالى

ويرى صاحبنا: أن رؤية الله تعالى غير جائزة ولا واقعة لأحد مطلقًا، ويُصرِّح بذلك فى تفسيره لآيات الرؤية، ويرد على أهل السُّنَّة الذين يقولون بجوازها فى الدنيا، ووقوعها للمؤمنين فى الآخرة.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ ... الآية، نراه يذكر ما ورد من الروايات فى هذا الباب، ومن الروايات رواية تفيد: أن موسى سأل ربه أن ينظر إليه بالمجاهرة، يعقب عليها فيقول: "وهذه الرواية تقتضى أن موسى يجيز الرؤية، حتى سألها ومُنعَها ... وليس كذلك، بل إن صح سياق هذه الرواية فقد سألوه الرؤية قبل ذلك، فنهاهم عن ذلك وحرَّمه، أو سكت انتظارًا للوحى فى ذلك، فلما فرغ وخرج، عاودوه ذكر ذلك، فقال لهم: قد سألته على لسانكم كما تحبون، لأخبركم بالجواب الذى يقمعكم لا لجواز الرؤية، فتجلَّى للجبل بعض آياته فصار دكًا، فكفروا بطلب الرؤية، لاستلزامها
 
٢ ‏/ ٢٤١
 
اللون، والتركيب، والتحيز، والحدود، والحلول، وذلك كله يستلزم الحدوث، وذلك كله محال على الله، وإذا كان ذلك مستلزمًا عقلًا لم يختلف دنيا وأخرى، فالرؤية محال دنيا وأخرى. ولا بالإيمان، والكفر، والنبوة، وعدمها«.
وعند قوله تعالى فى الآية [١٥٣] من سورة النساء: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السمآء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ ... الآية، يقول: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِم﴾ إذ سألوا رؤية الله جَلَّ وعَلا الموجبة للتشبيه ... وقالت الأشعرية: الصاعقة إنما هى من أجل امتناعهم من الإيمان بما وجب إيمانه إلا بشرط الرؤية، لا من أجل طلب الرؤية. وهو خلاف ظاهر الآية، مع أن الرؤية توجب التحيز، والجهات، والتركيب، والحلول، واللون، وغير ذلك من صفات الخلق. ويدل لما قلته قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] . والأشعرية لما أُفحموا قالوا: بلا كيف. وحديث الرؤية - إن صح - فمعناه: يزدادون يقينًا بحضور ما وعد الله فى الآخرة، فلا يشكون فى وجود الله وكمال صدقه، وقدرته، كما لا يشكون فى البدر».
* *

أفعال العباد
وإذا كان المؤلف يتأثر بآراء المعتزلة أحيانًا، فإنه يُصرِّح بمخالفتهم فى بعض المسائل، فمثلًا نراه يقرر: أن فعال العباد كلها بإرادة الله تعالى وأن العبد لا يخلق أفعال نفسه. ونراه يرد على المعتزلة ولا يرضى موقفهم من هذه المسألة، فمثلًا عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [١٠٧] من سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ... الآية، يقول: «ولو شاء الله عدم إشراكهم بالله تعالى ما أشركوا به تعالى شيئًا، فالآية دليل على أن إشراكهم بإرادة الله ومشيئته، وفيه رد على المعتزلة فى قولهم: لم يرد معصية العاصى.. وزعموا أن المعنى: لو شاء الله لأكرههم على عدم الإشراك، ولزم عليهم أن يكون مغلوبًا على أمره إذا عُصى ولم يرد المعصية، بل أراد الإيمان منهم ولم يقع - تعالى الله عن ذلك - والحق أن المعصية بإرادته ومشيئته، مع اختيار العاصى، لا جبر، للذم عليها والعقاب والنهى عنها».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٦٢] من سورة الزمر: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ... يقول: «من إيمان، وكفر، وخير، وشر، مما هو كائن دنيا وأُخرى».
* *
 
٢ ‏/ ٢٤٢
 
موقفه من المتشابه

كذلك نجد المؤلف يقف من المتشابه موقف التأويل، ويعيب على مَن يقول بالظاهر، وإن فوَّض علمه وكيفيته لله.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٢١٠] من سورة البقرة: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة وَقُضِيَ الأمر وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ .. يقول: ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾ على حذف مضاف: أي أمر الله. بدليل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ ... والحاصل، أن مذهبنا ومذهب هؤلاء - يريد المعتزلة ومن وافقهم - تأويل الآية عن ظاهرها إلى ما يجوز وصف الله به».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٤٢] من سورة المائدة: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُمْ بالقسط إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ .. نراه يذكر الحديث القائل: «إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين»، ثم يقول: «ويمين الرحمن عبارة عن المنزلة الرفيعة، والعرب تذكر اليمين فى الأمر الحسن، ودل لذلك قوله:»وكلتا يديه يمين«، والتأويل فى مثل ذلك هو الحق. وأما قول سَلَف الأشعرية فى مثل ذلك: إنَّا نؤمن به وننزهه عن صفة الخلق ونكل معناه إلى الله، ونقول: هو على معنى يليق به ... وكذا طوائف من المتكلمين، فجمود وتعام عن الحق».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٤] من سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ ... الآية، يقول: «واستوى: بمعنى استولى بالملك، والغلبة والقوة، والتصرف في كيف شاء، و»العرش«: جسم عظيم وذلك مذهبنا ومذهب المعتزلة، وأبى المعالى وغيره من حُذَّاق المتكلمين، وخص العرش بذكر الاستيلاء لعظمته».
* *

موقفه من تفسير الصوفية
ونجد المؤلف يبدى رأيه فى تفسير الصوفية بصراحة تامة، ويحمل على مَن يُفسِّر هذا التفسير، فيقول عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣] من سورة البقرة: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: ".. قيل: ويحتمل أن يُراد الإنفاق من جميع ما رزقهم الله من أنواع الأموال، والعلم، وقوة البدن، والجاه، وفصاحة اللسان.. ينفعون بذلك عيال الله ﷾ على الوجه الجائز، وقيل: المعنى: ومما خصصناهم به من أنوار معرفة الله - جَلَّ وعَلا - يفيضون.. وهذا القول والذى قبله أظنهما للصوفية أو لمن يتصوف،
 
٢ ‏/ ٢٤٣
 
وليس تفسير الصوفية عندى مقبولًا إذا خالف الظاهر، وكان تكلفًا، أو خالف أُسلوب العربية ولا أعذر مُن يُفسِّر به ولا أقبل شهادته، وأتقرب إلى الله تعالى ببغضه والبراءة منه، فإنه ولو كان فى نفسه حقًا لكن جعله معنى للآية أو للحديث خطأ لأنه خروج عن الظاهر وأساليب العرب التي يتخاطبون بها وتكلف من التكلف الذى يبغضه الله، فإن القولين وإن ناسبهما قوله ﷺ: «إنَّ علمًا لا يقال به ككنز لا يُنفق منه» الذى رواه الطبرى فى الأوسط، لكن لا يصحان تفسيرًا للآية، إذ لا يتبادر ذلك لا يجرى على أسلوب العرب والقول الأخير أبعد، وأنا أعد اعتقادى ذلك نورًا ومعرفة أفاضها الله الرحمن الرحيم علىّ. وقد أقبل القول الذى قبله لأنه قريب من أُسلوب العرب. قليل التكلف، والصحيح أن المراد: النفقة الواجبة وغير الواجبة من المال.
* *

موقفه من الشيعة
وصاحبنا لا يُسلِّم للشيعة استدلالهم على إمامة علىّ بقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ... بل نراه يفند احتجاجهم بالآية فيقول: «وزعم الشيعة أن: ﴿والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ ... إلى: ﴿رَاكِعُونَ﴾ المراد به علىّ بن أبى طالب، وأن جملة ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ حال من واو ﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ وهى مقارنة، وأنه أعطى الزكاة وهو فى الصلاة راكع، سأل سائل وهو فى ركوع الصلاة فأعطاه خاتمه فى حال ركوعه وأراد به الزكاة، وعبَّر عنه بالجمع تعظيمًا، وهى دعوى بلا دليل عليها والأصل العموم، والأصل أن لا يُطلق لفظ الجمع على المفرد، ومن دعوى الشيعة أن المراد بالولى - فى الآية - المتولى للأمور المستحق للتصرف فيها، وأن هذه الآية دليل على إمامة علىّ ... وهذا أيضًا تكلف بلا دليل».
* *

رأيه فى التحيكم

ونرى المؤلف يتأثر فى تفسيره هذا بعقيدته فى مسألة التحيكم بين علىّ ومعاوية ﵄، فيفر من الآيات التى تعارضه، ويمكن أن تكون مستندًا لمخالفيه.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٥] من سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فابعثوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ ... الآية، نراه يقول: «ولا دليل فى الآية على جواز التحكيم، لأن مسألة الحال إنما هى ليتحقق بالحَكَمين ما قد يخفى من حال الزوجين، بخلاف ما إذا ظهر بطلان إحدى الفرقتين بأن الله قد حكم بقتالها، وأيضًا المراد هنا: الإصلاح مثلًا لا مجرد بيان الحق».
 
٢ ‏/ ٢٤٤
 
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٩-١٠] من سورة الحجرات: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ ... إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .. يقول: والإصلاح بالنصح والدعاء إلى حكم الله ... ثم يقول: وسمع علىّ رجلًا يقول فى ناحية المسجد: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفىء ما دامت أيديكم فى أيدينا، ولا نبدأكم بقتال. قلت: الحق أنه إذا حكم الله بحكم فى مسألة فلا حكم لأحد فيها سواه، فالحق مع الرجل، ولو كان علىّ أعلم عالِم. ثم قال: قيل: وفى الآية دليل على أن البغى لا يزيل اسم مؤمن، لأن الله سماهم مؤمنين مع كونهم باغين ... وسماهم إخوة مؤمنين، قلت: لا دليل، أما: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين﴾ فتسميتهم فيه مؤمنين: باعتبار ما يظهر لنا قبل ظهور البغى، أما: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ فتسميتهم فيه مؤمنين إخوة: باعتبار ما ظهر لنا قبل البغى، فقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فى معنى اهدوهم إلى الحال التى كانوا عليها قبل. أو المراد بالمؤمن: الموحد لا الموفى، بدليل: «لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن». وأما لفظ: آمن وإيمان، فلا يختصان بالموفى".
* *

إشادته بالخوارج وحطه من قدر عثمان وعلىّ ومَن والاهما

ثم إنه لا تكاد تأتى لذكر الخوارج إلا رفع من شأنهم، ولا لذكر علىّ، أو عثمان، أو مَن يلوذ بهما إلا وغضَّ من شأنهم، ورماهم بكل نقيصة.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى فى الآيتين [١٠٥-١٠٦] من سورة آل عمران: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ البينات وأولائك لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ... إلخ، نراه يعيب على مَن يقول من المفسِّرين: إن الذين تفرَّقوا واختلفوا هم مَن خرج علَى علىّ عند قبوله التحكيم، ويقول: إن أمر الحَكَمين لم يكن حين نزلت الآية، بل فى إمارة علىّ، و﴿تَفَرَّقُواْ واختلفوا﴾ صيغتان ماضويتان، ولا دليل على صرفها للاستقبال، ولا على التعيين لمن ذكر، بل دلَّت الآية على خلوصهم من ذلك، وعلى أنهم المحقون الذين تَبْيَضُ وجوههم، فمَن خالفهم فهو داخل فى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .. وهو يعم كل مَن كفر بعد إيمانه. واعلم أنه قد خرج على علىّ حين أذعن للحكومة صحابة كثيرون - رضى الله عنهم - وتابعون كثيرون، فترى المخالفين يذمون ويشتمون مَن خرج عنه، ويلعنونه، غير الصحابة الذين خرجوا عنه، والخروج واحد: إما حق فى حق الجميع، وإما باطل فى حق الجميع.. فإذا كان حقًا في جنب الكل، فكيف يشتمون مَن خرج عليه غير الصحابة، وإن كان باطلًا فى جنب الكل، فقد استحق الصحابة الشتم أيضًا ... عافاهم الله. ونرى المخالفين يروون أحاديث لم تصح عن رسول الله ﷺ، وقد يصح
 
٢ ‏/ ٢٤٥
 
الحديث ويزيدون فيه. وقد يصح ويؤولونه فينا وليس فينا«.
ثم سرد المؤلف بعض الأحاديث التى حملت عليهم، وردها بعدم صحتها، أو بحملها على غلاة الخوارج كالصفرية، أو بحملها على مَن قبل التحكيم. ثم قال:»والدليل الأقوى على أن تلك الأحاديث ليست فينا ولا فيمن اقتدينا بهم، وأن الراضين بالتحكيم هم المبطلون، ما رواه أبو عمر، وعثمان بن خليفة: أن رجلًا من تلاميذ أبى موسى الأشعرى - عبد الله بن قيس - لقيه بعد ما وقع فيما وقع من أمر التحكيم، فقال له: قف يا عبد الله بن قيس أستفتك، فوقف.. وكان التلميذ قد حفظ عنه أنه حكى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «سيكون فى هذه الأمة حَكَمان ضالان مُضلان يضلان ويضل مَن اتبعهما» قال: فلا تتبعهما وإن كنت أحدهما. ثم قال له التلميذ: إن صدقت فعليك لعنة الله، وإن كذبت فعليك لعنة الله.
ومعنى ذلك: إن كانت الرواية التى رواها عن رسول الله ﷺ صحيحة ثم وقع فيها، فعليه لعنة الله، وإن كان كاذبًا على رسول الله ﷺ فعليه، لعنة الله، لنقله الكذب عن رسول الله، لا محيص عن الأمرين جميعًا«.
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٣٩] من سورة التوبة ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ ... الآية، نراه يحاول الغض من شأن عثمان الذى بذل ماله فى غزوة تبوك دفاعًا عن رسول الله ﷺ، ونُصْرة لدين الله فيقول:»... وعن عمران بن حصين أن نصارى العرب كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذى يَدَّعى النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلًا من عظمائهم، وجهَّز معه أربعين ألفًا، فبلغ ذلك النبى ﷺ ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهَّز عيرًا إلى الشام، فقال: يا رسول الله؛ هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أُوقية. قال صاحب المواهب: قال عمران بن حصين: فسمعته يقول: «لا يضر عثمان ما عمل بعدها» - والعُهْدة على القسطلانى وعمران - فإن صح ذلك فمعنى ذلك: الدعاء له بالخير، لا القطع بأنه من أهل الجنة. وعن عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان بن عفان بألف دينار فى كمه حين جهَّز جيش العُسرة، فنثرها فى حجره ﷺ، فرأيت رسول الله ﷺ يقلبها فى حجره ويقول: «ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم»، فإن صح هذا فذلك أيضًا دعاء، وإنما قلت لك لأخبار سوء وردت فيه عن رسول الله ﷺ".
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٠٣] وما بعدها من سورة الكهف: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالًا﴾ ... الآيات إلى قوله: ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا
 
٢ ‏/ ٢٤٦
 
كَفَرُواْ واتخذوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ ... يقول: ... وزعم علىّ أنهم أهل حروراء، وهم المسلمون الذين خرجوا عنه، لعدم رضاهم بالتحكيم فيما كان لله فيه حكم. وسأله ابن الكواء فقال: منهم حروراء. وسُئل: أهم مشركون؟ فقال: لا، فقال: أمنافقون؟ فقال: لا، بل إخواننا بغوا علينا ... وذلك خطأ تشهد به عبارته، لأنه ليس الإنسان إلا مؤمنًا أو مشركًا أو منافقًا، فإذا انتفى الشرك والنفاق عن أهل حروراء فهم مؤمنون. والمؤمن لا يُوصف بالبغى وهو مؤمن، ومَن بغى دخل فى حدود النفاق. وأيضًا الباغى مَن يرى التحكيم فيما كان لله فيه حكم، والسافك دماء مَن لم يتبعه على هذه الزلَّة. وأيضًا أهل حروراء لم يكفروا بآيات الله، ولا بلقائه، بل مؤمنون بآيات الله وبالبعث. والأخسرون أعمالًا قد وصفهم الله ﷾ بكفر الآيات واللقاء، ولست أقول ذلك معجبًا بنفسى، ولا متعجبًا ممن عصى، بل حق ظهر لى فصرَّحتُ به».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [٥٥] من سورة النور: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض﴾ ... الآية، يقول: «قال المخالفون عن الضحاك: إن الذين آمنوا هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ. وإن استخلافهم: إمامتهم العظمى، وسيأتى ما يدل على بطلان دخول عثمان وعلىّ فى ذلك ... ثم قال: وفى أيام أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ. وبعدهم، كانت الفتوح العظيمة، وتمكين الدين لأهله، لكن لا دليل فى ذلك على إصابة عثمان وعلىّ. فإنهما وإن كانت خلافتهما برضا الصحابة، لكن ما ماتا إلا وقد بدَّلا وغيَّرا فسحقًا ... كما فى أحاديث عنه ﷺ أنهما مفتونان».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى آخر الآية السابقة: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .. يقول: «أقول - والله أعلم بغيبه - إن أول مَن كفر بتلك النعمة وجحد حقها: عثمان بن عفان؛ جعله المسلمون على أنفسهم، وأموالهم، فخانهم فى كل ذلك. زاد فى مسجد رسول الله ﷺ ووسَّعه، وابتاع من قوم وأبى آخرون فغصبهم، فصاحوا به فسيَّرهم للحبس، وقال: قد فعل بكم عمر هذا فلم تصيحوا به، فكلَّمه فيهم عبد الله ابن خالد بن أسيد فأطلقهم من السجن، وقد جمع فى ذلك: عصب المال، وقذف عمر رضى الله عنه. واستعمل أخاه لأُمه وهو الوليد بن عُقبة. ونزل: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ [الأنفال: ٢٥] بحضرة أبي بكر، وعمر - رضى الله عنهما - وعثمان، وعلىّ، فقال لعثمان:»بك تُفتح وبك تُشَب«، وقال لعلىّ:»أنت إمامها وزمامها
 
٢ ‏/ ٢٤٧
 
وقائدها، تمشى فيها مشى البعير فى قيده» وقال: «لَضرس بعض الجلوس فى نار جهنم أعظم من جبل أُحُد». وقال: «يثور دخانها تحت قدمى رجل يزعم أنه منى وليس منى، ألا إن أوليائى المتقون» ... إلى آخر ما ذكره من النقائص فى حق علىّ وعثمان - رضى الله عنهما«.
وعند تفسيره لقوله فى الآية [٢٣] من سورة الشورى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ ... الآية، يقول:»فموَدَّة قرابته ﷺ مَن لَم يُبدِّل منهم ولم يُغيِّر، مثل فاطمة، وحمزة، والعباس، وابنه - رضى الله عنهم - واجبة«.. ثم ذكر روايات كثيرة فى الحث على حب آل البيت وموَدَّتهم.. وبعدما فرغ منها قال:»لكن المراد بآله: آله الذين لم يُبَدِّلوا، فخرج علىّ ونحوه ممن بَدَّل، فإنه قتل مَن قال ﷺ: «لا يدخل قاتلة الجنة». ولم يصح عندنا معشر الإباضية رواية: أنه لما نزلت قيل: مَنْ قرابتك الذين تجب علينا موَدَّتهم؟ فقال: «علىّ، وفاطمة، وابناهما».
* *

اعتداده بنفسه وحملته على جمهور المسلمين

هذا ... وإن المؤلف ليفخر كثيرًا فى مواضع من تفسيره بنفسه وبأهل نِحْلته، ويرى أنه وحزبه أهل الإيمان الصادق، والدين القويم، والتفكير السليم، وأما مَن عداهم: فضالون مضلون، مبتدعون مخطئون.
فمثلًا نجده عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١٧٠] من سورة البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: «واعلم أن الحق هو القرآن والسُّنَّة، وما لم يخالفهما من الآثار، فمَن قام بذلك. فهو الجماعة والسواد الأعظم، ولو كان واحدًا، لأنه نائب النبى ﷺ والصحابة، والتابعين الذين اهتدوا، وكل مهتد. ومَن خالف ذلك، فهو مبتدع ضال، ولو كان جمهورًا. هذا ما يظهر لي بالاجتهاد، وكنت أقرره للتلاميذ عام تسع وسبعين ومائتين وألف.. فأصحابنا الإباضية الوهبية هم الجماعة والسواد الأعظم وأهل السُّنَّة ولو كانوا أقل الناس. لأنهم المصيبون فى أمر التوحيد، وعلم الكلام، والولاية، والبراءة، والأصول دون غيرهم».
وعند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [١١٢] من سورة هود: ﴿فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ ... الآية، يقول ما نصه: "واعلم يا أخى - رحمك الله - أنى
 
٢ ‏/ ٢٤٨
 
استقريت هذه المذاهب المعتبرة كمذهبنا معشر الإباضية، ومذهب المالكية، ومذهب الشافعية، ومذهب الحنفية، ومذهب الحنبلية، بالمنقول والمعقول، فلم أر مستقيمًا منها فى علم التوحيد والصفات سوى مذهبنا، فإنه مستقيم خال عن التشبيه والتعطيل. حُججه لا تقاومها حُجَّة. ولا تثبت لها، والحمد لله وحده».
هذا هو مُفسِّرنا الإباضى، وهذا هو تفسيره الذى ملأه بالدفاع عن العقيدة الزائفة، والتعصب للمذهب الفاسد، وهو بعد - كما ترى - لا يسلم من مجاراة المعتزلة فى بعض عقائدهم، كما لم يسلم من الأحاديث الموضوعة التى جرت على ألسن وُضَّاع الخوارج، لينصروا بها مذهبهم، ويُرَوِّجوا له بين الناس.
* *
 
٢ ‏/ ٢٤٩

عن الكاتب

Ustadz Online

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية