الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

تفسيرأيات الأحكام سورة النحل الإسراء طه الحج النور الفرقان القصص

تفسيرأيات الأحكام  سورة النحل الإسراء طه الحج النور الفرقان القصص

 اسم الكتاب: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
اسم المؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (ت ١٣٠٧هـ)
اسم المحقق، تحقيق: محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي
دار النشر: دار الكتب العلمية
تاريخ النشر: ٣٠/٠١/٢٠٠٣
عدد الصفحات: ٤٧١


فهرس الموضوعات

  1. سورة النحل [وآياتها مائة وثمان وعشرون]
    1. [سورة النحل (١٦) : آية ٦٧]
    2. [سورة النحل (١٦) : آية ٩٤]
    3. [سورة النحل (١٦) : آية ٩٨]
    4. [سورة النحل (١٦) : آية ١٠٦]
    5. [سورة النحل (١٦) : آية ١١٦]
    6. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢٥ إلى ١٢٦]
  2. سورة الإسراء مائة وإحدى عشرة آية
    1. [سورة الإسراء (١٧) : آية ٢٩]
    2. [سورة الإسراء (١٧) : آية ٣٣]
    3. [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٣٦ إلى ٣٧]
    4. [سورة الإسراء (١٧) : آية ٧٨]
    5. [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١١٠ إلى ١١١]
  3. سورة طه آياتها مائة وخمس وثلاثون آية
    1. [سورة طه (٢٠) : آية ١٣١]
  4. سورة الحج وآياتها ثمان وسبعون آية
    1. [سورة الحج (٢٢) : آية ٥]
    2. [سورة الحج (٢٢) : آية ١٩]
    3. [سورة الحج (٢٢) : آية ٢٥]
    4. [سورة الحج (٢٢) : آية ٣٦]
  5. سورة النور آياتها أربع وستون آية
    1. [سورة النور (٢٤) : آية ٢]
    2. [سورة النور (٢٤) : آية ٤]
    3. [سورة النور (٢٤) : الآيات ٦ إلى ٩]
    4. [سورة النور (٢٤) : آية ٢٧]
    5. [سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٠ إلى ٣٣]
    6. [سورة النور (٢٤) : آية ٥٨]
    7. [سورة النور (٢٤) : الآيات ٦٠ إلى ٦٢]
  6. سورة الفرقان وهي سبع وسبعون آية
    1. [سورة الفرقان (٢٥) : آية ٤٨]
    2. [سورة الفرقان (٢٥) : آية ٦٤]
    3. [سورة الفرقان (٢٥) : آية ٦٧]
    4. [سورة الفرقان (٢٥) : آية ٧٤]
  7. سورة القصص
  8.     [سورة القصص (٢٨) : آية ٢٧]
  9. العودة الي كتاب نيل المرام من تفسير آيات الأحكام    


سورة النحل [وآياتها مائة وثمان وعشرون]
هي مكيّة كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر.
وروي عن ابن عباس وأبي الزبير: أنها نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها فإنهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله ﵌ من أحد «١» .
وتسمى هذه السورة بسورة النعم، بسبب ما عدد الله فيها.
[الآية الأولى]
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) .
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا: هو ما يسكر من الخمر.
وَرِزْقًا حَسَنًا: هو جميع ما يؤكل من هاتين الشجرتين كالتمر والزبيب والخل، وكان نزول هذه الآية قبل تحريم الخمر.
وقيل: إن السّكر: الخل بلغة الحبشة.
والرزق الحسن: الطعام من الشجرتين.
وقيل: السّكر العصير الحلو الحلال. وسمي سكرا لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي، فإذا بلغ الإسكار حرم. والقول الأول أولى، وعليه الجمهور.
وقد صرّح أهل اللغة بأن السّكر اسم للخمر ولم يخالف في ذلك إلا أبو عبيدة فإنه قال: السّكر الطعم. ومما يدل على ما قاله الجمهور قول الشاعر:
(١) انظر: الطبري (١٤/ ٥٢)، زاد المسير (٤/ ٤٢٤)، والقرطبي (١٠/ ٦٥) .
 
بئس [الصّحاة] «١» وبئس الشّرب شربهم ... إذا جرى [فيهم المزّاء] «٢» والسّكر
ومما يدل على ما قاله أبو عبيدة ما أنشده:
جعلت عيب الأكرمين سكرا
أي جعلت ذمهم طعما.
ورجح هذا ابن جرير فقال «٣»: إن السّكر ما يطعم من الطعام، ويحب شربه من ثمار النخيل والأعناب، وهو الرزق الحسن، واللفظ مختلف والمعنى واحد، مثل:
َّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
[يوسف: ٨٦] .
قال الزجاج: قول أبي عبيدة هذا لا يعرف، وأهل التفسير على خلافه، ولا حجة له في البيت الذي أنشده، لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس.
وقد حمل السّكر جماعة من الحنفية على ما يسكر من الأنبذة وعلى ما ذهب ثلثاه بالطبخ. قالوا: وإنما يمتن الله على عباده بما أحله لهم لا بما حرمه عليهم، وهذا مردود بالأحاديث الصحيحة المتواترة على فرض تأخره عن آية تحريم الخمر «٤» .
(١) صحّفت في «المطبوعة» إلى (الصحاب) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه كما في «القرطبي» (١٠/ ١٢٨) .
(٢) حرّفت إلى (منهم الهذر) وهو خطأ، والتصوير من القرطبي (١٠/ ١٢٨) .
(٣) انظره في تفسيره (١٤/ ٨٧، ٨٩) .
(٤) فبالجملة: هذه الآية نسختها آية المائدة فَاجْتَنِبُوهُ [آية: ٩] وهذا على الراجح.
وعقّب القاضي ابن العربي بقوله: هذا بناء على أن السكر الخمر وقد اختلف العلماء في تأويله على خمسة أقوال:
الأول: أن معناه تتخذون من ما حرّم الله قاله ابن عباس والحسن.
الثاني: أنه الخلّ قاله الحسن أيضا.
الثالث: أنه كل ما يتطعم منه.
الرابع: أنه خمور الأعاجم.
الخامس: أنه ما يسدّ الجوع.
وأما الرزق الحسن ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: أنه ما أحل الله.
الثاني: الأول بعينه- قاله ابن عباس والحسن وغيرهما.
الثالث: أنه النبيذ الحلو- قاله قتادة.
فإذا لم يقل إن السكر الخمر لم يتصور في الآية نسخ، وإذا قلنا أن المراد به الخمر وتقدير:
تتخذون منه ما حرم الله، فيكون معناه التوبيخ تقديره: أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب [.....]
 
[الآية الثانية]
وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) .
وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ: وهي أيمان البيعة.
قال الواحدي: قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله ﵌ عن نقض العهد على الإسلام ونصرة الدين، واستدلوا على هذا التخصيص بما في قوله:
فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها: من المبالغة، وبما في قوله:
وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) لأنهم إذا نقضوا العهد مع رسول الله ﵌ صدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام، وعلى تسليم أن هذه الأيمان مع رسول الله ﵌، هي سبب نزول هذه الآية، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقال جماعة من المفسرين: إن هذا تكرير لما قبله لقصد التأكيد والتقرير، أعني قوله: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها [النحل: ٩١] إلى قوله: تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ [النحل: ٩٢] الآية.
والمراد بالتوكيد التشديد والتغليظ والتوثيق، وليس المراد اختصاص النهي عن النقض بالإيمان المؤكدة، ولا يغيرها مما لا تأكيد فيه، فإن تحريم النقض يتناول الجميع، ولكن في نقض اليمين المؤكدة من الإثم فوق الإثم الذي في نقض ما لم يؤكد
فاتخذتم منه الخمر التي حرّم الله، وإذا قلنا: أن المنة وقعت بالخمر، فحينئذ يكون النسخ، ولا أقول به ولا أصوبه لقائله فإنه لو أراد الخمر لصرّح باسمها، وكان أولى من أن يقول ذلك بلفظ السكر المذموم، والمنّة لا تقع بمكروه، وما يذهب العقل لا يقع فيه مدح ولم يكن السكر محللا في ملة وسكت الله عنه مدة في صدر الإسلام لفساد جميعه ودعاء قليله إلى كثيرة فسكت عنه إلى أن رأوا فساده واستدعوا تحريمه، فجاء كما أرادوا مع هذا كله، فقد تهافتوا عليه تهافت الفراش وسقطوا فيه سقوط الذّباب اه.
وانظر فيما يتعلق بهذه الآية من أقوال أهل العلم والتفسير: «الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٢٨٠، ٢٨١)، والأحكام له (٣/ ١١٤١)، والنحاس (١٧٩)، وزاد المسير (١٠/ ٤٦٤)، والمصفّى (٢٠٨)، والقرطبي (١٠/ ١٢٨)، وابن البارزي (٢٩٦)، والبصائر (١/ ٢٨٠) .
 
منها، وهذا العموم مخصوص بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من قوله ﵌: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه» «١»، حتى بالغ في ذلك فقال: «والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني»، وهذه الألفاظ ثابتة في الصحيح وغيره.
ويخص أيضا من هذا العموم يمين اللغو لقوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ [البقرة: ٢٢٥] ويمكن أن يكون التقييد بالتوكيد هاهنا لإخراج أيمان اللغو، وقد تقدم بسط الكلام على الإيمان في البقرة.
وقيل: توكيد اليمين هو حلف الإنسان على الشيء الواحد مرارا.
وحكى القرطبي «٢» عن ابن عمر: أنّ التوكيد هو أن يحلف مرتين فإن حلف واحدة فلا كفارة عليه.
قال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحا فهو دخل.
وقيل: الدخل ما أدخل في الشيء على فساده.
وقال الزجاج: غشا.
[الآية الثالثة]
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) .
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ: الفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح.
وقيل: هذه الآية متصلة بقوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، والتقدير فإذا أخذت في قراءته فَاسْتَعِذْ.
قال الزجاج وغيره من أئمة اللغة: معناه إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ وليس معناه استعذ بعد أن تقرأ القرآن. ومثله: إذا أكلت فقل: بسم الله.
قال الواحدي: وهذا إجماع الفقهاء أن الاستعاذة قبل القراءة إلا ما روي عن أبي هريرة وابن سيرين وداود ومالك وحمزة من القراء فإنهم قالوا: الاستعاذة بعد القراءة،
(١) حديث صحيح: رواه البخاري (١١/ ٥١٦، ٥١٧)، ومسلم (١١/ ١١٤، ١١٦) عن أبي هريرة وعبد الرحمن بن سمرة مرفوعا بنحوه.
(٢) انظره في «تفسيره» (١٠/ ١٧٠) .
 
وقد ذهبوا إلى ظاهر الآية.
ومعنى فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ اسأله سبحانه أن يعيذك.
مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨): أي من وساوسه، وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها كسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها لهم لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كانت عند إرادة غيرها أوفى، كذا قيل.
وكذا توجيه الخطاب إلى رسول الله ﵌ للإشعار بأن غيره أولى منه بفعل الاستعاذة، لأنه إذا أمر بها لدفع وساوس الشيطان- مع عصمته- فكيف بسائر أمته.
وقد ذهب الجمهور إلى أن الأمر في الآية للندب، وروي عن عطاء الوجوب أخذا بظاهر الأمر.
[الآية الرابعة]
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) .
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ: قال القرطبي «١»: أجمع أهل العلم أن من أنكره على الكفر، حتى خشي على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه [إن] «٢» كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر.
وحكي عن محمد بن الحسن أنه إذا أظهر الكفر كان مرتدا في الظاهر، وفيما بينه وبين الله على الإسلام، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلما. وهذا القول مردود على قائله مدفوع بالكتاب والسنة.
وذهب الحسن البصري والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أن هذه الرخصة مثل
(١) انظره في «تفسيره» (١٠/ ١٨٢) .
(٢) ما بين [معقوفين] زيادة اقتضاها السياق.
 
أن يكره على السجود لغير الله. ويدفعه ظاهر الآية فإنها عامة في من أكره، من غير فرق بين القول والفعل، ولا دليل للقاصرين للآية على القول، وخصوص السبب لا اعتبار به مع عموم اللفظ كما تقرر في علم الأصول.
وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا: أي اختاره وطابت به نفسه.
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ: ليس بعد هذا الوعيد العظيم- وهو الجمع للمرتدين بين غضب الله وعظم عذابه بقوله: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) وعيد «١» .
[الآية الخامسة]
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) .
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ: قال الكسائي والزجاج: (ما) هنا مصدرية، وانتصاب الكذب بلا تقولوا، أي لا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم. ومعناه لا تحللوا ولا تحرموا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة.
ويجوز أن تكون (ما) موصولة والكذب منتصبا بتصف، أي لا تقولوا للذي تصف
(١) تكلم ابن العربي على هذه الآية في «الأحكام» (٣/ ١١٦٥، ١١٧٠) ما ملخصه: أنها نزلت في المرتدين، واختلفوا في التهديد هل هو إكراه أم لا؟ والصحيح أنه إكراه.
واختلفوا في الزنا؟ والصحيح أنه يجوز له الإقدام عليه ولا حدّ عليه خلافا لابن الماجشون، وأما الكفر بالله فذلك جائز له بدون خلاف على شرط أن يلفظ بلسانه، وقلبه منشرح بالإيمان، بل قال المحققون من علمائنا: إنه إذا تلفّظ بالكفر أنه لا يجوز له أن يجري على لسانه إلا جريان المعاريض. مثاله: أن يقال له: اكفر بالله؟ فيقول: أنا كافر بالله- يريد باللاهي ويحذف الياء.
والكفر وإن كان بالإكراه جائزا عند العلماء فإن من صبر على البلاء ولم يفتتن حتى قتل فإنه شهيد.
والمكره على القتل إذا قتل يقتل لأنه قتل من يكافئه ظلما استيفاء لنفسه فقتل كما لو قتله الجماعة.
وفي سبب نزول هذه الآية المكيّة ثلاث روايات: الأولى أنها نزلت في عمار بن ياسر وأمه سميّة حباب بن الإرث وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة والمقداد بن الأسود وقوم أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم فثبت بعضهم على الإسلام وصبر بعضهم على البلاء ولم يصبر بعض فقتلت سمية وافتتن عمار في ظاهره دون باطنه وسأل النبي ﵌ فنزلت الآية ... اه.
 
ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظة فيه لكونه معلوما، فيكون قوله: هذا حلال وهذا حرام بدل من الكذب.
ويجوز أن يكون في الكلام حذف بتقدير القول، أي ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم فتقول هذا حلال وهذا حرام وقائله هذا حرام وهذا حلال.
ويجوز أن ينتصب الكذب أيضا بتصف وتكون ما مصدرية، أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب.
واللام في قوله: لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ هي لام العاقبة لا لام العرض، أي فيعقب ذلك افتراؤكم على الله الكذب بالتحليل والتحريم، وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه «١» .
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ إلى آخر الآية، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا «٢» .
قال [الشوكاني في] «٣» «فتح القدير» «٤»: قلت: صدق ﵀ فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فينا من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو سنة رسوله ﵌، كما يقع كثيرا من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة وإنهم لحقيقيون بأن يحال بينهم وبين فتواهم ويمنعوا من جهالاتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير فضلوا وأضلوا فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل:
كبهيمة عمياء قاد زمامها ... أعمى على عوج الطريق الجائر
وقال الطبراني: عن ابن مسعود قال: عسى رجل يقول: إن الله أمر كذا ونهى عن كذا، فيقول الله له: كذبت! أو يقول: إن الله حرم كذا وأحل كذا، فيقول الله له:
كذبت «٥» ! انتهى.
(١) انظر: زاد المسير (٤/ ٥٠٢)، القرطبي (١٠/ ١٩٦)، البيان (٢/ ٨٦) .
(٢) أورده السيوطي في «الدر» (٥/ ١٧٥) وعزاه لابن أبي حاتم فقط.
(٣) ما بين [] سقط من المطبوعة.
(٤) انظره في «تفسيره» هذا (٣/ ٢٠١) .
(٥) ضعيف: رواه الطبراني في «الكبير» (٨٩٩٥) عن عطاء بن السائب، عن غير واحد من أصحابه به
.
 
وقال الحافظ ابن القيم ﵀ في «إعلام الموقعين» «١»: لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو حرمه، أو أوجبه أو كرهه إلا بما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته.
وأما ما وجده في كتابه الذي تلقى عمن قلدوا فيه، فليس له أن يشهد على الله ورسوله ويغير الناس بذلك ولا علم له بحكم الله ورسوله.
قال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول أحل الله كذا، وحرم كذا فيقول له الله كذبت لم أحل كذا ولم أحرمه.
وثبت في «صحيح مسلم» «٢» من حديث بريدة بن [الحصيب] «٣» أن رسول الله ﵌ قال: «إذا حاصرت حصنا فسألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك» .
وسمعت شيخ الإسلام- يعني الشيخ ابن تيمية ﵁ قال: حضرت مجلسا فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر، فقلت له: ما هذه الحكومة؟ فقال: هذا حكم الله! فقلت له: صار قول زفر حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة! قل: هذا حكم زفر وقوله، ولا تقل حكم الله ونحو هذا من الكلام.
انتهى.
[الآية السادسة]
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) /.
فذكره.
وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٨٢): وفيه من لم يسمّ» .
(١) انظره في (١/ ٣٩) .
(٢) حديث صحيح: رواه مسلم (١٢/ ٣٧، ٤٠)، وأبو داود (٢٦١٢)، (٢٦١٣)، والترمذي (١٤٠٨)، (١٦١٧)، وابن ماجة (٢٨٥٨)، وأحمد في «المسند» (٥/ ٣٥٢، ٣٥٨)، والدارمي (٢/ ٢١٥) . [.....]
(٣) ما بين [معقوفين] صحّفت إلى (الخصيب) وهو خطأ، والتصويب من مصادر التخريج.
 
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ: حذف المفعول للتعميم لكونه بعث إلى الناس كافة.
وسبيل الله: هو الإسلام.
بِالْحِكْمَةِ: أي بالمقالة المحكمة الصحيحة.
قيل: وهي الحجج القطعية المفيدة لليقين.
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ: وهي المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع، وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها.
قيل: وهي الحجج الظنية الإقناعية الموجبة للتصديق بمقدمات مقبولة. قيل:
وليس للدعوة إلا هاتان الطريقتان. ولكن الداعي قد يحتاج مع الخصم الألد إلى استعمال المعارضة والمناقضة ونحو ذلك من الجدل، ولهذا قال سبحانه:
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: أي بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة، وإنما أمر الله سبحانه بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقا وغرضه صحيحا وكان خصمه مبطلا وغرضه فاسدا «١» .
[الآية السابعة] وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) .
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ: أي بمثل ما فعل بكم لا تجاوزوا ذلك.
قال ابن جرير «٢»: نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته، لا يتعداها إلى غيرها، وهذا صواب لأن الآية وإن قيل: إن لها سببا خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ، وعمومه يؤدي هذا المعنى الذي ذكره. وسمى سبحانه الفعل الأول الذي هو فعل البادئ بالشر عقوبة، مع أن العقوبة ليست إلا فعل الثاني وهو المجازي، للمشاكلة وهي باب معروف وقع في كثير من آيات الكتاب
(١) اختلف العلماء في هذه الآية: أمنسوخة أم محكمة؟ وقد ذكر القرطبي (١٠/ ٢٠٠) أنها محكمة من جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين.
وانظر: النحاس (١٨٠)، والإيضاح (٢٩١)، وابن البازي (٢٩٥)، والبصائر (١/ ٢٨٠) .
(٢) انظر: تفسير الطبري (١٤/ ١٩٧) .
 
العزيز، ثم حث سبحانه على العفو فقال:
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) أي لئن صبرتم عن المعاقبة بالمثل فالصبر خير لكم من الانتصار، ووضع الصابرين الظاهر موضع الضمير ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون على الشدائد.
وقد ذهب الجمهور إلى أن هذه الآية محكمة لأنها واردة في الصبر عن المعاقبة والثناء على الصابرين على العموم.
وقيل: هي منسوخة بآيات القتال ولا وجه لذلك.
 
 

سورة الإسراء مائة وإحدى عشرة آية
وهي مكيّة: [قاله] «١» ابن عباس، ومثله عن ابن الزبير إلا أنه استثنى: إلا ثلاث آيات، قوله ﷿: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ [الإسراء: ٧٦] نزلت حين جاء رسول الله ﵌ وفد ثقيف، حين قالت اليهود: ليست هذه بأرض الأنبياء، وقوله تعالى: رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ [الإسراء: ٨٠]، وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ [الإسراء: ٦٠]، وزاد [مقاتل] «٢» قوله: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ «٣» [الإسراء: ١٠٧] .
[الآية الأولى]
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) .
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ: هذا النهي يتناول كل مكلف، وقد وجه الخطاب للنبي ﵌ تعريفا للأمة وتعليما لهم، وإن كان الخطاب لكل فمن يصلح له من المكلفين «٤» .
والمراد النهي للإنسان أن يمسك إمساكا يصير به مضيقا على نفسه وعلى أهله،
(١) ما بين [المعقوفين] بغير الهاء في المطبوعة، والصواب ما أثبتناه.
(٢) صحفت في المطبوع إلى (مقابل) وهو خطأ والصواب ما أثبت، وهو مقاتل بن سليمان المفسّر صاحب الأشباه والنظائر في القرآن والتفسير، طبع بمصر- الهيئة العامة للكتاب المصري.
(٣) فليعلم أن سورة الإسراء- بني إسرائيل- مكيّة بإجماع المفسرين إلا ما ذكره المصنف من آيات، وقيل: إلا آيتين: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ وانظر: البحر المحيط (٦/ ٣) .
(٤) قال قتادة: لا تمتنع من النفقة في الطاعة ولا تنفق في المعصية. (معاني النحاس ٣/ ١٤٥) .
 
ولا يوسع في الإنفاق توسيعا لا حاجة إليه بحيث يكون به مسرفا، فهو نهي عن جانبي الإفراط والتفريط، ويحصل من ذلك مشروعية التوسط وهو العدل الذي ندب الله إليه.
ولا تك فيها مفرطا أو مفرّطا ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقد مثّل الله سبحانه في هذه الآية حال الشحيح بحال من كانت يده مغلولة إلى عنقه بحيث لا يستطيع التصرف بها ومثّل حال من يجاوز الحد في التصرف بحال من يبسط يده بسطا لا يتعلق بسببه فيها شيء مما تقبض الأيدي عليه، وفي هذا التصوير مبالغة بليغة.
ثم بين سبحانه غاية الطرفين المنهي عنهما فقال:
فَتَقْعُدَ مَلُومًا: عند الناس بسبب ما أنت عليه من الشح «١» .
مَحْسُورًا (٢٩): بسبب ما فعلته من الإسراف، أي منقطعا عن المقاصد بسبب الفقر «٢» .
والمحسور في الأصل: المنقطع عن السير.
وقيل: معناه نادما على ما سلف.
[الآية الثانية]
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا (٣٣) .
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا: أي لا لسبب من الأسباب المسوغة لقتله شرعا.
فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا: أي لمن يلي أمره من ورثته إن كانوا موجودين، أو ممن له سلطان إن لم يكونوا موجودين، والسلطان التسلّط على القاتل إن شاء قتل وإن
(١) قال عكرمة وقتادة: أي تقعد نادما. (النحاس ٣/ ١٤٦) .
(٢) قال الزجاج: المحسور: الذي قد بلغ الغاية في التّعب والإعياء، وقال ابن قتيبة: مَحْسُورًا منقطعا، تحسرك العطيّة وتقطعك، كما يحسر السّفر البعير فيبقى منقطعا به اه.
وقال القاضي أبو يعلى: وهذا الخطاب أريد به غير الرسول ﵌، لأنه لم يكن يدّخر شيئا لغد، وكان يجوع حتى يشدّ الحجر على بطنه، وقد كان كثير من فضلاء الصحابة ينفقون جميع ما يملكون، فلم ينههم الله، لصحة يقينهم، وإنما نهى من خيف عليه التحسّر على ما خرج من يده، فأما من وثق بوعد الله تعالى فهو غير مراد بالآية. اه. (زاد المسير ٥/ ٣٠) .
 
شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية «١» .
فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ: أي لا يجاوز ما أباحه الله له، فيقتل بالواحد الاثنين أو الجماعة، أو يمثّل بالقاتل أو يعذبه.
إِنَّهُ، أي الولي.
كانَ مَنْصُورًا (٣٣) أي مؤيدا معانا، فإن الله سبحانه نصره بإثبات القصاص له بما أبرزه من الحجج وأوضحه من الأدلة، وأمر أهل الولايات فبمعونته والقيام بحقه حتى يستوفيه «٢» .
وقيل: هذه الآية من أول ما نزل من القرآن في شأن القتل لأنها مكيّة.
[الآية الثالثة]
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) .
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ: أي تتبع ما لا تعلم، من قولك: قفوت فلانا إذا اتبعت أثره. ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت، ومنه القبيلة المشهورة بالقافة لأنهم
(١) قال أبو جعفر: اختلف المتقدمون من العلماء في «السلطان» الذي جعل للوليّ؟
فروى خصيف عن مجاهد قال: حجّته التي جعلت له، أن يقتل قاتله.
وذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا هو السلطان الذي جعل له، وأنه ليس له أن يأخذ الدّية، إلا أن يشاء القاتل.
وقال الضحاك في السلطان الذي جعل له: إن شاء قتل، وإن شاء أخذ الدّية، وإن شاء عفا.
والقول عند أهل المدينة وأهل الكوفة، قول مجاهد: إن السلطان هاهنا القود خاصّة، لا ما سواه.
وذهب الشافعي ﵀ إلى قول الضحاك، غير أنه قال: كان يستحق إذا عفا أخذ الدّية، اشترط ذلك أو لم يشترطه، والحجّة له.
وانظر: معاني القرآن (٣/ ١٤٩)، وجامع الطبري (١٥/ ٨١)، وتفسير القرطبي (١٠/ ٢٥٥)، وزاد المسير (٥/ ٣٢)، وقد رجّح ابن جرير قول الضحاك وهو أيضا قول ابن عباس فقال: «وأولى التأويلين بالصواب ما قاله ابن عباس أن لوليّ القتيل، القتل إن شاء أخذ الدية، وإن شاء العفو، لصحة الخبر بذلك عن النبي ﵌.
(٢) أورد الطبري آثارا في تفسير هذه الآية عن عبد الله بن كثير عن مجاهد وأبي بن كعب وغيرهم، وانظره: (١٥/ ٨٣)، والسيوطي في الدر المنثور (٤/ ١٨١) .
 
يتبعون آثار أقدام الناس.
ومعنى الآية: النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له، وهذه قضية كلية.
وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور، فقالوا: لا تذم أحدا بما ليس لك به علم.
وقيل: هي في شهادة الزور.
وقيل: هي في القافية.
وقال القتيبي: معنى الآية لا تتبع الحدس والظنون، وهذا صواب، فإن ما عدا ذلك هو العلم.
وقيل: المراد بالعلم هنا هو الاعتقاد الراجح المستفاد من مستند، قطعيا كان أو ظنيا.
قال أبو السعود في «تفسيره» «١»: واستعماله بهذا المعنى لا ينكر شيوعه.
وقال الشوكاني «٢»: أقول: هذه الآية قد دلّت على عدم جواز العمل بما ليس بعلم، ولكنها عامة مخصصة بالأدلة الواردة بجواز العمل بالظن كالعمل بالعام وبخبر الواحد، والعمل بالشهادة، والاجتهاد في القبلة، وفي جزاء الصيد ونحو ذلك، فلا يخرج من عمومها ومن عموم أن الظن لا يغني من الحق شيئا، إلا ما قام دليل جواز العمل به، فالعمل بالرأي في مسائل الشرع إن كان بعدم وجود الدليل في الكتاب والسنة فقد رخص فيه النبي ﵌ كما في قوله ﵌ لمعاذ لما بعثه قاضيا: «بم تقضي؟ قال بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي» «٣» .
(١) انظر: تفسيره (٥/ ١٧١) .
(٢) في «فتح القدير» (٣/ ٢٢٧) .
(٣) حديث ضعيف: رواه أبو داود (٣٥٩٢)، (٣٥٩٣)، والترمذي (١٣٢٧)، (١٣٢٨)، وأحمد (٥/ ٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٢)، والطيالسي في «مسنده» (٥٥٩)، والدارمي (١/ ٦٠)، والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ٣٦٢)، (١٧٠)، وعبد بن حميد في «المنتخب» (١٢٤)، والبيهقي في «الكبرى» (١٠/ ١١٤)، وفي «المعرفة» له (١/ ١٧٣)، و«الخطيب في الفقيه والمتفقه» (١/ ١٨٨، ١٨٩)، وابن عبد البر في «الجامع» (١٥٩٢، ١٥٩٣) وانظر: تلخيص الحبير (٤/ ١٨٢، ١٨٣)، ونصب [.....]
.
 
وهو حديث صالح للاحتجاج به، كما أوضحنا ذلك في بحث مفرد.
وأما التوثب على الرأي مع وجود الدليل في الكتب أو السنة، ولكنه قصّر صاحب الرأي عن البحث فجاء برأيه فهو داخل تحت هذا النهي دخولا أولياء، لأنه رأي في شرع الله، وللناس عنه غنى بكتاب الله سبحانه وسنّة رسوله ﵌، ولم تدع إليه حاجة، على أن الترخيص في الرأي عند عدم وجود الدليل، إنما هو رخصة للمجتهد، يجوز له أن يعمل به ولم يدل دليل على أنه يجوز لغيره العمل به وينزله منزلة مسائل الشرع.
وبهذا يتضح لك أتم إيضاح ويظهر لك أكمل ظهور، أن هذه الآراء المدونة في الكتب الفروعية ليست من الشرع في شيء، والعامل بها على شفا جرف هار.
فالمجتهد المستكثر من الرأي قد قفى ما ليس له به علم، والمقلد المسكين العامل برأي ذلك المجتهد قد عمل بما ليس له به علم ولا لمن قلده، ظلمات بعضها فوق بعض «١» . انتهى.
وقد قيل: إن هذه الآية خاصة بالعقائد ولا دليل على ذلك أصلا، بل علل الله سبحانه النهي عن العمل بما ليس يعلم بقوله:
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ: أشار إلى الثلاثة الأعضاء، وأجريت مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على أصحابها.
وقال الزجاج: إن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل بأولئك.
وأنشد ابن جرير «٢» مستدلا على عدم جواز هذا، قول الشاعر «٣»:
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى ... والعيش بعد أولئك الأيام
واعترض بأن الرواية بعد أولئك الأقوام، وتبعه غيره على ذلك الخطأ كصاحب «الكشاف» .
الرّاية (٤/ ٦٣) .
(١) انظر: أقوال المفسرين في «الطبري» (١٥/ ٨٦)، ابن كثير (٥/ ٧٢)، البحر المحيط (٦/ ٣٦)، والقرطبي (١٠/ ٢٦٢)، ومجاز أبي عبيدة (١/ ٣٧٩) .
(٢) انظر: تفسير الطبري (١٥/ ٨٧) .
(٣) البيت في «ديوانه» (ص ٥٥١) .
 
والضمير في (كان) من قوله: كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) يرجع إلى كل، وكذا الضمير في عنه.
ومعنى سؤال هذه الجوارح: أنه يسأل صاحبها عما استعملها فيه لأنها آلات، والمستعمل هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخير استحق الثواب وإن استعملها في الشر استحق العقاب.
وقيل: إن الله سبحانه ينطق الأعضاء هذه عند سؤالها فتخبر عما فعله صاحبها.
[الآية الرابعة] وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧) .
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا: المرح قيل: هو شدة الفرح.
وقيل: التكبر في المشي. وقيل: تجاوز الإنسان قدره. وقيل: الخيلاء في المشي. وقيل: البطر والأشر. وقيل: النشاط. والظاهر أن المراد به الخيلاء والفخر.
قال الزجاج في تفسير الآية: لا تمش في الأرض مختالا فخورا.
وذكر الأرض مع أن المشي لا يكون إلا عليها أو على ما هو معتمد عليها، تأكيدا وتقريرا.
ولقد أحسن من قال:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا ... فكم تحتها قوم هم منك أرفع
وإن كنت في عزّ وحرز ومنعة ... فكم مات من قوم هم منك أمنع
والمرح مصدر وقع حالا، أي: ذا مرح. وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع تأكيد. وقرأ الجمهور مرحا بفتح الراء. وحكى يعقوب عن جماعة كسرها، على أنه اسم فاعل «١» .
(١) انظر: زاد المسير (٥/ ٣٤)، والقرطبي (١٠/ ٢٥٧)، والبحر المحيط (٦/ ٤٢) .
 
[الآية الخامسة]
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨) .
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ: قد أجمع المفسرون على أن هذه الصلاة المراد بها الصلاة المفروضة.
وقد اختلف العلماء في الدلوك المذكور في هذه الآية على قولين:
أحدهما: أنه زوال الشمس عن كبد السماء، قاله عمر وابنه وأبو هريرة وأبو برزة وابن عباس والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة والضحاك وأبو جعفر، واختاره ابن جرير.
والقول الثاني: أنه غروب الشمس، قاله عليّ وابن مسعود وأبي بن كعب وأبو عبيد، وروي عن ابن عباس «١» .
وقال الفراء: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها «٢» .
قال الأزهري: معنى الدلوك في كلام العرب الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار: دلكة لأنها في الحالتين زائلة.
قال: والقول عندي أنه زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس «٣» .
(١) وروي عن أبي هريرة أيضا كما في «الطبري» (١٥/ ١٣٨) .
(٢) ونصه: رأيت العرب تذهب في الدّلوك إلى غيبوبة الشمس، وأنشدني بعضهم:
«ذبّب حتى دلكت براح» يعني الساقي طرد الناس.
قال ابن الجوزي: وهذا اختيار ابن قتيبة، لأن العرب تقول: دلك النجم: إذا غاب.
قال ذو الرمّة:
مصابيح ليست باللواتي تقودها ... نجوم ولا بالأفلات الدّوالك
وتقول في الشمس: دلكت براح: يريدون: غربت، والناظر قد وضع كفّه على حاجبه ينظر إليها.
(٣) وبقية كلامه: «وإذا جعلت الدّلوك: الغروب، كان الأمر في هذا قاصرا على ثلاث صلوات.
وانظر: الطبري (١٥/ ١٣٧)، والبحر المحيط (٦/ ٧٠) . وزاد المسير (٥/ ٧١) .
 
والمعنى أقم الصلاة من وقت دلوك الشمس إلى غسق الليل، ويدخل فيه الظهر والعصر وصلاتا غسق الليل وهما العشاءان، وقرآن الفجر: هي صلاة الصبح فهذه خمس صلوات.
إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ: هو اجتماع الظلمة.
قال الفراء والزجاج: يقال: غسق الليل، وأغسق إذا أقبل بظلامه «١» .
قال أبو عبيد: الغسق سواد الليل، وأصل الكلمة من السيلان، يقال: أغسقت إذا سالت.
وقد استدل بهذه الغاية أعني قوله إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ من قال إن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب. روي ذلك عن الأوزاعي وأبي حنيفة، وجوزه مالك والشافعي في حال الضرورة.
وقد وردت الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله ﵌ في تعيين أوقات الصلاة، فيجب أن تحمل هذه الآية على ما بينته السنة فلا نطيل بذكر ذلك.
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ: قال المفسرون المراد به صلاة الصبح.
قال الزجاج: وفي هذه فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة حتى سميت الصلاة قرآنا» .
وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» .
وفي بعض الأحاديث الخارجة من مخرج حسن «وقرآن معها» .
وورد ما يدل على وجوب الفاتحة في كل ركعة، ولو خلف الإمام، وعليه عمل أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وهو الحق. وقد حرره الشوكاني في مؤلفاته
(١) قال ابن عباس: أي اجتماع الليل وظلمته.
وقال قتادة: أوّله. وانظر: الطبري (١٥/ ١٣٨)، والبحر المحيط (٦/ ٧٠) .
وقال الجوهري في الصحاح (غسق): أول ظلمة الليل، غسق الليل يغسق: أظلم اه.
(٢) هذا من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، فسمّى الصلاة «قرآنا» لأنها لا تكون إلا بالقرآن.
وقال الزمخشري: «يعني صلاة الفجر، سمّيت قرآنا لأنها ركن، كما سمّيت ركوعا، وسجود أو قنوتا، ويجوز أن يكون حثا على طول القراءة في صلاة الفجر، ليسمع الناس القرآن فيكثر الثواب، ولهذا كانت الفجر أطول الصلوات قراءة» . اه. (الكشاف ٢/ ٣٧٢) .
 
تحريرا مجودا، وغيره في غيره.
قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨): أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، كما ورد ذلك في الحديث الصحيح، وبذلك قال جمهور المفسرين.
[الآية السادسة]
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١١٠) .
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها: أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم، لأن الجهر والمخافتة من نعوت الصموت لا من نعوت أفعال الصلاة، فهي من إطلاق الكل وإرادة الجزء. يقال: خفت صوته خفوفا إذا انقطع كلامه وضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يرفع بها صوته، وقيل: معناه لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، والأول أولى «١» .
وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ: أي الجهر والمخافتة المدلول عليهما في الفعلين.
سَبِيلًا (١١٠) أي طريقا مستويا بين الأمرين، فلا تكن مجهورة ولا مخافتا بها.
وعلى التفسير الثاني يكون معنى ذلك النهي عن الجهر بقراءة الصلوات كلها، والنهي عن المخافتة بقراءة الصلوات كلها، والأمر يجعل البعض منها مجهورا به وهو صلاة الليل، والمخافتة بصلاة النهار.
وذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥] .
(١) قال النحاس: فيها وجهان: أحدهما: رواه الأعمش عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﵌ يعلن إذا قرأ، فيسبّ المشركون القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فصار يخفي القراءة فأنزل الله ﷿ هذه الآية.
والقول الآخر: رواه هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي أتدري فيم أنزل هذه الآية- قال: قلت: لا، قالت: أنزل في الدعاء. وقال النحاس: والإسنادان حسنان، والدعاء يسمّى صلاة، ولا يكاد يقع ذلك للقراءة. ويقال: إنما قيل: صلاة، لأنها لا تكون إلا بدعاء، والدعاء صلاة فسمّيت باسمه (معاني القرآن ٣/ ٢٠٧، ٢٠٨) .
 
[الآية السابعة] وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) .
ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى، نبه على كيفية الحمد له فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا: كما يقوله اليهود والنصارى ومن قال من المشركين إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ: أي مشارك في ملكه وربوبيته كما يزعمه الثنوية ونحوهم من الفرق القائلين بتعدد الآلهة.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ: أي لم يحتج إلى موالاة أحد لذل يلحقه، فهو مستغن عن الولي والنصير.
وقال الزجاج: أي لم يحتج إلى أن ينتصر بغيره. وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات لأنه القادر على الإيجاد وإفاضة النعم، لكون «الولد مجبنة مبخلة» «١»، ولأنه أيضا يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه، والمحدث غير قادر على كمال الإنعام، والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يقدر على الاستقلال به، ومن لا يقدر على الاستقلال عاجز فضلا عن تمام ما هو له، فضلا [عن نظام] «٢» ما هو عليه.
وأيضا الشركة موجبة للتنازع بين الشريكين، وقد يمنعه الشريك من إفاضته الخير إلى أوليائه ويؤديه إلى الفساد، لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) [الأنبياء: ٢٢]، والمحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره على من أراد إذلاله، ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه من هو مستغن بنفسه.
(١) حديث صحيح: رواه أحمد (٤/ ١٧٢)، وابن ماجة (٣٦٦٦)، والحاكم في «المستدرك» (٣/ ١٦٤) .
والبيهقي في «الأسماء والصفات» (ص ٤٦١) .
وقال البوصيري: إسناده صحيح، رجاله ثقات.
وقال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي.
(٢) ما بين [] وقع في المطبوعة (أن يضاع) وهو خطأ، والتصويب من فتح القدير (٣/ ٢٦٦) .
 
وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١): أي عظمه تعظيما، وصفه بأنه أعظم من كل شيء.
أخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله ﵌ كان يعلم أهله هذه الآية: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ... إلخ، الصغير من أهله والكبير «١» .
وأخرج عبد الرزاق في «المصنف» عن [عبد الكريم أبي أمية] قال: كان رسول الله ﵌ يعلم الغلام من بني هاشم، إذا أفصح، سبع مرات: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا إلى آخر السورة «٢» .
وأخرج أحمد والطبراني عن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله ﵌: «آية العز:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا الآية كلها «٣» .
(١) أثر ضعيف: رواه الطبري (١٥/ ١٨٩)، وهو إسناد معضل لأن فيه قتادة بن دعامة، وهو ليس له رواية مرفوعة. [.....]
(٢) إسناده ضعيف: رواه عبد الرزاق (٧٩٧٦)، وابن أبي شيبة (٧/ ٢٠٢)، وابن السني (٤٢٦) . وعبد الكريم بن أبي أمية: ضعّفوه.
(٣) إسناده ضعيف: رواه أحمد (٣/ ٤٣٩، ٤٤٠)، والطبراني (٢٠/ ١٩٢)، (٤٣٠) .
وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٥٢): «رواه أحمد من طريقين في أحدهما رشدين بن سعد وهو ضعيف، وفي الأخرى ابن لهيعة وهو أصلح منه، وكذلك الطبراني» .
 
 

سورة طه آياتها مائة وخمس وثلاثون آية
وهي مكيّة، قال القرطبي «١»: في قول الجميع.
وكان ذلك سبب إسلام عمر ﵁، والقصة مشهورة في كتب السير «٢» .
[الآية الأولى]
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) .
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ: مدّ النظر تطويله، وأن لا يكاد يرده استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به.
وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه، وذلك بأن يبادر الشيء بالنظر ثم يغض الطرف.
إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ: أي لا تطمح بنظرك إلى زخارف الدنيا طموح رغبة فيها وتمنّ لها، ولا تطل نظر عينيك إلى ذلك.
وأَزْواجًا مِنْهُمْ: مفعول متعنا.
والأزواج: الأصناف. قاله ابن قتيبة.
وقال الجوهري: الأزواج: القرناء «٣» .
(١) في «تفسيره» (١١/ ١٦٣) .
وانظر أيضا: الفراء (٢/ ١٧٤)، الأخفش (٤٠٦)، والمجاز (٢/ ١٥)، والطبري (١٦/ ١٠٢)، والنكت (٣/ ٧)، والزاد (٥/ ٢٦٩)، والمشكل لمكي (ص ١٥١) .
(٢) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٢٧٠، ٢٧٦) .
(٣) انظر: الصحاح (زوج) .
 
قال الواحدي: إنما يكون مادا عينيه إلى الشيء إذا داوم النظر نحوه، وإدامته النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه.
وقال بعضهم: معنى الآية ولا تحسدن أحدا على ما أوتي من الدنيا، وردّ بأن الحسد منهي عنه مطلقا.
زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي زينتها وبهجتها، بالنبات وغيره.
 
 

سورة الحج وآياتها ثمان وسبعون آية
هي مكيّة، أو مدنيّة. والجمهور على أنها مختلطة: منها مكيّة، ومنها مدنيّة.
قال الجمهور: إن السورة مختلطة: منها مكي ومنها مدني.
قال القرطبي «١»: وهذا هو الصحيح.
قال العزرمي: وهي من أعاجيب السور نزلت ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، مكيا ومدنيا، سلميا وحربيا، ناسخا ومنسوخا، محكما ومتشابها.
وقد وردت في فضلها الأحاديث «٢» .
[الآية الأولى]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) .
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ: أي الإعادة بعد الموت فانظروا في مبدإ خلقكم.
(١) في «تفسيره» (١٢/ ١) .
(٢) انظر هذه الأحاديث في: «ضعيف أبي داود (٣٠٣)، (١٤٠٢)، وكذلك الترمذي (٨٩/ ٥٨٣)، وضعيف الجامع الصغير» (٣٩٨٢)، (٣٩٨٣)، والمشكاة (١٠٣٠) للألباني.
 
فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ: في ضمن خلق أبيكم آدم ﵇.
مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ: أي من مني، سمي نطفة لقلته. والنطفة: القليل من الماء قد يقع على الكثير منه، والنطفة: القطرة.
ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ: هي الدّم الجامد «١» .
والعلق الدم العبيط، أي الطري المتجمد.
وقيل: الشديد الحمرة. والمراد الدم المتكون من المني.
ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ: هي القطعة من اللحم قدر ما يمضغ الماضغ، تتكون من العلقة.
مُخَلَّقَةٍ بالجر صفة لمضغة، أي مستبينة الخلق ظاهرة التصوير.
وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ: أي لم يتبين خلقها ولا ظهر تصويرها.
قال ابن الأعرابي: مخلقة يريد قد بدا خلقها وغير مخلقة لم تصور.
قال الأكثر: ما أكمل خلقه بنفخ الروح فهو المخلقة وهو الذي ولد لتمام، وما سقط كان غير مخلقة، أي غير حي بإكمال خلقته بالروح.
قال الفراء: مخلقة تامة الخلق، وغير مخلقة السقط. ومنه قول الشاعر:
أفي غير المخلقة البكاء ... فأين الحزم ويحك والحياء؟
والمعنى إنا خلقناكم على هذا النمط البديع «٢» .
لِنُبَيِّنَ لَكُمْ كمال قدرتنا على ما أردنا كإحياء الأموات وبعثهم، فآمنوا بذلك وتيقنوا، والآية من شواهد البعث بعد الموت.
(١) قال الخليل: العلق: الدّم قبل أن ييبس، الواحدة علقة، وهكذا تصير النطفة.
وقال أبو عبيد: العلق من الدم ما اشتدت حمرته.
وقال الأزهري: العلقة: الدم الجامد الغليظ، ومنه قيل للدابة التي تكون في الماء: علقة، لأنها حمراء كالدّم، وكل دم غليظ علق. وانظر: تهذيب اللغة (١/ ٢٤٣)، ومعاني النحاس (٤/ ٣٧٧) .
(٢) انظر: الطبري (١٧/ ١١٧)، والدر (٤/ ٣٤٥)، والزجاج (٣/ ٤١٢)، والفراء (٢/ ٢١٥)، وابن كثير (٥/ ٣٩١) .
 
الآية الثانية
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) .
هذانِ خَصْمانِ: أحدهما: أنجس الفرق اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا.
والخصم الآخر: المسلمون، فهما فريقان مختصمان. قاله الفراء وغيره.
وقيل: المراد بالخصمين الجنة والنار: قالت الجنة: خلقني لرحمة، وقالت النار:
خلقني لعقوبة.
وقيل: المراد بالخصمين هم الذين برزوا يوم بدر: فمن المؤمنين حمزة وعلي وعبيدة، ومن الكافرين عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. وقد كان أبو ذر يقسم أن هذه الآية نزلت في هؤلاء المتبارزين وقال بمثل هذا جماعة من الصحابة وهم أعرف من غيرهم بأسباب النزول «١» .
وقد ثبت في «الصحيح» أيضا عن عليّ ﵇ أنه قال: فينا نزلت هذه الآية «٢» .
وقال سبحانه: اخْتَصَمُوا ولم يقل اختصما؟
قال الفراء: لأنهم جمع ولو قال اختصما لجاز.
ومعنى فِي رَبِّهِمْ: أي في شأن ربهم، أي في دينه، أو في ذاته، أو في صفاته، أو في شريعته لعباده أو في جميع ذلك.
(١) انظر: معاني النحاس (٤/ ٣٧١)، والطبري (١٧/ ١٠٩)، والقرطبي (١٢/ ٢٦) .
وحديث النزول رواه البخاري (١٣/ ٤٣٤) ومسلم (١٨/ ١٦٦، ١٦٧) عن قيس بن عباد عن أبي ذر فذكره.
(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (٧/ ٢٩٧) .
 
[الآية الثالثة]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥) .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ: المراد بالصد هنا الاستمرار، لا مجرد الاستقبال فصح بذلك عطفه على الماضي. ويجوز أن تكون الواو في: وَيَصُدُّونَ، واو الحال أي كفروا والحال أنهم يصدون.
والمراد بالصد المنع.
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي دينه.
فالمعنى يمنعون من أراد الدخول في دين الله.
وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ: معطوف على سبيل الله.
قيل: المراد به المسجد نفسه كما هو الظاهر من هذا النظم القرآني.
وقيل: الحرم كله لأن المشركين صدوا رسول الله ﵌ وأصحابه عنه يوم الحديبية. وقيل: المراد به مكة، بدليل قوله:
الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً: أي جعلناه للناس على العموم يصلون فيه ويطوفون به، مستويا فيه «١» .
الْعاكِفُ: هو المقيم فيه الملازم له.
وَالْبادِ أي الواصل من البادية، والمراد به الطارئ عليه من غير فرق بين كونه من أهل البادية، أو من غيرهم.
قال القرطبي «٢»: وأجمع الناس على الاستواء في المسجد الحرام نفسه، واختلفوا في مكة.
فذهب مجاهد ومالك إلى أن دور مكة ومنازلها يستوي فيها المقيم والطارئ.
وذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وجماعة إلى أن للقادم أن ينزل حيث وجد
(١) حكى أبو حاتم أن بعضهم قرأ سَواءً بالنصب، و«العاكف فيه والبادي» بالخفض.. والمعنى:
الذي جعلناه للناس، العاكف والبادي: معاني النحاس (٤/ ٣٩١)، والنشر (٢/ ٣٢٦)، ومعاني الفراء (٢/ ٢٢٢) .
(٢) انظره في «تفسيره» (١٢/ ٣٢) .
 
وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أم أبى.
وذهب الجمهور إلى أن دور مكة ومنازلها ليست كالمسجد الحرام ولأهلها منع الطارئ من النزول فيها.
والحاصل أن الكلام في هذا راجع إلى أصلين:
الأول: ما في هذه الآية هل المراد بالمسجد نفسه؟ أو جميع الحرم؟ أو مكة على الخصوص.
والثاني: هل كان فتح مكة صلحا؟ أو عنوة؟ وعلى فرض أن فتحها كان عنوة، فهل أقرها النبي ﵌ في أيدي أهلها على الخصوص؟ أو جعلها لمن نزل بها على العموم؟
وقد أوضح الشوكاني ﵀ هذا في شرحه «نيل الأوطار على منتقى الأخبار» «١» بما لا يحتاج الناظر فيه إلى زيادة.
[الآية الرابعة]
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) .
وَالْبُدْنَ: قرأ ابن أبي إسحاق بضم الباء والدال، وقرأ الباقون بإسكان الدال وهما لغتان.
وهذا الاسم خاص بالإبل وسمّيت بدنة لأنها تبدن.
والبدانة: السمن «٢» .
وقال أبو حنيفة ومالك: إنه يطلق على غير الإبل.
والأول للأوصاف التي هي ظاهرة في الإبل ولما تفيده كتب اللغة من اختصاص هذا الاسم بالإبل. وقال ابن كثير في «تفسيره» «٣»: واختلفوا في صحة إطلاق البدن على
(١) انظر: نيل الأوطار (٨/ ١٦٤، ١٧٥) . [.....]
(٢) انظر: تفسير القرطبي (١٢/ ٦٠) .
(٣) انظر في تفسيره: (٣/ ٢٣٢) .
 
البقرة على قولين، أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعا كما صح في الحديث «١» .
جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ: أي أعلام دينه.
لَكُمْ فِيها خَيْرٌ: أي منافع دينية ودنيوية.
اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ: أي على نحرها.
ومعنى صَوافَّ: أنها قائمة قد صفنت قوائمها لأنها تنحر قائمة معقولة.
وأصل هذا الوصف في الخيل، يقال: صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم وثنى الرابعة.
وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري: صوافي: أي خوالص لله لا يشركون به في التسمية على نحرها أحدا «٢» .
وواحد صواف صافة وهي قراءة الجمهور، وواحد صوافي صافية.
وقرأ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو جفر محمد بن علي، صوافن بالنون جمع صافنة: وهي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب ومنه قوله تعالى:
الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) .
فَإِذا وَجَبَتْ: الوجوب السقوط، أي فإذا سقطت بعد نحرها.
جُنُوبُها: وذلك عند خروج روحها.
فَكُلُوا مِنْها: ذهب الجمهور إلى أن هذا الأمر للندب. وكذا قوله: وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ. وبه قال مجاهد والنخعي وابن جرير وابن شريح «٣» .
وقال الشافعي وجماعة: هو للوجوب.
واختلف في القانع من هو؟ فقيل: هو السائل. وقيل: هو المتعفف عن السؤال المستغني ببلغة. ذكر معناه الخليل، وبالأول قال زيد بن أسلم وابنه وسعيد بن جبير والحسن، وروي عن ابن عباس. وبالثاني قال عكرمة وقتادة.
(١) الذي رواه مسلم (٩/ ٦٧، ٦٨) .
(٢) وهذه قراءة شاذة كما في «المحتسب» (٢/ ٨١)، والقرطبي (١٢/ ٦١)، والألوسي (١٧/ ١٥٦) .
وقرأ ابن مسعود أيضا: صوافن وهي قراءة شاذة أيضا، جمع: صافنة، وهي التي غطت إحدى قوائمها ووقفت على ثلاث، وانظر: المحتسب (٢/ ٨١)، والألوسي (١٧/ ١٥٦) .
(٣) انظر هذه الآثار في: الطبري (١٧/ ١٦٧)، والدر المنثور (٤/ ٣٦٣) .
 
وأما المعتر فقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن:
إنه الذي يتعرض من غير سؤال وقيل: هو الذي يعتريك ويسألك.
وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع الفقير، والمعتر الزائر.
وروي عن ابن عباس أن كلاهما الذي لا يسأل ولكن القانع الذي يرضى بما عنده ولا يسأل والمعتر الذي يعترض لك ولا يسألك.
كَذلِكَ: التسخير البديع.
سَخَّرْناها لَكُمْ: فصارت تنقاد لكم إلى موضع نحرها فتنحرونها وتنتفعون بها، بعد أن كانت مسخرة للحمل عليها والركوب على ظهورها والحلب لها ونحو ذلك.
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦): هذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم.
 
 

سورة النور «١» آياتها أربع وستون آية
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير قالا: أنزلت سورة النور بالمدينة.
[الآية الأولى]
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) .
الزَّانِيَةُ: الزّنا: هو وطء الرجل للمرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح.
وقيل: هو إيلاج في فرج مشتهي طبعا محرم شرعا.
والزانية: هي المرأة المطاوعة للزنا، الممكنة منه كما تنبىء عنه الصيغة لا المكرهة. وكذلك وَالزَّانِي.
فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما «٢»: الجلد: الضرب، يقال: جلده إذا ضرب جلده، مثل
(١) قال القرطبي: مدنية بالإجماع، والمقصود من هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر (١٢/ ١٥٨) .
(٢) قال أكثر أهل التفسير: هذا عام يراد به خاص. والمعنى: الزانية والزاني من الأبكار، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة.
وقال بعضهم: هو عام على كل من زنى، من بكر ومحصن، واحتجّ بحديث عبادة وبحديث عليّ- ﵇ أنه جلد شراحة يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة وقال: جلدتها بكتاب الله ﷿ ورجمتها بسنة رسول الله ﵌ اه.
وعلى هذا رأي أهل الظّاهر، قال ابن كثير: وقد أمر رسول الله ﵌ برجم هذه المرأة- وهي
 
بطعنه إذا ضرب بطنه ورأسه إذا ضرب رأسه.
مِائَةَ جَلْدَةٍ: وهو حد الزاني الحر البالغ البكر وكذلك الزانية.
وثبت بالسنة زيادة على هذا الجلد وهو [تغريب] «١» عام «٢»، وبه قال الشافعي واختصه مالك بالرجل دون المرأة، وجعله أبو حنيفة إلى رأي الإمام.
وأما المملوك والمملوكة فجلد كل واحد منهما خمسون جلدة ولقوله سبحانه:
فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [النساء: ٢٥]، وهذه نص في الإماء، وألحق بهن العبيد لعدم الفارق.
وأما من كان محصنا من الأحرار فعليه الرجم بالسنة الصحيحة المتواترة وبإجماع أهل العلم، وبالقرآن المنسوخ لفظه الباقي حكمه وهو: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة «٣» .
وزاد جماعة من أهل العلم مع الرجم جلد مائة «٤» .
وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في ذلك في «شرحه للمنتقى» «٥» .
وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء «٦» .
ووجه تقديم الزانية على الزاني أن الزنا في ذلك الزمان كان في النساء أكثر حتى
زوجة الرجل الذي استأجر الأجير فزنى بامرأته- ورجم النبي ﵌ ما عزا، والغامديّة، وكل هؤلاء لم ينقل عن رسول الله ﵌ أنه جلدهم قبل الرجم، وإنها وردت الأحاديث الصحاح بالاقتصار على رجمهم، وليس فيها ذكر الجلد، وهذا مذهب جمهور العلماء اه. (ابن كثير ٦/ ٥)، ومعاني القرآن (٣/ ٤٩٥) .
(١) حرّف في المطبوع إلى (تعذيب) وهو خطأ، وصوّبناه من فتح القدير (٤/ ٤) .
(٢) حديث صحيح: رواه مسلم (١٦٩٠): عن عبادة مرفوعا، قوله ﵌: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» .
(٣) رواه البخاري (١٢/ ١٣٧)، ومسلم (١١/ ١٩١، ١٩٢) عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب.
(٤) قد بينّا هذا القول المأخوذ من حديث عبادة المتقدّم وهو رأي أهل الظّاهر، والصواب الراجح: قول الجمهور بأن هذا الحديث منسوخ لرجمه ﵌ ما عزا والغامدية ولم يثبت أنه جمع لهما بين الجلد والرّجم.
قلت: وأما حديث علي فمحمول على أنه ظنّ أنها بكر فجلدها، ثم أخبر بأنها متزوجة فرجمها، فليس فيه حجة لأهل الظاهر.
(٥) انظر: نيل الأوطار (٧/ ٢٤٩، ٢٥٧) .
(٦) هما الآيتان (١٥- ١٦) من السورة. [.....]
 
كان لهن رايات تنصب على أبوابهن ليعرفهن من أراد الفاحشة منهن وقيل: وجه التقديم أن المرأة هي الأصل في الفعل وقيل: لأن الشهوة فيها أكثر وعليها أغلب، وقيل: لأن العار فيهن أكثر إذ موضوعهن الحجبة والصيانة فقدم ذكرها تغليظا واهتماما.
والخطاب في هذه الآية للأئمة ومن قام مقامهم، وقيل: للمسلمين أجمعين لأن إقامة الحدود واجبة عليهم جميعا والإمام ينوب عنهم إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامتها.
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ: هي الرقة والرحمة.
وقيل: هي أرق الرحمة.
ومعنى فِي دِينِ اللَّهِ: في طاعته وحكمه «١»، كما في قوله تعالى: ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: ٧٦] .
ثم قال مثبتا للمأمورين ومهيجا لهم:
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: كما يقول الرجل للرجل يحضه على أمر: إن كنت رجلا فافعل كذا أي إن كنتم تصدقون بالتوحيد والبعث الذي فيه جزاء الأعمال فلا تعطلوا الحدود.
وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) أي ليحضره زيادة في التنكيل بهما وشيوع العار عليهما واشتهار فضيحتهما.
والطائفة: الفرقة التي تكون حافة حول الشيء من الطواف. وأقل الطائفة ثلاثة، وقيل: اثنان، وقيل: واحد، وقيل: أربعة، وقيل: عشرة.
[الآية الثانية]
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) «٢» .
(١) قال مجاهد وعطاء والضحاك: أي في تعطيل الحدود. وانظر: الطبري (١٨/ ٦٧)، وابن كثير (٦/ ٦)، والدر المنثور (٥/ ١٨) .
(٢) قال أبو جعفر النحاس: «في هذه الآية ثلاثة أحكام على القاذف: منها جلده، وترك قبول شهادته،
 
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ: استعار الرمي للشتم بفاحشة الزنا لكونه جناية بالقول ويسمى هذا الشتم بهذه الفاحشة قذفا.
والمراد بالمحصنات النساء، وخصهن بالذكر لأن قذفهن أشنع والعار فيهن أعظم.
ويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء هذه الأمة.
وقد جمع شيخ شيخنا الشوكاني في ذلك رسالة رد بها على بعض المتأخرين من علماء القرن الحادي عشر لما نازع في ذلك.
وقيل: إن الآية تعم الرجال والنساء، والتقدير الأنفس المحصنات، ويؤيده قوله تعالى في آية أخرى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٢٤]، فإن البيان بكونهن من النساء يشعر بأن لفظ المحصنات يشمل غير النساء وإلا لم يكن للبيان كثير معنى.
وقيل: أراد بالمحصنات الفروج كما قال: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها [الأنبياء: ٩١]، فتتناول الآية الرجال والنساء تغليبا.
وفيه أن تغليب النساء على الرجال غير معروف في لغة العرب.
والمراد بالمحصنات هنا العفائف. وقد مضى في سورة النساء ذكر الإحصان وما يحتمله من المعاني.
وللعلماء في الشروط المعتبرة في المقذوف والقاذف أبحاث مطولة في كتب الفقه منها ما هو مأخوذ من دليل، ومنها ما هو مجرد رأي بحت.
وذهب الجمهور من العلماء إلى أنه لا حدّ على من قذف كافرا أو كافرة.
وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى: إنه يجب عليه الحد وكذا ذهبوا إلى أن العبد يجلد أربعين جلدة.
وقال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وقبيصة: يجلد ثمانين جلدة.
قال القرطبي «١»: وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه لتباين مرتبتهما.
وتفسيقه. (معاني القرآن ٤/ ٥١٠) .
(١) انظر: التفسير (١٢/ ١٩٧) .
 
وقد ثبت في الصحيح عنه ﵌: «إن من قذف مملوكة بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال» .
ثم ذكر سبحانه شرطا لإقامة الحد على من قذف المحصنات، فقال:
ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ: يشهدون عليهن بوقوع الزنا منهن.
ولفظ ثُمَّ يدل على أنه يجوز أن تكون شهادة الشهود في غير مجلس القذف، وبه قال الجمهور وخالف في ذلك مالك.
وظاهر الآية أنه يجوز أن يكون الشهود مجتمعين ومفترقين وخالف في ذلك الحسن ومالك، [وإذا] «١» لم يكمل الشهود أربعة وأبوا قذفه يحدون حد القذف.
وقال الحسن والشعبي: لا حد على الشهود ولا على المشهود عليه، وبه قال أحمد وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن. ويرد ذلك ما وقع في خلافة عمر ﵁ من جلده للثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة.
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً: الجلد: الضرب كما تقدم، والمجالدة: المضاربة في الجلود أو بالجلود ثم استعير للضرب بالعصا والسيف وغيرهما.
وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا: أي فأجمعوا لهم بين الأمرين الجلد وترك قبول الشهادة، لأنهم قد صاروا بالقذف غير عدول بل فسقة كما حكم الله به عليهم بقوله:
وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) هذه جملة مستأنفة مقررة لما قبلها «٢» .
(١) حرف ما بين [] في المطبوع إلى (ما إذا) والصواب ما أثبت من فتح القدير (٤/ ٨) .
(٢) اختلف في ردّ شهادة القاذف، فالجمهور على قبول شهادته إذا تاب، وقال الحنفية: لا تقبل شهادته ولو تاب وصار أصلح الصالحين، لقوله سبحانه: أَبَدًا فإنها تفيد الدّوام والاستمرار.
وانظر: (القرطبي ١٢/ ١٧٩) .
والقول الثاني: أن يكون الاستثناء من قوله تعالى: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا أي إلا من تاب، فإنه تقبل شهادته.
وهذا قول مسروق وعطاء ومجاهد، وطاووس.
ويروى عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك، وهذا قول أهل المدينة.
والقول الثالث: يروى عن الشعبي أنه قال: الاستثناء من الأحكام الثلاثة.
فإذا تاب وظهرت توبته لم يحدّ، وقبلت شهادته، وزال عنه التفسيق، لأنه قد صار ممّن يرض من الشهداء، وقد قال ﷿: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى (٨٢)
 
والفسق: هو الخروج عن الطاعة ومجاوزة الحد بالمعصية.
[الآيات: الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة]
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) .
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون بما رموهن به من الزنا «١» .
إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ: التي تزيل عنه حد القذف.
أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦): في ما رماها به من الزنا.
وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧): في ذلك.
وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ: الدنيوي، وهو الحد.
أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ: أي الزوج، لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) .
وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ: الزوج، مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) فيما رماها به من الزنا.
وتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ عليها لكونه أصل الفجور ومادته، ولأن النساء يكثرن اللعنة في العادة، ومع استكثارهن منها لا يكون له في قلوبهن كبير موقع بخلاف الغضب.
[طه: ٨٢] .
وبالجملة قال الفقهاء أن الحدّ لا يسقط عمّن قذف محصنا عفيفا باتفاق حتى ولو تاب، لأن التوبة لا تسقط عنه الحد، وإنما يسقط عنه الفسق وردّ الشهادة على خلاف بينهم في ذلك. وانظر:
البحر (٦/ ٤٣٢) وروح المعاني (١٨/ ١٠٢)، ومعاني القرآن للنحاس (٣/ ٥٠١، ٥٠٤)، وزاد المسير (٦/ ١٧)، واللباب (١٥٤)، والنكت للماوردي (٣/ ١١٣) .
(١) ينظر خبر الإفك في: صحيح البخاري (٤٧٤٩) (٨/ ٣٠٦)، والفتح الرباني للساعاتي (١٨/ ٢١٨)، وجامع الأصول لابن الأثير (٢/ ٢٥٠)، والطبري (١٨/ ٦٨)، والنكت والعيون (٣/ ١١٣)، وزاد المسير (٦/ ١٧)، والقرطبي (١٢/ ١٩٧)، وابن كثير (٣/ ٢٦٨)، واللباب (١٥٤)، والدر المنثور (٥/ ٢٤)، والتفسير المأثور عن عمر بن الخطاب (ص ٥٦٦) .
 
وفي الملاعنة أحاديث كثيرة «١» .
وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب «٢» وعلي «٣» وابن مسعود «٤» قالوا: لا يجتمع المتلاعنان أبدا.
وقد بسطنا الكلام على ذلك في «شرحنا لبلوغ المرام» فليرجع إليه.
[الآية السابعة]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ زجر الله سبحانه عن دخول البيوت بغير استئذان، لما في ذلك من مخالطة الرجال للنساء فربما يؤدي إلى الزنا أو القذف، فإن الإنسان يكون في بيته ومكان خلوته على حالة قد لا يجب أن يراه عليها غيره فنهى الله سبحانه عن دخول بيوت الغير إلى غاية هي قوله:
حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا: الاستئناس: الاستعلام والاستخبار أي حتى تستعلموا من في البيت.
والمعنى: حتى تعلموا أن صاحب البيت قد علم بكم وتعلموا أنه قد أذن بدخولكم، فإذا علمتم ذلك دخلتم.
وقيل: الاستئناس الاستئذان «٥» .
(١) صحيح: رواه البخاري (٤٧٤٨)، (٣/ ١٤٨٤)، ومسلم (١٠/ ١٢٧) من حديث عبد الله بن عمر.
وانظر: الدر المنثور (٥/ ٢٤)، والتفسير المأثور عن عمر بن الخطاب (٥٦٤) .
(٢) إسناده ضعيف: علته: انقطاع بين إبراهيم النخعي وعمر.
ورواه عن الرزاق في «المصنف» (١٢٤٣٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٤١٠) .
(٣) إسناده ضعيف: علته قيس بن الرّبيع: صدوق تغيّر عند كبره، وأدخل عليه ما ليس من حديثه.
وعاصم بن أبي النّجود القارئ: حسن الحديث.
رواه عبد الرزاق (١٢٤٣٦)، والبيهقي (٧/ ٤١٠) .
(٤) إسناده ضعيف: رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٢٤٣٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٤١٠)، وعلته في الضعف كسابقه.
(٥) قال مجاهد: هو التنحنح، والتّنخّم.
وقال الطبري: قال آخرون معنى الآية: حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح والتنخم وما أشبهه،
 
وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها: قد بينه ﵌ بأن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ مرة أو ثلاثا «١» .
واختلفوا هل يقدم الاستئذان على السلام أو العكس؟ فقيل: يقدم الاستئذان فيقول: أأدخل سلام عليكم، لتقديم الاستئناس في الآية على السلام.
وقال الأكثرون: إنه يقدم السلام على الاستئذان فيقول: السلام عليكم أأدخل؟
وهو الحق، لأن البيان منه ﵌ للآية كان هكذا.
وقيل: إن وقع بصره على إنسان قدم السلام وإلا قدّم الاستئذان.
ذلِكُمْ: أي الاستئناس والتسليم، أي دخولكم معهما.
خَيْرٌ لَكُمْ: من الدخول بغتة.
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧): أن الاستئذان خير لكم، والمراد بالتذكر الاتعاظ والعمل بما أمروا به.
[الآية الثامنة]
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) .
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ: خصّ للمؤمنين مع تحريمه على غيرهم، لكون قطع ذرائع الزنا التي منها النظر بهم أحق بها من غيرهم وأولى بذلك ممن سواهم.
وقيل: إن في الآية دليلا على أن الكفار غير مخاطبين بالشرعيات. كما يقول بعض أهل العلم.
يَغُضُّوا معنى غض البصر: إطباق الجفن على العين بحيث يمنع الرؤية.
حتى يعلموا أنكم تريدون الدخول عليهم (الطبري ١٨/ ١١١) . [.....]
(١) حديث صحيح: رواه أبو داود (٥١٧٦)، والترمذي (٢٧١٠)، وأحمد في «المسند» (٣/ ٤١٤)، من حديث صفوان بن أمية مرفوعا.
وقال أبو عيسى: حسن غريب.
قلت: إن كان ابن جريج مدلسا، فقد صرّح بالسماع في روايته لهذا الحديث فزالت الشبهة في تدليسه.
 
مِنْ أَبْصارِهِمْ: هي التبعيضية وإليه ذهب الأكثرون وبينوه بأن المعنى غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل.
وقيل: وجه التبعيض أنه يعفى للناظر أول نظرة تقع من غير قصد، وقيل غير ذلك «١» .
وفي هذه الآية دليل على تحريم النظر إلى غير من يحل النظر إليه.
و: معنى: وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ: أنه يجب عليهم حفظها عما يحرم عليهم.
وقيل: المراد ستر فروجهم عن أن يراها من لا يحل له رؤيتها. ولا مانع من إرادة المعنيين، فالكل يدخل تحت حفظ الفرج.
وقيل: وجه المجيء بمن في الأبصار دون الفروج أنه موسع في النظر، فإنه لا يحرم منه إلا ما استثنى، بخلاف حفظ الفرج فإنه مضيق فيه، فإنه لا يحل منه إلا ما استثنى.
وقيل: الوجه أن غض البصر كله كالمتعذر بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على الإطلاق. والإشارة بقوله:
ذلِكَ إلى ما ذكر من الغض والحفظ وهو مبتدأ وخبره.
أَزْكى لَهُمْ: أي أطهر لهم من دنس الريبة وأطيب من التلبس بهذه الدنية.
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠): لا يخفى عليه شيء من صنيعهم، وفي ذلك وعيد لمن لم يغض بصره ويحفظ فرجه.
(١) قال جرير بن عبد الله: سألت رسول الله ﵌ عن نظرة الفجأة فقال: «اصرف بصرك» رواه مسلم (٦/ ١٨١)، وأبو داود (٨/ ٦١)، والترمذي (٢٩١٦) وأحمد (٤/ ٣٦١) وانظر: الطبري (١٨/ ١١٧)، والسيوطي في الدر (٥/ ٤٠) وكذلك المشكل لمكي (٢/ ١٢٠)، والتبيان (٢/ ١٥٥)، وزاد المسير (٦/ ٣٠) .
 
[الآية التاسعة] وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) .
وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ: خص الله سبحانه الإناث بهذا الخطاب على طريق التأكيد، لدخولهن تحت خطاب المؤمنين تغليبا، كما في سائر الخطابات القرآنية. وظهر التضعيف في (يغضضن) ولم يظهر في يَغُضُّوا لأن لام الفعل من الأول متحركة، ومن الثاني ساكنة، وهما في موضع جزم جوابا للأمر.
وبدأ سبحانه بالغض في الموضعين قبل حفظ الفرج لأن النظر وسيلة إلى عدم حفظ الفرج، والوسيلة مقدمة على المتوسل إليه.
ومعنى يغضضن كمعنى يغضوا فيستدل به على تحريم نظر النساء إلى ما يحرم عليهن، وكذلك يجب عليهن حفظ فروجهن على الوجه الذي تقدم في حفظ الرجال لفروجهم.
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ: أي ما يتزيّن به من الحلية وغيرها، وفي النهي عن إبداء الزينة نهي عن إبداء مواضعها من أبدانهن بالأولى، ثم استثنى سبحانه من هذا النهي فقال:
إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها: واختلف الناس في ظاهر الزينة ما هو؟
فقال ابن مسعود وسعيد بن جبير: وهو الثياب، وزاد سعيد الوجه.
وقال عطاء والأوزاعي: الوجه والكفان.
وقال ابن عباس وقتادة والمسوّر بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الساق ونحو ذلك فإنه يجوز للمرأة أن تبديه.
وقال ابن عطية: إن المرأة لا تبدي شيئا من الزينة وتخفي كل شيء من زينتها، ووقع الاستثناء فيما يظهر منها بحكم الضرورة، ولا يخفى عليك أن ظاهر النظم القرآني
 
النهي عن إبداء الزينة إلا ما ظهر منها كالجلباب والخمار ونحوهما مما على الكف والقدمين من الحلية ونحوها، وإن كان المراد بالزينة مواضعها كان الاستثناء راجعا إلى ما يشق على المرأة ستره كالكفين والقدمين ونحو ذلك.
وهكذا إذا كان النهي عن إظهار الزينة يستلزم النهي عن إظهار مواضعها لفحوى الخطاب، فإنه يحمل الاستثناء على ما ذكرناه في الموضعين، وأما إذا كانت الزينة تشمل مواضع الزينة وما تتزين به النساء فالأمر واضح والاستثناء يكون من الجمع «١» .
(١) فائدة: نذكر تحقيقا مختصرا في تفسير هذه الآيات من كلام بعض أهل التفسير فنقول:
١- قال الحافظ ابن الجوزي في زاد المسير: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ أي لا يظهر منها لغير محرّم، وزينتهنّ على ضربين خفية كالسوارين والقرطين والقلائد ونحو ذلك.
وظاهرة: وهي المشار إليها بقوله تعالى: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وفيه سبعة أقوال:
أحدها: أنها الثياب، رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود ﵁، وفي لفظ آخر هو الرّداء.
الثاني: أنها الكف والخاتم والوجه.
الثالث: الكحل والخاتم، ورواهما سعيد بن جبير عن ابن عباس.
وأخذ ابن الجوزي في سرد الأقوال الواردة والمروية في ذلك إلى أن قال: الوجه والكفان، قاله الضحاك.
قال القاضي أبو يعلى: والقول الأول أشبه، يعني ما ورد عن ابن مسعود أنها الثياب، وفي لفظ الرداء.
وقد نصّ عليه أحمد فقال: الزّينة الظاهرة الثياب، وكل شيء منها عورة حتى الظّفر، ويقيد هذا تحريم النظر إلى شيء من الأجنبيات لغير عذر مثل أن يريد أن يتزوجها أو يشهد عليها، فإنه ينظر في الحالتين إلى وجهها خاصّة، فأما النظر إليها لغير عذر فلا يجوز، لا لشهوة ولا لغيرها، وسواء في ذلك الوجه والكفّان وغيرهما من البدن.
فإن قيل: فلم لا تبطل الصلاة بكشف وجهها؟
فالجواب: إن في تغطيته مشقة فعفى عنه.
وانظر: زاد المسير (٦/ ٣٢، ٢٣٦) .
٢- الحافظ ابن كثير صدّر كلامه بقول ابن مسعود بأن تفسير إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها هو الرداء والثياب، لأنهما لا يمكن إخفاؤهما حسب عادات العرب مما سلف، ونقل عن الحسن البصري وابن سيرين وأبي الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم أنهم قالوا بقول ابن مسعود، وذكر في رواية عن ابن مسعود أن الزّينة زينتان: زينة لا يراها إلا الزّوج وهي الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب.
وقال ابن كثير: ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور.. وانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٨٢، ٢٨٥) .
٣- الحافظ شيخ الإسلام ابن جرير الطبري: ابن جرير هو شيخ المفسرين ومع ذلك فهو من أشهر القائلين بجواز كشف الوجه والكفين، فقد نقل عدة روايات عن ابن مسعود وعن الحسن
 
قال القرطبي في «تفسيره» «١»: الزينة على قسمين: خلقية ومكتسبة، فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة، والمكتسبة ما تحاوله المرأة من تحسين خلقها كالثياب والحلي والكحل والخضاب. ومنه قوله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١]، وقول الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطلن فهن خير عواطل
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ: الخمر: جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها.
والجيوب: جمع جيب، وهو موضع القطع من الدرع والقميص، مأخوذ من الجوب وهو القطع.
قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن وكانت جيوبهن من قدام واسعة، فكانت تنكشف نحورهن وقلائدهن، فأمرن أن يضربن مقانعهن على
وابن عباس وغيرهم تفيد الجواز في كشف الوجه والكفين، واختار هذا القول.
فقد قال رحمه الله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ولا يظهرن للناس الذين ليسوا لهن بمحرم زينتهن وهما زينتان: إحداهما ما خفي، وذلك كالخلخال والسوارين، والأخرى: ما ظهر منها، وذلك مختلف في المعنى منه.
ثم أسرد قول القائلين بأن المراد بالزينة الثياب الظاهرة كما روى عن ابن مسعود من عدة روايات، وقول الحسن بأنها الثياب، وعبد الرحمن بن زيد عن ابن مسعود أنه قال: الرداء.
ثم قال ﵀ وقال آخرون: الظاهر من الزينة التي أبيح لها أن تبديه الكحل والخاتم والسواران والوجه.
وذكر قول سعيد بن جبير عن ابن عباس، وكذلك رواية عبد الله بن هرمز عن سعيد بن جبير أنه فسّر إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها بالوجه والكف.
وبالجملة فترى الروايات التي ذكر ابن جرير تفسر ما ظَهَرَ مِنْها بالزينة الظاهرة من الكحل والخاتم والقرط والسوار، أو بالثياب والرداء كابن مسعود، وبالوجه والكفين كسعيد بن جبير وابن عباس.
ثم اختار ابن جرير قائلا:
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال، عني بذلك الوجه والكفّين، يدخل في ذلك إذا كان كذلك الكحل والخاتم والسوار والخضاب.
وعلل الطبري ذلك بقوله: لو كان الوجه عورة لما كشفته في الصلاة. وانظر: الطبري (١٨/ ٩٢، ٩٦) .
(١) انظره في (١٢/ ٢٢٩) .
 
الجيوب ليسترن بذلك ما كان يبدو، وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء الذي هو الإلصاق، وقد فسّر الجمهور الجيوب بما ذكرنا وهو المعنى الحقيقي.
وقال مقاتل: إن معنى عَلى جُيُوبِهِنَّ: على صدورهن فيكون في الآية مضاف محذوف، أي على مواضع جيوبهن «١» .
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ: البعل: هو الزوج والسيد في كلام العرب، وقدم البعولة لأنهم المقصودون بالزينة ولأن كل بدن الزوجة والسرية حلال لهم، ومثله قوله سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) [المؤمنون: ٥- ٦] .
أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ فجوز للنساء أن يبدين الزينة لهؤلاء لكثرة المخالطة وعدم خشية الفتنة، لما في الطباع من النفرة عن القرائب.
وقد روي عن الحسن والحسين ﵄: أنهما كانا لا ينظران إلى أمهات المؤمنين، ذهابا منهما إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية التي في أزواج النبي ﵌، وهي قوله: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ [الأحزاب: ٥٥]، والمراد بأبناء بعولتهن ذكور أولاد الأزواج، ويدخل في قوله: أَبْنائِهِنَّ أولاد الأولاد- وإن سفلوا- وأولاد بناتهن- وإن سفلوا- وكذلك آباء البعولة وآباء الآباء وآباء الأمهات- وإن علوا- وكذلك أبناء أبناء البعولة- وإن سفلوا- وكذلك الإخوة والأخوات.
وذهب الجمهور إلى أن العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر إلى ما يجوز لهم، وليس في الآية ذكر الرضاع وهو كالنسب، وقال الشعبي وعكرمة: ليس العم والخال من المحارم.
أَوْ نِسائِهِنَّ: هي المختصات بهن الملابسات لهن بالخدمة أو الصحبة، ويدخل في ذلك الإماء، ويخرج من ذلك نساء الكفار من أهل الذمة وغيرهم، فلا يحل لهن أن يبدين زينتهن لهن لأنهن لا يتحرجن من وصفهن للرجال، وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، وإضافة النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات.
(١) انظر: الطبري (١٨/ ٩٢)، وزاد المسير (٦/ ٣٦)، والنكت (٣/ ١٢٢)، ومعاني النحاس (٤/ ٥٢٥، ٥٢٧) .
 
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ: ظاهر الآية يشمل العبيد والإماء من غير فرق بين أن يكونوا مسلمين أو كافرين، وبه قال جماعة من أهل العلم، وإليه ذهبت عائشة وأم سلمة وابن عباس ومالك.
وقال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم هذه الآية أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ إنما عني بها الإماء ولم يعن بها العبيد.
وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته. وهو قول عطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين، وروي عن ابن مسعود، وبه قال أبو حنيفة وابن جريج.
أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ: المراد بهم الذين يتبعون القوم فيصيبوا من طعامهم لا همة لهم إلا ذلك ولا حاجة لهم في النساء. قاله مجاهد وعكرمة والشعبي.
وأصل الإربة والأرب والمأربة: الحاجة والجمع مآرب.
قيل: المراد بغير أولي الإربة الحمقاء الذين لا حاجة لهم في النساء.
وقيل: البله، وقيل: العنّين.
وقيل: الخصي. وقيل: المخنث «١» .
وقيل: الشيخ الكبير. ولا وجه لهذا التخصيص بل المراد بالآية ظاهرها وهم من يتبع أهل البيت ولا حاجة له في النساء ولا يحصل منه ذلك في حال من الأحوال، فيدخل في هؤلاء من هو بهذه الصفة ويخرج من عداه.
أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ: الطفل: يطلق على المفرد والمثنى والمجموع والمراد به هنا الجنس الموضوع موضع الجمع بدلالة وصفه بوصف الجمع.
وفي مصحف أبيّ أَوِ الطِّفْلِ على الجمع، يقال للإنسان: طفل ما لم يراهق الحلم.
(١) قال في «المصباح»: الإرب والإربة بالكسر: الحاجة، والإرب بالكسر يستعمل في الحاجة، وفي العضو، والجمع: آراب مثل حمل وأحمال، وفي الحديث: «كان أملككم لإربه» أي لنفسه عن الوقوع في الشهوة. اه.
وانظر: نهاية ابن الأثير (١/ ٣٦) .
 
ومعنى لم يظهروا: لم يطلعوا، من الظهور بمعنى الاطلاع. كذا قال ابن قتيبة.
وقيل: معناه لم يبلغوا حد الشهوة. قاله الفراء والزجاج «١» .
واختلف العلماء في وجوب ستر ما عدى الوجه والكفين من الأطفال؟
فقيل: لا يلزم لأنه لا تكليف عليه وهو الصحيح.
وقيل: يلزم لأنه قد يشتهي المرأة.
وهكذا اختلف في عورة الشيخ الكبير الذي قد سقطت شهوته، والأولى بقاء الحرمة كما كانت، فلا يحل النظر إلى عورته ولا يحل له أن يكشفها.
وقد اختلف العلماء في حد العورة؟
قال القرطبي «٢»: أجمع المسلمون على أن السوأتين عورة من الرجال والمرأة، وأن المرأة كلها عورة إلا وجهها ويديها- على خلاف في ذلك.
وقال الأكثر: إن عورة الرجل من سرته إلى ركبتيه.
وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ: أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت ليسمع صوت خلخالها من يسمعه من الرجال، فيعلمون أنها ذات خلخال.
قال الزجاج: وسمع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها.
[ثم] «٣» أرشد عباده إلى التوبة من المعاصي فقال سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: فيه الأمر بالتوبة ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها وأنها فرض من فرائض الدين.
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) أي تفوزون بسعادة الدنيا والآخرة.
وقيل: إن المراد بالتوبة التناهي عما كانوا يعملونه في الجاهلية. والأول أولى لما تقرر في السنة من: «أن الإسلام يجب ما قبله» .
(١) قال القرطبي (١٢/ ٢٣٦): لَمْ يَظْهَرُوا أي لم يكشفوا عن عوراتهن للجماع لصغرهن، وقيل: لم يبلغوا أن يطيقوا النساء، يقال: ظهرت على كذا أي علمته، وظهرت على كذا أي قهرته اه.
(٢) في «تفسيره» (١٢/ ٢٣٧) .
(٣) ما بين [المعقوفين] زيادة لتمام السياق.
 
[الآية العاشرة] وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) .
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ: الأيّم: التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، والجمع أيامى «١» .
والأيّم: بتشديد الياء، ويشمل الرجل والمرأة.
قال أبو عبيد: يقال رجل أيّم وامرأة أيّم، وأكثر ما يكون في النساء، وهو كالمستعار في الرجال، والخطاب في الآية للأولياء.
وقيل: للأزواج. والأول أرجح.
وفيه دليل على أن المرأة لا تنكح نفسها، وقد خالف في ذلك أبو حنيفة «٢» .
واختلف أهل العلم في النكاح: هل هو مباح؟ أو مستحب؟ أو واجب؟ فذهب
(١) قال الضحاك: هنّ اللّواتي لا أزواج لهن، يقال: رجل أيّم، وامرأة أيّم.
(٢) قال القنوجي المصنف في «الروضة الندية» (٢/ ٣، ٤) ! بعد أن سرد أدلة مشروعية النكاح أقول:
الحاصل أن من كان محتاجا إلى النكاح أو كان فعله له أولى من تركه من دون احتياج فلا ريب أن أقل الأحوال أن يكون في حقه مندوبا للأدلة الواردة فيه.
ومن لم يكن محتاجا إليه ولا كان فعله أولى له كالحصور والعنين فقد يكون مكروها، إذا كان يخشى الاشتغال عن الطاعات من طلب العلم أو غيره مما يحتاج إليه أهله. أو كانت المرأة تتضرر بترك الجماع من دون أن تقدم على المعصية، وأما إذا كان في غنية بحيث لا يشتغل عن الطاعات، وكانت المرأة لا تتضرر بترك الجماع، ولا يحصل له بالنكاح نفع فيما يرجع إلى الباءة، فالظاهر أنه مباح، وإن لم يأت من الأدلة ما يقتضي هذه التفاصيل فثمّ أدلة أخرى تقتضيها وقواعد كلية، ولو قيل: أنه لا يكون في تلك الصورة مباحا، بل مكروها لما ورد في العزبة والعزلة آخر الزمان لم يكن بعيدا من الصواب اه.
وقال تقي الدين الحصني ﵀: «وفي الحديث الأمر بالنكاح لمن له استطاعة وتاقت نفسه إليه وهو أمر ندب عند الشافعية وكافة العلماء، قاله النووي.
وعند أحمد يلزمه الزواج أو التسري إذا خاف العنت وهو الزنا، وهو وجه لنا، وحجة من قال بعدم الوجوب قوله ﷿: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣] أناط الحكم باحتبارنا واستطابتنا، والواجب ليس كذلك.. (كفاية الأخيار ص ٣٤٦) ط. دار الخير دمشق.
وانظر: مغني المحتاج للشربيني (٣/ ١٢٥، ١٢٦) .
 
إلى الأول الشافعي وغيره «١» .
وإلى الثاني مالك وأبو حنيفة.
وإلى الثالث بعض أهل العلم- على تفصيل لهم في ذلك. فقالوا: إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية وجب عليه وإلا فلا. والظاهر أن القائلين بالإباحة والاستحباب لا يخالفون في الوجوب مع تلك الخشية.
وبالجملة فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة لقوله ﵌ في الحديث الصحيح بعد ترغيبه في النكاح: «ومن رغب عن سنتي فليس مني» «٢»، ولكن مع القدرة عليه وعلى مؤنه.
والمراد بالأيامى هنا: الأحرار والحرائر، وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله:
وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ: والصلاح: هو الإيمان. وذكر سبحانه الصلاح في المماليك دون الأحرار لأن الغالب في الأحرار الصلاح بخلاف المماليك.
وفيه دليل على أن المملوك لا يزوج نفسه، وإنما يزوجه مالكه.
وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح.
وقال مالك: لا يجوز. ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار فقال: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ: أي لا يمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر الرجل أو المرأة أو أحدهما فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ويتفضل عليهم بذلك.
قال الزجاج: حث الله على النكاح وأعلم أنه سبب لنفي الفقر ولا يلزم أن هذا يكون حاصلا لكل فقير إذا تزوج، فإن ذلك مقيد بالمشيئة. وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا.
وقيل: المعنى أنه يغنيه بغنى النفس.
وقيل: المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا. والوجه الأول أولى.
(١) حديث صحيح: رواه البخاري (٩/ ١٠٤)، ومسلم (٩/ ١٧٥، ١٧٦) عن أنس مرفوعا.
(٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٤٥١)، والطبري (١٨/ ١٢٧)، والقرطبي (١٢/ ٢٤٥)، وابن الجوزي (٦/ ٣٧) . [.....]
 
ويدل عليه قوله سبحانه: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ [التوبة: ٢٨]، فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك.
وجملة: وَاللَّهُ واسِعٌ: مؤكدة لما قبلها مقررة لها، والمراد أنه سبحانه ذو سعة لا ينقص من سعة ملكه من يغنيه من عباده.
عَلِيمٌ (٣٢) بمصالح خلقه، يغني من يشاء ويفقر من يشاء «١» .
[الآية الحادية عشرة] وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) .
وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ: المكاتبة في الشرع: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجما، فإذا أداه فهو حر.
وظاهر قوله: فَكاتِبُوهُمْ أن العبد إذا طلب المكاتبة من سيده وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعد، وهو:
إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا: والخير: هو القدرة على أداء ما كوتب عليه وإن لم يكن له مال.
وقيل: هو المال فقط، كما ذهب إليه مجاهد والحسن وعطاء والضحاك وطاووس ومقاتل.
وذهب إلى الأول ابن عمر وابن زيد، واختاره مالك والشافعي والفرّاء والزجاج.
قال الفراء: يقول إن رجوتم عندهم وفاء وتأدية للمال.
وقال الزجاج: لما قال فيهم كان الأظهر الاكتساب والوفاء وأداء الأمانة.
(١) انظر: الطبري (١٨/ ١٢٩)، وابن كثير (٦/ ٥٦، ٥٧)، والقرطبي (١٢/ ٢٥١)، وزاد المسير (٦/ ٣٧) .
 
وقال النخعي: إن الخير: الدين والأمانة، وروي مثل هذا عن الحسن.
وقال عبيدة السلماني: إقامة الصلاة.
قال الطحاوي: وقول من قال: إنه مال، لا يصح عندنا لأن العبد مال لمولاه فكيف يكون له مال! قال: والمعنى عندنا إن علمتم فيهم خيرا أي الدين والصدق.
قال أبو عمرو بن عبد البر: من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال: إن علمتم فيهم مالا، وإنما يقال علمت فيه الخير والصلاح والأمانة، ولا يقال: علمت فيه المال. هذا حاصل ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم في الخير المذكور في الآية.
وإذا تقرر لك هذا فاعلم أنه قد ذهب إلى ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور من الوجوب عكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك وأهل الظاهر فقالوا: يجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك وعلم فيه خيرا.
وقال الجمهور من أهل العلم: لا يجب ذلك، وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبد سيده أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك ولم يجبر عليه فكذا الكتابة لأنها معاوضة.
ولا يخفى عليك أن هذه حجة واهية وشبهة داحضة، والحق ما قاله الأولون، وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس، واختاره ابن جرير «١» .
ثم أمر سبحانه الموالي بالإحسان إلى المكاتبين فقال:
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ: ففي هذا أمر للمالكين بإعانة المكاتبين على مال الكتابة: إما بأن يعطوهم شيئا من المال، أو بأن يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه.
وظاهر الآية عدم تقرير ذلك بمقدار. وقيل: الثلث وقيل: الربع، وقيل: العشر. ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم وسياق الكلام معهم فإنهم المأمورون بالكتابة.
وقال الحسن والنخعي وبريدة: إن الخطاب بقوله: وَآتُوهُمْ لجميع الناس.
(١) انظر الطبري (١٨/ ١٢٩)، وابن كثير (٦/ ٥٦، ٥٧)، والقرطبي (١٢/ ٢٥١)، وزاد المسير (٦/ ٣٧) .
 
وقال زيد بن أسلم: إن الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم، كما في قوله سبحانه: وَفِي الرِّقابِ [البقرة: ١٧٧] .
وللمكاتب أحكام معروفة إذا وفى ببعض مال الكتابة.
ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك، نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا فقال:
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ: والمراد بالفتيات هنا الإماء، وإن كان الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر.
والبغاء: الزنا مصدر بغت المرأة تبغا بغاء إذا زنت. وهذا مختص بزنا النساء فلا يقال للرجل إذا زنا: إنه بغى.
وشرط الله سبحانه هذا النهي بقوله: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا: لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادتهن للتحصن، فإن من لم ترد التحصن لا يصح أن يقال لها: مكروهة على الزنا.
والمراد بالتحصن هنا: التعفف والتزوج.
وقيل: إن هذا القيد راجع إلى الأيامى، وفي الكلام تقديم وتأخير.
وقيل: هذا الشرط ملغى.
وقيل: هذا الشرط باعتبار ما كانوا عليه، فإنهم كانوا يكرهونهن وهن يردن التعفف. وليس تخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف.
وقيل: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن. وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه، فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال ولا للحرام، كما فيمن لا رغبة لها في النكاح والصغيرة، فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند إرادة التحصن، إلا أن يقال: إن المراد بالتحصن هنا مجرد التعفف، وأنه لا يصدق على من كانت تريد الزواج أنها مريدة للتحصن وهو بعيد! فقد قال الحبر ابن عباس: إن المراد بالتحصن التعفف والتزوج، وتابعه على ذلك غيره «١» .
(١) انظر أقوال أهل التفسير في: القرطبي (١٢/ ٢٥٥) .
 
ثم علل سبحانه هذه النهي بقوله: لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا: وهو ما تكتسبه الأمة بفرجها، وهذا التعليل خارج مخرج الغالب.
والمعنى أن هذا الغرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب، لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا فائدة له أصلا ولا يصدر مثله عن العقلاء.
فلا يدل هذا التعليل على أنه لا يجوز له أن يكرهها إذا لم يكن مبتغيا بإكراهها عرض الحياة الدنيا.
وقيل: إن هذا التعليل للإكراه من اعتبار أن عادتهم كانت كذلك لا أنه مدار النهي عن الإكراه لهن وهذا يلاقي المعنى الأول ولا يخالفه.
وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) هذا مقرر لما قبله ومؤكد له «١» .
والمعنى أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرهين لا إلى المكرهات كما تدل عليه قراءة ابن مسعود وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير «٢»: فإن الله غفور رحيم (٣٣) لهن.
قيل: وفي هذا التفسير بعد لأن المكرهة على الزنا غير آثمة؟
وأجيب بأنها وإن كانت مكرهة فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة، إما بحكم الجبلة البشرية، أو يكون الإكراه قاصرا عن حد الإلجاء المزيل للاختيار.
وقيل: إن المعنى فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهم، إما مطلقا أو بشرط التوبة.
[الآية الثانية عشرة]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) .
(١) انظر الطبري (١٨/ ١٣٥) .
(٢) انظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٠٨)، وقد عدّ هذه القراءة لهنّ غفور رحيم من القراءات الشاذّة، وإنما هي كتفسير للآية.
 
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: الخطاب للمؤمنين ويدخل المؤمنات فيه تغليبا كما في غيره من الخطابات.
قال العلماء: هذه الآية خاصة ببعض الأوقات.
واختلفوا في المراد بقوله: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ: على أقوال:
الأول: أنها منسوخة. قاله سعيد بن المسيب.
وقال سعيد بن جبير: إن الأمر فيها للندب لا للوجوب.
وقيل: كان ذلك واجبا حيث كانوا لا أبواب لهم ولو عاد الحال لعاد الوجوب، حكاه المهدوي عن ابن عباس «١» .
وقيل: إن الأمر هاهنا للوجوب، وأن الآية محكمة غير منسوخة، وأن حكمها ثابت على الرجال والنساء.
ولما سئل الشعبي عنها: أمنسوخة هي؟ قال: لا والله! فقال السائل: إن الناس لا يعملون بها؟ قال: الله المستعان.
وقال القرطبي «٢»: وهو قول أكثر العلماء، وقال أبو عبد الرحمن السلمي: إنها خاصة بالنساء.
وقال ابن عمر: هي خاصة بالرجال دون النساء.
والمراد بقوله: الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ: العبيد والإماء.
وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ: أي من الأحرار.
ومعنى ثَلاثَ مَرَّاتٍ: ثلاثة أوقات في اليوم والليلة، وعبّر بالمرات عن الأوقات لأن أصل وجوب الاستئذان هو سبب مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا نفس الأوقات. وانتصاب ثلاث على الظرفية الزمانية، أي في ثلاث أوقات، أو
(١) انظر: الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٣١٨) .
(٢) انظر تفسيره: (١٢/ ٣٠٣) .
 
منصوب على المصدرية أي ثلاثة استئذانات.
ورجح هذا أبو حيان فقال: والظاهر من قوله ثلاث مرات ثلاث استئذانات لأنك إذا قلت ضربتك ثلاث مرات لا يفهم منه إلا ثلاث ضربات. ويرد بأن الظاهر هنا متروك لقرينة التفسير بالثلاثة الأوقات.
فقال: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ، وذلك لأنه وقت القيام عن المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة، وربما يبيت عريان أو على حالة لا يحب أن يراه غيره فيها.
وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ. و(من) في قوله: مِنَ الظَّهِيرَةِ: للبيان، أو بمعنى في، أو بمعنى اللام، والمعنى حين وضعكم ثيابكم التي تلبسونها في النهار من شدة حرّ الظهيرة، وذلك عند انتصاف النهار فإنهم قد يتجردون عن الثياب لأجل القيلولة.
ثم ذكر سبحانه الوقت الثالث فقال: وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ: وذلك لأنه وقت التجرد من الثياب والخلوة بالأهل «١» .
ثم أجمل سبحانه هذه الأوقات بعد التفصيل فقال: ثَلاثُ عَوْراتٍ: كائنة، لَكُمْ، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان علة وجوب الاستئذان.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ: يا أهل البيوت.
وَلا عَلَيْهِمْ: أي المماليك والصبيان.
جُناحٌ: أي إثم في الدخول بغير استئذان، لعدم ما يوجبه من مخالفة الأمر والاطلاع على العورات.
ومعنى بَعْدَهُنَّ بعد كل واحدة من هذه العورات الثلاث، وهي الأوقات المتخللة بين كل اثنين منها. وهذه الجملة مستأنفة مقررة للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.
طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ الجملة مستأنفة مبينة للعذر المرخص في ترك الاستئذان.
قال الفراء: هذا كقولك في الكلام: هم خدمكم وطوافون عليكم، أي هم خدمكم فلا بأس أن يدخلوا عليكم.
(١) انظر: ابن جرير (١٨/ ١٦٢)، وابن كثير (٦/ ٨٩، ٩٠)، والقرطبي (١٢/ ٣٠٣)، والدر المنثور (٥/ ٥٦) .
 
بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ أي بعضكم يطوف أو طائف على بعض «١» .
والمعنى أن كلا منكم يطوف على صاحبه: العبيد على الموالي، والموالي على العبيد، وإنما أباح سبحانه الدخول في غير تلك الأوقات الثلاثة بغير استئذان لأنها كانت العادة أنهم لا يكشفون عوراتهم في غيرها. والإشارة بقوله:
كَذلِكَ، إلى مصدر الفعل الذي بعده كما في سائر المواضع في الكتاب العزيز، أي مثل ذلك التبيين.
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ: الدالة على ما شرعه لكم من الأحكام.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ كثير العلم بالمعلومات.
حَكِيمٌ (٥٨): كثير الحكمة في أفعاله.
[الآية الثالثة عشرة]
وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) .
وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا: أي العجائز اللاتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر، واحدتها قاعد بلا هاء، ليدل حذفها على أنه قعود الكبر.
فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ: التي تكون على ظاهر البدن كالجلباب ونحوه، لا الثياب التي على العورة الخاصة. وإنما جاز لهن ذلك لانصراف الأنفس عنهن، إذ لا رغبة للرجال فيهن، فأباح الله سبحانه لهن ما لم يبحه لغيرهن.
ثم استثنى حالة من حالاتهن فقال: غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ: أي غير مظهرات للزينة التي أمرن بإخفائها في قوله: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [النور: ٣١]، والمعنى من غير أن يردن بإظهار مواضع الجلابيب إظهار زينتهن ولا متعرضات بالتزين لينظر إليهن الرجال.
(١) انظر: معاني الفراء (٢/ ٢٩٠)، والسبعة لابن مجاهد (ص ٤٥٩)، والكشاف (٢/ ٨٧)، والمجاز لأبي عبيدة (٢/ ٦٩)، والقرطبي (١٢/ ٣٠٩)، والدر المنثور للسيوطي (٥/ ٥٧) .
 
والتبرج: التكشف والظهور للعيون.
وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ: أي وأن يتركن وضع الثياب مطلقا فهو:
خَيْرٌ لَهُنَّ: من وضعها «١» .
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) أي كثير السماع والعلم أو بليغهما «٢» .
[الآية الرابعة عشرة] لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) .
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ: اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل هي محكمة؟ أو منسوخة؟ قال بالأول جماعة من العلماء، وبالثاني جماعة.
وقيل: إن المسلمين كانوا إذا غزوا خلّفوا زمناهم وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، وكانوا يحرجون من ذلك وقالوا: لا ندخلها وهم غيّب، فنزلت هذه الآية رخصة لهم.
فمعنى الآية نفي الحرج عن الزمنى وفي أكلهم من بيوت أقاربهم وبيوت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج للغزو.
قال النحاس: وهذا القول من أجل ما روي في الآية لما فيه عن الصحابة والتابعين
(١) قال في «التسهيل» (٣/ ١٥٥): «أباح الله لهذا الصنف من العجائز، ما لم يبح لغيرهن من وضع الثياب، قال ابن مسعود: إنما أبيح لهن وضع الجلباب الذي فوق الخمار والرداء، وإنما أبيح لهن وضع الثياب بشرط ألا يقصدن إظهار الزينة، تلتزمه الشابّات من الستر اه.
(٢) وانظر: الطبري (١٨/ ١٦٧)، والقرطبي (١٢/ ٣٠٩) .
 
من التوقيف «١» .
وقيل: إن هؤلاء المذكورين كانوا يتحرجون عن مواكلة الأصحاء حذرا من استقذارهم إياهم وخوفا من تأذيهم بأفعالهم فنزلت.
وقيل: إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به القدرة الكاملة على المشي على وجه يتعذر الإتيان به مع العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه.
وقيل: المراد بهذا الحرج المرفوع عن هؤلاء هو الحرج في الغزو: أي لا حرج على هؤلاء في تأخرهم عن الغزو، وقيل: كان الرجل إذا أدخل أحدا من هؤلاء الزمناء إلى بيته، فلم يجد فيه شيئا يطعمهم إياه، ذهب بهم إلى بيوت قرابته فيتحرج الزمناء من ذلك فنزلت الآية.
وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ: أي ولا حرج عليكم وعلى من يماثلكم من المؤمنين.
أَنْ تَأْكُلُوا: أنتم ومن معكم.
والحاصل أن رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض إن كان باعتبار مواكلة الأصحاء أو دخول بيوتهم فيكون وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ متصلا بما قبله، وإن كان رفع الحرج عن أولئك باعتبار التكاليف التي يشترط فيها وجود البصر وعدم العرج وعدم المرض فقوله: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ ابتداء كلام غير متصل بما قبله.
ومعنى: مِنْ بُيُوتِكُمْ: البيوت التي فيها متاعهم وأهلهم، فتدخل بيوت الأولاد، كذا قال المفسرون. لأنها داخلة في بيوتهم لكون بيت ابن الرجل بيته، ولذا لم يذكر سبحانه بيوت الأولاد وذكر غيرها فقال:
أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ: قال النحاس: وعارض بعضهم هذا فقال: هذا تحكم على كتاب الله سبحانه!! بل الأولى، في الظاهر، أن يكون الابن مخالفا لهؤلاء «٢» .
(١) انظر: الطبري (١٨/ ١٦٩)، والفراء (٢/ ٢٩١)، ومعاني النحاس (٤/ ٥٥٨)، وابن كثير (٦/ ٩٣)، والقرطبي (١٢/ ٣١٢)، والبحر المحيط (٦/ ٤٧٤)، والألوسي (١٨/ ١٢٨)، والدر المنثور (٥/ ٥٨) .
(٢) انظر: معاني النحاس (٤/ ٥٥٨، ٥٥٩) .
 
ويجاب عن هذه المعارضة بأن رتبة الأولاد، بالنسبة إلى الآباء، لا تنقص عن رتبة الآباء بالنسبة إلى الأولاد بل للآباء مزيد خصوصية في أموال الأولاد لحديث: «أنت ومالك لأبيك» «١»، وحديث: «ولد الرجل من كسبه» «٢» .
ثم قد ذكر الله سبحانه هنا بيوت الإخوة والأخوات، بل الأعمام والعمات، بل الأخوال والخالات، فكيف ينفي سبحانه الحرج عن الأكل من بيوت هؤلاء ولا ينفيه عن بيوت الأولاد؟! وقيد بعضهم جواز الأكل من بيوتهم كلهم بالإذن منهم.
وقال آخرون: ولا يشترط الإذن. قيل: وهذا إذا كان الطعام مبذولا وإن كان محرزا دونهم لهم أكله.
ثم قال سبحانه: أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ: أي البيوت التي تملكون التصرف فيها بإذن أربابها وذلك كالوكلاء والعبيد والخزان فإنهم يملكون التصرف في بيوت من أذن لهم بدخول بيته وأعطاهم مفتاحه. وقيل: المراد بها بيوت المماليك.
والمفاتح: جميع مفتح «٣» .
أَوْ صَدِيقِكُمْ: وإن لم يكن بينكم وبينه قرابة فإن الصديق في الغالب يسمح لصديقه بذلك وتطيب به نفسه، والصديق يطلق على الواحد والجمع.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا: جمع شتّ بمعنى التفرق يقال: شت القوم أي تفرقوا. وهذه الجملة كلام مستأنف مشتمل على بيان حكم آخر من جنس ما قبله، أي ليس عليكم جناح أن تأكلوا مجتمعين أو مفترقين.
(١) حديث صحيح: رواه ابن ماجة (٢٢٩١)، والطحاوي في «الشرح» (٤/ ١٥٨)، (٦١٥٠)، وفي «المشكل» (٢/ ٢٣٠) وانظر: تخريجنا له في «بر الوالدين» للطرطوشي- ط- دار الكتب العلمية- بيروت. [.....]
(٢) حديث صحيح: رواه أحمد (٦/ ٣١، ٤١، ١٢٧، ١٩٣، ٢٠١) وأبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، وابن ماجة (٢٢٩٠)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٤٠٦، ٤٠٧) والدارمي (٢/ ٢٤٧)، والحاكم (٢/ ٤٦)، وقال أبو عيسى: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي.
(٣) انظر: ابن كثير (٦/ ٦٣)، والبحر المحيط (٦/ ٤٧٤)، وروح المعاني (١٨/ ٢١٩)، والقرطبي (١٢/ ٣١٣)، والتسهيل (٣/ ١٥٥) .
 
وقد كان بعض العرب يتحرج أن يأكل وحده حتى يجد له أكيلا يؤاكله فيأكل معه، وبعض العرب كان لا يأكل إلا مع الضيف فنزل: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا أي غير البيوت التي تقدم ذكرها، وهذا بيان أدب آخر أدّب به عباده.
فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ: أي على أهلها الذين هم بمنزلة أنفسكم.
وقيل: المراد البيوت المذكورة سابقا.
وعلى القول الأول فقال الحسن والنخعي: هي المساجد، والمراد سلموا على من فيها من صنفكم، فإذا لم يكن في المساجد أحد فقيل: يقول: السلام على رسول الله، وقيل: يقول: السلام عليكم مريدا للملائكة وقيل: يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
وقال بالقول الثاني- أعني أنها البيوت المذكورة سابقا- جماعة من الصحابة والتابعين. وقيل: المراد بالبيوت هنا هي جميع البيوت المسكونة وغيرها، فيسلم على أهل المسكونة. وأما غير المسكونة فيسلم على نفسه.
قال ابن العربي: القول بالعموم في البيوت هو الصحيح «١» .
تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً: أي تطيب بها نفس المستمع.
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١): تعليل لذلك التبيين برجاء تعقل آيات الله سبحانه وفهم معانيها.
[الآية الخامسة عشرة] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) .
فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ: أي المؤمنين يا رسول الله ﵌.
(١) انظر: الطبري (١٨/ ١٧٤)، والبحر (٦/ ٤٧٤)، والقرطبي (١٢/ ٣١٨)، وزاد المسير (٦/ ٦٧) .
 
لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ: أي الأمور التي تهمهم.
فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وامنع من تشاء على حسب ما تقتضيه المصلحة التي تراها.
ثم أرشده الله سبحانه إلى الاستغفار لهم بقوله: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ: فيه إشارة إلى أن الاستئذان، وإن كان بقدر مسوغ، فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢): أي كثير الرحمة والمغفرة بالغ فيهما إلى الغاية التي ليس وراءها غاية.
قال المفسرون: كان رسول الله ﵌ إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر، لم يخرج حتى يقوم بحيال النبي ﵌ حيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن فيأذن لمن شاء منهم.
قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده.
قال الزجاج: أعلم الله أن المؤمنين إذا كانوا مع نبيه ﵌ فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه، وكذلك أن يكونوا مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه في جمع من جموعهم إلا بإذنه وللإمام أن يأذن وله أن لا يأذن على ما يرى، لقوله: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ.
قال العلماء: كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن «١» .
(١) انظر: الطبري (١٨/ ١٧٧)، وابن الجوزي (٦/ ٦٨)، وابن كثير (٦/ ٩٦)، والفراء (٢/ ٢٦٢)، وابن عطية (١٠/ ٥٥٦) .
 
سورة الفرقان وهي سبع وسبعون آية
هي مكية، في قول الجمهور «١» .
قال القرطبي «٢»: قال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ الآيات.
[الآية الأولى]
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨) .
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨): أي يتطهر به، كما يقول: وضوء للماء الذي يتوضى به.
قال الأزهري: الطهور في اللغة: الطاهر المطهر.
قال ابن الأنباري: الطهور بفتح الطاء الاسم، وكذلك الوصف، وبالضم المصدر، هذا هو المعروف في اللغة.
وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهور هو الطاهر المطهر ويؤيد ذلك كونه بناء مبالغة.
وروي عن أبي حنيفة أنه قال: الطهور هو الطاهر، واستدل لذلك بقوله تعالى:
وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا (٢١) [الإنسان: ٢١] يعني طاهرا، ومنه قول الشاعر:
(١) قال في «البحر» (٦/ ٤٨٠): «هذه السورة مكية في قول الجمهور، وقال ابن عباس: إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إلى قوله وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) .
(٢) انظره في تفسيره (١٣/ ١) .
 
خليلي هل في نظرة بعد توبة ... [أداوي] «١» بها قلبي عليّ فجور
إلى رجّح الأكفال غيد من الظّبا ... عذاب الثنايا ريقهنّ طهور
فوصف الريق بأنه طهور وليس بمطهر. ورجح القول الأول ثعلب وهو راجح لما تقدم من حكاية الأزهري لذلك عن أهل اللغة «٢» .
وأما وصف الشاعر للريق بأنه طهور فإنه على طريق المبالغة.
وعلى كل حال فقد ورد الشرع بأن الماء في [نفسه] «٣» طاهر ومطهر لغيره «٤» .
قال الله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال: ١١] .
قال النبي ﵌: «خلق الماء طهورا» «٥» .
[الآية الثانية]
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا (٦٤) .
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ: البيتوتة: هي أن يدركك الليل نمت أم لم تنم.
قال الزجاج: من أدركه الليل فقد بات نام أو لم ينم كما يقال: بات فلان قلقا.
والمعنى يبيتون.
لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا: على وجوههم.
وَقِيامًا (٦٤): على أقدامهم، ومنه قول امرئ القيس «٦»:
فبتنا قياما عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله
(١) حرّف في المطبوع إلى (أوادي) وهو خطأ والتصويب من فتح القدير (٤/ ٨٠) .
(٢) وانظر: تهذيب اللغة (طهر)، نيل الأوطار (١/ ١٤) .
(٣) ما بين [] بياض في «المطبوعة» واستدرك من فتح القدير (٤/ ٨٠) .
(٤) انظر: الروضة الندية للمصنف (١/ ٤)، ونيل الأوطار للشوكاني (١/ ٧، ١٦)، القرطبي (١٣/ ٥٥) .
(٥) الذي وقفنا عليه هو حديث «إن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا..» رواه أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (١/ ١٧٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١١٦، ١٦٧)، وأحمد في «المسند» (٣/ ٣١) عن أبي سعيد مرفوعا. وحسّنه الترمذي وصححه البغوي وانظر: التلخيص (١/ ١٣) .
(٦) نسبه القرطبي لزهير بن أبي سلمى (١٣/ ٧١)، وهو في «ديوانه» (ص ١٣٢) .
 
والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل كله أو أكثره.
[الآية الثالثة]
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا (٦٧) .
وَالَّذِينَ [إِذا] «١» أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا: من قتر يقتر، أو أقتر يقتر. ومعنى الجميع التضييق في الإنفاق.
قال النحاس: أحسن ما قيل في معنى الآية: أن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار ومن أنفق في طاعة الله فهو القوام «٢» .
وقال إبراهيم النخعي: هو الذي لا يجوع ولا يعرى ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف.
وقال يزيد بن حبيب: أولئك أصحاب محمد ﵌ كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوبا للجمال، ولكن كانوا فريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة الله، ومن اللباس ما يستر عوراتهم ويقيهم الحر والبرد «٣» .
وقال أبو عبيدة: لم يزيدوا على المعروف ولم يبخلوا، كقوله: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: ٢٩] .
وَكانَ: أي إنفاقهم.
بَيْنَ ذلِكَ: الإفراط أو التفريط.
قَوامًا (٦٧) بكسر القاف: ما يدوم عليه الشيء ويستقر وبالفتح العدل والاستقامة، قاله ثعلب.
وقيل: بالفتح العدل بين الشيئين، وبالكسر ما يقام به الشيء لا يفضل عنه ولا
(١) ما بين [المعقوفين] سقط من المطبوعة.
(٢) انظر كلام النحاس في «معاني القرآن» له (٥/ ٤٨، ٤٩) . [.....]
(٣) انظر: الطبري (١٩/ ٢٦)، وزاد المسير (٦/ ١٠٥)، وابن قتيبة (٣١٥)، والنكت (٣/ ١٦٥)، والبحر المحيط (٦/ ٥١٥)، ومجاز أبي عبيدة (٢/ ٨١)، والقرطبي (١٣/ ٧٦)، الدر المنثور (٥/ ٧٧) .
 
ينقص. وقيل: بالكسر السداد والمبلغ «١» .
[الآية الرابعة]
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا (٧٤) .
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا (٧٤) أي قدوة يقتدى بنا في الخير.
وإنما قال إماما ولم يقل أئمة لأنه أريد به الجنس كقوله: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: ٥]، وقيل: إنه من الكلام المقلوب، وأن المعنى: واجعل المتقين لنا إماما، وبه قال مجاهد. وقيل: إن هذا الدعاء صادر عنهم بطريق الانفراد وإن عبارة كل واحد منهم عند الدعاء: واجعلني للمتقين إماما، ولكنها حكيت عبارات الكل بصيغة المتكلم مع الغير لقصد الإيجاز.
وقال الأخفش: الإمام جمع آمّ من أمّ يؤم جمع على فعال كصاحب وصحاب وقائم وقيام وقيل: إنه مصدر كالقيام والصيام. وقيل غير ذلك.
قال النيسابوري: قيل: في الآية دلالة على أن الرياسة الدينية مما يجب أن يطلب ويرغب فيها، والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي به يشار إليه ويقتدى بهم «٢» .
(١) القوام في اللغة: الوسط والعدل، قال القرطبي: وهذا أدب الشرع ألا يفرط الإنسان حتى يضيّع حقا أو عيالا، وألا يضيّق ويقتر حتى يجيع العيال، ويفرط في الشح. اه- (١٣/ ٧٣)، وانظر:
الطبري (١٩/ ٣٧)، ابن كثير (٦/ ١٣٤)، ومعاني الفراء (٢/ ٢٧٣)، الدر المنثور (٥/ ٧٧) .
(٢) انظر: الطبري (١٩/ ٥٣)، الدر المنثور (٥/ ٨١) .
 
 

سورة القصص
وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء.
[الآية الأولى]
قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) .
قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ: فيه مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل، وهذا سنة ثابتة في الإسلام كما ثبت من عرض عمر لابنته على أبي بكر وعثمان- والقصة معروفة «١» - وغير ذلك، كما وقع في أيام الصحابة وأيام النبوة.
وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله ﵌ «٢» .
عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ: أي على أن تكون أجيرا لي ثمان سنين ترعى غنمي.
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ: أي تفضلا منك لا إلزاما مني لك، جعل ما زاد على الثمانية الأعوام إلى تمام العشرة أعوام موكولا إلى المروءة.
وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ: بإلزامك إتمام العشرة الأعوام واشتقاق المشقة من الشق أي شق بطنه نصفين، فتارة يقول: أطيق، وتارة يقول: لا أطيق.
ثم رغبه في قبول الإجارة فقال:
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧): في حسن الصحبة والوفاء. وقيل:
أراد الصلاح على العموم، فيدخل صلاح المعاملة في تلك الإجارة تحت الآية دخولا أولياء، وقيد ذلك بالمشيئة تفويضا للأمر إلى توفيق الله ومعونته.
(١) صحيح: رواه البخاري (٩/ ١٧٥، ١٧٦، ٢٠١)، عن عبد الله بن عمر مرفوعا.
(٢) صحيح: رواه البخاري (٩/ ١٧٤) عن أنس مرفوعا.

عن الكاتب

Ustadz Online

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية