الباب الأول مباحث في العقيدة وفيها بيان فساد مقاييس التكفير والتضليل اليوم

الباب الأول
مباحث في العقيدة
وفيها بيان فساد مقاييس التكفير والتضليل اليوم


التحذير من المجازفة بالتكفير

يخطئ كثير من الناس – أصلحهم الله – في فهم حقيقة الأسباب التي
تخرج صاحبها عن دائرة الإسلام وتوجب عليه الحكم بالكفر ، فتراهم يسارعون
إلى الحكم على المسلم بالكفر رد المخالفة حتى لم يبق من المسلمين على وجه
الأرض إلا القليل ، ونحن نلتمس لهؤلاء العذر تحسيناً للظن ، ونقول لعل نيتهم
حسنة من دافع واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن فام أن واجب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد في أدائه من الحكمة والموعظة الحسنة وإذ
اد  ع ِإلى  : اقتضى الأمر اادلة يجب أن تكون بالتي هي أحسن كما قال تعالى
وذلك أدعى ..   سبِيلِ ربك ِبالْحكْمة والْموعظَة الْحسنة وجادلْهم ِبالَّتي هي َأحسن

إلى القبول وأقرب للحصول على المأمول ومخالفته خطأ وحماقة .
فإذا دعوت مسلماً يصلي ، ويؤدي فرائض الله ، ويجتنب محارمه وينشر
دعوته ، ويشيد مساجده ، ويقيم معاهده ، إلى أمر تراه حقاً ويراه هو على خلافك
والرأي فيه بين العلماء مختلف قديماً إقرارًا وإنكارًا فلم يطاوعك في رأيك فرميته
بالكفر رد مخالفته لرأيك فقد قارفت عظيمة نكراء ، وأتيت أمرًا إدًا اك عنه الله
ودعاك إلى الأخذ فيه بالحكمة والحسنى.

قال العلامة الإمام السيد أحمد مشهور الحداد : وقد انعقد الإجماع على
منع تكفير أحد من أهل القبلة إلا بما فيه نفي الصانع القادر جل وعلا أو شرك جلي
لا يحتمل التأويل أو إنكار النبوة أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة أو إنكار
متواتر أو مجمع عليه ضرورة من الدين .

والمعلوم من الدين ضرورة كالتوحيد والنبوات وختم الرسالة بمحمد صلى الله
عليه وسلم والبعث في اليوم الآخر والحساب والجزاء والجنة والنار يكفر جاحده ،
ولا يعذر أحد من المسلمين بالجهل به إلا من كان حديث عهد في الإسلام فإنه
يعذر إلى أن يتعلمه فإنه لا يعذر بعده.

والمتواتر الخبر الذي يرويه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب عن جمع مثلهم
إما من حيث الإسناد كحديث :

(( من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار )) ..
وإما من حيث الطبقة كتواتر القرآن فإنه تواتر على البسيطة شرقاً وغرباً
درساً وتلاوة وحفظاً وتلقاه الكافة عن الكافة طبقة عن طبقة فلا يحتاج إلى إسناد.
وقد يكون تواتر عمل وتوارث كتواتر العمل على شيء من عصر النبوة إلى
الآن ، أو تواتر علم كتواتر المعجزات فإن مفرداا وإن كان بعضها آحادًا لكن القدر
المشترك منها متواتر قطعاً في علم كل إنسان مسلم .

وإن الحكم على المسلم بالكفر في غير هذه المواطن التي بيناها أمر خطير ،
وفي الحديث (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء ا أحدهما) .
رواه البخاري عن أبي هريرة .

ولا يصح صدوره إلا ممن عرف بنور الشريعة مداخل الكفر ومخارجه
والحدود الفاصلة بين الكفر والإيمان في حكم الشريعة الغراء .

فلا يجوز لأي إنسان الركض في هذا الميدان والتكفير بالأوهام والمظان دون تثبت ويقين
وعلم متين وإلا اختلط سيلها بالأبطح ولم يبق مسلم على وجه الأرض إلا القليل .
كما لا يجوز التكفير بارتكاب المعاصي مع الإيمان والإقرار بالشهادتين ، وفي
الحديث عن أنس رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم :

(( ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال : لا إله إلا الله لا نكفره
بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بالعمل ، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن
يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان
بالأقدار )) .. (أخرجه أبو داود) ..

وكان إمام الحرمين يقول : لو قيل لنا : فصلُوا ما يقتضي التكفير من
العبارات مما لا يقتضي ، لقلنا : هذا طمع في غير مطمع فإن هذا بعيد المدرك
وعر المسلك يستمد من أصول التوحيد ومن لم يحظ بنهايات الحقائق لم يتحصل
من دلائل التكفير على وثائق .

لذلك نحذر كل التحذير من اازفة بالتكفير في غير المواطن السابق بياا
لأنه جد خطير والله الهادي إلى سواء السبيل وإليه المصير .

موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب
وقد وقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في هذا الميدان موقفاً
عظيماً ، قد يستنكره كثير ممن يدعي أنه منسوب إليه ومحسوب عليه ، ثم يكيل
الحكم بالتكفير جزافاً لكل من خالف طريقته ونبذ فكرته ، وها هو الشيخ محمد
ابن عبد الوهاب ينكر كل ما ينسب إليه من هذه التفاهات والسفاهات
والافتراءات فيقول ضمن عقيدته في رسالته الموجهة لأهل القصيم قال :
ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت
إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم ، والله يعلم أن الرجل
افترى علي أمورًا لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي .

فمنها : قوله : إني مبطل كتب المذاهب الأربعة ، وإني أقول : إن الناس من ستمائة
سنة ليسوا على شيء ، وإني أدعي الاجتهاد ، وإني خارج عن التقليد ، وإني أقول :
إن اختلاف العلماء نقمة ، وإني أكفر من توسل بالصالحين ، وإني أكفر
البوصيري لقوله : يا أكرم الخلق ، وإني أقول : لو أقدر على هدم قبة رسول الله
لهدمتها ، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزاا وجعلت لها ميزاباً من خشب ، 
وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما ، وإني أكفر ،  وإني أحرم زيارة قبر النبي
من حلف بغير الله ، وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي ، وإني أحرق دلائل الخيرات
وروض الرياحين ، وأسميه روض الشياطين .

وقبله ،   سبحانك هذَا بهتانٌ عظيم  : جوابي عن هذه المسائل : أن أقول
من ت محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى بن مريم ، ويسب الصالحين ،
ِإنما يفْترِي الْكَذب  : فتشات قلوم بافتراء الكذب ، وقول زور . قال تعالى
الآية ، توه صلى الله عليه وسلم بأنه يقول : إن   الَّذين لاَ يؤمنونَ ِبآيات اللّه
ِإنَّ الَّذين سبقَت َلهم منا  : الملائكة وعيسى وعزيرًا في النار ، فأنزل الله في ذلك

الْحسنى ُأوَلئك عنها مبعدونَ
أنظر الرسالة الأولى من الرسائل الشخصية ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ الإمام
محمد بن عبد الوهاب المنشورة باهتمام جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .

(القسم الخامس ص )
رسالة مهمة أخرى للشيخ في الموضع
هذه رسالة أرسلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى السويدي عالم من
أهل العراق ، وكان قد أرسل له كتاباً وسأله عما يقول الناس فيه ، فأجابه ذه
الرسالة : قال فيها :

إن إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه فضلاً عن أن يفتريه مما قلتم : أنني
أكفر جميع الناس إلا من اتبعني ، ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل ، وهل
يقول هذا مسلم ؟ .

لهدمتها ، وفي دلائل الخيرات  وما قلتم : لو أنني أقدر على هدم قبة النبي
بأي النظم كان ، فهذا من البهتان ،  وحرمته ، وأى عن الصلاة على النبي
والمسلم لا يظن من قلبه أجلّ من كتاب الله .

وفي صحيفة ٦٤ من نفس الكتاب قال رحمه الله : وما قلتم : أنني أكفر من
توسل بالصالحين ، وأكفر البوصيري لقوله : يا أكرم الخلق ، وأنكر زيارة قبر النبي
وأنكر زيارة قبور الوالدين وغيرهم ، وأكفر من حلف بغير الله . ، 
جوابي على ذلك أقول : سبحانك هذا تان عظيم .

أنظر القسم الخامس – الرسائل الشخصية ص ٣٧ من مجموعة مؤلفات الشيخ

المقال التالي المقال السابق