الاستعانة والتوجه بالطلب للنبي

الاستعانة والتوجه بالطلب للنبي
ذكرنا فيما تقدم أننا نعتقد اعتقادًا جازماً لا شك فيه ولا ريب أن الأصل
في الاستعانة والاستغاثة والطلب والنداء والسؤال هو أن يكون لله سبحانه وتعالى
وقَالَ ربكُم ادعوِني َأستجِب  : فهو المعين والمغيث وايب ، يقول الله عز وجل
فمن استعان بمخلوق أو استغاث به أو ناداه أو سأله أو طلبه سواء كان   َلكُم
حياً أو ميتاً معتقدًا أنه ينفع أو يضر بنفسه استقلالاً دون الله فقد أشرك ، لكن
الله أجاز للخلق أن يستعين بعضهم ببعض وأن يستغيث بعضهم ببعض ، وأمر
من استعين أن يعين ، ومن استغيث أن يغيث ومن نودي أن يجيب ، والأحاديث
على هذا كثيرة جدًا كلها تدل على إغاثة الملهوف وإعانة المحتاج وتفريج الكربات
أعظم من يستغاث به إلى الله سبحانه وتعالى في كشف الكربات  والنبي
وقضاء الحاجات .

فأي شدة أكبر من شدة يوم القيامة حين تطول الوقفة وتشتد الزحمة
ويتضاعف الحر ويلجم العرق من شاء الله ومع عظم هذه الشدة وبلوغها الغاية
وبينما هم كذلك :  فإن الناس يستغيثون إلى الله بخيرة خلقه كما قال الرسول
بلفظ الاستغاثة ، وهو ذا اللفظ في  استغاثوا بآدم ، الحديث ، وقد عبر فيه
صحيح البخاري .

ويستغيثون  وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يستعينون به
ويطلبون منه الشفاعة ويشكون حالهم إليه من الفقر والمرض والبلاء والدين والعجز
ويفزعون إليه عند الشدائد ويطلبون منه ويسألونه معتقدين أنه ليس إلا واسطة
وسبباً في النفع والضر والفاعل حقيقة هو ( الله ) .
] ] ]
أبو هريرة يشكو النسيان
أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه شكا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم النسيان لما يسمعه من حديثه الشريف وهو يريد

أن يزول عنه ذلك – فقال رضي الله عنه : يا رسول الله ! [إني أسمع منك حديثاً
:  كثيرًا فأنساه فأحب أن لا أنسى فقال
((ابسط رداءك)) فبسطه فقذف بيده الشريفة من الهواء في الرداء ثم قال :
ضمه فضمه ، قال أبو هريرة : فما نسيت شيئاً بعد .

. [ رواه البخاري في كتاب العلم باب حفظ العلم [رقم الحديث ١١٩
فها هو أبو هريرة يطلب منه عليه الصلاة والسلام عدم نسيان شيء وهو
مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل – فلم ينكره ولم يرمه بشرك ، لما يعلم كل أحد
أن الموحد إذا طلب شيئاً من ذوي الجاه عند الله فلا يريد منهم أن يخلقوا شيئاً ولا
هو معتقد فيهم شيئاً من ذلك وإنما يريد أن يتسببوا له بما أقدرهم الله عليه من
دعاء وما شاء الله من تصرف .

وها أنت ذا ترى أنه عليه الصلاة والسلام أجابه إلى مطلبه ، ولم يرد أنه دعا
له في هذه القصة ، وإنما غرف له من الهواء ، وألقاه في الرداء وأمره فضمه إلى
صدره فجعل الله ذلك تفضلاً سبباً لقضاء حاجته .
وكذلك لم يقل له عليه الصلاة والسلام : مالك تسألني والله أقرب إليك
مني ؟ لما هو معلوم عند كل أحد أن المعول عليه في قضاء الحوائج من بيده
مقاليد الأمور إنما هو أقربية الطالب منه عز وجل وكمال مكانته عنده .

قتادة يستغيث به لإصلاح عينه :
وقد ثبت أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه فسالت حدقته على وجنته
فأرادوا أن يقطعوها ، فقال : لا حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فاستأمره ، فقال : لا ، ثم وضع راحته على حدقته ثم غمزها فعادت كما كانت
فكانت أصح عينيه .

رواه البغوي وأبو يعلى وأخرجه الدارقطني وابن شاهين والبيهقي في الدلائل ، ونقلها
الحافظ ابن حجر في الإصابة (ج ٣ ص ٢٢٥ ) ، والحافظ الهيثمي في مجمع
الزوائد (ج ٤ ص ٢٩٧ ) ، والحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى

وآخر يستعين به في زوال سلعته :
عن محمد بن عقبة بن شرحبيل عن جده عبد الرحمن عن أبيه قال : أتيت
وبكفي سلعة فقلت : يا نبي الله ! هذه السلعة قد أورمتني  رسول الله
لتحول بيني وبين قائم السيف أن أقبض عليه وعن عنان الدابة ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم :
((أدن مني)) ..

قال : فدنوت ففتحها فنفث في كفي ثم وضع يده على السلعة فما زال يطحنها
بكفه حتى رفع عنها وما أرى أثرها .
. ( رواه الطبراني وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٨ ص ٢٩٨
والسلعة (دمل) تظهر تحت الجلد .

معاذ يطلب منه إصلاح يده :
وفي يوم بدر ضرب عكرمة بن أبي جهل معاذ بن عمرو بن الجموح على
عاتقه أثناء القتال يقول معاذ : فضرب يدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني
القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها
قدمي ثم تمطيت عليها حتى طرحتها .
قال في المواهب : وجاء معاذ بن عمرو يحمل يده ، وضربه عليها عكرمة ،
كما ذكر القاضي عياض عن ابن وهب ، فبصق عليه ،  إلى رسول الله
الصلاة والسلام عليها فلصقت .

ذكر هذه القصة الزرقاني وأسندها إلى ابن إسحاق ومن طريقه الحاكم .
الاستعانة والاستغاثة به إلى الله في البلاء :
وقد استفاضت النصوص الصحيحة التي تنطق بأم كانوا إذا أصام
القحط وانقطع عنهم المطر فزعوا إليه مستشفعين متوسلين طالبين مستغيثين به إلى
الله فيعرضون عليه حالهم ويشكون ما نزل م من البلاء والشر .
فهذا أعرابي يناديه وهو صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ويقول :
(( يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فدعا
الله وجاء المطر إلى الجمعة الثانية ، فجاء وقال : يا رسول الله دمت البيوت

فانجاب  وتقطعت السبل وهلكت المواشي .. يعني من كثرة المطر فدعا
السحاب وصار المطر حول المدينة)) ..
(رواه البخاري في كتاب الاستسقاء باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء
إذا قحطوا) .

وروى أبو داود بسند جيد عن عائشة رضي الله عنها قالت شكا الناس إلى
رسول الله قحوط المطر .
رواه أبو داود في كتاب الصلاة أبواب الإستسقاء .
وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أنس ، بسند ليس فيه متهم بالوضع وانظر
. ( فتح الباري (ج ٢ ص ٤٩٥
فقال : يا رسول الله ! أتيناك  عن أنس بن مالك أن أعرابياً جاء إلى النبي
ومالنا بعير يئط ، ولا صبي يغط ، ثم أنشد :

أتيناك والعذراء يدمى لباا
وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفيه الفتى استكانة
من الجوع ضعفاً ما يمر ولا يحلى
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا
سوى الحنظل العامي والعلهز الغسل
وليس لنا إلا إليك فرارنا
وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
فقام يجر رداءه حتى صعد المنبر فرفع يديه فقال :
((اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً غدقاً طبقاً نافعاً غير ضار عاجلاً غير
رائث تملأ به الضرع ، وتنبت به الزرع ، وتحيي به الأرض بعد موا . قال فما
يديه حتى ألقت السماء بأردافها ، وجاء الناس يضجون  رد رسول الله
حوالينا ولا علينا)) ..

فانجاب السحاب عن المدينة .
الإغاثة والنفع ونحوهما – إلى الغيث على سبيل  فانظر كيف أسند
ااز في الإسناد ، وكيف أقر الشاعر على قوله وليس لنا إلا إليك فرارنا – البيت
قوله تعالى :  ولم يعده مشركاً – لأن القصر فيه إضافي ، وهل كان يخفى عليه
وقد أنزلت عليه . ،   فَفروا ِإَلى اللَّه 
والمعنى أن الفرار المرجو نفعه المؤكد – إليك لا إلى من دونك ، وإلى
الرسل لا إلى من دوم – فإن المرسلين أعلى من م يتوسل إلى الله عز وجل ،
وأعظم من يقضي الله الحوائج على أيديهم للملتجئين إليهم والمستغيثين وتأمل جيدًا
بما أنشده هذا الشاعر ، وشدة سرعته إلى نجدم وإغاثتهم  – تأثره الشديد
حيث قام إلى المنبر يجر رداءه – ولم يتمهل حتى يصلحه استعجالاً لإجابة داعيه ،
وإسراعاً إلى إغاثة مناديه ، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام .

هو ركننا وعصمتنا وملاذنا  النبي
ولقد ناداه حسان بن ثابت ووصفه بأنه الركن الذي يعتمد عليه والعصمة
الذي يلجأ إليه ، فقال :
يا ركن معتمد وعصمة لائذ
وملاذ منتجع وجار مجاور
يا من تخيره الإله لخلقه
فحباه بالخلق الزكي الطاهر
أنت النبي وخير عصبة آدم
يا من يجود كفيض بحر زاخر
ميكال معك وجبرئيل كلاهما
مدد لنصرك من عزيز قادر
. (٩١/ ٢٦٤ ) والروض الأنف : ( ٢ / أنظر الإصابة : ( ١

حمزة فاعل الخيرات وكاشف الكربات
باكياً  عند ابن شاذان من حديث ابن مسعود : ما رأينا رسول الله
قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته
وأسد الله  وانتحب حتى نشغ من البكاء يقول : يا حمزة يا عم رسول الله
وأسد رسوله يا حمزة يا فاعل الخيرات يا حمزة يا كاشف الكربات يا ذاب عن وجه
. ( رسول الله – من المواهب اللدنية (ج ١ ص ٢١٢
لا فرق بين الحياة والموت :
وشكوى الحال إليه وطلب الشفاعة  فإن قال قائل : إن الاستغاثة به
والعون منه وكل ما يكون في هذا الباب إنما يصح في حياته ، أما بعد موته فهو
كفر وربما تسامح فقال : (غير مشروع) أو قال : (لا يجوز) .

فنقول : إن الاستغاثة والتوسل إن كان المصحح لطلبها هو الحياة كما يقولون
فالأنبياء أحياء في قبورهم وغيرهم من عباد الله المرضيين .
بعد  ولو لم يكن للفقيه من الدليل على صحة التوسل والاستغاثة به
وفاته إلا قياسه على التوسل والاستغاثة به في حياته الدنيا لكفى فإنه حيي الدارين
دائم العناية بأمته ، متصرف بإذن الله في شؤوا خبير بأحوالها تعرض عليه
صلوات المصلين عليه من أمته ويبلغه سلامهم على كثرم .

ومن اتسع علمه بشئون الأرواح وما جعلها الله عليه من الخصائص لا سيما
العالية منها اتسع قلبه للإيمان بذلك فكيف بروح الأرواح ونور الأنوار نبينا عليه
الصلاة والسلام .

ولو كان طلب الشفاعة أو الاستغاثة أو التوسل به عليه الصلاة والسلام
شركاً وكفرًا – كما توهموه – لما جاز في حال من الأحوال لا في الحياة الدنيا ولا في
الحياة الأخرى لا يوم القيامة ولا قبلها فإن الشرك ممقوت عند الله في كل حال .
]
المقال التالي المقال السابق