الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

الملكية العامة

الملكية العامة
ثامنـــــــــاً الملكية العامة

إن الملكية العامة من المفاهيم الإسلامية وليست من المفاهيم الرأسمالية أو الاشتراكية التي هي بمعنى الدولية. بل هي ملكية عامة لأمة واحدة تحكمها دولة واحدة لا يفصل بين شعوبها حد ولا يحول دون لقائهم وتجوالهم في أقطارهم وضع، فكل واحد من الرعية له الحق في أن ينتفع بالملكية العامة كغيره من الناس

اسم الكتاب: التبصرة
اسم المؤلف: يوسف سباتين
التصنيف: رأي حزب التحرير

الفهرست



ثامنـــــــــاً الملكية العامة

الملكية العامة هي إذن الشارع للجماعة بالاشتراك في الانتفاع بالعين، والأعيان التي تتحقق فيها الملكية العامة هي الأعيان التي نص الشارع على أنها للجماعة مشتركة بينهم، ومنع من أن يحوزها الفرد وحده، وهذه تتحقق في أنواع ثلاثة، هي:

1- ما هو من مرافق الجماعة بحيث إذا لم تتوفر لبلدة أو جماعة تفرقوا في طلبها.
2- المعادن التي لا تنقطع.
3- الأشياء التي طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الفرد من حيازتها.

أما ما هو من مرافق الجماعة فهو كل شيء يعتبر من مرافق الناس عموماً، وقد بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث من حيث صفتها لا من حيث عددها، فعن أبي خراش عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار)، رواه أنس من حديث ابن عباس فيه: (وثمنه حرام). وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمنع الماء والكلأ والنار). وفي هذا دليل على أن الناس شركة في الماء والكلأ والنار، وأن الفرد يمنع من ملكيتها.

والرسول صلى الله عليه وسلم أباح الماء في الطائف وخيبر للأفراد أن يمتلكوه، وامتلكوه بالفعل لسقي زروعهم وبساتينهم، فلو كانت الشركة للماء من حيث هو لا من حيث صفة الاحتياج إليه لما سمح للأفراد أن يمتلكوه. فمن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار) ومن إباحته للأفراد أن يمتلكوا الماء، تستنبط علة الشراكة في الماء والكلأ والنار، وهي كونه من مرافق الجماعة، وهي التي لا تستغني عنها الجماعة، فيكون الحديث ذكر الثلاث ولكنها معللة لكونها من مرافق الجماعة، وعلى ذلك فإن هذه العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فكل شيء يتحقق فيه كونه من مرافق الجماعة يعتبر ملكاً عاماً، سواء أكان الماء والكلأ والنار أم لا. وضابط ما هو من مرافق الجماعة هو أنه كل شيء إذا لم يتوفر للجماعة تفرقت في طلبه، كمنابع المياه، وأحراش الاحتطاب، ومراعي الماشية، وما شابه ذلك.

أما المعادن فهي قسمان: قسم محدود المقدار، وقسم غير محدود المقدار،
أما الأول فيملك ملكية فردية ويعامل معاملة الركاز وفيه الخمس، فعن عمرو بن شعيب المزني سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن اللقطة توجد في الطريق العامر أو قال الميثاء- أي طريق مسلوكة يأتيها الناس، فقال: عرّفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فهي لك، قال: يا رسول الله فما يوجد في الخراب العادي؟ قال: فيه وفي الركاز الخمس.

وأما الثاني فهو في غير المحدود المقدار الذي لا يمكن أن ينفد، فإنه ملكية عامة، ولا يجوز ملكه فردياً، لما روي عن أبيض بن حمال أنه استقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الملح بمأرب، فلما قيل: يا رسول الله؛ أتدري ما أقطعته له؟ إنما أقطعت له العِدّ. قال: فرجعه منه. وفي رواية عن عمرو بن قيس المأربي قال: استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم معدن الملح بمأرب فأقطعنيه، فقيل: يا رسول الله؛ إنه بمنزلة الماء العِدّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلا إذن).
فلما كان الملح من المعادن فإن رجوع الرسول عن إقطاعه لأبيض يعتبر علة لعدم ملكية الفرد وهو كونه معدناً لا ينقطع، وليس كونه ملحاً لا ينقطع، ومن هذا الحديث يتبين أن علة المنع في عدم إقطاع معدن الملح كونه عِدّاً، أي لا ينقطع، ويتبين من رواية عمرو بن قيس أن الملح هنا معدن، حيث قال: (معدن الملح). ويتبين من استقراء كلام الفقهاء أنهم جعلوا الملح من المعادن، فيكون الحديث متعلقاً بالمعادن لا بالملح، فيشمل المعادن كلها، الظاهرة وغير الظاهرة، والسائلة والجامدة، كالملح والياقوت والكحل والذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والنفط ومشاكلها.

أما الأشياء التي طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الفرد بحيازتها فهي الأعيان التي تشتمل على المنافع العامة، وهي وإن كانت من المرافق العامة إلا أن طبيعتها أنه لا يتأتى فيها أن يملكها الفرد، بخلاف القسم الأول أي المرافق العامة، فإنه يتأتى أن يملكه الفرد، ولهذا فإن هذا القسم وإن كان دليله انطباق العلة الشرعية عليه، وهي كونه من مرافق الجماعة فإن حقيقة واقعه تدل على أنه ملكية عامة، وهذا يشمل الطرق والأنهار والبحار والبحيرات، والأقنية العامة، والخلجان والمضائق ونحوها، كما يشمل المساجد والمدارس للدولة ومستشفياتها والملاعب والملاجىء ونحوها.

ولما كانت قناة السويس من الممرات العامة فهي ملكية عامة، ينطبق عليها ما ينطبق على الملكية العامة، ولكن الدكتور يعلق على هذا الرأي ويقول: إن حزب التحرير يقول إن الممرات المائية بما فيها قناة السويس ممرات عامة، وأنه لا يجوز منع أية ناقلة من المرور فيها، ولكنه لم يُشِرْ إلى مكان هذا الرأي؛ إن كان موجوداً في كتاب أو نشرة كما هي عادته أن يذكر الكتاب والصفحة، ويذكر النشرة وتاريخ صدورها، وإنما ذكر هذه العبارة بصدد إنكاره على الحزب جواز دفع غرامة مادية لدولة كافرة، ففهم أنه يعتبر الرأي رأياً خاطئاً، ولكن ما ذنب الحزب إذا كان هو –أي الدكتور- يفهم الأمور على طريقته الخاصة، ويضيف لها ما ليس منها لتسعفه على الانتقاد الكاذب.

نعم إن الحزب يقول بأن قناة السويس من الممرات العامة، ولكنه لا يقول بعدم منع أية ناقلة من المرور بالقناة بحجة أن القناة ملكية عامة، لا يقول ذلك لأن الملكية العامة ليست كما فهمها الدكتور، بأنها ملكية عامة لجميع الشعوب والأمم.

إن الملكية العامة من المفاهيم الإسلامية وليست من المفاهيم الرأسمالية أو الاشتراكية التي هي بمعنى الدولية. بل هي ملكية عامة لأمة واحدة تحكمها دولة واحدة لا يفصل بين شعوبها حد ولا يحول دون لقائهم وتجوالهم في أقطارهم وضع، فكل واحد من الرعية له الحق في أن ينتفع بالملكية العامة كغيره من الناس الذين يحملون التابعية للدولة. أما من ليسوا من رعايا الدولة فينظر، فإن كانوا داخل بلاد المسلمين ودخلوا بإذن الدولة فيسمح لهم بالارتفاق بالمرافق العامة بالقدر الذي حُدّد لهم في إذن الدخول، وأما إن كانوا خارج بلاد المسلمين فيمنعون من الإرتفاق بها إلا إذا أذنت لهم الدولة بالدخول وبالقدر الذي حدّده الإذن. فإن دخلوا بغير إذن الدولة فليسوا آمنين على أرواحهم ولا على أموالهم، سواء أكانت الممرات مائية أم برية أم جوية، وإذن فمعنى الملكية العامة هي أنها ملكية عامة للأمة الإسلامية ضمن حدود الدولة الإسلامية الواحدة، وليست ملكية عامة لجميع الشعوب والأمم. فالبترول في بلاد المسلمين ملكية عامة فقط للمسلمين، ولا يعني أن كونه ملكية عامة للأمريكان أن ينتفعوا به ولا يمنعون لا هم ولا غيرهم من الانتفاع به، وقناة السويس جزء من بلاد المسلمين فهي ملكية عامة لجميع رعايا الدولة الإسلامية، فلا يمنع أحد من رعاياها من المرور بها، ولكن كونه ملكية عامة لا يعني أنه لا يمنع اليهود والفرنسيون من المرور بها، بل يمنع كل من ليس من رعايا الدولة من المرور بها إلا بإذن، والحزب حينما يقول: لا يجوز منع أية ناقلة من المرور بها، يعني أية ناقلة للمسلمين أو لمن هم رعية من رعايا الدولة الإسلامية، وليس أية ناقلة، بدليل أن الملكية العامة مفهوم إسلامي وليس مفهوماً بالمعنى الدولي، أي بمعنى أنها مياه دولية.

عن الكاتب

Ustadz Online

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية