الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

الفصل الثالث أقسام الطلاق

الفصل الثالث أقسام الطلاق

الفهرس



الفصل الثالث أقسام الطلاق


المبحث الأول: الطلاق من حيث صفته.

ينقسم الطلاق من حيث صفته إلى قسمين: سني وبدعي وعلى هذا جمهور الفقهاء خلافاً للأحناف الذين قسموا السني إلى حسن وأحسن وقبل الحديث عن كل قسم من هذين القسمين نذكر تعريف السنة والبدعة:

تعريف السنة:

السنة في اللغة تطلق على السيرة والطريقة حسنة كانت أو سيئة قال :من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ" .
وفي اصطلاح الفقهاء ماثبت عن رسول الله  من غير افتراض ولا وجوب وتقابل الواجب وغيره من الأحكام الخمسة وقد تطلق عندهم على مايقابل البدعة.

تعريف البدعة:

البدعة في اللغة هي اختراع الشئ على غير مثال.
وتعرف كذلك بالحدث في الدين بعد الإكمال ومنه حديث رسول الله  "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة" .
وشرعاً تطلق في مقابل السنة وعند الحنفية هي اعتقاد خلاف المعروف عن الرسول  لا بمعاندة بل بنوع شبهة وقال الحسين الصنعاني هي الذهاب إلى قول لم يدل عليه دليل


المطلب الأول: طلاق السنة.

أولاً: تعريفه.

لا يعني الفقهاء بالطلاق السني ما يقابل الفرض أو الواجب أي أنه سنة فلم يقل بذلك أحد من أهل العلم حتى الذين صاروا إلى أن حكم الطلاق عامة الإباحة ولكن يعنون بالسني ما وافق سنة رسول الله  وهديه في طريقة إيقاعه.

ثانياً: صورته.

أن يطلق الزوج امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة واحدة ويتركها حتى تنقضي عدتها فتصير هذه الطلقة الرجعية طلقة واحدة بائنة بعد انقضاء عدتها وتبين المرأة من زوجها بينونة صغرى إن لم تكن هذه الطلقة مكملة للطلاق الثلاث وبهذا يكون الطلاق السني من ناحية العدد أن يوقع عليها طلقة واحدة ومن ناحية الزمان أن لا تكون حائضاً أو حاملاً مستيقناً حملها أو في طهر جامعها فيه أو نفساء فقد ألحق العلماء النفساء بالحائض . وبهذا جاءت الأدلة من الكتاب والسنة ففي سورة الطلاق يقول سبحانه: ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة . وفي صحيحي البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر  أن عبدالله بن عمر  طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله  فسأل عمر بن الخطاب  رسول الله  عن ذلك فقال رسول الله  مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" وهذا بيان لقوله تعالى": ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ،وورد عن ابن مسعود  قال: طلاق السنة تطليقة وهي طاهر في غير جماع فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى ثم تعتد بعد ذلك بحيضة" وهو بهذا يقصر العدة على المرأة فيقل تضررها من الطلاق.

ثالثاً: حكمه.

لا خلاف بين أهل العلم أن الطلاق السني يقع وذلك إذا استوفى بقية شروطه التي ذكرها الفقهاء لوقوع الطلاق سواء الخاصة منها بالزوج أو بالزوجة أو الصيغة.


المطلب الثاني: طلاق البدعة.

أولاً: تعريفه.

الطلاق البدعي هو ما خالف السنة في طريقة وقوعه.

ثانياً: صورته.

وصوره خلاف بين العلماء في بعضها نتحدث عنها عند الحديث عن حكم كل صورة على حدة وهي:
1. أن يطلق الرجل زوجه في طهر جامعها فيه.
2. أن يطلقها في حالة الحيض أو النفاس.
3. أن يطلقها أكثر من طلقة واحدة في مجلس واحد أو ثلاثاً بكلمة واحدة .

ثالثاً: حكمه.

لا خلاف بين أهل العلم على أن الطلاق البدعي حرام وأن فاعله آثم ولكن هل تجب عليه عليه مراجعة زوجه؟ ذهب الأحناف إلى وجوب مراجعتها في الأصح عندهم ، وذهب المالكية إلى تقسيم البدعي إلى حرام ومكروه فالحرام عندهم ما وقع في الحيض أو النفاس من الطلاق مطلقاً والمكروه ما وقع في غير الحيض والنفاس كما لو أوقعها في طهر جامعها فيه وعلى هذا فعند المالكية يجبر المطلق في الحيض والنفاس على الرجعة رفعاً للحرمة ولا يجبر غيره على الرجعة وإن كان بدعياً . وذهب الحنابلة إلى استحباب الرجعة فنص صاحب المغني على ذلك بقوله: "ويستحب أن يراجعها لأمر النبي  بمراجعتها وأقل أحوال الأمر الاستحباب ولأنه بالرجعة يزيل المعنى الذي حرم الطلاق ولا يجب ذلك في ظاهر المذهب وهو قول الثوري والأوزاعي والشافعي وابن أبي ليلى" ، وهذا كله أن كان الطلاق الأول أو الثاني أما إذا كان الطلاق الثالث فقد ذهب جمهور الفقهاء أنه لا يحل مراجعتها حتى تنكح زوجاً غيره كما سيأتي. ولكن هل يقع طلاق البدعة؟ أم لا خلاف بين العلماء سنبينه في كل صورة من صوره.

المسألة الأولى طلاق الرجل زوجته وهي حائض أوالنفساء أو في طهر جامعها فيه.
قال الإمام النووي :"أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض" ،وجاء في مواهب الجليل " أن الطلاق في الحيض حرام بالاجماع" ،وقال صاحب المغني فإن طلق للبدعة وهو أن يطلقها حائضاً أو في طهر أصابها فيه أثم" .

حكمة تحريم طلاق الحائض:

والحكمة من تحريم الطلاق في الحيض يرجع إلى أمرين: الأمر الأول لئلا تطول عدة المرأة المطلقة وفي إطالتها ضرر عليها والأمر الثاني لغرض التأكد من أن الطلاق كان لحاجة الزوج إليه وليس مرده إلى نزوة طارئة وغضب سريع وقرار متعجل وبيان ذلك أن الرجل عادة لا يميل إلى زوجه وهي حائض الميل الطبيعي المعتاد نظراً لحرمة وطئها في الحيض وربما يدعوه ذلك إلى العجلة في تطليقها لأتفه الأسباب ولأقل غضب ولذلك استثنى جمهور العلماء من حظر طلاق المرآة في الحيض حالات هي :

1. غير المدخول بها لأنها لاعدة عليها فيكون طلاقها على أي حال لقوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ، ولقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها . قال ابن عبد البر:" أجمع العلماء أن طلاق السنة إنما في المدخول بها أما غير المدخول بها فليس لطلاقها سنة ولا بدعة إلا في عدد الطلاق على أختلاف بينهم فيه" .

2. كما استثنى الخلع عند من يرى أنه طلاق لحديث ابن عباس  أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي  فقالت يا رسول الله ثابت ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله :"أتردين عليه حديقته قالت: نعم فقال رسول الله : أقبل الحديقة وطلقها تطليقة" ، ووجه الاستشهاد بالحديث أن رسول الله  لم يسألها أهي حائض أم لا فدل على جواز الخلع في الحيض والطهر وذلك لأن المرأة هي التي تطلب الخلع وتسعى إليه وقد جاء في مغني المحتاج في فقه الشافعية "ويجوز خلعها في الحيض والنفاس لا طلاق قوله تعالى: فلا جناح عليهما فيما افتدت به ولحاجتها إلى الخلاص بالمفارقة حيث افتدت بالمال" .

3. واستثنوا كذلك تطليق القاضي في الإيلاء إذا رفض الزوج الفيء قبل مضي مدة الايلاء وهي أربعة أشهر ووقع تطليق القاضي حال الحيض لعموم قوله تعالى: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإذا فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم .

حكم طلاق الحائض:

وهل يقع الطلاق أم لا ؟ هذه المسألة من المسائل التي سار حولها جدل كثير بين مثبت لوقوع الطلاق ونافِ له وامتحن بسببها أئمة كبار وعلماء عظام والخلاف طويل وقد أسهب كثير من العلماء في تحريره وجمع أدلته وايضاح ما استشكل منها كالسيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير الذي له مصنف حافل وللإمام الشوكاني رسالة ذكر فيها أدلة الطرفين وما يرجح منها اضافة إلى ماذكره في كتابه نيل الأوطار هذا بالإضافة إلى ما كتبه ابن حزم وابن تيمية وابن القيم.

وخلاصة المسألة يعود إلى قولين:

القول الأول:

ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية وغيرهم إلى وقوعه واستدلوا بما يلي:
1. الطلاق في الحيض داخل تحت عموم قوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ، وقوله تعالى" والمطلقات يتربص بأنفسهن ثلاثة قروء ، وحجتهم في ذلك أن الآيات لم تفرق بين مطلقة في حيض وبين مطلقة في طهر وكذلك العموميات الأخرى الواردة في القرآن الكريم بشأن المطلقات يدخل فيها المطلقات في الحيض إذ لا يجوز إخراج بعض المطلقات من هذا العموم الوراد في هذه الآيات إلا بنص أو اجماع ولا يوجد نص ولا اجماع في أخراج المطلقات في الحيض من هذا العموم" .

2. أمر النبي  أن يراجع عبدالله بن عمر  زوجه ولو لم يقع الطلاق لم يأمره بإرجاعها وكذلك تصريح عبدالله بن عمر في بعض الروايات أنها حسبت طلقة فعن ابن عمر  أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله  فسأل عمر بن الخطاب  رسول الله  عن ذلك فقال رسول الله : مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهرثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله سبحانه أن تطلق لها النساء" وفي لفظ للبخاري قال ابن عمر: حسبت عليّ تطليقة" .

3. كون الطلاق في الحيض محرماً لا يمنع ترتيب أثره وحكمه عليه والدليل على ذلك أن الظهار وبه تقع الفرقة بين الزوجين وصفه القرآن الكريم بأنه منكر من القول وزور وهو محرم بلا شك ومع ذلك فإن أثره يترتب عليه وهو تحريم الزوجة إلى أن يعطي المظاهر الكفارة فكذلك الطلاق البدعي كالطلاق في الحيض هو محرم ولكن يترتب عليه أثره إلى أن تحصل الرجعة فيه وكذلك طلاق الهازل يقع مع أن الهزل فيه محرم" .

4. الطلاق في الحيض طلاق من مكلف في محل الطلاق فيقع كطلاق الحامل ولأنه ليس بقربة فيعتبر لوقوعه موافقة السنة بل هو إزالة عصمة وقطع ملك فإيقاعه في زمن البدعة أولى تغليظاً عليه وعقوبة له أما غير الزوج فلا يملك الطلاق والزوج يملكه بملكه محله .

القول الثاني:

وأصحاب هذا القول يرون أن من طلق امرأته وهي حائض أو في طهر جامعها فيه فإن طلاقه لا يقع وإلى هذا القول ذهب الإمام الباقر والصادق والناصر وطاووس وسعيد بن المسيب وابن علية وابن حزم وابن تيمية وابن القيم والشوكاني ومحمد بن الوزير ومحمد بن اسماعيل الصنعاني

وقد أستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي:

1. قول الله سبحانه وتعالى ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقهن لعدتهن والطلاق حال الحيض أو الطهر الذي جامعها فيه ليس طلاقاً للعدة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها ومما هو مقرر عند الأصوليين أن الأمر بالشئ نهي عن ضده.

2. قوله تعالى: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ومن أن المعلوم أن الطلاق في الحيض أو في الطهر الذي جامع الرجل زوجه فيه ليس من الاحسان للمرأة بل هو إساءة لها وضرر بها حيث تطول عدتها.

3. أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن ابن عمر بلفظ "طلق عبدالله بن عمر امرأته وهي حائض قال عبدالله فردها عليّ رسول الله  ولم يرها شيئاً وهو حديث صحيح.

4. حديث الإمام مسلم عن عائشة  أن رسول الله  قال:" من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" والطلاق في حال الحيض مخالف لأمر الشرع فيكون مردوداً لا أثر له.

5. روى ابن حزم في المحلى بإسناده عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر  أنه قال في رجل طلق امرأته وهي حائض قال ابن عمر لا يعتد بذلك . وروى عبدالرازق في مصنفه عن ابن جريح عن ابن طاووس عن أبيه أنه قال: كان لا يرى طلاقاً ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة وكان يقول وجه الطلاق أن يطلقها طاهراً من غير جماع وإذا استبان حملها.

الأختيار في المسألة:

من الواضح خلال البحث أن المسألة أخذت جدلاً كبيراً ومناقشات بين العلماء وحاول كل فريق اثبات حجيتة وأدلتة وابطال أدلة الآخرين والرد عليها وجار آخرون في المسألة حتى أن عالماً كبيراً كالإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني يتردد بين إيقاع الطلاق وعدمه حتى تستقر عنده الفتوى بعدم وقوع الطلاق يقول الصنعاني: وقد كنا نفتي بعدم الوقوع وكتبنا فيه رسالة وتوقفنا مدة ثم رأينا وقوعه ثم أنه قوى عندي ما كنت أفتي به أولاً من عدم الوقوع لأدلة قوية سقتها في الرسالة سميناها الدليل الشرعي في عدم وقوع الطلاق البدعي. .

وهذا الرأي يتناسب مع الأتجاه إلى التضييق في إيقاع الطلاق حفاظاً على الكيان الأسري من الضياع والتفكك فلا يزال النكاح إلا بيقين من كتاب أو سنة أو اجماع وليس ثمة أدلة يقينية تزيل عقد النكاح الذي عُقد بيقين وليس ثمة اجماع في المسألة يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تقدم من حكاية النزاع ما يعلم معه بطلان دعوى الإجماع

المسألة الثانية: حكم الطلاق الثلاث في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات.

تقدم أن طلاق السنة هو أن يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يمسها فيه ثم يتركها حتى تنقضي عدتها فإذا جمع الرجل الطلقات الثلاث في كلمة واحدة مثل أن يقول لها أنت طالق ثلاثاً أو في كلمات كأن يقول لها أنت طالق أنت طالق أنت طالق أو أنت طالق وطالق وطالق أو ماشابه ذلك وكان في طهر واحد يكون قد خالف السنة ويكون بدعياً في قول الحنفية والمالكية وابن تيمية وابن القيم ولايكره ذلك عند الشافعية والحنابلة في الراجح من الروايات وكذا عند أبي ثور وداود الظاهري وإنما يكون تاركاً للأفضل ولكن هل يقع الطلاق أم لا ثمة آراء أربع في المسألة:

الرأي الأول:

لا يقع ولا يلزم منه شئ وهو منقول عن بعض المعتزلة والشيعة وبعض الظاهرية وقد أستدل هؤلاء بالأدلة نفسها التي أستدل بها على عدم وقوع الطلاق في الحيض لأن كلاً منها بدعي غير مشروع.

الرأي الثاني:

يقع ثلاث طلقات سواء كانت المرأة مدخول بها أم لا وإلى ذلك ذهب الجمهور ومنهم أئمة المذاهب الأربعة وبعض من الصحابة كأبي هريرة  وابن مسعود وابن عمرو وغيرهم وقد استدل هؤلاء بأدلة من الكتاب والسنة والآثار منها:

1. قوله تعالى:فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره .
2. وقوله تعالى : وإن طلقتموهن من قبل ان تمسوهن .
3. وقوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء .

ظاهر هذه الآيات أنها لم تفرق بين ايقاع الطلاق واحدة أو ثنتين أو ثلاث.

4. أخرج أبو داود في سننه أن ركانة بن عبديزيد طلق امرأته البتة فأخبر النبي  بذلك وقال والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول الله  والله ما أردت إلا واحدة فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله  فطلقها ثانية في زمان عمر بن الخطاب والثالثة في زمان عثمان" وهو يدل على أنه لو أراد الثلاث لوقعن.

الرأي الثالث:

يقع واحدة ولا تأثير للفظ وهو قول ابن عباس على الأصح وابن اسحاق وعطاء وعكرمة وطاووس كما أفتى به محمد بن أسحاق وحلاس بن عمرو وهو قول الزيدية وبعض الظاهرية وابن تيمية وابن القيم. وقد حكاه ابن المغيث في كتاب الوثائق عن علي وابن مسعود وعبدالرحمن بن عوف والزبير وحكاه أيضاً عن جماعة من مشايخ قرطبة ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة خالفوا بها جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وقد أطال بعض العلماء من أصحاب هذا الرأي في ذكر الأدلة وتفنيد حجج المخالفين لهم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهم وأدلة هؤلاء:

1. قوله تعالى: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أوتسريح بإحسان فهذه الآية دلت على أن الطلاق المشروع هو أن يكون مرة بعد مرة وعقب كل مرة يكون للزوج حق ارجاعها أما طلاقها الثلاثة فيجعلها تبين منه ولا يحل له ارجاعها حتى تنكح زوجاًغيره  فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره.

2. حديث ابن عباس  قال كان الطلاق على عهد رسول الله  وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر  طلاق الثلاث واحدة فقال عمر  إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناه فلوأمضيناه عليهم فأمضاه عليهم وفي رواية لمسلم عن طاووس أن أبا الحصباء قال لابن عباس أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله  وأبي بكر وثلاثاً من امارة عمر فقال ابن عباس نعم .
3. حديث ابن عباس  عن ركانة أنه طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً فسأله رسول الله  كيف طلقتها قال طلقتها ثلاثاً في مجلس واحد فقال رسول الله  انما تلك واحد فارتجعها.

الرأي الرابع:

وهو قول يفرق بين المرأة البكر التي لم يدخل بها زوجها وبين الثيب التي دخل بها زوجها فيوقعون على البكر واحدة وعلى المدخول بها ثلاثاً وهو قول جماعة من اصحاب ابن عباس وهو مذهب اسحاق بن راهويه فيما ذكره عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب أختلاف العلماء ، وأدلة هؤلاء:

1. قال أصحاب هذا الرأي أن غير المدخول بها لا عدة عليها بنص القرآن الكريم  يا ايها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً فإذا أوقع عليها ثلاث طلقات بانت منه بالأولى ويكون ما بعدها لغو لا أثر له يقول الإمام القرطبي في تفسيره:"وربما اعتلوا فقالوا غير المدخول بها لا عدة عليها فإذا قال أنت طالق ثلاثاً فقد بانت بنفس فراغه من قوله أنت طالق فيرد ثلاثاً عليها وهي بائن فلا يؤثر شيئاً ولأن قوله أنت طالق مستقل بنفسه فوجب ان لا تقف البينونة في غير المدخول بها على مايأتي بعد أنت طالق" .

2. روى أبو داوود عن طاووس أن رجلاً يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل ان يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله  وابي بكر وصدراً من خلافة عمر قال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله  وأبي بكر وصدراً من امارة عمر فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال أجيزوهن عليهم" وقد تمسك بهذه الرواية من ذهب إلى أن المطلقة ان كانت مدخول بها وقعت الثلاث وإن لم تكن مدخولاً بها فواحدة.

الاختيار في المسألة:

مع كثرة الآراء بين من يعد الطلاق الثلاث في مجلس واحد أو في كلمة واحدة طلاقاً واقعاً وتبين منه امرأته بينونة كبرى وبين من لا يراه شيئاً البتة ومن يراه في المدخول بها خلاف التي لم يدخل بها يأتي الرأي الوسط وهو أن الطلاق يقع طلقة واحدة ولا تأثير للفظ والعدد ويؤيد ذلك اضافة إلى ما ذكرنا من أدلة ما يأتي:

1. الاستشهاد بالأيات الكريمة التي سيقت للدلالة على وقوع الطلاق بحجة أن اطلاق القرآن الكريم للفظ الطلاق يشمل الواحدة والثنتين أو الثلاث دعوة غير مقبولة بل باطلة كما يقول الإمام ابن القيم إذ أن ذلك لا يعم جائزه ومحرمه كما لا يدخل تحته طلاق الحائض وطلاق الموطوءة في طهرها ومعلوم أن القرآن الكريم لم يدل على جواز كل طلاق وإنما دل على أحكام الطلاق والمبين عن الله تعالى بين حلاله وحرامه.

2. البدهي من لغة العرب أن وصف اللفظ بالعدد أنما هو أخبار عن وقوع الموصوف في الخارج بهذا اللفظ كما في قوله تعالى "فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله انه لمن الصادقين" فإنه لا يصح أن يقول أشهد بالله أربع شهادات بل يجب ان يكرر الشهادة أربع مرات وكذلك أمره  بالتسبيح والتحميد والتكبير دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة لا يصح أن يقول سبحان الله ثلاثاً وثلاثين وإنما يجب العدد سبحان الله سبحان الله. وهكذا من يقول لزوحه أنت طالق ثلاثاً لا يكون إلا مرة واحدة.


المبحث الثاني: الطلاق من حيث الأثر الناتج عنه.

ينقسم الطلاق من حيث الأثر الناتج على الحياة الزوجية إلى قسمين رجعي وبائن.


المطلب الأول: الطلاق الرجعي.

تعريفه: هو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقة إيقاعاً مجرداً عن أن يكون في مقابلة مال ولم يكن مسبوقاً بطلقة أصلاً أو كان مسبوقاً بطلقة واحدة .

والدليل عليه قوله تعالى: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان
وفي الآية بيان أن الطلاق المشروع يكون مرة بعد مرة وللزوج الحق أن يراجع زوجه بعد الطلقة الأولى او الثانية ما لم تنقضي عدتها والإمساك بالمعروف معناه مراجعتها ويقول الله سبحانه وتعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ارادوا اصلاحاً ، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله  قال لعمر حينما أخبره أن أبنه عبدالله طلق زوجه وهي حائض فقال له:"مره فليراجعها" .

شروط وقوع الطلاق الرجعي:

1. أن يكون في نكاح صحيح.

2. أن يكون الزوج قد بنى بزوجه التي أوقع عليها الطلاق لأن المطلقة قبل الدخول تبين من زوجها ولا عدة عليها لقوله تعالى: ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً .وعند الحنفية والمالكية والشافعية لا تقوم الخلوة الصحيحة مقام الدخول بالنسبة لحق الزوج في إرجاع زوجه إذا طلقها بعد الخلوة الصحيحة دون دخول بها حقيقة ولهذا يقع الطلاق عندهم في هذه الحالة طلاقاً بائناً وعند الحنابلة الخلوة الصحيحة تقوم مقام الدخول حتى لو أنه طلقها قبل الدخول بها لكن بعد الخلوة الصحيحة بها جاز له إرجاعها باعتبار أن طلاقه طلاق رجعي.

3. أن لا يكون الطلاق مقابل عوض من الزوجه لأنه يصير عندئذ خلعاً ولا يحق له مراجعتها إلا بموافقتها وبمهر جديد وعقد جديد كما في باب الخلع. قال صاحب المغني:" أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق الحرة بعد الدخول بها أقل من ثلاث بغير عوض ولا أمر يقتضي بينونتها فله عليها الرجعة ما كانت في عدتها" .

4. أن لا يكون مكملاً للثلاث ولأن الزوج من حقه إرجاع زوجه بعد الطلقة الأولى والثانية أما بعد الثالثة فلا يصح له حتى تنكح زوجاً غيره وهو الطلاق البائن كما سيأتي.

حكم الطلاق الرجعي:

1. للزوج حق ارجاع زوجه ما دامت في عدتها بدون عقد جديد لقوله تعالى: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك أن أرادوا اصلاحاً ولا يشترط في ذلك رضا الزوجة ولا علمها وإن استحب ذلك وتصح مراجعتها بالقول مثل أن يقول راجعتك أو بالفعل كالجماع ودواعيه.
2. الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية القائمة ما دامت الزوجة في العدة ففي الآية السابقة سمى الله تعالى المطلقات أزواجاً بعد الطلاق "وبعولتهن" ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الزوجية قائمة ولذلك جاء في المغني لابن قدامه قوله:"والرجعية يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه ولعانه مادامت في العدة ويرث أحدهما الآخر إذا حصلت وفاة أحدهما وهي في العدة وإن خالعها صح خلعه.
3. لا يحل بالطلاق الرجعي المؤجل من المهر لأحد الأجلين وإنما يحل ذلك بعد انقضاء العدة.

4. الطلاق الرجعي ينقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج على زوجه فإن الزوج يملك ايقاع ثلاث طلقات على زوجه فإن طلق واحدة احتسبت وبقيت له ثنتان وإن طلق الثانية احتسبت وبقيت له واحدة تبين بعدها.

مسألة:

لو أراد الزوج مراجعة زوجه من طلاق رجعي أثناء العدة فادعت أنقضاء عدتها نظر فإن كان الوقت الذي ادعت فيه تنقضي فيه العدة عادة قبل قولها لقوله تعالى" ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن أن كنَّ يؤمن بالله واليوم الآخر
فلولا أن قولها مقبول لما نهاهن الله تعالى عن الكتمان والمطالبة بإظهاره هنا هو الحيض والحمل كما نص على ذلك اهل العلم وان ادعت انقضاء العدة في مدة لا تنقضي فيها العدة حتى على أقل مدة عند الفقهاء فالقول عندئذ قول الزوج لظهور عدم صحة قولها.


المطلب الثاني: الطلاق البائن.

إذا لم يكن للزوج حق الرجعة سمى الطلاق بائناً وينقسم إلى قسمين: بائن بينونة صغرى وبائن بينونة كبرى.

أولاً:البائن بينونة صغرى.

تعريفه:
هو الطلاق الذي لا يملك الزوج فيه حق الرجعة إلا بعقد جديد ومهر جديد سواء كان أثناء العدة أم بعدها.

حالاته:

أ‌- الطلاق قبل الدخول إذ لا يملك الزوج في هذه الحالة إذا أراد أن يراجع زوجه إلا أن يعقد عليها عقداً جديداً ويسمي لها مهراً.

ب‌- الطلاق على عوض والمسمى في الفقه بالخلع لأن المرأة ما دفعت العوض إلا لتتخلص من قيد الزوجية وتملك أمر نفسها وبه لا يملك الزوج ارجاع زوجه إلا برضاها وعقد جديد ومهر جديد.

ت‌- بعض الحالات التي يفرق فيها القاضي كتفريق القاضي بسبب الشقاق بين الزوجين أو تضرر الزوجة من غيبة الزوج أو حبسه.
ث‌- المطلقة رجعياً إذا أنقضت عدتها ولم يراجعها زوجها.

حكمه:

أ‌- الطلاق البائن بينونة صغرى يزيل قيد الزوجية بمجرد وقوعه فتصبح الزوجة أجنبية عن زوجها فلا يحل له الاستمتاع بها ولا يرث أحدهما الآخر إذا مات أثناء العدة أو بعدها.

ب‌- لا يحتاج الطلاق البائن بينونة صغرى لمحلل بمعنى أنه لا يشترط لحلها لزوجها أن تنكح زوجاً غيره وإنما يكتفي بمهر جديد وعقد جديد.

ت‌- يحل بالطلاق البائن مؤخر الصداق المؤجل لأقرب الأجلين.

ث‌- لا يملك الزوج حق إرجاع زوجه إلا برضاها ومهر جديد وعقد جديد.

ج‌- ينقص الطلاق البائن بينونة صغرى عدد الطلقات التي يملكها الزوج على زوجه فإذا رجعت إليه بعقد جديد ومهر جديد عادت إليه بما بقى من الطلقات.

وقد اتفق الفقهاء على أن المطلقة الرجعية إذا اراد زوجها إرجاعها وكذلك البائن بينونة صغرى إذا عقد عليها زوجها عقداً جديداً قبل أن تتزوج بزوج آخر تعود إليه بما بقى له من الطلقات الثلاث واحدة أو اثنتين.

ثانياً: البائن بينونة كبرى.

تعريفه:

هو الطلاق الذي لا يملك الزوج فيه حق الرجعة إلا بعقد جديد ومهر جديد بعد أن تنكح زوجاً آخر ويدخل بها ثم يفارقها بموته أو بالطلاق وتنتهي عدتها.

حالاته:

يقع الطلاق بائناً بينونة كبرى إذا كان مكملاً الثلاث لقوله تعلى: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما أفتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره . ولقوله  لامرأة رفاعة وقد طلقها زوجها ثلاثاً وأرادت أن تعود إليه بعد أن تزوجت بآخر لكن دون معاشرة زوجية "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك وهذا القول كناية عن الوطء" .

حكمه:

يأخذ جميع أحكام الطلاق البائن بينونة صغرى التي ذكرت من قبل إلا أنه يزيل قيد الزوجية والحل أي أن الزوجة المطلقة ثلاثاً لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره ثم يفارقها بموت أو طلاق وتنقضي عدتها ثم إذا شاء زوجها الأول أن يعقد عليها برضاها كان له ذلك ولكن بعقد جديد ومهر جديد.

شروط النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثاً للزوج الأول:

أ‌- يشترط في النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثاً للزوج الأول أن يكون صحيحاً ظاهراً وباطناً بأن يكون مستوفياً لشروطه وأركانه وأن يكون المقصود منه اقامة البيت وتحقيق أغراض الزواج في الإسلام.

ب‌- اشترط جمهور الفقهاء الوطء فلا يكفي مجرد العقد الصحيح وذلك لحديث عائشة  أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها فتزوجت آخر فأتت النبي  فذكرت له أنه لا يأتيها وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب فقال لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"

مسألة الهدم.

إذا تزوجت المطلقة ثلاثاً "المبانة بينونة كبرى" ثم طلقت من زوجها وعادت إلى زوجها الأول بعد انقضاء عدتها فإنها تعود إليه بثلاث تطليقات يملكها عليها قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق زوجته ثلاثاً ثم انقضت عدتها ونكحت زوجاً أخر ودخل بها ثم فارقها وانقضت عدتها ثم نحكت زوجها الأول أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات.

أما المبانة بينونة صغرى إذا تزوجت ثم طلقها زوجها وعادت إلى زوجها الأول فقد أختلف أهل العلم في ذلك إلى أقوال ثلاث القول الأول وهو قول أبراهيم النخعي ان كان دخل بها الأخير فطلاق جديد ونكاح جديد وإن لم يكن دخل بها فعلى ما بقى . والقول الثاني: وهو قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمران بن الحصين وأبو هريرة ويروى ذلك عن زيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعبدالله بن عمرو بن العاص وبه قال عبيدة السلماني وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وسفيان الثوري وابن أبي ليلة والشافعي وأحمد واسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن نصر وهؤلاء يقولون أنها ترجع إليه بما بقى من طلاقها . والقول الثالث: قول ابن عمر وابن عباس وبه قال عطاء والنخعي وشريح والنعمان ويعقوب وهو أن الزواج جديد والطلاق جديد وقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال كان أصحاب عبدالله يقولون أيهدم الزوج الثلاث ولا يهدم الواحدة والاثنين. وهذا القول هو الأظهر في المسألة والله أعلم.


المبحث الثالث: الطلاق من حيث الصيغة المستعملة

ينقسم الطلاق من حيث الصيغة المستعملة إلى طلاق صريح وكنائي:


المطلب الأول الطلاق الصريح.

أولاُ معناه.

الطلاق الصريح هو الذي يكون بلفظ لا يحتمل غير الطلاق مثل أنت طالق ومطلقة باللغة العربية وكذلك الألفاظ التي تؤدي معنى الطلاق الصريح في اللغات الأخرى.

ثانيا ألفاظه.

ذهب الفقهاء إلى أن الألفاظ الصريحة في الطلاق هي مادة "طلق" وما اشتق منها لغة وعرفاً مثل طلقتك وأنت طالق وكذلك الالفاظ التي تؤدي معنى الطلاق الصريح في اللغات الأخرى وقد ذهب الشافعية إلى أن الصريح ثلاثة ألفاظ الطلاق والفراق والسراح وهي الألفاظ التي أستعملها القرآن الكريم في الحديث عن فرق الزواج.

ثالثاً حكمه.

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الطلاق يقع باللفظ الصريح دون حاجة إلى نية أو دالة حال وخالف الظاهرية فقالوا يقع الطلاق بلفظ الطلاق أو السرح أو الفراق إذا نوى به الطلاق فإن قال في شئ من ذلك كله لم أنو الطلاق صدق في الفتيا ولم يصدق في القضاء في لفظ الطلاق وما تصرف منه وصدق في سائر ذلك في القضاء أيضاً ولعل هذا ما يتفق مع ما ذكرنا سابقاً من حيث اشتراط النية والقصد في الطلاق لقوله تعالى:" وإن عزموا الطلاق" ولقوله  :"إنما الأعمال بالنيات"


المطلب الثاني الطلاق بالكناية.

أولاً تعريفه.

هو فك عرى الزواج بلفظ يحتمل الطلاق وغيره.

ثانياً ألفاظه.

كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره مثل قول الرجل لزوجه أنت بائن فهو لفظ يحتمل البينونة عن النكاح والبينونة عن الخير والشر ومثل قول الحقي بأهلك.

ثالثاً حكمه.

الجمهور على وقوع الطلاق بالفاظ الكناية إن نوى الطلاق وقصده وذلك لحديث عائشة  عند البخاري في كتاب الطلاق أن ابنة الجون لما دخلت على رسول الله  ودنا منها قالت أعوذ بالله منك فقال لها عذت بعظيم الحقي بأهلك وفي الصحيحين وغيرهما في حديث تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك لما قيل له رسول الله  يأمرك أن تعتزل امرأتك فقال أطلقها أم ماذا أفعل قال بل اعتزلها فلا تقربها فقال لامرأته الحقي بأهلك فقد أستعملت لفظة "الحقي بأهلك" مرة قصد بها الطلاق ومرة لم يقصد بها الطلاق. وهذا عند جمهور الفقهاء ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية والزيدية وخالف الظاهرية فذهبوا إلى أن طلاق الكناية لا يقع قال ابن حزم:" ومن قال لأمرأته أنت عليّ حرام أو زاد على ذلك فقال كالميتة والدم ولحم الخنزير أو قال من ذلك فهو كله باطل وكذب ولا تكون بذلك عليه حرام وهي امرأته كما كانت نوى بذلك طلاقاً أو لم ينوه وقال وماعدا هذه الألفاظ الطلاق والسراح والفراق لا يقع بها طلاق البتة نوى بها طلاقاً أو لم ينوه لا في فتيا ولا في قضاء"


المبحث الرابع: الطلاق من حيث زمن وقوع أثره


المطلب الأول الطلاق المنجز.

أولاً تعريفه.

هو الطلاق الخالي من صيغة عن التعليق والإضافة .

ثانياً حكمه.

يقع الطلاق المنجز في الحال وتترتب عليه أثاره متى صدر من أهله وصادف محلاً له وكان مستوفياً لشروطه.


المطلب الثاني الطلاق المعلق.

أولاً تعريفه.

هو ما جعل فيه الزوج حصول الطلاق معلقاً على شرط محتمل الوجود أما إذا علق على مستحيل فهو لغو ليس بطلاق.

ثانياً أقسامه.

ينقسم الطلاق المعلق إلى قسمين:

القسم الأول.

هو ما يقصد به الحمل على فعل شئ أو تركه أو تأكيد خبر ويسمى التعليق القسمي مثل ان يقول لزوحه أن فعلت كذا فأنت طالق قاصداً منعها من الفعل.

القسم الثاني.

هو ما يقصد به ايقاع الطلاق عند حصول الشرط ويسمى الشرطي مثل أن يقول لزوجته أن أبرأتني من مؤخر صداقك فأنت طالق .

ثالثاً حكمه.

أختلف أهل العلم هل يقع الطلاق المعلق بقسميه أم لا؟
1- ذهب جمهور الفقهاء إلى وقوع الطلاق المعلق بنوعيه بشروط:

أ‌- أن تكون المرأة في عصمة الزوج حال وقوع الطلاق المعلق.

ب‌- أن يكون التعليق على أمر معدوم حال صدور الطلاق المعلق ويمكن وقوعه أما إذا علقه على حاصل فهو في حكم الطلاق المنجز وإذا علقه على مستحيل فهو لغو لا يقع به طلاقه.

ت‌- ألا يفصل بين الصيغة والشرط بكلام أو بزمن من غير عذر.

وقد أستدل الجمهور بما يلي:

أ‌- لم تفرق الآيات بين المنجز والمعلق حين ذكرت الطلاق مثل قوله تعالى:" الطلاق مرتان".
ب‌- تعليق الطلاق على شرط داخل تحت عموم حديث الرسول  "المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً" وليس في تعليق الطلاق هنا تحليل حرام أو تحريم حلال.

ت‌- روى البيهقي عن أبن مسعود  في رجل قال لامرأته أن فعلت كذا أو كذا فأنت طالق ففعلته فقال هي واحدة وهو أحق بها.

ث‌- روى البيهقي عن ابن عباس  في رجل قال لامرأته هي طالق إلى سنة قال يستمتع بها سنة.

2- ذهب الظاهرية والإمامية إلى أن طلاق المعلق لا يقع سواء وجد الشرط أم لا وسواء كان يميناً أم لا.

وقد أستدل القائلون بهذا الرأي بما يلي:

أ‌- قال ابن حزم الظاهري من قال إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق أو ذكر وقتاً ما فلا تكون طالقاً بذلك لا الآن ولا إذا جاء رأس الشهر برهان ذلك أنه لم يأت قرآن ولا سنة بوقوع الطلاق بذلك وقد علمنا الله الطلاق على المدخول بها وفي غير المدخول بها وليس هذا فيما علمنا .

ب‌- تعليق الطلاق يمين واليمين بغير الله لا تجوز لقوله  "من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله" .

3- فصل ابن تيمية وابن القيم في المسألة فقالا ان كان التعليق قسمياً أو على وجه اليمين ووجد المعلق عليه لا يقع ويجزيه عند ابن تيمية كفارة يمين ان حنث في يمينه ولا كفارة عليه عند ابن القيم وأما إن كان التعليق شرطياً أو على غير وجه اليمين فيقع الطلاق عند حصول الشرط.

وقد استدل ابن تيمية وابن القيم بما يلي:
أ‌- حديث البخاري عن ابن عباس  "الطلاق عن وطر والعتق ما تبتغى به وجه الله تعالى" فبين ابن عباس أن الطلاق انما يقع بمن غرضه ان يوقعه لا لمن يكره وقوعه كالحلف به والمكره عليه.

ب‌- الطلاق القسمي إن كان المقصود منه الحث على فعل شئ أو تركه فهو في معنى اليمين وتجري عليه أحكام اليمين عند الحنث.

والاختيار في المسألة:

هذا النوع من الطلاق مما عمت به البلوى حتى لا يكاد يسلم منه إلا من رحم ربي مما يجعلنا نميل إلى ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية فلا يقع الطلاق بصيغة التعليق إذا كان القصد من هذا التعليق الحلف بالطلاق أو معنى اليمين وهو الحث على فعل شئ أو ترك شئ أو لحمل السامع على التصديق بشئ أو تكذيبه أو قصد التهديد ولم يكن القصد من التعليق أيقاع الطلاق عند تحقق الشرط وما نقل عن بعض الصحابة أو السلف ايقاع الطلاق المعلق فذلك محمول على التعليق المحض الذي لا يقصد به اليمين أما الذي بمعنى اليمين فلا يحفظ عن صحابي أنه أفتى بوقوعه عند وقوع الشرط كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم .

ومما عمت به البلوى في عصرنا استخدام كثير من الناس ألفاظ الطلاق في معاملاتهم سواء كان ذلك داخل البيت حين يريد الزوج ان يمنع زوجه من أمر أو يحثها على شئ فكثيراً ما نرى الأزواج يستعملون صيغ الطلاق المعلق ان فعلت كذا – إن ذهبت إلى كذا ثم ما يلبث أن يرى الزوج نفسه أنه قد اخطأ وضيق على نفسه وأهله بيمينه هذه مما حدا بكثير من المحاكم الشرعية أن تأخذ بفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم كما في مصر وسوريا وغيرهما على الرغم من أن المذهب الحنفي هو السائد في هذه البلاد.

وهذا ما ذهب إليه شيخنا علامة العصر الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حيث قال في اجابة عن سؤال حول الطلاق المعلق:

إن المذهب الذي اعتمده وأدين الله تعالى به وأفتي به منذ سنين طويلة هو أن الطلاق المعلق الذي يراد به الحمل على شئ معين أو المنع منه ليس هو الطلاق الذي شرعه الله تعالى لقطع العلاقة الزوجية بالفراق عند تعذر الوفاق وإنما يعامل معاملة اليمين فإذا لم يحدث ما علق به كان فيه كفارة يمين(اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم) وهذا هو مذهب بعض السلف الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهو الذي أختاره وارجحه وارى أنه الأوفق بروح الإسلام وهو الذي عليه كثير من أهل العلم والفتوى في عصرنا

تعلبق ختامي

رواه مسلم.
السنة ومكانتها في التشريع ص48.
مختار الصحاح ص44.
أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم
القاموس الفقهي.
المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم ج7ص414 ،415.
يقول ابن حزم معللاً ذلك:" وطلاق النفساء كطلاق في الحيض وبرهان ذلك أنه ليس إلا حيض أو طهر وقد ذكرنا عن رسول الله  أنه نهى عن الطلاق في الحيض وأمر بالطلاق في طهر لم يجامعها فيه أو حاملاً ولا خلاف في أن دم النفساء ليس طهراً ولا هو حمل فلم يبقى إلا الحيض فهو حيض بل لا خلاف في أنه له حكم الحيض من ترك الصلاة والصوم والوط" المحلى ج10ص176
سورة الطلاق الآية 1.
متفق عليه
المغني لابن قدامة ج8ص والأثر أخرجه البخاري والنسائي ص60ص140
يرى الشافعية أن الطلاق ثلاثاً في طهر لم يجامعها فيه ليس بدعياً وهو رواية عند الحنابلة.
رد المختار ج4ص435.
الدسوقي ج2ص361، 362.
المغني لابن قدامة ج8ص238.
صحيح مسلم شرح النووي ج10ص64.
مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب ج4ص39.
المغني لابن قدامة ج8ص237.
المفصل في احكام المرأة والبيت المسلم ج7ص419.
سورة البقرة الآية 236.
سورة الأحزاب الآية 49.
المغني لابن قدامة ج8ص249.
البخاري كتاب الطلاق باب الخلع والنسائي كتاب الطلاق.
مغني المحتاج ج3ص308.
سورة البقرة الآيات 227،226.
سورة البقرة الآية
سورة البقرة الآية 228.
زاد المعاد ج5ص229 ،230 بتصرف.
مسلم كتاب الطلاق باب تحريم طلاق الحائض.
صحيح البخاري شرح العسقلاني ج9ص351.
المفصل في أحكام المرأة والأسرة ج7ص442 نقلاً عن زاد المعاد..
المغني لابن قدامة ج8ص238.
نيل الأوطار للشوكاني ج6ص
سورة الطلاق الآية 1
المحلى ج10 ص163 ورجاله ثقات.
المصنف 1923 ورجاله ثقات نقلاً عن زاد المعاد ج5 ص222.
سبل السلام ج3 ص180.
زاد المعاد ج5ص234
سورة البقرة الآية 230.
سورة البقرة الآية 236.
سورة البقرة الآية 237.
سنن أبي داودوالترمذي وابن حبان والحاكم وفي اسناده الزبير بن سعد الهاشمي وقد ضعفه غير واحد وفي اسناده ايضاً نافع بن عجيل وهو مجهول ومتنه مضطرب كما قال البخاري ففي لفظ منه أنه طلقها ثلاثاً وفي لفظ واحدة وفي لفظ البتة قال أحمد طرقه كلها ضعيفة.
ذكر ذلك ابن القيم في اغاثة اللهفان ج1ص329، 330.
يراجع في ذلك اعلام الموقعين واغاثة اللهفان لابن القيم والفتاوى لابن تيمية ونيل الأوطار للشوكاني وسبل السلام للصنعاني.
رواه مسلم كتاب الطلاق.
اخرجه أحمد وأبو يعلي وصححه ابو داود.
سورة الاحزاب الآية 49.
تفسير القرطبي ج3ص133,.
عون المعبود شرح سنن أبي داوود ج6.
زاد المعاد ج5ص260.
سورة النور الآية 6.
فقه السنة ج3ص33.
سورة البقرة الآية 229.
سورة البقرة الآية 228.
البخاري ومسلم
سورة الأحزاب الآية 49.
المفصل في احكام المرأة ج8ص9.
المغني ج8.
سورة الآية
المغني ج8ص
سورة البقرة الآية 228.
سورة البقرة الآية 229 ،230.
رواه البخاري.
رواه البخاري.
القرطبي ج3ص131.
القرطبي ج3ص132
القرطبي ج3ص131، فقه السنة ج3ص38.
الموسوعة الفقهية ج29ص27.
كفاية الأخيار ص518
الفقه الإسلامي وأدلته ج9ص6899
المحلى ج10ص185 نقلاً عن أحكام الأسرة
المحلى ج10ص124.
الكوسوعة الفقهية ج29ص36.
فقه السنة ج3ص23.
المحلىج10ص213.
رواه أبو عبيد عن ابن عمر نقلاً عن كتاب الفقه الإسلامي وأدلته ج9ص6974.
الفقه الإسلامي وأدلته ج9ص6972.
مجموع الفتاوى لابن تيمية ج33ص38.
الاسرة المسلمة ج7ص484 واعلام الموقعين ج3ص54 ومجموع الفتاوى ج33ص36.
فتاوى معاصرة .

عن الكاتب

A. Fatih Syuhud

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية