Friday, May 23, 2014

عقد النكاح والزواج من زانيةٍ أو زانٍ

Tags

عقد النكاح  والزواج من زانيةٍ أو زانٍ


الفهرس


عقد الزواج

فإن تمت الرؤية، وحصلت الموافقة الأولية بين الطرفين، أُجري ـ بعد ذلك ـ عقد النكاح، الذي به ينعقد الزواج، ويحل لكل طرفٍ من الآخر ـ باسم الله وإذنه ومشيئته ـ ما كان محظوراً عليه قبل العقد.

فعقد النكاح بمثابة استئذان الخالق  في إباحة كل طرف من الزوجين للطرف الآخر ما كان محظوراً عليهما قبل العقد .. فالله تعالى هو الخالق .. وهو المالك .. وهو الرازق .. وهو المتصرف بهذا الكون وما فيه كما يشاء .. لا شريك له .. وهو سبحانه وتعالى غيور؛ لا أحد أغير منه .. من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن .. وبالتالي لا بد من استئذانه  في كل ما تمتد إليه اليد .. ويريد الإنسان أن يتناوله سواء كان طعاماً أم شراباً، أم لباساً، أم نكاحاً .. فيُقبِل على المباح منه، ويُمسِك عن المحظور .. وصورة استئذان الخالق  فيما يتعلّق بالنكاح .. تكون بإمضاء عقد النكاح على الصورة والكيفية ـ بشروطه ـ المبينة في الكتاب والسنّة .. وهو ما سنتناوله ـ بإذن الله ـ في الأسطر التالية:


ـ شروط عقد النكاح:

لعقد النكاح شروط عدة لا يصح النكاح إلا بها:
أولا: أن يكون الزوج مسلماً، والزوجة مسلمة أو كتابية: فإذا كان الرجل كافراً أصلياً ـ أياً كانت ملته ـ أو كافراً من جهة الردة؛ فطرأ عليه الكفر بعد أن كان مسلماً، لا يجوز أن يعقد على مسلمة، وكذلك لا يجوز للمسلم أن يتزوج من المرأة المشركة أو المرتدة، باستثناء المرأة الكتابية؛ اليهودية أو النصرانية، وبشروطه.

قال تعالى: وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ البقرة:221.

وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ الممتحنة:10.
وفي قوله تعالى: لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ  قال القرطبي في التفسير: أي لم يحل الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة ا- هـ.
وقال ابن كثير: قوله تعالى: وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ  تحريم من الله عز وجل على عباده المؤمنين نكاح المشركات والاستمرار معهن ا- هـ.

وقال الطبري في التفسير: وقوله:  وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ  يقول جلّ ثناؤه للمؤمنين به من أصحاب رسول الله : لا تمسكوا أيها المؤمنون بحبال النساء الكوافر وأسبابهنّ، والكوافر: جمع كافرة، والعصم: جمع عصمة؛ وهي ما اعتصم به من العقد والسبب، وهذا نهي من الله للمؤمنين عن الإقدام على نكاح النساء المشركات من أهل الأوثان، وأمر لهم بفراقهنّ، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ا- هـ.
وعن أنس قال: خطبَ أبو طلحة أمَّ سليم، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يُرَد، ولكنَّك رجل كافرٌ، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحلّ لي أن أتزوّجَك، فإن تُسلِم فذاك مهري، وما أسألك غيره، فأسلَم فكان ذلك مهرها[ ].
قال سيد سابق في كتابه فقه السنة: أجمع العلماء على أنه لا يحل للمسلمة أن تتزوج غير المسلم؛ سواء كان مشركاً، أم من أهل الكتاب ا- هـ.

أما استثناء الزواج من نساء أهل الكتاب من الكافرات والمشركات، فهو لقوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ المائدة:5.
فالزواج من الكتابية جائز بشرطه؛ أن تكون من المحصنات العفيفات لا تقترف الزنى، وليس لها أخلاء بالحرام، كما لا يجوز اتخاذهن من قبل المسلمين أخدان وخليلات بالحرام، وإنما أزواج تُدفَع إليهن صدقاتهن؛ أي مهورهن، وحقوقهن من النفقة وغير ذلك[ ].
ثانياً: أن لا يكون أحد طرفي النكاح محرم على الآخر من جهة النسب، أو المصاهرة، أو الرضاعة: فإن حصل الزواج ـ عن جهل ـ بمن هو محرم عليه من جهة النسب، أو المصاهرة، أو الرضاعة .. ثم عُلِم ذلك .. تعيَّن فسخ الزواج مباشرة .. وهذا مالا يُعلَم فيه خلاف.
ثالثاً: أن لا تكون المرأة المعقود عليها في عِدَّتها: سواء كانت عدتها من جهة وفاة زوجها، أو من جهة عدة الطلاق، أو من جهة عدة الخلع، أو فسخ عقد الزواج .. فإن حصل الزواج وهي لا تزال في عدتها فُسِخ العقد ورُد .. إلى ما بعد انقضاء العدة .. وجُدّد العقد من جديد[ ].

قال تعالى: وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ البقرة:235.
قال ابن كثير في التفسير: وقوله  وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ؛ يعني ولا تعقدوا العقدة بالنكاح حتى تنقضي العدة. قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وقتادة والربيع بن أنس وأبو مالك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان والزهري وعطاء الخراساني والسدي والثوري والضحاك: حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ  يعني ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة، وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في العدة ا- هـ.

رابعاً: الإيجاب والقبول، والرضى والموافقة بين طرفي النكاح: وقد عدَّ أهل العلم هذا الشرط الركن الأساس لعقد الزواج؛ إذ لا يمكن أن يتم الزواج، ويكتب له القبول والاستمرار إلا بعد الإيجاب والقبول، والرضى والموافقة ـ مسبقاً ـ بين طرفي النكاح، وقد تقدم معنا ذكر الأدلة الدالة على وجوب استئذان المرأة في زواجها ـ سواء كانت بكراً أم ثيباً ـ وأن الزواج القائم على إكراه أحد طرفي النكاح من غير رضاه لا يُقبل ولا يمكن أن يُكتب له النجاح أو الاستمرار.

عن عقبة بن عامر، أن النبيّ  قال لرجل:" أترضى أن أزوّجك فلانة؟ " قال: نعم، وقال للمرأة:" أترضين أن أزوّجك فلاناً؟" قالت: نعم، فزوَّج أحدهما الآخر[ ]. فتأمل كيف أن النبيَّ  تحرى رضى كل طرف بالزواج من الطرف الآخر .. وبناء على رضاهما أتم زواجهما.
ثم أن العلاقة الزوجية؛ هي علاقة قائمة على الحب والود والاحترام المتبادل .. هي علاقة قائمة على أداء الحقوق المتبادلة بين الزوجين طواعيةً .. هي علاقة يترتب عليها حقوق وواجبات جِثام .. وهذا لا يمكن أداؤه بنجاح من غير رضى وقناعة وتوافق بين طرفي النكاح قبل عقد النكاح .. وبعد عقد النكاح.

غالب حالات الطلاق والتفريق التي تقع بين الأزواج تكون لهذا السبب؛ سبب عدم اقتناع كل طرف من طرفي النكاح بصلاحيته للطرف الآخر، وعدم صلاحية الطرف الآخر له، والاستمرار في العيش معه .. فيُكرَه ـ لسببٍ أو آخر ـ على زواجٍ هو لا يريده .. ولا يُحبه .. فيقع المحظور .. ويقع التقصير والجفاء .. ومن ثم تقع المشاكل ـ بعد عقد الزواج بقليل أو كثير ـ الذي لا فكاك ولا حل لها إلا بالطلاق والتفريق بين الزوجين!
خامساً: الولي بالنسبة للمرأة: إذ لا يصح نكاح إلا بولي؛ سواء كانت المرأة ثيباً أم بكراً، قال تعالى: فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ النساء:25.
وفي الحديث فقد صح عن النبي  أنه قال:" لا نكاح إلا بولي "[ ].
وقال :" أيما امرأة نُكِحَت بغير إذن مواليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له "[ ].
وقال :" لا نكاح إلا بإذن وليٍّ مرشد أو سلطان "[ ].
وعن عمر  قال:" لا نكاح إلا بولي، وشاهدَي عدل ".

وعن علي  قال:" أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، لا نكاح إلا بإذن ولي ". وعن ابن عباس قال:" لا نكاح إلا بشاهدي عدل، وولي مرشد ". والآثار عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان الدالة على هذا المعنى أكثر من أن تُحصَر في هذا الموضع.
قال الترمذي في السنن: والعمل في هذا الباب على حديث النبي :" لا نكاح إلا بولي " عند أهل العلم من أصحاب النبي ، منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة وغيرهم.
وهكذا روي عن بعض فقهاء التابعين؛ أنهم قالوا: ولا نكاح إلا بولي "، منهم سعيد بين المسيب، والحسن البصري، وشريح، وإبراهيم النخغي، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.
وبهذا يقول سفيان الثوري، والأوزاعي، ومالك، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق[ ].


ـ ما يُشترَط في الولي:

ولاية النكاح رعاية وأمانة ومسؤولية .. وهي ولاية تكليف لا تشريف واستعلاء، لذا يُشترَط في الولي جملة من الشروط:
1- أن يكون مسلماً: فيخرج بهذا الشرط الولي الكافر؛ سواء كان كفره أصلياً أم كان من جهة الردة .. وممن يفقد ولايته بسبب كفر الردة: تارك الصلاة وإن لم يكن جاحداً لها، والطاعن المستهزئ بالدين، والذي يدخل في موالاة الكافرين، والطغاة المجرمين على الإسلام والمسلمين.

قال تعالى: وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً النساء:141. وبالتالي عندما نجعل الكافر ولياً على المؤمنات؛ يتحكّم بنكاحهن، ومَن ينكَحن، ومن لا ينكحن .. نكون بذلك قد جعلنا له على المؤمنين والمؤمنات سبيلاً .. وهذا لا يجوز بنص الآية.
وقال تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ آل عمران:28. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً النساء:144. فنهى الله تعالى المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين .. ومن ولايتهم وتوليهم ـ التي نُهينا عنها ـ أن نجعل لهم ولاية وسلطاناً على النساء المؤمنات؛ يتحكمون بنكاحهن كيفما يشاؤون!

وكذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ التوبة:23. فالنهي يشمل مطلق الولايات؛ بما في ذلك ولاية النكاح .. بل من أعظمها وأجلها ولاية النكاح .. وهي ـ بنص الآية ـ مما لا يجوز إيكاله للآباء والإخوان إن استحبوا الكفر على الإيمان.
وقال تعالى: فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ الممتحنة:10. وبالتالي فإن جميع صور الولاية والتولي مقطوعة بين المؤمنات وبين أقاربهن من الكافرين، وكان الصحابة يعقدون على من هاجر من المؤمنات من دون الرجوع إلى آبائهم وأقاربهم من الكافرين، وقد تزوج النبي  من أم حبيبة بنت أبي سفيان من دون أن يُراجع فيها أبيها؛ لأنه كان لا يزال على الكفر، كما في الحديث عن أم حبيبة: أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوَّجها النجاشيُّ النبيَّ ، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسولِ الله  مع شرحبيل ابن حسنة[ ].
2- أن يكون ذكراً: فالأنثى لا تُزِّوج نفسها، ولا غيرها، لقوله :" لا تُزوّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تُزوّج المرأةُ نفسها "[ ].
3- أن يكون بالغاً عاقلاً راشداً: فيخرج بهذا الشرط الصبي دون سن البلوغ، كما يخرج الولي السفيه شديد الفسوق والسفَه الذي لا يُحسن تقدير الأمور ولا عواقبها.

كما في الحديث:" رُفع القلم عن ثلاث ـ منهم ـ: وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل "، وفي رواية:" وعن الصبيّ حتى يشب "[ ].
أما الدليل على خروج السفيه الشديد السفه والفسوق، الذي لا يُحسن تقدير الأمور ولا عواقبها، فهو لقوله تعالى: وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً النساء:5. فإذا فقدوا الولاية على المال بسبب السّفاهة، فمن باب أولى أن يفقدوا الولاية على الأعراض بسبب السفاهة .. وإن من السفهاء من يُقامر مع المقامرين على ابنته ووليته .. فإن خسر في القمار أعطى فلانة إلى فلان .. وباع فلانة إلى فلان .. ومنهم من يزوج وليته من أجل وظيفة أو مصلحة مادية ترتد عليه من قِبل من سيزوجه، بغض النظر عن دينه وأخلاقه ومدى كفاءته لوليته .. وهذا حدث ويحدث وللأسف .. ومثل هؤلاء لا ولاية لهم على النساء والأعراض.

وكذلك قوله تعالى: وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ النساء:6. لا يكفي أن يبلغوا سن النكاح لكي تُدفَع إليهم أموالهم، ويكونوا عليها أولياء، بل لا بد مع ذلك التماس الرشد فيهم الذي يحملهم على حسن التصرف بالمال .. ثم بعد ذلك تُدفع إليهم أموالهم .. وإذا كانت ولاية التصرف بأموالهم لا تتحقق لهم إلا بعد التماس الرشد فيهم المنافي للسفه، فمن باب أولى أن لا تتحقق لهم الولاية على الأعراض إلا بعد استئناس الرشد فيهم.
ولقوله  في الحديث المتقدم:" لا نكاح إلا بإذن وليٍّ مرشد أو سلطان ". فقيّد الولي بصفة الرشد المنافية للسفه وشدة الفسوق.
4- أن لا يكون مُعضلاً: أي يمتنع عن تزويج وليته ممن يتقدم إليها ويكون كفأ لها .. للانتقام .. أو لكي يستفيد من راتب وليته أكبر قدر ممكن إن كانت من ذوي الرواتب أو الدخل .. أو لأي سبب آخر غير شرعي يعضلها عن الزواج من أجله .. فمثل هذا لا ولاية له .. يُنْظَر غيره ممن يليه من الأولياء .. لقوله تعالى: فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ البقرة:232. ولقوله تعالى في سورة النساء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ النساء:19.
ولقوله :" لا ضَرر، ولا ضِرار "[ ]. وقال :" مَن ضَارَّ أضرَّ اللهُ به "[ ]. وفي إعضالهن عن الزواج ضرر أيما ضرر؛ على النساء والرجال سواء .. ومعهم المجتمع المسلم برمته .. كما قال :" إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريضٌ ". هذا فيمن يأبى أن يزوج وليته ممن يُرتَضى دينه وخلقه .. فكيف بمن لا يزوجها مطلقاً .. لأغراضٍ مادية وشخصية .. لا شك أن ذلك أدعى لأن يكون فتنة في الأرض وفساداً عريضاً.


ـ من هم الأولياء؟

من هم الأولياء، ومن لهم حق الولاية ـ من الأولياء ـ في تزويج النساء؟
هم أكثر الأقارب التصاقاً، وشفقة، ورعاية بالمرأة، وأكثرهم غضاضة لو أصابها مكروه أو عار؛ وهم على الترتيب: الآباء، ثم الأبناء، ثم الإخوان، ثم الأعمام .. كما قال تعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ التوبة:24. فذكر ألصق الأقارب وأشدها متانة على الترتيب، وهم: الآباء، ثم الأبناء، ثم الإخوان.
ونحو ذلك قوله تعالى: لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ المجادلة:22.

وفي الحديث:" البكر يستأمرها أبوها "[ ]. فخصَّ الأبَ أولاً من بين الأولياء .. فلا ولاية لأحدٍ مع وجود الأب المستوفي لشروط الولاية الآنفة الذكر أعلاه.
أما الأعمام، فهو لقوله :" عم الرجل صنو الأب، أو صنو أبيه "[ ]. أي أن العم مثل الأب في المكانة والحق، ومتانة الصلة والقرابة.
قال الإمام أحمد: أحقهم بالمرأة أن يزوجها أبوها، ثم الابن، ثم الأخ، ثم ابنه، ثم العم ا- هـ.
فإن انتفى وجود الولي ـ المستوفي الشروط الآنفة الذكر ـ ممن تقدم ذكرهم، التمس الولي في والد الأب؛ فوالد الوالد والد، ثم في ولد الولد؛ فولد الولد ولد، ثم في ولد الأخ، ثم في ولد العم.

فإن انتفى وجود الولي ـ المستوفي الشروط الآنفة الذكر ـ ممن تقدم ذكرهم، التُمس الولي في الأقارب الذكور من جهة الأم: الجد؛ والد الأم، ثم الأخ؛ الخال.. لدخولهم في عموم قوله تعالى: وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ الأنفال:75. ونحوه قوله تعالى في سورة الأحزاب: وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ الأحزاب:6.
هذا الترتيب قد يتقدم أو يتأخر بحسب درجة تحقق شروط الولاية ـ الآنفة الذكر ـ في الولي .. وبحسب التصاق ورعاية وكفالة وعطف ورحمة الولي لوليته .. وحرصه على نصحها، وإرادة الخير لها .. فهذا وذاك .. معتبر جداً في تقديم ولي ـ أو تأخير ولي ـ على آخر .. فالغرض من الولاية رعاية المرأة وحمايتها من الخطأ والابتزاز .. والعدوان .. وتوجيهها نحو خيرها ومصلحتها قدر المستطاع .. فهي ولاية تكليف وأمانة ومسؤولية .. لا ولاية تسلط وقهر وإعضال، وابتزاز!

فإن انتفى وجود الولي ـ المستوفي الشروط الآنفة الذكر ـ ممن تقدم ذكرهم .. تنتقل الولاية إلى السلطان المسلم، أو القضاء الإسلامي الذي ينوب عن السلطان ويتكلم باسمه، كما في الحديث:" فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له "[ ].
فإن انتفى وجود السلطان المسلم، والقضاء الإسلامي .. فحينئذٍ تُولي المرأة أمر نكاحها أيّ مسلم ترتضي دينه وخلقه وأمانته، لقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ التوبة:71. وقال تعالى: بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ النساء:25.
قال القرطبي في كتابه الجامع 3/76: إذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه ولا ولي لها فإنها تصيِّر أمرها إلى من يُوثق به من جيرانها؛ فيزوِّجها ويكون هو وليها في هذه الحال؛ لأن الناس لا بد لهم من التزويج، وإنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن، وعلى هذا قال مالك في المرأة الضعيفة الحال: إنه يزوجها من تُسنِد أمرها إليه؛ لأنها ممن تضعف عن السلطان فأشبهت من لا سلطان بحضرتها، فرجعت في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها ا- هـ.

فإذا كانت المرأة غير مسلمة وهي من أهل الذمة والعهد .. تُولي أمر نكاحها من أهل دينها وملتها وقرابتها بحسب التسلسل الآنف الذكر المتعلق بأولياء المرأة المسلمة، لقوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ آل عمران:28. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ النساء:144. وقال تعالى: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ المائدة:51. فإن تعثرت الولاية ممن تقدم ذكرهم من أقاربها وذويها .. يلي أمرها حينئذٍ السلطان المسلم ومن ينوب عنه؛ إن كانت هذه المرأة الذمية ممن تعيش في سلطانه، وداخلة في ذمته وعهده وأمانه؛ فهي بذلك تكون من جملة رعاياه المسؤول عنهم، لقوله :" ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته " متفق عليه. ومن رعايته لها أن لا يتركها بلا نكاح.

ـ ولاية الغائب أو السجين: إن كان الولي الأقرب غائباً أو سجيناً ثم تعثّرت مراجعته ومعرفة رأيه أو أخذ قوله في الكفء الذي يتقدم للزواج .. آلت الولاية لمن يليه من الأولياء، ولا يحق بعد ذلك للولي الأقرب الغائب الاعتراض .. وذلك تفويتاً لفرصة الاعضال من التحقق.

قال القرطبي في الجامع 3/79: لو كان الولي الأقرب محبوساً أو سفيهاً زوّجها من يليه من أوليائها، وعُد كالميت منهم، وكذلك إذا غاب الأقرب من أوليائها غيبة بعيدة أو غيبة لا يُرجى لها أوبةٌ سريعة زوَّجها من يليه من الأولياء .. وهو قول مالك ا- هـ.
وقال سيد سابق في فقه السنة:إذا كان الولي الأقرب المستوفي شروط الولاية موجوداً فلا ولاية للبعيد معه .. أما إذا غاب الأقرب؛ بحيث لا يَنتظر الخاطب الكفء استطلاع رأيه، فإن الولاية تنتقل إلى من يليه، حتى لا تفوت المصلحة، وليس للغائب بعد عودته أن يعترض على ما باشره من يليه؛ لأنه لغيبته اعتبر كالمعدوم، وصارت حقَّ مَن يليه، وهذا مذهب الأحناف ا- هـ.
خامساً: شاهدا عدلٍ: الذي بهما يتحقق إعلان النكاح، وهو شرط لصحة عقد النكاح؛ إذ لا نكاح إلا بشاهدي عدل، كما في الحديث:" لا نكاح إلا بوليّ، وشاهدي عدل "[ ].
وعن ابن عباس قال:" لا نكاح إلا بشاهدي عدلٍ، وولي مرشد ". وقال:" لا نكاح إلا ببيّنة "[ ]. أي إلا ما يبين به النكاح ويُعرف، وهذا لا يتحقق حده الأدنى إلا بشاهدي عدل.

قال الترمذي في سننه تحت عنوان " لا نكاح إلا ببينة ": وفي الباب عن عمران بن حصين، وأنس، وأبي هريرة، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ، ومن بعدهم من التابعين وغيرهم؛ قالوا:" لا نكاح إلا بشهود " ا- هـ.
وعليه لا يجوز التكتم على عقد النكاح أو الطلب من الشهود بأن يكتموا شهادتهم عن الناس؛ ليبقى الزواج سراً .. فهذا لا يجوز لمخالفته للدليل، وللغرض من الإشهاد .. ولما في إخفاء الشهادة من ضياع لحقوق الزوجين وأبنائهما .. وبخاصة عند وفاة أحدهما .. أو حصول المشاجرات وتنكر أحدهما لحقوق الطرف الآخر عليه .. أو لعلاقته مع الطرف الآخر .. فيصعب حينئذٍ إثبات العلاقة الشرعية، وبالتالي إثبات الحقوق والواجبات المترتبة عن هذه العلاقة .. وما أكثر القصص والمظالم والمشاكل الناجمة عن كتمان الشهادة، والإسرار في عقد النكاح .. وسبب ذلك كله مرده إلى مخالفة أمر النبي  بإشهار النكاح.
من أجل ذلك حضت الشريعة على ما هو أوسع من الاكتفاء بشاهدي عدل؛ لغرض الإشهار، واللهو المباح الذي يتحقق به مزيد من الإشهار .. فقد صح عن النبي  أنه قال:" أعلنوا النكاح "[ ].
وقال :" فصلُ ما بين الحرام والحلال الدفّ والصوت "[ ]. أي والغناء.
وفي رواية حسنها بعض أهل العلم:" أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف ". لما في ذلك من الإشهار بحال العروسين وما استجد عليهما .. وهو مطلب من مطالب إعلان النكاح .. ثم هو أذهب للريب وظن السوء بهما من قبل الناس.


ـ المهر:

المهر واجب، وهو حق للمرأة لا بد من سداده ولو بعد حين .. لكن لا يرقى إلى درجة الشرط؛ الذي لا يصح العقد إلا به، والذي ينتفي بانتفائه.
أما أنه واجب، فهو لقوله تعالى: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً النساء:24. وقال تعالى: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ النساء:25. أي مهورهن المتقدم منها والمتأخر من غير تقصير ولا مماطلة أو ظلم .. والأمر يُفيد الوجوب. ونحو ذلك قوله تعالى: وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً النساء:4.
قال ابن كثير في التفسير: عن عائشة: نحلة؛ فريضة، وقال مقاتل وقتادة وابن جريج: نحلة أي فريضة. وقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب، يقول: لا تنكحها إلا بشيء واجب لها ا- هـ.
وقال تعالى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ الممتحنة:10. أي إذا آتيتموهن مهورهن.
وفي الحديث فقد صح عن النبي  أنه قال:" أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج " متفق عليه.
وقال :" فالتمس ولو خاتماً من حديد " متفق عليه. هذا التوكيد على التماس المهر مهما قل؛ ولو خاتم من حديد يُفيد الوجوب.
وقال :" أيُّما رجلٍ تزوَّج امرأةً على ما قلَّ من المهرِ أو كثُرَ، ليس في نفسه أن يؤدِّيَ إليها حقَّها؛ خدَعها، فمات ولم يؤدِّ إليها حقَّها؛ لقي اللهَ يومَ القيامة وهو زانٍ "[ ].

وقال :" إن أعظمَ الذنوبِ عند الله رجلٌ تزوَّجَ امرأةً، فلمَّا قضى حاجتَه منها طلَّقها وذَهبَ بمهرها "[ ].
أما أنه ليس بشرط، فهو للحديث عن ابن مسعود : أنه سُئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها شيئاً، ولم يدخل بها حتى ماتَ، فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها، لا وكْس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقِل بن سنان الأشجعي، فقال: قضى رسولُ الله  في بِرْوَعَ بنت واشِقٍ امرأةٍ منا بمثلِ ما قضيتَ، ففرح بها ابن مسعود[ ]. فكونه لم يفرض لها شيئاً ـ ثم هي مع ذلك زوجته ـ دل أن المهر ليس شرطاً .. وكون ابن مسعود  قضى لها بمهر مثيلاتها من النساء ـ وقد وافق بذلك السنة ـ فهو دليل على الوجوب، وأن ترك المهر كلياً لا يجوز.

ـ التغالي في المهور: لم تحدد الشريعة السقف الأعلى لما يجب أن يكون عليه المهر .. وإنما تركت الأمر على التيسير والسعة، لمن شاء أن يزيد أو ينقص، بحسب رغبة وإمكانيات الزوج، وقدرته على العطاء والإنفاق، قال تعالى: وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً النساء:20. والقنطار المال الكثير. وقال تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ البقرة:236.
لكن في المقابل حضت الشريعة على عدم التغالي في المهور .. وأمرت بالتيسير وعدم التعسير؛ إذ لا ينبغي ولا يجوز أن يكون التغالي في المهور عقبة كأداء أمام الزواج، والحلال، فقد صح عن النبي  أنه قال:" يسروا ولا تُعسّروا " متفق عليه. وهذا عام وشامل لكل ما ينبغي فيه التيسير شرعاً.
وقال :" من يَسَّر على مُعسرٍ، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة "[ ]. ومن المعسرين الذي ينبغي لهم التيسير ـ ويشملهم الحديث ـ من يتقدم للزواج وهو معسور فقير الحال.
وقال :" إن أعظمِ النكاح بركةً أيسره مؤنةً "[ ].
وقال :" خير النكاح أيسرُه "[ ].

ـ المهر لا يحدد قيمة الفتاة أو المرأة: المهر سنة من سنن النكاح، لا ينبغي ولا يجوز أن يكون مقياساً لتحديد قيمة الفتاة أو المرأة؛ بحيث كلما كان المهر غالياً ومرتفعاً كلما كان ذلك دليلاً على قيمة المرأة كما يُخيل للبعض أو يظنون .. فتراهم من أجل ذلك يحرصون على رفع المهور والتغالي فيها .. والتباهي بها .. ويتنافسون في ذلك .. وكأن وليتهم سلعة ـ كأي سلعة أخرى ـ تُباع وتُشترى، قادمة على البيع والاستملاك وليس على زواج .. وهذا ظن باطل مردود بالنقل والعقل، فيه امتهان وانتقاص من قدر المرأة؛ فالمرأة المسلمة ـ إذا نُظر للأمر من جانبه المادي ـ لا تُباع بملء الأرض ذهباً .. وقيمتها لا تُقدر ولا تُقاس بالمال .. وإنما بمعايير أخرى منها الخلق، والدين، والالتزام .. ولو كان المهر مقياساً لقدر المرأة وقيمتها لكانت نساء وبنات النبي صلوات الله وسلامه عليه أغلى نساء الأرض مهراً .. والأمر ليس كذلك، كما في الحديث عن ابن عباس  قال: لما تزوّج علي فاطمةَ، قال له رسولُ الله :" أعطِها شيئاً "، قال: وما عندي من شيء، قال:" أين درعك الحَطَميَّة "[ ]. أي التي تُحطّم السيوف. وفي رواية:" قال: هي عندي. فقال :" فاعْطِها إيَّاه ". فهذه ـ يا قوم! ـ سيدة نساء المؤمنين .. بنت سيد الخلق صلوات ربي وسلامه عليه .. مهرها لا يتعدّى درعاً يحطم السيوف .. ولما تزوجت من علي  كان لا يملك شيئاً غير درعه الحَطَميَّة .. فهل أنتم منتهون عن التغالي في المهور؟!
قال عمر بن الخطاب : ألا لا تغلوا صُدُق النساء؛ فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله عز وجل، كان أولاكم به النبي ، ما أصدق رسول الله امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية. وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه[ ].
قال الترمذي في كتابه السنن: هذا حديث حسن صحيح. والوقية عند أهل العلم: أربعون درهماً. واثنتا عشرة وقية: هو أربعمائة وثمانون درهماً ا- هـ.
ـ آثار التغالي في المهور: للتغالي في المهور آثار ضارة وسيئة، قبل أن يتم الزواج، وبعد أن يتم الزواج.
فقبل أن يتم الزواج: فإنه سبب لتأخير سن الزواج عند الرجال والنساء سواء، وفشو ظاهرة العنوسة عند الطرفين معاً، وبخاصة النساء .. وهذا يؤدي إلى التماس الحرام، والحوم حول الفواحش والمنكرات، وربما الوقوع فيها!

تغالى الناس في المهور، وشددوا فيها .. فكانت عاقبتهم ـ من جنس مخالفتهم ـ أن تباع فتياتهم في الحرام وللحرام بثمن بخس .. وأحياناً بلا ثمن .. وما أكثر القصص والشواهد، والدراسات البحثية الدالة على هذا المعنى لو أردنا الاستدلال، والاستطراد!
الطاغوت وحزبه ونظامه .. لا تهمه ولا تُقلقه هذه الظاهرة .. بل تسره أيما سرور .. وهو ينفق في سبيلها الغالي والنفيس؛ وكيف لا وهو لا يهمه من أمر المرأة إلا كيف يغويها ويغوي بها .. ليدوم له ملكه وسلطانه .. ويُشغل الناس بحاجاتهم الأساسية الضرورية عنه وعن نظامه وطريقة حكمه، وأهم وأكثر تلك الحاجيات إلحاحاً على الإنسان: حاجة البطن، وحاجة الفرج .. وهذا من لوازمه تأخير سن الزواج عند الفتيات والشباب سواء ـ بأي سببٍ من الأسباب ـ لتمارس الحاجة الجنسية خارج إطار الحياة الزوجية .. وخارج بيت الزوجية .. وتُتاح أكبر فرصة لشيوع الفتنة والفساد، والفوضى الجنسية التي يعيشها الناس في هذا الزمان!
المرأة إذا دخلت عش الحياة الزوجية .. وعرفت الاستقرار النفسي والجنسي .. لم يعد للطاغوت القدرة على غوايتها .. والإغواء بها .. كما لو أنها لا تزال من غير زواج .. وكذلك يُقال في الشباب .. لذا نراهم يحدثون العقبات الكأداء المادية والقانونية سواء .. أمام الزواج المبكر للشباب والشابات، لتطول فترة استثمارهم في الفساد والإفساد أكبر قدر ممكن!

أما بعد الزواج: بعد أن يكون الذبول قد علا الوجوه .. والملامح .. وقُتِل الحماس .. وذهب بريق وعطاء الشباب .. فإن الرجل ينتابه شعور بأن هذه التي هي أمامه قد بيعت لها بيعاً .. وأن ثمنها الغالي .. كان السبب في حصول هذا التأخير في الزواج .. وحصول مضاعفاته .. ثم إن قدر الله له بعد ذلك الولد .. أنَّى يفرح به ويكون قد بلغ من العمر عتياً .. بينما ولده لم يتجاوز بعد سن المراهقة .. وهو لا يزال يحتاج للعناية والنفقة .. وقد ضعف عظمه عن ذلك؟!
لا شك أن هذه الأمور مجتمعة تُضعف العلاقة بين الزوجين .. وتوغر الصدور بعضها على بعض .. كما تقدم من كلام عمر ، حيث قال:" وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه "، فأي هناءة بمهر، ينتهي بمثل هذه النهايات المأساوية المحزنة .. لو كانوا يعقلون؟!
ـ يجوز أن يكون المهر عملاً.
يجوز أن يكون المهر ـ إن تعثر وجود المال ـ أن يكون حفظاً لبعض ما تيسّر من القرآن الكريم، فقد قال رسول الله  لرجلٍ أراد الزواج من امرأة:" هل عندك من شيء؟" فقال: لا والله يا رسول الله، فقال:" اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئاً ؟" فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئاً، فقال:" اذهب فالتمس ولو خاتماً من حديد "، فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتم من حديد، ولكن هذا إزاري فلها نصفه، فقال رسول الله :" وما تصنع بإزارك؛ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء "، فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام، فرآه رسول الله  مولياً فأمر به فدُعي، فلما جاء قال:" ماذا معك من القرآن؟" قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، عددها، فقال:" أتقرؤهنَّ عن ظهر قلبك "، قال نعم، قال:" اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن " البخاري.
كما يجوز التزويج على الإسلام؛ فيكون مهر المرأة أن يُسلم الرجل الذي يتقدم لزواجها إن كان كافراً، كما في الحديث عن أنس، قال: تزوج أبو طلحة أمَّ سُليم، فكان صداق ما بينهما: الإسلام؛ أسلمت أمُّ سُليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إني قد أسلمتُ، فإن أسلمتَ نكحتُك، فأسلمَ فكان صداق ما بينهما.
وفي رواية: قالت أمُّ سُليم: والله ما مثلك يا أبا طلحة يُرَد، ولكنك رجلٌ كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوَّجك، فإن تُسلم فذاك مهري، وما أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها.
قال ثابت ـ وهو راوي الحديث عن أنس ـ: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سُليم: الإسلام، فدخل بها، فولدت له[ ].
ـ معونة الله تعالى لمن يريد العفاف: لمن يتهيب من نفقة النكاح فيؤخر زواجه خشية الفقر أو شكاية من الفقر، أقول له: لا تفعل، فالله تعالى قد تكفّل بعونك، ومن تكفل الله بعونه فلا خوف ولا ضيعة عليه، فقد صح عن النبي  أنه قال:" ثلاثةٌ حقٌّ على الله  عونُهم؛ المكاتَبُ الذي يريد الأداء، والنَّاكحُ الذي يريد العفافَ، والمجاهد في سبيل الله "[ ].


ـ صيغة العقد:

يجب أن تدل صيغة العقد على رضا طرفي النكاح بعقد التزواج، وأن تكون ناجزة في الحال غير مقيدة بقيد يمنع من إنجاز العقد لحظة انعقاده، أو يمنع من تمليك المتعة ـ بين طرفي النكاح ـ في الحال .. ولا يُشترط لصيغة العقد لغة معينة؛ فهي تصح بأي لغة يتفاهم بها المتعاقدون[ ].
كأن يقول ولي البنت للخاطب: زوجتك وليتي، فيقول الخاطب في الحال: قبلت أو رضيت. أو أن يقول الخاطب للولي: زوجني وليتك، فيقول الولي: قد زوجتك أو قبلت أو رضيت زواجك من وليتي، فهذه الألفاظ يتم بها العقد، وتترتب عليه آثاره.
ولو قال له سوف أزوجك بعد شهر أو يوم .. أو ساعة .. أو رضيت الزواج من وليتك بعد شهرٍ أو زمن محدد .. أو كانت الصيغة تفيد الوعد في المستقبل .. فالعقد في هذه الحالة لا يُنجز؛ لأنه مشروط بأمر غيبي معدوم، لا تُؤمَن عواقبه ومآلاته " والمعلّق على معدوم معدم " لا يُفيد ولا يوجب تمليك المتعة في الحال.

قال سيد سابق في فقه السنة:" الصيغة المضافة إلى زمنٍ مستقبلٍ، مثل أن يقول الخاطب: تزوجت ابنتك غداً أو بعد شهر، فيقول الأب: قبلت. فهذه الصيغة لا ينعقد بها الزواج، لا في الحال ولا عند حلول الزمن المضاف إليه؛ لأن الإضافة إلى المستقبل تنافي عقد الزواج، الذي يوجب تمليك الاستمتاع في الحال ا- هـ.
ومنه تعلم خطأ بعض الآباء عندما يعقدون لبناتهم وهن أطفالاً؛ فيقولون للطرف الآخر: عندما تبلغ ابنتي وتكبر فهي زوجة لك أو سوف أزوجها لك .. فهذه الصيغ ومثيلاتها لا ينعقد بها النكاح، ولا يترتب عليها آثاره .. وهو ضرب من ضروب العبَث .. وبالتالي لا بد من إحداث عقدٍ جديد مستوف الشروط عند كبر البنت وبلوغها سن النكاح.


ـ خطبة النكاح:

للنكاح خطبة يُسن أن يُقال فيها:" إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذُ به من شرور أنفسنا، من يهد اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا أيها الذين آمنوا  اتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً النساء:1.  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ آل عمران:102.  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً الأحزاب:70-71.[ ].


ـ الشرط في العقد:

وهو نوعان: شرط صحيح، وشرط باطل.
أما الشرط الصحيح: هو كل شرط وافق الشرع، أو ليس فيه مخالفة للشرع، كأن تشترط المرأة لنفسها أو وليها بالنيابة عنها: أن يعاشرها الزوج بإحسان؛ فلا يعصي اللهَ فيها، ولا يجبرها على معصية، أو يُجبرها على العمل من أجل النفقة عليه وعلى أبنائه .. أو أن يمنعها عن رحمها وزيارة والديها .. أو يمنعها عن المساجد وشهود الجمعة والجماعات .. وحلقات العلم .. فإن حصل شيء من ذلك فلها حق فسخ عقد الزواج.

كذلك لو اشترطت أن تكمل تعليمها الشرعي والمشروع، وأن يُعينها على طلب العلم .. فإن وافق ثم لم يلتزم بذلك .. فلها حق فسخ عقد الزواج.

أو اشترطت عليه بأن لا يتزوج عليها من ثانية .. فإن تزوج عليها من ثانية لها حق فسخ عقد الزواج .. فهذه الشروط شرعية لا تتعارض مع الشرع .. فللمرأة أن تشترطها لنفسها إن شاءت .. ثم لو اشترطتها لنفسها وعلقت الزواج والاستمرار فيه على الوفاء بها .. والطرف الآخر وافق على ذلك .. ثم أنه نقضها بعد الزواج؛ فلم يلتزم بها .. فللزوجة الخيار بأن تفسخ عقد الزواج إن شاءت.

والدليل على ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ المائدة:1. وقال تعالى: وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً الإسراء:34. وقال تعالى: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ البقرة:177.
وفي الحديث فقد صح عن النبي  أنه قال:" أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج " متفق عليه.
وقال :" المسلمون عند شروطهم "[ ]. وفي رواية:" المسلمون على شروطهم "[ ]. أي وقافون عند شروطهم بالوفاء والالتزام .. وهم على شروطهم ماضون بالالتزوام والوفاء لا ينقضون منها شيئاً.
وقد عد الإسلام الغدر بالعهد، وعدم الوفاء بالوعد من خصال النفاق والمنافقين، كما في الحديث الصحيح:" أربع من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً ـ منها ـ: وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف " متفق عليه.

أما الشرط الباطل: هو كل شرط تشترطه المرأة أو الرجل يخالف شرع الله تعالى أو فيه معصية؛ كأن تشترط المرأة على زوجها أن لا يأمرها بالحجاب إن كانت قبل الزواج من ذوي السفور .. أو أن لا يمنعها من الاختلاط والاختلاء بالأجانب .. أو تشترط عليه بأن يقطع والديه .. أو أحدهما .. أو رحمه .. أو أن لا ينفق على أحد من رحمه إلا بعلمها وبعد موافقتها .. أو أن لا يذهب إلى الجهاد في سبيل الله في حال تعين عليه الجهاد .. أو أن تتنفل في الصيام من دون إذنه وموافقته .. أو أن تدخل بيته من لا يرضى من الناس .. أو أن يُطلق زوجته ـ إن كان متزوجاً من غيرها ـ كشرط لزواجها .. كذلك لو اشترط الرجل على المرأة سقوط النفقة .. أو اشترط عدم المبيت عندها إلا في الشهر أو الإسبوع مرة واحدة .. أو المبيت عندها في النهار دون الليل .. أو أن تنفق على نفسها وبيتها من كسبها وعملها .. أو اشترط أحدهما على الآخر بأن لا يتزوج بعد وفاته .. فهذه شروط باطلة لا يجوز الوفاء بها لمخالفتها للشرع .. ولمنافاتها لمقاصد الحياة الزوجية، كما أنه لا يترتب على عدم الالتزام بها شيء؛ فعقد الزواج يبقى، والشرط الفاسد يُلغَى، فقد صح عن النبي  أنه قال:" المسلمون على شروطهم ما وافق الحق من ذلك "[ ]. وقال :" المسلمون على شروطهم فيما أحلَّ "[ ]. وقال :" المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرّم حلالاً أو أحل حراماً "[ ]. فلا يجوز إمضاؤه ولا الوفاء به.

وقال :" ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرطٍ، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق " البخاري.
وقال :" ما بال أقوامٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة شرط " البخاري.


الوكالة في العقد:

يجوز لطرفي النكاح أن يوكلا من ينوب عنهما في عقد الزواج، كما في الحديث أن النبي قال لرجل:" أترضى أن أزوّجك فلانة "؟ قال: نعم، وقال للمرأة أترضَينَ أن أزوجك فلاناً "؟ قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه "[ ]. ففوضا أمر نكاحهما إلى النبي ، ومنه استدل أهل العلم على جواز الوكالة في عقد النكاح.


ـ الزواج المؤقّت:

وهو الزواج على نية الطلاق بعد إسبوع أو شهر أو شهرين أو سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك أو أقل .. من دون علم المرأة .. كما يفعله بعض الطلاب والتجار والسائحين الوافدين إلى بلاد الغرب .. وهذا لا يجوز .. وهو نكاح باطل؛ لأنه ضرب من ضروب نكاح المتعة المحرَّم والباطل .. والذي من أركانه تحديد مدة وزمن النكاح، كما في الحديث عن علي بن أبي طالب  أنَّ رسولَ الله  نهى عن متعة النساء يوم خيبر " متفق عليه.

وعن سَبْرَة الجهني  أنه كان مع رسول الله  فقال:" يا أيها الناس إنِّي قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء فليخلّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً " مسلم.
وعن محمد الباقر بن علي بن الحسين، أنَّ علياً بلغه أن رجلاً لا يرى بالمتعة بأساً، فقال:" إنّك تائه؛ إنه نهى رسولُ الله  عنها وعن لحوم الحُمُر الأهلية يوم خيبر "[ ].

وعن ابن عمر، قال: لما ولِّي عمر بن الخطاب، خطَب الناسَ فقال:" إنَّ رسولَ الله  أذِنَ لنا في المتعة ثلاثاً، ثم حرمها؛ والله! لا أعلم أحداً يتمتّع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة، إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسولَ الله أحلّها بعد إذ حرّمها "[ ].
وقوله " خطب الناس "؛ أي أنه قال مقولته هذه على مرأى ومسمع من الصحابة رضي الله عنهم من دون أن ينكر عليه أحد؛ فدل على إجماع الصحابة على التحريم.

وعن عبد الله بن الزُّبير أنه قام بمكة فقال: إن ناساً أعمى الله قلوبَهم، كما أعمى أبصارَهم؛ يُفتون بالمتعة، يُعَرّضُ برجل. فناداه فقال: إنك لجِلْفٌ جافٍ؛ فلعمري لقد كانت المتعةُ تُفعَلُ على عهدِ إمام المتقين ـ يريد به رسولَ الله  ـ فقال له ابنُ الزبير: فجرّب بنفسك؛ فوالله! لئن فعلتها لأرجمنّك بأحجارِكَ. مسلم.

بل هو ـ أي الزواج على نية الطلاق ـ أسوأ من نكاح المتعة من جهة تضمنه الغدر بالمرأة وغشها، والكذب عليها .. ولما يترتب عليه من ضرر وأذى للمرأة التي لو علمت بنية الرجل من زواجه لما وافقت على الزواج منه .. فنكاح المتعة المحرم باتفاق أهل العلم؛ المرأة تعلم مسبقاً بنية صاحبها أنه سيفارقها بعد زمنٍ محددٍ من قضاء وطره .. وهنا لا تعلم .. فيكون من هذا الوجه أشد ضرراً وحرجاً عليها مما لو أنها كانت تعلم من قبل!

كما أن هذه الصورة من الزواج تُفقد الثقة بين المسلمين والمسلمات .. إذ لو كان جائزاً .. فهذا يعني أن كل زوج من الممكن أن يُضمر الطلاق في زمنٍ محددٍ بعد الزواج .. وهذا مما لا شك أنه يورث العداوة والبغضاء والشك، وسوء الظن .. وانتفاء الثقة الواجبة فيما بين الأزواج .. وهذا كله يتنافى مع غايات ومقاصد الزواج.
ومن الأوجه الموجبة لتحريم الزواج على نية الطلاق بعد زمنٍ محدد .. أن العمل به مؤداه إلى العمل والقول بتحليل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول؛ بحيث يعقد عليها رجل ثانٍ وفي نيته أنه سيطلقها بعد ساعة لتحل ثانية لزوجها الأول البائنة منه بتطليقاته الثلاث، وفي الحديث فقد صح عن النبي  أنه قال:" لعنَ الله المحلِّلَ، والمُحَلَّلَ له "[ ].
وقال :" ألا أخبركم بالتَّيس المُستعار؟" قالوا: بلى يا رسولَ الله. قال:" هو المُحَلِّلُ. لعنَ الله المُحَلَِّ والمُحَلَّلَ له "[ ]. والمحَلِّلُ هو الرجل الثاني الذي يتزوج من المرأة المطلقة ثلاثاً على نية طلاقها بعد زمن محددٍ لتحل لزوجها الأول ثانية؛ وهو المُحَلَّل له .. فهذان بنص الحديث ملعونان .. مطرودان من رحمة الله.


ـ نِكاحُ الشِّغَارِ:

صفته أن يزوّج الرجلُ وليته لآخر، على أن يزوجه الآخر وليته من غير مهرٍ يُفرَض للوليتين، وهذا نكاحٌ باطل قد نهى عنه النبي ، فقال :" لا شِغارَ في الإسلام ".
وفي رواية عند البخاري، عن ابن عمر رضي الله عنهما:" أن رسولَ الله  نهى عن الشِّغار؛ والشِّغارُ أن يزوِّج الرجلُ ابنتَهُ على أن يزوّجه الآخرُ ابنَتَه، ليس بينهما صَداقٌ ".


ـ الزواج من زانيةٍ أو زانٍ:

الزاني المقيم على زناه، والذي لا تُعرف عنه توبة من الزنى، لا يجوز أن يزوّج أو يعقد من مسلمة طاهرة من وزر الزنى، وكذلك الزانية المقيمة على فعل الفاحشة، ولا يعرف عنها توبة من الزنى لا يجوز أن تزوَّج من مسلم طاهر من وزر الزنى، لقوله تعالى: الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ النور:3.
ولقوله :" لا ينكحُ الزاني المجلود إلا مثلَه "[ ].
فإن عُرِف عن الزاني أو الزانية توبة صادقة عن الزنى، فإنه حينئذٍ يجوز للزاني التائب أن يتزوج من غير زانية، كما يجوز للزانية التائبة أن تتزوج من غير زانٍ، لقوله تعالى: إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً الفرقان:70.
ولقوله :" التائب من الذنب كمن لا ذنب له "[ ]. وفي رواية:" الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له "[ ]. فالتوبة الصادقة ـ ولله الحمد ـ تجبُّ ما قبلها من الذنوب.

الهامش

الذي أنصح به أن تُعطى مرحلة الخطوبة؛ ما قبل إمضاء عقد النكاح ـ والذي به تُصبح الأمور ملزمة للطرفين ـ فرصة كافية للتعارف ودراسة وفهم كل طرفٍ للطرف الآخر .. ولتكن أشهراً .. فنحن نعيش في زمان ـ يختلف عن زمان النبي  ـ قد فُقدت فيه الأمانة .. وفشا فيه الغش والكذب، والخيانة، والغدر .. والزور .. والتشبع بما لم يُعطَ المرء .. لذا فإن الموضوع يحتاج لمزيد من الدراسة والاستيثاق والاستشارة .. والاستخارة .. استبراء للدين والعِرض .. ففي العجلة ـ في هذا الأمر ـ الندامة كل الندامة.
صحيح سنن النسائي: 3133.
ينبغي مراعاة الزواج من كتابية وهي في دارها؛ دار الكفر .. وبين الزواج منها وهي في دار أو بلاد المسلمين .. إذ غالباً في الحالة الأولى لا يملك الأب المسلم حرية تربية أبنائه التربية الإسلامية الصحيحة .. ثم لو حصل بين الزوجين أي خلاف .. فإن ذلك ينعكس سلباً على تربية الأبناء .. وقد يخسر الرجل أبناءه .. ويفقد حرية التنقل أو السفر بهم إلى البلد الذي يعتقد أن فيه خيراً له ولأبنائه .. وما أكثر الحالات والمشاكل التي تقع بين الأزواج في بلاد الغرب، الدالة على هذا المعنى الآنف الذكر .. وهذا أمر يجب أن يُراعى ويُتنبّه له .. كما له دور في تقرير وتقدير مدى جواز وشرعية الإقدام على هكذا زواج!
أنواع العدة .. ومدة كل واحدة منها .. وما يترتب عليها من أحكام .. سنأتي ـ إن شاء الله ـ للحديث عنه لاحقاً وفي موضعه من هذا البحث.
صحيح سنن أبي داود: 1859.
صحيح سنن أبي داود: 1836.
صحيح سنن أبي دواد: 1837.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4/286: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح.
صحيح سنن الترمذي: 1/319.
صحيح سنن أبي داود: 1853.
صحيح سنن ابن ماجه: 1527. والحديث له تتمة:" فإنَّ الزانية هي التي تُزوّج نفسها ". قد صححها الشيخ أحمد شاكر ، كما في عمدة التفسير: 1/285.
رواه الترمذي وغيره، صحيح سنن الترمذي: 1150.
صحيح سنن ابن ماجه: 1896.
صحيح سنن ابن ماجه: 1897.
صحيح سنن النسائي: 3063.
صحيح سنن أبي داود: 1429.
صحيح سنن أبي دواد: 1837.
رواه البيهقي، صحيح الجامع: 7557.
صحيح سنن الترمذي: 881.
رواه أحمد وغيره، صحيح الجامع: 1072.
أخرجه الترمذي وغيره، صحيح سنن الترمذي: 869.
رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، صحيح الترغيب والترهيب: 1807. في هذا الحديث وغيره ترهيب لأولئك الذين يتغالون في المهر المؤخر، وفي نيتهم أن لا يدفعوه إلا في حالة الطلاق، فإن لم يحصل طلاق فهم في حِل منه، وهذا لا يجوز.
أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 999.
رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، والدارمي، مشاكة المصابيح: 3207. وانظر صحيح سنن أبي داود: 1858.
أخرجه ابن ماجه وغيره، صحيح الجامع: 6614.
رواه البيهقي في شعب الإيمان، قال الشيخ ناصر في المشكاة " 3096 ": حسن لطرقه.
صحيح سنن أبي داود: 1859.
رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، صحيح سنن أبي داود: 1865.
صحيح سنن النسائي: 3141.
صحيح سنن النسائي: 3132، 3133.
صحيح سنن النسائي: 3017.
كما تصح صيغة العقد بالإشارة إن كان طرفي النكاح أو أحدهما لا يحسن الكلام، ولا الكتابة، كأن يكون أبكماً ونحوه.
صحيح سنن أبي داود: 1860.
أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: 2915.
أخرجه أبو داود والحاكم، صحيح الجامع: 6714.
أخرجه الحاكم، صحيح الجامع: 6716.
أخرجه الطبراني، صحيح الجامع: 6715.
صحيح سنن الترمذي: 1089.
صحيح سنن أبي داود: 1859.
صحيح سنن النسائي: 3150.
صحيح سنن ابن ماجه: 1598.
صحيح سنن أبي داود: 1827.
صحيح سنن ابن ماجه: 1572.
صحيح سنن أبي داود: 1807.
رواه ابن ماجه وغيره، صحيح الجامع: 3008.
رواه الطبراني وغيره، صحيح الجامع: 6803.


EmoticonEmoticon