Thursday, April 17, 2014

مسألة لحوق ولد الزنا بالزاني إذا استلحقه إذا لم تكن المرأة فراشاً

Tags

مسألة لحوق ولد الزنا بالزاني إذا استلحقه إذا لم تكن المرأة فراشاً



اسم الكتاب / المقالة: مسألة لحوق ولد الزنا بالزاني إذا استلحقه إذا لم تكن المرأة فراشاً"
المؤلف: عمر محمد عادل
التصنيف: الفقه الإسلامي
الكلمات الرئيسية: نسب ولد الزنا

الفهرس



اختلاف العلماء علي قولين

هذه المسألة من المسائل المشهورة، اختلف فيها أهل العلم على قولان - بعد اتفاقهم على عدم لحوقه إذا ولد على فراش رجل وادعاه غيره – ، والقولان هما:


الأول عدم لحوق ولد الزنا بالزاني إذا استلحقه

الأول: جماهير العلماء والمذاهب الأربعة والظاهرية: قالوا بعدم لحوق ولد الزنا بالزاني إذا استلحقه.

واستدلوا بعموم حديث "الولد للفراش وللعاهر الحجر".


الثاني لحوق ولد الزنا بالزاني إذا استلحقه

الثاني: قول الحسن وابن سيرين وإبراهيم وإسحاق وعروة وسليمان بن يسار واختاره ابن تيمية وابن القيم: أنه يلحقه إذا استلحقه وزاد بعضهم إذا أقيم عليه الحد.

واستدلوا بأدلة منها:

1- قالوا حديث "الولد للفراش" يحكم به إذا تنازع الزاني وصاحب الفراش في الولد، أما إذا لم يوجد صاحب فراش ينازع فيه فلا يدل عليه، فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يدعه غيره؟

2- قصة ملاعنة هلال بن أمية مع امرأته وفيه "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك ابن سحماء" وفي قصة جريج قال للولد "من أبوك" فقال "أبي الراعي" قالوا: فيهما نسبة الولد إلى أبيه من الزنا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وحكايته عن جريج، وإنطاق الله الصبي به.

3- القياس فإن الأب أحد الزانيين وهو إذا كان يلحق بأمه وينسب إليها وترثه ويرثها مع كونها زنت به وقد وجد الولد من ماء الزانيين واتفقا على أنه ابنهما، فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يدعه غيره؟

4- أنه المصلحة للولد بدلاً من أن يعيش بلا أب بذنب لا يد له فيه، فإنه ينشأ منسوباً لأب والشرع متشوف لحفظ الأنساب.

وموضوع البحث هو مناقشة والجواب على أدلة أصحاب القول الثاني وبيان أن الصواب هو قول الجمهور إن شاء الله، فأقول مستعيناً بالله:


أدلة قول الأول بعدم لحوق ولد الزنا


الدليل الأول: حديث الولد للفراش وللعاهر الحجر:

في الصحيحين عن عائشة أنها قالت اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: "هو لك يا عبد، الولد للفِرَاش، وللعاهِر الحَجَر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة" قالت فلم ير سودة قط.

وجه استدلالهم: أن هذا يحكم به إذا تنازع الزاني وصاحب الفراش في الولد، أما إذا لم يوجد صاحب فراش ينازع فيه فلا يدل عليه، فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يدعه غيره؟

والجواب:

1- لفظ الحديث عام "الولد للفراش" لأن الاسم الواحد المعرف بالألف واللام من ألفاظ العموم، ومعناه: لصاحب الفراش كما في رواية للبخاري "الولد لصاحب الفراش"، وهو الزوج أو السيد "أي تابع للفراش أو محكوم به للفراش" ، "فإذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشاً له فأتت بولدٍ لمدة الإمكان منه، لحقه الولد وصار ولدا يجرى بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة" ، ولا فراش للزاني.

فإن قيل: قوله الولد للفراش يدل على أن ذلك متى كان هناك فراش، قلنا لو سلمنا بذلك، فعليه إذا لم يكن هناك فراش فالحديث – على هذه الرواية - سكت عن من يُلحَقُ به، لكن نفاه عن الزاني في قوله:

2- "وللعاهر الحَجَر" وهو أيضا عام في كل عاهر، ومعنى العاهر الزاني، ومعنى الحجَر: قيل فيه معنيان: الأول: الرجم بالحجارة " وهذا ضعيف لأنه ليس كل زان يرجم وإنما يرجم المحصن خاصة ولأنه لا يلزم من رجمه نفي الولد عنه والحديث إنما ورد في نفي الولد عنه"

، والثاني: "له الخيبة ولا حق له في الولد، العرب تقول له الحجر وبفيه الأثلب وهو التراب، يريدون ليس له الا الخيبة" وهو الصحيح، "ويؤيده ما أخرجه الحاكم من حديث زيد بن أرقم رفعه " الولد للفراش وفي فم العاهر الحجر" وفي حديث ابن عمر عند ابن حبان: "الولد للفراش وبفيِّ العاهر الأثلب " ، "قال أَبو عبيد معنى قوله وللعاهِر الحجَرُ أَي لا حَقَّ له في النسب ولا حظّ له في الولد" ، " جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حظ الزاني الحجر فقط ، والمراد هنا أنه لا حظّ للعاهر من النسب" ،"فلم يجعل عليه الصلاة والسلام إلا فراشا أو عهرا، وهذه ليست فراشا فهو عهر" ، فالحديث قسم إلى عهر وفراش وليس ثم قسم ثالث، فيقال هل الزاني بمن ليست فراشاً عاهر أم لا؟ قطعا هو عاهر، فنص الحديث أنه ليس له شيء، فمن يقول بل يلحقه الولد يلزم من قوله أحد شيئين: أن لا يسميه عاهراً لئلا يخالف الحديث فلم يبق إلا أنه صاحب فراش لأنه ليس ثم قسم ثالث، أو أن يسميه عاهرا لكن يلحق به الولد فناقض نص الحديث، ولا يخفى ما في الوجهين من الفساد، أو يسميه عاهراً لكن ليس بداخل في حكم الحديث وهذا يحتاج إلى دليل على أنه نوع مخصوص من العهر ولا دليل على ذلك.

فإن قيل: هو متعلق بالشطر الأول، أي وللعاهر الحجر في هذه الحالة، فالجواب: سيأتي من الأدلة الأخرى ما يدل أن العموم هو الصحيح دون تقييد.

فقولهم "إذا لم يكن صاحب فراش فإن الحديث لا يدل عليه" غير صحيح، بل يدل عليه قوله "وللعاهر الحجر".

ثانياً: لا مستند لمن قيد الحديث بما إذا كان هناك صاحب فراش ينازع في الولد إلا قصة الحديث، فهل يصلح هذا سببا مخصصاً للعموم؟ والجواب لا، لوجوه:

1- العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

2- صح أنه صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الحكم عاما في غير هذه القصة، منها:
 عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قام رجل فقال يا رسول الله إن فلانا ابني عاهَرت بأمه في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا دِعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهلية الولد للفراش وللعاهر الحجر". أبو داود وصححه الألباني، وهو سبب آخر للحديث كما ذكر ابن حجر، ولم يُذكر فيه أن صاحب الفراش نازعه.

 روى الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً "الولد للفراش" دون ذكر القصة، ثم قال قال "وفي الباب عن عمر وعثمان وعائشة وأبي أمامة وعمرو بن خارجة وعبد الله بن عمرو والبراء بن عازب وزيد بن أرقم"اهـ، وأكثر هذه الروايات لم تذكر قصة سعد وعبد ابن زمعة، بل ذكرته حكماً عاماً.

 وأبلغ من كل ذلك ما رواه الترمذي عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع "إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر، وحسابهم على الله...". قال الترمذي حسن صحيح وصححه الألباني، فقد ذكر هذا الحكم بمحضر من جم غفير من الصحابة لم يحضروا حادثة اختصام سعد وعبد ابن زمعة، فلو كان مقيداً بما إذا وجد مثل هذا التنازع في قصة الاختصام لبينه ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

3- ينتقض التقييد "بأن يوجد صاحب فراش ينازع" بهذا الاحتمال: إذا زنى بمن هي فراش لزوج وانتفى الزوج من الولد بالملاعنة، واعترفت الزوجة بأنه من الزنا، فهنا لا يوجد هناك صاحب فراش ينازعه، فيلزم على قولهم أن يلحق بالزاني لعدم المنازع وهو مخالف للإجماع، قال ابن قدامة "وأجمعوا على أنه إذا ولد على فراش رجل ، فادعاه آخر أنه لا يلحقه ، وإنما الخلاف فيما إذا ولد على غير فراش" ، فالأصح على مذهبهم أن يقيدوا بمجرد وجود صاحب فراش سواء نازع أم لا لئلا يخالفوا الإجماع في الصورة الماضية، لكن في هذه الحالة لم يعد لهم دليل في قصة الحديث على التقييد لأن الحديث على الرواية التي احتجوا بها في صاحب فراش ينازع!!
فإن قيل: بل هناك مستند آخر للتقييد غير قصة الحديث، وهو لفظ الحديث "الولد للفراش"، فالكلام يدور حال وجود فراش ينسب إليه الولد، فالجواب في النقطة التالية:

4- وأقوى ما يدل على العموم دون تقييد بفراش أو نزاع أو غيره الأدلة الأخرى التي وردت عامة مثل:

1- روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم – الحديث - وفيه "وإن كان من أمةٍ لم يملكها أو من حرة عاهَر بها فإنه لا يُلحق به ولا يَرِث، وإن كان الذي يُدْعى له هو ادَّعاه فهو ولد زِنْيةٍ من حرة كان أو أمة" وفي رواية "وهو ولد زنا لأهل أمه مَنْ كانوا حرة أو أمة" (حسنه ابن مفلح في الفروع، والبوصيري في تعليقه على سنن ابن ماجة، والأرنؤوط في تحقيقه لزاد المعاد، والألباني في صحيح أبي داود، وصححه أحمد شاكر )

وهو صريح في أن ولد الحرة المزني بها لا ينسب إلى الزاني ولا يرثه وإن ادعاه الزاني، والحديث عام لم يقيد بنزاع أو غيره.
قال ابن القيم "وهذا حجة الجمهور على إسحاق ومن قال بقوله إنه لا يلحق بالزاني إذا ادعاه ولا يرثه وأنه ولد زنى لأهل أمه من كانوا حرة كانت أو أمة، فهذا الحديث يرد قول إسحاق ومن وافقه لكن فيه محمد بن راشد، ونحن نحتج بعمرو بن شعيب فلا يعلل الحديث به فإن ثبت هذا الحديث تعين القول بموجبه والمصير إليه وإلا فالقول قول إسحاق ومن معه والله المستعان" وقد تبين لك صحته، وقال الأرنؤوط في تعليقه على الزاد: محمد بن رشد لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن خلافاً لما يوهمه كلام المؤلف.اهـ

ولاحظ فائدة الزيادة "وهو ولد زنا لأهل أمه مَنْ كانوا حرة أو أمة"، فقد نسبه إلى أهل أمه مطلقاً فهو صريح أنه في إحدى حالتين: إما أنها ليست فراشاً أو هي فراش وانتفى منه زوجها بالملاعنة، لأنها إن كانت فراشاً نازع فيه صاحبه لنسب إليه لا إليها، فلما نسبه إلى أهل أمه كان كالنص في الحالة التي لم ينازع فيها صاحب الفراش، قال ابن القيم: "الصورة الثانية : أن يكون الولد من أمة لم تكن في ملكه وقت الإصابة , فهذا ولد زنا لا يلحق به ولا يرثه , بل نسبه منقطع منه، وكذلك إذا كان من حرة قد زنى بها , فالولد غير لاحق به ولا يرث منه وإن كان هذا الزاني الذي يُدعى الولد له - يعني أنه منه - قد ادعاه لم تفد دعواه شيئا , بل الولد ولد زنا , وهو لأهل أمه , إن كانت أمةً فمملوكة لمالكها , وإن كانت حرة فنسبه إلى أمه وأهلها , دون هذا الزاني الذي هو منه" .

2- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أيما رجل عاهَر بحرةٍ أو أمةٍ، فالولد ولد زنا لا يرِث ولا يُورث. رواه الترمذي وصححه الألباني، وقال: والعمل على هذا عند أهل العلم أن ولد الزنا لا يرث من أبيه، وهو أصرح ما يكون في العموم، والله أعلم.

فإن قيل: فلماذا لا يحمل المطلق في هذه الأحاديث على المقيَّد في حديث "الولد للقراش"؟
فالجواب: التقييد في هذا الحديث أصلاً ليس متفقاً عليه بل الجمهور على عدم التقييد، فالقول بالتقييد يستدل له ولا يستدل به، فلما وردت أحاديث أخرى عامة صريحة في العموم، علمنا بها ألا تقييد في الحديث الأول، وإنما نحمل عليه العام إذا كان التقييد صريحاً في الحديث.


الدليل الثاني: النسبة في حديث شريك "فهو لشريك وفي حديث جريج "من أبوك؟ أبي الراعي:

أولاً: ينبغي أن يعلم أن ابن الزنا يصح أن ينسب إلى الزاني من وجه وينفى عنه من وجه:

1- فيصح نسبته إليه بمعنى أنه خلق من مائه فهو ابنه حقيقة وكوناً لا شرعا، وتثبت بينهما الحرمة لا التحريم عند جمهور العلماء.
2- ويصح نفيه من وجه وهو النسبة الشرعية التي يثبت بها النسب والتحريم والإرث والنفقة وكافة الحقوق الشرعية.
والنسبة في الحديثين من النوع الأول لا الثاني.

وهذا التقسيم ذكره غير واحد من العلماء ويسمونه تبَعُّض الأحكام، أو الحكم بحكم باطن وآخر ظاهر، واستدل له البعض بقوله "واحتجبي منه يا سودة"، وزاد النسائي من حديث عبد الله بن الزبير بعد قوله ، "واحتجبي منه يا سودة فليس لك بأخ" (الزيادة صححها الألباني والذهبي وحسنها ابن حجر، وضعفها البيهقي والخطابي والنووي وابن القيم والسيوطي في شرحه للنسائي)

قال ابن القيم: "وأما أمره سودة وهي أخته بالاحتجاب منه فهذا يدل على أصل وهو تبعيض أحكام النسب فيكون أخاها في التحريم والميراث وغيره ولا يكون أخاها في المحرمية والخلوة والنظر إليها لمعارضة الشبه للفراش فأعطى الفراش حكمه من ثبوت الحرمة وغيرها وأعطى الشبه حكمه من عدم ثبوت المحرمية لسودة ... فلينظر إلى الولد من الرضاعة كيف هو ابن في التحريم لا في الميراث ولا في النفقة ولا في الولاية ؟ وهذا ينفع في مسألة البنت المخلوقة من ماء الزاني فإنها بنته في تحريم النكاح عليه عند الجمهور وليست بنته في الميراث ولا في النفقة ولا في المحرمية"

وقال شيخ الإسلام: "ولما كان احتجابها منه ممكنا من غير ضرر أمرها بالاحتجاب لما ظهر من الدلالة على أنه ليس أخاها في الباطن فتبين أن الاسم الواحد ينفى في حكم ويثبت في حكم . فهو أخ في الميراث وليس بأخ في المحرمية "

قال ابن الهمام الحنفي: "ولو ولدت منه بنتا بأن زنى ببكر وأمسكها حتى ولدت بنتا حرمت عليه هذه البنت لأنها بنته حقيقة وإن لم ترثه ولم تجب نفقتها عليه ولم تصر أمهاتها أمهات أولاد لقوله صلى الله عليه وسلم "الولد للفراش" فإن المراد به الولد الذي يترتب عليه أحكام الشرع، إلا أن حكم الحرمة عارضه فيه قوله تعالى "حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم"، والمخلوقة من مائه بنته حقيقة لغة ، ولم يثبت نقل في اسم البنت والولد شرعا ، والاتفاق على حرمة الابن من الزنا على أمه ، فعلمنا أن حكم الحرمة مما اعتبر فيه جهة الحقيقة"

وصنيع العلماء يدل على الإقرار بهذا التقسيم ضمنا مثال ذلك:

- عند جمهورهم لا يصح أن ينكح الرجل ابنته من الزنا، علله ابن قدامة "فإنها أنثى مخلوقة من مائه ، وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة ، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة هلال بن أمية : { انظروه يعني ولدها فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك ابن سحماء } يعني الزاني،... وتخلف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتا ، كما لو تخلف لرق أو اختلاف دين" ، فانظر كيف حمل الحديث على النسبة الحقيقية الخَلقية لا الشرعية.

- وقال أيضاً: "الثالث : الحرام المحض ، وهو الزنا ، فيثبت به التحريم ، على الخلاف المذكور ، ولا تثبت به المحرمية ، ولا إباحة النظر"

فإن قيل لو سلمنا بهذا التقسيم السابق، فلا يلزم من مجرد صحته أن يكون هو المقصود بالحديث، بل هو صحيح في ذاته، ولكن ما الدليل أن الحديث يحمل عليه؟

والجواب:

يدل عليه أن هذه النسبة في حديث "فهو لشريك" جاءت في الحالة التي أجمع العلماء أن الولد لا ينسب فيها إلى الزاني – نسبة شرعية - ، لأن:
 المرأة كانت فراشاً لزوج، والزوج انتفى من الولد، وبالإجماع ينسب هنا إلى أمه فقط، قال ابن قدامة "وأجمعوا على أنه إذا ولد على فراش رجل ، فادعاه آخر أنه لا يلحقه ، وإنما الخلاف فيما إذا ولد على غير فراش"

 في حديث ابن عمر في الصحيحين "أن رجلا لاعن امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بأمه"

 بل ورد صريحا في رواية للحديث عند أبي داود لكنه ضعيف وفيه "ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن لا يُدعى ولدها لأبٍ ولا تُرمى ولا يُرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد"

 ولأنه لم يثبت الزنا بينها وبين من رميت به ثبوتا شرعيا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن" أي أن الملاعنة تدرأ الحد عن المرأة، فكيف يقال أن هذه النسبة هي نسبة إلحاق بمن رميت به ينسب إليه ويرثه، والزنا لم يثبت أصلا - ثبوتا شرعيا - وإلا للزم منه إقامة الحد على من رميت به وعليها، ولم يحدث، بل نص العلماء أن من قَذَف الملاعِنة يُحَدُّ، وورد فيه حديث ضعيف عند أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه ومن قَفَاها به جلد ثمانين ومن دعاه ولد الزنا جلد ثمانين" ضعفه المحققون
 أن شريك ابن سحماء لم يعترف بالزنا ولم يدَّعِ الولد أصلاً.

فلما دل الدليل والإجماع أن هذه النسبة ليست نسبة شرعية تثبت بها أحكام النسب تعين حمل الحديث على أن المقصود أنه من مائه، وأنه أبوه خِلقةً، ويؤيده أنه ربط هذه النسبة بوجود الشبه بينهما فقال "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك ابن سحماء" والشبه إنما يكون بسبب البنوة الخَلقية، ألا ترى أنه لا يعتبر الشبه في النسبة الشرعية إذا وجد الفراش ، كما في الحديث عن أبي هريرة قال "جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حُمْر، قال: هل فيها من أوْرَق؟ قال: إن فيها لوُرْقا، قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نَزَعه عِرق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق" وفيه "أن الولد يلحق الزوج وإن خالف لونُه لونَه، ولا يحل له نفيه بمجرد المخالفة في اللون" ، فإذا ثبت هذا علمنا أن الشرع قد يذكر هذه النسبة ولا يلزم منها إثبات النسب الشرعي، بل أصرح منه ما رواه ابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من عاهَر أمَةً أو حرةً فولدُه ولدُ زناً لا يَرث ولا يُورث" فيه قوله "فولده" فنسب الولد إليه وأعقبه مباشرة بما يدل على أن هذه النسبة ليست إثباتا لأحكام النسب الشرعي، وإنما نسبةً بمقتضى الخلقة.

- ويحمل عليه حديث جريج ليوافق الأحاديث الأخرى العامة مثل "الولد للفراش"، طالما أنه ثبت استعمال النسبة بهذا المعنى في الشرع، وجواب آخر عن حديث جريج وهو أضعف من الأول: أنه شرع من قبلنا جاء شرعنا بخلافه في حديث "الولد للفراش"، والأحاديث الأخرى العامة.


الدليل الثالث أثر عمر: كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام:

حتى يتيسر فهم هذا الأثر وتفصيل أهل العلم فيه، ينبغي أن يعلم أولاً أن من زنى بامرأة لا يخلو أن يكون ذلك في الجاهلية أو في الاسلام، ولا يخلو أن تكون المرأة فراشاً لزوج أو سيد أو ليست فراشاً، فهنا أربع صور:

1- من زنى بامرأة في الجاهلية وكانت فراشا لزوج أو سيد.
2- من زنى بامرأة في الإسلام وكانت فراشاً لزوج أو سيد.
3- من زنى بامرأة في الجاهلية ولم تكن فراشاً.
4- من زنى بامرأة في الإسلام ولم تكن فراشاً.

- فالأول والثاني يلحق الولد فيهما بصاحب الفراش دون الزاني مطلقاً، إلا أن ينفيه فيلحق بأمه فقط.
- الثالث من كان زنى بامرأة في الجاهلية أو نكحها نكاحا باطلاً من أنكحة الجاهلية مما كانوا يلحقون به النسب ولم تكن فراشاً ولم يدعه غيره، فعفا الإسلام عن ذلك وألحق به، وهو المقصود بالأثر عن عمر رضي الله عنه.
- الرابع لا يلحق به النسب مطلقاً، ولم يرد عن عمر رضي الله عنه أنه رُفع إليه زناً في الإسلام فألحق به وكل ما ورد عنه كان في النوع الثالث.

أو باختصار: الولد لا يلحق الزاني لا في جاهلية ولا إسلام إذا كانت المرأة فراشا ، أما إذا لم تكن فراشاً وكان الولد من زنا أو نكاح باطل كان أهل الجاهلية يستلحقون به ولم يدعه غيره فإنه يلحق منه ما كان في الجاهلية دون الإسلام.

التفصيل والأدلة وكلام العلماء الذي يدل على هذا التقسيم:

أولاً: أثر عمر:

عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب كان يُليط – أي يلحق - أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام، رواه مالك في الموطأ والبيهقي في السنن الكبرى وعبد الرزاق في مصنفه.

ثانياً: الدليل أن أهل الجاهلية كانوا يلحقون النسب بالزنا:

حديث سعد وعبد بن زمعة حيث استلحق سعد الولد "دليل على ما كان عليه أهل الجاهلية من استلحاق أولاد الزنا" ،وكذلك ما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قام رجل فقال يا رسول الله إن فلانا ابني عاهرت بأمه في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا دِعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهلية الولدُ للفراش وللعاهر الحجر".

ثالثاً: الإسلام عفا عما كان من ذلك في الجاهلية وألحق النسب به:

- روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا مُسَاعاة في الإسلام، من ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته، ومن ادعى ولداً من غير رِشدة فلا يرث ولا يورث" ضعفه الألباني، وقال الخطابي في شرحه "المساعاة الزنا،... فأبطل صلى الله عليه وسلم المساعاة في الإسلام ولم يلحق النسب بها، وعفا عما كان منها في الجاهلية وألحق النسب به"
- وأثر عمر أنه كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام.

رابعاً: الدليل على النوع الأول والثاني وهي من كانت فراشاً في الجاهلية أو في الإسلام وأنه لا يلحق بالزاني مطلقاً:

- حديث سعد وعبد ابن زمعة، وكان الزنا في الجاهلية.
- ذكر ابن عبد البر في "التمهيد" بإسناده "عن عبد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال أرسل عمر بن الخطاب إلى شيخ من بني زهرة - من أهل دارنا، فذهبت مع الشيخ إلى عمر وهو في الحجر، فساله عن وِلاد من وِلاد الجاهلية، قال وكانت المراة في الجاهلية إذا طلقها زوجها أو مات عنها نكحت بغير عدة، فقال الرجل أما النطفة فمن فلان وأما الولد فهو على فراش فلان، فقال عمر صدقت، ولكن قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالولد للفراش ... قال ابو عمر: لم يلتفت عمر إلى قول القائف مع الفراش وعلى هذا جماعة الناس"

خامساً: كلام العلماء الذي يدل على التفصيل السابق:

- قال ابن عبد البر في التمهيد – بعد ذكر أثر عمر - "هذا إذا لم يكن هناك فراش، لأنهم كانوا في جاهليتهم يسافحون ويناكحون وأكثر نكاحاتهم على حكم الإسلام غير جائزة، وقد أمضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء الإسلام أبطل به رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم الزنى لتحريم الله إياه، وقال "للعاهر الحجر"، فنفى أن يلحق في الإسلام ولد الزنى، وأجمعت الأمة على ذلك نقلا عن نبيها صلى الله عليه وسلم، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ولد يولد على فراش لرجل لاحقا به على كل حال إلى أن ينفيه بلعان"، وقال عن الأثر في الاستذكار "هذا منه كان خاصا في ولادة الجاهلية حيث لم يكن فراش". وهما الشرطان الذين ذكرناهما سابقاً.
قلت: انظر نقله للإجماع على عدم لحوق ولد الزنا في الإسلام، وإن كان الإجماع هنا غير دقيق لوجود الخلاف في المسألة بل سليمان بن يسار الراوي عن عمر ممن يقول بلحوقه مستدلا بأثر عمر، لكن على الأقل دليل أنه لم يكن من مذهب عمر ولا غيره من الصحابة وإلا لاشتهر ذلك، وأنه لا يُفهم من هذا الأثر أن عمر كان يلحق ولد الزنا في الإسلام.

- وقال في الاستذكار :"فإن لم يكن فراش وادعى أحد ولدا من الزنا فكان عمر يليط أولاد الجاهلية بمن استلاطهم ويلحقهم بمن استلحقهم إذا لم يكن هناك فراش لأن أكثر أهل الجاهلية كانوا كذلك، وأما اليوم في الإسلام بعد أن أحكم الله شريعته وأكمل دينه فلا يلحق ولد من زنا بمدعيه أبداً عند أحد من العلماء كان هناك فراش أم لا، عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال لما فتحت مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم رسول الله صلى الله عليه و سلم قام رجل فقال ان فلاناً ابني فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( لا دِعوة في الاسلام ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش وللعاهر الأثلب) قالوا وما الأثلب قال ( الحجر )، قال أبو عمر أجمع العلماء - لا خلاف بينهم فيما علمته - أنه لا يلحق بأحد ولد يستلحقه إلا من نكاح أو ملك يمين فإذا كان نكاح أو ملك فالولد لاحق بصاحب الفراش على كل حال".

وقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ: " وعتبة بن أبي وقاص إنما ادعى هذا الولد من جهة زنا في الجاهلية ومثل هذا كان يلحق به لو ادعاه بعد ما أسلم في الإسلام ما لم يكن هناك سبب هو أولى من دعواه رواه عيسى عن ابن القاسم"

وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار: "والذي روى سليمان بن يسار ، أن عمر بن الخطاب ، كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام ، فإنما ذلك فيما سلف من أنكحتهم التي كانوا يعتقدون جوازها ، فأما الآن فلو فعل مثل ذلك مسلم لم يلحق به ولدها ، فليس فيه لمن استشهد به حجة ، وتمام الحديث حجة عليه كما سبق ذكرنا له"

قلت: لعله يقصد بالحجة في تمام الحديث أن الحديث ورد في قصة من زنا الجاهلية رفعت إلى عمر فألحق النسب فيها بالقافة فاستدل البيهقي أن ذلك قضاء عمر فيما في ما كان في الجاهلية دون الإسلام فلا يعدو الاستدلال به ذلك،

والحديث بتمامه "عن سليمان بن يسار : أن عمر بن الخطاب ، كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام، فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعا عمر بن الخطاب قائفا فنظر إليهما فقال القائف : لقد اشتركا فيه، فضربه عمر بن الخطاب بالدرة ، ثم دعا المرأة فقال : أخبريني خبرك، فقالت : كان هذا - لأحد الرجلين - يأتيني وهي في إبل لأهلها فلا يفارقها حتى يظن وتظن أنه قد استمر بها حبل ، ثم انصرف عنها فأهريقت دماء ثم خلف عليها هذا - تعني الآخر -، فلا أدري من أيهما هو ؟ فكبر القائف فقال عمر للغلام : وال أيهما شئت"

سادساً: كيفية استدلال الأئمة المتقدمين بهذا الأثر:

قال الباجي في المنتقى عند شرح أثر عمر:

"وروى عيسى عن ابن القاسم في جماعة يسلمون فيستلحقون أولادا من زنى فإن كانوا أحرارا ولم يدعهم أحد لفراش فهم أولادهم، وقد ألاط عمر من ولد في الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام إلا أن يدعيه معهم سيد الأمة أو زوج الحرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الولد للفراش وللعاهر الحجر، وروى ابن حبيب عن مالك من أسلم اليوم فاستلاط ولدا بزناً في شركه فهو مثل حكم من أسلم في الجاهلية ... ومعنى ذلك أنهم إذا استحلوا الزنا وأثبتوا به الأنساب لم يبطل تلك الأنساب الإسلام كالنكاح الفاسد ، فإذا ادعى ذلك بعد الإسلام حكم له بما تقدم له منه في الجاهلية وإنما يلحق به إن لم يكن مدع ثم أحق به منه"

فانظر كيف استدل به أئمة المالكية على ثبوت الحكم إذا وجد مثل تلك الحال، بأن يسلم كافر وله ولد من زناً قبل أن يسلم مما كان عادة قومه وأهل دينه إلحاق الولد به، فإنه يلحق به إذا لم يكن هناك من هو أحق به منه وهو الزوج إذا كانت المزني به فراشاً، وهذا الحكم قد يستدل به في زماننا إذا وجد مثل تلك الحال فيمن يسلم حديثاً، فهذا أقصى ما يصح الاستدلال به من هذا الأثر، والله أعلم.

سابعاً: الزنا بمن ليست فراشاً في الإسلام:

 لم يرد عن عمر رضي الله عنه قط أنه ألحق به، ولم يذكر أحد ممن نقل المذاهب عمر فيمن يقول بلحوق ولد الزنى في الإسلام بالزاني إذا لم تكن فراشا، بل أزعم أنه لم يقل بهذا قط أحد من الصحابة.

 وكل ما ورد عن الصحابة في هذا إنما يدل على جواز تزوج الزاني ممن زنى بها بعد التوبة، وليس فيه ذكر لإلحاق نسب أو غيره،
 ويشهد له الإجماع الذي رواه ابن عبد البر - وإن كان الخلاف ثابتاً في المسألة – ،

 وإنما قاسه من استدل به، على فعله بأولاد الجاهلية، وهو قياس مع الفارق فهذا كان قبل ورود الشرع بالنهي عنه فأجري على ما كانوا يعتقدونه، ثم ثبت التحريم بعد ذلك في الإسلام.

 ومالك رضي الله عنه أخرج الأثر في الموطأ ولم يستدل به على الإلحاق في الإسلام وإنما استدل به على الحالة الخاصة التي ذكرنا كما نقله عنه الباجي في المنتقى.

وإنما الذي ورد عن عمر في الإسلام كان في الإلحاق بالقيافة في وطء الشبهة، كما إذا اشترك في طهر واحد أكثر من وطء محترم بشبهة فكان يعمل فيه بالقيافة، و الروايات عنه بذلك لم يذكر في أحد منها زناً أوحدّ: ومنها "باع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه جارية كان يقع عليها قبل أن يستبرئها فظهر بها حمل عند المشتري فخاصموه ... فدعا القافة"، "أن رجلين اشتركا في طهر امرأة فولدت ولدا ... فدعا ثلاثة من القافة"، "في رجلين اشتركا في امرأة ادعى كل واحد منهما الولد، في رجلين وطئا جارية في طهر واحد"، وبوب عليه البيهقي باب القافة ودعوى الولد، وهذا خارج هن محل الخلاف، والله أعلم


ثامناً: مسألة أخيرة:

وأما ما رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قام رجل فقال يا رسول الله إن فلانا ابني عاهرت بأمه في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا دِعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهلية الولدُ للفراش وللعاهر الحجر" فمحمول على أن المرأة كانت فراشاً ليتفق معه أثر عمر فيما إذا لم تكن فراشاً في الجاهلية، وإلا فظاهره عدم الاستفصال عن كونها كانت فراشاً أم لا وعدم الإلحاق به في الجاهلية، لكن لما ثبت في الأثر الذي رواه ابن عبد البر عن عمر أنه بلغه حديث الولد للفراش وكان يعمل به (ص9، تحت: رابعاً)، فدل على أنه فهم التفصيل فيما إذا كانت فراشاً في الجاهلية أم لا، فنقيد حديث أبي داود بعمل الصحابة على أنه محمول أنها كانت فراشاً. والله أعلم.

فإن قيل: فقد رفضت هذا التقييد في البداية وقلت إن الحديث عام، في كل زنا وكل عاهر، وكذلك هنا ليس في ظاهر النص إلا العموم ولفظه تماما كالحديث الأول، وقوله "لا دعوة" نكرة في سياق النفي فهي عامة فيما إذا كانت فراشاً أم لا؟

فالجواب: إن التقييد هنا عليه دليل بخلاف الأول، والدليل هنا قضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان في زمن الخلافة الراشدة وفقهاء الصحابة متوافرون، والظاهر أن هذا القضاء لا يخفى على الصحابة، ولم ينكره عليهم أحد، وهو في حالة مخصوصة مما كان في الجاهلية دون الإسلام، فلا يعدو التخصيص هذه الحالة وما كان مثلها مما سبق في استدلال أئمة المالكية به، وبغير هذا التقييد يلزم القول بأن عمر خالف الحديث الصريح وقد بلغه وقضى به في بعض الأقضية، وسكت على ذلك الصحابة، وهذا لا يمكن تصوره، بينما لم يثبت عن عمر قط ولا عن غيره من الصحابة إلحاق ولد من زناً في الإسلام، فيبقى الحديث على عمومه في هذه الحالة، والله أعلم.


الدليل الرابع: القياس على المرأة لأن كلاهما زان: والجواب من ثلاثة أوجه:

1 - هذا قياس مع الفارق إذ المرأة يلحق بها الولد في جميع الأحوال:

 فلو كانت فراشاً ولم ينتف الزوج منه فإنه يلحق بها - بمعنى أنه يرثها وترثه لا أنه ينسب إليها ويدعى لأمه، بل يدعى إلي صاحب الفراش -، ولا يلحق بالزاني وإن استلحقه واعترفت هي أنه من الزاني إجماعاً طالما أن الزوج لم ينفه.

 وإن كانت فراشاً وانتفى منه زوجها، فإنه يلحق بها ولا يلحق بالزاني إجماعاً، سواء اعترفت هي بالزنى أو لاعنت ولم يثبت عليها الحد.
 وإن لم تكن فراشاً ولم يستلحقه الزاني فإنه يلحق بها دونه بالإجماع.

 وإن لم تكن فراشاً واستلحقه الزاني فإنه ملحق بها – بمعنى أنها ترثه ويرثها – إجماعاً، والخلاف في لحوقه بالزاني أم لا.
ففارقت الزاني الذي أجمعوا أنه لا يلحق به في الثلاث صور الأولى، فلم يصح قياسه عليها إذ ثبت التفريق بينهما في الشرع.

2- كما أن المرأة لا يتوقف لحوق الولد بها على استلحاق، ولا يمكنها نفيه " لأن ثبوت النسب منها الولادة وذلك يظهر بشهادة القابلة ، ولا صنع لها في الولادة ليستوجب العقوبة بقطع النسب عنها ؛ ولأن المعنى في جانب الرجل الاشتباه وذلك لا يتحقق في جانبها فإن انفصال الولد عنها معاين فلهذا ثبت النسب منها" فتبين أن المرأة لا يمكن أن تقاس على الرجل في أبواب لحوق النسب.
3 - أن هذا قياس في مقابل النص "وللعاهر الحجر".


الدليل الخامس: القول بأنه المصلحة والشرع متشوف لحفظ الأنساب:

هذا صحيح أن الشرع يظهر منه ذلك في جميع مسائل لحوق النسب وفي المبالغة في الاحتياط للأنساب، لكن هذا فيما دل الدليل عليه، فإثبات النسب حق للشرع وحده وتترتب عليه مسائل عظيمة من الإرث والمحرمية والنفقة، فيتوقف على ما جاء به الشرع، "ونفي النسب من الزاني حق الشرع إما بطريق العقوبة ؛ ليكون له زجرا عن الزنا إذا علم أن ماءه يضيع به، أو لأن الزانية نائبها غير واحد فربما يحصل فيه نسب الولد إلى غير أبيه ، وذلك حرام شرعا ، ولا يرتفع هذا المعنى بتصديق المرأة ، أو كان نفي النسب عن الزاني لِحَقِّ الولد فإنه يلحقه العار بالنسبة إلى الزاني وفيه إشاعة الفاحشة" ، والمصلحة في ذاتها ليست دليلاً مستقلاً، فلو ادعى أحد أن المصلحة إذا انتفى الزوج من الولد وظهر بالقرائن من الشبه وغيره أنه من الزاني فالمصلحة تقتضي إلحاقه به لئلا يكون بلا أب كان مخالفاً للسنة والإجماع، فكذلك هنا، لا يقال إنه هو المصلحة إلا إذا ثبت ذلك بالأدلة الشرعية وطالما لم يثبت فلا وجه للاحتجاج عليه بالمصلحة، والله أعلم.

تم بحمد الله
وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم
وما كان من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطإٍ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء.
وأرجو ممن يتبين له خطأٌ في البحث أن يراسلني ويبين لي الخطأ فالمؤمن مرآة أخيه
جمع وترتيب: عمر محمد عادل


EmoticonEmoticon