Tuesday, April 15, 2014

ما يحصل به استبراء الزانية

Tags

 ما يحصل به استبراء الزانية


الفهرس



المبحث الثاني ما يحصل به استبراء الزانية

اختلف القائلون بوجوب استبراء الزانية قبل نكاحها فيما يحصل به استبراؤها على قولين:
القول الأول: أن استبراء الزانية إن كانت حاملاً فبوضع الحمل، وإن كانت تحيض فيكفي في استبرائها حيضة واحدة، وهو قول الأوزاعي( )، ونسبه الطحاوي، وابن قدامة، وابن تيمية إلى الإمام مالك( ) وهو رواية في مذهب الحنابلة، واختارها ابن قدامه، وابن تيمية، وابن القيم، وابن سعدي، وغيرهم( ).

أدلتهم:


استدلوا لذلك بعموم قول الله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْ‌تَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ‌ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِ‌هِ يُسْرً‌ا [الطلاق: 4] وعموم قول النبي × في سبايا أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة»( )، وقياسًا على المسبية، وأم الولد، والأمة غير المزوجة، وقياسًا على المخالعة لزوجها التي أمرها النبي × أن تعتد بحيضة( ) ولأن الاستبراء إنما يجب عليها للتاكد من براءة رحمها من الولد، ويكفي في ذلك حيضة واحدة، فإن كانت آيسة أو صغيرة، فتستبرأ بشهر واحد، لأن الشهر يقوم مقام الحيضة في عدة الطلاق، فكذا في مدة الاستبراء.

قال ابن قدامة: «والأولى أنه يكفي استبراؤها بالحيضة الواحدة، لأنها تكفي في استبراء الإماء، وفي أم الولد إذا عتقت بموت سيدها، أو بإعتاق سيدها، فيكفي هاهنا، والمقصود هاهنا مجرد الاستبراء، وقد حصل، فيكتفى بها»( )، وقال في موضع آخر: «لأن المقصود معرفة براءة رحمها، وقد حصل بحيضة، ولهذا قال عليه السلام: «لا توطأ حامل حتى تستبرأ بحيضة» يعني تعلم براءتها بحيضة، ولأن ما يعلم به البراءة في حق الأمة والحرة واحد، لأنه أمر حقيقي بالحرية والرق»( ).

وقال الكاساني في استبراء الأمة: «إن كانت ممن تحيض فاستبراؤها بحيضة واحدة عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضي الله عنهم.. لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في سبايا أوطاس: «ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن، ولا الحبالى حتى يستبرأن بحيضة» والفعلة للمرة، والتقدير الشرعي يمنع من الزيادة عليه إلا بدليل، ولأن ما شرع له الاستبراء – وهو حصول العلم بطهارة الرحم – يحصل بحيضة واحدة... فإن كانت لا تحيض لصغر أو لكبر، فاستبراؤها بشهر واحد، لأن الأشهر أقيمت مقام الأقراء( ) في حق الآيسة والصغيرة في العدة، فكذا في باب الاستبراء»( ).

وقال ابن تيمية: «فإذا مضت السُّنَّة بأن المختلعة إنما عليها الاعتداد بحيضة، الذي هو استبراء، فالموطوءة بشبهة والمزني بها أولى»( ).

وقال ابن القيم: «وأما الزانية والموطوءة بشبهة، فموجب الدليل أنها تستبرأ بحيضة فقط، ونص عليه أحمد في الزانية، واختاره شيخنا في الموطوءة بشبهة. وهو الراجح، وقياسهما على المطلقة الرجعية من أبعد القياس وأفسده»( ).

القول الثاني:

أنها تستبرأ بثلاثة قروء كعدة المطلقة، وهو مذهب المالكية( )، والمشهور في مذهب الحنابلة( ).

أدلتهم:

استدلوا لذلك بأن الزنا وطء يقتضي شغل الرحم، فوجبت فيه العدة كاملة كالمطلقة التي بين الله تعالى عدتها بقوله: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَ‌بَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُ‌وءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّـهُ فِي أَرْ‌حَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ‌ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَ‌دِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَ‌ادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُ‌وفِ ۚ وَلِلرِّ‌جَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَ‌جَةٌ ۗ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 228] ( ).

ويحاب عن هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه كالآتي:

الوجه الأول: أن ما شرع له الاستبراء – وهو حصول العلم بطهارة الرحم – يحصل بحيضة واحدة، فكان ينبغي ألا يشترط العدد في عدة المطلقة أيضًا، إلا أن النص ورد بأن المطلقة تعتد ثلاثة قروء، فيقتصر على مورد النص( ).

الوجه الثاني: أن قياس عدة الزانية على عدة المطلقة قياس فاسد، لوجود الفرق الظاهر بينهما، لأن الحكمة من جعل عدة المطلقة ثلاثة قروء ليست مجرد التأكد من براءة الرحم، وإنما لحفظ حق الزوج أيضًا، ليكون لديه فرصة للمراجعة خلال مدة العدة، وهذه الحكمة غير موجودة في الزانية، لأنه لا حق للزاني في مراجعتها، لأنه لم يعقد عليها أصلاً، ولذلك فإن هذا القياس من أبعد القياس وأفسده، كما قاله ابن القيم فيما نقلته عنه آنفًا( ).

وقال ابن تيمية: «والقرآن ليس في إيجاب العدة بثلاثة قروء إلا على المطلقات، لا على من فارقها زوجها بغير طلاق، ولا على من وطئت بشبهة، ولا على المزني بها، فإذا مضت السنة بأن المختلعة إنما عليها الاعتداد بحيضة، الذي هو استبراء، فالموطوءة بشبهة والمزني بها أولى، فإن المطلقة لزوجها عليها رجعة، ولها متعة بالطلاق، ونفقة وسكنى في زمن العدة، فإذا أمرت أن تتربص ثلاثة قروء لحق الزوج ليتمكن من ارتجاعها في تلك المدة – كان هذا مناسبًا، وكان له في طول العدة حق.. أما غير المطلقة، إذا لم يكن لها نفقة ولا سكنى ولا متاع، ولا للزوج الحق برجعتها، فالتأكد من براءة الرحم تحصل بحيضة واحدة كما يحصل في المملوكات، وكونها حرة لا أثر له، بدليل أن أم الولد تعتد بعد وفاة زوجها بحيضة عند أكثر الفقهاء( ).

الوجه الثالث: إذا كانت الزوجة المختلعة من زوجها تعتد بحيضة واحدة، وليس عليها عدة المطلقة، فالمزني بها التي ليست زوجة أصلاً لا تجب عليها عدة الطلاق من باب أولى، وإنما يستبرأ رحمها بحيضة فقط( ).

ويعترض على هذا الوجه: بأنه قياس على مسألة مختلف فيها، لأن جمهور العلماء يرون أن عدة المختلعة ثلاثة قروء كعدة المطلقة( ).

ويجاب عن هذا الاعتراض: بأن الصحيح في المسألة أن عدتها حيضة واحدة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد ثبت بدلالة الكتاب، وصريح السنة، وأقوال الصحابة: أن المختلعة ليس عليها إلا الاستبراء بحيضة، لا عدة كعدة المطلقة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وقول عثمان بن عفان، وابن عباس، وابن عمر في آخر قوليه، وذكر مكي: أنه إجماع الصحابة، وهو قول قبيصة بن ذؤيب، وإسحاق بن راهويه، وابن المنذر، وغيرهم من فقهاء الحديث، وهذا هو الصحيح كما قد بسطنا الكلام على هذا في موضع آخر، فإذا كانت المختلعة لكونها ليست مطلقة ليس عليها عدة المطلقة بل الاستبراء – ويسمى الاستبراء عدة – فالموطوءة بشبهة أولى، والزانية أولى»( ).

الوجه الرابع: إذا كانت الموطوءة بشبهة لا تجب عليها عدة المطلقة على الصحيح، وإنما يكفي استبراؤها بحيضة واحدة، فالزانية من باب أولى وأحرى، فإن الموطـوءة بشبهة لا تنكح حتى تستبرأ بإجماع العلماء( ) بخلاف الزانية، فمن العلماء – كما سبق – من يرى جواز نكاحها بلا استبراء أصلاً.

الترجيح:

لعله تبين من خلال عرض أدلة الفريقين والمناقشات الواردة عليها رجحان القول الأول، لقوة أدلته، وسلامتها من المناقشات المعتبرة، ولأنه يتفق مع الحكمة التي من أجلها وجب استبراء الزانية، وهو التأكد من خلو الرحم من الولد، ويكفي في ذلك حيضة واحدة، والله أعلم.

تعليق ختامي

( ) انظر: الاستذكار 7/511.
( ) انظر: المغني 11/196، وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى 32/110: «ومالك وأحمد يشترطان الاستبراء، وهو الصواب، لكن مالكًا وأحمد في رواية يشترطان الاستبراء بحيضة، والرواية الأخرى عن أحمد هي التي عليها كثير من أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه: أنه لابد من ثلاث حيض، والصحيح أنه لا يجب إلا الاستبراء فقط»، وقال الطحاوي في «مختصر اختلاف العلماء» 2/328: «وقال مالك: إذا زنى الرجل بالمرأة ثم أراد نكاحها فذلك جائز له بعد أن يستبرئ من وطئه بثلاث حيض، وقال ابن وهب عن مالك: إذا تزوج امرأة حرة فدخل بها فجاءت بولد بعد ذلك بشهر أنه لا ينكحها أبدًا، لأنه وطئها في عدة، وإذا زنى بامرأة لم يتزوجها حتى تحيض حيضة، والثلاث أحب إلي».
وقد بحثت في «المدونة» وغيرها من كتب المالكية المشهورة، فلم أجد أحدًا منهم قال بذلك، بل ينصون على أن الواجب عليها ثلاثة قروء كعدة المطلقة، قال ابن عبد البر في «الكافي» 2/631: «وإذا زنت الحرة أو غصبت على نفسها وجب عليها الاستبراء من وطئها بثلاث حيض، فإن كانت ذات زوج وجب على زوجها الامتناع من وطئها حتى ينتقضي استبراؤها، وإن لم تكن ذات زوج لم يجز لها أن تنكح إلا بعد أن تستبرئ نفسها بثلاث حيض، ولو كانت الزانية أو المغتصبة أمة أجزأه في استبرائها حيضة، ذات زوج كانت أو غير زوج، إلا أن تكون حاملاً فلا يجوز لها أن تنكح ولا لزوجها إن كانت ذات زوج أن يطأها حتى تضع حملها، وكذلك مشتريها لا يطؤها حتى تحيض أو تضع حملها»، وجاء في «التاج والإكليل» 164: «وأما الحرة الزانية أو المغتصبة فلا يحل لها أن تتزوج ولا لزوجها أن يطأها حتى ينقضي استبراؤها بثلاث حيض».
( ) انظر: المغني 11/196، والكافي 3/311، والمحرر في الفقه 2/107، ومجموع فتاوى ابن تيمية 32/110، وإعلام الموقعين 2/90، والفروع 5/550، والمبدع 8/133، والإنصاف 9/295، والمختارات الجلية، ص110.
( ) سبق تخريجه.
( ) عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي × فأمرها النبي × أن تعتد بحيضة »، أخرجه أبو داود في كتاب «الطلاق»، باب الخلع، حديث رقم 2229، 2/269، والترمذي في كتاب «الطلاق» باب ما جاء في الخلع، حديث رقم 1185، 3/491، والدارقطني في «السنن» 4/46، حديث رقم 135، والبيهقي في «السنن الكبرى»، كتاب العدد، باب ما جاء في عدة المختلعة، حديث رقم 15375، 7/450. وللحديث طرق وشواهد عديدة، وقد حسنه الترمذي، وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى 32/326، وقد صححه ابن حزم وغيره، وقال ابن حجر في فتح الباري 9/399: «وإسناده جيد»، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» 1/348.
( ) المغني 9/566.
( ) المغني 10/458 – 459.
( ) يعني: الحيضات الثلاث التي هي عدة المطلقة الحائض، وذلك في قوله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن) [الطلاق: 4].
( ) بدائع الصنائع 5/255.
( ) مجموع فتاوى ابن تيمية 32/340، وذكر نحوه في 32/110.
( ) إعلام الموقعين 2/90.
( ) انظر: التفريع 2/122، والكافي 2/631، والاستذكار 7/511، والقوانين الفقهية، ص207، والتاج والإكليل لمختصر خليل 5/478، 516، ومواهب الجليل 3/414، وشرح مختصر خليل للخرشي 4/140، وحاشية الدسوقي 2/471، وشرح الزرقاني 4/185.
( ) انظر: المغني 11/196، والكافي 3/311، والفروع 5/420، والإنصاف 9/295، وشرح منتهى الإرادات 3/224.
( ) انظر: الاستذكار 7/512، والمغني 11/196، 197، ومجموع فتاوى ابن تيمية 32/110، و32/340.
( ) انظر: بدائع الصنائع 5/256.
( ) انظر: ما ذكره في «زاد المعاد» 5/679.
( ) مجموع فتاوى ابن تيمية 32/340 – 341، وذكر نحوه في 32/110.
( ) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 32/340.
( ) قال الترمذي في سننه 3/491: «واختلف أهل العلم في عدة المختلعة، فقال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي × وغيرهم: إن عدة المختلعة عدة المطلقة ثلاث حيض..» وانظر: الإشراف لابن المنذر 4/288، والمغني 11/195.
( ) مجموع فتاوى ابن تيمية 32/110 – 111.
( ) انظر: الإنصاف 9/294 – 295.


EmoticonEmoticon