Wednesday, April 9, 2014

الوقف مفهومه ومقاصده

Tags

الوقف مفهومه ومقاصده


اسم الكتاب / المقالة: الوقف مفهومه ومقاصده
المؤلف: أ . د . عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان
التصنيف: فقه الوقف

المحتويات



ملخص البحث :

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين ، سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :
فإن الوقف تشريع إسلامي أصيل ، يستمد مشروعيته من السنة النبوية القولية والفعلية .

ينتمي أصالة في الشريعة الإسلامية إلى قسم ( القربات ) ، بل هو من أحسن القربات ، إذ هو المعني بالحديث الشريف بـ ( الصدقة الجارية ) ، و لا تكون جارية بعد الموت إلا بالوقوف .

للوقف تعريفات عديدة في المذاهب الفقهية الأربعة المتبعة ، وبحسب هذه التعريفات يكون الوقف مؤبداً ومؤقتاً ، مملوكاً للواقف ،أو مستأجراً ، بقصد القربة، أو المجاملة والتودد ، أو كليهما .

مقياس الوقف الصحيح مطابقته لتعاليم الشريعة ،وانتفاء المعصية عن الجهة الموقوف عليها.
تطورت مصارف الوقف في الإسلام حسب حاجات المجتمع وتطوره الحضاري ، فمن ثم أدى الوقف بجميع أقسامه : الخيري ، والأهلي ، والمشترك وظائفه كاملة في تنمية المجتمع وتطويره ، سواء قصد به التقرب ، أو الهبة والعطية ، أو كليهما ، فقد حقق من المقاصد العامة : الضرورية ، والحاجية ، والتحسينية للأفراد والمجتمع كافة، عدا المقاصد الخاصة لكل وقف معين .

في تاريخ أوقاف الحرمين الشريفين كما هو في تاريخ أوقاف بقية البلاد الإسلامية نماذج رفيعة نهضت بالحياة العلمية والاجتماعية فيها على مدار التاريخ الإسلامي ، هي دليل صادق باق ما بقيت على ما قدمه الوقف من خدمات جليلة خالدة ما كانت لتتحقق بدون وجود الأوقاف .

وقفية الكتب هي في مدلولها ومعناها إشاعة العلم والمعرفة ، وهذا مقصد عظيم تحثّ عليه الشريعة الإسلامية، فمن ثَمَ كثر وقف الكتب ، وتأسيس المكتبات على كامل مساحات ديار الإسلام الشاسعة ، وفي مختلف العصور حتى أصبح في الفقه الإسلامي ما يسمى ( فقه تحبيس الكتب ) .

يتميز الوقف عن أي مشروع خيري بخصائص وميزات لا تتوافر فيما عداه، فهو من محاسن الشريعة الغراء ، وقد أثبت الواقع المعاصر والدراسات العلمية والاقتصادية أن الوقف أنجح وسيلة لاستمرار المؤسسات العلمية والاجتماعية في أداء وظيفتها ورسالتها دون انقطاع إذا استثمرت أموال الأوقاف الاستثمار الصحيح، واستفاد منها الموقوف عليهم بما يحقق غرض الواقف ، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .


المقدمة :

الحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد، وعلى آله ،وصحبه أجمعين وبعد :
فإن الوقف تشريع إسلامي أصيل ، يستمد مشروعيته من السنة النبوية القولية والفعلية ، وهو أسلوب حضاري متقدم للتمويل الذاتي للمرافق الإسلامية ، ومؤسساته الاجتماعية ، والدينية ، والعلمية .
ورد تعريفه في اللغة بأنه : "الحبس والمنع ، وفيه لغتان : أوقف يوقف إيقافاً، ووقف يقف وقفاً . قال تعالى ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) ( ) .

وفي الشريعة بصورة عامـة : عبارة عن حبس المملوك عن التمليك من الغير "( ) .
مصدره الفرد المسلم من حيث هو فرد، بصرف النظر عن منصبه ، ومستواه الاجتماعي ؛
ذلك أن الفرد في الشريعة الإسلامية هو مناط التكاليف والمسؤوليات الشرعية، والاجتماعية ، وهو معقد الآمال بعد الله عز وجل في عون أمته سلماً ، ينهض بمؤسساته العلمية ، والاجتماعية ، كما يخفف وطأة الحياة وقسوتها على الأفراد المعوزين ، أو الغارمين ، أو من أثقلتهم الديون ، أو إيجاد مأوى للمحتاجين، وغير ذلك من أعمال الخير التي يعود نفعها على أفراد الأمة.

وحرباً ، يشدَّ أزر الأمة بتجهيز الجيوش لرد اعتداء المعتدين ، وكيد المتربصين .
يتمثل العمل الخيري على اختلاف مقاصده ومصادره في الوقف أصدق تمثيل ، فيه متسع للإسهام في إنشاء المرافق ، والمؤسسات التي من شأنها أن تحقق السعادة للمجتمع بعامة ، والأفراد بخاصة.

\
مشروعية الوقف :

ينتمي الوقف أصالة في الشريعة الإسلامية بشكل عام إلى القربات التي يُتَقرَب بها إلى الله عز وجل لنفعه المتنوع والمتعدد، والمتعدي ، فخير خلق الله أكثرهم نفعاً لعباده ، بل إنه "من أحسن القربات ." ( ) ، فهو "الصدقة الجارية بعد الموت… التي نص عليها في الحديث الشريف الذي رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله  قال :إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة أشياء :
إلا من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له.) ( ) .

اتفق العلماء على أن المقصود من "الصدقة الجارية" هو الوقف، وهو ما أيده العلامة الملا علي القاري وغيره بأن معنى "جارية : يجري نفعها فيدوم أجرها كالوقف في وجوه الخير .
وفي الأزهار : قال أكثرهم : هي الوقف وشبهه مما يدوم نفعه .
وقال بعضهم : هي القناة والعين الجارية المسبلة .

قلت [ الملا علي القاري ] : وهذا داخل في عموم الأول ، ولعلهم أرادوا هذا الخاص لكن لا وجه للتخصيص ." ( ) .
يؤكد هذا المعنى من المتأخرين الإمام محمد بن علي الشوكاني بأسلوب الحصر في جملة معرفة الطرفين قائلاً :
"وكذا الصدقة الجارية ، وهي الوقف ، وفيه الإرشاد إلى فضيلة الصدقة الجارية ." ( )

ومن الأدلة المهمة التي تؤصل للوقف في الإسلام ما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى : "عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :
أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبي  يستأمره فيها فقال يا رسول الله : إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني به ؟
قال : (إن شئت حبست أصلها ، وتصدقت بها ) .قال : فتصدق بها عمر ؛ أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ، ولا يورث ، ولا يوهب .

قال : فتصدق عمر في الفقراء ، وفي القربى ، وفي الرقاب ، وفي سبيل الله، وابن السبيل ، والضيف ، لا جنـاح على من وليهـا أن يأكل منهـا بالمعروف ، أو يطعم صديقاً غير متمول منه …
قال ابن عون : وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أن فيه : (غير متأثل مالاً )…"( )
قال الإمام أبو عيسى الترمذي رحمه الله :
" والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم ، لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافاً في إجازة وقف الأرضين وغير ذلك ." ( )

أجملّ العلامة أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الاستدلال لمشروعيته من السنة القولية والفعلية قائلاً:
"فالصحيح ما ذهب إليه مالك رحمه الله وُجلَّ أهل العلم من إجازة الحبس ، وقد حبس رسول الله  ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي ، وطلحة، والزبير ،وزيد بن ثابت، وعبد الله ابن عمر ، وعمرو بن العاص دُوراً وحوائط ، واستشار عمر بن الخطاب رسول الله عليه وسلم في صدقته …..

وروي عن مالك أنه قال :
جعل عمر بن الخطاب صدقة للسائل والمحروم ، وكتب عبد الله بن عمر بعده في صدقته : للسائل والفقير ، فبينها عبد الله بن عمر ".
ثم يستطرد العلامة ابن رشد بعد استشهاداته السابقة قائلاً :

" فالأحباس سنة قائمة عمل بها النبي  والمسلمون من بعده ، وقد قيل لمالك :
إن شريحاً كان لا يرى الحبس ، ويقول : لا حبس عن فرائض الله ، فقال ما بك :

تكلم شريح ببلاده ، ولم يرد المدينة فيرى آثار الأكابر من أزواج النبي  وأصحابه ، والتابعين بعدهم جداً إلى اليوم ، و ما حبسوا من أموالهم لا يطعن فيه طاعن ، وهذه صدقات النبي  سبعة حوائط ، وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاط به خبراً ، وبهذا احتج أيضاً مالك رحمه الله لما ناظر أبا يوسف بحضرة الرشيد ، فقال :
هذه أحباس رسول الله  وصدقاته ينقلها الخلف عن السلف قرناً بعد قرن.

فقال حينئذ أبو يوسف : كان أبو حنيفة يقول إنها غير جائزة ، وأنا أقول إنها جائزة ، فرجع في الحال عن قول أبي حنيفة إلى الجواز.." ( )
خاض الفقهاء في تحديد موقف الإمام أبي حنيفة من مشروعية الوقف ، فجاء تحريره وتنقيحه لدى فقهاء الحنفية يقول العلامة ظفر أحمد العثماني التهانوي رحمه الله :
" والحق أن الوقف ينقسم قسمين :
أحدهما : ما تصدق الواقف بأصله كأرض جعلها مسجداً أو مقبرة ، أو خاناً للمارة ، أو منزلاً للغزاة ، أو مسكناً للحاج .
والثاني : ما تصدق الواقف بمنفعته دون أصله .

فالأول لا نزاع في صحته و لزومه ، وقول أبي حنيفة فيه كقول الجمهور ، والثاني لا نزاع في جوازه في حق وجوب التصدق بالفرع مادام الواقف حياً ، حتى إن من وقف غلة داره ، أو أرضه على مسجد، أو على الفقراء يلزمه التصدق بغلة الدار والأرض ، ويكون ذلك بمنزلة النذر بالتصدق بالغلة ، ولا خلاف أيضاً في جوازه في حق زوال ملك الرقبة إذا اتصل به حكم الحاكم ، أو أضافه إلى ما بعد الموت بأن قال :

إذا مت فقد جعلت داري ، أو أرضي وقفاً على كذا ، أو قال : هو وقف في حياتي صدقة بعد وفاتي ، كما في البدائع " .( ) وأخيراً يحدد العلامة التهانوي محل النزاع بين الإمام أبي حنيفة رحمه الله والجمهور قائلاً :

"والنزاع إنما هو في وقف لم يتصدق الواقف بأصله بل حبس أصله وتصدق بثمرته و منفعته على نفسه ، أو ولده وولد ولده ، وعلى الفقراء بعدهم ، أو تصدق به على الفقراء ابتداء ، ولم يضفه إلى ما بعد الموت ، ولم يصرح بكونه وقفاً مؤبداً، ولا حكم حاكم بصحته ، فهذا لا يكون لازماً عند أبي حنيفة رحمه الله حتى كان للواقف بيعه وهبته ، وإذا مات يصير ميراثاً …

وهذا صريح في أن أبا حنيفة إنما كان يذهب في الوقف إلى ما كان عليه فقهاء بلاده ، وينكر ما أنكروه ، فكان يجيز ما كان منه صدقه على الفقراء ابتداء وانتهاء ، وينكر ما كان وقفاً على الولد ، وولد الولد ، ولا يرجع آخره صدقة على الفقراء …".( )
من خلال هذا التحرير المفيد لموقف الإمام أبي حنيفة رحمه الله من الوقف يتضح أن الوقف على مرفق عام ، أو مصلحة عامة هو محل اتفاق لا يخالف في هذا أحد من فقهاء المسلمين بعد أن انتشرت السنة النبوية المطهرة في الأمصار الإسلامية ، وأصبحت معلومة لدى القاصي والداني ، وإن كان ثَمتَ خلاف فهو في بعض الفروع التي لا تؤثر قطعاً في أصل المشروعية ، والاختلاف في بعض أموره إنما هو من قبيل الاختلاف في الشكليات والإجراءات ، لا في أصل التشريع.

تعليق ختامي

( ) القرافي ، شهاب الدين أحمد بن ادريس ، الذخيرة ، الطبعة الأولى ، تحقيق سعيد أعراب، (بيروت : دار الغرب الإسلامي ، عام 1994) ، ج6،ص322.
( ) صحيح مسلم مع شرحه إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض ، الطبعة الأولى ، تحقيق يحي إسماعيل ، ( الرياض : مكتبة الرشد ، دار الوفاء بمصر ، عام 1419/1998) ، (باب ما يلحق الإنسان بعد وفاته ) ،ج5،ص373.
( ) مرقاة المفاتيح شرح مشكلة المصابيح ، خرج أحاديثه وعلق عليه صدقي محمد جميل العطار ، (مكة المكرمة : المكتبة التجارية )، ج1،ص453.
( ) نيل الأرطار ، الطيعة الأولى ، ضبط و تصحيح محمد سالم هاشم ، (بيروت : دار الكتب العلمية ، عام 1415/1995)، ج6،ص 23. صحيح مسلم مع إكمال المعلم للقاضي عياض، ج5 ، ص374.
( ) قوله " ( غير متأثل مالاً ) فمعناه غير جامع ، وكل شيء لهه أصل قديم ، أوجمع حتى يصير له أصل فهو موثل ، ومؤثل ، أي قديم الأصل ، وأثلة الشيء أصله " عياض اليحصبي ، أبو الفضل عياض ، شرح صحيح مسلم ، المسمى إكمال المعلم بفوائد مسلم ، الطبعة الأولى ، تحقيق يحي اسماعيل ، ( مصر : دار الوفاء ، عام 1419 / 1998 ) ، ج 5 ، ص 375 .
( ) سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأجوذي ، الطبعة الثانية ، ضبطه وراجع أصوله عبدالرحمن محمد عثمان ، (مصر : مؤسسة قرطبة ) ، ج 4 ،672.
( ) المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات، والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات ، الطبعة الأولى ، تحقيق سيد أحمد أعراب ، (قطر: دار إحياء التراث الإسلامي ، عام 1408/1988) ، ج2 ، ص417.
( ) إعلاء السنن ، الطبعة الأولى ، (تحقيق حازم القاضي ، (بيروت : دار الكتب العلمية ، عام 1418 /1997 )، ج13 ، 116 .
( ) التهانوي ، إعلاء السنن ، ج13 ص116،117 .


EmoticonEmoticon