Wednesday, August 28, 2013

تأويل كلام السادة الصوفية

Tags

تأويل كلام السادة الصوفية



محتويات

3 - تأويل كلام السادة الصوفية

إِن ما نراه في كتب الصوفية من الأمور التي يخالف ظاهرها نصوص الشريعة وأحكامها، هي:
- إِما أن تكون مدسوسة عليهم من قبل الزنادقة والحسدة وأعداء الإِسلام كما بيَّنَّا.
- وإِما أن يكون كلاماً قابلاً للتأويل، تحدثوا به من باب الإِشارة أو الكناية أو المجاز، كما نرى ذلك في كثير من الكلام العربي، ونجده بارزاً في كتاب الله تعالى في مواطن عديدة، كما في قوله تعالى: {وأُشرِبُوا في قُلوبِهِمُ العِجْلَ} [البقرة: 93]. أي حب العجل.
وقوله تعالى: {واسألِ القريَةَ} [يوسف: 82]. أي أهل القرية.

وقوله عز وجل: {أوَ مَنْ كانَ ميْتاً فأحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122]. أي كان ميت القلب، فأحياه الله تعالى.
وقوله تعالى: {لتُخرِجَ الناسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النورِ} [إِبراهيم: 1]. أي من ظلمات الكفر إِلى نور الإِيمان.
كما نلاحظ في بعض الآيات القرآنية الكريمة تعارضاً في الظاهر، ولكنا لو تعمقنا في فهمها، ودققنا في مدلولها ومتعلقها، لوجدناها قابلة للتأويل، وبذلك لا نستطيع أن نقول: إِن في القرآن تعارضاً أو تصادماً.

فمثلاً؛ يقول الله تعالى: {إنَّكَ لا تهدِي مَنْ أحبَبْتَ} [القصص: 56]. ويقول في موطن آخر: {وإنَّكَ لَتَهدِي إلى صراطٍ مُستَقيمٍ} [الشورى: 52].
فقد يرى مَنْ ليس عنده علم في التفسير أن بين النصَّيْن تعارضاً؛ لأن الأول ينفي عن الرسول صلى الله عليه وسلم الهداية، والثاني يثبت له الهداية. ولكنه لو سأل أهل الذكر لأخبروه أن الهداية في الآية الأولى بمعنى خلْقِ الهداية، وأن معناها في الآية الثانية الدلالة والإِرشاد. فلا تعارض بين النصَّين عند أهلِ الفهم.

وكذلك نجد أن بعض الأحاديث النبوية الشريفة لا يصح حملها على ظاهرها، بل لابد من تأويلها على معان تلائم باقي نصوص الشرع، وتطابق صريح القرآن الكريم، وفي هذا المعنى يقول الإِمام الشعراني رحمه الله تعالى: (وقد أجمع أهل الحق على وجوب تأويل أحاديث الصفات، كحديث: “ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إِلى سماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخَر؛ فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيَه؟ من يَستغفرني فأغفرَ له؟” [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب أبواب التهجد عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء]. وقد بلغ بأحد الضالين أن يقول، وكان على منبر، فنزل درجة منه وقال للناس: ينزل ربكم عن كرسيه إِلى السماء؛ كنزولي عن منبري هذا، وهذا جهل ليس فوقه جهل) [“التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني” لطه عبد الباقي سرور ص105].

ومن جملة التأويل في الحديث، تأويل حديث “إِن الله خلق آدم على صورته” [رواه مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة عن أبي هريرة رضي الله عنه وأول الحديث: “إِذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه..”]. قال العلامة ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى مؤولاً ذلك: (ويصح أن يكون الضمير لله تعالى كما هو ظاهر السياق، وحينئذٍ يتعين أن المراد بالصورة الصفة، أي أن الله تعالى خلق آدم على أوصافه. من العلم والقدرة وغيرهما، ويؤيد هذا الحديثُ الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: “كان صلى الله عليه وسلم خُلُقُه القرآن” [هذا الحديث فقرة من حديث طويل ولفظه: “قال سعد بن هشام: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ألسْتَ تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإِن خُلُقَ نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن”. رواه مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل]، وحديث: “تخلقوا بأخلاق الله تعالى”.

فالمطلوب من الكامل أن يطهِّر أخلاقه، وأوصافه من كل نقص، ليحصل له نوعُ تأسٌّ بأخلاق ربه، أي صفاته، وإِلا فشتَّان ما بين أوصاف القديم والحادث. وبهذا التقرير يُعلَم أن هذا الحديث غاية المدح لآدم عليه السلام، حيث أوجد الله فيه صفاتٍ كصفاته تعالى بالمعنى الذي قررته.. إِلى أن قال: والحاصل أن الحديث إِن أعيدَ الضمير فيه لله تعالى، وجب تأويله على ما هو المعروف من مذهب الخلف الذي هو أحكمُ وأعلمُ، خلافاً لفرقة ضلوا عن الحق، وارتكبوا عظائِم من الجهة والتجسيم اللذيْن هما كفر عند كثير من العلماء، أعاذنا الله من ذلك بمنِّه وكرمه) [الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي ص214].

قال العلامة المناوي في شرحه على الجامع الصغير، عند قوله صلى الله عليه وسلم: “إِن الله يقول يوم القيامة، يا ابن آدم مرضتُ فلم تعدني. قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمتَ أنك لو عُدتَه لوجدتني عنده”؟ [أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة عن أبي هريرة رضي الله عنه]... إِلخ الحديث: (سئل بعض العارفين عن تَنَزُّلاتِ الحق في إِضافة الجوع والظمأ لنفسه؛ هل الأَوْلى إِبقاؤُها على ما وردت، أو تأويلها كما أوَّلها الحق لعبده حين قال: كيف أطعمك.. إِلخ؟ فقال: الواجب تأويلها للعوام لئلا يقعوا في جانب الحق بارتكاب محظور وانتهاك حرمة، وأما العارف فعليه الإِيمان بها على حد ما يعلمه الله، لا على حد نسبتها للخلق لاستحالته، وحقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق، فلا يجتمع قط مع خلقه في جنس ولا نوع ولا شخص، ولا تلحقه صفةُ تشبيه؛ لأنها لا تكون إِلا لمن يجتمع مع خلقه في حال من الأحوال. ولذا أبقاها السلف على ظاهرها لئلا يفوتَهم كمال الإِيمان، لأنه ما كلفهم إِلا بالإِيمان به لا بماأولوه، فقد لا يكون مراداً للحق، فالأدب إِضافتنا إِليه كلَّ ما أضافه لنفسه تعالى.. إِلخ) [فيض القدير شرح الجامع الصغير للعلامة المناوي ج2 ص313].

فإِذا كان كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وقد أوتي الفصاحة والبلاغة ووضوح اللفظ وإِشراق التعبير وجوامع الكلم؛ قد احتاج في بعض الأحيان إِلى التأويل؛ بحمل معانيه على غير ما يفيده ظاهر لفظه، فإِن كلام غيره من أمته ممن لم يبلغ شأوه في البيان والفصاحة قابل للتأويل محتمل للتفسير من باب أولى.

ومن ناحية أخرى، فإِن لكل فن من الفنون أو علم من العلوم كالفقه والحديث والمنطق والنحو والهندسة والجبر والفلسفة اصطلاحات خاصة به، لا يعلمها إِلا أرباب ذلك العلم، فهل يفهم الطبيب اصطلاح المهندس، أو يفهم المهندس اصطلاح الطبيب حين يعبر كل منهما عن آلاته ومسميات فنه؟

ومن قرأ كتب علم من العلوم دون أن يعرف اصطلاحاته، أو يطلع على رموزه وإِشاراته، فإِنه يؤول الكلام تأويلات شتى مغايرة لما يقصده العلماء، ومناقضة لما يريده الكاتبون فيتيه ويضل.

وللصوفية اصطلاحاتهم التي قامت بعض الشيء مقام العبارة في تصوير مدركاتهم ومواجيدهم، حين عجزت اللغة عن ذلك. فلابد لمن يريد الفهم عنهم من صحبتهم حتى تتضح له عباراتهم، ويتعرف على إِشاراتهم ومصطلحاتهم؛ فيستبين له أنهم لم يخرجوا عن الكتاب والسنة، ولم ينحرفوا عن الشريعة الغراء، وأنهم هم الفاهمون لروحها، الواقفون على حقيقتها، الحارسون لتراثها.
قال بعض العارفين: (نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقنا) [“اليواقيت والجواهر” للشعراني ج1. ص22]. لأن الغاية من تدوين هذه العلوم إِيصالها لأهلها، فإِذا اطلع عليها مَنْ ليس من أهلها جهلها، ثم عاداها، لأن الإِنسان عدو لما جهل. ولذلك قال السيد علي بن وفا رحمه الله تعالى: (إِنَّ من دَوَّنَ المعارف والأسرار لمْ يدوِّنها للجمهور، بل لو رأى مَنْ يطالع فيها ممَّن ليس هو بأهلها لنهاهُ عنها) [نفس المصدر السابق].

وتوضيحاً للموضوع نقول:
إِن كلام السادة الصوفية في تحذير من لا يفهم كلامهم ولا يعرف اصطلاحاتهم من قراءة هذه الكتب ليس من قبيل كتم العلم، ولكن خوفاً من أن يفهم الناس من كتبهم غير ما يقصدون، وخشية أن يؤولوا كلامهم على غير حقيقته، فيقعوا في الإِنكار والاعتراض، شأن من يجهل علماً من العلوم. لأن المطلوب من المؤمن أن يخاطب الناس بما يناسبهم من الكلام وما يتفق مع مستواهم في العلم والفهم والاستعداد، ولهذا أفرد البخاري في صحيحه باباً في ذلك فقال: “باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وقال علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّبَ الله ورسولهُ؟” [“صحيح البخاري” كتاب العلم]. قال العلامة العيني رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: (ترك بعض الناس من التخصيص بالعلم لقصور فهمهم، والمراد كلموهم على قدر عقولهم، وفي كتاب العلم لآدم بن إِياس عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره: “ودعوا ما ينكرون”. أي ما يشتبه عليهم فهمه، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذكَر عند العامة. ومثله قول ابن مسعود رضي الله عنه، ذكره مسلم في مقدمة كتابه بسند صحيح قال: “ما أنتَ بمحدثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إِلا كان لبعضهم فتنة”. لأن الشخص إِذا سمع ما لا يفهمه، وما لا يتصور إِمكانه يعتقد استحالته جهلاً، فلا يصدق وجوده، فإِذا أُسنِدَ إِلى الله ورسوله يلزم تكذيبهما) [“عمدة القاري شرح صحيح البخاري” للإِمام العيني ج2. ص204 -205].

وقال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في قواعده: (في كل علم ما يخص وما يعم، فليس التصوف بأولى من غيره في عمومه وخصوصه، بل يلزم بذل أحكام الله المتعلقة بالمعاملات من كلٍ عموماً، وما وراء ذلك على حسب قابِله لا قدر قائِله، لحديث: “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله؟” [رواه البخاري تعليقاً في كتاب العلم باب من خص قوماً دون آخرين عن علي رضي الله عنه]. وقيل للجنيد رحمه الله تعالى: يسألك الرجلان عن المسألة الواحدة فتجيب هذا بخلاف ما تجيب هذا؟ فقال: الجواب على قدر السائل. قال عليه السلام: “أُمِرْنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم”[ رواه الديلمي بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما]) [قواعد التصوف للشيخ زروق ص7].
ولهذا ذكر الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى في الباب الرابع والخمسين من الفتوحات ما نصه:

(اعلم أن أهل الله لم يضعوا الإِشارات التي اصطلحوا عليها فيما بينهم لأنفسهم، فإِنهم يعلمون الحق الصريح في ذلك، وإِنما وضعوها منعاً للدخيل بينهم، حتى لا يعرف ما هم فيه، شفقةً عليه أن يسمع شيئاً لم يصل إِليه فينكره على أهل الله، فيُعاقَبُ بحرمانه، فلا يناله بعد ذلك أبداً، قال: ومن أعجب الأشياء في هذه الطريق، بل لا يوجد إِلا فيها، أنه ما من طائفة تحمل علماً من المنطقيِّين والنحاة وأهل الهندسة والحساب والمتكلمين والفلاسفة؛ إِلا ولهم اصطلاح لا يعلمه الدخيل فيهم إِلا بتوقيف منهم، لابد من ذلك. إِلا أهل هذه الطريقة خاصة، فإِن المريد الصادق إِذا دخل طريقهم، وما عنده خبر بما اصطلحوا عليه، وجلس معهم، وسمع منهم ما يتكلمون به من الإِشارات، فَهِمَ جميع ما تكلموا به، حتى كأنه الواضع لذلك الاصطلاح، ويشاركهم في الخوض في ذلك العلم. ولا يستغرب هو ذلك من نفسه، بل يجد علم ذلك ضرورياً لا يقدر على دفعه، فكأنه ما زال يعلمه، ولا يدري كيف حصل له ذلك. هذا شأن المريد الصادق، وأما الكاذب فلا يعرف ما يسمع، ولا يدري ما يقرأ، ولم يزل علماء الظاهر في كل عصر يتُوقون في فهم كلام القوم. وناهيك بالإِمام أحمد بن سريج، حضر يوماً مجلس الجنيد، فقيل له: ما فهمتَ من كلامه؟ فقال: لا أدري ما يقول، ولكن أجد لكلامه صولة في القلب ظاهرة. تدل على عمل في الباطن وإِخلاص في الضمير، وليس كلامه كلام مبطل. ثم إِن القوم لا يتكلمون بالإِشارة إِلا عند حضور مَنْ ليس منهم، أو في تأليفهم لا غير.. ثم قال: ولا يخفى أن أصل الإِنكار من الأعداء المبطلين إِنما ينشأ من الحسد، ولو أن أولئك المنكرين تركوا الحسد، وسلكوا طريق أهل الله، لم يظهر منهم إِنكار ولا حسد، وازدادوا علماً إِلى علمهم. ولكن هكذا كان الأمر، ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلي العظيم) [اليواقيت والجواهر للشعراني ص19].

وقال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته شارحاً كلام صاحب الدر المختار، حين سئل عن فصوص الحكم للشيخ محي الدين بن عربي: (يجب الاحتياط؛ لأنه إِن ثبت افتراؤها فالأمر ظاهر، وإِلا فلا يفهم كل واحد مراده فيها، فيُخشى على الناظر فيها من الإِنكار عليه، أو فهم خلاف المراد. وللحافظ السيوطي رسالة سماها: [تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي]، ذكر فيها أن الناس افترقوا فيه فرقتين: الفرقة المصيبة تعتقد ولايته، والأخرى بخلافها. ثم قال: والقول الفصل عندي فيه طريقة لا يرضاها الفرقتان؛ وهي اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه، وقد نُقل عنه أنه قال: [نحن قومٌ يحرم النظر في كتبنا]، وذلك أن الصوفية تواطؤوا على ألفاظ، اصطلحوا عليها، وأرادوا بها معاني غير المعاني المتعارفة منها بين الفقهاء، فمن حملها على معانيها المتعارفة كفر، نص على ذلك الغزالي في بعض كتبه وقال: إِنه شبيه بالمتشابه في القرآن والسنة، كالوجه واليد والعين والاستواء. وإِذا ثبت أصل الكتاب عنه [عن الشيخ محي الدين] فلابدّ من ثبوتِ كلِّ كلمة لاحتمال أن يُدس فيه ما ليس منه، من قِبَلِ عدو أو ملحد أو زنديق، وثبوتِ أنه قصد بهذه الكلمة المعنى المتعارف، وهذا لا سبيل إِليه، ومن ادَّعاه كفر لأنه من أمور القلب التي لا يطلع عليها إِلا الله تعالى. وقد سأل بعضُ أكابر العلماء بعضَ الصوفية: ما حملكم على أنكم اصطلحتم على هذه الألفاظ التي يُستشنع ظاهرها؟ فقال: غيرة على طريقنا هذا أن يدَّعيَه من لا يُحْسنه ويدخل فيه من ليس أهله) [حاشية ابن عابدين ج3 ص303].

وسئل العلامة ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى: ما حكم مطالعة كتب ابن عربي وابن الفارض؟ فأجاب بقوله: (حكمها أنها جائزة مطالعة كتبهما، بل مستحبة، فكم اشتملت تلك الكتب على فائدة لا توجد في غيرها، وعائدة لا تنقطع هواطل خيرها، وعجيبة من عجائب الأسرار الإِلهية التي لا ينتهي مددُ خيرها، وكم تَرجمت عن مقامٍ عجز عن الترجمة عنه من سواها، ورمزت برموز لا يفهمها إِلا العارفون، ولا يحوم حول حومة حماها إِلا الربانيون، الذين هم بين مواطن الشريعة الغراء وأحكام ظواهرها على أكمل ما ينبغي جامعون، ولذلك كانوا بفضل مؤلفيها معترفين.. إِلى أن قال: هذا وإِنه قد طالع هذه الكتب أقوام عوام جهلة طغام، فأدمنوا مطالعتها، مع دقة معانيها ورقة إِشاراتها وغموض مبانيها، وبنائها على اصطلاح القوم السالمين عن المحذور واللوم، وتوقف فهمها بكمالها على إِتقان العلوم الظاهرة، والتحلي بحقائق الأحوال والأخلاق الباهرة، فلذلك ضعُفتْ أفهامهم، وزلَّتْ أقدامهم، وفهموا منها خلاف المراد، واعتقدوه صواباً فباؤوا بخسار يوم التناد، وألحدوا في الاعتقاد، وهوت بهم أفهامهم القاصرة إِلى هفوة الحلول والاتحاد، حتى لقد سمعتُ شيئاً من هذه المفاسد القبيحة، والمكفرات الصريحة، من بعض من أدمن مطالعة تلك الكتب، مع جهله بأساليبها وعظم ما لها من الخطب. وهذا هو الذي أوجب لكثير من الأئمة الحط عليها، والمبادرة بالإِنكار إِليها، ولهم في ذلك نوع عذر، لأن قصدهم فطم أولئك الجهلة عن تلك السموم القاتلة لهم، لا الإِنكار على مؤلفيها من حيث ذاتهم وحالهم) [الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي المكي ص216].

وقال الشعراني رحمه الله تعالى: (وبالجملة فلا تَحِلُّ قراءة كتب التوحيد الخاص، وكتب العارفين إِلا لعالم كامل، أو من سلك طريق القوم. وأما من لم يكن واحداً من هذين الرجلين، فلا ينبغي له مطالعة شيء من ذلك، خوفاً عليه من إِدخال الشُبَهِ التي لا يكاد الفَطِنُ أن يخرج منها، فضلاً عن غير الفطن، ولكن من شأن النفس كثرة الفضول، ومحبة الخوض فيما لا يعنيها) [التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ص104 -105].

وقال الشيخ عبد الكريم الجيلي رحمه الله تعالى في كتابه الإِنسان الكامل: (ثم ألتمس من الناظر في هذا الكتاب، بعد أن أعلمه أني ما وضعت شيئاً في هذا الكتاب إِلا وهو مؤيَّد بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه إِذا لاح له شيء من كلامه بخلاف الكتاب والسنة، فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه، لا من حيث مرادي الذي وضعتُ الكلام لأجله، فليتوقف عن العمل به مع التسليم، إِلى أن يفتح الله عليه بمعرفته، ويحصل له شاهد ذلك من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.. إِلى أن قال: واعلم أن كل علم لا يؤيده الكتاب والسنة فهو ضلالة، لا لأجل ما لا تجد أنت له ما يؤيده، فقد يكون العلم في نفسه مؤيَّداً بالكتاب والسنة، ولكن قلة استعدادك منعك من فهمه، فلم تستطع أن تتناوله بيدك من محله، فتظن أنه غير مؤيد بالكتاب والسنة، والطريقُ في هذا التسليمُ)[ الإِنسان الكامل لعبد الكريم الجيلي ص5. وليحذر القارىء من مطالعة هذا الكتاب لأن فيه كلمات مخالفة لعقيدة أهل السنة، ولا تقبل التأويل بحال مع أنه قد ألف كتابه مؤيداً بالكتاب والسنة، كما نص عليه مؤلفه في مقدمة كتابه. ونحن متأكدون أن الكثير مما فيه مدسوس عليه. انظر بحث الدس من هذا الكتاب ص398].

يتبين لنا من هذه النصوص التي نقلناها عن الفقهاء الأعلام والسادة الصوفية أمور أهمها:

أـ أنه لا يصح لغير السالك في طريق الصوفية، أن يطالع كتبهم، خشية أن يفهمها على غير حقيقتها، وخلاف ما يريده مؤلفوها؛ لأنه بعيد عن فهم اصطلاحاتهم، ومعرفة إِشاراتهم.
غير أن كتب الصوفية إِجمالاً تنقسم إِلى ثلاثة أقسام:

1 - القسم الأول: يبحث عن تصحيح العبادات، وحسن إِقامتها بصورتها وروحها، من الخشوع والحضور فيها مع الله تعالى، مع مراعاة آدابها الظاهرة كذلك.

2 - القسم الثاني: يبحث في مجاهدة النفس وتزكيتها، والقلب وأحواله؛ من تخليته عن صفاته الناقصة كالشكوك والوساوس والرياء والحقد والغل والسمعة والجاه والحسد وغيرها من الصفات المذمومة. وتحليته بالصفات الكاملة كالتوبة والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والإِخلاص، والصدق والخشوع والمراقبة وغيرها من الصفات الحسنة.

وهذان القسمان مذكوران في كتاب الإِحياء للإِمام الغزالي، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وأمثالهما. وتسمى هذه العلوم علومَ المعاملة.

3 - القسم الثالث: يبحث عن المعارف الربانية والعلوم الوهبية والأذواق الوجدانية والحقائق الكشفية. ومعظم كتب الشيخ محي الدين ابن عربي رحمه الله تعالى من هذا القسم؛ كالفتوحات المكية والفصوص. وكذلك كتاب الإِنسان الكامل للشيخ عبد الكريم الجيلي رحمه الله تعالى. وعلى أمثال هذه الكتب ينصبُّ التحذير من قراءتها لغير السالكين العارفين من الصوفية. وتسمى هذه العلوم علومَ المكاشفة.

ب - أن التصوف لا يُنال بقراءة الكتب، ولا بمعرفة الاصطلاحات بل لابد من السلوك مع رجاله ومجالسة أهله. قال الشيخ الشعراني رحمه الله تعالى: (سمعت سيدي علياً الخواص رضي الله عنه يقول: إِياك أن تعتقد يا أخي إِذا طالعت كتب القوم، وعرفت مصطلحهم في ألفاظهم أنك صرت صوفياً، إِنما التصوف التخلق بأخلاقهم، ومعرفة طرق استنباطهم لجميع الآداب والأخلاق التي تحلَّوْا بها من الكتاب والسنة) [لطائف المنن والأخلاق للشعراني ج2 ص149].

ج - أن السادة الصوفية إِنما وضعوا هذه الرموز والإِشارات كي لا يأخذ علمهم إِلا مَنْ سار في طريقهم. وقد بينا أن التصوف لا ينال بقراءة الأوراق، بل بصحبة أهل الأذواق.

د - أن النصوص التي فيها الكفر والزيغ والمُرُوق من الدين مدسوسة على القوم حتماً، لما رأيتَ من تمسكهم بالكتاب والسنة مما مر معك مِنْ نُقُول.

هـ - أن ما ثبت عنهم بالتأكيد، ويمكن تأويله وحمله على وجه صحيح من عقيدة أهل الحق؛ أهل السنة والجماعة، وجب تأويله عليها، لأنها هي عقيدتهم التي يعتقدونها ويصرحون بها، ويُثبتونها دائماً في مقدمات كتبهم كما هي سنتهم، وانظر إِن شئت مقدمة الرسالة القشيرية، والفتوحات المكية، والتعرُّفَ لمذهب أهل التصوف، وإِحياء علوم الدين وغيرها من الكتب.
و - أن ما نسب إِليهم مما لا يمكن تأويله على وجه صحيح، إِن صح عنهم فهو مردود على صاحبه، لا نسلمه له ولا نعتقده، بل نقول بكفر مُعْتَقَدِه، ولكنا لا نكفر شخصاً معيناً، لأنا لا ندري خاتمته، ولأننا مسؤولون أولاً وآخراً عن عقيدة أهل الحق، أهل السنة والجماعة، لا عن عقيدة أي إِنسان آخر.

وإِليك أيها القارىء الكريم بعض الأمثلة عن أُمور وعبارات أنكرها الجاهلون، فتحاملوا على الصوفية ووصَموهم بالخروج عن الشريعة، ولكنك حين تفهم مرادهم، وتطلع على قصدهم، يتبين لك أن إِنكار المنكرين كان إِما عن جهل وتسرع، أوعن حسد وتحامل.
1 - يقول الإِمام الشعراني رحمه الله تعالى: (مما نُقِلَ عن القوم قولهم: [دخلنا حضرةَ الله، وخرجنا عن حضرةِ الله]. ليس مرادهم بحضرة الله عز وجل مكاناً معيناً، فإِن ذلك ربما يُفهم منه التحيُّزُ للحق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإِنما مرادهم بالحضرة حيث أطلقوا شهودُ أحدهم أنه بين يدي ربه عز وجل، فما دام يشهد أنه بين يديْ ربه عز وجل فهو في حضرته، فإِذا حُجب خرج عن حضرته) [لطائف المنن والأخلاق للشعراني ج1. ص127].

2 - وقال الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى: (كنت ذات يوم مع بعض إِخواني فأنشدت قائلاً:
يا مَنْ يراني ولا أراه كم ذا أراهُ ولا يراني
فقال ذلك الأخ الذي كان معي لما سمع هذا البيت: كيف تقول إِنه لا يراك، وأنت تعلم أنه يراك؟ قال: فقلت مرتجلاً:
يا مَنْ يراني مذنباً ولا أراه آخذاً
كم ذا أراه منعِماً ولا يراني لائِذاً
[كتاب النصرة النبوية للشيخ مصطفى المدني على هامش الرائية ص82].

3 - وقال الشعراني رحمه الله تعالى: (ومما نقل عن الغزالي أنه قال: [ليس في الإِمكان أبدع مما كان]. ولعل مراده رضي الله تعالى عنه أن جميع الممكنات أبرزها الله على صورةِ ما كانت في علمه تعالى القديم، وعلمه القديم لا يقبل الزيادة، وفي القرآن العظيم: {أعْطَى كُلَّ شيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50]. فلو صح أن في الإِمكان أبدع مما كان، ولم يسبق به علم الله تعالى للزم عليه تقدم جهل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً،وهذا هو معنى قول الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى في تأويل ذلك: إِن كلام حجة الإِسلام في غاية التحقيق، لأنه ما ثَمَّ إِلا رتبتان: قِدَمٌ وحدوث؛ فالحق تعالى له رتبة القِدَم، والحادث له رتبة الحدوث، فلو خلق الله تعالى ما خلق إِلى ما لا يتناهى عقلاً، فلا يرقى عن رتبة الحدوث إِلى رتبة القدم أبداً) [“لطائف المنن والأخلاق” للشعراني ج1. ص126].

4 - وقال محمد أبو المواهب الشاذلي رحمه الله تعالى مؤولاً كلام أبي يزيد رحمه الله تعالى: [خضْنا بحراً وقفتْ الأنبياء بساحله]. (قلنا: خاض العارفون بحر التوحيد أولاً بالدليل؛ وبعد ذلك وصلوا إِلى مرتبة الشهود والعيان، والأنبياء عليهم السلام وقفوا بأول وهلة على ساحل العيان، ثم وصلوا إِلى ما لا يعبر عنه بالعرفان. فكانت بدايتهم عليهم السلام نهاية العارفين) [قوانين حكم الإِشراق إِلى كافة الصوفية في جميع الآفاق، قانون الولاية الخاصة ص58].

5 - ومما نقل عن أبي الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى قوله: [يصل الولي إِلى رتبة يزول عنه فيها كلفة التكليف]. فأجاب أبو المواهب بقوله: (قلنا: يكون الولي أولاً يجد كلفة التعب، فإِذا وصل،وجد بالتكليف الراحة والطرب، من باب قوله صلى الله عليه وسلم: “أرحْنا بها يا بلال” [يا بلال أرحنا بالصلاة. رواه الإِمام أحمد في مسنده. ورواه أبو داود في كتاب الأدب: باب في صلاة العتمة يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها عن سالم بن أبي الجعد]. ذلك مقصد الرجال) [“قوانين حكم الإِشراق” ص59].

6 - ومن الكلمات التي لها تأويل شرعي صحيح كلمة [مدد] التي يُردِّدها بعض الصوفية، فينادي بها أحدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يخاطب بها شيخه.

وحجة المعترِض عليهم أن هذه الكلمة هي سؤال لغير الله واستعانة بسواه ولا يجوز السؤال إِلا له ولا الاستعانة إِلا به؛ حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إِذا سألت فاسأل الله، وإِذا استعنت فاستعن بالله” [أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وقال: حديث حسن صحيح]، ثم إِن الله تعالى بيَّن في كتابه العزيز أنه هو مصدر الإِمداد حين قال: {كُلاً نُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء مِنْ عطاءِ ربِّك...} [الإِسراء: 20].

وقد جهل هؤلاء المعترضون أن السادة الصوفية هم أهل التوحيد الخالص، الذين يأخذون بيد مريديهم ليذيقوهم حلاوة الإِيمان، وصفاء اليقين؛ ويخلصوهم من شوائب الشرك في جميع صوره وأنواعه.
ولتوضيح المراد من كلمة [مدد] نقول: لابد للمؤمن في جميع أحواله أن تكون له نظرتان:
- نظرية توحيدية لله تعالى، بأنه وحده مسبب الأسباب، والفاعل المطلق في هذا الكون، المنفردُ بالإِيجاد والإِمداد، ولا يجوز للعبد أن يشرك معه أحداً من خلقه، مهما علا قدره أو سمت رتبته من نبي أو ولي.
- ونظرة للأسباب التي أثبتها الله تعالى بحكمته، حيث جعل لكل شيء سبباً.

فالمؤمن يتخذ الأسباب ولكنه لا يعتمد عليها ولا يعتقد بتأثيرها الاستقلالي، فإِذا نظر العبد إِلى السبب واعتقد بتأثيره المستقل عن الله تعالى فقد أشرك، لأنه جعل الإِله الواحد آلهة متعددين. وإِذا نظر للمسبِّب وأهمل اتخاذ الأسباب، فقد خالف سنة الله الذي جعل لكل شيء سبباً. والكمال هو النظر بالعينين معاً، فنشهد المسبِّبَ ولا نهمل السبب. ولتوضيح هذه الفكرة نسوق بعض الأمثلة عليها:
- إِن الله تعالى وحده هو خالق البشر؛ ومع ذلك فقد جعل لخلقهم سبباً عادياً، وهو التقاء الزوجين، وتكوُّنُ الجنين في رحم الأم، وخروجه منه في أحسن تقويم.

- وكذلك فإِن الله تعالى هو وحده المميت؛ ولكنه جعل للإماتة سبباً هو ملك الموت، فإِذا لاحظنا المسبب قلنا: {اللهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ...}
[الزمر: 42].
وإِذا قلنا: إِن فلاناً قد توفاه ملك الموت، لا نكون قد أشركنا مع الله إِلهاً آخر؛ لأننا لاحظنا السبب، كما بينه الله تعالى في قوله: {قُلْ يتوَفاكُمْ مَلَكُ الموتِ الذي وُكِّلَ بِكُم} [السجدة: 11].

- وكذلك فإِن الله تعالى هو الرزاق، ولكنه جعل للرزق أسباباً عادية كالتجارة والزراعة.. فإِذا لاحظنا المسبب في معرض التوحيد، أدركنا قوله تعالى: {إنَّ اللهَ هوَ الرَّزَّاقُ ذو القوَّةِ المتِينُ} [الذاريات: 58]. وإِذا لاحظنا السبب وقلنا: إِن فلاناً يُرزَقُ من كسبهِ، لا نكون بذلك قد أشركنا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده” [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، عن المقدام رضي الله عنه]. وقد جمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين النظرتين توضيحاً للأمر وبياناً للكمال في قوله: “وإِنما أنا قاسم والله يعطي” [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب من يرد الله به خيراً، عن معاوية رضي الله عنه].

- وكذلك الأمر بالنسبة للإِنعام، ففي معرض التوحيد قوله تعالى: {وما بِكُم مِنْ نِعمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53]. لأنه المنعم الحقيقي وحده. وفي معرض الجمع بين ملاحظة المسبِّب والسبب قوله تعالى: {وإذْ تَقولُ للذي أَنْعَمَ اللهُ عليهِ وأنْعَمْتَ عليه...} [الأحزاب: 37]. فليس الرسول صلى الله عليه وسلم شريكاً لله في عطائه، وإِنما سيقت النعم لزيد بن حارثة رضي الله عنه بسببه صلى الله عليه وسلم، فقد أسلم على يديه، وأُعتِقَ بفضله، وتزوج باختياره..

- وكذلك بالنسبة للاستعانة، إِذا نظرنا للمسبب قلنا: “إِذا استعنْتَ فاستعن بالله”. وإِذا نظرنا للسبب قلنا: {وتعاونوا على البرِّ والتقوى} [المائدة: 2]. “والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه” [أخرجه مسلم في كتاب الذكر، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، عن أبي هريرة رضي الله عنه]. فإِذا قال المؤمن لأخيه: أَعِنِّي على حمل هذا المتاع؛ لا يكون مشركاً مع الله تعالى أحداً أو مستعيناً بغير الله، لأن المؤمن ينظر بعينيه، فيرى المسبِّب والسبب، وكل من يتهمه بالشرك فهو ضال مضل.

- وهكذا الأمر بالنسبة للهداية؛ إِذا نظرنا للمسبب، رأينا أن الهادي هو الله وحده، لهذا قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {إنَّكَ لا تهدِي مَنْ أحبَبْتَ} [القصص: 56]. وإِذا لاحظنا السبب، نرى قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وإنَّكَ لَتَهدي إلى صراطٍ مُستَقيمٍ} [الشورى: 52]. أي تكون سبباً في هداية من أراد الله هدايته.

والعلماء العارفون المرشدون هم ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم في هداية الخلق ودلالتهم على الله تعالى. فإِذا استرشد مريد بشيخه، فقد اتخذ سبباً من أسباب الهداية التي أمر الله بها، وجعل لها أئمة يدلون عليها {وجَعَلْنا مِنْهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بأمرِنا لمَّا صَبَروا وكانوا بآياتِنا يوقِنونَ} [السجدة: 24].

وصلة المريد هي صلة روحية، لا تفصلها المسافات ولا الحواجز المادية، وإِذا كانت الجُدُر والمسافات لا تفصل أصوات الأثير فكيف تفصل بين الأرواح المطلقة؟! لذا قالوا: (شيخك هو الذي ينفعك بُعدُه كما ينفعك قربُه) وبما أن الشيخ هو سبب هداية المريد؛ فإِن المريد إِذا تعلق بشيخه، وطلب منه المدد، لا يكون قد أشرك بالله تعالى، لأنه يلاحظ هنا السبب، كما أوضحناه سابقاً، مع اعتقاده أن الهاديَ والمُمِدَّ هو الله تعالى، وأن الشيخ ليس إِلا سبباً، أقامه الله لهداية خلقه، وإِمدادهم بالنفحات القلبية، والتوجيهات الشرعية. ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو البحر الزاخر الذي يستمد منه هؤلاء الشيوخ وعنه يصدرون.

فإِذا سلمنا بقيام الصلة الروحية بين المريد وشيخه، سلمنا بقيام المدد المترتب عليها، لأن الله يرزق البعض بالبعض في أمر الدين والدنيا.

ولعل القارىء الكريم بعد هذا، قد اكتفى بهذه الأمثلة من كلام القوم، وبتلك النقول الصريحة من عباراتهم، حتى إِذا ما رأى كلاماً مشتبهاً يحتمل ويحتمل، أحسن الظن بهم، والتمس سبلاً لتأويل كلامهم بعد أن تبين له أن التأويل جائز في كلام الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الفقهاء والمحدثين والأصوليين والنحويين وغيرهم. ولهذا قال الإِمام النووي رحمه الله تعالى: (يحرم على كل عاقل أن يسيء الظن بأحد من أولياء الله عز وجل، ويجب عليه أن يؤول أقوالهم وأفعالهم مادام لم يلحق بدرجتهم، ولا يعجز عن ذلك إِلا قليل التوفيق) [“اليواقيت والجواهر” ج1. ص11].


EmoticonEmoticon