Friday, July 12, 2013

فصل في صوم رمضان وصوم النفل

Tags

فصل في  صوم رمضان وصوم النفل



كتاب كاشفة السجا شرح سفينة النجا للنووي الجاوي الشافعي

محتويات

فصل يجب صوم رمضان بأحد أمور خمسة

(فصل): فيما يجب به الصيام (يجب صوم رمضان بأحد أمور خمسة: أحدها بكمال شعبان ثلاثين يوماً) أي من الرؤية في شعبان مثلاً قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يتحفظ في شعبان ما لا يتحفظ في غيره، هذا دليل على أن إكمال شعبان ثلاثين يوماً من الرؤية لا من الحساب. (وثانيها: برؤية الهلال) أي هلال رمضان (في حق من رآه وإن كان فاسقاً) ولا بد من رؤيته ليلاً ولا أثر لرؤيته نهاراً لقوله صلى الله عليه وسلّم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً) أي ليصم كل منكم وليفطر كل منكم. قوله لرؤيته فيه استخدام لأن الضمير في الأول عائد على هلال رمضان والثاني على هلال شوال، قال المدابغي: واللام بمعنى بعد أي بعد رؤيته كما قاله ابن هشام في المغني. قوله: وأفطروا بقطع الهمزة أي ادخلوا في وقت الفطر فالهمزة للصيرورة كما في المصباح. قوله: فإن غم بضم الغين أي استتر بالغمام والضمير عائد على هلال رمضان، ومثله إذا غم هلال شوال فيكمل رمضان ثلاثين قاله السويفي، والأمارة الدالة على دخول رمضان كإيقاد القناديل المعلقة بالمناير وضرب المدافع ونحو ذلك مما جرت به العادة في حكم الرؤية.

(وثالثها: بثبوته) أي رؤية الهلال (في حق من لم يره بعدل شهادة) أي واحد وإن كان الرائي حديد البصر نقله السويفي عن الشبراملسي ولا بد من حكم الحاكم به فلا يكفي مجرد شهادة العدل، وخرج بالعدل الفاسق، وخرج بعدل الشهادة عدل الرواية كعبد وامرأة، وتكفي العدالة الظاهرة وهي المرادة بالمستور، وإذا صمنا برؤية عدل ثلاثين يوماً أفطرنا وإن لم نر الهلال ولم يكن غيم ولا يرد لزوم الإفطار بواحد لثبوت ذلك ضمناً إذ الشيء يثبت ضمناً بما لا يثبت به أصلاً.

واعلم أنه يثبت رمضان بشهادة العدل وإن دل الحساب القطعي على عدم إمكان رؤيته كما نقله ابن قاسم عن الرملي وهو المعتمد خلافاً لما نقله القليوبي فإنه ضعيف فليحفظ قال ذلك كله المدابغي. قال المرغني: ودليل الاكتفاء في ثبوته بالعدل الواحد ما صح عن ابن عمر رضي الله عنهما: أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلّم أني رأيت الهلال فصام وأمر الناس بصيامه اهـ. قوله: أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلّم أي بلفظ الشهادة ويكفي في الشهادة أشهد أني رأيت الهلال وإن لم يقل: وإن غداً من رمضان والمعنى في ثبوته بالواحد الاحتياط للصوم، ومثله سائر العبادات كالوقوف بالنسبة لهلال ذي الحجة وهي شهادة حسبة بكسر الحاء أي لا مرجو بها ثواب الدنيا فلا تحتاج إلى سبق دعوى. قال المدابغي: ولو رجع عن شهادته بعد شروعهم في الصوم أو بعد حكم الحاكم ولو قبل شروعهم لزمهم الصوم. ويفطرون بإتمام العدة وإن لم يروا هلال شوال.

(ورابعها: بإخبار عدل رواية موثوق به) قال الزيادي ومثله موثوق بزوجته وجاريته وصديقه (سواء وقع في القلب صدقه أم لا) قال الشرقاوي خلافاً لما ذكره في شرح المنهج وإن تبعه بعض الحواشي (أو غير موثوق به) كفاسق (إن وقع في القلب صدقه) ولذا قال المدابغي عند قول الخطيب: ويجب الصوم أيضاً على من أخبره موثوق به بالرؤية إن اعتقد صدقه وإن لم يذكره عند القاضي. قوله موثوق به ليس بقيد بل المدار على اعتقاد الصدق ولو كان المخبر كافراً أو فاسقاً أو رقيقاً أو صغيراً ثم قال السويفي عند قول الخطيب ذلك أيضاً قوله إن اعتقد صدقه ليس بقيد فالمدار على أحد أمرين: كون المخبر موثوقاً به أو اعتقاد صدقه اهـ. قال الشرقاوي: ولو رآه فاسق جهل الحاكم فسقه جاز له الإقدام على الشهادة بل وجب أن توقف ثبوت الصوم عليها. (وخامسها: بظن دخول رمضان بالاجتهاد فيمن اشتبه عليه ذلك) بان كان أسيراً أو محبوساً أو غيرهما قاله المدابغي، قال الباجوري: فلو اشتبه عليه رمضان بغيره لنحو حبس اجتهد فإن ظن دخوله بالاجتهاد صام فإن وقع فأداء وإلا فإن كان بعده فقضاء وإن كان قبله وقع له نفلاً وصامه في وقته إن أدركه وإلا فقضاء اهـ. فتلخص أن سبب وجوب الصيام خمسة: اثنان على سبيل العموم أي عموم الناس وهما استكمال شعبان ثلاثين يوماً، وثبوت رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان عند حاكم وثلاثة على سبيل الخصوص أي خصوص الناس وهو الباقي من الخمسة.

[تنبيه] لا يجب الصوم ولا يجوز بقول المنجم وهو من يعتقد أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني لكن يجب عليه أن يعمل بحسابه، وكذلك من صدقه كالصلاة فإنه إذا اعتقد دخول وقت الصلاة فإنه يعمل بذلك، ومثل المنجم الحاسب وهو من يعتمد أي يتكل ويتمسك بمنازل القمر في تقدير سيره، ولا عبرة بقول من قال: أخبرني النبي صلى الله عليه وسلّم في النوم بأن الليلة أول رمضان لفقد ضبط الرائي لا للشك في تحقق الرؤية إن تحقق الرؤية.

]فرع] وإذا رؤي الهلال بمحل لزم حكمه محلاً قريباً منه ويحصل القرب باتحاد المطلع بأن يكون غروب الشمس والكواكب وطلوعها في البلدين في وقت واحد هذا عند علماء الفلك، والذي عليه الفقهاء أن لا تكون مسافة ما بين المحلين أربعة وعشرين فرسخاً من أي جهة كانت. واعلم أنه متى حصلت الرؤية في البلد الشرقي لزم رؤيته في البلد الغربي دون عكسه، ولو سافر من صام إلى محل بعيد من محل رؤيته وافق أهله في الصوم آخراً، فلو عيد قبل سفره ثم أدركهم بعده صائمين أمسك معهم وإن تم العدد ثلاثين لأنه صار منهم أو سافر من البعيد إلى محل الرؤية عيد معهم وقضى يوماً إن صام ثمانية وعشرين، وإن صام تسعة وعشرين فلا قضاء وهذا الحكم لا يختص بالصوم بل يجري في غيره أيضاً حتى لو صلى المغرب بمحل وسافر إلى بلد فوجدها لم تغرب وجبت الإعادة.

فصل شروط صحة الصوم أربعة

(فصل): في شروط صحة الصوم (شروط صحته) أي الصوم سواء كان فرضاً أو نفلاً (أربعة أشياء) أحدها: (إسلام) أي في الحال فلا يصح من كافر أصلي ولا مرتد. (و) ثانيها: (عقل) أي تمييز فيخرج به المجنون ونحوه والصبي إذ لا تمييز عنده وليس المراد به العقل الطبيعي لأنه لا يخرج به حينئذٍ الصبي. وثالثها: (نقاء من نحو حيض) كنفاس وولادة ولو لعلقة أو مضغة وإن لم ترد ما ويحرم على الحائض والنفساء الإمساك بنية الصوم وإلا فلا يجب تعاطي مفطر وكذا نحو العيد اكتفاء بعدم النية. واعلم أن هذه الشروط الثلاثة يعتبر وجودها في جميع النهار، فلو ارتد أو زال تمييزه بجنون أو وجد نحو الحيض في جزء منه بطل صومه. (و) رابعها: (علم) أو ظن (بكون الوقت قابلاً للصوم) فلا يصح صوم من لم يعلم ذلك بأن ظن دخوله أو استوى الأمران عنده والوقت الذي لا يقبل الصوم هو العيدان وأيام التشريق وهي ثلاثة بعد عيد الأضحى.

فصل شروط وجوب الصوم رمضان (خمسة

(فصل): في شروط وجوب الصوم (شروط وجوبه) أي صوم رمضان (خمسة أشياء) أحدها: (إسلام) أي ولو فيما مضى فيشمل المرتد لأنه مخاطب بالأداء كالمسلم لسبق إسلامه. (و) ثانيها: (تكليف) أي بلوغ وعقل فلا يجب الصوم على صبي ومجنون ومغمى عليه وسكران، أما القضاء فيجب على السكران سكراً مستغرقاً والمغمى عليه مطلقاً أي سواء تعدى بالإغماء أو لا لكن على الفور عند التعدي وعلى التراخي عند عدمه، بخلاف الصلاة لا يجب عليه قضاؤها إلا إذا كان متعدياً بإغمائه ويجب على المجنون عند التعدي. (و) ثالثها: (إطاقة) أي قدرة للصوم فلا يجب على من لا يطيقه لكبر أو مرض يبيح التيمم.

(و) رابعها: (صحة) فلا يجب على مريض قال في شرح المنهج: ويباح تركه بنية الترخص لمرض يضر معه الصوم ضرراً يبيح التيمم وإن طرأ على الصوم ثم المرض إن كان مطبقاً فله ترك النية أو متقطعاً، فإن كان يوجد وقت الشروع فله تركها وإلا فإن عاد واحتاج إلى الإفطار أفطر، ثم قال الزيادي وأفتى الأذرعي أخذاً من هنا إنه يلزم الحصادين أي ونحوهم تبييت النية كل ليلة ثم من لحقه منهم مشقة شديدة أفطر وإلا فلا (و) خامسها: (إقامة) فيباح ترك الصوم لسفر طويل بنية الترخص فإن تضرر به فالفطر أفضل وإلا فالصوم أفضل، قال الزيادي: وذلك بأن يفارق ما شرط مجاوزته في صلاة المسافر قبل الفجر يقيناً، فلو نوى ليلاً ثم سافر وشك أسافر قبل الفجر أو بعده لم يفطر، ويستثنى من ذلك مديم السفر فلا يباح له الفطر لأنه يؤدي إلى إسقاط الوجوب بالكلية، وإنما يظهر جواز الفطر فيمن يرجو إقامة يقضي فيها قاله السبكي واعتمده شيخنا الرملي اهـ.

فصل أركان الصوم (ثلاثة

(فصل): في أركان الصوم (أركانه) أي الصوم فرضاً كان أو نفلاً. (ثلاثة أشياء) قال الزيادي: هذا هو المشهور وجعلها في الأنوار أربعة والرابع قابلية الوقت للصوم اهـ. أحدها: (نية ليلاً لكل يوم في الفرض) ومحلها القلب ولا بد أن يستحضر حقيقة الصوم التي هي الإمساك عن المفطر جميع النهار مع ما يجب فيه من كونه عن رمضان مثلاً ثم يقصد إيقاع هذا المستحضر، ولا تكفي النية باللسان دون القلب، كما لا يشترط التلفظ بها قطعاً لكنه يندب ليعاون اللسان القلب، ويعلم من كون محلها ما ذكر أنه لو نوى الصوم بقلبه في أثناء الصلاة صحت نيته، قال الزيادي: فلو نوى ليلة أول رمضان صوم جميعه لم يكف لغير اليوم الأول، لكن ينبغي له ذلك ليحصل له صوم اليوم الذي نسي النية فيه عند مالك، كما يسن له أن ينوي أول اليوم الذي نسيها فيه ليحصل له صومه عند أبي حنيفة، وواضح أن محله إن قلد وإلا كان متلبساً بعبادة فاسدة في اعتقاده وهو حرام، ولو شك هل وقعت نيته قبل الفجر أو بعده لم يصح لأن الأصل عدم وقوعها ليلاً إذ الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن بخلاف ما لو نوى وشك هل طلع الفجر أو لا فإنه يصح للتردد في النية. قوله في الفرض خرج به النفل فيكفي فيه نية بالنهار قبل الزوال بشرط انتفاء المنافي قبل النية كأكل وجماع وكفر وحيض ونفاس وجنون وإلا فلا يصح الصوم، قال في شرح المنهج: فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلّم على عائشة ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ فقالت: لا قال: فإني إذاً أصوم. قالت: ودخل علي يوماً آخر فقال: أعندكم شيء؟ قلت نعم قال: إذاً أفطر وإن كنت فرضت الصوم. رواه الدارقطني والبيهقي،

وخرج بالمنافي للصوم ما لا ينافيه، قال الرملي: ولو أصبح ولم ينو صوماً ثم تمضمض ولم يبالغ فسبق ماء المضمضة إلى جوفه ثم نوى صوم تطوع صح، وكذا كل ما لا يبطل الصوم كالإكراه على الأكل والشرب قال النووي: وهذه مسألة نفيسة وقد طلبتها سنين حتى وجدتها فلله الحمد، ومثل ذلك ما إذا بالغ لإزالة نجاسة فمه أو أنفه فسبقه الماء فإنه لا يضر، وقوله في الفرض ولو نذراً أو قضاء أو كفارة أو كان الناوي صبياً أو أمر به الإمام في الاستسقاء وليس لنا صوم نفل يشترط فيه التبييت إلا صوم الصبي. فيلغز به ويقال لنا صوم نفل يشترط فيه تبييت النية. قوله ليلاً أي بين الغروب وطلوع الفجر ودليل وجوب إيقاع النية ليلاً بمعنى وجوب التبييت. قوله صلى الله عليه وسلّم: "من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه الدارقطني أي من لم يبيت نية الصيام قبل الفجر فلا صيام له صحيح، والمراد بتبييتها إيقاعها في جزء من أجزاء الليل من الغروب إلى الفجر. وقوله صلى الله عليه وسلّم: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" قوله لم يجمع بضم الياء وسكون الجيم أو بفتح الياء والميم معناه من لم يعزم على الصيام فينويه، وأقل النية في رمضان نويت الصوم غداً من رمضان فلا بد من الإتيان بقوله من رمضان لأن التعيين شرط في نية صوم الفرض ولا يحصل إلا بذلك لا بمجرد ذلك الغد فإن جمع بينهما كان أمكن فالغد مثال للتبييت ولا يجب التعرض له ولا يحصل به تعيين ورمضان مثال للتعيين، ولا يشترط التعرض للفرضية ولا الأداء ولا الإضافة إلى الله تعالى، ولا تعيين السنة فإن عينها وأخطأ فإن كان عامداً عالماً لم يصح لتلاعبه وإن كان ناسياً أو جاهلاً صح.

وأكملها أن يقول: نويت صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة بإضافة رمضان إلى اسم الإشارة لتكون الإضافة معينة لكونه رمضان هذه السنة، ويسن أن يقول بعد ذلك إيماناً واحتساباً لله تعالى، ولو تسحر ليصوم أو شرب لدفع العطش عنه نهاراً أو امتنع من الأكل أو الشرب أو الجماع خوف طلوع الفجر كان نية إن خطر الصوم بباله بصفاته الشرعية لتضمن كل منها قصد الصوم. (و) ثانيها: (ترك مفطر) من وصول عين لمنفذ مفتوح من جوف كتناول طعام وإن قل كسمسمة ونقطة ماء وإدخال الشيء في الفم أو في مخرج غيره كإدخال عود في أذن أو جراحة ومن استقاءة لقوله صلى الله عليه وسلّم: "من ذرعه القيء أي غلبه وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقض" رواه ابن حبان وغيره. ومن إدخال كل الحشفة أو قدرها من فاقدها فلا يفطر بإدخال بعضها بالنسبة للواطىء، وأما الموطوء فيفطر بإدخال البعض لأنه قد وصلت عين جوفه فهو من هذه الجهة لا من جهة الوطء ومن إنزال المني بلمس بشرة بشهوة كالوطء بلا إنزال بل أولى لأن الإنزال هو المقصود بالوطء، ولا يفطر بإنزال في نوم أو بنظر أو فكر أو لمس بلا شهوة أو ضم امرأة إلى نفسه بحائل (ذاكراً) للصوم (مختاراً غير جاهل معذور) ويفطر الصائم بشيء من ذلك إذا تعمد واختار وعلم بتحريمه أو جاهل غير معذور ولا يفطر بذلك مع نسيان أو إكراه أو كان جاهلاً بالتحريم معذوراً بأن قرب عهده بالإسلام أو نشأ بعيداً عن العلماء ومع غلبة القيء فالاستقاءة مفطرة وإن علم أنه لم يرجع شيء إلى جوفه بها فيه مفطرة لعينها لا لعود شيء من القيء.

(فروع) وينبغي الاحتراز حالة الاستنجاء لأنه متى أدخل طرف أصبعه دبره أفطر ولو أدنى شيء من رأس الأنملة، وكذا لو فعل به غيره ذلك بإذنه، ومثله ما لو أدخلت الأنثى أصبعها فرجها حالة ذلك أفطرت إذ لا يجب عليها إلا غسل ما ظهر، ولو طعن نفسه أو طعنه غيره بإذنه فوصل السكين جوفه أو أدخل في إحليله أو أذنه عوداً فوصل إلى الباطن أفطر، والإحليل بكسر الهمزة مخرج اللبن من الثدي ومخرج البول أيضاً، هذا إن لم يتوقف خروج نحو الخارج على إدخال أصبعه في دبره وإلا أدخله ولا فطر، قال الأجهوري على الخطيب: ومثل الأصبع غائط خرج منه ولم ينفصل ثم ضم دبره فدخل منه شيء إلى داخله فيفطر حيث تحقق دخول شيء منه بعد بروزه لأنه خرج من معدته مع عدم حاجته إلى الضم وبه يفارق مقعدة المبسور، أفتى بذلك شيخ شيخنا العلامة منصور الطبلاوي، ولو كان برأسه مأمومة أي شجة فوضع عليها دواء فوصل خريطة الدماغ أفطر وإن لم يصل باطن الخريطة، ومثل ذلك الأمعاء أي المصارين فلو وضع على جائفة ببطنه دواء فوصل جوفه أفطر وإن لم يصل باطن الأمعاء، قال شيخنا أحمد النحراوي: والجائفة هي الجرح المتصل بالباطن.

اعلم أن من العين الدخان الحادث الآن المسمى بالتتن لعن الله من أحدثه فإنه من البدع القبيحة فيفطر به، وقد أفتى الزيادي أولاً بأنه لا يفطر لأنه أذن لم يكن يعرف حقيقته فلما رأى أثره بالبوصة التي يشرب بها رجع وأفتى بأنه يفطر، ولو خرجت مقعدة المبسور ثم عادت لم يفطر، وكذا إن أعادها على الأصح لاضطراره إليه، ولو أصبح وفي فمه خيط متصل بجوفه تعارض عليه الصوم والصلاة لبطلانه بابتلاعه لأنه أكل عمداً وبنزعه لأنه استقاءة وبطلانها ببقائه لاتصاله بنجاسة الباطن، قال الزركشي: وجب عليه نزعه أو ابتلاعه محافظة على الصلاة لأن حكمها أغلظ من حكم الصوم لقتل تاركها دونه، ولهذا لا تترك بالعذر بخلافه به، هذا إذا لم يتأت له قطع الخيط من حد الظاهر من الفم، فإن تأتى وجب القطع وابتلع ما في حد الباطن وأخرج ما في حد الظاهر، وإذا راعى مصلحة الصلاة فينبغي أن يبتلع الخيط ولا يخرجه لئلا يؤدي إلى تنجيس فمه،

قال الزيادي: والباطن من الحلق مخرج الهمزة والهاء دون الخاء المعجمة وكذا المهملة عند النووي انتهى ولو أدخل دبره أو أذنه عوداً وأصبح صائماً ثم أخرجه بعد الفجر لم يفطر لأنه يشبه الاستقاءة بخلاف الخيط كما مر، ولو شرب الخمر ليلاً وأصبح صائماً لم تجب عليه الاستقاءة على المعتمد، وليس من الاستقاءة قطع النخامة عن الباطن إلى الظاهر فلا يضر على الأصح مطلقاً سواء قلعها من دماغه أم من باطنه بتكرر الحاجة إليه فيرخص فيه، أما لو نزلت من دماغه بنفهسا واستقرت في حد الظاهر أو كان بقلبه سعال فيرمي ذلك فلا بأس به جزماً أو بقي في محله، فكذلك فإن ابتلعها بعد خروجها واستقرارها في ذلك الحد أفطر جزماً، فالمطلوب منه حينئذٍ أن يقطعها من مجراها ويمجها إن أمكن حتى لا يصل منها شيء إلى الباطن، ومن الاستقاءة إخراج ذبابة وصلت إلى مخرج الحاء المهملة فيفطر بذلك مطلقاً ويجوز إخراجها مع القضاء إن ضره بقاؤها.

ثم اعلم أن الاستمناء بيده أو بيد زوجته أو جاريته يفطر به ولو بحائل حيث كان عامداً عالماً مختاراً، ومحل الإفطار بلمس البشرة إذا كان الملموس ينقض لمسه الوضوء ولو فرجاً مباناً حيث بقي اسمه، أما ما لا ينقض لمسه ذلك كمحرمه فلا يفطر بلمسه وإن أنزل حيث فعل ذلك للشفقة والكرامة، بخلاف ما إذا فعل ذلك بشهوة، ومثل ذلك العضو المبان فلا يفطر بلمسه ولو بشهوة سواء كان بحائل أم لا، ومما لا ينقض لمسه الوضوء إلا مرد الجميل فلا يبطل صوم من أنزل بلمسه وإن كان بشهوة وبلا حائل لأنه ليس محلاً للشهوة بخلاف المحرم فإنها محل لها في الجملة.

ثم اعلم أن الواطىء إن علت عليه المرأة ولم يحصل منه حركة ولم ينزل لم يفطر، أما إذا أنزل فإنه يفسد صومه كالإنزال بالمباشرة فيما دون الفرج، ويبطل به صوم كل من الفاعل والمفعول به وإن لم يحصل دخول لجميع الحشفة لأنه يصدق عليه وصول عين إلى الجوف، ولا كفارة على الرجل لعدم الفعل بل على المرأة فقط وتفطر المرأة بإدخالها ذكراً مباناً وعكسه، ولا شيء على صاحب الفرج المبان من ذكر أو أنثى خلافاً لما توهمه الأغبياء من الطلاب. (و) ثالثها: (صائم) قال السويفي: عد الصائم هنا ركناً لعدم وجود صورة للصوم في الخارج كما في نحو البيع بخلاف نحو الصلاة اهـ. أي لأن لها صورة في الخارج يمكن تعقلها وتصورها بدون تعقل مصل.

فصل: فيما يجب به الكفارة

(فصل): في بيان ما يجب به الكفارة وما يذكر معها (ويجب مع القضاء للصوم الكفارة العظمى والتعذير على من أفسد صومه في رمضان يوماً كاملاً بجماع تام آثم به للصوم) أي لأجله فقط، فلا كفارة على من أفسده بغير جماع كأكل أو استمناء، ومثل ذلك ما لو أفسده بجماع مع غيره فلا كفارة عليه سواء تقدم ذلك الغير على الجماع أو قارنه فتسقط الكفارة تقديماً للمانع على المقتضى، ولا كفارة أيضاً على من أفسده بجماع في غير رمضان كنذر وقضاء، ولا على مسافر سفر قصر يبيح الفطر أفطر بالزنى لأن إثمه ليس للصوم وحده بل له مع الزنى إن لم ينو بفطره الترخص أي ارتكاب الرخص، إذ الفطر لا يباح إلا بتلك النية، فإن نوى ذلك كان إثمه للزنى وحده لا للصوم لأن الفطر جائز ولا كفارة على كلا الحالين، بخلاف من أصبح مقيماً ثم سافر ووطىء فتلزمه الكفارة. قوله تام، وقد ذكره الغزالي للاحتراز عن المرأة فإنه لا يلزمها الكفارة لأنها تفطر بمجرد دخول بعض الحشفة قاله الحصني. قال السويفي: قوله آثم بالمد بصيغة اسم الفاعل انتهى.

والحاصل أن شروط وجوب الكفارة أحد عشر. الأول: الواطىء فخرج به الموطوء فلا تجب عليه. الثاني: وطء مفسد فلا تجب إلا إذا كان الوطء مفسداً بأن يكون من عامد ذاكر للصوم مختار عالم بتحريمه وإن جهل وجوب الكفارة أو من جاهل غير معذور. الثالث: إفساد صوم خرج به الصلاة والاعتكاف فلا تجب الكفارة بإفسادهما. الرابع: أن يفسد صوم نفسه خرج به ما لو أفسد صوم غيره ولو في رمضان كأن وطىء مسافر أو نحوه امرأته ففسد صومها. الخامس: في رمضان وإن انفرد بالرؤية أو أخبره من يثق به أو من اعتقد صدقه. السادس: بجماع ولو لواطاً أو إتيان بهيمة أو ميت وإن لم ينزل قاله الزيادي. السابع: أن يكون آثماً بجماعه فخرج به ما لو كان صبياً، وكذا لو كان مسافراً أو مريضاً وجامع بنية الترخص فإنه لا إثم عليه.

الثامن: أن يكون إثمه لأجل الصوم فقط. التاسع: أن يفسد صوم يوم ويعبر عنه باستمراره أهلاً للصوم بقية اليوم فخرج ما لو وطىء بلا عذر ثم جن أو مات في اليوم لأنه بان أنه لم يفسد صوم يوم. العاشر: عدم الشبهة فخرج ما لو ظن وقت الوطء بقاء الليل أو دخوله أو شك في أحدهما فبان نهاراً أو أكل ناسياً وظن أنه أفطر به ثم وطىء عامداً. الحادي عشر: كون الوطء يقيناً في رمضان خرج به ما لو اشتبه الحال وصام بتحر أي باجتهاد ووطىء ولم يتبين الحال فلا كفارة عليه. والكفارة إعتاق رقبة مؤمنة بلا عوض سليمة عن عيب يخل بالعمل ليقوم بكفايته فإن عجز عن الرقبة وجب صوم شهرين متتابعين وينقطع التتابع بالإفطار ولو بعذر إلا نحو حيض فإن عجز عن صومهما وجب إطعام ستين مسكيناً لكل منهم مد من غالب قوت البلد المجزىء في الفطرة.

(ويجب مع القضاء الإمساك للصوم في ستة مواضع: الأول في رمضان لا في غيره) كنذر وقضاء وكفارة (على متعد بفطره) لتعديه بإفساده، قال الشرقاوي: ولو شرب خمراً بالليل وأصبح صائماً فرضاً فقد تعارض عليه واجبان الإمساك والتقيؤ فيراعي حرمة الصوم فيما يظهر للاتفاق على وجوب الإمساك فيه، والاختلاف في وجوب التقيؤ على الصائم، أما النفل فلا يبعد عدم وجوب التقيؤ وإن جاز محافظة على حرمة العبادة. (والثاني: على تارك النية ليلاً في الفرض) لتقصيره حقيقة إن عمد الترك أو حكماً إن لم يتعمده كأن كان ناسياً أو جاهلاً لأن ذلك يشعر بترك الاهتمام بأمر العبادة فهو ضرب تقصير أي فيجب عليه الإمساك، ويجب عليه بعد ذلك القضاء فوراً إن تعمد تركها وإلا فلا، وله تقليد أبي حنيفة فينوي نهاراً (والثالث: على من تسحر ظانا بقاء الليل فبان خلافه) لتقصيره حقيقة إن كان بغير اجتهاد وإلا فحكماً. (والرابع: على من أفطر ظاناً الغروب فبان خلافه أيضاً) كما يقع الآن كثيراً بسبب جهل الميقاتية قاله الشرقاوي.

(والخامس: على من بان له يوم ثلاثي شعبان أنه من رمضان) لأنه كان يلزم الصوم ولو على حقيقة الحال، ثم إن ثبت قبل نحو أكلهم ندب لهم نية الصوم بخلاف المسافر إذا قدم بعد الإفطار لأنه يباح له الأكل مع العلم بأنه من رمضان قاله الرملي (والسادس: على من سبقه ماء المبالغة من مضمضة واستنشاق) لتقصيره بها بخلاف صبي بلغ مفطراً أو مجنون أفاق وكافر أسلم ومسافر مريض زال عذرهما بعد الفطر لا يجب عليهم الإمساك بل يسن إذ لا تقصير منهم ولا يجب على الصبي القضاء، أما لو بلغ صائماً فيجب إتمامه بلا قضاء أيضاً لصيرورته من أهل الوجوب في أثناء العبادة، فأشبه ما لو دخل في صوم تطوع ثم نذر إتمامه، ولو جامع بعد بلوغه لزمته الكفارة، وكذا المسافر والمريض إذا زال عذرهما صائمين فيجب الإتمام عليهما كالصبي ولصحة صومهما ثم الممسك ليس في صوم وإن أثيب عليه، فلو ارتكب محظوراً كالجماع فلا شيء عليه سوى الإثم أي لا كفارة، ولو ارتكب مكروهاً كسواك بعد الزوال ومبالغة مضمضمة كره في حقه ذلك كالصائم، وأما فاقد الطهورين فهو في صلاة شرعية، والفرق أن المفقود هنا ركن وهناك شرط، وإنما أثيب الممسك مع أنه ليس في صوم لأنه قام بواجب خوطب به فثوابه من تلك الجهة لا من جهة الصوم.

فصل فيما يفسد به الصوم

(فصل): فيما يفسد به الصوم (يبطل الصوم بردة) وهي رجوع عن الإسلام إلى كفر (وحيض ونفاس أو ولادة وجنون ولو) كان ذلك (لحظة وبإغماء وسكر تعدى به إن عما) أي كل منهما (جميع النهار) قال المدابغي: فالحاصل أن الردة والجنون والحيض والنفاس والولادة متى طرأ واحد منها في أثناء اليوم ولو لحظة يمنع الصحة وأن النوم لا يضر فلا يمنع الصحة ولو استغرق اليوم، وأن الإغماء والسكران استغرقا اليوم منعا الصحة وإلا فلا فتأمل.

واعلم أن المغمى عليه إذا أفاق قضى الصوم مطلقاً أي سواء تعدى بإغمائه أم لا، بخلاف الصلاة فلا يجب عليه قضاؤها إلا إذا كان متعدياً بإغمائه، ومثله في هذا التفصيل السكران اهـ طوخي. أي يجب على السكران قضاء الصوم إن تعدى بسكره وإلا فلا انتهى. فعلم من هذا أن تقييد السكر. بالتعدي في المتن تبعاً لمتن الإرشاد هو قيد لوجوب القضاء فقط دون قيد الإبطال، وعبارة الرملي مع متن المنهاج والأظهر أن الإغماء لا يضر إذا أفاق لحظة من نهار أي لحظة كانت اكتفاء بالنية مع الإفاقة في جزء لأنه الاستيلاء أي الغلبة على العقل فوق النوم ودون الجنون، فلو قلنا إن المستغرق مسه لا يضر كالنوم لألحقنا الأقوى بالأضعف، ولو قلنا أن اللحظة منه تضر كالجنون لألحقنا الأضعف بالأقوى، فتوسطنا وقلنا إن الإفاقة في لحظة كافية اهـ. وفهم من قوله أي لحظة كانت أنه يكتفي بإفاقة المغمى عليه أو السكران مع طلوع الفجر أو الغروب لأنه يصدق على ذلك أنه لحظة من نهار كما قاله الشرقاوي. ثم اعلم أن الحائض والنفساء إذا زال عذرهما يستحب لهما الإمساك كغيرهما من المريض ونحوه كما قاله الزيادي.

فصل الإفطار في رمضان أربعة أنواع

(فصل): في أقسام الإفطار في رمضان وأحكامه (الإفطار في رمضان) أي بسببه باعتبار الحكم (أربعة أنواع واجب كما في الحائض والنفساء) ولو من علقة أو مضغة أو بلا بلل (وجائز كما في المسافر) سفر قصر (والمريض) اعلم أن للمريض ثلاثة أحوال: فإن توهم ضرراً يبيح له التيمم كره له الصوم وجاز له الفطر، فإن تحقق الضرر المذكور ولو لغلبة ظن وانتهى به العذر إلى الهلاك وذهاب منفعة عضو حرم عليه الصوم ووجب عليه الفطر، فإذا استمر صائماً حتى مات مات عاصياً، فإن كان المرض خفيفاً كصداع ووجع أذن وسن لم يجز الفطر إلا أن يخاف الزيادة بالصوم.

[فائدة] يباح الفطر في رمضان لستة: للمسافر والمريض والشيخ الهرم أي الكبير الضعيف والحامل ولو من زنى أو شبهة ولو بغير آدمي حيث كان معصوماً والعطشان أي حيث لحقه مشقة شديدة لا تحتمل عادة عند الزيادي أو تبيح التيمم عند الرملي ومثله الجائع، وللمرضعة ولو مستأجرة أو متبرعة ولو لغير آدمي، ونظمها بعضهم من بحر الوافر فقال:

إذا ما صمت في رمضان صمه ** سوى ست وفيهن القضاء
فسين ثم ميم ثم شين ** وحاء ثم عين ثم راء

فالسين للمسافر والميم للمريض والشين للشيخ الهرم والحاء للحامل والعين للعطشان والراء للمرضعة. (ولا ولا) أي ليس بواجب ولا جائز ولا محرم ولا مكروه (كما في المجنون ومحرم كمن أخر قضاء رمضان مع تمكنه) بأن كان مقيماً صحيحاً (حتى ضاق الوقت عنه. وأقسام الإفطار) باعتبار ما يلزم (أربعة أيضاً ما يلزم فيه القضاء والفدية وهو اثنان الأول الإفطار لخوف على غيره) كالإفطار لإنقاذ حيوان محترم آدمي أو غيره مشرف على هلاك يغرق وغيره، وإفطار حامل ومرضع خوفاً على الولد وحده وإن كان ولد غير المرضع ولو غير آدمي أو متبرعة فلا تتعدد الفدية وإن تعدد الحمل والرضيع فإن أفطر لخوف على نفسه أو مع غيره فلا فدية كالمريض. (والثاني الإفطار مع تأخير قضاء) شيء من رمضان (مع إمكانه حتى يأتي رمضان آخر) لخبر: "من أدرك رمضان فأفطر لمرض ثم صح ولم يقضه حتى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه ثم يقضي ما عليه ثم يطعم عن كل يوم مسكيناً" رواه الدارقطني والبيهقي، فخرج بالإمكان من استمر به السفر أو المرض حتى أتى رمضان آخر أو أخره لنسيان أو جهل بحرمة التأخير، وإن كان مخالطاً للعلماء لخفاء ذلك لا بالفدية فلا يعذر لجهله بها نظير من علم حرمة التنحنح وجهل البطلان به.

واعلم أن الفدية تتكرر بتكرر السنين وتستقر في ذمة من لزمته، قال في شرح المنهج: فلو أخر القضاء المذكور أي قضاء رمضان مع تمكنه حتى دخل رمضان آخر فمات أخرج من تركته لكل يوم مدان مد للفوات ومد للتأخير إن لم يصم عنه وإلا وجب مد واحد للتأخير. (وثانيها: ما يلزم فيه القضاء) تداركاً لما فات (دون الفدية) لأنه لم يرد نص بوجوبها على من دخل تحت هذا القسم (وهو يكثر كمغمى عليه) وناس للنية ومتعد بفطره بغير جماع (وثالثها: ما يلزم فيه الفدية دون القضاء وهو شيخ كبير) لم يستطع الصوم في جميع الأزمان فإن قدر عليه في بعضها وجب عليه التأخير إلى الزمن الذي يقدر عليه، ومثله مريض لا يرجى برؤه. (ورابعها: لا ولا) أي لا يجب شيء من القضاء والفدية (وهو المجنون الذي لم يتعد بجنونه) لعدم تكليفه ومثله الصبي والكافر الأصلي.

ثم اعلم أن القضاء في جميع ما ذكر على التراخي إلا فيمن أثم بالفطر والمرتد وتارك النية ليلاً عمداً على المعتمد أفاده القليوبي، وكذا إذا ضاق الوقت قبل رمضان الثاني بأن لم يبق إلا ما يسع القضاء فيجب القضاء حينئذٍ فوراً.

فصل ما لا يفطر مما يصل إلى الجوف (سبعة

(فصل) في بيان ما لا يفطر مما يصل إلى الجوف (الذي لا يفطر بما يصل إلى الجوف) من الأعيان من منفذ مفتوح (سبعة أفراد) الأول والثاني والثالث (ما يصل إلى الجوف بنسيان) للصوم (أو جهل أو إكراه) ومن الإكراه الإيجار بالصب في حلقه، قال صلى الله عليه وسلّم: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" رواه الشيخان وصححاه. (و) الرابع: (بجريان ريق مما بين أسنانه) وقد عجز عن مجه لعذره بخلاف ما إذا قدر على مجه لتقصيره وذلك كطعام أو نخامة أو قهوة، فإذا شرب قهوة قبيل الفجر وبقي أثرها لما بعده فإن بلع ريقه المتغير بها عمداً مع قدرته على مجه أفطر وإلا فلا، والنخامة بالضم ما يخرجه الإنسان من حلقه من مخرج الخاء المعجمة، وزاد المطرزي: وهو ما يخرجه من الخيشوم.

(و) الخامس: (ما وصل إلى الجوف وكان غبار طريق) سواء كان طاهراً أو نجساً ولو من مغلظ فلا يفطر بذلك، وأما غسله فإن تعمد فتح فمه وجب وإلا فلا. (و) السادس والسابع: (ما وصل إليه وكان غربلة دقيق أو ذباباً طائراً أو نحوه) كبعوض لمشقة الاحتراز عن ذلك فإن أضرت الذبابة جوفه أخرجها وأفطر ووجب عليه القضاء نبه على ذلك ابن حجر ولو تعمد فتح الفم ولو لأجل الوصول ثم حصل الوصول بعد ذلك بغير فعله لم يفطر على الصحيح، أما لو صار بعد فتح فمه يتلقف به الغبار من الهواء فإنه يضر قاله الشرقاوي، والغربلة مصدر غربل وهي إدارة الحب في الغربال بكسر الغين أو الدقيق في المنخل ليخرج خبثه ويبقى طيبه. (والله) سبحانه تبارك وتعالى (اعلم) أي من كل ذي علم (بالصواب) أي بما يوافق الحق في الواقع من القول والفعل.

(نسأل الله الكريم) أي المعطي من غير سؤال أو الذي عم عطاؤه للطائع والعاصي لكونه المعطي لا لغرض ولا لعوض قاله أحمد الضاوي (بجاه) أي بمنزلة (نبيه الوسيم) أي الحسن خلقه، وكان لونه صلى الله عليه وسلّم في الدنيا أبيض مشرباً بحرمة وفي الآخرة أصفر فلا توجد محاسن في أحد سواه كمحاسنه صلى الله عليه وسلّم في الظاهر والباطن لا في الدنيا ولا في الآخرة (أن يخرجني من الدنيا مسلماً) أي منقاداً لأوامره سبحانه وتعالى (ووالدي وأحبائي ومن إلي انتمى) أي انتسب (وأن يغفر لي ولهم مقحمات) أي ذنوباً كبائر فالمقحمات بضم الميم وسكون القاف وكسر الحاء المهملة معناه المهلكات والملقيات وسميت الكبائر بذلك لأنها تهلك صاحبها وتلقيه في النار (ولمماً) أي ضمائر (وصلى الله على سيدنا محمدبن عبد اللهبن عبدالمطلببن هاشم) واسمه عمرو وسمي هاشماً لأنه أول من هشم الثريد أي كسره لأهل الحرم فالثريد هو اللحم (ابن عبد مناف) وهذا غير عبد مناف الذي في نسبه صلى الله عليه وسلّم من جهة أمه (رسول الله إلى كافة الخلق) أي من الجن والملائكة والإنس من لدن آدم إلى قيام الساعة حتى إلى نفسه الشريف صلى الله عليه وسلّم (رسول الملاحم) جمع ملحمة وهي الحرب والقتال قاله السملاوي. (حبيب الله)

فقد قال في الحديث: "وأنا حبيب الله ولا فخر" والمعنى ولا فخر أعظم من هذا أو لا أقول ذلك فخراً بل تحدثاً بالنعمة (الفاتح) للأنبياء ولكل خير أو لأبواب الخير فإنه السبب في نزول الرحمات للعباد، أو الفاتح للشفاعة فإنه المخصوص بالشفاعة العظمى يوم القيامة، أو لأن روحه الشريفة سبقت الأرواح في الخلق وخلقت الأرواح قبل الأجساد بألفي عام قاله شيخنا يوسف السنبلاويني (الخاتم) للأنبياء فلا نبي تبتدأ أي تظهر نبوته بعده فهو آخرهم في الوجود باعتبار جسمه في الخارج فلا تنسخ شريعته إشارة لعظمته حيث لا يحتاج بعده لغيره (وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين) ختم بذلك كتابه لقوله صلى الله عليه وسلّم: "ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم" رواه الترمذي وابن ماجه. والترة كوزن عدة النقص، وفي رواية: إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة.

وهذا آخر ما أبرزته عناية القدرة لا بحول مني ولا قدرة.

قال السيد عبد الله المرغني: واعلم يا أخي إذا رأيت أن لا يكتب الإنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده لو كان غير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أجمل، ولو ترك هذا لكان أفضل، وهذا من أعظم العبر، ودليل استيلاء النقص على جملة البشر، ولا يكون إلا ما قضاه وأراده من أمره بين كاف ونون انتهى. وكن يا أخي للعيوب ساتراً، والله أسأل أن يكون للذنوب غافراً، والمطلوب من الإخوان الصفح عن الزلل، والعفو عن العلل، والستر لدى الخلل، فإن النقص ذاتي، والتقصير صفاتي، والبخس سماتي، والمرجو ممن اطلع عليها في هذا الكتاب أن ينظر إليها نظر احتقار. ويرخي على ما فيها أذيال الأستار، فالستر من طبيعة الكرام، وإظهار العيوب من عادة اللئام. فمن علي بالاستغفار وهو التمام وأنا عين الملام والملام لا يلام، والله أسأل وبنبيِّه أتوسل أن أحل محل القبول، إنه خير مأمول وأكرم مسؤول. هذا وأختم بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى فليقل آخر مجلسه أو حين يقوم: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.


EmoticonEmoticon