Friday, July 12, 2013

فصل الأعيان النجِسة وبيان إزالتها

Tags

فصل الأعيان النجِسة وبيان إزالتها



كتاب كاشفة السجا شرح سفينة النجا للنووي الجاوي

محتويات

فصل فروض التيمم (خمسة

(فصل): في أركان التيمم وهو المسمى بالمطهر المبيح (فروض التيمم) أي أركانه (خمسة) قال الشرقاوي: والمعتمد أنها سبعة بعد التراب والقصد ركنين وإنما لم يعد الماء ركناً في الوضوء والغسل لعدم اختصاصه بهما بخلاف التراب فإنه مختص بالتيمم، ولا يكتفى بالنقل عن القصد وإن استلزمه، والقصد هو قصد التراب لينقله فهو غير النية التي هي نية الاستباحة. (الأول: نقل التراب) أي تحويل المتيمم له ولو من وجه إلى وجه بأن سفته الريح عليه ثم نفله منه ورده إليه أو من وجه إلى يد بأن حدث عليه تراب بعد مسحه من تراب التيمم فنقله منه إليها أو من يد إلى وجه أو من وجه إلى يد بأن حدث عليه تراب بعد مسحه من تراب التيمم فنقله منه إليها أو من يد إلى وجه أو من يد إلى يد إما من اليمنى إلى اليسرى أو بالعكس فالصور خمس، ومثل المتيمم مأذونه، ولو كان المأذون كافراً أو صبياً لا يميز أو أنثى حيث لا مماسة ناقضة أو مجنوناً أو دابة كقرد فلا بد من الإذن في جميع ذلك ليخرج الفضولي وهو شغل من لا يقصده فإنه لا يكفي نقله، ولو أحدث أحدهما بعد النقل وقبل المسح لم يضر، أما الآذن فلأنه غير ناقل، وأما المأذون فلأنه غير متيمم.

(الثاني: النية) كأن ينوي استباحة الصلاة، فلا فرق بين أن يتعرض للحدث بأن يقول: نويت استباحة الصلاة من الحدث الأصغر أو الأكبر أم لا أو مس المصحف أو سجدة التلاوة لا رفع حدث لأن التيمم لا يرفعه ولا الطهارة عنه ولا فرض التيمم لأن التيمم طهارة ضرورة لا يصلح أن يكون مقصوداً، فإن أراد صلاة فرض فلا بد من نية استباحة فرض الصلاة، ويجب قرن النية بالنقل لأنه أول الأركان، ومحل النية أول الواجبات وبمسح شيء من الوجه، ولا يضر عزوبها أي غيبتها بينهما فلو حدث بينهما فإن كان الناقل هو بطلت النية أو مأذونه فلا. (الثالث: مسح الوجه) حتى ظاهر مسترسل لحيته والمقبل من أنفه على شفته لقوله تعالى: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} ((4) النساء:43) ولا يجب إيصال التراب إلى منابت الشعر الذي يجب إيصال الماء إليها بل ولا يندب ولو خفيفاً لما فيه من المشقة. (الرابع: مسح اليدين إلى المرفقين) قال السيد يوسف الزبيدي في إرشاد الأنام: وكيفية التيمم المندوبة كما في الروضة أن يضع بطون أصابع يده اليسرى غير الإبهام على ظهور أصابع اليمين غير الإبهام بحيث لا تخرج أطراف أناملها عن مسبحة اليسرى ويمرها على ظهر كف اليمنى، فإذا بلغ كوعها ضم أطراف أصابعه على حرف ذراع اليمنى وأمرها إلى المرفق ثم أدار بطن كفه إلى بطن الذراع وأمرها عليه رافعاً إبهامه فإذا بلغ كوعها أمر باطن إبهام يسراه على ظاهر إبهام يمناه ثم يفعل باليسرى كذلك ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى. (الخامس: الترتيب بين المسحتين) ولو عن حدث أكبر وإنما لم يجب في الغسل لأنه لما كان الواجب فيه التعميم جعل البدن فيه كالعضو الواحد، أما بين النقلين فلا يجب إذ المسح أصل والنقل وسيلة، فلو ضرب بيديه على التراب ومسح بإحداهما وجهه وبالأخرى يده الأخرى جاز ثم ينقل مرة ثانية ليده الثانية.

[تتمة] وسننه التسمية أوله ولو جنباً وحائضاً كما في الوضوء ويأتي بها بقصد الذكر أو يطلق ونفض اليدين أو نفخهما بعد الضرب وقبل المسح من الغبار إن كثر، أما نفضهما بعد التيمم فمكروه إذ يسن إبقاؤه حتى يخرج من الصلاة لأنه أثر عبادة، والتيامن بأن يمسح يده اليمنى قبل اليسرى والتوجه للقبلة وابتداء مسح الوجه من أعلاه واليدين من الأصابع، لكن إذا يمسه غيره فيبدأ بالمرفق والغرة والتحجيل وتفريق أصابعه في كل ضربة ونزع الخاتم في الضربة الأول وتخليل الأصابع إن فرق في الضربتين أو في الثانية فقط وإلا أي بأن لم يفرق أصلاً أو فرق في الأولى التي للوجه وجب التخليل في الثانية لأنها المقصودة لليدين بخلاف الأولى فإنها مقصودة للوجه فما وصل لليدين منها لا يعتد به فاحتيج إلى التخليل ليحصل ترتيب المسحتين والموالاة بين مسح الوجه واليدين. (تذييل) ومكروهه تكرير التراب وتكرير المسح لكل عضو.

فصل مبطلات التيمم ثلاثة

(فصل): في بيان ما يبطل التيمم. (مبطلات التيمم) بعد صحته (ثلاثة) أحدها: (ما أبطل الوضوء) فما اسم موصول أو نكرة موصوفة أي الذي أبطل الوضوء أو شيء أبطل الوضوء. (و) ثانيها: (الردة) ولو حكماً كما لو حكى صبي الكفر فيبطل تيممه لأنه طهارة ضعيفة لأنه لاستباحة الصلاة وهي منتفية معها، بخلاف الوضوء والغسل بالنسبة للسليم فلا يبطل بها ولو في أثنائهما، ولو توضأ أو اغتسل ثم ارتد في أثنائه ثم عاد للإسلام كمله لكن يجدد النية لما بقي، أما وضوء صاحب الضرورة وغسله فكالتيمم فيبطل بالردة على المعتمد. (و) ثالثها: (توهم الماء) وإن زال سريعاً لوجوب طلبه (إن تيمم لفقده) كأن رأى سراباً وهو ما يرى وسط النهار كأنه ماء أو جماعة جوز أن معهم ماء بلا حائل في ذلك التوهم يحول عن استعماله من سبع أو عطش أو نحوهما فإن كان ثم حائل وعلمه قبل التوهم أو معه لم يبطل تيممه، ومحل كون توهم الماء مبطلاً للتيمم إذا توهمه في حد الغوث فما دونه مع سعة الوقت بأن يبقى معه زمن لو سعى فيه إلى ذلك لأمكنه التطهر به والصلاة فيه، والمراد بالتوهم ما يشمل الشك ومحل البطلان برؤية السراب إن لم يتيقن عند ابتدائها أنه سراب، ومثله ما لو رأى غمامة مطبقة بخلاف توهم السترة لعدم وجوب طلبها.

فصل الذي يطهر من النجاسات ثلاث

(فصل): في بيان الاستحالة والمطهر المحيل (الذي يطهر) هو من باب قتل وقرب أي ينفي ويبرأ (من النجاسات ثلاث) أحدها: (الخمر) بغير تاء وهي كل مسكر ولو من نبيذ التمر أي من المتروك منها حتى يشتد أو القصب أو العسل أو غيرها محترمة كانت الخمر وهي التي عصرت بقصد الخلية أو لا بقصد شيء أو التي عصرها الكافر أم لا وهي التي عصرت بقصد الخمرية وكان العاصر مسلماً ويجب إراقتها حينئذٍ قبل التخلل. (إذا تخللت بنفسها) أي من غير مصاحبة عين فهي طاهرة لأن علة النجاسة الإسكار وقد زال، ولأن العصير غالباً لا يتخلل إلا بعد التخمر، فلو لم نقل بالطهارة لتعذر اتخاذ خل من الخمر وهو حلال إجماعاً ويطهر دنها معها وإن غلت بنفسها حتى ارتفعت وتنجس بها ما تلوث فوقها بغير غليانها من دنها، أما إذا تخللت بمصاحبة عين وإن لم تؤثر في التخليل كحصاة فلا تطهر لتنجسها بعد تخللها بالعين التي تنجست بها قبل التخلل. (و) ثانيها: (جلد الميتة إذا دبغ) أي اندبغ ولو بوقوعه بنفسه أو بإلقائه على الدابغ أو إلقاء الدابغ عليه بنحو ريح، ومقصود الدبغ نزع فضوله وهي رطوبته التي يفسده بقاؤها ويطيبه نزعها بحيث لو نقع في الماء لم يعد إليه النتن والفساد، وذلك إنما يحصل بحريف أي ما يلدغ اللسان بحرافته عند ذوقه ولو كان نجساً كذرق طير أو عارياً عن الماء لأن الدبغ إحالة لا إزالة، فيظهر ذلك الجلد المدبوغ ظاهراً وهو ما ظهر من وجهيه، وباطناً وهو ما لو شق لظهر،

ويبقى بعد اندباغه متنجساً فيجب غسله بالماء لتنجُّسه بالدابغ النجس أو المتنجس فلا يصلى عليه ولا فيه قبل غسله، ويجوز بيعه قبله ما لم يمنع من ذلك مانع بأن كان فيه نجس يسد الفرج كشعر لم يلاق الدابغ ولا يحل أكله سواء كان من مأكول اللحم أم من غيره، أما جلد المذكى بعد دبغه فيجوز أكله ما لم يضر. قوله: جلد الميتة، خرج به الشعر والصوف والوبر واللحم لعدم تأثرها بالاندباغ، وأما الجلد فيتأثر بالدبغ إذ ينتقل من طبع اللحوم إلى طبع الثياب والميتة ما زالت حياتها بغير ذكاة شرعية فيدخل في الميتة ما لا يؤكل إذا ذبح، وكذا ما يؤكل إذا اختل فيه شرط من شروط التذكية كذبيحة المجوسي والمحرم بالحج أو العمرة للصيد الوحشي لأن مذبوح المحرم ميتة ولو للاضطرار أو الصيال هكذا قال الرحماني، وقرر الحفني أنه يكون ميتة في صورة الاضطرار فقط دون الصيال وكما ذبح بالعظم ونحوه، ويدخل فيها أيضاً الموت حكماً كجلد الحيوان الذي سلخ منه حال حياته فإنه يطهر بالدبغ ويخرج بما ذكر ما كان طاهراً بعد الموت كجلد الآدمي وما كان نجساً في حال الحياة كجلد الكلب والخنزير فلا يفيده الدبغ شيئاً.

[تنبيه] الحيوان إن كان مأكولاً لا يجوز ذبحه إلا للأكل فقط فيحرم لأخذ جلده أو لحمه للصيد به وغير المأكول لا يجوز ذبحه مطلقاً ولو لأجل جلده إلا إذا نص على جواز قتله أو ندبه. (و) ثالثها: (ما صار حيواناً) كدود تولد من عين النجاسة ولو مغلظة لأنه لا يخلق من نفس المغلظة بل يتولد فيها كدود الخل فإنه لا يخلق من نفس الخل بل يتولد فيه.

[فرع] قال الشرقاوي: ومن الاستحالات انقلاب الدم لبناً أو منياً أو علقة أو مضغة وانقلاب البيضة فرخاً ودم الظبية مسكاً وطهر الماء القليل بالمكاثرة فإنه استحالة على الأصح.

ثم اعلم أن الأعيان إما حيوان قال أحمد في المصباح: وهو كل ذي روح ناطقاً كان أو غير ناطق مأخوذ من الحياة يستوي فيه الواحد والجمع لأنه مصدر في الأصل، وإما جماد وهو ما ليس حيواناً ولا أصل حيوان ولا جزء حيوان ولا منفصلاً عن حيوان، وإما فضلات فالحيوان كله طاهر إلا نحو الكلب، والجماد كله طاهر لأنه خلق لمنافع العباد ولو من بعض الوجوه كالحجر فإنه وإن لم يؤكل ينتفع به في الإناء مثلاً قال تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} ((2) البقرة:29) والفضلات ثلاثة أقسام: ما استحال في باطن الحيوان إلى فساد فهو نجس كالدم، وما لا يستحيل فطاهر كالعرق من حيوان طاهر، وما يستحيل إلى صلاح فطاهر أيضاً كاللبن. واعلم أن المنفصل من الحيوان كميتته إلا شعر مأكول وصوفه ووبره وريشه فطاهر وإن شك في نجاسته كالملقى على الكيمان مثلاً وهو موضع القمامة.

فصل الأعيان النجِسة

(فصل): في بيان الأعيان النجِسة. تطلق النجاسة على العين مجازاً، وأما حقيقتها فهو الوصف القائم لمحل أي البدن أو المكان أو الثوب. (النجاسات ثلاث) بالأقسام المترتبة على حكمها وغسلها أحدها: (مغلظة) أي مشدد في حكمها. (و) ثانيها: (مخففة) في ذلك أيضاً. (و) ثالثها: (متوسطة) بين المغلظة والمخففة في ذلك أيضاً (المغلظة نجاسة الكلب) ولو معلماً (والخنزير) لأنه أقبح حالاً من الكلب إذ لا يحل اقتناؤه بحال مع إمكان الانتفاع به بنحو الحمل عليه فخرجت الحشرات وهي صغار دواب الأرض فإنها وإن لم يحل اقتناؤها بحال لكن لا يمكن الانتفاع بها. (وفرع أحدهما) أي مع الآخر تبعاً لهما أو مع غيره من حيوان طاهر تغليباً للنجس لأن الفرع يتبع أخس الأصلين في النجاسة وتحريم الذبيحة والمناكحة والأكل وعدم صحة الأضحية والعقيقة، وقد ذكر الجلال السيوطي أحكام الفرع في جميع أبواب الفقه نظماً من بحر الخفيف وهو فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن مرتين فقال:

يتبع الفرع في انتسابٍ أباه ** ولام في الرق والحريه
والزكاة الأخف والدين الأعلى ** والذي اشتد في جزاء وديه
وأخس الأصلين رجساً وذبحاً ** ونكاحاً والأكل والأضحيه

فالولد من الشريف شريف وإن كانت أمه غير شريفة لا عكسه. ومن الرقيقة رقيق وإن كان أبوه حراً ومن الحرة حر وإن كان أبوه رقيقاً غالباً، وخرج بالغالب ما لو أوصى مالك أمة بما تحمله كل سنة أو مطلقاً فأعتقها وارثه بعد موت الموصي ولو قبل قبول الموصى له الوصية فولدها مملوك للموصى له وإن تزوجها حر ويلغز بها حينئذٍ وبولدها فيقال لنا حرة لا تنكح إلا بشرط نكاح الأمة ولنا رقيق بين حرين وما لو ظن الواطىء الأمة أنها زوجته الحرة كأن كان متزوجاً بحرة وأمة فعلقت منه فولدها حر وإن كان الواطىء والموطوأة رقيقين ويقال في هذا حرٌّ بين رقيقين، وما لو غر بحرية أمة فانعقد الولد منها، قبل علمه بأنها أمة أو مع علمه بذلك فالولد منها حر لظنه حريتها حين نزول المني إليها حراً كان أو عبداً، وما لو ظن أنها أمته أو أمة ولده فالولد منها حر، ويجب في المتولد بين إبل وبقر مثلاً أخف الزكاتين، فلا يزكى حتى يبلغ نصاب البقر وهو ثلاثون ففيها تبيع، والمتولد بين ذمي ومسلمة أو عكسه مسلم والمتولد بين صيد بري وحشي مأكول وغيره يجب فيه الفدية على المحرم، والمتولد بين كتابي ومجوسية أو عكسه فيه دية كتابي،

والمتولد بين كلب وشاة نجس، وكذا المتولد بين سمك وغيره من مأكول فتكون ميتته نجسة، والمتولد بين من تحل ذبيحته ومناكحته ككتابي ومن لا تحل كمجوسي لا تحل ذبيحته ومناكحته، والمتولد بين مأكول وغيره لا يحل أكله، والمتولد بين ما يضحي به وما لا يضحي به لم تجز التضحية به، وكذا العقيقة فلو تولد آدمي بين مغلظ ذكراً كان أو أنثى وآدمي كذلك وكان على صورة الآدمي ولو في النصف الأعلى فقط دون الأسفل فهو محكوم بطهارته في العبادات أخذاً بإطلاقهم طهارة الآدمي وتجري عليه الأحكام لأنه بالغ عاقل والعقل مناط التكليف فيصل ويؤمهم لأنه لا يلزمه الردة أي ويدخل المساجد ويخالط الناس ولا ينجسهم بمسه مع رطوبة، ولا ينجس به الماء القليل ولا المائع ويفطم عن الولايات كولايات نكاح وقضاء كالقن بل أولى على المعتمد في جميع ذلك، ولا تحل مناكحته ولا ذبيحته ولا توارث بينه وبين آدمي على المعتمد، وقال بعضهم: يرث من أمه وأولاده دون أبيه ولا قود على قاتله فله حكم النجس في الأنكحة لأن في أحد أصله ما لا يحل رجلاً كان أو امرأة ولو لمن هو مثله وإن استويا في الدين،

وكذا التسري على المعتمد لأن شرط حل التسري حل المناكحة، وجوز له ابن حجر التسري حيث خاف العنت وحكم بأنه نجس معفو عنه ومعتمد الرملي ما تقدم، أما لو كان على صورة الكلب مع العقل والنطق فهو نجس على المعتمد وله حكم المغلظ في سائر أحكامه، وكذا ولد الولد لأنه فرع بالواسطة، قال ابن قاسم: إنه لا يكلف حينئذٍ وإن تكلم وميز وبلغ عدة بلوغ الآدمي، وكذا لو كان على صورة الآدمي وتولد بين مغلظين لأن الصورة لا تفيده الطهارة حينئذٍ لضعفها فنجس اتفاقاً، قال القليوبي: وإذا كان ينطق ويفهم فالقياس التكليف لأن مناطه العقل، وأما ميتته فهي نجسة نظراً لأصليه، ولو تولد بين مغلظ وحيوان آخر غير آدمي فهو نجس معفو عنه باتفاق، وأما المتولد بين آدميين فهو طاهر اتفاقاً ولو كان على صورة الكلب، فإذا كان ينطق ويعقل فقال بعضهم يكلف لأن مناط التكليف العقل وهو موجود فيه، وكذا المتولد بين شاتين وهو على صورة الآدمي إذا كان ينطق ويعقل ويجوز ذبحه وأكله وإن صار خطيباً وإماماً ولذا قيل لنا: خطيب يذبح ويؤكل.

[مسألة] لو ارتضع جدي وهو الذكر من أولاد المعز كلبة أو خنزيرة فثبت لحمه على لبنها أي تربى وسمن منه لم ينجس على الأصح.
[فائدة] نقل بعضهم أن كل الكلاب نجسة إلا كلب أهل الكهف فإنه طاهر ويدخل الجنة، ثم توقف في معنى طهارته هل أوجده الله تعالى طاهراً أو سلبه أوصاف النجاسة؟ فقال الباجوري: والظاهر الثاني.

(والمخففة بول الصبي) دون الصبية والخنثى (الذي لم يطعم) بفتح أوله وثالثه أي لم يأكل ولم يشرب. (غير اللبن) أي للتغذي ولا فرق بين اللبن الطاهر والنجس ولو من مغلظ وإن وجب تسبيع فمه منه، قال الشرقاوي: من اللبن الجبن والزبد بضم الزاي وهو ما يستخرج بالمخض أي الخالص من لبن البقر والغنم والقشطة سواء كان قشطة أمه أم لا، ودخل فيه أيضاً الخاثر بالمثلثة أي الحامض وهو ما فيه ملوحة والمخيض وهو الذي أخرج زبده بوضع الماء فيه وتحريكه ولو بالإنفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء وتشديد الحاء وهي كرش الحمل والجدي ما دام يرضع وهي شيء يستخرج من بطنه أصفر، والأقط بفتح الهمزة وكسرها وهو الذي يتخذ من اللبن المخيض يطبخ حتى يعصر ماؤه وخرج باللبن السمن ولو من لبن أمه. أما تحنيكه بنحو تمرٍ وتناوله نحو السفوف بفتح السين وهو الدواء للإصلاح كإخراج الريح من جوفه فلا يضر. (ولم يبلغ الحولين) تقريباً فلا يضر زيادة نحو يومين هكذا قال الشرقاوي. وقال الشيخ عثمان في تحفة الحبيب: والمعتمد الضرر لأن الحولين تحديدية هلالية كما ذكره الشيخ علي الشبراملسي ونقل مثله عن القليوبي
وقوله: بول الصبي الخ، البول قيد أول والصبي أي الذكر المحقق قيد ثان. وقوله: الذي لم يطعم غير اللبن قيد ثالث. وقوله: لم يبلغ الحولين قيد رابع انتهى.

(والمتوسطة سائر) أي باقي (النجاسات) قال أبو القاسم الحريري في درة الغواص: ومن أوهامهم الفاضحة وأغلاطهم الواضحة أنهم يقولون قدم سائر الحاج واستوفى سائر الخراج فيستعملون سائر بمعنى الجميع وهو في كلام العرب بمعنى الباقي، ومنه قيل لما يبقى في الإناء سؤر، والدليل على صحة ذلك أنه عليه السلام قال لغيلان حين أسلم وعنده عشر نسوة: اختر أربعاً منهن وفارق سائرهن أي من بقي بعد الأربع اللاتي تختارهن، والصحيح أن سائر يستعمل في كل باقٍ قل أو كثر لإجماع أهل اللغة على أن معنى الحديث إذا شربتم فاسئروا أي ابقوا في الإناء بقية ماء، لا أن المراد به أن يشرب الأقل ويبقي الأكثر، وإنما ندب للتأديب بذلك لأن الإكثار من المطعم والمشرب منبأة أي دالة على النهم وملامة عند العرب انتهى. والنهم بفتحتين إفراط الشهوة في الطعام.

ثم اعلم أن النجاسة لغة ما يستقذر ولو طاهراً كبصاق ومني ومخاط، ويحرم أكل ذلك بعد أن يخرج من معدته إلا لنحو صلاح وشرعاً بالحد مستقذر يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص أي لا مجوز، فإن كان هناك مرخص كما في فاقد الطهورين وعليه نجاسة فإنه يصلي لحرمة الوقت وعليه الإعادة وبالعد عشرون الأول: بول ولو من طفل ومنه الحصاة التي تخرج عقبه إن تيقن انعقادها منه فهي نجسة وإلا فهي متنجسة والثاني: المذي بالمعجمة وهو ماء أصفر ثخين يخرج غالباً عند ثوران الشهوة بلا لذة ولو بلا شهوة قوية أو بعد فتورها فلا يكون إلا من البالغين، وأكثر ما يكون في النساء عند ملاعبتهن وهيجان شهوتهن، وربما يخرج من الشخص ولا يحس به. الثالث: ودي بمهملة وهو ماء أبيض كدر ثخين يخرج إما عقب البول أو عند حمل شيء ثقيل وهذا لا يختص بالبالغين. الرابع: روث من غائط وغيره ولو من سمك وجراد ويجوز قلي السمك حياً وكذا ابتلاعه إذا كان صغيراً ويعفى عما في باطنه ويسن ذبح بقرة كبيرة يطول بقاؤها. الخامس: كلب ولو معلماً للصيد أو الحراسة أو نحوهما.

(حكمة) في الكلب عشر خصال محمودة ينبغي للؤمن أن لا يخلو منها: أولها: لا يزال جائعاً وهذه صفات الصالحين. الثانية: لا ينام من الليل إلا قليلاً وهذه من صفات المتهجدين. الثالثة: لو طرد في اليوم ألف مرة ما برح عن باب سيده وهذه من علامات الصادقين. الرابعة: إذا مات لم يخلف ميراثاً وهذه من علامات الزاهدين. الخامسة: أن يقنع من الأرض بأدنى موضع وهذه من علامات الراضين. السادسة: أن ينظر إلى كل من يرى حتى يطرح له لقمة وهذه من أخلاق المساكين. السابعة: أنه لو طرد وحثي عليه التراب فلا يغضب ولا يحقد وهذه من أخلاق العاشقين. الثامنة: إذا غلب على موضعه يتركه ويذهب إلى غيره وهذه من أفعال الحامدين. التاسعة: إذا أجدي له أي أعطي له لقمة أكلها وبات عليها وهذه من علامات القانعين. العاشرة: أنه إذا سافر من بلد إلى غيرها لم يتزود وهذه من علامات المتوكلين انتهى. السادس: خنزير قال الله تعالى: إنما حرم عليكم الميتة والدم أي المسفوح ولحم الخنزير} ((16) النحل:115) أي أكله وخص اللحم بالذكر لأنه معظم المقصود وغيره تبع له. السابع: فرع كل منهما مع غيره تبعاً لهما أو تغليباً للنجاسة إن لم توجد الصورة أما إذا وجدت فإنها تغلب كما مر. الثامن: منيها تبعاً لأصله وهو البدن بخلاف مني غير هؤلاء الثلاثة لذلك سواء كان مأكول اللحم أو لا.

التاسع: ماء قرح تغير طعمه أو ريحه أو لونه لأنه دم مستحيل فإن لم يتغير فطاهر كالعرق خلافاً للرافعي أو اختلط بأجنبي لأن محل العفو عن ماء القروح وكذا المتنفط والصديد ونحوها ما لم تختلط بذلك ولو من نفسه كدمع عينه وريقه. العاشر: صديد وهو ماء رقيق يخالطه دم. الحادي عشر: القيح لأنه دم مستحيل. الثاني عشر: مرة بكسر الميم وهي ما في المرارة أي الجلدة وأما نفسها فمتنجسة تطهر بالغسل فيجوز أكلها إن كانت من حيوان مأكول كالكرش بفتح الكاف وكسر الراء والكبد والطحال بكسر الطاء، ومن جملة ما في المرارة الخرزة التي توجد في مرارة البقر وتستعمل في الأدوية فهي نجسة لتجمدها من النجاسة فأشبهت الماء النجس إذا انعقد ملحاً، ومثلها في النجاسة سم الحية والعقرب وسائر الهوام وتبطل الصلاة بلسعة الحية لأن سمها يظهر على محل اللسعة لا العقرب على الأوجه لأن إبرتها تغوص في باطن اللحم وتمج السم فيه وهو لا يجب غسله، وأما الأنفحة فإن كانت من حيوان لم يتناول غير اللبن فطاهرة وإلا فمتنجسة.

الثالث عشر: مسكر مائع من خمر وغيره وخرج بالمائع الحشيشة والبنج بفتح الباء وهو نبت له حب يخبط العقل ويورث الخبال فإنهما مع تحريمهما طاهران، وكذلك الأفيون والزعفران والعنبر وجوزة الطيب وهي كبيرة تؤكل والذي يباع عند نحو العطار إنما هو نُواها لا هي فكثير ذلك حرام لضرره بالعقل، ويجوز تعاطي القليل منه عرفاً وضبطه بعضهم بما لا يؤثر، وينبغي كتم ذلك عن العوام، واستفتى شيخنا يوسف الجاوي للمفتي محمد صالح في بيع الأفيون وشرائه وأكله وشرب دخانه هل هو حلال أم حرام؟ وهل يجوز أكله وشرب دخانه لضرورة كوجع البطن وما أشبه ذلك أو لا؟ وهل هو نجس أو طاهر؟ فبين المفتي حكم ذلك بقوله: يحرم استعمال الأفيون إذا كان المستعمل منه قدراً يخدر العقل إلا إذا كان اضطر إلى استعماله بأن لم يجد غيره حلالاً وبيعه لمن يستعمله على وجه محرم حرام وشراؤه لاستعمال محرم حرام وهو في نفسه طاهر.

الرابع عشر: ما يخرج من معدة يقيناً كقيء ولو بلا تغير، نعم إن كان الخارج حباً متصلباً بحيث لو زرع لنبت فمتنجس فإن كان بحيث لو زرع لم ينبت فنجس العين، وأما البيض إذا ابتلعه حيوان وخرج منه فإن كان بحيث لو حضن لفرخ فطاهر وإلا فنجس، أما الخارج من الصدر أو الحلق وهي النخامة ويقال النخاعة والنازل من الدماغ وهو البلغم فطاهران كالمخاط والبصاق بالصاد والزاي والسين كغراب وهو ماء الفم بعد خروجه منه وأما ما دام فيه فهو ريق، ومثله في الطهارة العنبر والزباد والعرق، وكذا المسك إن انفصل من الظبية حال الحياة ولو ظناً أو بعد الذكاة. وسئل المفتي محمد صالح في ماء يخرج من فم النائم هل هو نجس أو لا؟ وإذا كان نجساً فكيف الاحتراز عنه لمن ابتلي به؟ فأجاب بقوله: حيث لم يتحقق أنه من المعدة فهو طاهر، وإن تحقق أنه منها فهو نجس، ومن ابتلي به عفي عنه في حقه. الخامس عشر: لبن ما لا يؤكل غير الآدمي كلبن الأتان وهي بفتح الهمزة اسم لأنثى الحمير مستحيل في الباطن كالدم، أما لبن ما يؤكل ولبن الآدمي فطاهران. السادس عشر: ميتة غير آدمي وسمك وجراد والمراد بالسمك كل ما لا يعيش في البر من حيوان البحر وإن لم يسمَّ سمكاً، قال العمريطي في نظم التحرير من بحر الرجز:

وكل ما في البحر من حي يحلْ ** وإن طفا أو مات أو فيه قتل
فإن يعش في البر أيضاً فامنعِ ** كالسرطان مطلقاً والضفدع

قوله: وإن طفا بالفاء أي مات في الماء ثم علا فوق وجهه ولم يرسب. السابع عشر: دم إلا كبداً وطحالاً فطاهران ما لم يدقا ويصيرا دماً وإلا فنجسان، وإلا منياً ولبناً خرجا على لون الدم وبيضة لم تفسد بأن لم تصلح للتخلق فطاهرة أيضاً، أما إذا صار البيض مذراً وهو الذي اختلط بياضه بصفاره فطاهر بلا خلاف. قال عثمان السويفي: قوله دم بتخفيف الميم وبتشديدها ولو في سمك قال في العباب: كل سمك ملح ولم يخرج ما في جوفه فهو نجس انتهى. قال الشرقاوي: قوله دم أي وإن سال من كبد وطحال ومنه الباقي على اللحم والعظام لكن إذا طبح اللحم بماء وصار الماء متغير اللون بواسطة الدم الباقي عليه فإنه لا يضر، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الماء وارداً أو موروداً هذا إذا لم يغسل قبل وضعه في القدر كلحم الضأن،

فإن غسل قبل ذلك كلحم الجاموس وصار الماء متغيراً بما ذكر فإنه يكون مضراً لأن شرط إزالة النجاسة ولو معفواً عنها زوال الأوصاف، فلا بد من غسله قبل الوضع حتى تصفو الغسالة أفاده خضر، وقرر شيخنا عطية أنه يعفى عن الدم الذي على اللحم إذا لم يختلط بماء وإلا فلا يعفى عنه كما يقع في مجاز غير الضأن، أما الضأن فلا يختلط لحمه بماء، وهذا التفصيل في غير ماء الطبخ أما هو كأن خرج من اللحم ماء وغير الماء فلا يضر سواء كان الماء وارداً أو موروداً، فالتفصيل في الدم الذي على اللحم إنما هو قبل وضعه في القدر، والذي سمعته من شيخنا الحفني ما قاله خضر اهـ.

(تتمة) لو اختلط ماء الحلق بالدم لم يعف عنه بالنسبة لماء التنظيف بعد إزالة الشعر، أما الماء الأول الذي يبل به الشعر ليحلق فيعفى عنه لمشقة حلق الشعر بدون بله. الثامن عشر: جرة بكسر الجيم وهي ما يخرجه البعير أو غيره للاجترار أي الأكل ثانياً، وأما ما يخرجه من جانب فمه عند الهيجان المسمى بالقلة فليس بنجس لأنه من اللسان. التاسع عشر: ماء المتنفط أي البقابيق الذي له ريح وإلا فطاهر خلافاً للرافعي. العشرون: دخان النجاسة وهو المنفصل منها بواسطة نار وكذا بخارها وهو اللهب الصافي من الدخان، ولا فرق في ذلك بين أن ينفصل من نجس العين كالجلة بالتثليث البعرة أو كالحطب المتنجس بالبول مثلاً.

ثم اعلم أن رطوبة الفرج على ثلاثة أقسام: طاهرة قطعاً وهي الناشئة مما يظهر من المرأة عند قعودها على قدميها، وطاهرة على الأصح وهي ما يصل إليها ذكر المجامع، ونجسة وهي ما وراء ذلك، لكن هذه الأقسام في فرج الآدمية لا في فرج البهيمة لأن البهيمة ليس لها إلا منفذ واحد للبول والجماع قاله السويفي.

[فرع] المشيمة الخارجة مع الولد طاهرة، قال الشبراملسي: والظاهر أنها لا يجب فيها شيء.
[فائدة] الفضلات من النبي صلى الله عليه وسلّم طاهرة وكذا سائر الأنبياء تشريفاً لمقامهم، ومع ذلك يجوز الاستنجاء بها إذا وجدت فيها شروط الحجر على المعتمد بخلاف البول، ولا يجوز أكلها إلا إذا كانت للتبرك، ويجوز وطؤها بالرجل، ولا فرق بين أن يكون زمن النبوة أو بعده. وقد وقع لواعظ ذكر صفات النبي صلى الله عليه وسلّم فمن جملة ما قاله لمن يعظهم: إن بوله صلى الله عليه وسلّم خير من صلاتكم انتهى. قال المدابغي: وهو صحيح وصواب. ويوجه بأمور منها أن هذا الواعظ يحتمل أنه من أرباب الكشف. وقد أطلعه الله تعالى على رياءٍ في صلاتهم، أو يقال إن بوله صلى الله عليه وسلّم يستشفى به فهو نافع وصلاتهم غير محققة القبول.

فصل في بيان إزالة النجاسة

(فصل): في بيان إزالة النجاسة قال عثمان السويفي: والمراد بالنجاسة الوصف الملاقي للمحل سواء كانت النجاسة عينية أو حكمية (المغلظة) أي ما تنجس من الطاهرات بلعابها أو بولها أو عرقها أو بملاقاة أجزاء بدنها مع توسط رطوبة من أحد الجانبين (تطهر بسبع غسلات) تعبداً وإلا فيكفي من حيث زوال النجاسة مرة واحدة حيث زالت الأوصاف (بعد إزالة عينها) وهذا موافق لما قاله ابن حجر في المنهج القويم والسيد المرغني في مفتاح فلاح المبتدي، حيث قالا: وإنما يعتبر السبع بعد زوال العين فمزيلها وإن تعدد واحدة ويكتفى بالسبع وإن تعدد الولوغ أو كان معه نجاسة أخرى. انتهى والذي اعتمده العلماء هو ما صححه النووي وقالوا: ولو لم يزل عين النجاسة إلا بست غسلات مثلاً حسبت واحدة، وصحح الرافعي في الشرح الصغير المسمى بالعزيز على الوجيز للغزالي أنها حسبت ست غسلات وقواه الإسنوي في مهمات المحتاج، قال الباجوري: وأما الوصف فلو لم يزل إلا بست حسبت ستاً. (إحداهن) أي إحدى السبع ولو الأخيرة (بتراب) أي ممزوجة بتراب طاهر لكن الأولى أولى، والحاصل أن المزج له ثلاث كيفيات. الأولى: أن يمزج الماء والتراب معاً ثم يوضعا على موضع النجاسة وهذه أفضل كيفيات المزج بل منع الإسنوي غير هذه الكيفية، وفي هذه الحالة لو كانت الأوصاف موجودة من غير جرم وصب عليها الماء الممزوج بالتراب فإن زالت بتلك الغسلة حسبت وإلا فلا، فالمراد بالعين في قولهم مزيل العين واحدة وإن تعدد ما يشمل الأوصاف وإن لم يكن جرم.

الثانية: أن يوضع التراب على موضع النجاسة ثم يوضع الماء عليه ويمزجا قبل الغسل وفي هذه الحالة شرط زوال جرم النجاسة ووصفها من طعم ولون وريح قبل الوضع. الثالثة: عكس الثانية بأن يوضع الماء أولاً ثم التراب ويمزجا قبل الغسل كما مر، وفي هذه الحالة لا يشترط زوال أوصاف النجاسة ولا جرمها أولاً لأن الماء أقوى بل هو المزيل وإنما التراب شرط، ولا يضر في هاتين الحالتين بقاء رطوبة المحل وإن كان نجساً إذ الطهور الوارد على المحل باق على طهوريته لأن الوارد له قوة، ولا يكفي ذر التراب على المحل من غير أن يتبعه بماء ولا مزجه بغير ماء ولا مزج غير تراب طهور كأشنان وتراب نجس أو مستعمل في تيمم أو غسلات نحو كلب والأشنان بضم الهمزة وكسرها وفتحها هو نوع من الحشيش، والواجب من التراب قدر ما يكدر الماء ويصل بواسطته إلى جميع المحل ويقوم مقام التتريب كدورة الماء كماء النيل أيام زيادته وكماء السيل المتترب، ولو غمس المتنجس بما ذكر في ماء كثير راكد وحركه سبعاً وتربه طهر ويحسب الذهاب مرة والعود أخرى وإن لم يحركه فواحدة أوفي جار وجرى عليه سبع جريات حسبت سبعه،

أما مكثه في ماء كثير راكد فيحسب مرة وإن مكث زماناً طويلاً والأرض الترابية أي التي فيها تراب خلقي أو من هبوب الريح لا تحتاج إلى تتريب إذ لا معنى لتتريب التراب، ولا فرق في ذلك بين التراب المستعمل وغيره كالمتنجس، وخرج بالترابية الحجرية والرملية التي لا غبار فيها فلا بد من تتريبها، ولو انتقل شيء من الأرض الترابية المتنجسة نجاسة مغلظة إلى غيرها فإن أريد تطهير المنتقل من الطين لم يجب تتريبه، وإن أريد تطهير المنتقل إليه وجب تتريبه، ولو تطاير من غسلات غير الأرض الترابية شيء إلى نحو ثوب غسل المتطاير إليه بعد ما بقي من الغسلات، فإن كان من الأولى وجب غسله ستاً أو من الثانية غسل خمساً وهكذا مع التتريب إن لم يكن ترب وإلا فلا تتريب، وخرج بما بقي من الغسلات المتطاير من السابعة فلا يجب غسله، فلو جمع ماء الغسلات السبع في نحو طشت ثم تطاير منها شيء على نحو ثوب وجب غسله ستاً لأن فيه ماء الأولى وهو يقتضي ست غسلات، ووجب تتريبه إن كان التراب في غير الأولى هذا إذا كان الماء المجموع لم يبلغ قلتين بلا تغير وإلا فطهور.

[فائدة] وقع السؤال عما لو بال كلب على عظم ميتة، غير مغلظة فغسل سبعاً إحداهن بتراب فهل يطهر من حيث النجاسة المغلظة حتى لو أصاب ثوباً رطباً مثلاً بعد ذلك لم يحتج إلى تسبيع؟ والجواب لا يطهر فلا بد من تسبيع ذلك الثوب نقله المدابغي عن الأجهوري وابن قاسم.

(والمخففة) أي ما تنجس ببول الصبي الذي لم يأكل ولم يشرب سوى اللبن. ولم يبلغ الحولين. (تطهر برش الماء عليها مع الغلبة وإزالة عينها) أي فكيفي فيها الرش. والغسل أفضل خروجاً من الخلاف، ومحل ذلك إن لم يختلط برطوبة في المحل مثلاً وإلا وجب الغسل لأن تلك الرطوبة صارت نجسة وهي ليست بولاً، ولا بد في الرش من إصابة الماء جميع موضع البول وأن يعم ويغلب الماء على البول، ولا يشترط في ذلك السيلان قطعاً والسيلان والتقاطر هو الفارق بين الغسل والرش، فلا يكفي الرش الذي لا يعمه ولا يغلبه كما يقع من كثير من العوام، ولا بد مع الرش من زوال أوصافها كبقية النجاسة بعد إزالة عينها، ولا بد من عصر محل البول أو جفافه حتى لا يبقى فيه رطوبة تنفصل بخلاف الرطوبة التي لا تنفصل، هذا وخرج الغائط والقيء وبول الأنثى وأكله أو شربه غير اللبن للتغذي ورضاعه بعد حولين فلا يكفي رشه بل لا بد من غسله وهو تعميم المحل مع السيلان، ولو أصابه بول صبي وشك هل هو قبل الحولين أو بعدهما وجب الغسل لأن الرش رخصة فلا يصار إليها إلا بيقين، وسوَّى الإمامان أبو حنيفة ومالك بين الصبي الذكر المحقق وغيره من وجوب الغسل من بولهما وإن لم يأكلا الطعام وذهب لطهارة بول الصبي أحمدبن حنبل وإسحاق وأبو ثور من أئمتنا وحكي عن مالك، وأما حكاية بعض المالكية قولاً للشافعي بطهارة بول الصبي فباطلة وغلط أو افتراء.

(والمتوسطة تنقسم على قسمين: عينية) وهي التي تشاهد بالعين (وحكمية) أي وهي التي حكمنا على المحل بنجاسته من غير أن ترى عين النجاسة (العينية) ضابطها هي (التي لها لون) من البياض والسواد والحمرة وغير ذلك (وريح) وهي بمعنى الرائحة عرض يدرك بحاسة الشم (وطعم) بفتح الطاء وهو ما يؤديه الذوق من الكيفية كالحلاوة وضدها (فلا بد من إزالة لونها وريحها وطعمها) إلا ما عسر زواله من لون أو ريح فلا تجب إزالته بل يطهر محله حقيقة بخلاف ما لو اجتمعنا في محل واحد من نجاسة واحدة لقوة دلالتهما على بقاء عين النجاسة، وبخلاف ما لو بقي الطعم لذلك أيضاً ولسهولة إزالته غالباً، فالواجب في إزالة النجاسة الحت والقرص ثلاث مرات. وفي المصباح قال الأزهري: الحت أن تحك بطرف حجر أو عود والقرص أن تدلك بأطراف الأصابع دلكاً شديداً وتصب عليه الماء حتى تزول عينه وأثره انتهى. فإذا بقي بعد ذلك اللون أو الريح حكم بالتعسر وطهارة المحل ولا تجب الاستعانة بالصابون والاشنان وإن بقيا معاً أو الطعم وحده تعينت الاستعانة بما ذكر إلى التعذر وضابطه أن لا يزول إلا بالقطع، فإذا تعذر زوال ما ذكر حكم بالعفو فإذا قدر على الإزالة بعد ذلك وجبت ولا تجب إعادة ما صلاه به أولاً وإلا فلا معنى للعفو، ويعتبر لوجوب نحو الصابون أن يفضل ثمنه عما يفضل عنه ثمن الماء في التيمم فإن لم يقدر عليه صلى عارياً، وإن لم يقدر على الحت ونحوه لزمه أن يستأجر عليه بأجرة مثله إذا وجدها، فاضلة عن ذلك أيضاً ذكره الشرقاوي، قال الحصني في شرح الغاية: ثم شرط الطهارة أن يسكب الماء الأقل من قلتين فقط على المحل النجس، فلو غمس الثوب ونحوه في طشت فيه ماء دون القلتين فالصحيح الذي قاله جمهور الأصحاب أنه لا يطهر لأنه بوصوله إلى الماء تنجس لقلته، ويكفي أن يكون الماء غامراً للنجاسة على الصحيح، وقيل يشترط أن يكون سبعة أضعاف البول، ولا يشترط في حصول الطهارة عصر الثوب على الراجح

(والحكمية) ضابطها هي (التي لا لون ولا ريح ولا طعم) كبول جف ولم تدرك له صفة (يكفيك جري الماء عليها) أي سيلانه على المتنجس بها ولو مرة واحدة من غير فعل كالمطر، قال الحصني في شرح الغاية: اعلم أنه لا يشترط في غسل النجاسة القصد كما لو صب الماء على ثوب ولم يقصد فإنه يطهر، وكذا لو أصابه مطر أو سيل وادعى بعضهم الإجماع على ذلك لكن ابن سريج والقفال من أصحابنا اشترطا النية في غسل النجاسة كالحدث انتهى.

[تتمة] ولو تنجس مائع تعذر تطهيره لأنه صلى الله عليه وسلّم سئل عن الفأرة تموت في السمن فقال: إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه أي لأنه نجاسة، ولا يحل الانتفاع بذلك المائع كسائر النجاسات الرطبة إلا في استصباح أو لعمل صابون ونحوه أو طلي دواب وسفن بدهن متنجس أو نجس من غير نحو كلب فيجوز مع الكراهة، ويستثنى المساجد فلا يجوز الاستصباح فيها بالنجس سواء انفصل منه دخان مؤثر في نحو حيطانه ولو قليلاً أم لا، أما العسل فيمكن تطهيره بإسقائه للنحل لأنه يستحيل قبل إخراجه ثم إن طال الزمن بعد شربه وقبل مجه فهو لمالك النحل وإلا فلمالك العسل، ويجوز سقي الدواب الماء المتنجس وتخمير الطين ونحوه به، ومثل الماء المتنجس الطعام المتنجس فيجوز إطعامه للدواب، وإذا تنجست الأرض ببول إو خمر مثلاً وتشربت ما فيها كفاه صب ماء يعمها ولو مرة، وإن كانت الأرض صلبة ولم يقلع ترابها أولم تتشربه كأن كانت نحو بلاط فلا بد من تجفيفها ثم صب الماء عليها ولو مرة قال في المصباح: البلاط كل شيء فرشت به الأرض من حجر وغيره انتهى. فإذا كانت النجاسة جامدة نظر، فإن كانت غير رطبة ولم تنجس الأرض رفعت عنها فقط أو رطبة رفعت ثم صب على الأرض ماء يعمها، ومثل الأرض في ذلك غيرها كسكين سقيت وهي محماة نجساً ولحم طبخ بنجس وحب نقع في الماء النجس حتى انتفخ فيكفي في تطهير ذلك كله صب ماء يعمه ولو مرة واحدة ولا يحتاج إلى سقي السكين مع الإحماء ماء طهوراً ولا لغلي اللحم وعصره ولا لنقع الحب في ماء طهور.


EmoticonEmoticon