Friday, July 12, 2013

فصل في الميت وغسله وكفنه وصلاة الجنازة

Tags

فصل في الميت  وغسله وكفنه  وصلاة الجنازة



كتاب كاشفة السجا شرح سفينة النجا للنووي الجاوي الشافعي

محتويات

فصل أركان الخطبتين خمسة

(فصل): في أركان الخطبتين (أركان الخطبتين خمسة) أي إجمالاً وإلا فهي ثمانية تفصيلاً لتكرر الثلاثة الأول فيهما. أحدها: (حمد الله فيهما) ويشترط كونه بلفظ الله ولفظ حمد فتتعين مادة الحمد بأي صيغة كانت كالحمد لله أو أحمد الله أو أنا حامد لله أو لله الحمد، فلا يكفي غير مادة الحمد كالشكر، ولايكفي الحمد للرحمن والخالق، والفرق أن للفظ الجلالة بالنسبة لبقية أسماء الله تعالى وصفاته مزية تامة فإن له الاختصاص التام به تعالى، ويفهم منه عند ذكره سائر صفات الكمال بخلاف بقية أسمائه تعالى وصفاته. (و) ثانيها: (الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم فيهما) وتتعين الصلاة من مادتها كالصلاة على محمد أو أصلي أو نصلي أو أنا مصل، ولا يتعين لفظ محمد بل يكفي أحمد أو النبي الماحي أو الحاشر أو نحو ذلك، ولا يكفي الضمير وإن تقدم له مرجع

(و) ثالثها: (الوصية) أي الأمر (بالتقوى فيهما) قال الزيادي: والتقوى هي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه انتهى. ويكفي أحدهما عند ابن حجر، وأما عند الرملي فلا بد من الحث على الطاعة، ولا يكفي مجرد التحذير من الدنيا وغرورها اتفاقاً لأن ذلك معلوم حتى عند الكفار، ولا تتعين الوصية من مادتها بل يكفي ما يقوم مقامها نحو: أطيعوا الله، وإنما لم يتعين لفظها لأن الغرض منها الوعظ والحث على الطاعة وهو حاصل بغير لفظها. (و) رابعها: (قراءة آية من القرآن في إحداهما) للاتباع أي آية مفهمة فلا يكفي ثم نظر وإن كانت آية كما قاله الحصني، قال الزيادي: كانت دالة على وعد أو وعيد أو حكم أو قصة، ولا يبعد الاكتفاء بشطر آية طويلة لأنه أولى من آية قصيرة، ولا تجزىء آية حمد أو وعظ عنه كما في قوله: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور} ((6) الأنعام:1) إذ الشيء الواحد لا يؤدي به فرضان بل عنه فقط، ولو أتى بآيات تشتمل على الأركان كلها ما عدا الصلاة لعدم آية تشتمل عليها لم تجزىء لأنها لا تسمى خطبة انتهى.

ويسن بعد فراغ قراءة آية مفهمة أن يقرأ سورة ق كل جمعة بين ذلك في فتح المعين. وعبارة الباجوري: ويسن أن يقرأ سورة ق كل جمعة لخبر مسلم: "كان النبي صلى الله عليه وسلّم يقرأ سورة ق في كل جمعة على المنبر" ويكفي في أصل السنة قراءة بعضها انتهت. قوله في إحداهما الأولى أن تكون الآية في الخطبة الأولى لتكون في مقابلة الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الثانية فيحصل التعادل بينهما فإنه حينئذٍ يكون في كل منهما أربعة أركان ولو لم يحسن شيئاً من القرآن ولم يوجد من يحسنه غيره أتى ببدل الآية من ذكر أو دعاء فإن عجز وقف بقدرها.

(و) خامسها: (الدعاء) أي بأخروي (للمؤمنين والمؤمنات في الأخيرة) أي في الخطبة الثانية عموماً أو خصوصاً بل الأولى التعميم، ولا بأس بتخصيصه بالسامعين كقوله: رحمكم الله، ويكفي: اللهم أجرنا من النار إن قصد تخصيص الحاضرين. قال الشرقاوي: قوله والمؤمنات الإتيان به سنة وليس من الأركان فلو اقتصر عليه لم يكف بخلاف ما لو اقتصر على المؤمنين انتهى. ولا يجوز اللهم اغفر لجميع المسلمين جميع ذنوبهم لوجوب اعتقاد دخول طائفة من المؤمنين النار ولو واحداً وما ذكر ينافيه، بخلاف اغفر لجميع المسلمين ذنوبهم أو اغفر للمسلمين جميع ذنوبهم بحذف لفظ جميع في أحد الطرفين كما قاله الشبراملسي.m وأما الدعاء للسلطان بخصوصه فلا بأس به إذا لم يكن فيه مبالغة في وصفه وخروج عن الحد كالعادل المعطي كل ذي حق حقه الذي لا يظلم فهذا مكروه إن لم يخش من تركه ضرراً أو فتنة وإلا وجب كما في قيام بعض الناس لبعض، ولا يشترط في خوف الفتنة غلبة الظن بل يكفي أصله، وأما الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم عموماً بالصلاح والهداية فسنة. قال عثمان السويفي: ويكره للخطيب رفع يديه حالة الخطبة.

فصل شروط الخطبتين عشرة

(فصل): في شروط الخطبتين للجمعة (شروط الخطبتين عشرة) بل أكثر. أحدها: (الطهارة عن الحدثين الأصغر والأكبر) فلو أحدث في أثناء الخطبة استأنفها وجوباً وإن سبقه الحدث وقصر الفصل، بخلاف ما لو استخلف هو أو القوم واحداً من الحاضرين فإنه يبني على ما فعله الأول من الخطبة نعم لا يجوز البناء في الإغماء مطلقاً فإذا أغمي على الخطيب قبل أن يتم الخطبتين لم يجز البناء منه ولا من الخليفة لزوال الأهلية فيه دون الأول أو أحدث بين الخطبتين والصلاة وتطهر عن قرب لم يضر. (و) ثانيها: (الطهارة عن النجاسة في الثوب والبدن والمكان) وكذا ما يتصل بها ومنه سيف أو عكازة في أسفلها نجاسة أو موضوع عليها فلا يجوز قبض ذلك ولا قبض حرف منبر عليه نجاسة في محل آخر، ومن ذلك أن يكون فيه عظم عاج من عظم الفيل فإن قبض بيده على محل النجاسة بطلت خطبته مطلقاً وإن قبض على محل طاهر منه فإن كان ينجر بجره بطلت أيضاً وإلا فلا.

[فائدة] قال محمدبن يعقوب في القاموس: والعاج عظم الفيل ومن خواصه أنه إن بخر به الزرع أو الشجر لم يقربه دود وشاربته كل يوم درهمان بماء وعسل إن جومعت بعد سبعة أيام حبلت انتهى. وقال أحمد الفيومي في المصباح المنير: والعاج أنياب الفيلة، قال الليث: ولا يسمى غير الناب عاجاً، والعاج ظهر السلحفاة البحرية وعليه يحمل أنه كان لفاطمة رضي الله عنها سوار من عاج ولا يجوز حمله على أنياب الفيلة لأن أنيابها ميتة بخلاف السلحفاة والحديث حجة لمن يقول بالطهارة انتهى. (و) ثالثها: (ستر العورة) أي في حق الخطيب لا في حق سامعيه فلا يشترط سترهم وكذا طهرهم ولا كونهم بمحل الصلاة ولا فهمهم لما سمعوه كما نقله الزيادي عن ابن حجر، ولا يشترط أيضاً نية الخطبة، قال الباجوري: وإنما اشترط ذلك في حق الخطيب لأن الخطبتين بمنزلة ركعتين كما قيل وهو متلبس بفعلهما بخلاف السامعين، والظاهر صحة خطبة العاجز عن السترة دون العاجز عن طهر الحدث والخبث. (و) رابعها: (القيام على القادر) قال الرافعي: وقد عدوا القيام هنا شرطاً وفي الصلاة ركناً. وقال إمام الحرمين: لا حجر في عده ركناً في موضع وشرطاً في آخر، وفرق بعضهم بأن المقصود بقيام الصلاة وقعودها الخدمة فعدا ركنين فيها، والمقصود من الخطبة الوعظ لا القيام فيه فكان بالشرط أشبه، ذكره الزيادي.

(و) خامسها: (الجلوس بينهما فوق طمأنينة الصلاة) والمراد بالفوقية هنا الارتقاء والوصول بأن يصل الجلوس بين الخطبتين إلى قدر الطمأنينة في الصلاة، وليس المراد بذلك الزيادة عليه بأن يزيد عليه في طوله لأنه لا يشترط الزيادة على ذلك، بل الذي يشترط فيه أصل الطمأنينة فقط، قال الشرقاوي: وأقل الجلوس أن يكون بقدر الطمأنينة في الصلاة كما في الجلوس بين السجدتين، ويسن أن يكون بقدر سورة الإخلاص وأن يقرأها فيه فلو ترك الجلوس بينهما حسبتا واحدة فيجلس ويأتي بخطبة أخرى، ومن خطب قاعداً لعذر فصل بينهما وجوباً بسكتة فوق سكتة التنفس والعي بكسر العين أي التعب أي زائدة عليها، قال السويفي: ومثله من خطب قائماً ولم يقدر على الجلوس أو خطب مضطجعاً فيفصل كل منهما بسكتة، والأولى للعاجز الاستنابة فلو ترك الجلوس لم تصح خطبته إذ الشروط يضر الإخلال بها ولو مع السهو اهـ. (و) سادسها: (الموالاة بينهما) أي بين الخطبتين.

(و) سابعها. (الموالاة بينهما وبين الصلاة) أي وبين أركان كل منهما بأن لا يطول فصل عرفاً في هذه المواضع الثلاثة وضبط طوله بقدر ركعتين بأخف ممكن، فإن نقص عن ذلك لم يضر ولا يضر تخلل الوعظ بين أركانهما وإن طال، وكذا قراءة وإن طالت حيث تضمنت وعظاً خلافاً لمن أطلق القطع بها فإنه غفلة عن كونه صلى الله عليه وسلّم كان يقرأ في خطبته ق أفاده الباجوري. قال السويفي: فلو علم ترك ركن ولم يدر هل هو من الأولى أو الثانية هل يجب إعادتهما أم إعادة الثانية فقط؟ فيه نظر والأقرب أن يجلس ثم يأتي بالخطبة الثانية لاحتمال أن يكون المتروك من الأولى فيكون جلوسها لغواً فتكمل بالثانية ويجعل مجموعهما خطبة أولى فيجلس بعدها ويأتي بالثانية، وبتقدير كون المتروك من الثانية فالجلوس بعدها لا يضر لأن غايته أنه جلوس بعد الخطبة وهو لا يضر ما يأتي به بعد تكرير لما أتى من الخطبة الثانية واستبدال لما تركه منها، أما لو شك في ترك الركن بعد الفراغ من الخطبة لم يؤثر كالشك في ترك ركن بعد الفراغ من الصلاة.

(و) ثامنها (أن تكون بالعربية) أي أن تكون أركان الخطبتين بكلام العرب وإن كان القوم عجماً لا يفهمونها لأنهم يعرفون أنه يعظهم في الجملة أي في غير هذه الصورة، فالمدار على معرفتهم بقرينة أنه واعظ وإن لم يعرفوا أما يعظهم به، ويجب أن يتعلم واحد منهم العربية، فإن لم يتعلم أحد منهم أثموا كلهم ولا تصح خطبتهم قبل التعلم فيصلون ظهراً هذا كله مع إمكان التعلم، قال الشرقاوي: فإن لم يمكن خطب واحد منهم بأي لغة شاء بشرط أن يفهم الحاضرون تلك اللغة على المعتمد بخلاف العربية لا يشترط فهمهم إياها لأنها أصل وغيرها بدل وقال السويفي: فإن لم يمكن أي التعلم خطب واحد منهم بلسانه وإن لم يفهمه الحاضرون بأن اختلفت لغاتهم، وظاهره وإن أحسن ما أحسنه القوم فلا يتعين أن يخطب به، فإن لم يحسن أحد منهم الترجمة فلا جمعة لهم لانتفاء شرطها. وقال أيضاً نقلاً عن البرماوي: ومحل اشتراط كونه أركان الخطبة بالعربية إن كان في القوم عربي وإلا كفى كونهما بالعجمية إلا في الآية فهي كالفاتحة أي فلا بد فيها من العربية.

(و) تاسعها: (أن يسمعهما أربعين) أي أن يسمع الخطيب أركان الخطبتين للأربعين الذين تنعقد بهم الجمعة ومنهم الإمام أي يجب الإسماع من الخطيب بالفعل بأن يرفع صوته حتى يسمعه الجالسون، أما السماع من الجالسين فيجب بالقوة بأن يكونوا بحيث لو أصغوا لسمعوا فلا يضر نحو لغط بخلاف الصمم والبعد والنوم الثقيل ولو لبعضهم لا مجرد النعاس فلا يضر، نعم لا يضر صمم الإمام لأنه يعرف ما يقول وإن لم يسمع كما قاله الشرقاوي، وقال الزيادي: ويعتبر على الأصح عند النووي والرافعي وغيرهما إسماعهم لها بالفعل لا بالقوة، فلا تجب الجمعة على أربعين بعضهم صم ولا تصح مع وجود لغط يمنع سماع ركن على المعتمد فيها انتهى. ونقل عن الأجهوري أنه يشترط سماع الأركان في آن واحد لأن المقصود ظهور الشعار ولا يوجد إلا بأربعين في آن واحد وبذلك أفتى شيخ الإسلام، فلو سمع الأركان عشرون مثلاً وذهبوا فجاء عشرون فأعاد لهم الأركان ثم حضر من سمع أولاً فلا يكفي، وسن لمن سمع الخطبة سكوت مع إصغاء،

قال الرحماني: ويكره الكلام من المستمعين حال الخطبة خلافاً للأئمة الثلاثة حيث قالوا إنه يحرم، وحملنا الآية على الندب وهو قوله تعالى: وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} ((7) الأعراف:204) فإنها نزلت في الخطبة وسميت قرآناً لاشتمالها عليه، نعم إن دعت له ضرورة وجب أو سن كالتعليم الواجب والنهي عن محرم ولايكره قبل الخطبة وبعدها وبينهما ولو لغير حاجة ويجب رد السلام وإن كره ابتداؤه. (و) عاشرها: (أن تكون كلها في وقت الظهر) للاتباع رواه البخاري. وبقي من شروط الخطبتين خمسة وهي الذكورة ووقوعهما في خطه أبنية وفعلهما قبل الصلاة والسماع من تسعة وثلاثين وتمييز فرضهما من سنتهما كما في الصلاة، وأما ترتيب أركانهما فليس بشرط بل سنة فقط.

[فائدة] ورد في الخبر: أن من قرأ عقب سلامه من الجمعة قبل أن يثني رجله الفاتحة والإخلاص والمعوذتين سبعاً سبعاً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأعطي من الأجر بعدد من آمن بالله ورسوله. وفي رواية لابن السني بإسقاط الفاتحة وزيادة وأن ذلك بعد من السوء إلى الجمعة الأخرى، وفي رواية بزيادة وقبل أن يتكلم حفظ له دينه ودنياه وأهله وولده، وذكر ذلك ابن حجر. ونقل عن الزيادي أن كيفية ذلك أن يبدأ بالفاتحة ثم قل هو الله أحد ثم قل أعوذ برب الفلق ثم قل أعوذ برب الناس، ونقل القليوبي عن شيخه أن ما ورد فيه أمر مخصوص يفوت بمخالفته فيفوت يثني رجله ولو بجعل يمينه للقوم. وقوله قبل أن يثني رجله أي قبل أن يصرف رجله عن حالته التي هو عليها في التشهد. وقوله ما تقدم من ذنبه وما تأخر أي من الصغائر إذا اجتمعت الكبائر نقله المناوي عن أبي الأسعد القشيري ثم يقول: يا غني يا حميد يا مبدىء يا معيد يا رحيم يا ودود اغنني بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك، أربع مرات. وروي أن من واظب عليه أغناه الله ورزقه من حيث لا يحتسب. ونقل الشرقاوي عن شيخنا الشيخ الحفني أن الدعاء المذكور وارد في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلّم.

[فائدة] عن القطب عبدالوهاب الشعراني نفعنا الله به إن من واظب على قراءة هذين البيتين في كل يوم جمعة توفاه الله تعالى على الإسلام من غير شك وهما:

إلهي لست للفردوس أهلاً ** ولا أقوى على نار الجحيم
فهب لي توبة واغفر ذنوبي ** فإنك غافر الذنب العظيم

ونقل عن بعضهم أنهما يقرآن خمس مرات بعد صلاة الجمعة.

فصل فيما يتعلق بالميت

(فصل): فيما يتعلق بالميت (الذي يلزم) بفتح الزاي أي يجب على الكفاية على من علم بموته أو ظنه أو لم يعلم بذلك ولم يظنه لكن قصر لكونه بقربه وينسب في عدم البحث عنه إلى تقصير من أقاربه وغيرهم (للميت) المسلم ولو غريقاً غير المحرم بنسك والشهيد في محل محاربة الكفار ولو صبياً أو فاسقاً أو محدثاً حدثاً أكبر وغير السقط في بعض أحواله (أربع خصال) أي كاملة وهي بكسر الخاء جمع خصلة بفتحها مثل خلال وخلة وزناً ومعنى وبقي خامس وهو الحمل إلى موضع الدفن. أحدها (غسله) أي أو بدله وهو التيمم كما لو أحرق بالنار وكان بحيث لو غسل تهرى، وكما لو لم يوجد إلا أجنبي في المرأة أو أجنبية في الرجل فييمم الميت فيهما بحائل، نعم الصغير الذي لم يبلغ حد الشهوة يغسله الرجال والنساء ومثله الخنثى الكبير.

(و) ثانيها: (تكفينه) أي بعد غسله أو بدله. (و) ثالثها: (الصلاة عليه) أي بعد الغسل وجوباً لأنه المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلّم فلو تعذر كأن وقع في حفرة وتعذر إخراجه وطهره لم يصل عليه وبعد التكفين ندباً بل تكره الصلاة عليه قبل تكفينه لأنه يشعر بالازدراء بالميت. (و) رابعها: (دفنه) أي في قبر، أما الكافر فلا يجب غسله بل هو جائز مطلقاً سواء كان ذمياً أو غيره، ولا تجوز الصلاة عليه فإنها حرام مطلقاً وإن كان ذمياً أو مرتداً، ويجب تكفين الذمي والمؤمن والمعاهد ودفنهم وتكفين هؤلاء الثلاثة في بيت المال فإن لم يكن فعلينا حيث لا مال لهم ولم يكن لهم من تلزمه نفقتهم وفاء بذمة وعهد وأمان من ذكر كما يجب إطعامهم وكسوتهم، والفرق بين المعاهد والمؤمن أن المعاهد هو الذي عقد مع الإمام أو نائبه خاصة بالمصالحة على ترك القتال مدة معلومة أربعة أشهر فأقل عند قوتنا وعشر سنين عند ضعفنا،

ويسمى أيضاً موادعاً ومهادناً ومسالماً والمؤمن كذلك إلا أنه لا يجوز عقد أكثر من أربعة أشهر وأنه قد يعقده الآحاد أيضاً، ولا يجب تكفين الحربي والمرتد والزنديق وهو الذي لا يتمسك بشريعة ويقول بدوام الدهر، وقيل هو الذي لا يؤمن بالآخرة ولا بوحدانية الخالق ولا يجب دفنهم بل يجوز إغراء الكلاب عليهم لكن الأولى مواراتهم لئلا يتأذى الناس برائحتهم بل تجب إذا تحقق الأذى منهم، وأما المحرم الذكر فلا يلبس مخيطاً ولا يستر رأسه والمرأة والخنثى لا يستر وجههما ولا كفاهما بقفازين، ويحرم أيضاً أن يقرب لهم طيب ككافور وحنوط في أبدانهم وأكفانهم وماء غسلهم إبقاء لأثر الإحرام لأن النسك لا يبطل بالموت،

وأما الشهيد فيحرم غسله والصلاة عليه ويسن دفنه في ثيابه فقط ولو من حرير بعد نزعها منه عقب موته وعودها إليه عند التكفين، وما الدفن فواجب كالتكفين سواء في ذلك ثيابه الملطخة بالدم وغيرها لكن الملطخة أولى سواء أقتله كافر أم أصابه سلاح مسلم خطأ أو عاد إليه سلاح نفسه أو سقط عن دابته أو وطئته الدواب أو أصابه سهم لا يعرف هل رمى به مسلم أو كافر، وسواء وجد به أثر أم لا مات في الحال أم بقي زمناً ومات بذلك السبب قبل انقضاء الحرب أم معه أم بعده وليس فيه إلا حركة مذبوح، بخلاف ما لو مات بعده وفيه حياة مستقرة فليس بشهيد. وأما السقط وهو الذي سقط من بطن أمه قبل تمام أشهره وهي سنة ولحظتان ففيه تفصيل، فإن ظهرت فيه أمارة الحياة كاختلاج أو اضطراب أو تنفس أو تحرك أو بكاء ولو قبل انفصاله وجب فيه ما في الكبير من صلاة وغيرها وإلا فإن ظهر خلقه بأن تخطط سواء بلغ أربعة أشهر أم لا وجب تجهيزه بلا صلاة وإلا فلا شيء فيه بل تحرم الصلاة عليه ويجوز رميه ولو للكلاب لكن يسن سفره بخرقة ودفنه، فالحاصل أن السقط له ثلاثة أحوال، قال الشيخ محمد الحفني رضي الله تعالى عنه:

والسقط كالكبير في الوفاة ** إن ظهرت أمارة الحياة
أو خفيت وخلقه قد ظهرا ** فامنع صلاة وسواها اعتبرا
أو اختفى أيضاً ففيه لم يجب ** شيء وستر ثم دفن قد ندب

وأما الولد النازل بعد تمام أشهره فحكمه كالكبير من صلاة وغيرها وإن نزل ميتاً ولم يعلم له سبق حياة وإن لم يظهر خلقه ولا يسمى هذا سقطاً.

[فرع] اعلم أن المؤن كأجرة التغسيل وثمن الماء والكفن وأجرة الحفر والحمل في تركة الميت يبدأ به منها، لكن بعد الابتداء بحق تعلق بنفس تلك التركة كالزكاة التي وجبت فيها، والمرهون والجاني والمتعلق برقبته مال والمبيع إذا مات المشتري مفلساً، وأما الزوجة وخادمها سواء كان مملوكاً لها أو مستأجراً بالنفقة فتجهيزها على زوج غني في الفطرة وهو من يملك زيادة على كفاية يومه وليلته ما يصرفه في التجهيز ولو بما يرثه منها عليه نفقتهما بخلاف المستأجر بالأجرة، وبخلاف الفقير في الفطرة ومن لا تلزمه نفقتهما لنشوز أو صغر، وخرج بالزوج ابنه فلا يلزمه تجهيز زوجة أبيه وإن لزمه نفقتها في الحياة، ولا يجب للزوجة إلا ثوب واحد، ولا يجب الثاني والثالث من تركتها، نعم إن لم يقدر الزوج إلا على بعض ثوب وجب باقيه من تركتها ووجب ثان وثالث أيضاً لافتتاح باب الأخذ من التركة.

[فرع] فإذا مات شخص غمِّض لئلا يقبح منظره وشد لحياه بعصابة عريضة تربط فوق رأسه لئلا يبقى فمه منفتحاً ولينت مفاصله فيرد ساعده إلى عضده وساقه إلى فخذه وفخذه إلى أصابعه ثم تمد وتلين أصابعه تسهيلاً لغسله وتكفينه فإن في البدن بعد مفارقة الروح بقية حرارة، فإذا لينت المفاصل حينئذٍ لانت وإلا فلا يمكن تليينها بعد، ونزعت ثيابه التي مات فيها لأنه يسرع إليه الفساد، ثم ستر كله إن لم يكن محرماً بنسك بثوب خفيف ويجعل طرفاه تحت رأسه ورجليه لئلا ينكشف وثقل بطنه بغير مصحف كمرآة ونحوها من أنواع الحديد لئلا ينتفخ وقدر ذلك بنحو عشرين درهماً ورفع عن الأرض على سرير أو نحوه لئلا يتغير بنداوتها ووجه إلى القبلة كمحتضر وهو باضطجاع لجنب أيمن فإن تعسر فلجنب أيسر فإن تعسر وجه باستلقاء بأن يلقى على قفاه ووجهه وأخمصاه للقبلة بأن يرفع رأسه قليلاً، ويسن أن يتولى ذلك كله أرفق محارمه به فالرجل من الرجل والمرأة من المرأة بأسهل ما يمكنه، فإن تولاه الرجل من المرأة المحرم أو بالعكس جاز.

[فائدة] قال حسن العدوي نقلاً عن الشيخ الأمير: فإن ترك تغميض العينين عقب الموت جذب شخص عضديه وآخر إبهامي رجليه معاً فإنه يغلق بصره مجرب انتهى.

فصل في غسل الميت

(فصل): في بيان غسله (أقل الغسل تعميم بدنه بالماء) أي مرة لأنها الفرض في الحي والميت أولى بها، فلا يشترط تقدم إزالة نجس عنه، ومحل الاكتفاء بها حيث حصل الإنقاء وإلا وجب الإنقاء، ويسن الإيتار إن لم يحصل الإنقاء بوتر، ولا بد من كون غسله بفعلنا ولو كان كافراً أو غير مكلف فلا يكفي غرق ولا غسل الملائكة، ويكفي فعل الجن ولو غسل نفسه كرامة كفى كما وقع لسيدي أحمد البدوي أمدنا الله بمدده، ومثله ما لو غسله ميت آخر كرامة فإنه يكفي، ولا يكره لنحو جنب غسله، ولا يجب نية الغسل لأن القصد به النظافة وهي لا تتوقف على نية لكن تسن خروجاً من الخلاف فيقول الغاسل: نويت الغسل أداء عن هذا الميت أو استباحة الصلاة عليه بخلاف نية الوضوء فإنها واجبة. ولذلك يلغز ويقال لناشيء واجب ونيته سنة وشيء سنة ونيته واجبة، فغسل الميت واجب ونيته سنة ووضوؤه سنة ونيته واجبة،

ومن تعذر غسله لفقد ماء أو غيره كما لو احترق وككونه مسموماً مثلاً وكان بحيث لو غسل لتهرى يمم، والأولى بالرجل في غسله الرجل، والأولى بالمرأة في غسلها المرأة، وله غسل حليلته من زوجة غير رجعية وأمة ما لم تكن مزوجة أو معتدة أو مستبرأة، ولزوجة غير رجعية غسل زوجها ولو نكحت غيره بأن تضع حملها عقب موته ثم تتزوج فلها أن تغسله وتستعين بزوجها لبقاء حق الزوجية بلا مس منها له ولا منه لها لئلا ينتقض وضوء الماس فيهما، والأولى بالرجل في غسله الأولى بالصلاة عليه درجة وهم رجال العصبة من النسب ثم الولاء ثم الإمام ثم نائبه ثم ذوو الأرحام، فإن اتحدوا في الدرجة قدم هنا بالأفقهية في الغسل بخلافه في الصلاة على الميت، فيقدم بالأسنية والأقربية فالأفقه في باب الغسل أولى هنا من الأسن والأقرب عكس ما في الصلاة، والأولى بالمرأة في غسلها قريباتها وأولاهن ذات محرمية وبعد القريبات ذات ولاء فأجنبية فزوج فرجال محارم، فإن تنازع مستويان أقرع بينهما،

والصغير الذي لم يبلغ حد الشهوة يغسله الرجال والنساء ومثله الخنثى الكبير عند فقد المحرم، ويجب إيصال الماء إلى ما يظهر من فرج الثيب عند جلوسها على قدميها لقضاء حاجتها وما تحت قلفة الأقلف ويحرم ختنه وإن عصى بتأخيره أو تعذر غسل ما تحت قلفته بأن كان فيها نجاسة تتعذر إزالتها فيدفن بلا صلاة عليه كفاقد الطهورين على ما قاله الرملي، ولا يجوز أن ييمم لأن شرط التيمم إزالة النجاسة، وقال ابن حجر: ييمم للضرورة. قال الباجوري: وينبغي تقليده لأن في دفنه بلا صلاة عدم احترام للميت كما قاله الشيخ محمد الفضالي، ويكره في غير المحرم بنسك أخذ ظفره وشعره لأن أجزاء الميت محترمة، نعم لو تعذر غسله إلا بحلق شعر رأسه لتلبده بسبب صبغ أو نحوه كأن كان به فروح وجمدها بحيث لا يصل الماء إلى أصوله إلا بإزالته وجبت، وكذا لو تعذر غسل ما تحت ظفره إلا بقلمه ولا فرق في هذا بين المحرم وغيره وفديته على من فعل به ذلك ويردان إليه في الكفن ندباً وفي القبر وجوباً فيجب دفنهما معه.

(وأكمله أن يغسل) أي الغاسل (سوأتيه) أي دبر الميت وقبله بخرقة ملفوفة على يساره (وأن يزيل القذر) أي الوسخ (من أنفه وأن يوضئه) قبل الغسل كالحي ثلاثاً ثلاثاً بمضمضة واستنشاق ويميل رأسه فيهما لئلا يصل الماء باطنه (وأن يدلك) بضم عين الفعل من باب قتل (بدنه بالسدر) أي ونحوه كصابون وأشنان ونحوهما قال في المصباح: وإذا أطلق السدر في الغسل فالمراد به الورق المطحون، قال الحجة في التفسير: السدر نوعان: أحدهما ينبت في الأرياف وهي البلاد التي لها أشجار وزروع فينتفع بورقه في الغسل وثمرته طيبة، والآخر ينبت في الصحراء ولا ينتفع بورقه في الغسل وثمرته عفصة اهـ.

(وأن يصيب الماء عليه ثلاثاً) والسنة أن تكون الأولى بنحو سدر، والثانية مزيلة، والثالثة بماء قراح أي خالص فيها قليل من كافور بحيث لا يغير الماء لأن رائحته تطرد الهوام ويكره تركه، وخرج بقليله كثيره فقد يغير الماء تغييراً كثيراً إلا أن يكون صلباً فلا يضر مطلقاً ولو غير الماء لأنه مجاور، فهذه الغسلات الثلاث غسلة واحدة لأن العبرة إنما هي بالتي بالماء القراح، ويسن ثانية وثالثة كذلك فالمجموع تسع قائمة من ضرب ثلاث في ثلاث لأن الغسلات الثلاث مشغلة على ثلاث لكن العبرة بالثلاث التي بالماء القراح. والحاصل أن أدنى الكمال ثلاث وأكمله تسع وأوسطه خمس أو سبع، وحاصله أن أكمله أن يغسل بماء مالح لأن الماء العذب يسرع إليه البلى بارد لأنه يشد البدن لا لحاجة كبرد بالغاسل ووسخ فيسخن قليلاً في خلوة لا يدخلها إلا الغاسل ومن يعينه وولي الميت وهو أقرب الورثة، والأولى أن يكون الغسل تحت سقف لأنه أستر وأن يكون في قميص بال أي خلق بفتحتين وسخيف أي رقيق لقلة غزله لأنه أستر له وأليق على مرتفع كلوح لئلا يصيبه الرشاش،

وأن يجلسه الغاسل على المرتفع برفق مائلاً قليلاً إلى ورائه ويضع يمينه على كتفه وإبهامه في نقرة قفاه لئلا تميل رأسه ويسند ظهره بركبته اليمنى ويمر يده اليسرى على بطنه بتحامل يسير مع التكرار ليخرج ما فيه من الفضلة، ثم يضجعه على قفاه ويغسل بخرقة ملفوفة على يساره سوأتيه ثم يلقيها ويلف خرقة أخرى على يده بعد غسلها بماء ونحو أسنان وينظف أسنانه ومنخريه وهي على وزن مسجد خرق الأنف ثم يوضئه كالحي بنية ثم يغسل رأسه فلحيته بنحو سدر ويسرح شعرهما إن تلبد بمشط واسع الأسنان برفق ويرد المنتتف من شعرهما إليه ندباً في الكفن أو القبر، وأما دفنه ولو في غير القبر فواجب كالساقط من الحي إذا مات عقبه، ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر ثم يحرفه إلى شقه الأيسر فيغسل شقه الأيمن مما يلي قفاه، ثم يحرفه إلى شقه الأيمن فيغسل الأيسر كذلك مستعيناً في ذلك كله بنحو سدر.

ثم يزيله بماء من فرقه بفتح الفاء وسكون الراء أي وسط رأسه إلى قدمه ثم يعمه كذلك بماء قراح لكن فيه قليل كافور فهذه الغسلات غسلة واحدة، ويندب أن لا ينظر الغاسل من غير عورته إلا قدر الحاجة أما عورته فيحرم النظر إليها، ويندب أن يغطى وجه الميت بخرقة من أول وضعه على المغتسل وأن لا يمس شيئاً من غير عورته إلا بخرقة، ولو خرج بعد الغسل نجس وجبت إزالته قاله القليوبي لصحة الصلاة عليه، ولا يجوز تيمم من على بدنه نجاسة تعذرت إزالتها ولا تجوز الصلاة عليه.

[تنبيه] قوله: يصب الماء إن كان من باب قتل فهو متعد وهوالمراد هنا ومعناه يريق وإن كان من باب ضرب فهو قاصر ومعناه يسكب.

فصل في كفن الميت

(فصل): في الكفن (أقل الكفن ثوب يعمه) أي يستر جميع بدن الميت غير رأس المحرم ووجه المحرمة، قال الشرقاوي: والمعتمد وجوب ثلاث لفائف ذكراً كان أو أنثى إذا كفن من ماله ولم يوص بإسقاط الزائد على الواحد ولم يمنع منه غريم يستغرق دينه للتركة وإن كان في الورثة محجور عليه على المعتمد وإلا اقتصر على الثلاث لأن الزائد عليها سنة، فالإزار واللفافتان ليست واجبة ولا مندوبة اهـ. قال الباجوري: وإن كفن من غير ماله بأن كفن من مال من عليه نفقته أو من بيت المال أو من الموقوف على تجهيز الموتى أو من أغنياء المسلمين فالواجب ثوب واحد يستر جميع البدن إلا رأس المحرم ووجه المحرمة على المعتمد.

والحاصل أن الكفن بالنسبة لحق الله تعالى فقط ثوب يستر العورة، وبالنسبة لحق الميت منسوباً بحق الله ما يستر بقية البدن، وبالنسبة لحق الميت فقط ثوب ثان وثالث. قال القليوبي: ويسن في الكفن الأبيض والملبوس أولى من الجديد ويجوز غيره مما يجوز لبسه حياً ولو من شعر أو وبر أو طين، ويحرم الحرير للرجل إن وجد غيره ومثله المزعفر، ويكره المعصفر أي المصبوغ بالعصفر ولو في بعضه وغيره الأبيض ولو للمرأة اهـ. قال الشوبري: ولو لم يوجد إلا الحرير ينبغي الاقتصار على واحد، ومحل حرمته في المزعفر إذا كان كله أو أكثره مزعفراً وإلا فلا حرمة، وكره مغالاة في الكفن أي مع حضور الوارث البالغ العاقل الرشيد وإلا حرمت اهـ قوله الشوبري.

(وأكمله للرجل) ولو صغيراً (ثلاث لفائف) يعم كل منها البدن، قال الشوبري: أي هذا من حيث الاقتصار عليها فلا ينافي كونها واجبة في نفسها لأنه متى كفن الميت من ماله ولم يوص بإسقاط الثاني والثالث ولم يكن عليه دين يستغرق وجب له ثلاثة أثواب كل واحد منها يستر جميع البدن غير رأس المحرم ووجه المحرمة، قال القليوبي: ويبسط أولاً أطولها وأحسنها وأوسعها ثم فوقها التي تليها ثم التي تليها ثم يثني طرف العليا الأيسر وفوقه الأيمن وهكذا البقية كما يفعل الحي في قبائه ويجعل فوق كل منها حنوط اهـ. ويجوز رابع وخامس وهو قميص وعمامة إن لم يكن محرماً ورضي بالزيادة وارث أهل للتبرع وذلك بلا كراهة ما لم يكن في الورثة محجور عليه أو غائب وإلا حرمت الزيادة لكن الأولى الاقتصار على الثلاثة. (وللمرأة قميص) أي ساتر لجميع البدن قاله الشرقاوي:

(وخمار) قال في المصباح: وهو ثوب تغطي به المرأة رأسها والجمع خمر مثل كتاب وكتب (وإزار) وهو ما يشد على الوسط ويؤتزر به فيما بين السرة والركبة (ولفافتان) رعاية لزيادة الستر وكما فعل بابنته صلى الله عليه وسلّم أم كلثوم رواه أبو داود، قال الشرقاوي: أي السنة في تكفين المرأة ذلك، وأما الواجب في حقها فقد تقدم أنه ثلاث لفائف، فالسنة في حق الرجل الاقتصار على الثلاث لفائف وهي في ذاتها واجبة، وأما المرأة فالسنة في حقها غير الثلاث لفائف وهي قميص وخمار وإزار فقد وافقت الرجل في الواجب وخالفته في المندوب، والزيادة على الخمسة مكروهة كراهة تنزيه في الرجل والمرأة للسرف اهـ. قال الزيادي: نعم يندب شد سادس على صدر المرأة فوق الأكفان لتجمعها عن انتشارها باضطراب ثدييها عند الحمل.

فصل أركان صلاة الجنازة سبعة

(فصل): في الصلاة عليه (أركان صلاة الجنازة سبعة) قال في المصباح: الجنازة هي بالفتح والكسر والفتح أفصح. وقال الأصمعي وابن الأعرابي بالكسر الميت نفسه وبالفتح السرير. وروى أبو عمر الزاهد عن ثعلبة عكس هذا فقال بالكسر السرير وبالفتح الميت نفسه وهي من جنزت الشيء أجنزه من باب ضرب سترته اهـ. وإنما يقال سرير إذا لم يكن عليه ميت وإن كان عليه ميت يقال له نعش، والسرير ينادي كل يوم بلسان حاله ويقول:

انظر إلي بعقلك ** أنا المهيأ لنقلك
أنا سرير المنايا ** كم سار مثلي بمثلك

(الأول: النية) ويجب فيها القصد والتعيين لصلاة الجنازة ونية الفرضية وإن لم يتعرض للكفاية وغيرها، ولا يشترط تعيين الميت الحاضر باسمه ونحوه ولا معرفته بل يكفي تمييزه نوع تمييز فيقول: نويت الصلاة على هذا الميت أو على من صلى عليه الإمام أو على من حضر من أموات المسلمين فرضاً أو فرض كفاية، فإن عينه كزيد أو رجل ولم يشر إليه وأخطأ في تعيينه كأن بان عمراً أو امرأة لم تصح صلاته، فإن أشار إليه كأن قال: نويت الصلاة على زيد هذا فبان عمراً صحت صلاته تغليباً للإشارة ويلغو تعيينه، وخرج بالحاضر ما لو صلى على غائب، فإن نوى على العموم كأن قال: نويت الصلاة على من تصح الصلاة عليه من أموات المسلمين لم يشترط التعيين، وكذا لو أراد الصلاة على من صلى عليه الإمام أو على من غسل وكفن في هذا اليوم، وإن أراد غائباً بخصوصه فلا بد من تعيينه،

والمراد بالغائب الغائب عن البلد ولو خارج السور قريباً منه، قال شيخ الإسلام في فتح الوهاب: وتصح على غائب عن البلد ولو دون مسافة القصر وفي غير جهة القبلة والمصلى مستقبلها لأنه صلى الله عليه وسلّم أخبرهم بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه ثم خرج بهم إلى المصلى فصلى عليه وكبر أربعاً وذلك في رجب سنة تسع، أما الحاضر بالبلد فلا يصلي عليه إلا من حضر، وتصح الصلاة على القبر أيضاً إذا كان قبر غير نبي ويسقط الفرض عن الحاضرين إذا علموا بصلاة غيرهم. (الثاني: أربع تكبيرات) أي لأنه الذي استقر عليه فعله صلى الله عليه وسلّم في صلاته على النجاشي وإلا فكان قبلها يكبر على الميت خمس أو ست أو سبع أو ثمان أي منها تكبيرة الإحرام فالكل ركن واحد، فلو نقص عنها ابتداء بأن أحرم بها بنية النقض لم تنعقد أو انتهاء بطلت، ولو زاد على الأربع ولو عمداً لم تبطل لأنها ذكر وهي لا تبطل به وإن اعتقد أن الزائد أركان نعم إن وإلى الرفع فيه بطلت، وكذا لو زاد عليها متعمداً معتقداً البطلان به،

أما لو زاد إمامه عليها فلا تسن له متابعته في الزائد لعدم سنه للإمام بل يسلم أو ينتظره ليسلم معه وهو أفضل لتأكيد المتابعة فلو تابعه فيه لم تبطل، ويجب قرن النية بالتكبيرة الأولى التي هي تكبيرة الإحرام، ولا يجب على الإمام نية الإمامة فإن نواها حصل له الثواب وإلا فلا، ولا بد من نية الاقتداء إن كان مقتدياً، ولو نوى إمام ميتاً حاضراً أو غائباً ونوى المأموم ميتاً آخر كذلك جاز لأن اختلاف نيتهما لا يضر، ولو تخلف المأموم عن إمامه بتكبيرة بل بتكبيرتين، قال شيخ الإسلام في فتح الوهاب: فلو كبر إمامه أخرى قبل قراءته للفاتحة سواء شرع فيها أم لا تابعه في تكبيره وسقطت القراءة عنه وتدارك الباقي من تكبير وذكر بعد سلام إمامه كما في غيرها من الصلوات، ويسن رفع يديه في تكبيراتها حذو منكبيه ويضع يديه بعد كل تكبيرة تحت صدره كغيرها من الصلوات.

(الثالث: القيام على القادر) أي ولو صبياً وامرأة مع رجال وإن وقعت لهما نافلة رعاية لصورة الفرض، فإن عجز عن القيام قعد،فإن عجز عنه اضطجع، فإن عجز عنه استلقى، فإن عجز عن ذلك أومأ كما في غيرها. (الرابع: قراءة الفاتحة) أو بدلها عند العجز عنها فلا تتعين بعد الأولى ولذلك لم يقيدها المصنف ويجوز إخلاء الأولى عنها ويضمها للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم بعد الثانية أو للدعاء للميت بعد الثالثة أو يأتي بها بعد الرابعة لكن الأفضل بعد الأولى، أما لو شرع في الفاتحة عقبها فلا يجوز له قطعها وتأخيرها لما بعدها، وكذا لا يجوز أن يقرأ بعضها في ركن وبعضها في ركن آخر لأن هذه الخصلة لم تثبت ويقرؤها سراً وإن صلى ليلاً، لأنها وردت كذلك، ويسن التعوذ قبلها والتأمين بعدها ولا يسن دعاء الافتتاح ولا السورة لأن صلاة الجنازة مبنية على التخفيف وإن صلى على قبر أو غائب على المعتمد.

(الخامس: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم بعد الثانية) أي وجوباً فلا تجزىء بعد غيرها للاتباع، قال في شرح المنهج لفعل السلف والخلف: وتسن الصلاة على الآل فيها والدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقبها والحمد قبل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم اهـ. قال الشرقاوي: والأفضل أن يقول الحمد لله رب العالمين وخرج بالصلاة على الآل السلام عليهم فلا يسن على المعتمد انتهى وأقل الصلاة اللهم صل على سيدنا محمد، وأكملها ما بعد التشهد الأخير وهو اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. (السادس: الدعاء للميت بعد الثالثة) أي وجوباً فلا تجزىء بعد غيرها ولا بد أن يكون بأخروي كاللهم الطف به أو لطف الله به لأن ذلك ينفعه بفك روحه في الآخرة، بخلاف نحو: اللهم احفظ تركته فإنه لا يكفي، ومن المسنون: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، ثم يقول: اللهم إن هذا عبدك وابن عبدك إلى آخر الدعاء المشهور، لكن محل الإتيان به في البالغ ولو مجنوناً بلغ ودام جنونه إلى موته،

أما الصغير فيقول فيه مع الدعاء الأول: اللهم اجعله فرطاً لأبويه وسلفاً وذخراً وعظة واعتباراً وشفيعاً وثقل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره لأن ذلك مناسب للحال، وإنما كفى هذا الدعاء للطفل مع قولهم إنه لا بد في الدعاء للميت أن يخص به لثبوت النص في هذا بخصوصه وهو قوله صلى الله عليه وسلّم والسقط يصلي عليه ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة قاله الشرقاوي، ومثله قول الباجوري، ويكفي في الطفل الدعاء لوالديه نحو: اللهم اجعله لوالديه فرطاً إلى آخره وثبوت ذلك بقوله صلى الله عليه وسلّم: والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة، لكن قال عبدالعزيز في فتح المعين نقلاً عن شيخه ابن حجر حيث قال: ليس قوله اللهم اجعله فرطاً إلى آخره مغنياً عن الدعاء للطفل بخصوصه لأنه دعاء باللازم وهو لا يكفي لأنه إذا لم يكف الدعاء بالعموم الشامل لكل فرد فأولى هذا انتهى قوله لأنه دعاء باللازم أي لأن اللهم اجعله إلى آخره دعاء ناشىء عن الدعاء المتعلق بالطفل،

وإذا كان كذلك فلا بد من ملزومه وهو الدعاء له بخصوصه، ومحل ذلك في الوالدين الحيين المسلمين فإن كانا ميتين أو كافرين أو كان أحدهما كذلك لم يدع بذلك بل يأتي بما يقتضيه الحال لأن العظة بمعنى تذكير العواقب وهذا لا يظهر بعد الموت، ومعنى الفرط بفتحتين السابق المهيىء لمصالحهما في الآخرة، ومعنى السلف السابق سواء كان مهيأ للمصالح أم لا، ومعنى الذخر بالضم المعد والمهيأ لوقت الحاجة إليه، فشبه به الصغير لكونه مدخراً أمامهما لوقت حاجتهما له، ومعنى الاعتبار أي ليكونا يعتبران بموته وفقده حتى يحملهما ذلك على العمل الصالح، ومعنى أفرغ الصبر أي أنزله وصبه، ومعنى لا تفتنهما لا تمتحنهما فيقول إذا كانا ميتين: اللهم اغفر له ولوالديه وارض عنه وعنهما رضا تجل به عليهم جميع رضوانك مثلاً، أو: اللهم ارحمه وارحم والديه رحمة تنير لهم المضجع في قبورهم، ويقول فيمن كانا كافرين والصغير في يد مسلم بأن يسبيه: اللهم اغفر له ولسابيه ومربيه، وفيمن كان أحد أبويه مسلماً. اللهم اجعله فرطاً لأصله المسلم، وفي ولد الزنى: اللهم اجعله فرطاً لأمه، ولو تردد في بلوغ المراهق فالأحوط أن يدعو بهذا الدعاء ويخصه بالدعاء بعد الثالثة ويكفي أن يدعو له بالرحمة مثلاً والسقط إذا صلى عليه فيدعي لوالديه بالعافية والرحمة ولو دعا له بخصوصه كفى عملاً بعموم الحديث وهو خبر أبي داود وابن حبان: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" أي محضوا وخصصوا.

[فرع] نقل عن شرح البهجة الكبير أنه قال: وفي مسلم عن عوفبن مالك قال: "صلى النبي صلى الله عليه وسلّم على جنازة فقال: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وفتنته ومن عذاب النار" وهذا أصح دعاء الجنازة كما في الروضة عن الحفاظ انتهى.

[خاتمة] قال القليوبي: ويقول بعد الرابعة: اللهم لا تحرمنا أجره أي أجر الصلاة عليه ولا تضلنا بعده واغفر لنا وله وهذا ليس فرضاً انتهى. أي لأنه لا يجب بعد الرابعة شيء فلو سلم عقبها جاز، ويسن تطويلها بقدر الثلاثة قبلها، ونقل عن بعضهم أنه يقرأ فيها ثلاث آيات من سورة غافر وهو قوله تعالى: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذٍ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم} ((40) غافر:7 - 9) قال البابلي: نعم وردت هذه في بعض الأحاديث. (السابع: السلام) أي كسائر الصلوات في كيفيته وتعدده وفي عدم استحباب زيادة: وبركاته.


EmoticonEmoticon