Monday, June 24, 2013

أركان الإيمان والإختلاف في معني القضاء والقدر

Tags

أركان الإيمان والإختلاف في معني القضاء والقدر


أركان الإيمان والإختلاف في معني القضاء والقدر
كتاب كاشفة السجا شرح سفينة النجا

محتويات

فصل: في بيان جميع ما وجب به الإيمان والبراهين

(فصل): في بيان جميع ما وجب به الإيمان والبراهين الدالة على حقيقة الإيمان (أركان الإيمان ستة) فإضافة الأركان من إضافة المتعلق بفتح اللام إلى المتعلق بكسرها أي جميع ما وجب الإيمان به، والبراهين الدالة على حقيقة الإيمان ستة لأن الإيمان الذي هو التصديق القلبي يتعلق بمعنى يتمسك بذلك، فالإيمان لغة مطلق التصديق سواء كان بما جاء به النبي أو بغيره، وشرعاً التصديق بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلّم مما علم من الدين بالضرورة لا مطلقاً، ومعنى التصديق هو حديث النفس التابع للجزم سواء كان الجزم عن دليل ويسمى معرفة أو عن تقليد، ومعنى حديث النفس أن تقول تلك النفس أي القلب: رضيت بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلّم.
[غرة]

مراتب الإيمان خمسة

أولها: إيمان تقليد وهو الجزم بقول الغير من غير أن يعرف دليلاً وهو يصح إيمانه مع العصيان بتركه النظر أي الاستدلال إن كان قادراً على الدليل. ثانيها: إيمان علم وهو معرفة العقائد بأدلتها وهذا من علم اليقين وكلا القسمين صاحبهما محجوب عن ذات الله تعالى. ثالثها: إيمان عيان وهو معرفة الله بمراقبة القلب فلا يغيب ربه عن خاطره طرفة عين بل هيبته دائماً في قلبه كأنه يراه وهو مقام المراقبة ويسمى عين اليقين. رابعها: إيمان حق وهو رؤية الله تعالى بقلبه وهو معنى قولهم العارف يرى ربه في كل شيء وهو مقام المشاهدة ويسمى حق اليقين وصاحبه محجوب عن الحوادث. وخامسها: إيمان حقيقة وهو الفناء بالله والسكر بحبه فلا يشهد إلا إياه كمن
غرق في بحر ولم ير له ساحلاً، والواجب على الشخص أحد القسمين الأولين، وأما الثلاثة الأخر فعلوم ربانية يخص بها من يشاء من عباده.

الإيمان بالله

أحدها: (أن تؤمن بالله) بأن تعتقد على التفصيل أن الله تعالى موجود قديم باق مخالف للحوادث مستغن عن كل شيء واحد قادر مريد عالم سميع بصير متكلم وعلى الإجمال أن لله كمالات لا تتناهى، واعلم أن الموجودات بالنسبة للاستغناء عن المحل والمخصص وعدمه أربعة: الأول ما لا يفتقر لهما معاً وهو ذات الله. الثاني: عكسه وهو صفات الحوادث. الثالث: ما يقوم بمحل دون المخصص وهو صفة الباري أي الذي يخلق الخلق ويظهرهم من العدم. الرابع: عكسه وهو ذات المخلوقين.

[فائدة] من ترك أربع كلمات كمل إيمانه أين وكيف ومتى وكم فإن قال لك قائل: أين الله؟ فجوابه ليس في مكان ولا يمر عليه زمان. وإن قال لك: كيف الله؟ فقل: ليس كمثله شيء. وإن قال لك: متى الله؟ فقل له: أول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء. وإن قال لك قائل: كم الله؟ فقل له: واحد لا من قلة قل هو الله أحد.

الإيمان بملائكته

(و) ثانيها: أن تؤمن (بملائكته) بأن تعتقد أنهم أجسام نورانية لطيفة ليسوا ذكوراً ولا إناثاً ولا خناثى لا أب لهم ولا أم لهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون ولا يتوالدون ولا ينامون ولا تكتب أعمالهم لأنهم الكتاب، ولا يحاسبون لأنهم الحساب، ولا توزن أعمالهم لأنهم لا سيئات لهم ويحشرون مع الجن والإنس يشفعون في عصاة بني آدم ويراهم المؤمنون في الجنة ويدخلون الجنة ويتناولون النعمة فيها بما شاء الله، لكن قال أحمد السحيمي: وجاء عن مجاهد ما يقتضي أنهم لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ينكحون وأنهم يكونون كما كانوا في الدنيا وهذا يقتضي أن الحور والولدان كذلك اهـ. ويموتون بالنفخة الأولى إلا حملة العرش والرؤساء الأربعة فإنهم يموتون بعدها أما قبلها فلا يموت أحد منهم، فيجب الإيمان بأنهم بالغون في الكثرة إلى حد لا يعلمه إلا الله تعالى على الإجمال إلا من ورد تعيينه باسمه المخصوص أو نوعه فيجب الإيمان بهم تفصيلاً. فالأول: كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ومنكر ونكير ورضوان ومالك ورقيب وعتيد ورومان. والثاني: كحملة العرش والحفظة والكتبة، قال أحمد القليوبي: واعلم أن جبريل أفضل الملائكة مطلقاً حتى من إسرافيل على الأصح، قال الجلال السيوطي: وإنه يحضر موت من يموت على وضوء.

قال بعضهم: وأفضل الملائكة جبريل ثم إسرافيل وقيل عكسه ثم مكيائيل ثم ملك الموت وقال الفخر الرازي: أفضل الملائكة مطلقاً حملة العرش والحافظون به ثم جبريل ثم إسرافيل ثم ميكائيل ثم ملك الموت ثم ملائكة الجنة فملائكة النار ثم الموكلون بأولاد آدم ثم الموكلون بأطراف العالم وقال الغزالي: أقرب العباد إلى الله تعالى وأعلاهم درجة إسرافيل ثم بقية الملائكة ثم الأنبياء ثم العلماء العاملون ثم السلاطين العادلون ثم الصالحون انتهى. وأنت خبير بأنه لا يلزم من القرب التفضيل فالوجه تقديم جبريل على إسرافيل انتهى قول القليوبي.

الإيمان بكتبه

(و) ثالثها: أن تؤمن ب (كتبه) معنى الإيمان بالكتب التصديق بأنها كلام الله المنزل على رسله عليهم الصلاة والسلام وكل ما تضمنته حق ونزولها بأن كانت مكتوبة على الألواح كالتوراة أو مسموعة من السمع بالمشاهدة كما في ليلة المعراج أو من وراء حجاب كما وقع لموسى في الطور، أو من ملك مشاهد كما روي أن اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبياً كما كلمه موسى، ونظر إليه فقال: لم ينظر موسى إلى الله فنزل: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء} ((42) الشورى:51) قال السحيمي في تفسير ذلك: أي ما صح لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه وحياً أي كلاماً خفيّاً يدرك بسرعة كما سمع إبراهيم في المنام أن الله يأمرك بذبح ولدك، وكما ألهمت أم موسى أن تقذفه في البحر أو من وراء حجاب أو أن يرسل رسولاً أي ملكاً جبريل فيكلم الرسول أي المرسل إليه بأمر ربه ما يشاء


[فرع] قال سليمان الجمل وعن الحرثبن هشام أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلّم كيف يأتيك الوحي؟ فقال صلى الله عليه وسلّم: أحياناً يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول. والجرس بفتح الجيم والراء وهو ما يعلق على عنق الحمار. وقوله: فيفصم عني أي ينفصل عني ويفارقني. وقوله: وعيت من باب وعى أي حفظت ما قال، والمراد بالكتب ما يشمل الصحف وقد اشتهر أنها مائة وأربعة وقيل إنها مائة وأربعة عشر. وقال السحيمي: والحق عدم حصر الكتب في عدد معين فلا يقال إنها مائة وأربعة فقط لأنك إذا تتبعت أي فتشت الروايات تجدها تبلغ أربعة وثمانين ومائة فيجب اعتقاد أن الله أنزل كتباً من السماء على الإجمال، لكن يجب معرفة الكتب الأربعة تفصيلاً وهي التوراة لسيدنا موسى والزبور لسيدنا داود والإنجيل لسيدنا عيسى والفرقان لخير الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم وعليهم أجمعين.



[تتميم] روي من حديث أبي ذر قال: قلت يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت كلها أمثالاً منها: أيها الملك المسلط المبتلي المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر. ومنها: وعلى العاقل أن يكون له ساعة يناجي فيها ربه عز وجل وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر فيها صنْع الله تعالى وساعة يخلو أي يتجرد فيها لحاجته من المطعم والمشرب. ومنها: وعلى العاقل أن لا يكون طامعاً أي مؤملاً إلا في ثلاث تزود لمعاد ومرمة لمعاشٍ ولذة في غير محرم. قوله مرمة بفتحات وتشديد الميم أي إصلاح. ومنها: وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شانه حافظاً للسانه ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه بفتح أوله من باب رمى أي ما تتعلق عنايته به كما قال ابن حجر في فتح المبين. قال أبو ذر أيضاً: قلت يا رسول الله فما كانت صحف موسى؟ قال: كانت كلها عبراً بكسر العين وفتح الباء جمع عبرة بسكونها مثل سدر، وسدرة أي مواعظ.

ومنها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم يتعب وفي نسخة: كيف يغضب، عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل. وفي التوراة: يا ابن آدم لا تخف من سلطان ما دام سلطاني باقياً وسلطاني باق لا ينفد أبداً بفتح الفاء وبالدال المهملة أي لا يفنى ولا ينقطع: يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب؛ يا ابن آدم لا تخافن فوات الرزق ما دامت خزائني مملوءة وخزائني لا تنفد أبداً. يا ابن آدم خلقت السموات والأرض ولم أعي بخلقهن أيعييني رغيف واحد أسوقه إليك في كل حين. وقوله أعي مضارع عي بكسر عين الفعل من باب تعب أي ولم أعجز ويعيى بضم حرف المضارعة من أعيا الرباعي: يا ابن آدم كما لا أطالبك بعمل غد فلا تطالبني برزق غد. يا ابن آدم لي عليك فريضة ولك علي رزق، فإن خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك على ما كان منك يا ابن آدم إن رضيت بما قسمته لك أرحت بدنك وقلبك وإن لم ترض بما قسمته لك سلطت عليك الدنيا حتى تركض فيها كركض الوحش في البرية أي الصحراء، وعزتي وجلالي لا ينالك منها إلا ما قسمته لك وأنت عندي مذموم.

الإيمان برسله

(و) رابعها أن تؤمن ب (رسله) وهم أفضل عباد الله قال تعالى: وكلاًّ فضلنا على العالمين} ((6) الأنعام:86) بأن تعتقد ان الله تعالى أرسل للخلق رسلاً رجالاً لا يعلم عددهم إلا الله أولهم آدم وخاتمهم وأفضلهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم وكلهم من نسل آدم عليه السلام، وأنهم صادقون في جميع أقوالهم في دعوى الرسالة وفيما بلغوه عن الله تعالى، وفي الكلام العرفي نحو: أكلت شربت، وأنهم معصومون من الوقوع في محرم أو مكروه، وأنهم مبلغون ما أمروا بتبليغه للخلق وإن لم يكن أحكاماً، وأنهم حاذقون بحيث يكون فيهم قدرة على إلزام الخصوم ومحاججتهم وإبطال دعاويهم، فهذه الصفات الأربعة تجب للمرسلين. وأما الأنبياء غير المرسلين فلا يكونون مبلغين وإنما يجب عليهم أن يبلغوا الناس أنهم أنبياء ليحترموا والصحيح فيهم الإمساك عن حصرهم في عدد لأنه ربما أدى إلى إثبات النبوة والرسالة لمن ليس كذلك في الواقع، أو إلى نفي ذلك عمن هو كذلك في الواقع، فيجب التصديق بأن لله رسلاً وأنبياء على الإجمال. قال السحيمي: نعم يجب على المؤمن أن يعلم ويعلم صبيانه ونساءه وخدمه أسماء الرسل المذكورين في القرآن حق يؤمنوا به ويصدقوا بجميعهم تفصيلاً، وإن لا يظنوا أن الواجب عليهم الإيمان بمحمد فقط فإن الإيمان بجميع الأنبياء سواء ذكر اسمهم في القرآن أو لم يذكر واجب على كل مكلف وهم أي المذكورون في القرآن ستة وعشرون أو خمسة وعشرون ونظمتها فقلت:

أسماء رسل بقرآن عليك تجب >< كآدم زكريا بعد يونسهم نوح وإدريس إبراهيم واليسع >< إسحاق يعقوب إسماعيل صالحهم أيوب هارون موسى مع شعيبهم >< داود هود عزير ثم يوسفهم لوط والياس ذي الكفل أو اتحدا >< يحيى سليمان عيسى مع محمدهم هذا من بحر البسيط، ومعنى اتحدا أن ذا الكفل قيل هو الياس وقيل يوشع وقيل زكريا وقيل حزقيل ابن العجوز لأن أمه كانت عجوزاً فسألت الله الولد بعد كبرها فوهب لها حزقيل اهـ. قول السحيمي: وقال صاحب بدء الخلق قال وهب: بشربن أيوب يسمى ذا الكفل كان مقيماً بالشام مدة عمره حتى مات وكان عمره خمساً وسبعين سنة وكان قبل شعيب انتهى. وأولو العزم منهم خمسة فيجب أن يعلم ترتيبهم في الأفضلية لأنهم ليسوا في مرتبة واحدة، والمراد من العزم هنا الصبر وتحمل المشاق أو الجزم كما فسره به ابن عباس في الآية، فأفضلهم سيدنا محمد فسيدنا إبراهيم فسيدنا موسى فسيدنا عيسى فسيدنا نوح صلوات الله وسلامه عليهم أجميعن، ويليهم في الأفضلية بقية الرسل ثم بقية الأنبياء وهم متفاوتون فيما بينهم عند الله لكن يمتنع التعيين علينا على تفاوتهم لأن لم يرد فيه تعليم ثم رؤساء الملائكة كجبريل ونحوه ثم الأولياء خصوصاً سيدنا أبا بكر وبقية الصحابة لحديث: "إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين ثم عوام الملائكة ثم عوام البشر" [إيضاح] قال الفشني: وقدمت الملائكة على الرسل في الذكر اتباعاً للترتيب الوجودي فإن الملائكة مقدمة في الخلق أو للترتيب الواقع في تحقيق معنى الرسالة فإن الله تعالى أرسل الملائكة إلى الرسل.
الإيمان باليوم الآخر

(و) خامسها أن تؤمن (باليوم الآخر) بأن تصدق بوجوده وبجميع ما اشتمل عليه كالحشر والحساب، والجزاء والجنة والنار، سمي بذلك لأنه لا ليل بعده ولا نهار، ولا يقال يوم بلا تقييد إلا لما يعقبه ليل أو لأنه آخر الأوقات المحدودة أي آخر أيام الدنيا فليس بعده يوم آخر، أو لتأخره عن الأيام المنقضية من أيام الدنيا وأوله من النفخة الثانية إلى ما لا يتناهى وهو الحق، وقيل إلى استقرار الخلق في الدارين الجنة والنار، فصدره من الدنيا وآخره من الآخرة وهو يوم القيامة، وسمي بذلك لقيام الموتى فيه من قبورهم والقبر من الدنيا وقيل: فاصل بين الدنيا والآخرة، وقيل: أوله من موت الميت فالقبر من الآخرة ولذا يقولون: من مات قامت قيامته أي الصغرى، وسمي قيامه على هذا القيام الميت فيه من الاضطجاع إلى القعود لسؤال الملكين ثم ضم القبر عليه فأشبه يوم القيامة الكبرى. وقال الزمخشري: أوله من وقت الحشر إلى ما لا يتناهى أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ومقداره بالنسبة إلى الكفار خمسون ألف سنة لشدة أهواله وهو أخف من صلاة مكتوبة في الدنيا بالنسبة إلى المؤمن الصالح ويتوسط على عصاة المؤمنين، وقيل يوم القيامة فيه خمسون موطناً كل موطن ألف سنة نسأل الله تعالى أن يخففه علينا بمنه وفضله حكاه السحيمي والفشني.

الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى

(و) سادسها: أن تؤمن (بالقدر خيره وشره من الله تعالى) قال الفشني: ومعنى الإيمان به أن تعتقد أن الله تعالى قدر الخير والشر قبل خلق الخلق وأن جميع الكائنات بقضاء الله وقدره وهو مريد لها، ويكفي اعتقاد جازم بذلك من غير نصب برهان، وقال السيد عبد الله المرغني: والإيمان بالقدر هو التصديق بأن ما كان وما يكون بتقدير من يقول للشيء كن فيكون خيراً أو شراً نفعاً أو ضراً حلواً أو مراً. وقال صلى الله عليه وسلّم: "كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس" وقال صلى الله عليه وسلّم: "لا يؤمن عبد بالله حتى يؤمن بالقدر خيره وشره" رواه الترمذي. وأما حديث مسلم في دعاء الافتتاح والشر ليس إليك فمعناه ولا شر يتقرب به إليك أو لا يضاف إلى الله تأدباً لأن اللائق نسبة الخير لله والشر للنفس تأدباً، قال الله تعالى: ما أصابك من حسنة فمن الله - أي إيجاداً وخلقاً - وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ((4) النساء:79) أي كسباً لا خلقاً كما يفسره قوله تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} ((42) الشورى:30) لأن القرآن يفسر بعضه من بعض. وأما قوله تعالى: قل كل من عند الله} ((4) النساء:78) فرجوع للحقيقة وانظر إلى أدب الخضر عليه السلام حيث قال: فأراد ربك أن يبلغا أشدهما} ((18) الكهف:82) وقال: فأردت أن أعيبها} ((18) الكهف:79) وتأمل قول إبراهيم الخليل عليه السلام: الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين} ((26) الشعراء:62) حيث نسب الهداية والإطعام والشفاء لله والمرض لنفسه، فلم يقل أمرضني تأدباً منه عليه السلام وإلا فالكل من أفعال الله تعالى. قال الله تعالى: والله خلقكم وما تعملون} ((37) الصافات:96) أي من خير وشر اختياري واضطراري، وليس للعبد إلا مجرد الميل حالة الاختيار ولذلك طولب بالتوبة والإقلاع والندم واستحق التعزير والحدود والثواب والعقاب وهذا هو الكسب وهو تعلق القدرة الحادثة وقيل هو الإرادة الحادثة.

الإختلاف في معني القضاء والقدر

[فرع] اختلفوا في معنى القضاء والقدر، فالقضاء عند الأشاعرة إرادة الله الأشياء في الأزل على ما هي عليه في غير الأزل، والقدر عندهم إيجاد الله الأشياء على قدر مخصوص على وفق الإرادة فإرادة الله المتعلقة أزلاً بأنك تصير عالماً قضاء وإيجاد العلم فيك بعد وجودك على وفق الإرادة قدر، وأما عند الماتريدية فالقضاء إيجاد الله الأشياء مع زيادة الإتقان على وفق علمه تعالى أي تحديد الله أزلاً كل مخلوق بحده الذي يوجد عليه من حسن وقبح ونفع وضر إلى غير ذلك أي علمه تعالى أزلاً صفات المخلوقات وقيل: القضاء علم الله الأزلي مع تعلقه بالمعلوم، والقدر إيجاد الله الأشياء على وفق العلم، فعلم الله المتعلق أزلاً بأن الشخص يصير عالماً. بعد وجوده قضاء، وإيجاد العلم فيه، بعد وجوده قدر، هذا وقول الأشاعرة هو المشهور، وعلى كل فالقضاء قديم والقدر حادث، بخلاف قول الماتريدية وقيل كل منهما بمعنى إرادته تعالى.

[تفصيل] قال سليمان الجمل كما قاله الفيومي في المصباح: والقدر بالفتح لا غير ما يقدره الله تعالى من القضاء والقدر بسكون الدال وفتحها هو المقدار والمثل يقال هذا قدر هذا أي يماثله، وأما القدر في قوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر} ((97) القدر:1) فالمعنى ليلة التقدير سميت بذلك لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السنة القابلة من أمر الموت والأجل والرزق وغير ذلك ويسلمه إلى مدبرات الأمور وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل وميكائيل وعزرائيل وجبريل عليهم السلام. وقال مجاهد ليلة الحكم وقيل ليلة الشرف والعظم، وقيل ليلة الضيق لضيق القضاء بازدحام الملائكة فيها. وعن ابن عباس أن الله يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان ويسلمها إلى أربابها ليلة القدر، هذا وليس المراد أن تقدير الله لا يحدث إلا في تلك الليلة لأنه تعالى قدر المقادير في الأزل قبل خلق السموات والأرض بل المراد إظهار تلك المقادير للملائكة.

حديث جبريل وشرحه

[تنبيه] إنما أتى المصنف أولاً بذكر أركان الإسلام والإيمان لأنه عظيم الموقع وقد اشتمل على جميع وظائف العبادات الظاهرة، والباطنة، قال الجفري: ويقبح بالعاقل أن يسأل عن أركان الإسلام والإيمان فلا يرد جواباً وهو يزعم أنه مسلم ومؤمن انتهى، وهو مأخوذ من حديث سيدنا جبريل عليه السلام كما في الأربعين للنووي، قال رحمه الله تعالى عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال: صدقت، فتعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان ثم انطلق فلبث ملياً ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" رواه مسلم.

قوله: "ووضع كفيه على فخذيه" أي وضع الرجُل كفيه على فخذيه صلى الله عليه وسلّم وفعل ذلك للاستئناس باعتبار ما بينهما من الأنس في الأصل حين يأتيه بالوحي وقد جاء مصرحاً بهذا في رواية النسائي من حديث أبي هريرة وأبي ذر حيث قال: وضع يديه على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلّم. قوله: فأخبرني عن الإحسان، يعني به الإخلاص ويجوز أن يعني به إجادة العمل وهذا التفسير أخص من الأول. قوله: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلّم لأنه شمل مقام المشاهدة ومقام المراقبة. بيان ذلك وإيضاحه أن للعبد في عبادته ثلاثة مقامات: الأول أن يفعلها على الوجه الذي يسقط معه طلب الشرع بأن تكون مستوفية الشروط والأركان. الثاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحر المكاشفة حتى كأنه يرى الله تعالى وهذا مقامه صلى الله عليه وسلّم كما قال صلى الله عليه وسلّم: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" الثالث: أن يفعلها كذلك وقد غلب عليه أن الله تعالى يشاهده وهذا هو مقام المراقبة. فقوله: فإن لم تكن تراه، نزول عن مقام المكاشفة إلى مقام المراقبة أي إن لم تعبده وأنت من أهل الرؤية فاعبده وأنت بحيث تعتقد أنه يراك فكل من المقامات الثلاثة إحسان إلا أن الإحسان الذي هو شرط في صحة العبادة إنما هو الأول لأن الإحسان الذي هو في الأخيرين من صفة الخواص ويتعذر من كثير. قوله: فأخبرني عن الساعة، أي عن وقت القيامة. قوله: ما المسؤول عنها، أي عن وقتها. قوله: بأعلم من السائل، أي أنت لا تعلمها وأنا لا أعلمها فالمراد التساوي في نفي العلم بوقتها لا التساوي في العلم بوقتها.

قوله: عن أماراتها، بفتح الهمزة أي علاماتها كما قال في المصباح الأمارة العلامة وزناً ومعنى، وأما الإمارة بكسر الهمزة فهي الولاية والإمامة والمراد علاماتها السابقة عليها ومقدماتها لا المقارنة المضايقة لها كطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة فلذا قال: أن تلد الأمة ربتها وفي رواية ربها. واختلف في معناها على أقوال أصحها أنه إخبار عن كثرة السراري وأولادهن وأن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها لأن مال الإنسان صائر إلى ولده، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف المالكين إما بالإذن أو بقربته الحال أو عرف الاستعمال، وعبر بعضهم بأن يستولي المسلمون على بلاد الكفار فتكثر السراري فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه. ثانيها: أن معناها أن الإماء تلد الملوك فتكون أمه من جملة رعيته إذ هو سيدها. ثالثها: أن معناه أن تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها من غير علم أنها أمه ومن ذلك يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه بما يعامل السيد أمته من الإهانة والسب. قوله: وأن ترى الحفاة، بضم الحاء المهملة جمع حاف هو من لا نعل في رجله. قوله: العراة، جمع عار وهو من لا شيء على جسده. قوله: العالة، بفتح اللام المخففة جمع عائل والعالة هي في تقدير فعلة مثل كافر وكفرة معناه الفقراء. قوله: رعاء الشاة، بكسر الراء والمد جمع راع وأما بالضم فلا بد من التاء المربوطة مثل قاض وقضاة كما في المصباح وأصل الرعي الحفظ والشاء بالهمزة الغنم جمع شاة وهو من الجموع التي يفرق بينها وبين واحدها بالهاء، وتجمع أيضاً على شياه بالهاء وخصهم بالذكر لأنهم أهل البادية.

قوله: يتطاولون في البنيان، أي يتباهون في ارتفاعه والقصد من الحديث الإخبار عن تبديل الحال وتغيره بأن يستولي أهل البادية والفاقة الذين هذه صفاتهم على أهل الحاضرة ويتملكون بالقهر والغلبة فتكثر أموالهم وتتسع في الحطام أي في الفانية وهي المتاع الكثير الهمة فتصرف هممهم إلى تشييد البنيان أي تطويله ورفعه بالجص، والهمة بالكسر أول العزم وقد يطلق على العزم القوي كما في المصباح. قوله: ثم انطلق، أي الرجل السائل عما ذكر. وقوله: فلبث أي النبي صلى الله عليه وسلّم أي استمر ساكتاً عن الكلام في هذه القضية، وجاء في رواية فلبثت بتاء مضمومة فيكون عمر هو المخبر بذلك عن نفسه. قوله: مليّاً، بتشديد الياء أي زماناً كثيراً وكان ذلك الزمان ثلاثاً كما جاء في رواية أبي داود والترمذي وغيرهما. قوله: ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم، أي قواعد دينكم ففيه أن الدين اسم للثلاثة الإسلام والإيمان والإحسان وفهم منه أنه يستحب للمعلم تنبيه تلامذته وللرئيس تنبيه أتباعه على قواعد العلم وغرائب الوقائع طلباً لنفعهم وفائدتهم قاله الفشني.


EmoticonEmoticon