Friday, May 24, 2013

فرائض وأركان الوضوء

Tags

فرائض وأركان  الوضوء


فرائض الوضوء
كتاب الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري

محتويات

فرائض الوضوء

* الفرض: معناه في اللغة القطع. والحز، تقول فرضت الحبل، إذا قطعته، وفرضت الخشبة إذا حززتها، ولم تكمل قطعها، وأما معناه في الشرع فهو ما أثيب فاعله، وعوقب تاركه، ثم إن الفقهاء قد اصطلحوا على الفرض مساو للركن، فركن الشيء وفرضه شيء واحد، وفرقوا بينهما وبين الشرط، بأن الفرض أو الركن ما كان من حقيقة الشيء، والشرط ما توقف عليه وجود الشيء، ولم يكن من حقيقته، مثلاً الصلاة من فرائضها التكبيرة، والركوع، والسجود، الخ، ومن شروط صحتها دخول الوقت، فإذا صلى قبل الوقت فإنه يكون قد أتى بحقيقة الصلاة، ولكنها تكون باطلة في نظر، الشريعة، لأن شرط لها دخول الوقت، كما ستعرفه في "مباحث الصلاة". وبعد: فإن فرائض الوضوء قد اختلف في عدها أئمة المذاهب الأربعة، ولكن الثابت بكتاب اللّه تعالى أربعة:

أحدها: غسل الوجه؛ ثانيها: غسل اليدين إلى المرفقين: ثالثها: مسح الرأس كلاًّ، أو بعضاً، رابعها: غسل الرجلين إلى الكعبين، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} وهذا القدر متفق عليه بين الأئمة الأربعة، ولم يختلفوا إلا في كيفية مسح الرأس، فمنهم من قال تمسح كلها، ومنهم من قال يمسح بعضها؛ كما ستعرفه؛ وقد زاد بعض الأئمة فرائض على هذه الأربعة دون بعض؛ فلنذكر لك فرائض الوضوء مجتمعة في كل مذهب على حدة، كي لا تتفرق المسائل؛ فيتعذر تحصيلها؛ ثم ننبه على القدر المتفق عليه؛ كما هو موضح، تحت الجدول الذي أمامك (الحنفية قالوا: إن فرائض الوضوء مقصورة على هذه الأربعة، بحيث لو فعلها المكلف بدون زيادة عليها، فإنه يكون متوضئاً، تصح منه الصلاة وغيرها مما يتوقف على الوضوء؛ كمس مصحف وستعلم حكم تارك السنة في "مبحث سنن الوضوء".

فرائض الوضوء عند الحنفية

وإليك بيان فرائض الوضوء الأربعة عن الحنفية، الأول: غسل الوجه ويتعلق به أمور:

أحدها: بيان حده طولاً وعرضاً، ثانيها: بيان ما يجب غسله مما ينبت عليه من شعر الذقن والشارب والحاجبين؛ ثالثها: بيان ما يجب غسله من العينين ظاهراً وباطناً؛ وما لا يجب؛ رابعها بيان ما يجب غسله من طاقة الأنف؛ فأما حد الوجه طولاً، لمن لا لحية له فهو يبتدئ من منابت شعر الرأس المعتاد؛ إلى منتهى الذقن؛ ومنابت الشعر المعتاد من فوق الجبهة ويسميها العامة - القورة - فالرجل العادي يبتدئ وجهه من أول الشعر النابت في نهاية جبهته؛ وأما غير العادي فلا يخلو حاله، إما أن يكون أصلع؛ أو يكون أفرع - بالفاء، لا بالقاف - فالأصلع هو الذي ذهب شعرَّ رأسه من أمام، حتى كانه خلق بدون شعر، وحكم هذا أنه لا يجب عليه أن يغسل كل ما ليس عليه شعر من الصلع؛ وإنما يغسل القدر الذي ينبت عنده شعر الرأس غالباً، وهو ما فوق الجبهة بيسير، وأما الأفرع وهو الذي طال شعره؛ حتى نزل على جبهته؛ وربما وصل عند بعض الناس إلى قرب حاجبيه؛ ويعبر عنه بعضهم - بالأغم - فإن حكمه في ذلك كالأصلع، بمعنى أنه يجب عليه غسل ما فوق الجبهة بيسير؛ لأن غالب الناس ينبت شعر رأسهم في هذا المكان، والمعول عليه في مثل هذا اتباع الغالب، فمن شذ عن غالب الناس في الخلقة، فإنه لا يكلف بغير تكليفهم أما حد الوجه عرضاً، فإنه يبتدئ من أصل الأذن إلى أصل الأذن الأخرى، ويعبر عنه بعضهم بوتد الأذن، فالبياض الموجود بين الذقن وبين الأذن داخل في الوجه طبعاً، فيجب غسله عندهم، فهذا حد الوجه عند الحنفية طولاً وعرضاً.

أما الشعر الثابت في الوجه، فأهمه شعر اللحية، وشعر الشارب، فأما حكم شعر اللحية، فإنه يجب أن يغسل منها ما كان على جلد الوجه من أعلاه إلى نهاية جلد الذقن، وتسمى - البشرة - وما طال عن ذلك، فإنه لا يجب غسله، فالناس الذين يطيلون لحاهم لا يجب عليهم إلا غسل الشعر الذي على جلد الوجه، والشعر الذي على ظاهر جلد الذقن، أما ما عدا ذلك فإنه لا يجب غسله، ثم إن كان الشعر خفيفاً يمكن أن ينفذ الماء منه إلى ظاهر جلد الوجه،

فبعضهم قال: إن كان كثيفاً غزيراً - لا يصل الماء إلى ما تحته من الجلد، فإن الوضوء يبطل، وبعضهم قال: لا يبطل الوضوء بذلك، بل يكتفي بغسل ظاهره كاللحية، وهذا هو الذي عليه الفتوى في الوضوء، أما في الغسل، فإنه لا يغتفر ذلك، بل يبطل الغسل إذا كان الشارب كثيفاً، ولعل علة ذلك، أن الشارع قد نهى عن إطالته، لما يحمل من أقذار الطعام ونحوها، فشدد في غسله، كي لا يطيله الناس بدون اية فائدة.
هذا، وبقي من شعر الذي ينبت على الحاجبين، وحكمه أنه إن كان خفيفاً يمكن أن ينفذ منه الماء إلى ظاهر الجلد، فإنه يجب تحريكه، كي ينفذ الماء إلى ما تحته، وإن كان غزيراً، فإنه لا يجب تخليله.
وأما الأنف، فإنه يجب عليه غسل ظاهرها كلها، لأنها من الوجه. فإذا ترك جزءاً منها، ولو صغيراً، فسد وضوءه، ومن الأنف القطعة الحاجزة بين طاقتيها من أسفلها، أما غسل باطن الأنف، فإنه ليس بفرض عند الحنفية، نعم إذا كان بالوجه جرح أحدث أثراً غائراً، فإنه يجب إيصال الماء إليه كما يجب إيصال الماء إلى ما بين تكاميش الوجه، ويعبر عنها العامة - بالكراميش - فيقولون: إن وجه فلان كرمش.
هذا، وإذا توضأ ثم حلق شعر لحيته، أو شعر رأسه، فإن وضوءه لا يبطل ذلك.

الثاني: من فرائض الوضوء غسل اليدين مع المرفقين، والمرفق عظم المفصل البارز في نهاية الذراع، ويتعلق بهذا الفرض مباحث: أحدها: إذا كان للإنسان إصبع زائدة فإنه يجب غسله أما إذا كان له يد زائدة، فإن كانت محاذية ليده الأصلية، فإنه يجب عليه غسلها، وإن كانت طويلة عنها، فإنه يجب عليه أن يغسل منها المحاذي لليد الأصلية، وأما الزائد عنها فلا يجب عليه غسله، ولكنه يندب أن يغسله، ثانيها: إذا لصق بيده، أو بأصل ظفره طين أو عجين، فإنه يجب عليه إزالته، وإيصال الماء إلى أصل الظفر، وإلا بطل وضوءه، وأصل الظفر هو القدر الملصق بلحم الإصبع، فإن طال الظفر نفسه حتى خرج عن رأس الإصبع فإنه يجب غسله، وإلا بطل الوضوء، أما ما تحت الظفر من درن ووسخ "فإن المفتي به أنه لا يضر، سواء كان المتوضئ قاطنياً بمدينة أو قرية؛ دفعاً للمشقة والحرج، ولكن بعض محققي الحنفية يرى ضرورة غسل الأوساخ اللاصقة بباطن الظفر من الأذى، على أنهم اغتفروا للخباز الذي تطول أظفاره، فيبقى تحتها شيء من العجين لضرورة المهنة، ولا يضر أثر الحناء، وأثر الصباغة؛ وأما نفس جرم الحناء المتجسد على اليد، فإنه يضر، لأنه يمنع من وصول الماء إلى البشرة، ومن قطع بعض يده، وجب عليه أن يغسل ما بقي، وإذا قطع محل الفرض كله، سقط الغسل،

الثالث: غسل الرجلين مع الكعبين، وهما العظمان البارزان في أسفل الساق، فوق القدم، ويجب عليه أن يتعهد عقبيه بالغسل بالماء، كما يجب عليه أن يتعهد الشقوق التي تكون في باطن القدم، فإذا قطع قدمه كله أو بعضه، كان حكمه حكم قطع الذراع المتقدم، وإذا دهن رجليه، أو ذراعيه، ثم توضأ فتقطع الماء، ولم يقبله العضو بسبب الدسومة، فإنه لا يضر، وإذا كان برجله شق، فوضع فيه مرهماً، أو نحوه، فإن كان يضره إيصال الماء إلى ما تحت المرهم، فإنه لا يجب عليه غسله، وإلا وجب عليه أن ينزعه، ويغسل ما تحته، وإذا كان برجله شقوق - تقشف - ونحوه، بحيث يضرها الغسل، أو وضعها في الماء وإخراجها سريعاً بدون ذلك، فإنه يسقط عنه فرض غسلها، وعليه أن يمسحها بالماء، فإن عجز عن مسحها سقط عنه المسح أيضاً، فلا يجب عليه إلا غسل ما لا يتضرر من غسله،

الرابع: من فرائض الوضوء، مسح ربع الرأس، ويقدرون ربع الرأس بكف، فالواجب أن يمسح من رأسه بقدر الكف كلها، فلو أصاب الماء كف يده، ثم وضعها على رأسه، من خلف، أو أمام، أو أي ناحية فإنه يجزئه، على أنه لا يلزم أن يكون المسح بنفس الكف، فلو أصاب الماء ربع رأسه بأي سبب، فإنه يكفي ويشترط للمسح باليد أن يكون بثلاث أصابع، على الأقل، لأجل أن يصيب الماء ربع الرأس قبل أن يجف، إذ لو مسح بأصبعين فقط ربما يجف الماء قبل تحريكهما؛ لمسح باقي الربع؛ فلا يصل الماء إلى القدر المطلوب مسحه، فإذا مسح برؤوس الأصابع، وكان الماء متقاطراً، يمكن أن يصل إلى القدر المطلوب مسحه، فإنه يصح، وإلا فلا، على أن لا يشترط أن يمسْح رأسه بماء جديد، فلو كانت يده مبلولة، فإنه يجزئه، ولا يجزئه أن يأخذ البلل من على عضو من أعضائه، فلو غسل ذراعه، وكانت يده جافة، فأخذ البلل من على ذراعه ومسح به، فإنه لا يكفي؛ ومن كان شعر رأسه طويلاً نازلاً على جبهته، أو عنقه، فمسح عليه. فإنه لا يجزئه، لأن الغرض هو أن يمسح نفس ربع الرأس، فإن كانت محلوقة. فالأمر ظاهر، وإن كان عليها شعر، فإنه يجب عليه أن يمسح على الشعر النابت في نفس الرأس، فلا بد أن يكون الشعر الممسوح نابتاً على جزء من رأسه، فإن كان بعض رأسه محلوقاً، وبعضها غير محلوق، فإنه يصح أن يمسح على الربع الذي يختاره، وإذا مسح على الشعر، ثم حلقه فإن وضوءه لا يبطل، وإذا أخذ قطعة من الثلج، فمسح بها رأسه، أجزأه، وإذا غسل رأسه مع وجهه، أجزأه عن المسح، ولكنه يكره، ولا يجوز المسح على العمامة ونحوهما إلا للمعذور، كما لا يصح أن تمسح المرأة على ما يغطي رأسها من - منديل، أو طرحة - أو نحو ذلك، إلا إذا كان خفيفاً، ينفذ منه الماء إلى الشعر، وإذا كان على رأسها خضاب - حناء، أو صبغ - فمسحت عليه، فإذا تلون الماء بلون الصبغ، وخرج عن حكم الماء المتقدم، فإنه لا يصح، وإلا جاز. فهذه هي فرائض الوضوء عند الحنفية، وما عداها، فإنه سنة، وسيأتيك بيانه قريباً.

فرائض الوضوء عند المالكية

المالكية قالوا: فرائض الوضوء سبعة:
الفرض الأول: النية، ويتعلق بها مباحث: 1 - تعريفها وكيفيتها. 2 - زمنها، ومحلها. 3 - شروطها. 4 - مبطلاتها، فأما تعريفها، وكيفيتها، فهي قصد الفعل، وإرادته، فمن قصد فعل أمر من الأمور، فإنه يقال له: نوى ذلك الفعل، وكيفيتها في الوضوء هي أن يريد المحدث استباحة ما منعه الحدث الأصغر، أو يقصد أداء فرض الوضوء، أو يقصد رفع الحدث، وظاهر أن محل القصد إنما هو القلب، فمتى قصد الوضوء بكيفية من الكيفيات المذكورة، فقد نوة، ولا يشترط أن يتلفظ بلسانه، كما لا يشترط استحضار النية، إلى آخر الوضوء، فلو ذهل عنها في أثنائه، فإنها لا تبطل، وأما زمن النية فهو في أول الوضوء، فلو غسل بعض الأعضاء بدون نية، فإن وضوءه يبطل، ويغتفر تقدمها على الفعل بزمن يسير عرفاً، فلو جلس للوضوء ونواه، ثم جاء الخادم بافبريق، وصب على يديه، ولم ينو بعد ذلك، فإن وضوءه يصح، لأنه لم يفصل بين وضوئه، وبين النية فاصل كثير، وقد عرفت أن محلها القلب، وأما شروطها فهي ثلاثة: الإسلام؛ التمييز؛ الجزم، فإذا نوى غير المسلم فعل عبادة من العبادات، فإن نيته لا تصح، وكذا إذا نوى الصغير الذي لا يميز التكاليف الدينية، ولا يعرف معنى الإسلام، ومثله المجنون، أما الصبي المميز، فإن نيته تصح وكذا إذا تردد في النية، فإنها لا تصح فإذا قال في نفسه: نويت الوضوء إن كنت قد أحدثت، فإن نيته لا تصح، بل لا بد من الجزم بالنية؛ وأما ما يبطل النية، فهو أن يرفضها أثناء وضوئه بمعنى أنه ينوي إبطال الوضوء، وعدم الاعتداد به، أما إذا رفضها بعد تمام الوضوء، فإنه لا يضر، لأن الوضوء بعد تمامه يقع صحيحاً، فلا يبطله إلا ما ينقضه من النواقض الآتي بيانها.

الفرض الثاني: من فرائض الوضوء غسل الوجه، وحد الوجه طولاً وعرضاً، هو الحد الذي ذكره الحنفية، إلا أن المالكية قالوا: إن البياض الذي فوق وتدي الأذنين المتصل بالرأس من أعلى، لا يجب غسله، بل مسحه، لأنه من الرأس لا من الوجه، ومثله شعر الصدغين، فإنه من الرأس لا من الوجه، أما الحنفية فإنهم يقولون: إنه من الوجه، فغسله فرض لا بد منه.
الفرض الثالث: غسل اليدين مع المرفقين، ويجب عندهم ما يجب عند الحنفية من غسل تكاميش الأنامل، وغسل ما تحت الأظافر الطويلة، التي تستر رؤوس الأنامل، ويقولون: إن وسخ الأظفار يعفى عنه، إلا إذا تفاحش وكثر.

الفرض الرابع: مسح جميع الرأس، ويبتدئ حد الرأس من منابت شعر الرأس المعتاد من الأمام، وينتهي إلى نقرة القفا من الخلف، ويدخل فيه شعر الصدغين، والبياض الذي خلفه فوق وتدي الأذنين، كذلك يدخل البياض الذي فوق الأذنين المتصل بالرأس، وإذا طال شعر الرأس كثيراً، أو قليلاً، فإنه يجب مسحه عندهم، وإذا ضفر أحد شعره، فإنه يجب عليه أن ينقضه عندهم، بشرط أن يضفره بثلاثة خيوط. أما إذا ضفره بخيطين فأقل، فإن كان تضفيره شديداً، فإنه يجب نقضه، وإن كان خفيفاً، فإنه لا يضر، وكذا لا يضر إذا ضفر الشعر بلا خيط، سواء شفره بشدة، أو لا. فالشرط في نقض الشعر عند المسح أن يضفره بخيوط. كما يفعل بعض أهل القرى. أما ما هو متعارف عند جمهور المصريين من جمع الشعر بغير تضفير. فإنه لا يضر. كما لا يضر تضفيره بغير خيط. وقد عرفت أن مذهب الحنفية أنه يكتفي بمسح ربع الرأس مطلقاً. وسيأتي مذهب الشافعية. وفيه سعة أكثر من ذلك. فإنه يكتفي عندهم بمسح أي جزء. قليلاً كان أو كثيراً، وإذا غسل رأسه فإنه يكفيه عن مسحها إلا أنه مكروه. لأن اللّه أمر بالمسح لا بالغسل، وإن مسح شعر رأسه ثم أزاله فإنه لا يجب عليه تجديد المسح. حتى ولو كشط الجلد بعد المسح، وهذا متفق عليه أما ظاهر الأذنين فإنه لا يجب مسحهما لأنهما ليستا من الرأس. وهذا متفق عليه إلا سنة الحنابلة فإنهم قالوا: إنهما من الرأس كما ستعرف في مذهبهم.

الفرض الخامس: غسل الرجلين مع الكعبين. وقد عرفت مما ذكر في مذهب الحنفية أن الكعبين هما العظمان البارزان في أسفل ساق الرجل فوق القدم. ويجب عليه أن يغسل الشقوق التي في باطن قدمه وظاهره كما في مذهب الحنفية. وإذا قطع محل الفرض كله سقط التكليف كما تقدم عند الحنفية.

الفرض السادس: الموالاة. ويعبر عنها بالفور. وتعريف الموالاة هو أن المتوضئ يفترض عليه أن يغسل العضو. قبل أن يجف العضو الذي قبله بحيث لا يصبر مدة يجف فيها الأول عد اعتدال المكان والزمان والمزاج. واعتدال المكان هو أن يكون في مكان ليست فيه حرارة، أو برودة شديدتان تجففان الماء واعتدال الزمان هو أن يكون في طبيعة الشخص ما يوجب تجفيف الماء بسرعة هذا، والمالكية يقولون: إن الفور لازم بين جميع الأعضاء، سواء كانت مغسولة، أو ممسوحة، كالرأس، فإنه يجب أن ينتقل من مسحها إلى غسل الرجلين مثلاً على الفور، وتعتبر المسافة في جفافها، كالمسافة التي يجف فيها العضو المغسول، ثم إنه يشترط لفرضية الفور عند المالكية شرطان: الشرط الأول: أن يكون المتوضئ ذاكراً، فلو نسي فغسل يديه قبل وجهه، فإنه يصح؛ ولكنه إذا تذكر يلزمه أن يجدد نية عند تكميله الوضوء، لأن نيته الأولى بطلت بالنسيان؛ الشرط الثاني: أن يكون عاجزاً عن الموالاة، غير مفرط، مثال ذلك: أن يحضر الماء الكافي للوضوء، وهو معتقد أنه يكفيه. ثم ظهر عدم كفايته، فغسل به بعض أعضاء الوضوء، كالوجه واليدين مثلاً، وفرغ الماء واحتاج إلى ماء آخر يكمل به وضوءه فانتظر مسافة جفت فيها الأعضاء التي غسلها، فإنه في هذه الحالة يسقط عنه الفور، وعند حضور الماء يبني على ما فعل فيمسح رأسه، ويغسل رجليه، ولو طال الزمان، أما إذا فرط من أول الأمر، بأن أحضر ماء، وهو يشك في أن يكفي للوضوء. فإنه إذا مت مدة طويلة، بطل وضوءه: أما إذا كانت المدة قصيرة، فإنه لا يبطل، ويبني على ما فعل أولاً.

الفرض السابع: دلك الأعضاء، وهو إمرار اليد على العضو، وهو فرض، كتخليل الشعر، وأصابع اليدين.
وبذلك تعلم أن فرائض الوضوء عند المالكية سبعة: النية؛ غسل الوجه؛ غسل اليدين مع المرفقين؛ مسح جميع الرأس؛ غسل الرجلين مع الكعبين؛ الفور، التدليك، وإنما عدّ التدليك فرضاً، مع كونه داخلاً في حقيقة الغسل عندهم، مبالغة في الحث عليه، ومعنى كونه داخلاً في حقيقة الغسل أن الغسل عند المالكية، ليس هو عبارة عن مجرد صب الماء على الجسد، بل لا بد فيه من الدلك.

فرائض الوضوء عند الشافعية

الشافعية قالوا: فرائض الوضوء ستة:
الفرض الأول: النية، وتعريفها وشرائطها، وباقي مباحثها لا يختلف عما ذكره المالكية قبل هذا، إلا في أمرين: أحدهما أن المالكية قالوا: إنه لا يشترط مقارنة النية لأفعال الوضوء، بل يغتفر أن تتقدم النية على الشروع في الوضوء تقدماً يسيراً في العرف، أما الشافعية فإنهم قالوا: لا بد من مقارنة النية لأول جزء من أجزاء الوضوء، وحيث أن أول فرض من فرائض الوضوء هو غسل الوجه، فلا بد من أن ينوي عند غسل أول جزء من وجهه، فإنه فعل بدون نية بطل وضوءه، وإن نوى عند غسل أول جزء من وجهه، ثم غفل عن النية بعد ذلك أجزأته النية الأولى إذ لا يشترط دوامها حتى يفرغ من غسل جميع الوجه، فإذا نوى عند غسل الكفين، أو المضمضة أو الاستنشاق، فإن النية لا تصح، لأن ذلك الجزء من الوجه، وإذا نوى عند غسل الجزء الظاهر من شفتيه حال المضمضة، فإن النية تصح، لأن ذلك الجزء من الوجه، ثم إن قصد غسله لكونه من الوجه، فلا تلزمه إعادة غسله حال غسل وجهه، أما إذا قصد السنة، فقط أو لم يقصد شيئاً، فإن المعتمد إعادة غسله، فإذا كانت في وجهه جراحة تمنع غسله انتقلت النية إلى غسل الذراعين؛ ثانيهما: أن الشافعية قالوا: إن نية رفع الحدث في الوضوء لا تصح على إطلاقها، كما ذكر المالكية، بل إنما تصح من الصحيح، أما المعذور، كصاحب السلس، فإنه لا بد أن ينوي استباحة الصلاة، أو مس المصحف، أو غير ذلك، مما يتوقف على الوضوء، أو ينوي أداء فرض الوضوء، وذلك لأنه حدثه لا يرتفع بالوضوء، فلو نوى بوضوئه رفع الحدث، لم يرتفع، وإنما أمره الشارع بالوضوء، ليباح له أن يصلي به، أو يفعل به ما يتوقف على الطهارة.

الفرض الثاني: غسل الوجه، وحد الوجه طولاً وعرضاً، هو ما تقدم عند الحنفية، إلا أن الشافعية قالوا: إن ما تحت الذقن يجب غسله؛ وهذا مما انفرد به الشافعية وحدهم، على أن الشافعية وافقوا المالكية، والحنابلة على أن اللحية الطويلة تتبع الوجه، فيفترض غسلها إلى آخرها، خلافاً للحنفية، كما عْرفت، ووافق الشافعية الحنفية، على أن شعر الصدغين والبياض الذي فوق وتدي الأذنين، من الوجه، فيجب غسلهما عندهم بخلاف المالكية، والحنابلة؛ أما تخليل شعر اللحية، فإن الشافعية اتفقوا مع غيرهم من الأئمة على أنه إن كان الشعر خفيفاً بحيث يرى الناظر إليه ما تحته من جلد الوجه - البشرة - فإنه يجب تخليله كي يصل الماء إلى البشرة، وإن كان غزيراً فإنه يجب غسل ظاهره فقط، ويسن تخليله؛ إلا أن المالكية قالوا: إن الشعر الغزير، وإن كان لا يجب تخليله فإنه يجب تحريكه باليد كي يدخل الماء خلال الشعر، وإن لم يصل إلى الجلد، وأما التخليل، فهو غير واجب، فالأئمة متفقون على أن تخليل الشعر الخفيف الذي ينفذ منه الماء إلى الجلد لازم. أما الشعر الغزير، فثلاثة منهم يكتفون بغسل ظاهره. والمالكية يزيدون تحريكه باليد. لا بقصد إيصال الماء إلى الجلد. بل ليغسل من الشعر ما يمكن غسله بسهولة. وغير ذلك خطأ.

الفرض الثالث: غسل اليدين مع المرفقين، وقد اتفق الشافعية مع الحنفية في كل ما تقدم التفصيل، إلا أنهم قالوا: إن الأوساخ التي تحت الأظافر إن منعت من وصول الماء إلى الجلد المحاذي لها من الإصبع، فإنه إزالتها واجبة، ولكن يعفى عن العمال الذين يعملون في الطين ونحوه، بشرط أن لا يكون كثيراً، يلوث رأس الأصبع.

الفرض الرابع: مسح بعض الرأس ولو قليلاً، ولا يشترط أن يكون المسح باليد، فإذا رش الماء على جزء من رأسه أجزأه، وإذا كان على رأسه شعر، فمسح بعضه، فإنه يصح. أما إذا طال شعره، ونزل عن رأسه فمسح جزء من الزائد عن نفس الرأس، فإنه لا يكفي، حتى ولو جمعه وطواه فوق رأسه، فلا بد عندهم من مسح جزء من الشعر الملتصق بنفس الرأس، ثم إنهم قالوا: إذا غسل رأسه بدل مسحها، فإنه يجزئه ذلك، ولكنه خلاف الأولى، فليس بمكروه كما قال غيرهم.

الفرض الخامس: غسل الرجلين من الكعبين، وقد اتفق الشافعية مع الحنفية وغيرهم في الأحكام المتقدمة في غسل الرجلين.
الفرض السادس: الترتيب بين الأعضاء الأربعة المذكورة في القرآن الكريم، فيغسل أولاً وجهه، ثم يديه إلى مرفقيه، ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه إلى الكعبين، فإذا قدم أو أخر واحداً عن الآخر في هذا التريب بطلوضوءه، وقد وافقهم على ذلك الحنابلة، أو المالكية، والحنفية فقالوا: إن الترتيب بين هذه الأعضاء سنة لا فرض.
وبذلك تعلم أن فرائض الوضوء عند الشافعية ستة، وهي: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين مع الكعبين، والترتيب.

فرائض الوضوء عند الحنابلة

الحنابلة قالوا: فرائض الوضوء ستة.
الأول: غسل الوجه، وهم متفقون في حده طولاً وعرضاً، مع المالكية، فقد قالوا: إن شعر الصدغين، والبياض الذي فوق وتدي الأذنين من الرأس لا من الوجه، فالواجب مسحهما لا غسلهما على أنهم خالفوا جميع الأئمة في داخل الفم والأنف، فقالوا: إنهما من الوجه، يفترض غسلهما بالمضمضة والاستنشاق، وكذلك اختلفوا مع سائر الأئمة في النية، فقد قالوا: إنها شرط لصحة الوضوء، فلو لم ينو، لم يصح وضوءه، وإن كانت ليست فرضاً داخلاً في حقيقة الوضوء، وقد عرفت أن المالكية، والشافعية قالوا: إنها فرض، والحنفية قالوا: إنها سنة.

الثاني: غسل اليدين مع المرفقين، فيجب غسل اليد من أولها إلى نهاية عظمه الذراع البارزة كما ذكر الحنفية، وغيرهم ويجب غسل تكاميش الأصابع وغسل ما تحت الأظافر الطويلة، التي تستر رؤوس الأنامل، ويعفى عن وسخ الأظافر إذا كان يسيراً.

الثالث: مسح جميع الرأس، ومنها الأذنان، فيفترض مسحهما مع الرأس، فالحنابلة متفقون مع المالكية على ضرورة مسح جميع الرأس، من منابت شعرها المعتاد، إلى نقرة القفا، وإذا طال شعر الرأس فنزل إلى العنق، أو الكتف، فإنه لا يجب إلا مسح ما حاذى الرأس، أما ما نزل عنها فإنه لا يجب مسحه، خلافاً للمالكية القائلين بضرورة مسح الجميع، وقد خالفوا المالكية أيضاً.
كما خالفوا غيرهم من المذاهب في اعتبار الأذنين جزءاً من الرأس، وغسل الرأس يجزئ عن مسحها، كما قال غيرهم، بشرط إمرار اليد على الرأس، وهو مكروه، كما عرفت.
الفرض الرابع: غسل الرجلين مع الكعبين، وهما العظمان البارزان في أسفل الساق، فوق القدم؛ ويجب فيهما ما تقدم تفصيله في المذاهب الأخرى.

الفرض الخامس: الترتيب، فيجب أن يغسل الوجه قبل الذراعين، ويغسل الذراعين قبل أن يمسح الرأس، ويمسح الرأس قبل أن يغسل الرجلين، فإذا خالف هذا الترتيب بطل وضوءه وهم متفقون في هذا مع الشافعية، فإنك قد عرفت أنهم عدوا الترتيب فرضاً، أما المالكية، والحنفية فإنهم جعلوا الترتيب بين هذه الفرائض سنة، فلو غسل ذراعيه قبل غسل وجهه، أو غسل رجليه قبل غسل يديه، أو نحو ذلك، فإن وضوءه يصح عند المالكية، والحنفية مع الكراهة، ويقع باطلاً بالمرة عند الشافعية، والحنابلة.

الفرض السادس: الموالاة، وقد عرفت بيان الموالاة في مذهب المالكية، ويعبرون عن الموالاة بالفور، وهي أن يغسل العضو قبل أن يجف العضو الذي قبله، وقد عرفت أن للمالكية تفصيلاً في الموالاة، أما الشافعية، والحنفية قالوا: إن الموالاة بين هذه الأعضاء سنة لا فرض فيكره أن يغسل العضو بعد جفاف الماء الذي على العضو الذي قبله، بل السنة أن ينتقل من غسل وجهه مثلاً إلى غسل يديه فوراً، وينتقل إلى مسح رأسه، قبل أن يجف ذراعه، وهكذا، فإذا غسل وجهه؛ ثم انتظر حتى جف الماء الذي غسل به ثم غسل ذراعيه، فإن الوضوء صحيح مع الكراهة، على أن الشافعية قالوا: إن صاحب السلس، والمعذور يجب عليه العذر وسيأتي تفصيل مذهبهم في "سنن الوضوء".
ومجمل فرائض الوضوء عن الحنابلة، هي غسل الوجه، ومنه داخل الفم، والأنف؛ غسل اليدين مع المرفقين؛ مسح جميع الرأس ومنها الأذنان. غسل الرجلين، الترتيب، الموالاة).

خلاصة لما تقدم من فرائض الوضوء

* اتفق الأئمة على الفرائض الأربعة المذكورة في القرآن الكريم، وهي غسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس كلاًّ أو بعضاً، وغسل الرجلين إلى الكعبين، ولم يزد الحنفية عليها شيئاً، خلافاً للأئمة الثلاثة، ثم إنهم اختلفوا في حد الوجه، فقال الشافعية، والمالكية، والحنابلة إنه يبتدئ من منابت شعر الرأس المعتاد، وينتهي إلى آخر الذقن، لمن ليست له لحية؛ وإلى آخر شعر اللحية لمن له لحية، ولو طالت، إلا أن الشافعية قالوا: إن تحت الذقن من الوجه، فيجب غسله، أما الحنفية قالوا: إن حد الوجه من منابت شعر الرأس المعتاد إلى آخر الذقن، ومن كانت له لحية نازلة عن جلد الذقن فإنه لا يجب غسلها، ووافقوا المالكية، والحنابلة على أن ما تحت الذقن لا يجب غسله، واتفق الشافعية والحنفية على أن البياض الذي فوق وتدي الأذنين من الوجه، فيجب غسله، خلافاً للمالكية، والحنابلة، فإنهم قالوا: إن البياض المذكور من الرأس، فيمسح، ولا يغسل.

واتفق الأئمة على أنه إن كان شعر اللحية خفيفاً، بحيث يرى الناظر إليه ما تحته من جلد الوجه فإنه يجب تخليله، كي يصل الماء إلى الجلد - البشرة - وإن كان غزيراً، فإنه يجب غسل ظاهره فقط، ولا يجب تخليل الشعر، بل يسن فقط، إلا أن المالكية قالوا: إن الشعر الغزير وإن كان لا يجب تخليله، ولكن يجب تحريكه باليد، كي يدخل الماء خلال الشعر، وإن لم يصل إلى الجلد، واتفق ثلاثة من الأئمة على أن الأذنين ليستا من الوجه، وخالف الحنابلة، وقالوا: إنهما من الوجه، يجب غسلهما بالماء.
اتفق الحنابلة، والمالكية على أن مسح جميع الرأس فرض، واتفق الحنفية، والشافعية، على أن المفروض مسح بعض الرأس، أما مسح جميعها، فهو سنة. ولكن الشافعية قالوا: المفروض مسح بعض الرأس. ولو يسيراً، أما الحنفية فقالوا: المفروض مسح ربع الرأس. وهو مقدار كف اليد.

واتفق المالكية، والحنفية على أن الترتيب بين أعضاء الوضوء ليس بفرض، بل هو سنة، فيصح غسل اليدين مثلاُ قبل غسل الوجه، وهكذا، وخالف الشافعية، والحنابلة فقالوا: إن الترتيب فرض.
واتفق المالكية والشافعية على أن النية فرض، ولكنهما اختلفوا في وقتها، فقال المالكية: إنها قبل الشروع في الوضوء بزمن يسير عرفاً، أما الشافعية فقالوا: لا بد أن تكون عند البدء في غسل الوجه، أو أول فرض إن تعذر غسل الوجه.
واختلف الحنابلة، والحنفية أيضاً، فقال الحنابلة: إن النية شرط لا فرض، وقال الحنفية: إنها سنة.
واتفق الشافعية، والحنفية على أن الفور - وهو غسل العضو، قبل أن يجف العضو الذي قبله - سنة لا فرض، واتفق المالكية والحنابلة على أنه فرض، وقد عرفت التفصيل الذي ذكره المالكية في ذلك.


EmoticonEmoticon