Wednesday, May 8, 2013

مباحث فرائض الصلاة

Tags

مباحث فرائض الصلاة


مباحث فرائض الصلاة
كتاب الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري

محتويات

مباحث فرائض الصلاة

* يتعلق بفرائض الصلاة أمور: أحدها: بيان معنى الفرض والركن؛ ثانيها: عدّ فرائض الصلاة في كل مذهب. ثالثها: شرح فرائض الصلاة، وبيان المتفق عليه والمختلف فيه؛ رابعها: بيان معنى الواجب، والفرق بينه وبين الفرض والركن، وعد واجبات الصلاة.
هذه الأمور ينبغي معرفتها بدون خلط، ليتيسر للقارئ أن يعرف المذهب الذي يريده؛ ومن شار أن يعرف المتفق عليه والمختلف فيه؛ فإنه يمكنه أن يرجع إلى التفصيل الآتي:

معنى الفرض والركن

* قد ذكرنا معناهما في "مبحث فرائض الوضوء" صحيفة 51، ومجمل القول في ذلك: أن الفرض والركن بمعنى واحد باتفاق، وهو هنا جزء العبادة التي طلبها الشارع، بحيث لا تتحقق الا به، فمعنى فرائض الصلاة أجزاؤها التي لا تتحقق الصلاة الا بها ولا توجد الا بها، بحيث إذا فقد منها جزء لا يقال لها: صلاة، مثلاً إذا قلت: إن تكبيرة الإحرام فرض من فرائض الصلاة، أو ركن، كان معنى هذا أنك إذا لم تأت بتكبيرة الإحرام لا تكون مصلياً، وهذا المعنى يشمل أجزاء الصلاة المفروضة التي يثاب المكلف على فعلها ويعاقب على تركها، كما يشمل أجزاء صلاة التطوع التي لا يؤاخذ المكلف على تركها، فإنها لا يقال لها: صلاة، الا إذا اشتملت على هذه الأجزاء، فهي فرض فيها كغيرها من الصلوات المفروضة بلا فلاق.

فقولهم في تعريف الفرض: هو ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه، خاص بما طلبه الشارع طلباً جازماً، سواء كان جزءاً من شيء، أو كلاً، مثلاً الصلوات الخمس؛ فإن الإتيان بها في أوقاتها فرض يثاب فاعله، ويعاقب تاركه، وقد جعل الشارع لها أجزاء خاصة لا تتحقق الا بها؛ فكل جزء من هذه الأجزاء التي تتوقف عليه الصلاة يقال له: فرض من فرائض الصلاة، كما يقال له: ركن من أركانها؛ أما الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج؛ وأولها شهادة أن لا إله الا اللّه، وأن محمداً رسول اللّه؛ فهذا معنى الركن والفرض بأيضاح.

مبحث عد فرائض الصلاة بمعنى أركانها

* قد عرفت أن المراد بالفرائض ههنا الأجزاء التي إذا فقد منها جزء لم توجد الصلاة رأساً، وإليك بيانها في كل مذهب من المذاهب الأربعة تحت الخط

أركان وفرائض الصلاة عند الحنفية

(الحنفية: قسموا الركن إلى قسمين: ركن أصلي، وركن زائد؛ فالركن الأصلي هو الذي يسقط عند العجز عن فعله سقوطاً تاماً، بحيث لا يطالب المكلف بالإتيان بشيء بدله، وذلك معنى قولهم: الركن الأصلي ما يسقط عن المكلف عند العجز عن فعله بلا خلف، أما الركن الزائد فهو ما يسقط في بعض الحالات، ولو مع القدرة على فعله، وذلك كالقراءة، فإنها عندهم ركن من أركان الصلاة، ومع ذلك فإنها تسقط عن المأموم، لأن الشارع نهاه عنها.

فتحصل من ذلك أن ما يتوقف عليه صحة الصلاة، منه ما هو جزء من أجزائها، وهي الأربعة المذكورة، ويزاد عليه القعود الأخير قدر التشهد، فإنه ركن زائد على الراجح، ومنه ما هو داخل فيها، وليس جزءاً منها، كإيقاع القراءة في القيام، ويقال له: شرط لدوام الصلاة، ومنه ما هو خارج عن الصلاة، ويقال له شرط لصحة الصلاة.

فأركان الصلاة المتفق عليها عندهم أربعة، سواء كانت أصلية، أو زائدة؛ فالأصلية هي القيام والركوع والسجود، والركن الزائد عندهم هو القراءة فقط، وهذه الأركان الأربعة هي حقيقة الصلاة، بحيث لو ترك الشخص واحداً منها عند القدرة فإنه لا يكون قد أتى بالصلاة. فلا يقال له: مصل، وهناك أمور تتوقف عليها صحة الصلاة، ولكنها خارجه عن حقيقة الصلاة، وهذه الأمور تنقسم إلى قمسين: الأول: ما كان خارج ماهية الصلاة، وهو الطهارة من الحدث والخبث، وستر العورة، واستقبال القبلة، وجخول الوقت، والنية، والتحريمة؛ وهي شرائط لصحة الشروع في الصلاة كغيرها مما سبق: والثاني: ما كان داخل الصلاة ولكنه ليس من حقيقتها، كإيقاع القراءة في القيام، وكون الركوع بعد القيام، والسجود بعد الركوع. وهذه شرائط لدوام صحة الصلاة، ويقد يعبرون عنها بفرائض الصلاة، ويريدون بالفرض الشرط أما القعود الأخير قدر التشهد فهو فرض بإجماعهم، ولكنهم اختلفوا في هل هو ركن أصلي أو زائد، ورجحوا أنه ركن زائد، لأن ماهية الصلاة تتحقق بدونه، إذ لو حلف لا يصلي يحنث بالرفع من السجود، وإن لم يجلس، فتتحقق ماهية الصلاة بدون القعود؛ وأما الخروج من الصلاة بعمل ما ينافيها من سلام أو كلام أو نحو ذلك من مبطلات الصلاة فقد عده بعضهم من الفرائض، والصحيح أنه ليس بفرض، بل هو واجب.

أركان وفرائض الصلاة عند المالكية

المالكية قالوا: فرائض الصلاة خمسة عشر فرضاً، وهي: النية، وتكبيرة الإحرام والقيام لها في الفرض دون النفل، لأنه يصح الإتيان به من قعود ولو كان المصلي قادراً على القيام؛ فتكبيرة الإحرام يصح الإتيان بها من قعود في هذه الحالة، وقوراءة الفاتحة، والقيام لها في صلاة الفرائض أيضاً، والركوع والرفع منه، والسجود والرفع منه، والسلام، والجلوس بقدره، والطمأنينة، والاعتدال في كل من الركوع والسجود والرفع منهما، وترتيب الأداء، ونية اقتداء المأموم.

ومن هذا تعلم أن المالكية والحنفية، اتفقوا في أربعة من هذه الفرائض، وهي: القيام للقادر عليه، والركوع، والسجود أما القراءة فإن الحنفية يقولون: إن المفروض هو مجرد القراءة لا قراءة الفاتحة بخوصها، والمالكية يقولون: إن الفرض هو قراءة الفاتحة، فلو ترك الفاتحة عمداً فإنه لا يكون مصلياً، ووافقهم على ذلك الشافعية، والحنابلة، كما هو موضح في مذهبيهما، وسيأتي تفصيل ذلك في "مبحث القراءة".

أركان وفرائض الصلاة عند الشافعية

الشافعية: عدوا فرائض الصلاة ثلاثة عشر فرضاً، خمسة فرائض قولية، وثمانية فرائض فعلية؛ فالخمسة القولية هي: تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والتشهد الأخير، والصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم والتسليمة الأولى: أما الثمانية الفعلية فهي: النية، والقيام في الفرض القادر عليه، والركوع، والاعتدال منه، والسجود الأول والثاني، والجلوس بينهما. والجلوس الأخير. والترتيب؛ وأما الطمأنينية فهي شرط محقق للركوع والاعتدال والسجود والجلوس، فهي لا بد منها؛ وإن كانت ليست ركناً زائداً على الراجح.

أركان وفرائض الصلاة عند الحنابلة

الحنابلة: عدوا فرائض الصلاة أربعة عشر، وهي: القيام في الفرض، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع والرفع منه، والاعتدال، والسجود والرفع منه، والجلوس بين السجدتين والتشهد الأخير، والجلوس له وللتسليمتين، والطمأنينة في كل ركن فعلي، وترتيب الفرائض، والتسليمتان).

*4* شرح فرائض الصلاة مرتبة: الفرض الأول: النية
* يتعلق بالنية أمور: أحدها: معناها؛ ثانيها: حكمها في الصلاة المفروضة؛ ثالثها: كيفيتها في الصلاة المفروضة؛ رابعها: حكمها وكيفيتها في الصلاة غير المفروضة؛ خامسها: بيان وقت النية، سادسها: حكم استحضار الصلاة المنوية، وشروط النية؛ سابعها: نية المأموم الاقتداء بإمامه، ونية الإمام الإمامة.

فأما معنى النية فهي عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى اللّه وحده، وإن شئت قلت: النية هي الإرادة الجازمة، بحيث يريد المصلي أن يؤدي الصلاة للّه وحده، فلو نطلق بلسانه بدون أن يقصد الصلاة بقلبه، فإنه لا يكون مصلياً؛ ومعنى ذلك أن من صلى لغرض دنيوي، كأن يمدح عند الناس، بحيث لو لم يمدح بترك الصلاة، فإن صلاته لا تصح، وكذا إذا صلى ليظفر بمال أو جاه، أو يحصل على شهوة من الشهوات، فإن صلاته تكون باطلة؛ فعلى الناس أن يفهموا هذا المعنى جيداً، ويدركوا أن من قصد بصلاته غرضاً من الأغراض الدنيوية، فإن صلاته تقع باطلة، ويعاقب عليها المرائين المجرمين، قال تعالى: {وما أمروا الا ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين} (الحنفية قالوا: إن النية ئرط. ثبتت شرطيتها بالإجماع، لا بقوله تعالى: {وما أمروا الا ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين} لأن المراد بالعبادة في هذه الآية التوحيد، ولا بقوله صلى اللّه عليه وسلم: "وإنما الأعمال بالنيات" لأن المراد ثواب الأعمال أما صحة الأعمال فمسكوت عنها.

والواقع أن هذه الأدلة تحتمل المعنى الذي قال الحنفية، كما تحتمل المعنى الذي قاله غيرهم، أما الآية فلأن عبادة اللّه ليست مقصورة على التوحيد، بل المتبادر منها إخلاص النية في عبادة اللّه مطلقاً: لأن بعض المشركين كانوا يشركون مع اللّه غيره في العبادة، خصوصاً أهل الكتاب الذين ذكروا مع المشركين في الآية، فإنهم كانوا يشركون في العبادة مع اللّه بعض أنبيائه، وأما الحديث فلأن ثواب الأعمال إذا حبط فإنه لا يكون لها أية فائدة، ولا معنى لقولهم: إن العمل صحيح مع بطلان ثوابه نعم لهم أن يقولوا: إن فائدته رفع العقاب، ولكن هذا لا دليل عليه في الحديث. بل العكس، ظاهر الحديث يدل على النية شرط في الثواب وفي الصحة، والتخصيص بالثواب تحكم لا دليل عليه) فمن لم يخلص في إرادة الصلاة، ويقصد أن يصلي للّه وحده، فإنه يكون مخالفاً لأمره تعالى؛ فلا تصح صلاته، والنية بهذا المعنى متفق عليها، أما الخواطر النفسية أثناء الصلاة، كأن يصلي وقلبه مشغول بأمر من أمور الدنيا، فإنها لا تفسد الصلاة، ولكن يجب على المصلي الخاشع لربه أن يحارب هذه الوساوس بكل ما يسطيع، ولا يتفكر وهو في الصلاة الا في الخضوع للّه عز وجل، فإن عجز عن ذلك، ولم يستطع أن ينزع من نفسه أمور الدنيا، وهو واقف بين يدي ربه، فإنه لا يؤاخذ. ولكن عليه أن يستمر في محاربه هذه الوساوس الفاسدة ليظفر بأجر العاملين المخلصين.

والحاصل أن ها هنا أمرين: أحدهما: إرادة الصلاة والعزم على فعلها للّه وحده بدون سبب آخر لا يقره الدين؛ ثانيهما: حضور القلب، وعدم اشتغاله بتفكر أمر من أمور الدنيا، فأما الأمر الأول فإنه لا بد منه في الصلاة، وأما الأمر الثاني فإنه ليس شرطاً في صحة الصلاة ولكن ينبغي للواقف بين يدي خالقه أن ينزع من نفسه كل شيء لا علاقة له بالصلاة، فإن عجز فإن أجر صلاته لا ينقص، لأنه قد أتى بما في وسعه، ولا يكلفه اللّه بغير ذلك.

*5* حكم النية في الصلاة المفروضة

* وأما حكم النية في الصلاة فقد اتفق الأئمة الأربعة على أن الصلاة لا تصح بدون نية، الا أن بعضهم قال: إنها ركن من أركان الصلاة، بحيث لو لم ينو الشخص الصلاة، فلا يقال له: إنه قد صلى مطلقاً، وبعضهم قال: إنها شرط لصحة الصلاة، فمن لم ينو فإنه يقال له: إنه قد صلى صلاة باطلة، ومثل هذا الخلاف لا يترتب عليه كثير فائدة لمن يريد أن يعرف ما تصح الصلاة به؛ وما لا تصح، بدون تدقيق فقهي، فإن مثل هذا يقال له: إن النية لازمة في الصلاة، فلو تركت بطلت الصلاة، باتفاق المذاهب، لا فرق في ذلك بين كونها شرطاً في صحتها أو جزءاً من أجزائها، أما طلبة العلم الذين يريدون أن يعرفوا اصطلاح كل مذهب، فعليهم أن يعرفوا أن المالكية والشافعية اتفقوا على أن النية ركن من أركان الصلاة، فلو لم ينو الصلاة فإنه لا يقال له: قد صلى أصلاً، والحنفية والحنابلة اتفقوا على أنها شرط؛ بمعنى أنه إن لم يأت بها فإنه يكون قد صلى صلاة باطلة، وبذلك تعلم أن النية بالمعنى المتقدم فرض، أو شرط لا بد منه على كل حال، وإليك بيانها مفصلة:


EmoticonEmoticon