Monday, April 29, 2013

كتاب الأمور المنهي عنها في ضوء الأحاديث

Tags

كتاب الأمور المنهي عنها في ضوء الأحاديث


رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين للإمام النووي

محتويات

17- كتَاب الأمُور المَنهي عَنْهَا

254- باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان

قَالَ الله تَعَالَى :  وَلاَ يَغْتَبْ بَعضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ  [ الحجرات : 12 ] ، وقال تَعَالَى :  وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً  [ الإسراء : 36 ] ، وقال تَعَالَى :  مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ  [ ق : 18 ] .
اعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ إِلاَّ كَلاَماً ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ ، ومَتَى اسْتَوَى الكَلاَمُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ ، فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ ، لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلاَمُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ ، والسَّلاَمَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ .
1511- وعن أَبي هريرة  ، عن النَّبيِّ  قَالَ : (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ )) متفق عَلَيْهِ .
وهذا صَريحٌ في أنَّهُ يَنْبَغي أنْ لا يَتَكَلَّمَ إِلاَّ إِذَا كَانَ الكلامُ خَيراً ، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ ، ومَتَى شَكَّ في ظُهُورِ المَصْلَحَةِ ، فَلاَ يَتَكَلَّم .
1512- وعن أَبي موسى  قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ اللهِ أَيُّ المُسْلمِينَ أفْضَلُ ؟ قَالَ : (( مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ )) متفق عَلَيْهِ .
1513- وعن سهل بن سعد ، قَالَ : قَالَ رسُولُ اللهِ  : (( مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ )) متفق عَلَيْهِ .
1514- وعن أَبي هريرة  : أنَّه سمع النبيَّ  يقول : (( إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ )) متفق عَلَيْهِ .
ومعنى : (( يَتَبَيَّنُ )) يُفَكِّرُ أنَّها خَيْرٌ أم لا .

1515- وعنه ، عن النبيّ  قَالَ : (( إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تَعَالَى مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجاتٍ ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلَمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ )) . رواه البخاري .
1516- وعن أَبي عبد الرحمان بِلالِ بن الحارِثِ المُزَنِيِّ  : أنَّ رسول الله  قَالَ : (( إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَومِ يَلْقَاهُ ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ )). رواه مالك في المُوَطَّأ ، والترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) .
1517- وعن سفيان بن عبد الله  قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ الله حدِّثني بأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ : (( قلْ : رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ )) قُلْتُ : يَا رسولَ اللهِ ، مَا أخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ ؟ فَأَخَذَ بِلِسانِ نَفْسِهِ ، ثُمَّ قَالَ : (( هَذَا )) . رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) .
1518- وعن ابن عمر رضي الله عنهما ، قَالَ : قَالَ رسول الله  : (( لا تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى قَسْوَةٌ لِلقَلْبِ ! وإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ القَلْبُ القَاسِي )) . رواه الترمذي .
1519- وعن أَبي هريرة  قَالَ : قَالَ رسول الله  : (( مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ، وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ )) . رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن )) .

1520- وعن عقبة بن عامرٍ  قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ ؟
قَالَ : (( أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ )) . رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن )) .
1521- وعن أَبي سعيد الخدري  ، عن النبيِّ  قَالَ : (( إِذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ ، فَإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّهَا تَكْفُرُ اللِّسانَ ، تَقُولُ : اتَّقِ اللهَ فِينَا ، فَإنَّما نَحنُ بِكَ ؛ فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا )) . رواه الترمذي .
معنى : (( تَكْفُرُ اللِّسَانَ )) : أيْ تَذِلُّ وَتَخْضَعُ لَهُ .

1522- وعن مُعَاذٍ  قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُني مِنَ النَّارِ ؟ قَالَ : (( لَقَدْ سَألتَ عَنْ عَظيمٍ ، وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً ، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ ، وتَصُومُ رَمَضَانَ ، وتَحُجُّ البَيْتَ )) ثُمَّ قَالَ : (( ألاَ أدُلُّكَ عَلَى أبْوابِ الخَيْرِ ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَما يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ )) ثُمَّ تَلا :  تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ  حَتَّى بَلَغَ  يَعْمَلُونَ  [ النور : 16 ] ثُمَّ قَالَ : (( ألا أُخْبِرُكَ بِرَأسِ الأَمْرِ ، وَعَمُودِهِ ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ )) قُلْتُ : بَلَى يَا رسولَ اللهِ ، قَالَ : (( رَأسُ الأمْر الإسْلامُ ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ الجِهادُ )) ثُمَّ قَالَ : (( ألاَ أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ! )) قُلْتُ : بلَى يَا رَسولَ اللهِ ، فَأخَذَ بِلِسانِهِ وقال : (( كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا )) قُلْتُ : يَا رسولَ الله وإنَّا لَمُؤاخَذُونَ بما نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فقالَ : (( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ! وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ؟ )) . رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) ، وَقَدْ سبق شرحه في باب قبل هَذَا( ) .
1523- وعن أَبي هريرة  : أنَّ رسُولَ الله  ، قَالَ : (( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ ؟ )) قالوا : اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ ، قَالَ : (( ذِكْرُكَ أخَاكَ بِما يَكْرَهُ )) قِيلَ : أفَرَأيْتَ إنْ كَانَ في أخِي مَا أقُولُ ؟ قَالَ : (( إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ ، فقد اغْتَبْتَهُ ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ )) رواه مسلم .

1524- وعن أَبي بَكْرة  : أنَّ رَسُولَ الله  قَالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى في حَجَّةِ الوَدَاعِ : (( إنَّ دِماءكُمْ ، وَأمْوَالَكُمْ ، وأعْرَاضَكُمْ ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ )) متفق عَلَيْهِ.
1525- وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها ، قالت : قُلْتُ للنبيّ  : حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذَا وكَذَا . قَالَ بعضُ الرواةِ : تَعْنِي قَصيرَةً ، فقالَ : (( لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ ! )) قالت : وَحَكَيْتُ لَهُ إنْسَاناً فَقَالَ : (( مَا أُحِبُّ أنِّي حَكَيْتُ( ) إنْساناً وإنَّ لِي كَذَا وَكَذَا )) . رواه أَبُو داود والترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) .
ومعنى : (( مَزَجَتْهُ )) خَالَطَتْهُ مُخَالَطَةً يَتَغَيَّرُ بِهَا طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ لِشِدَّةِ نَتْنِها وَقُبْحِهَا . وهذا الحَديثُ مِنْ أبلَغِ الزَّواجِرِ عَنِ الغِيبَةِ ، قَالَ الله تَعَالَى :  وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى  ( ).
1526- وعن أنسٍ  قَالَ : قَالَ رسول الله  : (( لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَومٍ لَهُمْ أظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ : مَنْ هؤُلاءِ يَا جِبرِيلُ ؟ قَالَ : هؤُلاءِ الَّذِينَ يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ ، وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ ! )) . رواه أَبُو داود .
1527- وعن أَبي هريرة  : أنَّ رسُولَ الله  قَالَ : (( كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ : دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ )) . رواه مسلم .

255- باب تحريم سماع الغيبة
وأمر من سمع غيبةً مُحرَّمةً بِرَدِّها والإنكارِ عَلَى قائلها
فإنْ عجز أَوْ لَمْ يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه

قَالَ الله تَعَالَى :  وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ  [ القصص : 55 ] ، وقال تَعَالَى :  والَّذينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ  [ المؤمنون : 3 ] ، وقال تَعَالَى :  إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [ الإسراء : 36 ] ، وقال تَعَالَى :  وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَومِ الظَّالِمِينَ  [ الأنعام : 68 ] .
1528- وعن أَبي الدرداء  ، عن النبيِّ  قَالَ : (( مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أخيهِ ، رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَومَ القيَامَةِ )) . رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن )) .
1529- وعن عِتبَانَ بنِ مَالكٍ  ، في حديثه الطويل المشهور الَّذِي تقدَّمَ في بابِ الرَّجاء قَالَ : قام النبيّ  يُصَلِّي فَقَالَ : (( أيْنَ مالِكُ بنُ الدُّخْشُمِ ؟ )) فَقَالَ رَجُلٌ : ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللهَ ولا رَسُولهُ ، فَقَالَ النبيّ  : (( لاَ تَقُلْ ذَلِكَ ألاَ تَراهُ قَدْ قَالَ : لا إلهَ إِلاَّ اللهُ يُريدُ بِذَلكَ وَجْهَ اللهِ ! وإنَّ الله قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ : لا إلهَ إِلاَّ اللهُ يَبْتَغي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ )) . متفق عَلَيْهِ .
(( وَعِتْبان )) بكسر العين عَلَى المشهور وحُكِيَ ضَمُّها وبعدها تاءٌ مثناة مِن فوق ثُمَّ باءٌ موحدة . و(( الدُّخْشُم )) بضم الدال وإسكان الخاء وضم الشين المعجمتين .

1530- وعن كعب بن مالك  في حديثه الطويل في قصةِ تَوْبَتِهِ وَقَدْ سبق في باب التَّوبةِ. قَالَ : قَالَ النبيُّ  وَهُوَ جالِسٌ في القَومِ بِتَبُوكَ : (( مَا فَعَلَ كَعبُ بن مالكٍ ؟ )) فَقَالَ رَجلٌ مِنْ بَنِي سَلمَةَ: يَا رسولَ الله ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ . فَقَالَ لَهُ مُعاذُ بنُ جبلٍ  : بِئْسَ مَا قُلْتَ ، والله يَا رسولَ الله مَا علمنا عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْراً ، فَسَكَتَ رسُولُ الله  . متفقٌ عَلَيْهِ .
(( عِطْفَاهُ )) : جَانِبَاهُ ، وهو إشارةٌ إلى إعجابِهِ بنفسِهِ .

256- باب مَا يباح من الغيبة

اعْلَمْ أنَّ الغِيبَةَ تُبَاحُ لِغَرَضٍ صَحيحٍ شَرْعِيٍّ لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِهَا ، وَهُوَ سِتَّةُ أسْبَابٍ :
الأَوَّلُ : التَّظَلُّمُ ، فَيَجُوزُ لِلمَظْلُومِ أنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ والقَاضِي وغَيرِهِما مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةٌ ، أَوْ قُدْرَةٌ عَلَى إنْصَافِهِ مِنْ ظَالِمِهِ ، فيقول : ظَلَمَنِي فُلاَنٌ بكذا .
الثَّاني : الاسْتِعانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ ، وَرَدِّ العَاصِي إِلَى الصَّوابِ ، فيقولُ لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتهُ عَلَى إزالَةِ المُنْكَرِ : فُلانٌ يَعْمَلُ كَذا ، فازْجُرْهُ عَنْهُ ونحو ذَلِكَ ويكونُ مَقْصُودُهُ التَّوَصُّلُ إِلَى إزالَةِ المُنْكَرِ ، فَإنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَانَ حَرَاماً .

الثَّالِثُ : الاسْتِفْتَاءُ ، فيقُولُ لِلمُفْتِي : ظَلَمَنِي أَبي أَوْ أخي ، أَوْ زوجي ، أَوْ فُلانٌ بكَذَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ ؟ وَمَا طَريقي في الخلاصِ مِنْهُ ، وتَحْصيلِ حَقِّي ، وَدَفْعِ الظُّلْمِ ؟ وَنَحْو ذَلِكَ ، فهذا جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ ، ولكِنَّ الأحْوطَ والأفضَلَ أنْ يقول : مَا تقولُ في رَجُلٍ أَوْ شَخْصٍ ، أَوْ زَوْجٍ ، كَانَ مِنْ أمْرِهِ كذا ؟ فَإنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الغَرَضُ مِنْ غَيرِ تَعْيينٍ ، وَمَعَ ذَلِكَ ، فالتَّعْيينُ جَائِزٌ كَمَا سَنَذْكُرُهُ في حَدِيثِ( ) هِنْدٍ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى .
الرَّابعُ : تَحْذِيرُ المُسْلِمينَ مِنَ الشَّرِّ وَنَصِيحَتُهُمْ ، وذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ :
مِنْهَا جَرْحُ المَجْرُوحينَ مِنَ الرُّواةِ والشُّهُودِ وذلكَ جَائِزٌ بإجْمَاعِ المُسْلِمينَ ، بَلْ وَاجِبٌ للْحَاجَةِ .
ومنها : المُشَاوَرَةُ في مُصاهَرَةِ إنْسانٍ أو مُشاركتِهِ ، أَوْ إيداعِهِ ، أَوْ مُعامَلَتِهِ ، أَوْ غيرِ ذَلِكَ ، أَوْ مُجَاوَرَتِهِ ، ويجبُ عَلَى المُشَاوَرِ أنْ لا يُخْفِيَ حَالَهُ ، بَلْ يَذْكُرُ المَسَاوِئَ الَّتي فِيهِ بِنِيَّةِ النَّصيحَةِ .

ومنها : إِذَا رأى مُتَفَقِّهاً يَتَرَدَّدُ إِلَى مُبْتَدِعٍ ، أَوْ فَاسِقٍ يَأَخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ، وخَافَ أنْ يَتَضَرَّرَ المُتَفَقِّهُ بِذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ نَصِيحَتُهُ بِبَيانِ حَالِهِ ، بِشَرْطِ أنْ يَقْصِدَ النَّصِيحَةَ ، وَهَذا مِمَّا يُغلَطُ فِيهِ . وَقَدْ يَحمِلُ المُتَكَلِّمَ بِذلِكَ الحَسَدُ ، وَيُلَبِّسُ الشَّيطانُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، ويُخَيْلُ إِلَيْهِ أنَّهُ نَصِيحَةٌ فَليُتَفَطَّنْ لِذلِكَ.
وَمِنها : أنْ يكونَ لَهُ وِلايَةٌ لا يقومُ بِهَا عَلَى وَجْهِها : إمَّا بِأنْ لا يكونَ صَالِحاً لَهَا ، وإما بِأنْ يكونَ فَاسِقاً ، أَوْ مُغَفَّلاً ، وَنَحوَ ذَلِكَ فَيَجِبُ ذِكْرُ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ ولايةٌ عامَّةٌ لِيُزيلَهُ ، وَيُوَلِّيَ مَنْ يُصْلحُ ، أَوْ يَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُ لِيُعَامِلَهُ بِمُقْتَضَى حالِهِ ، وَلاَ يَغْتَرَّ بِهِ ، وأنْ يَسْعَى في أنْ يَحُثَّهُ عَلَى الاسْتِقَامَةِ أَوْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ .
الخامِسُ : أنْ يَكُونَ مُجَاهِراً بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ كالمُجَاهِرِ بِشُرْبِ الخَمْرِ ، ومُصَادَرَةِ النَّاسِ ، وأَخْذِ المَكْسِ( ) ، وجِبَايَةِ الأمْوَالِ ظُلْماً ، وَتَوَلِّي الأمُورِ الباطِلَةِ ، فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ العُيُوبِ ، إِلاَّ أنْ يكونَ لِجَوازِهِ سَبَبٌ آخَرُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ .
السَّادِسُ : التعرِيفُ ، فإذا كَانَ الإنْسانُ مَعْرُوفاً بِلَقَبٍ ، كالأعْمَشِ ، والأعرَجِ ، والأَصَمِّ ، والأعْمى ، والأحْوَلِ ، وغَيْرِهِمْ جاز تَعْرِيفُهُمْ بذلِكَ ، وَيَحْرُمُ إطْلاقُهُ عَلَى جِهَةِ التَّنْقِيصِ ، ولو أمكَنَ تَعْريفُهُ بِغَيرِ ذَلِكَ كَانَ أوْلَى ، فهذه ستَّةُ أسبابٍ ذَكَرَهَا العُلَمَاءُ وأكثَرُها مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَدَلائِلُهَا مِنَ الأحادِيثِ الصَّحيحَةِ مشهورَةٌ . فمن ذَلِكَ :

1531- عن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها : أنَّ رجلاً اسْتَأذَنَ عَلَى النبيّ  ، فَقَالَ : (( ائْذَنُوا لَهُ ، بِئسَ أخُو العَشِيرَةِ ؟ )) . متفق عَلَيْهِ .
احتَجَّ بِهِ البخاري في جوازِ غيبَة أهلِ الفسادِ وأهلِ الرِّيبِ .
1532- وعنها ، قالت : قَالَ رسولُ الله  : (( مَا أظُنُّ فُلاناً وفُلاناً يَعْرِفانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئاً )) . رواه البخاري . قَالَ : قَالَ اللَّيْثُ بن سعدٍ أحَدُ رُواة هَذَا الحديثِ : هذانِ الرجلانِ كانا من المنافِقِينَ .
1533- وعن فاطمة بنتِ قيسٍ رَضِيَ اللهُ عنها ، قالت : أتيت النبيَّ  ، فقلتُ : إنَّ أَبَا الجَهْم وَمُعَاوِيَةَ خَطَبَانِي ؟ فَقَالَ رسُولُ الله  : (( أمَّا مُعَاوِيَةُ ، فَصُعْلُوكٌ( ) لاَ مَالَ لَهُ ، وأمَّا أَبُو الجَهْمِ ، فَلاَ يَضَعُ العَصَا عَنْ عَاتِقِهِ )) متفق عَلَيْهِ .
وفي رواية لمسلم : (( وَأمَّا أَبُو الجَهْمِ فَضَرَّابٌ لِلنِّساءِ )) وَهُوَ تفسير لرواية :
(( لا يَضَعُ العَصَا عَنْ عَاتِقِهِ )) وقيل : معناه : كثيرُ الأسفارِ .
1534- وعن زيد بن أرقم  قَالَ : خرجنا مَعَ رسُولِ الله  في سَفَرٍ أصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ ، فَقَالَ عبدُ اللهِ بن أُبَيّ : لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رسولِ اللهِ  حَتَّى يَنْفَضُّوا ، وقال : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ، فَأَتَيْتُ رسُولَ اللهِ  ، فَأخْبَرْتُهُ بذلِكَ ، فَأرْسَلَ إِلَى عبدِ الله بن أُبَيِّ ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ : مَا فَعلَ ، فقالوا : كَذَبَ زيدٌ رَسُولَ الله  ، فَوَقَعَ في نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ حَتَّى أنْزلَ اللهُ تَعَالَى تَصْدِيقِي :  إِذَا جَاءكَ المُنَافِقُونَ  ثُمَّ دعاهُمُ النبيّ  لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ فَلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ . متفق عَلَيْهِ .
1535- وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها ، قالت : قالت هِنْدُ امْرَأةُ أَبي سفْيَانَ للنَّبيِّ  : إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفيني وولَدِي إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ ؟ قَالَ : (( خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلدَكِ بِالمَعْرُوفِ )) . متفق عَلَيْهِ .

257- باب تحريم النميمة وهي نقل الكلام بَيْنَ الناس عَلَى جهة الإفساد

قَالَ الله تَعَالَى :  هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَميمٍ  [ ن : 11 ] وقال تَعَالَى :  مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  [ ق : 18 ] .
1536- وعن حُذَيْفَةَ  قَالَ : قَالَ رسولُ الله  : (( لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ( ) )).متفق عَلَيْهِ .
1537- وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما : أنَّ رسولَ الله  مرَّ بِقَبْرَيْنِ
فَقَالَ : (( إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ ، وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبيرٍ ! بَلَى إنَّهُ كَبِيرٌ : أمَّا أَحَدُهُمَا ، فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ، وأمَّا الآخَرُ فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ )) . متفق عَلَيْهِ . وهذا لفظ إحدى روايات البخاري .
قَالَ العلماءُ معنى : (( وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبيرٍ )) أيْ : كَبيرٍ في زَعْمِهِمَا . وقِيلَ : كَبيرٌ تَرْكُهُ عَلَيْهِمَا .
1538- وعن ابن مسعود  : أن النَّبيّ  قَالَ : (( أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ مَا العَضْهُ ؟ هي النَّمَيمَةُ ؛ القَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ )) . رواه مسلم .
(( العَضْهُ )) : بفتح العين المهملة ، وإسكان الضاد المعجمة ، وبالهاء عَلَى وزن الوجهِ ، ورُوِي (( العِضةُ )) بكسر العين وفتح الضاد المعجمة عَلَى وزن العِدَة ،
وهي: الكذب والبُهتان ، وعلى الرِّواية الأولى : العَضْهُ مصدرٌ يقال : عَضَهَهُ عَضهاً، أيْ : رماهُ بالعَضْهِ .
وهي نقل الكلام بَيْنَ الناس عَلَى جهة الإفساد

258- باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس
إِلَى ولاة الأمور إِذَا لَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ حاجة كخوف مفسدة ونحوه

قَالَ الله تَعَالَى :  وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالعُدْوانِ  [ المائدة : 2 ] . وفي الباب الأحاديث السابقة في الباب قبله .
1539- وعن ابن مسعودٍ  قَالَ : قَالَ رسُولُ الله  : (( لا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئاً ، فإنِّي أُحِبُّ أنْ أخْرُجَ إِلَيْكُمْ وأنَا سَليمُ الصَّدْرِ )) . رواه أَبُو داود والترمذي .

259- باب ذمِّ ذِي الوَجْهَيْن

قَالَ الله تَعَالَى :  يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ القَولِ وكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحيطاً  . [النساء : 108].
1540- وعن أَبي هريرة  قَالَ : قَالَ رسول الله  : (( تَجِدُونَ النَّاسَ مَعادِنَ : خِيَارُهُم في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا ، وتَجِدُونَ خِيَارَ النَّاسِ في هَذَا الشَّأنِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لَهُ ، وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الوَجْهَينِ ، الَّذِي يَأتِي هؤُلاءِ بِوَجْهٍ ، وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ )) . متفق عَلَيْهِ .
1541- وعن محمد بن زيدٍ : أنَّ ناساً قالوا لِجَدِّهِ عبدِ اللهِ بن عمر رضي الله عنهما : إنَّا نَدْخُلُ عَلَى سَلاَطِيننَا فَنَقُولُ لَهُمْ بِخِلاَفِ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ . قَالَ : كُنَّا نَعُدُّ هَذَا نِفَاقاً عَلَى عَهْدِ رسُولِ الله  . رواه البخاري .

260- باب تحريم الكذب

قَالَ الله تَعَالَى :  وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  [ الإسراء : 36 ] . وقال تَعَالَى :  مَا يَلْفِظُ مِنْ قَولٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  [ ق : 18 ] .
1542- وعن ابن مسعود  ، قَالَ : قَالَ رسولُ اللهِ  : (( إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقاً . وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّاباً )) متفقٌ عَلَيْهِ .
1543- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أن النَّبيّ  قَالَ : (( أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا أؤْتُمِنَ خانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ )) . متفق عَلَيْهِ .
وَقَدْ سبق بيانه مَعَ حديث أَبي هريرة بنحوه في (( باب الوفاءِ بالعهدِ )) .
1544- وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبيّ  قَالَ : (( مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ ، كُلِّفَ أنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْن وَلَنْ يَفْعَلَ ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَديثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ ، صُبَّ في أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بنافِخٍ )) . رواه البخاري .
(( تَحَلم )) : أيْ قَالَ إنَّه حلم في نومه ورأى كذا وكذا ، وَهُوَ كاذب .
و(( الآنك )) بالمدّ وضم النون وتخفيف الكاف : وَهُوَ الرَّصَاصُ المذاب .
1545- وعن ابن عمر رضي الله عنهما ، قَالَ : قَالَ النَّبيُّ  : (( أَفْرَى الفِرَى( ) أنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا )) . رواه البخاري .
ومعناه : يقول : رأيتُ ، فيما لَمْ يَرَهُ .

1546- وعن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ  قَالَ : كَانَ رسُولُ اللهِ  مِمَّا يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ : (( هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا ؟ )) فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللهُ أنْ يَقُصَّ، وإنَّهُ قَالَ لنا ذَات غَدَاةٍ : (( إنَّهُ أَتَانِيَ اللَّيْلَةَ آتِيَانِ ، وإنَّهُمَا قَالا لِي : انْطَلِقْ ، وإنِّي انْطَلَقتُ مَعَهُمَا ، وإنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ ، وَإِذَا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ ، فَيَثْلَغُ رَأسَهُ ، فَيَتَدَهْدَهُ الحَجَرُ هَا هُنَا ، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فَيَأخُذُهُ فَلاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأسُهُ كَما كَانَ ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأوْلَى ! )) قَالَ: (( قُلْتُ لهما : سُبْحانَ اللهِ ! مَا هَذَان ؟ قَالا لي : انْطَلِقِ انْطَلِقْ ، فَانْطَلَقْنَا ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ( ) مِنْ حَديدٍ ، وَإِذَا هُوَ يَأتِي أحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ ، ومِنْخَرَهُ إِلَى قَفَاهُ ، وعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجانبِ الآخَرِ ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بالجَانِبِ الأوَّلِ ، فَمَا يَفْرَغُ مِنْ ذَلِكَ الجانبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الجانبُ كما كَانَ ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي المرَّةِ الأُوْلَى )) قَالَ : (( قُلْتُ : سُبْحَانَ اللهِ ! مَا هذانِ ؟ قالا لي : انْطَلِقِ انْطَلِقْ ، فَانْطَلَقْنَا ، فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ )) فَأَحْسِبُ أنَّهُ قَالَ : (( فإذا فِيهِ لَغَطٌ ، وأصْواتٌ ، فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فإذا فِيهِ رِجَالٌ وَنِساءٌ عُرَاةٌ ، وَإِذَا هُمْ يَأتِيِهمْ لَهَبٌ مِنْ أسْفَلَ مِنْهُمْ ، فإذا أتاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا . قُلْتُ : مَا هَؤلاءِ ؟ قَالا لِي : انْطَلِقِ انْطَلِقْ ، فَانْطَلَقْنَا ، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ )) حَسِبْتُ أنَّهُ كَانَ يَقُولُ : (( أَحْمَرُ مِثْلُ الدَّمِ ، وَإِذَا في النَّهْرِ رَجُلٌ سابحٌ يَسْبَحُ ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كثيرةً ، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابحُ يَسْبَحُ ، مَا يَسْبَحُ ، ثُمَّ يَأتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجَارَةَ ، فَيَفْغَرُ لَهُ فاهُ، فَيُلْقِمُهُ حَجَراً، فَينْطَلِقُ فَيَسْبَحُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ ، فَغَرَ لَهُ فَاهُ ، فَألْقَمَهُ حَجَراً ، قُلْتُ لهُما : مَا هذانِ ؟ قالاَ لِي : انْطَلِقِ انْطَلِقْ ، فَانْطَلَقْنَا ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَريهِ المرْآةِ ، أَوْ كَأكْرَهِ مَا أنتَ رَاءٍ رجُلاً مَرْأىً ، فإذا هُوَ عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا . قُلْتُ لَهُمَا : مَا هَذَا ؟ قالاَ لي : انْطَلِقِ انْطَلِقْ ، فَانْطَلَقْنَا ، فَأتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبيعِ ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَي الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَويلٌ لا أَكادُ أَرَى رَأسَهُ طُولاً في السَّماءِ ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلدانٍ رَأيْتُهُمْ قَطُّ ، قُلْتُ : مَا هَذَا ؟ وَمَا هؤلاءِ ؟ قالا لي : انْطَلقِ انْطَلقْ ، فَانْطَلَقْنَا ، فَأَتَيْنَا إِلَى دَوْحَةٍ عَظيمةٍ لَمْ أَرَ دَوْحَةً قَطُّ أعْظمَ مِنْهَا ، وَلاَ أحْسَنَ ! قالا لي : ارْقَ فِيهَا ، فارْتَقَيْنَا فِيهَا إِلَى مَدينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبنٍ ذَهَبٍ وَلَبنٍ فِضَّةٍ ، فَأَتَيْنَا بَابَ المَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا ، فَفُتِحَ لَنَا فَدَخَلْنَاها ، فَتَلَقَّانَا رِجالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كأَحْسَنِ مَا أنت راءٍ ! وَشَطْرٌ مِنْهُمْ كأقْبَحِ مَا أنتَ راءٍ ! قالا لَهُمْ : اذْهَبُوا فَقَعُوا في ذَلِكَ النَّهْرِ ، وَإِذَا هُوَ نَهْرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كأنَّ ماءهُ المَحْضُ في البَيَاضِ ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ . ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ ، فَصَارُوا في أحْسَنِ صُورَةٍ )) قَالَ : (( قالا لِي : هذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ ، وهذاك مَنْزِلُكَ ، فسَمَا بَصَري صُعُداً ، فإذا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ البَيضاءِ ، قالا لي : هذاكَ مَنْزلكَ ؟ قلتُ لهما : باركَ اللهُ فيكُما ، فذَراني فأدخُلَه . قالا لي : أمَّا الآنَ فَلاَ ، وأنتَ دَاخِلُهُ ، قُلْتُ لَهُمَا : فَإنِّي رَأيتُ مُنْذُ اللَّيْلَة عَجَباً ؟ فما هَذَا الَّذِي رأيتُ ؟ قالا لي : أمَا إنَّا سَنُخْبِرُكَ : أَمَّا الرَّجُلُ الأوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأسُهُ بالحَجَرِ ، فإنَّهُ الرَّجُلُ يَأخُذُ القُرآنَ فَيَرفُضُهُ( ) ، ويَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ المَكتُوبَةِ . وأمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ ، ومِنْخَرُهُ إِلَى قَفَاهُ ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ ، فإنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الكِذْبَةَ تَبْلُغُ الآفاقَ . وأمَّا الرِّجَالُ والنِّسَاءُ العُراةُ الَّذِينَ هُمْ في مثْلِ بناءِ التَّنُّورِ ، فَإنَّهُمُ الزُّنَاةُ والزَّواني ، وأما الرجلُ الذي أتيتَ عَليهِ يَسْبَحُ في النهرِ ، ويلقم الحجارةَ ، فإنَّهُ آكلُ الربا ، وأمَّا الرَّجُلُ الكَريهُ( ) المرآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا ، فإنَّهُ مالكٌ خازِنُ جَهَنَّمَ ، وأمَّا الرَّجُلُ الطَّويلُ الَّذِي في الرَّوْضَةِ ، فإنَّهُ إبراهيم  ، وأمَّا الولدان الَّذِينَ حَوْلَهُ ، فكلُّ مَوْلُودٍ ماتَ عَلَى الفِطْرَةِ )) وفي رواية البَرْقانِيِّ : (( وُلِدَ عَلَى الفِطْرَةِ )) فَقَالَ بعض المُسلمينَ : يَا رسولَ الله ، وأولادُ المُشركينَ فقالَ رسولُ اللهِ  : (( وأولادُ المشركينَ ، وأما القومُ الذينَ كانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ ، وشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبيحٌ ، فإنَّهُمْ قَومٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً ، تَجاوَزَ الله عنهم )) . رواه البخاري .

وفي روايةٍ لَهُ : (( رَأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتيَانِي فأخْرَجَانِي إِلَى أرْضٍ مُقَدَّسَةٍ )) ثُمَّ ذَكَرَهُ وقال : (( فَانْطَلَقْنَا إِلَى نَقْبٍ مثلِ التَّنُّورِ ، أعْلاهُ ضَيِّقٌ وَأسْفَلُهُ واسِعٌ ؛ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ ناراً ، فإذا ارْتَفَعَتِ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادُوا أنْ يَخْرُجُوا ، وَإِذَا خَمَدَتْ ! رَجَعُوا فِيهَا ، وفيها رِجالٌ ونِساءٌ عراةٌ )) . وفيها : (( حَتَّى أتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ )) ولم يشكَّ (( فِيهِ رَجُلٌ قائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهْرِ وعلى شطِّ النَّهرِ رجلٌ ، وبينَ يديهِ حِجارةٌ ، فأقبلَ الرجلُ الذي في النَّهرِ ، فَإذَا أرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ في فِيهِ ، فَرَدَّهُ حَيثُ كَانَ ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ جَعَلَ يَرْمِي في فِيهِ بِحَجَرٍ ، فَيْرَجِعْ كما كَانَ )) . وفيها : (( فَصَعِدَا بي الشَّجَرَةَ ، فَأدْخَلاَنِي دَاراً لَمْ أرَ قَطُّ أحْسَنَ مِنْهَا ، فيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ )) . وفيها : (( الَّذِي رَأيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ ، يُحَدِّثُ بِالكِذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ ، فَيُصْنَعُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ )) ، وَفِيهَا : (( الَّذِي رَأيْتَهُ يُشْدَخُ رَأسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بالنَّهارِ ، فَيُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ، والدَّارُ الأولَى الَّتي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ المُؤمِنِينَ ، وأمَّا هذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَداءِ ، وأنا جِبْرِيلُ ، وهذا مِيكائيلُ ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ ، فَرَفَعْتُ رَأسِي ، فإذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحابِ ، قالا : ذاكَ مَنْزِلُكَ ، قُلْتُ : دَعَانِي أدْخُلُ مَنْزِلي ، قالا : إنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَهُ أتَيْتَ مَنْزِلَكَ )) . رواه البخاري .

قَوْله : (( يَثلَغ رَأسَهُ )) هُوَ بالثاءِ المثلثةِ والغينِ المعجمة، أيْ : يَشدَخُهُ وَيَشُقُّهُ. قولهُ: (( يَتَدَهْدَهُ )) أيْ : يَتَدَحْرجُ. و(( الكَلُّوبُ )) بفتح الكاف وضم اللام المشددة ، وَهُوَ معروف . قَوْله : (( فَيُشَرْشِرُ )) : أيْ : يُقَطِّعُ . قَوْله : (( ضَوْضَوا )) وَهُوَ بضادين معجمتين : أيْ صاحوا . قَوْله : (( فَيَفْغَرُ )) هُوَ بالفاء والغين المعجمة، أيْ : يفتح . قَوْله (( المَرآة )) هُوَ بفتح الميم ، أيْ : المنظر . قَوْله : (( يَحُشُّها )) هُوَ بفتح الياءِ وضم الحاء المهملة والشين المعجمة ، أيْ : يوقِدُها . قَوْله : (( رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ )) هُوَ بضم الميم وإسكان العين وفتح التاء وتشديد الميم ، أيْ : وافية النَّباتِ طَويلَته . قَولُهُ : (( دَوْحَةٌ )) وهي بفتحِ الدال وإسكان الواو وبالحاءِ المهملة: وهي الشَّجَرَةُ الكَبيرةُ . قَوْلهُ : (( المَحْضُ )) هُوَ بفتح الميم وإسكان الحاء المهملة وبالضَّادِ المعجمة ، وَهُوَ : اللَّبَنُ . قَوْلهُ (( فَسَمَا بَصَري )) أيْ : ارْتَفَعَ . و(( صُعُداً )) بضم الصاد والعين، أيْ : مُرْتَفعاً . وَ(( الربَابَةُ )) بفتح الراءِ وبالباء الموحدة مكررةً ، وهي : السَّحابَة .

261- باب بيان مَا يجوز من الكذب

اعلَمْ أنَّ الكَذِبَ ، وإنْ كَانَ أصْلُهُ مُحَرَّماً ، فَيَجُوزُ في بَعْضِ الأحْوَالِ بِشُروطٍ قَدْ أوْضَحْتُهَا في كتاب : " الأَذْكَارِ " ( ) ، ومُخْتَصَرُ ذَلِكَ : أنَّ الكلامَ وَسيلَةٌ إِلَى المَقَاصِدِ ، فَكُلُّ مَقْصُودٍ مَحْمُودٍ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِغَيْرِ الكَذِبِ يَحْرُمُ الكَذِبُ فِيهِ ، وإنْ لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُهُ إِلاَّ بالكَذِبِ ، جازَ الكَذِبُ . ثُمَّ إنْ كَانَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ المَقْصُودِ مُبَاحاً كَانَ الكَذِبُ مُبَاحاً ، وإنْ كَانَ وَاجِباً ، كَانَ الكَذِبُ وَاجِباً . فإذا اخْتَفَى مُسْلِمٌ مِنْ ظَالِمٍ يُريدُ قَتْلَهُ ، أَوْ أَخذَ مَالِهِ وأخفى مالَه وَسُئِلَ إنْسَانٌ عَنْهُ ، وَجَبَ الكَذِبُ بإخْفَائِه . وكذا لو كانَ عِندَهُ وديعَةٌ ، وأراد ظالمٌ أخذها ، وجبَ الكذبُ بإخفائها . وَالأحْوَطُ في هَذَا كُلِّهِ أن يُوَرِّيَ . ومعْنَى التَّوْرِيَةِ : أنْ يَقْصِدَ بِعِبَارَتِهِ مَقْصُوداً صَحيحاً لَيْسَ هُوَ كَاذِباً بالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ، وإنْ كَانَ كَاذِباً في ظَاهِرِ اللَّفْظِ ، وبالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَفْهَمُهُ المُخَاطَبُ ، وَلَوْ تَرَكَ التَّوْرِيَةَ وَأطْلَقَ عِبَارَةَ الكَذِبِ ، فَلَيْسَ بِحَرَامٍ في هَذَا الحَالِ .
وَاسْتَدَل العُلَمَاءُ بِجَوازِ الكَذِبِ في هَذَا الحَالِ بِحَديثِ أُمِّ كُلْثُومٍ رَضِيَ اللهُ عنها، أنها سمعتْ رسُولَ الله  ، يقول : (( لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ ، فَيَنْمِي خَيْراً أَوْ يَقُولُ خَيْراً )) ( ) . متفق عَلَيْهِ .
زاد مسلم في رواية : قالت أُمُّ كُلْثُومٍ : وَلَمْ أسْمَعْهُ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلاَّ في ثَلاَثٍ، تَعْنِي : الحَرْبَ ، والإصْلاَحَ بَيْنَ النَّاسِ ، وَحَديثَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ ، وَحديثَ المَرْأَةِ زَوْجَهَا .

262- باب الحثّ عَلَى التثبت فيما يقوله ويحكيه

قَالَ الله تَعَالَى :  وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  [ الإسراء : 36 ] وقال تَعَالَى :  مَا يَلْفِظُ مِنْ قَولٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  [ ق : 18 ] . ( )
1547- وعن أَبي هريرة  : أنَّ النبيَّ  قَالَ : (( كَفَى بالمَرْءِ كَذِباً أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ )) . رواه مسلم .
1548- وعن سَمُرَةَ  قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله  : (( مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَديثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبينَ )) . رواه مسلم .
1549- وعن أسماء رَضِيَ اللهُ عنها : أنَّ امْرأةً قالت : يَا رسولَ الله ، إنَّ لِي ضَرَّةً فهل عَلَيَّ جُنَاحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِيني ؟ فَقَالَ النَّبيُّ  :
(( المُتَشَبِّعُ بِما لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ )) . متفق عَلَيْهِ .
(( وَالمُتَشَبِّعُ )) : هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الشَّبَعَ وَلَيْسَ بِشَبْعَان . ومعناهُ هُنَا : أنْ
يُظْهِرَ أنَّهُ حَصَلَ لَهُ فَضيلَةٌ وَلَيْسَتْ حَاصِلَةً . (( وَلابِسُ ثَوْبَي زُورٍ )) أيْ : ذِي
زُورٍ ، وَهُوَ الَّذِي يُزَوِّرُ عَلَى النَّاسِ ، بِأنْ يَتَزَيَّى بِزِيِّ أهْلِ الزُّهْدِ أَو العِلْمِ
أَو الثَّرْوَةِ ، لِيَغْتَرَّ بِهِ النَّاسُ وَلَيْسَ هُوَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ . وَقَيلَ غَيرُ ذَلِكَ واللهُ
أعْلَمُ .

263- باب بيان غلظ تحريم شهادة الزُّور

قَالَ الله تَعَالَى :  وَاجْتَنِبوا قَوْلَ الزُّورِ  [ الحج : 30 ] ، وقال تَعَالَى :  وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  [ الإسراء : 36 ] ، وقال تَعَالَى :  مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  [ ق : 18 ] ، وقال تَعَالَى :  إنَّ رَبَّكَ لبالمِرْصَادِ  [ الفجر : 16 ] ، وقال تَعَالَى :  وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ  [ الفرقان : 72 ] .
1550- وعن أَبي بَكْرَةَ  قَالَ : قَالَ رسُولُ الله  : (( ألاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأكْبَرِ الكَبَائِرِ ؟ )) قُلْنَا : بَلَى يَا رسولَ اللهِ . قَالَ : (( الإشْراكُ باللهِ ، وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ )) وكَانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ ، فَقَالَ : (( ألا وَقولُ الزُّورِ )) فما زال يُكَرِّرُهَا حَتَّى قلنا : لَيْتَهُ سَكَتَ( ) . متفق عَلَيْهِ
264- باب تحريم لعن إنسان بعينه أَوْ دابة

1551- عن أَبي زيدٍ ثابت بن الضَّحَّاك الأنصاريِّ  ، وَهُوَ من أهلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ ، قَالَ : قَالَ رسُولُ الله  : (( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلاَمِ كاذِباً مُتَعَمِّداً ، فَهُوَ كَما قَالَ ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ ، عُذِّبَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فيما لا يَمْلِكُهُ ، وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ )) . متفق عَلَيْهِ .
1552- وعن أَبي هريرة  : أنَّ رسُولَ الله  قَالَ : (( لاَ يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يَكُونَ لَعَّاناً )) . رواه مسلم .
1553- وعن أَبي الدرداءِ  قَالَ : قَالَ رسُولُ الله  : (( لاَ يَكُونُ اللَّعَانُونَ شُفَعَاءَ ، وَلاَ شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ ( ) )) . رواه مسلم .
1554- وعن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ  ، قَالَ : قَالَ رسُولُ اللهِ  : (( لاَ تَلاَعَنُوا بِلَعْنَةِ اللهِ ، وَلاَ بِغَضَبِهِ ، وَلاَ بِالنَّارِ )) رواه أَبُو داود والترمذي ، وقال : (( حديث حسن صحيح )) .

1555- وعن ابن مسعود  ، قَالَ : قَالَ رسُولُ الله  : (( لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ( ) ، وَلاَ اللَّعَّانِ ، وَلاَ الفَاحِشِ ، وَلاَ البَذِيِّ )) رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن )) .
1556- وعن أَبي الدرداء  قَالَ : قَالَ رسُولُ الله  : (( إنَّ العَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئاً ، صَعدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّماءِ ، فَتُغْلَقُ أبْوابُ السَّماءِ دُونَهَا ، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الأرْضِ ، فَتُغْلَقُ أبْوابُهَا دُونَها ، ثُمَّ تَأخُذُ يَميناً وَشِمالاً ، فَإذا لَمْ تَجِدْ مَسَاغاً رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ ، فإنْ كَانَ أهْلاً لِذلِكَ ، وإلاَّ رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا )) . رواه أَبُو داود .
1557- وعن عمران بن الحُصَيْنِ رضي الله عنهما ، قَالَ : بَيْنَمَا رسُولُ اللهِ  في بَعْضِ أسْفَارِهِ ، وَامْرأةٌ مِنَ الأنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ ، فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رسُولُ الله  فقالَ : (( خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا ؛ فَإنَّهَا مَلْعُونَةٌ )) قَالَ عمْرانُ : فَكَأنِّي أَرَاهَا الآنَ تَمْشِي في النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أحَدٌ . رواه مسلم .

1558- وعن أَبي بَرْزَةَ نَضْلَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الأَسْلَمِيِّ  قَالَ : بَيْنَمَا جَارِيَةٌ عَلَى نَاقَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُ مَتَاعِ القَوْمِ . إِذْ بَصُرَتْ بِالنَّبيِّ  ، وَتَضَايَقَ بِهِمُ الجَبَلُ فَقَالَتْ : حَلْ ، اللَّهُمَّ الْعَنْهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ  : (( لاَ تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ )) . رواه مسلم .
قَوْله : (( حَلْ )) بفتح الحاء المهملة وَإسكانِ اللاَّم : وَهِيَ كَلِمَةٌ لِزَجْرِ الإبِلِ .
وَاعْلَمْ أنَّ هَذَا الحَدِيثَ قَدْ يُسْتَشكَلُ مَعْنَاهُ ، وَلاَ إشْكَالَ فِيهِ ، بَلِ المُرَادُ النَّهْيُ أنْ تُصَاحِبَهُمْ تِلْكَ النَّاقَةُ ، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ بَيْعِهَا وَذَبْحِهَا وَرُكُوبِهَا فِي غَيْرِ صُحْبَةِ النبيّ  ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ وَمَا سِوَاهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ جائِزٌ لا مَنْعَ مِنْهُ ، إِلاَّ مِنْ مُصَاحَبَةِ النَّبيِّ  بِهَا ؛ لأنَّ هذِهِ التَّصَرُّفَاتِ كُلَّهَا كَانَتْ جَائِزَةً فَمُنِعَ بَعْض مِنْهَا ، فَبَقِيَ البَاقِي عَلَى مَا كَانَ ، واللهُ أَعلم .

265- باب جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين

قَالَ الله تَعَالَى :  ألاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ  [ هود : 18 ] ، وقال
تَعَالَى :  فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ  [ الأعراف : 44 ] .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ الله  قَالَ : (( لَعنَ اللهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ( ) )) ( )وَأنَّهُ قَالَ : (( لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا )) ( ) وأنَّهُ لَعَنَ المُصَوِّرِينَ( ) ، وأنَّهُ قَالَ : (( لَعَنَ اللهُ مَنْ غيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ )) ( ) أيْ حُدُودَهَا ، وأنَّهُ قَالَ : (( لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ )) ( ) ، وأنَّهُ قَالَ : (( لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيهِ )) وَ(( لَعَنَ اللهُ من ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ )) ، وَأنَّه قَالَ : (( مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً أَوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلاَئِكَة والنَّاسِ أجْمَعينَ )) ( )، وأنَّه قَالَ : (( اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلاً ، وَذَكْوَانَ، وعُصَيَّةَ : عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ )) ( ) وهذِهِ ثَلاَثُ قَبَائِلَ مِنَ العَرَبِ . وأنَّه قَالَ : (( لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ )) ( ) وأنهُ (( لَعَنَ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بالنِّساءِ والمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجالِ )) ( ) .
وَجَميعُ هذِهِ الألفاظِ في الصحيح ؛ بعضُها في صَحيحَيّ البُخاري ومسلمٍ ، وبعضها في أحَدِهِمَا ، وإنما قصدت الاختِصَارَ بالإشارةِ إِلَيهمَا ، وسأذكر معظمها في أبوابها من هَذَا الكتاب ، إن شاء الله تَعَالَى .

266- باب تحريم سب المسلم بغير حق

قَالَ الله تَعَالَى :  والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ، فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وإثْماً مُبِيناً  [ الأحزاب : 58 ] .
1559- وعن ابن مسعود  قَالَ : قَالَ رسُولُ الله  : (( سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتالُهُ كُفْرٌ )) . متفق عَلَيْهِ .
1560- وعن أَبي ذرٍ  : أنهُ سَمِعَ رسُولَ اللهِ  يقول : (( لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالفِسْقِ أَوِ الكُفْرِ ، إِلاَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ ، إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كذَلِكَ )) . رواه البخاري .
1561- وعن أَبي هريرة  : أنَّ رسولَ اللهِ  قَالَ : (( المُتَسَابَّانِ مَا قَالاَ فَعَلَى البَادِي منهُما حَتَّى يَعْتَدِي المَظْلُومُ )) ( ) . رواه مسلم .
1562- وعنه، قَالَ : أُتِيَ النَّبيُّ  ، بِرَجُلٍ قَدْ شرِبَ قَالَ : (( اضربوهُ )) قَالَ أَبُو هريرةَ : فَمِنَّا الضارِبُ بيَدِهِ ، والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ ، والضَّارِبُ بِثَوْبِهِ . فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ بَعْضُ القَوْمِ : أخْزَاكَ اللهُ ! قَالَ : (( لا تَقُولُوا هَذَا ، لا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَان )) . رواه البخاري .
1563- وعنه ، قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ اللهِ  يقول : (( مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَى يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَومَ القِيَامَةِ ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ كما قَالَ )) . متفق عَلَيْهِ .

267- باب تحريم سب الأموات بغير حق ومصلحةٍ شرعية

وَهِيَ التَّحْذِيرُ مِنَ الاقْتِدَاء بِهِ في بِدْعَتِهِ ، وَفِسْقِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَفِيهِ الآيةُ والأحاديثُ السَّابِقَةُ في البَابِ قَبْلَهُ .
1564- وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها ، قالت : قَالَ رسُولُ الله  : (( لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ ، فَإنَّهُمْ قَدْ أفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا )) . رواه البخاري .

268- باب النهي عن الإيذاء

قَالَ الله تَعَالَى :  والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإثْماً مُبِيناً  [ الأحزاب : 58 ] .
1565- وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاصِ رضي الله عنهما ، قَالَ : قَالَ
رسولُ اللهِ  : (( المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ )) . متفق عَلَيْهِ .
1566- وعنه ، قَالَ : قَالَ رسولُ اللهِ  : (( مَنْ أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ
النَّارِ ، ويُدْخَلَ الجَنَّةَ ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ )) . رواه مسلم .
وَهُوَ بعض حديثٍ طويلٍ سبق في بابِ طاعَةِ وُلاَةِ الأمُورِ .

269- باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر

قَالَ الله تَعَالَى :  إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ  [ الحجرات : 10 ] ، وقال تَعَالَى :  أذِلَّةٍ عَلَى المُؤمِنينَ أعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرينَ  [ المائدة : 54 ] ، وقال تَعَالَى :  مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ  [ الفتح : 29 ] .
1567- وعن أنس  : أنَّ النَّبيّ  قَالَ : (( لاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَقَاطَعُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً ، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ )). متفق عَلَيْهِ .
1568- وعن أَبي هريرة  : أنَّ رسولَ اللهِ  قَالَ : (( تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الإثْنَيْنِ ويَوْمَ الخَمْيِسِ ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ، إِلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بينهُ وَبَيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ فَيُقَالُ : أنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ! أَنْظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ! )) . رواه مسلم .
وفي روايةٍ لَهُ : (( تُعْرَضُ الأعْمالُ في كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وإثْنَيْن )) وذَكَرَ نَحْوَهُ .

270- باب تحريم الحسد

وَهُوَ تمني زوالُ النعمة عن صاحبها ، سواءٌ كَانَتْ نعمة دينٍ أَوْ دنيا قَالَ الله تَعَالَى :  أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ  [ النساء : 54 ] وفِيهِ حديثُ أنسٍ السابق في الباب قبلَهُ( ) .
1569- وعن أَبي هريرة : أنَّ النَّبيَّ  قَالَ : (( إيَّاكُمْ وَالحَسَدَ ؛ فَإنَّ الحَسَدَ يَأكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأكُلُ النَّارُ الحَطَبَ )) أَوْ قَالَ : (( العُشْبَ )) . رواه أَبُو داود .

271- باب النَّهي عن التجسُّس
والتَّسَمُّع لكلام من يكره استماعه

قَالَ الله تَعَالَى :  وَلاَ تَجَسَّسُوا  [ الحجرات : 12 ] ، وقال تَعَالَى :
 وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإثْماً مُبِيناً  [ الأحزاب : 58 ] .
1570- وعن أَبي هريرة  : أنَّ رسولَ الله  قَالَ : (( إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ ، ولا تحسَّسوا وَلاَ تَجَسَّسُوا( ) وَلاَ تَنَافَسُوا( ) ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً كَمَا أَمَرَكُمْ .المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ ، لاَ يَظْلِمُهُ ، وَلاَ يَخْذُلُهُ( ) وَلاَ يَحْقِرُهُ ، التَّقْوَى هاهُنَا التَّقْوَى هاهُنَا )) وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ (( بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ : دَمُهُ ، وَعِرْضُهُ ، وَمَالُهُ . إنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أجْسَادِكُمْ ، وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ ، وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ )) .
وَفِي رواية : (( لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَجَسَّسُوا ، وَلاَ تَحَسَّسُوا ، وَلاَ تَنَاجَشُوا( ) وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْواناً )) .
وفي رواية : (( لاَ تَقَاطَعُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْواناً )) وَفِي رِواية : (( وَلاَ تَهَاجَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ )) . رواه مسلم بكلّ هذِهِ الروايات ، وروى البخاريُّ أكْثَرَهَا .
1571- وعن معاوية  قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ اللهِ  يقول : (( إنَّكَ إنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ المُسْلِمينَ أفْسَدْتَهُمْ ، أَوْ كِدْتَ أنْ تُفْسِدَهُمْ )) . حديث صحيح ، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح .
1572- وعن ابن مسعود  : أنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ فَقِيلَ لَهُ : هَذَا فُلاَنٌ تَقْطُرُ
لِحْيَتُهُ خَمْراً ، فَقَالَ : إنَّا قَدْ نُهِيْنَا عَنِ التَّجَسُّسِ، ولكِنْ إنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ، نَأخُذ بِهِ .
حديث حسن صحيح ، رواه أَبُو داود بإسنادٍ عَلَى شَرْطِ البخاري ومسلم .

272- باب النهي عن سوء الظنّ بالمسلمين من غير ضرورة

قَالَ الله تَعَالَى :  يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ  [ الحجرات : 12 ] .
1573- وعن أَبي هريرة  : أنَّ رسول الله  قَالَ : (( إيَّاكُمْ والظَّنَّ ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ )) . متفق عَلَيْهِ .

273- باب تحريم احتقار المسلمين

قَالَ الله تَعَالَى :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَومٍ عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيْمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ  [ الحجرات : 11 ] وقال تَعَالَى :  وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لمزَةٍ  [ الهمزة : 1 ] .
1574- وعن أَبي هريرة  : أنَّ رسولَ اللهِ  قَالَ : (( بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ )) . رواه مسلم ، وَقَدْ سبق قريباً بطوله .

1575- وعن ابن مسعودٍ  ، عن النبيّ  ، قَالَ : (( لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ! )) فَقَالَ رَجُلٌ : إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً ، وَنَعْلُهُ حَسَنةً ، فَقَالَ : (( إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ ، الكِبْرُ : بَطَرُ الحَقِّ ، وَغَمْطُ النَّاسِ )) . رواه مسلم .
ومعنى (( بَطَرُ الحَقِّ )) دَفْعُه ، (( وغَمْطُهُمْ )) : احْتِقَارُهُمْ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ أوْضَحَ مِنْ هَذَا في باب الكِبْرِ .
1576- وعن جُندب بن عبدِ الله  قَالَ : قَالَ رسولُ اللهِ  : (( قَالَ رَجُلٌ : وَاللهِ لا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلانٍ ، فَقَالَ اللهُ  : مَنْ ذا الَّذِي يَتَأَلَّى( ) عَلَيَّ أنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ ! فَإنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ ، وَاحْبَطْتُ عَمَلَكَ )) . رواه مسلم .

274- باب النهي عن إظهار الشماتة بِالمُسْلِم

قَالَ الله تَعَالَى :  إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ  [ الحجرات : 10] وقال تَعَالَى :  إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ  [ النور : 19 ] .
1577- وعَن وَائِلَةَ بن الأسقع  قَالَ : قَالَ رسول الله  : (( لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللهُ وَيَبْتَلِيكَ )) . رواه الترمذي ، وقال : (( حديث حسن )) .
وفي الباب حديث أَبي هريرة السابق في باب التَّجسُّس : (( كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ … )) الحديث( ) .

275- باب تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع
قَالَ الله تَعَالَى :  والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وإثْماً مُبِيناً  [ الأحزاب : 58 ] .
1578- وعن أَبي هريرة  ، قَالَ : قَالَ رسول الله  : (( اثْنَتَان في النَّاسِ هُمَا بهم كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ )) ( ) . رواه مسلم .

276- باب النهي عن الغش والخداع

قَالَ الله تَعَالَى :  والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وإثْماً مُبِيناً  [ الأحزاب : 58 ] .
1579- وعن أَبي هريرة  : أنَّ رسول الله  قَالَ : (( مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا ، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا )) . رواه مسلم .
وفي رواية لَهُ : أنَّ رسول الله  ، مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أصابِعُهُ بَلَلاً ، فَقَالَ : (( مَا هذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ؟ )) قَالَ : أصَابَتهُ السَّمَاءُ يَا رسول الله . قَالَ : (( أفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوقَ الطَّعَامِ حَتَّى يرَاهُ النَّاسُ ! مَنْ غشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا )) .
1580- وعنه : أنَّ رسول الله  قَالَ : (( لاَ تَنَاجَشُوا )) متفق عَلَيْهِ .
1581- وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أنَّ النَّبيَّ  ، نَهى عن النَّجْشِ . متفق عَلَيْهِ .
1582- وعنه ، قَالَ : ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ الله  : أنَّهُ يُخْدَعُ في البُيُوعِ ؟ فَقَالَ رسول الله  : (( مَنْ بَايَعْتَ ، فَقُلْ : لاَ خِلاَبَةَ )) . متفق عَلَيْهِ .
(( الخِلاَبَةُ )) بخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ وباءٍ موحدة ، وهي : الخديعة .
1583- وعن أَبي هريرة  قَالَ : قَالَ رسول الله  : (( مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ ، أَوْ مَمْلُوكَهُ ، فَلَيْسَ مِنَّا )) . رواهُ أَبُو داود .
(( خَبب )) بخاءٍ معجمة ، ثُمَّ باءٍ موحدة مكررة : أيْ أفْسده وخدعه .

227- باب تحريم الغدر

قَالَ الله تَعَالَى :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بالْعُقُودِ  [ المائدة : 1 ] ، وقال تَعَالَى :  وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كَانَ مَسئُولاً  [ الإسراء : 34 ] .
1584- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أنَّ رسول الله  ، قَالَ : (( أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنافِقاً خَالِصاً ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَها : إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ )) . متفق عَلَيْهِ .
1585- وعن ابن مسعودٍ ، وابن عمر ، وأنس  قالوا : قَالَ النَّبيّ 
: (( لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ ، يُقَالُ : هذِهِ غَدْرَةُ فلانٍ )) . متفق عَلَيْهِ .
1586- وعن أَبي سعيدٍ الخدريّ  : أنَّ النبيَّ  ، قَالَ : (( لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يومَ القِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدَرِ غَدْرِهِ ، ألاَ وَلاَ غَادِرَ أعْظَمُ غَدْراً مِنْ أمِيرِ عَامَّةٍ )) . رواه مسلم .
1587- وعن أَبي هريرة  ، عن النبيّ  قَالَ : (( قَالَ الله تَعَالَى : ثَلاَثَةٌ أنا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ : رَجُلٌ أعْطَى بي ثُمَّ غَدَرَ ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرَّاً فَأَكَلَ ثَمَنَهُ ، وَرَجُلٌ اسْتَأجَرَ أجيراً ، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ ، وَلَمْ يُعْطِهِ أجْرَهُ )) . رواه البخاري .

278- باب النهي عن المنِّ بالعطية ونحوها

قَالَ الله تَعَالَى :  يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأذَى 
[ البقرة : 264 ] ، وقال تَعَالَى :  الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أنْفَقُوا مَنّاً وَلاَ أذىً  [ البقرة : 262 ] .
1588- وعن أَبي ذَر  ، عن النَّبيّ  قَالَ : (( ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَلاَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ ، وَلاَ يُزَكِّيِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ )) قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ  ثلاثَ مِرارٍ : قَالَ أَبُو ذرٍ : خَابُوا وخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رسول الله ؟ قَالَ : (( المُسْبِلُ ، والمَنَّانُ ، وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بالحَلِفِ الكَاذِبِ )) . رواه مسلم .
وفي روايةٍ لَهُ : (( المُسْبِلُ إزَارَهُ )) يَعْنِي : المُسْبِلَ إزَارَهُ وَثَوْبَهُ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ لِلخُيَلاَءِ .

279- باب النهي عن الافتخار والبغي

قَالَ الله تَعَالَى:  فَلاَ تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى  [ النجم: 32 ]، وقال تَعَالَى :  إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ في الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ  [ الشورى : 42 ] .
1589- وعن عياضِ بن حمارٍ  قَالَ : قَالَ رسولُ اللهِ  : (( إنَّ اللهَ تَعَالَى أوْحَى إلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أحَدٍ ، وَلاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أحَدٍ )) . رواه مسلم .
قَالَ أهلُ اللغةِ : البغيُ : التَّعَدِّي والاستطالَةُ( ) .
1590- وعن أَبي هريرة  : أنَّ رسول الله  ، قَالَ : (( إِذَا قَالَ الرجُلُ : هَلَكَ النَّاسُ ، فَهُوَ أهْلَكُهُمْ )) . رواه مسلم .
والرواية المشهورة : (( أهْلَكُهُمْ )) بِرَفعِ الكاف وروي بنصبها : وذلكَ النْهيُ لِمنْ قَالَ ذَلِكَ عُجْباً بِنَفْسِهِ ، وتَصَاغُراً للنَّاسِ ، وارْتِفاعاً عَلَيْهِمْ ، فَهَذَا هُوَ الحَرامُ ، وَأمَّا مَنْ قَالَهُ لِما يَرَى في النَّاسِ مِنْ نَقْصٍ في أمرِ دِينِهم ، وقَالَهُ تَحَزُّناً عَلَيْهِمْ ، وعَلَى الدِّينِ ، فَلاَ بَأسَ بِهِ . هكَذَا فَسَّرَهُ العُلَماءُ وفَصَّلُوهُ ، وَمِمَّنْ قَالَهُ مِنَ الأئِمَّةِ الأعْلامِ : مالِكُ بن أنس( ) ، وَالخَطَّابِيُّ( ) ، والحُميدِي( ) وآخرونَ( )، وَقَدْ أوْضَحْتُهُ في كتاب: " الأذْكار " ( ) .

280- باب تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام
إِلاَّ لبدعة في المهجور ، أَوْ تظاهرٍ بفسقٍ أَوْ نحو ذَلِكَ

قَالَ الله تَعَالَى:  إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ  [ الحجرات: 10 ] ، وقال تَعَالَى :  وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالعُدْوَانِ  [ المائدة : 2 ] .
1591- وعن أنس  قَالَ : قَالَ رسولُ الله  : (( لا تَقَاطَعُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً ، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَث )) . متفق عَلَيْهِ .
1592- وعن أَبي أيوبَ  : أنَّ رسول الله  قَالَ : (( لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ : يَلْتَقِيَانِ ، فَيُعْرِضُ هَذَا ، وَيُعْرِضُ هَذَا ، وخَيْرُهُما الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ )) . متفق عَلَيْهِ .
1593- وعن أَبي هريرة  قَالَ : قَالَ رسول الله  : (( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ في كلِّ اثْنَيْنِ وَخَمْيسٍ ، فَيَغْفِرُ اللهُ لِكُلِّ امْرِئٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً ، إِلاَّ امْرَءاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أخِيهِ شَحْنَاءُ ، فَيقُولُ : اتْرُكُوا هذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا )) . رواه مسلم .
1594- وعن جابر  قَالَ : سَمِعْتُ رسول الله  يقولُ : (( إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ ، وَلَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ )) . رواه مسلم .
(( التَّحْرِيشُ )) : الإفْسَادُ وتَغييرُ قُلُوبِهِمْ وتَقَاطُعُهُم .

1595- وعن أَبي هريرة  قَالَ : قَالَ رسول الله  : (( لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَاتَ ، دَخَلَ النَّارَ )) . رواه أَبُو داود بإسناد عَلَى شرط البخاري ومسلم .
1596- وعن أَبي خِراشٍ حَدْرَدِ بنِ أَبي حَدْرَدٍ الأسلميِّ . ويقالُ : السُّلمِيّ الصحابي  : أنَّه سمع النبيَّ  ، يقولُ : (( مَنْ هَجَرَ أخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ )) . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح .
1597- وعن أَبي هريرة  : أنًّ رسول الله  ، قَالَ : (( لاَ يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَهْجُرَ مُؤْمِناً فَوقَ ثَلاَثٍ ، فإنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاَثٌ ، فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَإنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ فَقَدِ اشْتَرَكَا في الأجْرِ ، وَإنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالإثْمِ ، وَخَرَجَ المُسَلِّمُ مِنَ الهِجْرَةِ )) . رواه أَبُو داود بإسناد حسن . قَالَ أَبُو داود : (( إِذَا كَانَتْ الهِجْرَةُ للهِ تَعَالَى فَليسَ مِنْ هَذَا في شَيْءٍ )) ( ) .

281- باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث بغير إذنه
إِلاَّ لحاجةٍ وَهُوَ أن يتحدثا سراً بحيث لا يسمعهما وفي معناه مَا إِذَا تحدثا
بلسان لا يفهمه

قَالَ الله تَعَالَى :  إنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ  [ المجادلة : 10 ]
1598- وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أنَّ رسولَ اللهِ  قَالَ : (( إِذَا كانُوا ثَلاثَةً ، فَلاَ يَتَنَاجَى( ) اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ )) . متفق عَلَيْهِ .
ورواه أَبُو داود وزاد : قَالَ أَبُو صالح : قُلْتُ لابنِ عُمرَ : فَأرْبَعَةً ؟ قَالَ : لا يَضُرُّكَ( ) .
ورواه مالك في "الموطأ"( ) : عن عبد الله بن دينارٍ ، قَالَ : كُنْتُ أنَا وابْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بنُ عُقْبَةَ الَّتي في السُّوقِ ، فَجَاءَ رَجُلٌ يُريدُ أنْ يُنَاجِيَهُ ، وَلَيْسَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي ، فَدَعَا ابْنُ عُمَرَ رَجُلاً آخَرَ حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً ، فَقَالَ لِي وَللرَّجُلِ الثَّالِثِ الَّذِي دَعَا : اسْتَأْخِرَا شَيْئاً ، فَإنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله  يقُولُ : (( لا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ )) .
1599- وعن ابن مسعود  : أنَّ رسول اللهِ  قَالَ : (( إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً ، فَلاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ ، مِنْ أجْلِ أنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ )) . متفق عَلَيْهِ .

282- باب النهي عن تعذيب العبد والدابة
والمرأة والولد بغير سبب شرعي أَوْ زائد عَلَى قدر الأدب

قَالَ الله تَعَالَى :  وَبِالوَالِدَيْنِ إحْساناً وَبِذي القُرْبَى واليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ والصَّاحِبِ بالجَنْبِ وابْنِ السَّبيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتالاً فَخُوراً  [ النساء الآية : 36 ] .
1600- وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أنَّ رسول الله  ، قَالَ :
(( عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حَتَّى مَاتَتْ ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا ، إذْ حَبَسَتْهَا ، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ )) . متفق عَلَيْهِ .
(( خَشَاشُ الأرضِ )) بفتح الخاءِ المعجمة وبالشينِ المعجمة المكررة ، وهي : هَوَامُّها وَحَشَرَاتُهَا .
1601- وَعَنْهُ : أنَّهُ مَرَّ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيراً وَهُمْ يَرْمُونَهُ ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهمْ ، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَنْ فَعَلَ هَذَا ؟ لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا ، إنَّ رسولَ الله  لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الرُّوحُ غَرَضاً . متفق عَلَيْهِ .
(( الغَرَضُ )) بفتحِ الغَين المعجمة والراءِ وَهُوَ الهَدَفُ وَالشَّيءُ الَّذِي يُرْمَى إِلَيْهِ .
1602- وعن أنس  قَالَ : نهى رسُولُ الله  أن تُصْبَرَ البَهَائِمُ . متفق عَلَيْهِ .
ومعناه : تُحْبَسُ لِلقَتْلِ .

1603- وعن أَبي عليٍّ سويدِ بن مُقَرِّنٍ  قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مِنْ بَنِي مُقَرِّنٍ مَا لَنَا خَادِمٌ إِلاَّ وَاحِدَةٌ لَطَمَهَا أصْغَرُنَا فَأَمَرَنَا رسولُ الله  أنْ نُعْتِقَهَا . رواه مسلم .
وفي روايةٍ : (( سَابعَ إخْوَةٍ لِي )) .
1604- وعن أَبي مسعودٍ البدْرِيِّ  قَالَ: كُنْتُ أضْرِبُ غُلامَاً لِي بالسَّوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوْتاً مِنْ خَلْفِي : (( اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ )) فَلَمْ أفْهَمِ الصَّوْتِ مِنَ الغَضَبِ ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رسولُ الله  ، فإذا هُوَ يَقُولُ : (( اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أنَّ اللهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الغُلامِ )) . فَقُلتُ : لا أضْرِبُ مَمْلُوكاً بَعْدَهُ أَبَداً .
وَفِي روايةٍ : فَسَقَطَ السَّوْطُ مِنْ يَدِي مِنْ هَيْبَتِهِ .
وفي روايةٍ : فَقُلتُ : يَا رسولَ الله ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى ، فَقَالَ : (( أمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ ، لَلَفَحَتْكَ النَّارُ ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ )) . رواه مسلم بهذه الروايات .

1605- وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أنَّ النَّبيَّ  ، قَالَ : (( مَنْ ضَرَبَ غُلاَمَاً لَهُ حَدّاً لَمْ يَأتِهِ ، أَوْ لَطَمَهُ ، فإنَّ كَفَارَتَهُ أنْ يُعْتِقَهُ )) . رواه مسلم .
1606- وعن هِشام بن حكيمِ بن حِزَامٍ رضي الله عنهما : أنَّه مَرَّ بالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الأَنْبَاطِ ، وَقَدْ أُقيِمُوا في الشَّمْسِ ، وَصُبَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الزَّيْتُ ! فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قيل : يُعَذَّبُونَ في الخَرَاجِ - وفي رواية : حُبِسُوا في الجِزْيَةِ - فَقَالَ هِشَامٌ : أشهدُ لَسَمِعْتُ رسولَ الله  ، يقولُ : (( إنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاس في الدُّنْيَا )) . فَدَخَلَ عَلَى الأمِيرِ ، فَحَدَّثَهُ ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا . رواه مسلم .
(( الأنباط )) الفلاحون مِنَ العَجَمِ .
1607- وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، قَالَ : رأى رسولُ الله  حِمَاراً مَوْسُومَ الوَجْهِ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : (( واللهِ لا أسِمُهُ إِلاَّ أقْصَى شَيْءٍ مِنَ الوَجْهِ )) وأمَرَ بِحِمَارِهِ فَكُوِيَ في جَاعِرَتَيْهِ ، فَهُوَ أوَّلُ مَنْ كَوَى الجَاعِرَتَيْنِ . رواه مسلم .
(( الجَاعِرَتَانِ )) : نَاحِيَةُ الوَرِكَيْنِ حَوْلَ الدُّبُرِ .
1608- وعنه : أنَّ النبيَّ  مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ في وَجْهِهِ ، فَقَالَ :
(( لَعَنَ اللهُ الَّذِي وَسَمَهُ )) . رواه مسلم .
وفي رواية لمسلم أَيضاً: نهى رسول الله  عَنِ الضَّرْبِ في الوَجْهِ ، وَعَنِ الوَسْمِ في الوَجْهِ( ) .

283- باب تحريم التعذيب بالنار
في كل حيوان حَتَّى النملة ونحوها

1609- عن أَبي هريرةَ  قَالَ : بعثنا رسولُ الله  في بَعْثٍ، فَقَالَ : (( إنْ وَجَدْتُمْ فُلاَناً وَفُلاناً )) لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا (( فَأَحْرِقُوهُمَا بالنَّارِ )) ثُمَّ قَالَ رسولُ الله  حِيْنَ أرَدْنَا الخرُوجَ: (( إنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أنْ تُحْرِقُوا فُلاناً وفُلاناً ، وإنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ الله ، فإنْ وَجَدْتُمُوهُما فاقْتُلُوهُما )) ( ) . رواه البخاري.
1610- وعن ابن مسعودٍ  قَالَ : كنَّا مَعَ رسول الله  في سَفَرٍ ، فانْطَلَقَ لحَاجَتِهِ ، فَرَأيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا ، فَجَاءتِ الحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَعْرِشُ( ) فَجَاءَ النَّبيُّ  فَقَالَ : (( مَنْ فَجَعَ هذِهِ بِوَلَدِهَا ؟ ، رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْها )) . ورأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا ، فَقَالَ : (( مَنْ حَرَّقَ هذِهِ ؟ )) قُلْنَا : نَحْنُ قَالَ : (( إنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَذِّبَ بالنَّارِ إِلاَّ رَبُّ النَّارِ )) . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح( ) .
قَوْله : (( قَرْيَةُ نَمْلٍ )) مَعْنَاهُ : مَوضْعُ النَّمْلِ مَعَ النَّمْلِ .

284- باب تحريم مطل الغني بحقٍّ طلبه صاحبه

قَالَ الله تَعَالَى :  إنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أهْلِهَا  [ النساء : 58 ] ، وقال تَعَالَى :  فَإن أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمَانَتَهُ  [ البقرة : 283 ] .
1611- وعن أَبي هريرة  : أنَّ رسول الله ، قَالَ : (( مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَع )) . متفق عَلَيْهِ .
معنى (( أُتبع )) : أُحِيل( ) .

285- باب كراهة عود الإنسان في هبة لَمْ يُسلِّمها
إِلَى الموهوب لَهُ وفي هبة وهبها لولده وسلمها أَوْ لَمْ يسلمها
وكراهة شرائه شَيْئاً تصدّق بِهِ من الَّذِي تصدق عَلَيْهِ
أَوْ أخرجه عن زكاة أَوْ كفارة ونحوها
وَلاَ بأس بشرائه من شخص آخر قَدْ انتقل إِلَيْهِ

1612- وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنَّ رسول الله  ، قَالَ
: (( الَّذِي يَعُودُ في هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ في قَيْئِهِ )) . متفق عَلَيْهِ .
وفي رواية : (( مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ في صَدَقَتِهِ ، كَمَثَلِ الكَلْبِ يَقِيءُ ، ثُمَّ يَعُودُ في قَيْئِهِ فَيَأكُلُهُ )) .
وفي روايةٍ : (( العائِدُ في هِبَتِهِ كالعائِدِ في قَيْئِهِ )) .
1613- وعن عمر بن الخطاب  قَالَ : حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ في سَبيلِ اللهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِندَهُ ، فَأَرَدْتُ أن أشْتَرِيَهُ ، وَظَنَنْتُ أنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ  ، فَقَالَ : (( لاَ تَشْتَرِهِ وَلاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وإنْ أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ ؛ فَإنَّ العَائِدَ في صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ في قَيْئِهِ )) . متفق عَلَيْهِ .
قَوْله : (( حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبيلِ الله )) مَعنَاهُ : تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَى بَعْضِ المُجَاهِدِينَ .


EmoticonEmoticon