Sunday, March 31, 2013

الضرورات تبيح المحظورات

الضرورات تبيح المحظورات



كتاب االحلال والحرام في الإسلام للقرضاوي

محتويات

التحريم يتبع الخبث والضرر

من حق الله تعالى -لكونه خالقا للناس ومنعما عليهم بنعم لا تحصى- أن يحل لهم وأن يحرم عليهم ما يشاء -كما له أن يتعبدهم من التكاليف والشعائر بما يشاء- وليس لهم أن يعترضوا أو يعصوا، فهذا حق ربوبيته لهم، ومقتضى عبوديتهم له. ولكنه تعالى رحمة منه بعباده، جعل التحليل والتحريم لعلل معقولة، راجعة لمصلحة البشر أنفسهم، فلم يحل سبحانه إلا طيبا، ولم يحرم إلا خبيثا.
صحيح أنه تعالى قد حرم على أمة اليهود بعض أصناف من الطيبات، غير أن ذلك كان عقوبة لهم على بغيهم وانتهاكهم حرمات الله، كما قال تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون) سورة الأنعام:146.

وقد بين الله صورا من هذا البغي في سورة أخرى فقال تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا. وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل) سورة النساء:160،161.
فلما بعث الله خاتم رسله بالدين العام الخالد، كان من رحمته تعالى بالبشرية -بعد أن نضجت وبلغت رشدها- أن يرفع عنها إصر التحريم الذي كان تأديبا موقتا لشعب عات، صلب الرقبة -كما وصفته التوراة- وكان عنوان الرسالة المحمدية عند أهل الكتاب -كما ذكر القرآن- أنهم: (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) سورة الأعراف:157.

وشرع الله لتكفير الخطيئة في الإسلام أمورا أخرى غير تحريم الطيبات، فهناك التوبة النصوح التي تمحو الذنب كما يمحو الماء الوسخ، وهناك الحسنات اللاتي يذهبن السيئات، وهناك الصدقات التي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وهناك المحن والمصائب التي تتناثر بها الخطايا كما يتناثر ورق الشجر في الشتاء إذا يبس.

وبذلك أصبح معروفا في الإسلام أن التحريم يتبع الخبث والضرر، فما كان خالص الضرر فهو حرام، وما كان خالص النفع فهو حلال، وما كان ضرره أكبر من نفعه فهو حرام، وما كان نفعه أكبر فهو حلال، وهذا ما صرح به القرآن الكريم في شأن الخمر والميسر (يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) سورة البقرة:219.
كما أصبح من الأجوبة الصريحة -إذا سئل عن الحلال في الإسلام- أنه (الطيبات) أي: الأشياء التي تستطيبها النفوس المعتدلة، ويستحسنها الناس في مجموعهم استحسانا غير ناشئ من أثر العادة، قال تعالى: (يسألونك ماذا أحل لهم؟ قل: أحل لكم الطيبات) سورة المائدة:4.
وقال: (اليوم أحل لكم الطيبات) سورة المائدة:5.
وليس من اللازم أن يكون المسلم على علم تفصيلي بالخبث أو الضرر الذي حرم الله من أجله شيئا من الأشياء، فقد يخفى عليه ما يظهر لغيره، وقد لا ينكشف خبث الشيء في عصره، ويتجلى في عصر لاحق، وعلى المؤمن أن يقول دائما: (سمعنا وأطعنا(.
ألا ترى أن الله حرم لحم الخنزير، فلم يفهم المسلم من علة لتحريمه غير أنه مستقذر، ثم تقدم الزمن فكشف العلم فيه من الديدان والجراثيم القتالة ما فيه؟ ولو لم يكشف العلم شيئا في الخنزير أو كشف ما هو أكثر من ذلك فإن المسلم سيظل على عقيدته بأنه (رجس).
ومثل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا الملاعن الثلاث (أي التي تجلب على فاعلها اللعنة من الله والناس): البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل { فلم يعرف أحد في القرون الأولى إلا أنها مستقذرة، يعافها الذوق السليم، والأدب العام، فلما تقدم الكشف العلمي عرفنا أن هذه (الملاعن الثلاثة) من أخطر الأشياء على الصحة العامة، وهي المصدر الأول لانتشار عدوى الأمراض الطفيلية الخطيرة كالانكلستوما والبلهارسيا.

وهكذا كلما نفذت أشعة العلم، واتسع نطاق الكشف تجلت لنا مزايا الإسلام في حلاله وحرامه، وفي تشريعاته كلها. وكيف لا وهو تشريع عليم حكيم رحيم بعباده (والله يعلم المفسد من المصلح، ولو شاء الله لأعنتكم، إن الله عزيز حكيم) سورة البقرة:220.

في الحلال ما يغني عن الحرام

ومن محاسن الإسلام ومما جاء به من تيسير على الناس أنه ما حرم شيئا عليهم إلا عوضهم خيرا منه مما يسد مسده، ويغني عنه، كما بين ذلك ابن القيم رحمه الله.
حرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم عنه دعاء الاستخارة.
وحرم عليهم الربا وعوضهم التجارة الرابحة.
وحرم عليهم القمار، وأعاضهم عنه أكل المال بالمسابقة النافعة في الدين بالخيل والإبل والسهام
وحرم عليهم الحرير، وأعاضهم عنه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن.
وحرم عليهم الزنا واللواط، وأعاضهم عنهما بالزواج الحلال
حرم عليهم شرب المسكرات، وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن.
وحرم عليهم الخبائث من المطعومات، وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات.

وهكذا إذا تتبعنا أحكام الإسلام كلها، وجدنا أن الله جل شأنه لم يضيق على عباده في جانب إلا وسع عليهم في جانب آخر من جنسه، فإنه سبحانه لا يريد بعباده عنتا ولا عسرا ولا إرهاقا، بل يريد اليسر والخير والهداية والرحمة، كما قال تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم. والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما، يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا). سورة النساء:26، 28.

ما أدى إلى الحرام فهو حرام

ومن المبادىء التي قررها الإسلام أنه إذا حرم شيئا حرم ما يفضي إليه من وسائل وسد الذرائع الموصلة إليه.
فإذا حرم الزنا مثلا حرم كل مقدماته ودواعيه، من تبرج جاهلي، وخلوة آثمة، واختلاط عابث، وصورة عارية، وأدب مكشوف، وغناء فاحش… الخ.

ومن هنا قرر الفقهاء هذه القاعدة: (ما أدى إلى الحرام فهو حرام).
ويشبه هذا ما قرره الإسلام من أن إثم الحرام لا يقتصر على فاعله المباشر وحده، بل يوسع الدائرة، فتشمل كل من شارك فيه بجهد مادي أو أدبي، كل يناله من الإثم على قدر مشاركته. ففي الخمر يلعن النبي عليه السلام شاربها وعاصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها … كما سنذكره بعد.

وفي الربا يلعن آكله ومؤكله (معطي الربا) وكاتبه وشاهديه.
وهكذا كل ما أعان على الحرام فهو حرام، وكل من أعان على محرم فهو شريك في الإثم.

التحايل على الحرام حرام

وكما حرم الإسلام كل ما يفضي إلى المحرمات من وسائل ظاهرة، حرم التحايل على ارتكابها بالوسائل الخفية، والحيل الشيطانية. وقد نعى على اليهود ما صنعوه من استباحة ما حرم الله بالحيل، وقال عليه السلام: "لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل"

وذلك أن اليهود حرم الله عليهم الصيد في السبت، فاحتالوا على هذا المحرم، بأن حفروا الخنادق يوم الجمعة، لتقع فيها الحيتان يوم السبت، فيأخذوها يوم الأحد. وهذا عند المحتالين جائز، وعند فقهاء الإسلام حرام، لأن المقصود الكف عما ينال به الصيد بطريق التسبب أو المباشرة.
ومن الحيل الآثمة تسمية الشيء بغير اسمه، وتغيير صورته مع بقاء حقيقته. ولا ريب أنه لا عبرة بتغيير الاسم إذا بقي المسمى ولا بتغيير الصورة إذا بقيت الحقيقة.
فإذا اخترع الناس صورا يتحايلون بها على أكل الربا الخبيث أو استحدثوا أسماء للخمر يستحلون بها شربها، فإن الإثم في الربا أو الخمر باق لازم. وفي الحديث:
"ليستحلن طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها" .
"يأتي على الناس زمان يستحلون الربا باسم البيع" .
ومن غرائب عصرنا أن يسمى الرقص الخليع (فنا) والخمور (مشروبات روحية) والربا (فائدة) وهكذا.

النية الحسنة لا تبرر الحرام

والإسلام يقدر البواعث الكريمة، والقصد الشريف والنية الطيبة، في تشريعاته وتوجيهاته كلها، والنبي يقول "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" وبالنية الطيبة تستحيل المباحات والعادات إلى طاعات و قربات إلى الله فمن تناول غذاءه بنية حفظ الحياة، وتقوية الجسد، ليستطيع القيام بواجبه نحو ربه وأمته، كان طعامه وشرابه عبادة قربة.
ومن أتى شهوته مع زوجه بقصد ابتغاء الولد أو إعفاف نفسه وأهله كان ذلك عبادة تستحق المثوبة، وفي ذلك يقول النبي عليه السلام "وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: أيأتي أحدنا شهوته يا رسول الله ويكون له فيها أجر؟ قال: أليس إن وضعها في حرام كان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر".
"ومن طلب الدنيا حلالا تعففا عن المسألة، وسعيا على عياله، وتعطفا على جاره لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر".

وهكذا كل عمل مباح يقوم به المؤمن، يدخل فيه عنصر النية، فتحيله إلى عبادة. أما الحرام فهو حرام مهما حسنت نية فاعله، وشرف قصده، ومهما كان هدفه نبيلا، ولا يرضى الإسلام أبدا أن يتخذ الحرام وسيلة إلى غاية محمودة، لأن الإسلام يحرص على شرف الغاية وطهر الوسيلة معا. ولا تقر شريعته بحال مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) أو مبدأ (الوصول إلى الحق بالخوض في الكثير من الباطل) بل توجب الوصول إلى الحق عن طريق الحق وحده.
فمن جمع مالا من ربا أو سحت أو لهو حرام أو قمار أو أي عمل محظور، ليبني به مسجدا أو يقيم مشروعا خيريا، أو.. أو ‎.. لم يشفع له نبل مقصده، فيرفع عنه وزر الحرام، فإن الحرام في الإسلام لا يؤثر فيه المقاصد والنيات.

هذا ما علمه لنا رسول الله حين قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) سورة المؤمنون:51. وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) سورة البقرة:172. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر (ساعيا للحج والعمرة ونحوهما) يمد يديه إلى السماء "يا رب يا رب" ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟!".
ويقول: "من مالا من حرام ثم تصدق به، لم يكن فيه أجر، وكان إصره عليه". ويقول: "لا يكسب عبد مالا حراما، فيتصدق به فيقبل منه، ولا ينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار. إن الله تعالى لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن. إن الخبيث لا يمحو الخبيث".

اتقاء الشبهات خشية الوقوع في الحرام

ومن رحمة الله تعالى بالناس أنه لم يدعهم في غمة من أمر الحلال و الحرام، بل بين الحلال وفصل الحرام، كما قال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) سورة الأنعام:119.
فأما الحلال البين فلا حرج في فعله. وأما الحرام البين فلا رخصة في إتيانه -في حالة الاختيار.
وهناك منطقة بين الحلال البين والحرام البين، هي منطقة الشبهات التي يلتبس فيها أمر الحل بالحرمة على بعض الناس، إما لاشتباه الأدلة عليه، وإما للاشتباه في تطبيق النص على هذه الواقعة أو هذا الشيء بالذات.
وقد جعل الإسلام من الورع أن يتجنب المسلم هذه الشبهات، حتى لا يجره الوقوع فيها إلى مواقعة الحرام الصرف. وهو نوع من سد الذرائع الذي تحدثنا عنه. ثم هو كذلك لون من التربية البعيدة النظر، الخبيرة بحقيقة الحياة والإنسان.
وأصل هذا المبدأ قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات، لا يدري كثير من الناس: أمن الحلال هي أم من الحرام؟ فمن تركها استبراءا لدينه وعرضه فقد سلم، ومن واقع شيئا منها يوشك أن يواقع الحرام، كما أن من يرعى حول الحمى (وهو مكان محدود يحجزه السلطان لترعى فيه أنعامه وحدها ويحجر على غيرها أن تنال منه شيئا) أوشك أن يواقعه. ألا وإن لكل ملك حمى. ألا وإن حمى الله محارمه".

لا محاباة ولا تفرقة في المحرمات

الحرام في شريعة الإسلام يتسم بالشمول والاطراد، فليس هناك شيء حرام على العجمي حلال للعربي وليس هناك شيء محظور على الأسود مباح للأبيض، وليس هناك جواز أو ترخيص ممنوح لطبقة أو طائفة من الناس تقترف باسمه ما طوع لها الهوى باسم أنهم كهنة أو أحبار أو ملوك أو نبلاء. بل ليس للمسلم خصوصية تجعل الحرام على غيره حلالا له. كلا، إن الله رب الجميع، والشرع سيد الجميع، فيما أحل الله بشريعته فهو حلال للناس كافة، وما حرم فهو حرام على الجميع إلى يوم القيامة.
السرقة مثلا حرام، سواء أكان السارق مسلما أم غير مسلم، وسواء أكان المسروق منه مسلما أو غير مسلم، والجزاء لازم للسارق أيا كان نسبه أو مركزه، وهذا ما صنعه الرسول وما أعلنه "وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها".

ولقد حدث في زمن الرسول أن ارتكبت سرقة حامت فيها الشبهة حول يهودي ومسلم، واستطاع بعض أقرباء المسلم أن يثيروا الغبار حول اليهودي ببعض القرائن ويبعدوا التهمة عن صاحبهم المسلم -وهو في الواقع مرتكب السرقة- حتى هم النبي أن يخاصم عنه، اعتقادا ببراءته فنزل الوحي الإلهي يفضح الخونة، ويبرئ اليهودي، ويعاتب الرسول، ويضع الحق في نصابه، وذلك قوله سبحانه: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما. واستغفر الله، إن الله كان غفورا رحيما. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول، وكان الله بما يعملون محيطا. ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا؟) سورة النساء:105، 109.

لقد زعمت اليهودية المحرفة أن الربا حرام على اليهودي إذا أقرض أخاه اليهودي أما غير اليهودي فلا بأس بإقراضه بالربا، هكذا يقول سفر تثنية الاشتراع (33:19) "ألا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء مما يقرض بربا (20) للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا.."
وقد حكى القرآن عنهم مثل هذه النزعة، حيث استباحوا الخيانة مع غير أبناء جنسهم وملتهم، ولم يروا في ذلك حرجا ولا إثما. وفي ذلك يقول القرآن: (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ما دمت عليه قائما. ذلك بأنهم قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) سورة آل عمران:75. نعم يقولون على الله الكذب، لأن شريعته لا تفرق بين قوم وقوم، وقد حرم الخيانة على لسان رسله وأنبيائه.

ويؤسفنا أن هذه النزعة الإسرائيلية نزعة همجية بدائية، لا تليق أن تنسب إلى دين سماوي، فإن الأخلاق الفاضلة بل الأخلاق الحقة هي التي تتسم بالإطلاق والشمول، فلا تحل لهذا ما تحرم على ذاك. والفرق بيننا وبين البدائيين إنما هو اتساع الدائرة الخلقية لا في وجودها وعدمها، فالأمانة مثلا كانت عندهم خصلة محمودة، ولكنها خاصة بأبناء القبيلة بعضهم مع بعض، فإذا خرج الأمر عن نطاق القبيلة أو العشيرة جازت الخيانة بل استحبت أو وجبت

قال صاحب (قصة الحضارة): (إن كل الجماعات البشرية تقريبا تكاد تتفق في عقيدة كل منها بأن سائر الجماعات أحط منها، فالهنود الأمريكيون يعدون أنفسهم شعب الله المختار، خلقهم "الروح الأعظم" خاصة ليكونوا مثالا يرتفع إليه البشر. وقبيلة من القبائل الهندية تطلق على نفسها (الناس الذين لا ناس سواهم) وأخرى تطلق على نفسها (الناس بين الناس) وقال الكاربيون (نحن وحدنا الناس) … ونتيجة ذلك أن الإنسان البدائي لم يكن يدور في خلده أن يعامل القبائل الأخرى ملتزما نفس القيود الخلقية التي يلتزم في معاملته لبني قبيلته، فهو صراحة يرى أن وظيفة الأخلاق هي تقوية جماعته، وشد أزرها تجاه سائر الجماعات، فالأوامر الخلقية والمحرمات لا تنطبق إلا على أهل قبيلته، أما الآخرون فما لم يكونوا ضيوفه، فمباح له أن يذهب في معاداتهم إلى الحد المستطاع).

الضرورات تبيح المحظورات

ضيق الإسلام دائرة المحرمات، ولكن بعد ذلك شدد في أمر الحرام، وسد الطرق المفضية إليه، ظاهرة أو خفية، فما أدى إلى الحرام فهو حرام، وما أعان على الحرام فهو حرام، وما احتيل به على الحرام فهو حرام. إلى آخر ما ذكرناه من مبادئ وتوجيهات. بيد أن الإسلام لم يغفل عن ضرورات الحياة وضعف الإنسان أمامها، فقدر الضرورة القاهرة، وقدر الضعف البشري وأباح للمسلم -عند ضغط الضرورة- أن يتناول من المحرمات ما يدفع عنه الضرورة ويقيه الهلاك.
ولهذا قال الله تعالى -بعد أن ذكر محرمات الطعام من الميتة والدم ولحم الخنزير- (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) سورة البقرة:173. وكرر هذا المعنى في أربع سور من القرآن كلما ذكر محرمات الطعام. ومن هذه الآيات وأمثالها قرر فقهاء الإسلام مبدأ هاما هو: (إن الضرورات تبيح المحظورات).

ولكن الملاحظ أن الآيات قيدت المضطر أن يكون (غير باغ ولا عاد) وفسر هذا بأن يكون غير باغ للذة طالب لها، ولا عاد حد الضرورة متجاوز في التشبع. من هذا القيد أخذ الفقهاء مبدأ آخر هو: (الضرورة تقدر بقدرها) فالإنسان وإن خضع لداعي الضرورة لا ينبغي أن يستسلم لها، ويلقي إليها بزمام نفسه، بل يجب أن يظل مشدودا إلى الأصل الحلال باحثا عنه، حتى لا يستمرئ الحرام أو يستسهله بدافع الضرورة.

والإسلام بإباحته المحظورات عند الضرورات إنما يساير في ذلك روحه العامة، وقواعده الكلية، تلك هي روح الميسر الذي لا يشوبه عسر والتخفيف الذي وضع به عن الأمة الآصار والأغلال التي كانت من قبلها من الأمم. وصدق الله العظيم (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) سورة البقرة:185. (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) سورة المائدة:6. (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) سورة النساء:28


EmoticonEmoticon