الواسطة الشركية

الواسطة الشركية

يخطئ كثير من الناس في فهم حقيقة الواسطة فيطلقون الحكم هكذا
جزافاً بأن الواسطة شرك ، وأن من اتخذ واسطة بأي كيفية كانت فقد أشرك بالله ،
 ما نعبدهم ِإلَّا ليقَربونا ِإَلى اللَّه زلْفَى  : وأن شأنه في هذا شأن المشركين القائلين
، وهذا كلام مردود ، والاستدلال بالآية في غير محله ، وذلك لأن هذه الآية الكريمة
صريحة في الإنكار على المشركين عبادم للأصنام واتخاذها آلهة من دونه تعالى
وإشراكهم إياها في دعوى الربوبية على أن عبادم لها تقرم إلى الله زلفى ،
فكفرهم وإشراكهم من حيث عبادم لها ومن حيث اعتقادهم أا أرباب من
دون الله .

وهنا مهمة لابد من بياا وهي أن هذه الآية تشهد بأن أولئك المشركين
ما كانوا جادين فيما يحكي ربنا عنهم من قولهم مسوغين عبادة الأصنام : ما
نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فإم لو كانوا صادقين في ذلك لكان الله أجل
عندهم من تلك الأصنام ، فلم يعبدوا غيره ، وقد ى الله المسلمين من سب
ولاَ تسبواْ الَّذين يدعونَ من دون اللّه فَيسبواْ اللّه عدوًا ِبغيرِ  : أصنامهم بقوله تعالى 

.  علْمٍ كَذَلك زينا لكُلِّ ُأمة عملَهم ُثم ِإَلى ربهِم مرجِعهم فَينبُئهم ِبما كَانواْ يعملُونَ
روى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو
الشيخ عن قتادة رضي الله عنه أنه قال : (( كان المسلمون يسبون أصنام الكفار
ولاَ تسبواْ الَّذين يدعونَ من دون اللّه  : فيسب الكفار الله عز وجل ، فأنزل الله
هذا سبب نزول هذه الآية . فهي إذن تنهى ،  فَيسبواْ اللّه عدوًا ِبغيرِ علْمٍ
المؤمنين ي تحريم شديد أن يقولوا كلمة نقص في الحجارة التي كان يعبدها
الوثنيون بمكة المشرفة ، لأن قول تلك الكلمة يتسبب عنه غضب أولئك الوثنيين
غيرة على تلك الأحجار التي كانوا يعتقدون من صميم قلوم أا آلهة تنفع وتضر ،
وإذا غضبوا قابلوا المسلمين بالمثل فيسبون رم الذي يعبدونه ، وهو رب العالمين ،
ويرمونه بالنقائص وهو المتره عن كل نقص ، ولو كانوا صادقين بأن عبادم

لأصنامهم تقرم إلى الله زلفى ما اجترؤا أن يسبوه انتقاماً ممن يسبون آلهتهم فإن
ذلك واضح جدًا في أن الله تعالى في نفوسهم أقل من تلك الحجارة .
وَلئن سأَلْتهم من خَلق السماوات والْأَ  رض  : وقل ذلك أيضاً في قوله تعالى
فإم لو كانوا يعتقدون حقاً أن الله تعالى الخالق وحده وأن ،   َليقُوُلن اللَّه
أصنامهم لا تخلق ، لكانت عبادم لله وحده دوا أو لكان على الأقل احترامهم
له تعالى فوق احترامهم لتلك الحجارة ، وهل هذا يتفق مع شتمهم له عز وجل
غيرة على حجارم وانتقاماً لها منه سبحانه وتعالى ؟ إن البداهة تحكم أنه لا يتفق
أبدًا ، وليست الآية التي معنا وحدها تدل على أن الله تعالى أقل عند أولئك
وجعلُواْ للّه مما ذَرَأ من : المشركين من حجارم بل لها أمثال ! منها قوله تعالى
الْح  رث والأَنعامِ نصيباً فَقَاُلواْ هذَا للّه ِبزعمهِم وهذَا لشركَآئنا فَما كَانَ
 لشركَآئهِم فَلاَ يصلُ ِإَلى اللّه وما كَانَ للّه فَهو يصلُ ِإَلى شركَآئهِم ساء ما يحكُمونَ

، فلولا أن الله تعالى أقل في نفوسهم من تلك الحجارة ما رجحوها عليه هذا الترجيح
. ساء ما يحكُمونَ  : الذي تحكيه هذه الآية واستحقوا عليه حكم الله عليهم بقوله
ومن هذا القبيل قول أبي سفيان رضي الله عنه قبل إسلامه : ((أعلُ هبل))
كما رواه البخاري ينادي صنمهم المسمى بل أن يعلو في تلك الشدة رب
السماوات والأرض ويقهره ليغلب هو وجيشه جيش المؤمنين الذي يريد أن يغلب
آلهتهم ، هذا مقدار ما كان عليه أولئك المشركون مع تلك الأوثان ومع الله رب
العالمين .

فليعرف هذا حق المعرفة فإن كثيرًا من الناس لا يفهمونه ويبنون
عليه ما يبنون .

ألا ترى أن الله لما أمر المسلمين باستقبال الكعبة في صلام توجهوا بعبادم إليها
واتخذوها قبلة ؟ وليست العبادة لها وتقبيل الحجر الأسود إنما هو عبودية لله تعالى ،
واقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، ولو أن أحدًا من المسلمين نوى
العبادة لهما لكان مشركاً كعبدة الأوثان .

فالواسطة لابد منها وهي ليست شركاً وليس كل من اتخذ بينه وبين الله واسطة يعتبر مشركاً وإلا لكان البشر كلهم مشركين بالله لأن أمورهم جميعاً تنبني
تلقى القرآن بواسطة جبريل ، فجبريل واسطة للنبي  على الواسطة ، فالنبي
الواسطة العظمى للصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فقد كانوا  وهو 
يفزعون إليه في الشدائد فيشكون إليه حالهم ويتوسلون به إلى الله ويطلبون منه
الدعاء فما كان يقول لهم أشركتم وكفرتم فإنه لا يجوز الشكوى إليَّ ولا الطلب مني
بل عليكم أن تذهبوا وتدعوا وتسألوا بأنفسكم فإن الله أقرب إليكم مني ،
لا بل يقف ويسأل مع أم يعلمون كل العلم أن المعطي حقيقة هو الله وأن المانع
يعطي بإذن الله وفضله ، وهو الذي يقول :  والباسط والرازق هو الله ، وأنه
((إنما أنا قاسم والله معط)) ، وبذلك يظهر أنه يجوز وصف أي بشر عادي بأنه
فرج الكربة وقضى الحاجة أي كان واسطة فيها فكيف بالسيد الكريم والنبي العظيم
 أشرف الكونين وسيد الثقلين وأفضل خلق الله على الإطلاق ؟ ألم يقل النبي
كما جاء في الصحيح :

((من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا)) الخ ؟
فالمؤمن مفرج الكربات .
ألم يقل صلى الله عليه وسلم :
((من قضى لأخيه حاجة كنت واقفاً عند ميزانه فإن رجح وإلا شفعت له))؟
فالمؤمن قاض للحاجات .

ألم يقل في الصحيح :
((من ستر مسلماً)) .. الحديث ؟
ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم :
((أن لله عز وجل خلقاً يفزع إليهم في الحوائج)) ؟.
ألم يقل في الصحيح :
((والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)) ؟.

ألم يقل في الحديث :
((من أغاث ملهوفاً كتب الله له ثلاثاً وتسعين حسنة)) ؟ رواه أبو يعلى
والبزار والبيهقي .
فالمؤمن هنا فرج وأعان وأغاث وقضى وستر وفزع إليه مع أن المفرج والقاضي
والستار والمعين حقيقة هو الله عز وجل ، لكنه لما كان واسطة في ذلك صح نسبة
الفعل إليه .

وقد جاء في الأحاديث النبوية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أحاديث كثيرة تفيد أن الله سبحانه وتعالى يدفع العذاب عن أهل الأرض
بالمستغفرين وعمار المساجد وأن الله سبحانه وتعالى يرزق م أهل الأرض وينصرهم
ويصرف عنهم البلاء والغرق .

روى الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن عن مانع الديلمي رضي الله
:  تعالى عنه أنه قال : قال النبي
((لولا عباد لله ركع وصبية رضع وائم رتع لصب عليكم العذاب
صباً ثم رض رضا)) ..

قال:  وروى البخاري عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي
((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)) ..
وروى الترمذي وصححه والحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال :
((لعلك ترزق به)) ..
قال :  وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله
((إن لله عز وجل خلقاً خلقهم لحوائج الناس يفزع إليهم الناس في
حوائجهم أولئك الآمنون من عذاب الله تعالى)) ..
رواه الطبراني في الكبير وأبو نعيم والقضاعي وهو حسن .
:  وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله
((إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته
ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله عز وجل ما دام فيهم)) .

وعن ابن عمر قال : قال رسول الله
((إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه بلاء)) ..
 وَلولاَ دفْع اللّه الناس بعضهم ِبب  عضٍ لَّفَس  دت الأَر  ض  : ثم قرأ ابن عمر
رواه الطبراني . وعن ثوبان رفع الحديث قال :
((لا يزال فيكم سبعة م تنصرون وم تمطرون وم ترزقون حتى يأتي
أمر الله)) ..
:  وعن عبادة بن الصامت قال : قال
((الأبدال في أمتي ثلاثون ، م ترزقون وم تمطرون وم تنصرون)) .
قال قتادة : إني لأرجو أن يكون الحسن منهم .. رواه الطبراني .
ذكر هذه الأحاديث الأربعة الحافظ ابن كثير في التفسير عند قوله تعالى :
في سورة البقرة – وهي صالحة للاحتجاج ، ومن –   وَلولاَ دفْع اللّه الناس 
مجموعها يصير الخبر صحيحاً .

:  وعن أنس قال : قال رسول الله
((لن تخلو الأرض من أربعين رجلاً مثل خليل الرحمن ، فبهم تسقون وم
تنصرون ما مات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه آخر)) .. رواه الطبراني في
. (٦٢/ الأوسط وإسناده حسن . (كذا في مجمع الزوائد ج ١٠
الواسطة العظمى :

وفي يوم المحشر الأعظم الذي هو يوم التوحيد ويوم الإيمان يوم يبرز
العرش ، يظهر فضل الواسطة العظمى صاحب اللواء المعقود والمقام
المحمود والحوض المورود الشافع المشفع الذي لا ترد شفاعته ولا تضيع
ضمانته عند من وعده بأن لا يخيب ظنه ولا يخزيه أبدًا ولا يحزنه ولا يسوؤه
في أمته حيث يتوجه الخلق إليه ويستشفعون به فيقوم فلا يرجع إلا بخلعة
الإحسان وتاج الكرامة المتمثل في قول الله له : يا محمد إرفع رأسك
واشفع تشفع وسل تعط .
المقال التالي المقال السابق