كتاب الوقف وفيه بابان علي مذهب الإمام الشافعي

فبراير 06, 2022
عنوان الكتاب: أسنى المطالب في شرح روض الطالب و حاشية الرملي الكبير
المؤلف: زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري - شهاب أحمد الرملي - محمد بن أحمد الشوبري
تحقيق: زهير الشاويش الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان الطبعة: الثالثة، 1412هـ / 1991م
الموضوع: الفقه علي مذهب الإمام الشافعي
عدد الأجزاء: 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عدد المجلدات: 4
عدد الصفحات: 2072

[كِتَابُ الْوَقْفِ وَفِيهِ بَابَانِ]
[الْبَابَ الْأَوَّلُ وَفِيهِ طَرَفَانِ]
[الطَّرَف الْأَوَّل فِي أَرْكَانِ الْوَقْفِ]
(كِتَابُ الْوَقْفِ) (قَوْلُهُ: عَلَى مَصْرِفٍ مُبَاحٍ) مَوْجُودٍ (قَوْلُهُ: أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ) أَيْ النَّاجِزُ وَالِاخْتِيَارُ (قَوْلُهُ: وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْإِمَامَ إلَخْ) وَمَا لَوْ كَانَ الْحَاكِمُ نَاظِرًا عَلَى الْوَقْفِ وَشَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ مَا يَصِحُّ وَقْفُهُ يُوقَفُ وَمِثْلُهُ مَا يَقِفُهُ مَنْ شُرِطَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ نَاظِرٍ أَوْ وَصِيٍّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمًا.
(29) (قَوْلُهُ: وَيَحْصُلُ مِنْهَا فَائِدَةٌ أَوْ مَنْفَعَةٌ) الْمُرَادُ بِالْفَائِدَةِ اللَّبَنُ وَالثَّمَرَةُ وَنَحْوُهُمَا وَبِالْمَنْفَعَةِ السُّكْنَى وَاللُّبْسُ وَنَحْوُهُمَا (قَوْلُهُ: وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَتَجِبُ الْقِسْمَةُ) لِتَعَيُّنِهَا طَرِيقًا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ مَنْعِ قِسْمَةِ الْوَقْفِ مِنْ الْمُطْلَقِ لِلضَّرُورَةِ (قَوْلُهُ: وَأَفْتَى الْبَارِزِيُّ بِجَوَازِ الْمُكْثِ فِيهِ مَا لَمْ يُقْسَمْ) فِي إطْلَاقِ كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ وَالْأَوْجَهُ كَمَا فِي الْخَادِمِ أَنَّهُ إنْ وَقَفَ الْأَكْثَرَ مَسْجِدًا حَرُمَ مُكْثُ الْجُنُبِ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ كَمَا فِي حَمْلِ التَّفْسِيرِ إنْ كَانَ الْقُرْآنُ فِيهِ أَكْثَرَ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا وَكَلُبْسِ الْمُرَكَّبِ مِنْ إبْرَيْسَمٍ وَغَيْرِهِ، أث: الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ وَبَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَاضِحٌ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ حُكْمِ الْأُولَى مِنْهُمَا.
(تَنْبِيهٌ) أَمَّا جَعْلُ الْفُرُشِ وَالثِّيَابِ مَسْجِدًا فَمَوْضِعُ تَوَقُّفٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ مِثْلُهُ، وَكُتُبُ الْأَصْحَابِ عَنْ التَّنْصِيصِ عَلَى الْجَوَازِ، أَوْ عَدَمِهِ سَاكِتَةٌ وَإِنْ ظُنَّ الْجَوَازُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ، وَالْأَحْوَطُ الْمَنْعُ كوهكيلوني، وَقَوْلُهُ: وَالْأَحْوَطُ الْمَنْعُ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(2/457)


وَقَدَّمْت فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِيهِ (وَ) يَصِحُّ وَقْفُ (الْأَشْجَارِ وَالْمَنْقُولَاتِ) كَعَبِيدٍ وَثِيَابٍ وَدَوَابَّ (لِرِيعِهَا) مِنْ ثَمَرَةٍ وَصُوفٍ وَوَبَرٍ وَكَسْبٍ وَلُبْسٍ وَرُكُوبٍ وَغَيْرِهَا.
(وَ) يَصِحُّ (وَقْفُ عَبْدٍ وَجَحْشٍ صَغِيرَيْنِ وَزَمِنٍ يُرْجَى) زَوَالُ زَمَانَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَنْفَعَةُ مَوْجُودَةً فِي الْحَالِ كَمَا يَجُوزُ نِكَاحُ رَضِيعَةٍ (وَ) وَقْفُ (حُلِيٍّ لِلُبْسٍ لَا) وَقْفُ (النَّقْدَيْنِ) كَمَا لَا تَصِحُّ إجَارَتُهُمَا قَالَ فِي الْأَصْلِ وَحَكَى الْإِمَامُ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا وَقْفَهُمَا لِيُصَاغَ مِنْهُمَا الْحُلِيُّ بِوَقْفِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ وَتَرَدَّدَ هُوَ فِيهِ (وَ) لَا (الرَّيَاحِينِ) الْمَشْمُومَةِ لِسُرْعَةِ فَسَادِهَا وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي الرَّيَاحِينِ الْمَحْصُودَةِ وَأَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمَزْرُوعَةِ لِلشَّمِّ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى مُدَّةً وَنَبَّهَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ فَقَالَ الظَّاهِرُ الصِّحَّةُ فِي الْمَزْرُوعَةِ وَقَالَ الْخُوَارِزْمِيَّ وَابْنُ الصَّلَاحِ يَصِحُّ وَقْفُ الْمَشْمُومِ الدَّائِمِ نَفْعُهُ كَالْعَنْبَرِ، وَالْمِسْكِ (وَلَا أُمِّ وَلَدٍ وَمُكَاتَبٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَقْبَلَانِ النَّقْلَ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ حَلَّهُمَا حُرْمَةُ الْعِتْقِ فَالْتَحَقَا بِالْحُرِّ.
(وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمُدَبَّرِ، وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ) كَمَا فِي بَيْعِهِمَا (لَكِنْ يَعْتِقَانِ لَوْ وُجِدَتْ) أَيْ الصِّفَةُ وَيَبْطُلُ وَقْفُهُمَا لِتَقَدُّمِ سَبَبِ عِتْقِهِمَا عَلَى وَقْفِهِمَا وَهَذَا مَا فِي الْأَصْلِ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْوَقْفِ لِلْوَاقِفِ، أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْفُورَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي بَسِيطِهِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ إنَّمَا يَعْتِقُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْوَاقِفِ فَقَطْ وَقَدْ نَسَبَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الْبَغَوِيّ إلَى انْفِرَادِهِ بِمَا ذَكَرَهُ فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ لَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ (وَلَا يَصِحُّ) مِنْ الْحُرِّ (وَقْفُ نَفْسِهِ) لِأَنَّ رَقَبَتَهُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ (وَ) لَا وَقْفُ (الْمَلَاهِي) لِحُرْمَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ (وَلَا) وَقْفُ (كَلْبِ صَيْدٍ) أَوْ غَيْرِهِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ (وَلَا) وَقْفُ (أَحَدِ عَبْدَيْهِ) لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ وَفَارَقَ الْعِتْقَ بِأَنَّهُ أَنْفَذُ بِدَلِيلِ سِرَايَتِهِ وَتَعْلِيقِهِ (وَلَا) وَقْفُ (مَنْفَعَةٍ دُونَ عَيْنٍ) سَوَاءٌ أَمَلَكَهَا مُؤَقَّتًا كَالْمُسْتَأْجِرِ أَمْ مُؤَبَّدًا كَالْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ لِانْتِفَاءِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ.
وَحِكْمَتُهُ أَنَّ الْوَقْفَ يَسْتَدْعِي أَصْلًا يُحْبَسُ لِتُسْتَوْفَى مَنْفَعَتُهُ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ وَلِأَنَّ الْوَقْفَ يُشْبِهُ التَّحْرِيرَ، وَمِلْكُ الْمَنْفَعَةِ لَا يُفِيدُ وِلَايَةَ التَّحْرِيرِ.
(وَلَا) وَقْفُ (عَبْدٍ) مَثَلًا (فِي الذِّمَّةِ) أَيْ ذِمَّتِهِ، أَوْ ذِمَّةِ غَيْرِهِ كَمَا لَا يَصِحُّ عِتْقُهُ وَلِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ الْحَمْلِ، وَإِنْ صَحَّ عِتْقُهُ، نَعَمْ إنْ وَقَفَ الْحَامِلَ صَحَّ فِيهِ تَبَعًا لِأُمِّهِ (وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمَغْصُوبِ) إذْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْعَجْزُ عَنْ صَرْفِ مَنْفَعَتِهِ إلَى جِهَةِ الْوَقْفِ فِي الْحَالِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ (وَ) يَصِحُّ وَقْفُ (الْعُلُوِّ وَحْدَهُ) مِنْ دَارٍ، أَوْ نَحْوِهَا وَلَوْ مَسْجِدًا (وَ) وَقْفُ (الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ) بِخِلَافِ إجَارَتِهِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ قُرْبَةٌ يُحْتَمَلُ فِيهَا مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ (وَلَوْ وَقَفَ مَا لَمْ يَرَهُ، أَوْ) وَقَفَ (الْمُؤَجِّرُ أَرْضُهُ) الَّتِي أَجَّرَهَا (أَوْ الْوَارِثُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةً، أَوْ الْمُسْتَأْجِرُ) لِأَرْضٍ (بِنَاءَهُ) أَوْ غِرَاسَهُ الَّذِي بَنَاهُ، أَوْ غَرَسَهُ فِيهَا (صَحَّ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَمْلُوكٌ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَقْفُ فِي الْأَخِيرَةِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ وَقْفُ الْأَشْجَارِ) لَوْ وَقَفَ شَجَرَةً أَوْ جِدَارًا فَفِي دُخُولِ مَقَرِّهِمَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عَدَمُ دُخُولِهِ (قَوْلُهُ: كَعَبِيدٍ وَثِيَابٍ) اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ فِي الْأَعْصَارِ عَلَى وَقْفِ الْحُصُرِ، وَالْقَنَادِيلِ وَالزَّلَالِيّ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ (قَوْلُهُ: أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا وَقْفَهُمَا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمَزْرُوعَةِ لِلشَّمِّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: لِتَقَدُّمِ سَبَبِ عِتْقِهِمَا عَلَى وَقْفِهِمَا) وَلِأَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ حَقَّانِ لِلَّهِ تَعَالَى فَقُدِّمَ أَقْوَاهُمَا وَهُوَ الْعِتْقُ وَيُشْكِلُ ذَلِكَ بِأَنَّ تَنْفِيذَ الْعِتْقِ - وَقَدْ زَالَ مِلْكُ الْمُعْتِقِ - خِلَافُ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ. أث: جَوَابُهُ مَنْعُ مُخَالَفَتِهِ لِلْقَوَاعِدِ؛ إذْ الْمُعْتَبَرُ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ بِالتَّعْلِيقِ وُجُودُهُ فِي مِلْكِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ صِفَتِهِ فِي مِلْكِهِ أَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِرَقِيقِهِ إذَا مِتّ وَمَضَى شَهْرٌ فَأَنْت حُرٌّ عَتَقَ بِمُضِيِّهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَجْهُ إشْكَالِهِ أَنَّ الصِّفَةَ تَزُولُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ لَكِنَّ جَوَابَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَنْعُ الزَّوَالِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا تَبْطُلُ الصِّفَةُ إذَا انْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَى غَيْرِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فِي الصِّفَةِ وَهَاهُنَا انْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَى مَنْ لَهُ حَقُّ الْعِتْقِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ عَتَقَ تَقْدِيمًا لِأَقْوَى السَّبَبَيْنِ وَهُوَ الْعِتْقُ فَإِنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْوَقْفِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَسْرِي بِخِلَافِ الْوَقْفِ.
الثَّانِي أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ سَبَقَ عَلَى حَقِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى وَقْتِ التَّعْلِيقِ لَا إلَى وَقْتِ وُجُودِ الصِّفَةِ وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَنْفَعَةِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي نُفُوذَ الْعِتْقِ فِي الرَّقَبَةِ كَمَا أَنَّ الْعَبْدَ الْمُوصَى بِمَنَافِعِهِ يَصِحُّ عِتْقُهُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا مَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ إلَخْ) لَا تَخَالُفَ بَيْنَ مَا نَقَلَاهُ عَنْ الْبَغَوِيّ هُنَا وَأَقَرَّاهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِمَا فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْكِتَابِ: إنَّهُ إذَا وَطِئَ الْوَاقِفُ الْجَارِيَةَ الْمَوْقُوفَةَ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ إنْ جَعَلْنَا الْمِلْكَ فِي رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعِتْقِ وَهُوَ التَّعْلِيقُ سَابِقٌ عَلَى حَقِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْطُلْ فِي الْوَقْفِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْهُ وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِتْقِ، وَالْوَقْفِ فَأَبْطَلْنَا الْوَقْفَ لِتَأَخُّرِهِ وَضَعْفِهِ بِخِلَافِ الِاسْتِيلَادِ فَإِنْ سَبَبَ الْعِتْقِ فِيهِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْوَقْفِ فَلَمْ يَثْبُتْ لِعَدَمِ وُقُوعِ الْوَطْءِ فِي مِلْكِهِ لِانْتِقَالِهِ عَنْهُ بِالْوَقْفِ (قَوْلُهُ: فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ لَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ) أَمَّا إذَا قُلْنَا الْمِلْكُ لِلَّهِ لَمْ يَعْتِقْ كَمَا لَوْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ بِالْبَيْعِ، ثُمَّ وُجِدَتْ الصِّفَةُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَالْبَغَوِيُّ هُنَا أَفْقَهُ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ مَقْصُودَ كُلٍّ مِنْ التَّعْلِيقِ بِالصِّفَةِ، وَالْوَقْفِ هُوَ إخْرَاجُ الرَّقِيقِ عَنْ الْمِلْكِ لِيَكُونَ الْمِلْكُ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى؛ فَلَمْ يَكُنْ الْإِخْرَاجُ بِالْوَقْفِ مَانِعًا مِنْ تَرَتُّبِ أَثَرِ التَّعْلِيقِ الَّذِي تَشَوَّفَ الشَّارِعُ إلَى مَقْصُودِهِ أَرْجَحُ لِأَنَّ كَوْنَ الْمِلْكِ لِلَّهِ فِي الْوَقْفِ لَا يَقْطَعُ تَعَلُّقَ الْوَاقِفِ اتِّبَاعَ شَرْطِهِ فَفَارَقَ إخْرَاجَ الرَّقِيقِ عَنْ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ أب.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ وَقَفَ مَا لَمْ يَرَهُ إلَخْ) لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَرَ السَّوَادَ فَيَصِحُّ وَقْفُ الْأَعْمَى (قَوْلُهُ: وَالْمُؤَجِّرُ أَرْضَهُ) وَلَوْ مَسْجِدًا (قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَأْجِرُ لِأَرْضٍ بِنَاءَهُ وَلَوْ مَسْجِدًا) وَكَتَبَ أَيْضًا لَوْ بَنَى مَسْجِدًا فِي أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ لِلسُّكْنَى لَمْ يَجُزْ فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَبْنِيَ الْعَرْصَةَ بِالْآجُرِّ وَالنُّورَةِ فَيَصِيرُ مَسْجِدًا إذَا وَقَفَهُ قِيَاسًا عَلَى الْعُلُوِّ دُونَ السُّفْلِ ذَكَرَهُ الْقَمُولِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ وَهُوَ الرَّاجِحُ.

(2/458)


بَعْدَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ.
وَمَا ذَكَرَ مِنْ صِحَّةِ وَقْفِ مَا لَمْ يَرَهُ يَقْتَضِي صِحَّةَ وَقْفِ الْأَعْمَى وَمَسْأَلَةُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةً مِنْ زِيَادَتِهِ وَصَرَّحَ بِهَا الرَّافِعِيُّ وَخَرَجَ بِهَا وَقْفُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ أَبَدًا أَوْ مُطْلَقًا فَلَا يَصِحُّ إذْ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمُوصَى لَهُ.
(فَإِنْ قَلَعَ) الْبِنَاءَ أَوْ الْغِرَاسَ (بَقِيَ وَقْفًا) كَمَا كَانَ إنْ نَفَعَ (فَلَوْ لَمْ يَنْفَعْ فَهَلْ يَصِيرُ) مِلْكًا (لِلْوَاقِفِ أَوْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالصَّحِيحُ غَيْرُهُمَا وَهُوَ شِرَاءُ عَقَارٍ، أَوْ جُزْءٍ مِنْ عَقَارٍ وَهُوَ قِيَاسُ النَّظَائِرِ الْمَذْكُورَةِ فِي آخِرِ الْبَابِ وَذَكَرَ الْأَذْرَعِيُّ نَحْوَهُ فَقَالَ يَقْرُبُ أَنْ يُقَالَ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مِنْ جِنْسِهِ مَا يُوقَفُ مَكَانَهُ (وَأَرْشُ) النَّقْصِ الْحَاصِلِ بِقَلْعِ الْبِنَاءِ أَوْ الْغِرَاسِ (الْمَوْقُوفِ كَالْوَقْفِ) أَيْ يُسْلَكُ لَهُ مَسْلَكُهُ فَيُشْتَرَى بِهِ شَيْءٌ وَيُوقَفُ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ.

(الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَهُوَ قِسْمَانِ: مُعَيَّنٌ، وَغَيْرُهُ، فَالْأَوَّلُ الْمُعَيَّنُ) مِنْ شَخْصٍ أَوْ جَمَاعَةٍ (وَيُشْتَرَطُ صِحَّةُ تَمَلُّكِهِ) بِأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ الْوَقْفِ أَهْلًا لِتَمَلُّكِ الْمَوْقُوفِ مِنْ الْوَاقِفِ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ - إنْ قُلْنَا بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِ -، وَتَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ إنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ، وَاعْتَبَرُوا إمْكَانَ تَمْلِيكِ الْمَوْقُوفِ لَا مَنْفَعَتِهِ لِيَدْخُلَ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ وَقْفُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ، وَالْمُصْحَفِ عَلَى الْكَافِرِ (فَيَصِحُّ) الْوَقْفُ (عَلَى ذِمِّيٍّ) كَالْوَصِيَّةِ لَهُ وَالتَّصَدُّقُ عَلَيْهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُعَاهَدُ وَالْمُسْتَأْمَنُ كَالذِّمِّيِّ إنْ حَلَّ بِدَارِنَا مَا دَامَ فِيهَا فَإِذَا رَجَعَ صُرِفَ إلَى مَنْ بَعْدَهُ (لَا) عَلَى (مُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ) لِأَنَّهُمَا لَا دَوَامَ لَهُمَا، وَالْوَقْفُ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فَكَمَا لَا يُوقَفُ مَا لَا دَوَامَ لَهُ لَا يُوقَفُ عَلَى مَنْ لَا دَوَامَ لَهُ وَاعْتَرَضَهُ فِي الْبَيَانِ بِالزَّانِي الْمُحْصَنِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ مَقْتُولٌ وَفِي الْكِفَايَةِ بِأَنَّ وَقْفَ مَا لَا دَوَامَ لَهُ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ بَعْدَ فَوَاتِهِ، وَإِذَا مَاتَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَوَّلًا انْتَقَلَ إلَى مَنْ بَعْدَهُ فَمَقْصُودُ الْوَقْفِ مِنْ الدَّوَامِ حَاصِلٌ وَلَمَّا كَانَ الِاعْتِرَاضَانِ قَوِيَّيْنِ عَلَّلَ السُّبْكِيُّ بِانْتِفَاءِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ فِيمَنْ هُوَ مَقْتُولٌ لِكُفْرِهِ (وَ) لَا عَلَى (جَنِينٍ) لِعَدَمِ صِحَّةِ تَمَلُّكِهِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِقْبَالِ، وَالْوَقْفُ تَسْلِيطٌ فِي الْحَالِ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ كَمَا سَيَأْتِي (وَ) لَا عَلَى (عَبْدِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ وَأَمَّا صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى الْأَرِقَّاءِ الْمَوْقُوفِينَ عَلَى خِدْمَةِ الْكَعْبَةِ وَنَحْوِهَا كَمَا سَيَأْتِي فَلِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ الْجِهَةُ فَهُوَ كَالْوَقْفِ عَلَى عَلْفِ الدَّوَابِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ (وَلَا) عَلَى (عَبْدِ غَيْرِهِ إنْ قَصَدَهُ) لِمَا مَرَّ (وَإِنْ أَطْلَقَ صَحَّ) الْوَقْفُ (وَوَقَعَ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ اسْتَقَلَّ) هُوَ (بِالْقَبُولِ) عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِهِ كَمَا فِي الْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةِ وَفَارَقَ نَظِيرَهُ الْآتِيَ فِي الْبَهِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا لِلْمِلْكِ بِحَالٍ بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ أَهْلٌ لَهُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلٍ، أَمَّا الْمُبَعَّضُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً وَصَدَرَ الْوَقْفُ عَلَيْهِ يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَكَالْحُرِّ، أَوْ يَوْمَ نَوْبَةِ سَيِّدِهِ فَكَالْعَبْدِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُهَايَأَةً وُزِّعَ عَلَى الرِّقِّ، وَالْحُرِّيَّةِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ إطْلَاقُ ابْنِ خَيْرَانَ صِحَّةَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فَلَوْ أَرَادَ مَالِكُ الْبَعْضِ أَنْ يَقِفَ نِصْفَهُ الرَّقِيقَ عَلَى نِصْفِهِ الْحُرِّ فَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِنِصْفِهِ الْحُرِّ.

(فَرْعٌ لَوْ وَقَفَ عَلَى مُكَاتَبِ غَيْرِهِ صَحَّ) لِأَنَّهُ يَمْلِكُ (فَإِنْ عَجَزَ بَانَ) الْوَقْفُ (مُنْقَطِعَ الِابْتِدَاءِ) بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَرْجِعُ مِنْهُ مَا أَخَذَهُ (وَإِنْ عَتَقَ) الْمُكَاتَبُ (وَقَدْ قَيَّدَهُ) أَيْ الْوَقْفَ عَلَيْهِ (بِمُدَّةِ الْكِتَابَةِ بَانَ مُنْقَطِعَ الِانْتِهَاءِ) فَيَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ وَيَنْتَقِلُ الْوَقْفُ إلَى مَنْ بَعْدَهُ فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِذَلِكَ بَلْ أَطْلَقَهُ دَامَ اسْتِحْقَاقُهُ وَفِي مَعْنَى التَّقْيِيدِ مَا لَوْ عَبَّرَ بِمُكَاتَبِ فُلَانٍ وَمَا ذَكَرَ مِنْ صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ الْمُتَوَلِّي بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ) وَالْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ كَالصَّحِيحَةِ وَإِجَارَةُ الْمَقْطَعِ كَغَيْرِهِ، وَذِكْرُ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِثَالٌ فَإِنَّ الْمُسْتَعَارَةَ، وَالْمُوصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا كَذَلِكَ وَتَصْوِيرُ الْمُصَنِّفِ الْمَسْأَلَةَ بِالْمُسْتَأْجَرَةِ يُفْهِمُ تَصْوِيرَهَا فِي الْمَوْضُوعَةِ بِحَقٍّ أَمَّا لَوْ بَنَى أَوْ غَرَسَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، ثُمَّ وَقَفَهُ لَمْ يَصِحَّ فَلَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ صَرْفَ أُجْرَةِ الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: تَكَلَّمَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي عَصْرِنَا فِيهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ وَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ، وَوَقْفُ الْبِنَاءِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ أُجْرَةِ الْقَرَارِ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ فَإِذَا شَرَطَ صَرْفَ الْأُجْرَةِ مِنْ رِيعِهِ فَقَدْ شَرَطَ مَا يُوَافِقُ مُقْتَضَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ بِأَنَّ الْأُجْرَةَ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ شَرَطَ الْوَاقِفُ ذَلِكَ أَوْ سَكَتَ عَنْهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ الَّتِي قَالَهَا ابْنُ الْأُسْتَاذِ غَيْرُ الصُّورَةِ الَّتِي قِيلَ فِيهَا بِعَدَمِ صِحَّةِ الْوَقْفِ بَلْ تِلْكَ فِي إجَارَةٍ اسْتَأْجَرَهَا الْوَاقِفُ قَبْلَ الْوَقْفِ فَلَزِمَتْ الْأُجْرَةُ ذِمَّتَهُ، وَمَسْأَلَةُ ابْنِ الْأُسْتَاذِ وَبَحْثُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي أُجْرَةِ الْمِثْلِ إذَا بَقِيَ الْمُوقَفُ بِهَا فَلْيُتَأَمَّلْ، فش وَقَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ إلَخْ (قَوْلُهُ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالصَّحِيحُ غَيْرُهُمَا إلَخْ) كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الشِّرَاءُ الْمَذْكُورُ وَالرَّاجِحُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ كَوْنُهُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَقَالَ الْغَزِّيِّ: إنَّهُ الْأَقْوَى وَجَزَمَ الدَّمِيرِيِّ بِأَنَّهُمَا كَالْحَرْبِيِّ وَلَوْ لَحِقَ الذِّمِّيُّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مَاذَا يُفْعَلُ بِغَلَّةِ الْمَوْقُوفِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ مُنْقَطِعِ الْآخِرِ، وَالْوَسَطِ (قَوْلُهُ: وَاعْتَرَضَهُ فِي الْبَيَانِ بِالزَّانِي الْمُحْصَنِ) مِثْلُهُ قَاطِعُ الطَّرِيقِ الَّذِي تَحَتَّمَ قَتْلُهُ وَمَنْ اُسْتُحِقَّ قَتْلُهُ بِتَرْكِهِ لِلصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ مَقْتُولٌ) وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ هَذَا مُسْلِمٌ يُتَقَرَّبُ بِإِطْعَامِهِ إلَى أَنْ يَقْتُلَ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ وَحَاصِلُهُ اعْتِبَارُ وَصْفِ كَوْنِهِ بِحَيْثُ يُتَقَرَّبُ بِالْوَقْفِ عَلَيْهِ أث (قَوْلُهُ: وَلَا عَلَى جَنِينٍ) وَإِنْ كَانَ تَابِعًا لِغَيْرِهِ كَمَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَهُ وَلَدٌ مُجْتَنٌّ نَعَمْ إنْ انْفَصَلَ دَخَلَ مَعَهُمْ قَطْعًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ قَدْ سَمَّى الْمَوْجُودِينَ أَوْ ذَكَرَ عَدَدَهُمْ فَلَا يَدْخُلُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اسْتَقَلَّ هُوَ بِالْقَبُولِ) شَمِلَ مَا لَوْ نَهَاهُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِهِ) وَهُوَ الصَّحِيحُ (قَوْلُهُ: فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: فَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.

[فَرْعٌ وَقَفَ عَلَى مُكَاتَبِ غَيْرِهِ]
(قَوْلُهُ: نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ الْمُتَوَلِّي) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(2/459)


خِلَافَهُ كَالْوَقْفِ عَلَى الْقِنِّ فَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ وَبِمَا رَجَّحَهُ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَخَرَجَ بِغَيْرِهِ الْمَزِيدِ عَلَى أَصْلِهِ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مُكَاتَبِ نَفْسِهِ فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي إعْطَاءِ الزَّكَاةِ لَهُ (وَلَا يَصِحُّ) الْوَقْفُ (عَلَى بَهِيمَةٍ وَلَوْ أَطْلَقَ) أَوْ وَقَفَ عَلَى عَلْفِهَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا لِلْمِلْكِ كَمَا فِي الْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةِ لَهَا فَإِنْ قَصَدَ بِهِ مَالِكَهَا فَهُوَ وَقْفٌ عَلَيْهِ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَوْقُوفَةِ أَمَّا الْمَوْقُوفَةُ فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى عَلْفِهَا كَمَا سَيَأْتِي قَالَ الْغَزَالِيُّ وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى حَمَامِ مَكَّةَ وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْوُحُوشِ وَلَا عَلَى الطُّيُورِ الْمُبَاحَةِ.

(فَرْعٌ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُمْ) مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ (لَمْ يَصِحَّ) أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِتَعَذُّرِ تَمْلِيكِ الْإِنْسَانِ مِلْكَهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ وَيَمْتَنِعُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِلشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَأَمَّا قَوْلُ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي وَقْفِهِ بِئْرَ رُومَةَ دَلْوِي فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ بَلْ إخْبَارٌ بِأَنَّ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِوَقْفِهِ الْعَامِّ كَالصَّلَاةِ بِمَسْجِدٍ وَقَفَهُ وَالشُّرْبِ مِنْ بِئْرٍ وَقَفَهَا وَالِانْتِفَاعِ بِكِتَابٍ وَقَفَهُ لِلْقِرَاءَةِ (فَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ) عَلَى (الْفُقَرَاءِ فَافْتَقَرَ فَلَهُ التَّنَاوُلُ) مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ نَفْسَهُ وَإِنَّمَا وُجِدَتْ فِيهِ الْجِهَةُ الَّتِي وَقَفَ عَلَيْهَا وَكَالْفُقَرَاءِ الْعُلَمَاءُ وَنَحْوُهُمْ إذَا اتَّصَفَ بِصِفَتِهِمْ وَأَفْهَمَ تَعْبِيرُهُ كَغَيْرِهِ بِالْفَاءِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فَقِيرًا حَالَةَ الْوَقْفِ لَا يَأْخُذْ مِنْهُ لَكِنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْخُوَارِزْمِيَّ أَنَّهُ يَأْخُذُ وَصَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ (وَلَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ النَّظَرَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ صَحَّ) لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَهَا مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ لَا مِنْ جِهَةِ الْوَقْفِ فَإِنْ شَرَطَ النَّظَرَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَلَوْ وَقَفَ وَقْفًا لِيُحَجَّ عَنْهُ مِنْهُ جَازَ وَلَا يَكُونُ وَقْفًا عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ غَلَّتِهِ فَإِنْ ارْتَدَّ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ فِي الْحَجِّ وَصُرِفَ إلَى الْفُقَرَاءِ فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ أُعِيدَ الْوَقْفُ إلَى الْحَجِّ عَنْهُ (وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ لَمْ يَصِحَّ) لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.

(الْقِسْمُ الثَّانِي: غَيْرُ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ الْجِهَةُ الْعَامَّةُ) كَالْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ (فَإِنْ كَانَ) أَيْ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ (مَعْصِيَةً كَالسِّلَاحِ لِلْقُطَّاعِ) أَيْ كَوَقْفِ السِّلَاحِ عَلَى قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَوَقْفِ كُتُبِ التَّوْرَاةِ أَوْ الْإِنْجِيلِ (وَالْوَقْفِ عَلَى الْكَنَائِسِ) الَّتِي لِلتَّعَبُّدِ (لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ) كَانَ الْوَقْفُ (مِنْ ذِمِّيٍّ) لِأَنَّهُ أَعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَسَوَاءٌ فِيهِ إنْشَاءُ الْكَنَائِسِ وَتَرْمِيمُهَا، مَنَعْنَا التَّرْمِيمَ، أَوْ لَمْ نَمْنَعْهُ وَقَيَّدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَنْعِهِ قَالَ السُّبْكِيُّ وَهُوَ وَهْمٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ عَلَى بَهِيمَةٍ) عَنْ جَمْعٍ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى الْخَيْلِ الْمُسَبَّلَةِ فِي وَاخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِيهِ وَفِي الْوَصِيَّةِ لَهَا أَوْ صَوَّبَهُ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْمَوْقُوفَةُ فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: قَالَ الْغَزَالِيُّ وَيَصِحُّ الْوَقْفُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَقَالَ إطْعَامُ حَمَامِ مَكَّةَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ فَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى مَنْ يَجِبُ لَهُ الْإِطْعَامُ قَالَ شَيْخُنَا قَالَ الكوهكيلوني قُلْت: وَمَا عُمِرَ مِنْ الْوَقْفِ عَلَى إطْعَامِ الْكِلَابِ وَالسَّنَانِيرِ وَالطُّيُورِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ.
(فَرْعٌ) لَوْ وَقَفَ عَلَى عِمَارَةِ دَارِ زَيْدٍ صَحَّ إنْ كَانَتْ وَقْفًا وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ فِي الْحَاوِي وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الصِّحَّةِ نَظَرٌ لِأَنَّ عِمَارَتَهَا مِنْ وَقْفِهَا فَيَتَعَطَّلُ مَا اقْتَضَاهُ الْوَقْفُ الْأَوَّلُ نَعَمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عِنْدَ الْوَقْفِ رِيعٌ فَلَا إشْكَالَ قَالَ السُّبْكِيُّ وَلَوْ كَانَ فَفَائِدَتُهُ تَوْفِيرَ مَا كَانَ لِعِمَارَتِهَا عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهَذَا أَظْهَرُ وَقَوْلُهُ: وَهَذَا أَظْهَرُ هُوَ الرَّاجِحُ.

[فَرْعٌ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُمْ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ]
(قَوْلُهُ: وَلَوْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ إلَخْ) شَمِلَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ غَيْرُهُ فِي الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ قَبُولِهِ وَكَتَبَ أَيْضًا الْحِيلَةُ فِي الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَهَبَ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِهِ وَيُقْبِضَهُ إيَّاهُ، أَوْ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِثَمَنٍ مَا وَيَقْبِضَهُ، ثُمَّ يَقِفَهُ الْمُتَّهِبُ أَوْ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ عَلَى جِهَاتٍ مُتَّصِلَةٍ وَأَقَرَّ بِأَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ بِصِحَّةِ هَذَا الْوَقْفِ وَلُزُومِهِ أَفْتَى بُرْهَانُ الدِّينِ الْمَرَاغِيَّ بِأَنَّهُ يُؤَاخَذُ بِالْإِقْرَارِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَيَجُوزُ نَقْضُ الْوَقْفِ فِي غَيْرِهِ وَخَالَفَهُ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ بْنُ الْفِرْكَاحِ وَقَالَ إقْرَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ مَقْبُولٌ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يَتَلَقَّى مِنْهُ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ هَذَا وَقْفٌ عَلَيَّ كَانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يَتَلَقَّى مِنْهُ وَهُوَ أَوْجَهُ وَكَتَبَ أَيْضًا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِ أَبِيهِ الْمَوْصُوفِينَ بِكَذَا وَذَكَرَ صِفَاتِ نَفْسِهِ كَصِفَةِ الْفِقْهِ وَلَيْسَ فِيهِمْ فَقِيهٌ سِوَاهُ فَعَنْ ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَفَعَلَهُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ وَعَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُ وَلَوْ أَجَّرَ مِلْكَهُ مُدَّةً يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ فَوْقَهَا بِأُجْرَةٍ مُنَجَّمَةٍ، ثُمَّ وَقَفَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَتَصَرَّفُ هُوَ فِي الْأُجْرَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ. وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ بَعْدَ الْوَقْفِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِيَنْفَرِدَ بِالْيَدِ وَيَأْمَنَ خَطَرَ الدَّيْنِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ (قَوْلُهُ: وَأَفْهَمَ تَعْبِيرُهُ كَغَيْرِهِ بِالْفَاءِ إلَخْ) قَالَ السُّبْكِيُّ لَمْ أَرَهَا مَنْقُولَةً وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ وَفِي الْكَافِي لِلْخُوَارِزْمِيِّ لَوْ وَقَفَ حَائِطًا عَلَى الْفُقَرَاءِ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرَتِهِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَصِحُّ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَقُلْ هَذَا وَهُوَ فَقِيرٌ يَأْكُلُ مَعَهُمْ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَيَدْخُلُ فِي الْعَامِّ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْخَاصِّ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ السُّبْكِيُّ وَعُمُومُ هَذَا اللَّفْظِ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ يَشْمَلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ. اهـ.، كَلَامُ الْخُوَارِزْمِيَّ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ بِخُصُوصِهَا وَحَكَى الْبُلْقِينِيُّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ عَلَى وَرَثَةِ وَلَدِهِ ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ، وَالْأَبُ وَارِثُهُ هَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ. اهـ. أَصَحُّهُمَا نَعَمْ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْخُوَارِزْمِيَّ أَنَّهُ يَأْخُذُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ النَّظَرَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ صَحَّ) وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا إذَا لَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ إلَّا لَهُ فَقَطْ وَلَكِنَّهُ جَعَلَهُ لِصِفَةِ النَّظَرِ.
(قَوْلُهُ: وَصُرِفَ إلَى الْفُقَرَاءِ) قَالَ شَيْخُنَا ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ غَيْرُ مُفَرَّعٍ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ يُصْرَفُ لَهُ مُنْقَطِعُ الْآخِرِ وَلَعَلَّ وَجْهَ مَا هُنَا أَنَّهُ يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ أَقْرَبِ النَّاسِ وَلِلْوَاقِفِ لِأَنَّا رَاعَيْنَا فِيهِ نَوْعًا مِنْ الْإِرْثِ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَيْضًا فَمُنْقَطِعُ الْآخِرِ مَثَلًا لَا يُتَصَوَّرُ عَوْدُ مَا انْقَطَعَ وَهُنَا الْمَنْعُ لِعَارِضٍ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ.

(قَوْلُهُ: وَالْوَقْفُ عَلَى الْكَنَائِسِ لَمْ يَصِحَّ) لَوْ وَقَفَ عَلَى كَنِيسَةٍ لِنُزُولِ الْمَارَّةِ فَيُشْبِهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الْجَوَازَ كَالْوَصِيَّةِ (قَوْلُهُ: مَنَعْنَا التَّرْمِيمَ أَوْ لَمْ نَمْنَعْهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ مَعْنَى قَوْلِنَا: إنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ مِنْ - بَيَاضٌ بِالْأَصْلِ -

(2/460)


فَاحِشٌ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْكَنَائِسِ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَتْ قَدِيمَةً قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَإِذَا لَمْ نُصَحِّحْ الْوَقْفَ عَلَيْهَا وَعَلَى قَنَادِيلِهَا وَحُصُرِهَا فَكَيْفَ نُصَحِّحُهُ عَلَى تَرْمِيمِهَا (فَنُبْطِلُهُ) أَيْ الْوَقْفَ عَلَى كَنَائِسِ أَهْلِ الذِّمَّةِ (إنْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا) وَإِنْ أَنْفَذَهُ حَاكِمُهُمْ (لَا مَا وَقَفُوهُ قَبْلَ الْمَبْعَثِ) عَلَى كَنَائِسِهِمْ الْقَدِيمَةِ فَلَا نُبْطِلُهُ بَلْ نُقِرُّهُ حَيْثُ نُقِرُّهَا (أَوْ) كَانَ (قُرْبَةً) أَيْ جِهَةً يَظْهَرُ فِيهَا الْقُرْبَةُ (كَالْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ صَحَّ) لِعُمُومِ أَدِلَّةِ الْوَقْفِ (وَيَصِحُّ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ) وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ قُرْبَةٌ (كَالْأَغْنِيَاءِ) لِأَنَّ الْمَرْعِيَّ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْجِهَةِ التَّمْلِيكُ كَمَا فِي الْمُعَيَّنِ وَالْوَصِيَّةِ لَا جِهَةُ الْقُرْبَةِ (إلَّا أَنْ تَضْمَنَ إعَانَةً عَلَى الْمَعْصِيَةِ كَالْيَهُودِ وَ) سَائِرِ (الْفُسَّاقِ) كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ وَهَذَا مَا قَالَ الْأَصْلُ فِيهِ: إنَّهُ الْأَحْسَنُ بَعْدَ قَوْلِهِ: الْأَشْبَهُ بِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَيْهِمْ كَالْأَغْنِيَاءِ.

(فَصْلٌ لَوْ وَقَفَ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ أَوْ الْخَيْرِ، أَوْ الثَّوَابِ فَلْيُعْطَ أَقْرِبَاءُ الْوَاقِفِ، ثُمَّ) إنْ لَمْ يُوجَدْ فَلْيُعْطَ (أَهْلُ الزَّكَاةِ) غَيْرُ الْعَامِلِينَ، وَالْمُؤَلَّفَةِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي (أَوْ) وَقَفَ (عَلَى سَبِيلِ اللَّهِ فَالْغُزَاةُ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الزَّكَاةِ) يُعْطَوْنَ (فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ سَبِيلِ اللَّهِ وَسَبِيلِ الْبِرِّ) أَوْ سَبِيلِ الثَّوَابِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْأَصْلُ (وَسَبِيلِ الْخَيْرِ فَثُلُثٌ) يُعْطَى (لِلْغُزَاةِ وَثُلُثٌ لِأَقَارِبِهِ) أَيْ الْوَاقِفِ (وَثُلُثٌ لِبَاقِي أَصْنَافِ الزَّكَاةِ غَيْرِ الْعَامِلِينَ، وَالْمُؤَلَّفَةِ) وَخَالَفَ هَذَا مَا مَرَّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ اللَّفْظَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَقَارِبِ فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمْ أَشْعَرَ بِتَغَايُرِهِمَا فَحُمِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْآخَرُ كَمَا فِي لَفْظَيْ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى أَكْفَانِ الْمَوْتَى وَمُؤْنَةِ الْغَالِّينَ وَالْحَفَّارِينَ وَعَلَى شِرَاءِ الْأَوَانِي لِمَنْ تَكَسَّرَتْ عَلَيْهِ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي غَيْرِ الْأَخِيرَةِ لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يُصْرَفُ لِمَنْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ فِي مَالِهِ (أَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَهَاءِ فَمَنْ حَصَّلَ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ شَيْئًا) يَهْتَدِي بِهِ إلَى الْبَاقِي (وَإِنْ قَلَّ) يُعْطَى (أَوْ) عَلَى (الْمُتَفَقِّهَةِ فَالْمُشْتَغِلُ بِهِ) أَيْ بِالْفِقْهِ مُبْتَدِئُهُ وَمُنْتَهِيهِ يُعْطَى (أَوْ) عَلَى (الصُّوفِيَّةِ فَالنُّسَّاكُ الزَّاهِدُونَ) أَيْ فَيُعْطَى الْمُشْتَغِلُونَ بِالْعِبَادَةِ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ الْمُعْرِضُونَ عَنْ الدُّنْيَا (وَإِنْ مَلَكَ أَحَدُهُمْ دُونَ النِّصَابِ وَلَا) عِبَارَةُ أَكْثَرِ نُسَخِ الْأَصْلِ أَوْ لَا (يَفِي دَخْلُهُ بِخُرْجِهِ وَلَوْ خَاطَ وَنَسَجَ أَحْيَانًا فِي غَيْرِ حَانُوتٍ وَكَذَا إنْ دَرَسَ، أَوْ وَعَظَ) أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ (أَوْ لَمْ يُلْبِسْهُ الْخِرْقَةَ شَيْخٌ) فَلَا يَقْدَحُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي كَوْنِهِ صُوفِيًّا بِخِلَافِ الثَّرْوَةِ الظَّاهِرَةِ (وَيَكْفِي) فِيهِ مَعَ مَا مَرَّ (التَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ، أَوْ الْمُخَالَطَةُ وَيَصِحُّ) الْوَقْفُ (عَلَى الْأَرِقَّاءِ الْمَوْقُوفِينَ لِخِدْمَةِ الْكَعْبَةِ وَنَحْوِهَا) كَقَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ (كَالْوَقْفِ عَلَى عَلْفِ الدَّوَابِّ) الْمُرْصَدَةِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هَذَا النَّظِيرُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ (وَلَا يَصِحُّ) الْوَقْفُ (عَلَى الدَّارِ) وَإِنْ قَالَ عَلَى عِمَارَتِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ (إلَّا إنْ قَالَ) وَقَفْتُ هَذَا عَلَى هَذِهِ الدَّارِ (لِطَارِقِيهَا) لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً طَارِقُوهَا وَهُمْ يَمْلِكُونَ، وَإِلَّا إنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً؛ لِأَنَّ حِفْظَ عِمَارَتِهَا قُرْبَةٌ فَهُوَ كَالْوَقْفِ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ رِبَاطٍ (وَيَصِحُّ) الْوَقْفُ (عَلَى الْمُؤَنِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْبَلَدِ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ) أَوْ غَيْرِهِ (لَا) عَلَى (عِمَارَةِ الْقُبُورِ) لِأَنَّ الْمَوْتَى صَائِرُونَ إلَى الْبِلَى فَلَا يَلِيقُ بِهِمْ الْعِمَارَةُ نَعَمْ يَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَنَظِيرِهِ فِي الْوَصِيَّةِ ذَكَرَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
التَّرْمِيمِ أَنَّا لَا نَمْنَعُهُمْ لَا أَنَّهُ جَائِزٌ بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا وَيُقَرُّونَ عَلَيْهَا كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ.
(فَرْعٌ) لَوْ وَقَفَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ صَحَّ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ (قَوْلُهُ: كَالْيَهُودِ وَسَائِرِ الْفُسَّاقِ) قَالَ فِي الْأَنْوَارِ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْفُسَّاقِ، وَالْقُطَّاعِ وَالسُّرَّاقِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَطَلَ نَعَمْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إذَا قَالَ وَقَفْت عَلَى الْفُسَّاقِ وَبَيْنَ مَا إذَا قَالَ وَقَفْت عَلَى هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ عَلَى هَؤُلَاءِ وَهُمْ فُسَّاقٌ فَإِنَّ الْأَوَّلَ فَاسِدٌ وَالثَّانِيَ صَحِيحٌ (قَوْلُهُ: وَهَذَا مَا قَالَ الْأَصْلُ فِيهِ إنَّهُ الْأَحْسَنُ) قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ هُوَ صَحِيحٌ بِبَادِئِ الرَّأْيِ وَلَكِنَّهُ نَاظِرٌ فِي الْأَغْنِيَاءِ لِقَصْدِ التَّمْلِيكِ وَفِي أَهْلِ الذِّمَّةِ لِقَصْدِ الْقُرْبَةِ وَلِحَاظِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ كَافَّةً وَهُوَ كَإِحْدَاثِ قَوْلٍ بَعْدَ إجْمَاعِ الْأَوَّلِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِضَابِطِ الْغِنَى الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ مِنْ الْوَقْفِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ قَالَ وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ طَبَقَاتِ النَّاسِ وَلَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ وَيَبْعُدُ أَنْ يَسْتَحِقَّ مِنْهُ مَنْ اسْتَغْنَى عَنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَكَانَ رِزْقُهُ وَمَالُهُ وَفْقَ كِفَايَتِهِ، أَوْ أَزْيَدَ بِقَلِيلٍ وَفِي الْمُسْكِتِ لِلزُّبَيْرِيِّ ضَبْطُهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ إمَّا لِمَالِهِ، أَوْ لِقُوتِهِ وَكَسْبِهِ أَوْ كِفَايَتِهِ بِنَفَقَةِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: الْأَشْبَهُ بِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَيْهِمْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِشَرْطِ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ خَرَجَ عَنْ الْوَقْفِ يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ لِأَنَّهُ جِهَةُ مَعْصِيَةٍ مَقْصُودَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ تُقْصَدْ فَيُحْمَلُ عَلَى جِهَةِ الْقُرْبَةِ قَالَ السُّبْكِيُّ وَقَدْ وَقَعَ لِي فِي الْمُحَاكَمَاتِ هَذَا الشَّرْطُ فَأَبْطَلْته وَأَثْبَتُّ الْوَقْفَ عَلَيْهِمْ مَعَ الْإِسْلَامِ. اهـ.، وَالْقِيَاسُ بُطْلَانُ الْوَقْفِ.

[فَصْلٌ وَقَفَ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ أَوْ الْخَيْرِ أَوْ الثَّوَابِ]
(قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى سَبِيلِ اللَّهِ فَالْغُزَاةُ إلَخْ) وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الْغُزَاةِ وَكَذَا لَوْ قَالَ: تُصْرَفُ مَنْفَعَتُهُ إلَى اللَّهِ وَلَوْ قَالَ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ يَظْهَرُ جَوَازُ صَرْفِهِ إلَى الْغُزَاةِ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الدِّيوَانِ وَغَيْرِهِ وَيُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُزَاةِ وَبَيْنَ صَرْفِ الْمَنْفَعَةِ إلَى اللَّهِ كَذَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ (قَوْلُهُ: وَالْمُؤَلَّفَةِ) وَهُمْ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي غَيْرِ الْأَخِيرَةِ لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: لِمَنْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ فِي مَالِهِ) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ (قَوْلُهُ: فَمَنْ حَصَّلَ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ) قَالَ السُّبْكِيُّ إنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ جَمْعُ فَقِيهٍ وَهُوَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فَقُهَ بِضَمِّ الْقَافِ إذَا صَارَ الْفِقْهُ سَجِيَّتَهُ وَمَنْ حَصَّلَ شَيْئًا قَلِيلًا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ فَاقِهٌ لِأَنَّهُ مِنْ فَقَهَ بِفَتْحِ الْقَافِ إذَا فَهِمَ. اهـ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُتَّبَعَ فِيهِ الْعُرْفُ (قَوْلُهُ: وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ عَلَى عِمَارَتِهَا) قَالَ شَيْخُنَا مَا لَمْ تَكُنْ وَقْفًا كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا

(2/461)


الْإِسْنَوِيُّ وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ ثَمَّ مِنْ عِمَارَتِهَا بِبِنَاءِ الْقِبَابِ، وَالْقَنَاطِرِ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ يَأْتِي، ثُمَّ لَا بِبِنَائِهَا نَفْسِهَا لِلنَّهْيِ عَنْهُ (وَإِنْ وَقَفَ بَقَرَةً فِي) بِمَعْنَى " عَلَى " (الرِّبَاطِ) وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ (لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا مَنْ نَزَلَهُ، أَوْ لِيُبَاعَ نَسْلُهَا) وَيُصْرَفَ ثَمَنُهُ (فِي مَصَالِحِهِ صَحَّ وَإِنْ أَطْلَقَ فَلَا) يَصِحُّ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاللَّفْظِ نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ هُنَا عَنْ الْقَفَّالِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ أَوَاخِرَ الْبَابِ مَعَ نَظِيرِهِ فِيمَا لَوْ وَقَفَ شَيْئًا عَلَى مَسْجِدٍ كَذَا وَلَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ مَصْرِفِهِ لَكِنَّهُ قَالَ عَقِبَهُمَا: وَمُقْتَضَى إطْلَاقِ الْجُمْهُورِ صِحَّةُ الْوَقْفِ زَادَ النَّوَوِيُّ وَبِهِ صَرَّحَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ الْمَذْكُورَ عَائِدٌ إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ بِخِلَافِ كَلَامِ النَّوَوِيِّ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ بَنَاهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ شَيْئًا عَلَى مَسْجِدٍ كَذَا لَا يَصِحُّ حَتَّى يُبَيِّنَ جِهَةَ مَصْرِفِهِ، وَطَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ تُخَالِفُهُ انْتَهَى وَقَدْ جَرَى الْمُصَنِّفُ فِيهِ عَلَى الصِّحَّةِ كَمَا سَيَأْتِي فَالْمُعْتَمَدُ هُنَا الصِّحَّةُ أَيْضًا.

(الرُّكْنُ الرَّابِعُ الصِّيغَةُ وَيُشْتَرَطُ) لِصِحَّةِ الْوَقْفِ (اللَّفْظُ) كَالْعِتْقِ بَلْ أَوْلَى وَكَسَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ وَفِي مَعْنَاهُ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ الْمُفْهِمَةُ وَكِتَابَتُهُ مَعَ نِيَّتِهِ بَلْ وَكِتَابَةُ النَّاطِقِ مَعَ نِيَّتِهِ كَالْبَيْعِ بَلْ أَوْلَى (وَصَرِيحُهُ: الْوَقْفُ وَالتَّحْبِيسُ وَالتَّسْبِيلُ) أَيْ الْمُشْتَقُّ مِنْهَا كَ وَقَفْتُ كَذَا، أَوْ حَبَّسْتُهُ، أَوْ سَبَّلْتُهُ أَوْ أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ، أَوْ مُحَبَّسَةٌ أَوْ مُسَبَّلَةٌ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا وَاشْتِهَارِهَا فِيهِ شَرْعًا وَعُرْفًا (وَقَوْلُهُ حَرَّمْتُ وَأَبَّدْتُ دَارِي لِلْمَسَاكِينِ) أَوْ دَارِي مُحَرَّمَةٌ أَوْ مُؤَبَّدَةٌ (كِنَايَةٌ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّأْبِيدَ لَا يُسْتَعْمَلَانِ مُسْتَقِلَّيْنِ، وَإِنَّمَا يُؤَكَّدُ بِهِمَا شَيْءٌ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(وَالصَّدَقَةُ) أَيْ اللَّفْظُ الْمُشْتَقُّ مِنْهَا (صَرِيحٌ إنْ وُصِفَتْ بِلَفْظٍ مِمَّا سَبَقَ) كَقَوْلِهِ تَصَدَّقْت بِهَذَا صَدَقَةً مَوْقُوفَةً، أَوْ مُحَبَّسَةً أَوْ مُسَبَّلَةً، أَوْ مُحَرَّمَةً، أَوْ مُؤَبَّدَةً (أَوْ) وُصِفَتْ (بِحُكْمٍ) مِنْ أَحْكَامِ الْوَقْفِ (كَلَا) أَيْ كَقَوْلِهِ تَصَدَّقْت بِهَذَا صَدَقَةً لَا (تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ) لِانْصِرَافِهِ إلَى ذَلِكَ عَنْ التَّمْلِيكِ الْمَحْضِ الذِّمِّيِّ اشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ وَتَعْبِيرُهُ كَأَصْلِهِ وَغَيْرِهِ بِالْوَاوِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّأْكِيدِ بِقَرِينَةِ الْمَعْنَى وَإِلَّا فَأَحَدُ الْوَصْفَيْنِ كَانَ كَمَا رَجَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ قَالَ السُّبْكِيُّ وَقِيَاسُهُ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ لَا يُورَثُ، وَإِنَّمَا أُلْحِقَ ذَلِكَ بِالصَّرِيحِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُلْحِقُوا الْكِنَايَةَ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ آخَرَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ تَصَدَّقْت وَحْدَهُ صَرِيحٌ فِي إزَالَةِ الْمِلْكِ تَطَوُّعًا، أَوْ وَقْفًا مَعَ إطْلَاقِ الشَّارِعِ الصَّدَقَةَ عَلَى الْوَقْفِ وَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّانِي بِخِلَافِ نَظِيرِهِ مِنْ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ (أَوْ كَانَتْ) أَيْ الصَّدَقَةُ (عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ) كَتَصَدَّقْتُ بِهَذَا عَلَى الْفُقَرَاءِ (وَنَوَى) الْوَقْفَ وَيُؤْخَذُ مِنْ اعْتِبَارِهِ النِّيَّةَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ كِنَايَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَى الْجِهَةِ الْعَامَّةِ يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ لَكِنَّ عَطْفَهُ لَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا يَقْتَضِي أَنَّهَا صَرِيحٌ وَلَيْسَ مُرَادًا أَمَّا إذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي التَّمْلِيكِ الْمَحْضِ فَلَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي الْوَقْفِ وَاخْتَارَ السُّبْكِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِيهِ وَهَذَا فِي الظَّاهِرِ أَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَيَصِيرُ وَقْفًا صَرَّحَ بِهِ الْمَرْعَشِيُّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ (فَرْعٌ) لَوْ (قَالَ جَعَلْت هَذَا الْمَكَانَ مَسْجِدًا صَارَ) بِهِ (مَسْجِدًا وَلَوْ لَمْ يَقُلْ لِلَّهِ) وَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِإِشْعَارِهِ بِالْمَقْصُودِ وَاشْتِهَارِهِ فِيهِ (وَوَقَفْته لِلصَّلَاةِ كِنَايَةٌ) فِي وَقْفِهِ مَسْجِدًا فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ جَعْلِهِ مَسْجِدًا وَأَمَّا كَوْنُهُ وَقْفًا بِذَلِكَ فَصَرِيحٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
عَنْ الْحَاوِي وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ، ثُمَّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: فَالْمُعْتَمَدُ هُنَا الصِّحَّةُ أَيْضًا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَيُحْمَلُ عَلَى الْعِمَارَةِ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى مَسْجِدِ كَذَا وَعَلَى كُلِّ مَسْجِدٍ يُبْنَى فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ صَحَّ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا يُبْنَى بَعْدَهُ تَبَعًا وَلَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى هَذِهِ الْعَرْصَةِ وَهِيَ مَسْجِدٌ فَإِنْ بُنِيَ عَلَيْهَا مَسْجِدٌ فَهُوَ وَقْفٌ عَلَيْهِ صَحَّ وَلَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَسْجِدَ بَطَلَ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ وَلَوْ قَالَ وَقَفْت دَارِي عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سُكْنَاهَا صَحَّ وَلَوْ قَالَ وَقَفْتهَا عَلَى النَّاسِ أَوْ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ بَطَلَ. اهـ. تَبِعَ فِيهِ الْمَاوَرْدِيَّ وَالرُّويَانِيَّ وَالرَّاجِحُ صِحَّتُهُ وَلَوْ دَفَعَ مَالًا إلَى قَيِّمِ الْمَسْجِدِ لِيَصْرِفَهُ فِي عِمَارَتِهِ جَازَ لَهُ الِاسْتِرْدَادُ قَبْلَ الْإِنْفَاقِ وَلَوْ قَالَ إذَا مِتّ أَخْرِجُوا مِنْ مَالِي كَذَا وَأَعْمِرُوا بِهِ مَسْجِدَ كَذَا لَزِمَ مِنْ الثُّلُثِ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ فِي الْمَرَضِ فَالنِّصْفُ الَّذِي وَقَفَهُ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ وَقْفٌ صَحِيحٌ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ وَصِيَّةٌ لِلْوَارِثِ.

(قَوْلُهُ: قَالَ السُّبْكِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ وَقِيَاسُهُ الِاكْتِفَاءُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَدْ شَمِلَ ذَلِكَ وَغَيْرَهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِحُكْمٍ وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ فِي اللَّطِيفِ لَوْ قَالَ: صَدَقَةٌ لَمْ يَتِمَّ الْوَقْفُ حَتَّى يُضِيفَ إلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ إحْدَى عَشْرَةَ لَفْظَةً بِأَنْ يَقُولَ هَذِهِ صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ، أَوْ صَدَقَةٌ مُؤَبَّدَةٌ أَوْ صَدَقَةٌ لَا تُوهَبُ، أَوْ صَدَقَةٌ لَا تُورَثُ، أَوْ صَدَقَةٌ غَيْرُ مَوْرُوثَةٍ أَوْ صَدَقَةٌ مُسَبَّلَةٌ، أَوْ صَدَقَةُ حَبْسٍ أَوْ يَقُولَ حَبْسٌ مُحَرَّمٌ، أَوْ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ، أَوْ صَدَقَةٌ ثَابِتَةٌ، أَوْ صَدَقَةٌ بَتْلَةٌ.
(فَرْعٌ) لَوْ قَالَ جَعَلْت هَذَا صَدَقَةً جَارِيَةً عَلَى كَذَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا وَفِي كَوْنِهِ صَرِيحًا احْتِمَالٌ عِنْدِي؛ إذْ الصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ الْوَقْفُ كَمَا فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيثُ (قَوْلُهُ: كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي آخِرِ الطَّلَاقِ) كَقَوْلِهِ أَنْت بَائِنٌ بَيْنُونَةً مُحَرِّمَةً لَا تُحِلُّ لِي أَبَدًا لَا تَخْرُجُ عَنْ الْكِنَايَةِ فَيُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالطَّلَاقِ وَفَرَّقَ الْبُلْقِينِيُّ بَيْنَهُمَا بِثَلَاثَةِ فُرُوقٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ صَرَائِحَ الطَّلَاقِ مَحْصُورَةٌ بِخِلَافِ الْوَقْفِ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ بَيْنُونَةً مُحَرِّمَةً لَا تَحِلُّ لِي أَبَدًا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالطَّلَاقِ بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الْفُسُوخُ وَالزَّائِدُ فِي أَلْفَاظِ الْوَقْفِ مُخْتَصٌّ بِالْوَقْفِ الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ تَصَدَّقْت زَوَالُ الْمِلْكِ وَلَهُ مُحْمَلَانِ مَحْمَلُ الصَّدَقَةِ الَّتِي تُفِيدُ الْمِلْكَ وَمَحْمَلُ الصَّدَقَةِ الَّتِي هِيَ الْوَقْفُ وَالزَّائِدُ يُعَيِّنُ الْمَحْمَلَ الثَّانِيَ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ. اهـ. وَأَشَارَ النَّوَوِيُّ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ إلَى الْفَرْقِ الثَّانِي حَيْثُ قَالَ: صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُ الْوَقْفِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي الْوَقْفِ) وَهَذَا مِنْ الْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ أَنَّ الصَّرِيحَ إذَا وَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَقُلْ لِلَّهِ إلَخْ) لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَكُونُ إلَّا وَقْفًا فَأَغْنَى لَفْظُهُ عَنْ لَفْظِ الْوَقْفِ

(2/462)


(لَا) إنْ بَنَى بِنَاءً وَلَوْ عَلَى هَيْئَةِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ (أَذِنْت فِي الصَّلَاةِ فِيهِ) فَلَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مَسْجِدًا، وَإِنْ صَلَّى فِيهِ وَنَوَى جَعْلَهُ مَسْجِدًا قَالَ فِي الْكِفَايَةِ تَبَعًا لِلْمَاوَرْدِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبِنَاءُ بِمَوَاتٍ فَيَصِيرَ مَسْجِدًا بِالْبِنَاءِ وَالنِّيَّةِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مَعَ النِّيَّةِ يُغْنِي عَنْ الْقَوْلِ أَيْ فِيمَا بَنَى فِي مَوَاتٍ قَالَ السُّبْكِيُّ الْمَوَاتُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ مَنْ أَحْيَاهُ مَسْجِدًا، وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ لِلَّفْظِ لِإِخْرَاجِ مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ عَنْهُ وَصَارَ لِلْبِنَاءِ حُكْمُ الْمَسْجِدِ تَبَعًا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَقِيَاسُ ذَلِكَ إجْرَاؤُهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَيْضًا مِنْ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَغَيْرِهِمَا وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ يَدُلُّ لَهُ انْتَهَى وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَذِنْت فِي الِاعْتِكَافِ فِيهِ صَارَ بِذَلِكَ مَسْجِدًا لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي مَسْجِدٍ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.

(فَصْلٌ لَوْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنِينَ لَا) عَلَى (جِهَةٍ عَامَّةٍ وَمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَرِبَاطٍ (اُشْتُرِطَ قَبُولٌ) لِلْوَقْفِ (مُتَّصِلٌ) بِالْإِيجَابِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، كَائِنٌ (مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ وَنَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ تَصْحِيحِ الْإِمَامِ وَآخَرِينَ وَمُقَابِلُهُ عَنْ الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ فِي السَّرِقَةِ وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَعَلَّلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ يَزُولُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَالْعِتْقِ يَعْنِي يَنْفَكُّ عَنْ اخْتِصَاصِ الْآدَمِيِّينَ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ زِيَادَتِهِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْبَطْنِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّانِي) وَمَا بَعْدَهُ (فَلَا يُشْتَرَطُ إلَّا عَدَمُ رَدِّهِمْ) لَا قَبُولُهُمْ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ لَا يَتَّصِلُ بِالْإِيجَابِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ الْأَحْسَنُ مَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي؛ بِنَاءُ ذَلِكَ عَلَى كَيْفِيَّةِ تَلَقِّيهِمْ الْوَقْفَ فَإِنْ قُلْنَا يَتَلَقَّوْنَهُ مِنْ الْوَاقِفِ وَهُوَ الْأَصَحُّ اُشْتُرِطَ قَبُولُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ اسْتِحْقَاقُهُمْ بِالْإِيجَابِ كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ، أَوْ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ فَلَا كَالْمِيرَاثِ قَالَ السُّبْكِيُّ: الَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُمْ، وَإِنْ شَرَطْنَا قَبُولَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِمْ كَمَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا اسْتَحْسَنَهُ الرَّافِعِيُّ (فَإِنْ رَدُّوا فَمُنْقَطِعُ الْوَسَطِ) التَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ (فَإِنْ رَدَّ الْأَوَّلُ بَطَلَ) الْوَقْفُ قَطْعًا كَالْوَصِيَّةِ، وَالْوَكَالَةِ فَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ الرَّدِّ لَمْ يَعُدْ لَهُ وَقَوْلُ الرُّويَانِيِّ يَعُودُ لَهُ إنْ رَجَعَ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِهِ لِغَيْرِهِ مَرْدُودٌ كَمَا بَيَّنَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَمَّا لَوْ وَقَفَ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ أَوْ مَسْجِدٍ، أَوْ نَحْوِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُولُ لِتَعَذُّرِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ لَمْ يَجْعَلُوا الْحَاكِمَ نَائِبًا فِي الْقَبُولِ كَمَا جَعَلُوهُ نَائِبًا عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ وَالْأَمْوَالِ وَلَوْ صَارُوا إلَيْهِ لَكَانَ قَرِيبًا وَأُجِيبَ بِأَنَّ تِلْكَ نِيَابَةٌ فِي الِاسْتِيفَاءِ، وَالْحِفْظِ وَلِلْإِمَامِ وِلَايَةٌ عَلَى أَهْلِ الرُّشْدِ فِيهِ وَهُنَا فِي التَّمَلُّكِ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِمْ وَبِأَنَّ اسْتِيفَاءَ مَا ذُكِرَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُبَاشِرٍ فَلِذَلِكَ جُعِلَ نَائِبًا فِيهِ بِخِلَافِ هَذَا (وَقَوْلُهُ جَعَلْته لِلْمَسْجِدِ كِنَايَةُ تَمْلِيكٍ) لَا وَقْفٍ، وَلَفْظُ " كِنَايَةُ " مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ (فَيُشْتَرَطُ قَبُولُ الْقَيِّمِ وَقَبْضُهُ) كَمَا لَوْ وُهِبَ شَيْءٌ لِصَبِيٍّ وَمِنْ هُنَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُ الْمَوْقُوفِ.

(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي شُرُوطِهِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ الْأَوَّلُ التَّأْبِيدُ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ) وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَا يَنْقَرِضُ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ (أَوْ عَلَى مَنْ يَنْقَرِضُ) كَأَوْلَادِ زَيْدٍ (ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْعُلَمَاءِ) وَالْمَسَاجِدِ وَالرُّبُطِ، وَالْقَنَاطِرِ (كَالْفُقَرَاءِ، وَلَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ) أَيْ الْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَا يَنْقَرِضُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْكِفَايَةِ تَبَعًا لِلْمَاوَرْدِيِّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْآلَةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَهِيَ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ قَوْلًا أَنَّهَا لِلْمَسْجِدِ فَتَخْرُجَ عَنْ مِلْكِهِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَقِيَاسُهُ جَرَيَانُهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَغَيْرِهَا وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ فِي مَسْأَلَةِ حَفْرِ الْبِئْرِ فِي الْمَوَاتِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَالَ الْقَمُولِيُّ فِي قَوْلِهِ تَخْرُجُ الْآلَةُ عَنْ مِلْكِهِ بِقَوْلِهِ إنَّهَا لِلْمَسْجِدِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي تَوَقُّفُهُ عَلَى قَبُولِ مَنْ لَهُ النَّظَرُ فِيهِ وَقَبْضِهِ (قَوْلُهُ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَقِيَاسُ ذَلِكَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.

[فَصْلٌ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنِينَ لَا عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ]
(قَوْلُهُ: اُشْتُرِطَ قَبُولٌ) لِأَنَّهُ يَبْعُدُ دُخُولُ عَيْنٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا فَلَوْ سَكَتَ وَلَمْ يَقْبَلْ أَوْ رَدَّهُ بَطَلَ بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْقَبُولِ لِلصِّغَرِ، أَوْ الْجُنُونِ قَبِلَ وَلِيُّهُ وَإِنْ وَقَفَ هُوَ كَمَا قَالَهُ فِي الْأَنْوَارِ وَقَالَ النَّاشِرِيُّ وَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ الْأَبَ، أَوْ الْجَدَّ فَالْحُكْمُ فِي الْقَبُولِ كَالْحُكْمِ فِي قَبُولِ الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ فَلَوْ بَلَغَ بَعْدَ قَبُولِ الْوَلِيِّ وَرَدَّ لَمْ يَرْتَدَّ بِرَدِّهِ وَكَتَبَ أَيْضًا وَيُسْتَثْنَى مِنْ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ مَا إذَا وَقَفَ عَلَى ابْنِهِ الْحَائِزِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَنَظَائِرُهَا فَإِنَّ كَلَامَهُمْ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا يَقْتَضِي لُزُومَ الْوَقْفِ بِمُجَرَّدِهِ وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ فَقَالَ إذَا وَقَفَ عَلَى ابْنِهِ الدَّارَ وَهِيَ قَدْرُ الثُّلُثِ لَزِمَ الْوَقْفُ فِي حَقِّهِ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَنْفِيذِهِ وَإِجَازَتِهِ وَإِذَا رَدَّ الْوَقْفَ لَمْ يَجِدْ إلَيْهِ سَبِيلًا. اهـ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ سَكَتُوا عَمَّا إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ كَالْأَرْشَدِ مِنْ بَنِي فُلَانٍ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ الْقَبُولُ قَطْعًا كَالْجِهَةِ الْعَامَّةِ (قَوْلُهُ: وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ لَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَيْهِ زَوْجَتَهُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
قَالَ فِي التَّوَسُّطِ وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي نُسَخِ الرَّافِعِيِّ " فَلَوْ وَقَفْت " بِحَذْفِ لَفْظَة " قَالَ " وَهُوَ الصَّوَابُ (قَوْلُهُ: قَالَ السُّبْكِيُّ لَكِنَّ الَّذِي يَتَحَصَّلُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا اسْتَحْسَنَهُ الرَّافِعِيُّ) وَأَيَّدَهُ الْبُلْقِينِيُّ فَقَالَ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَجَّحَ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّلَقِّي مِنْ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّهُمْ خُلَفَاءُ عَنْ الْمُسْتَحِقِّينَ أَوَّلًا وَقَدْ تَمَّ الْوَقْفُ أَوَّلًا فَلَا حَاجَةَ إلَى قَبُولٍ ثَانٍ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَالْوَصِيَّةِ) عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ رَدَّ بَعْدَ قَبُولِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ فُلَانٍ وَمَنْ يَحْدُثُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ وَلَمْ يَقْبَلْ الْوَلَدُ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ (قَوْلُهُ: كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ هَذَا تَفْرِيعٌ عَجِيبٌ، وَالْكَلَامُ مُلَفَّقٌ مِنْ طَرِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَالْإِمَامُ وَغَيْرُهُ يَرَوْنَ تَرْجِيحَ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ وَأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى قَبُولِ أَصْلِ الْوَقْفِ وَكَذَلِكَ الرَّدُّ وَأَمَّا الرُّويَانِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا فَجَزَمُوا بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ وَأَنَّ الرَّدَّ رَاجِعٌ إلَى نَفْسِ الْعِلَّةِ فَلَا يَبْطُلُ بِهِ الْوَقْفُ.

(2/463)


(بَلْ يَكْفِي مِنْ كُلِّ نَوْعٍ ثَلَاثَةٌ) كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَلَوْ وَقَفَ) شَيْئًا (سَنَةً بَطَلَ) كَالْهِبَةِ نَعَمْ إنْ عَقَّبَهُ بِمَصْرِفٍ آخَرَ كَأَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ سَنَةً، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ صَحَّ وَرُوعِيَ فِيهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ نَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ الْخُوَارِزْمِيَّ، ثُمَّ مَا ذَكَرَ مَحَلُّهُ فِيمَا لَا يُضَاهِي التَّحْرِيرَ أَمَّا مَا يُضَاهِيهِ كَقَوْلِهِ جَعَلْته مَسْجِدًا سَنَةً فَيَصِحُّ مُؤَبَّدًا كَمَا لَوْ ذَكَرَ فِيهِ شَرْطًا فَاسِدًا قَالَهُ الْإِمَامُ وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ (وَمُنْقَطِعُ الْآخِرِ كَالْوَقْفِ عَلَى عَقِبِهِ صَحِيحٌ) وَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَقَارًا لِمُصَادَفَتِهِ مَصْرِفًا صَحِيحًا يُبْنَى عَلَيْهِ بِخِلَافِ مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ (وَيَكُونُ بَعْدَهُمْ) وَقْفًا (لِلْأَقْرَبِ رَحِمًا إلَى الْوَاقِفِ) يَوْمَ انْقِرَاضِهِمْ وَمِثْلُهُ مَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ أَرْبَابُ الْوَقْفِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَعُودُ مِلْكًا؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْوَقْفِ عَلَى الدَّوَامِ، وَلِأَنَّهُ صَرَفَ مَالَهُ إلَى جِهَةِ قُرْبَةٍ فَلَا يَرْجِعُ مِلْكًا كَمَا لَوْ نَذَرَ هَدْيًا إلَى مَكَّةَ فَرَدَّهُ فُقَرَاؤُهَا (وَيَخْتَصُّ بِهِ) وُجُوبًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيَّ وَغَيْرُهُ (فُقَرَاؤُهُمْ) لِأَنَّ الْقَصْدَ الْقُرْبَةُ وَالثَّوَابُ (وَسَنُوَضِّحُ الْأَقْرَبَ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَصِيَّةِ لَهُ) فَإِنْ عُدِمَتْ أَقَارِبُهُ، أَوْ كَانَ الْوَاقِفُ الْإِمَامَ وَوَقَفَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ صُرِفَ الرِّيعُ إلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِ نَصُّ الْبُوَيْطِيِّ فِي الْأَوْلَى وَقَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ فِيهَا يُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ وَقِيَاسُ اعْتِبَارِ بَلَدِ الْمَالِ فِي الزَّكَاةِ اعْتِبَارُ بَلَدِ الْوَقْفِ حَتَّى يَخْتَصَّ بِفُقَرَائِهِ وَمَسَاكِينِهِ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.

(الشَّرْطُ الثَّانِي التَّنْجِيزُ فَإِنْ عَلَّقَهُ) كَوَقَفْتُ دَارِي إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، أَوْ قَدِمَ فُلَانٌ (بَطَلَ) كَالْهِبَةِ وَمَحَلُّهُ فِيمَا لَا يُضَاهِي التَّحْرِيرَ أَمَّا مَا يُضَاهِيهِ كَ جَعَلْتُهُ مَسْجِدًا إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَيَنْبَغِي صِحَّتُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ) لَهُ مَثَلًا (أَوْ) عَلَى (مَسْجِدٍ سَيُبْنَى، أَوْ عَلَى وَارِثِهِ فِي الْمَرَضِ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ) وَقْفَهُ (أَوْ عَلَى زَيْدٍ، وَرَدَّهُ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ) الْأَوْلَى قَوْلُ أَصْلِهِ " عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَرَدَّهُ زَيْدٌ " (فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ وَهُوَ بَاطِلٌ) لِانْقِطَاعِ أَوَّلِهِ وَصَحَّحَ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ الصِّحَّةَ فِيمَا عَدَا الرَّدَّ عَمَلًا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَالْمَعْرُوفُ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ الْأَوَّلُ (وَمُنْقَطِعُ الْوَسَطِ كَ وَقَفْتُ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى الْعَبْدِ نَفْسِهِ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ جَائِزٌ) كَمُنْقَطِعِ الْآخِرِ (فَيُصْرَفُ فِي الْوَسَطِ) أَيْ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْأَوَّلِ (لِأَقْرِبَاءِ الْوَاقِفِ) مِثْلُ مَا مَرَّ فِي مُنْقَطِعِ الْآخِرِ (فَإِنْ قَالَ) وَقَفْته (عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى رَجُلٍ، ثُمَّ) عَلَى (الْفُقَرَاءِ فَهُوَ بَعْدَ زَيْدٍ لِلْفُقَرَاءِ) لَا لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ أَمَدِ الِانْقِطَاعِ وَهَذَا أَخَذَهُ مِنْ تَفْرِيعِ الْأَصْلِ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ.

(الشَّرْطُ الثَّالِثُ الْإِلْزَامُ) لِلْوَقْفِ (فَمَتَى شَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِ) لِنَفْسِهِ، أَوْ لِغَيْرِهِ (أَوْ) شَرَطَ (عَوْدَهُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ مَا) كَأَنْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ (بَطَلَ) كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ لَكِنْ أَفْتَى الْقَفَّالُ بِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَلَبَةِ وَالسِّرَايَةِ ذَكَرَ ذَلِكَ الْأَصْلُ قَالَ السُّبْكِيُّ: وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ بُطْلَانِ الْعِتْقِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ (وَكَذَا) يَبْطُلُ (لَوْ شَرَطَ) لِنَفْسِهِ (أَنْ يَزِيدَ) فِيهِ (أَوْ يَنْقُصَ) مِنْهُ (مَنْ شَاءَ، أَوْ يُقَدِّمَ وَيُؤَخِّرَ) مَنْ شَاءَ إذَا وَضَعَ الْوَقْفَ عَلَى اللُّزُومِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
[الطَّرَف الثَّانِي فِي شُرُوط الْوَقْف وَهِيَ أَرْبَعَة] [الشَّرْط الْأَوَّل التَّأْبِيد]
قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ عَقَّبَهُ بِمَصْرِفٍ آخَرَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: نَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ) عَنْ الْخُوَارِزْمِيَّ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَقَالَ فِي الْبَيَانِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ يَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا وَجَرَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ طَوِيلِ الْمُدَّةِ وَقَصِيرِهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيمَا لَوْ قَالَ وَقَفْته عَلَى الْفُقَرَاءِ أَلْفَ سَنَةٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَبْعُدُ بَقَاءُ الدُّنْيَا إلَيْهِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَهُوَ يُوَافِقُ مَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ تَأْجِيلِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ بِذَلِكَ وَلَكِنْ يَكُونُ الْمُرَادُ حِينَئِذٍ تَأْبِيدَ الْوَقْفُ بِمُدَّةِ بَقَاءِ الدُّنْيَا فَلَا يَرِدُ عَلَى إطْلَاقِهِمْ وَقَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: أَمَّا مَا يُضَاهِيهِ) أَيْ كَالْمَسْجِدِ، وَالْمَقْبَرَةِ وَالرِّبَاطِ (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ بَعْدَهُمْ لِلْأَقْرَبِ رَحِمًا إلَى الْوَاقِفِ) اُسْتُشْكِلَ بِالزَّكَاةِ وَسَائِرِ الْمَصَارِفِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهَا وَلَا الصَّرْفُ مِنْهَا إلَى الْأَقَارِبِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ لَهَا مَصْرِفًا مُعَيَّنًا فَلَمْ تَتَعَيَّنْ الْأَقَارِبُ وَهُنَا لَيْسَ مَعَنَا مَصْرِفٌ، وَالْمَصْرِفُ إلَى الْأَقَارِبِ أَفْضَلُ فَعَيَّنَّاهُ.
(قَوْلُهُ: كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيَّ وَغَيْرُهُ) وَقَالَ الرُّويَانِيِّ فِي التَّجْرِبَةِ: وَغَلِطَ مَنْ قَالَ غَيْرَهُ وَصَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ فِي التَّوْشِيحِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ مُخْتَصٌّ بِمَا إذَا كَانَ لَهُ أَقَارِبُ فُقَرَاءُ وَأَغْنِيَاءُ أَمَّا إذَا تَمَحَّضَ أَقَارِبُهُ أَغْنِيَاءَ تَعَيَّنَ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ قَوْلًا وَاحِدًا قَالَ وَقَدْ وَقَعَ عِنْدِي هَذَا فِي الْمُحَاكَمَاتِ وَحَكَمْت بِهِ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَمَا قَالَهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ فَقَدْ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ لَوْ كَانَ الْكُلُّ أَغْنِيَاءَ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانُوا فُقَرَاءَ وَانْقَرَضُوا وَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي ذَلِكَ إنَّهُ يُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ وَقَالَ فِي الْبَحْرِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْعَلُهَا حَبْسًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ تُصْرَفُ غَلَّتُهَا فِي مَصَالِحِهِمْ قَالَ فِي الْبَحْرِ إذَا رَجَعَ الْوَقْفُ إلَى أَقْرِبَاءِ الْوَاقِفِ بِسَبَبِ الِانْقِطَاعِ وَلَهُ أَقْرِبَاءُ فُقَرَاءُ فِي دَرَجَةٍ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُفَضَّلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَالَ وَالِدِي الْإِمَامُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فِي الْمَحْصُورِينَ كَالْإِضَافَةِ مِنْ جِهَةِ الْآدَمِيِّينَ فِي اقْتِضَاءِ التَّسْوِيَةِ.
وَالثَّانِي يَجُوزُ لِأَنَّ الصَّرْفَ إلَيْهِمْ بِاجْتِهَادٍ وَهُوَ أَنَّهُ أَوْلَى الْقُرُبَاتِ (قَوْلُهُ: يَخْتَصُّ بِفُقَرَائِهِ) قَالَ شَيْخُنَا صَرَّحَ فِي الْأَنْوَارِ بِعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِهِمْ.

[الشَّرْط الثَّانِي التَّنْجِيز]
(قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.

[الشَّرْط الثَّالِث الْإِلْزَام لِلْوُقْفِ]
(قَوْلُهُ: لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ) أَمَّا إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَلَا يَبْطُلُ (قَوْلُهُ: أَوْ شَرَطَ عَوْدَهُ إلَيْهِ إلَخْ) مُقْتَضَى كَلَامِ الدَّارِمِيِّ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَا لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ فَإِنَّهُ قَالَ إنْ شَرَطَ أَنَّ لَهُ بَيْعَهُ، أَوْ نَقْضَهُ، أَوْ الِاسْتِبْدَالَ بِهِ وَمَا شَاءَ مِنْهُ بَطَلَ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ يَجُوزُ حُكْمُهُ وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ فِي التَّجْرِيدِ لَوْ شَرَطَ فِي الْوَقْفِ شَرْطًا لَا يَصِحُّ مَعَهُ الْوَقْفُ فَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ الشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَالْوَقْفُ صَحِيحٌ وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا الْوَقْفُ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ إنَّهُ قَدْ رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ فَأَمْضَى ذَلِكَ عَلَيْهِ وَصَحَّحَهُ وَأَلْزَمَهُ ذَلِكَ صَحَّ الْوَقْفُ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ سَبِيلٌ إلَى نَقْضِ الْوَقْفِ اهـ وَقَالَ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ إنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا (قَوْلُهُ: لَكِنْ أَفْتَى الْقَفَّالُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: ذَكَرَ ذَلِكَ الْأَصْلُ وَاقْتَضَى كَلَامُ الْإِمَامِ) وَغَيْرِهِ الْقَطْعَ بِهِ

(2/464)


(فَصْلٌ لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ الْوَقْفُ) أَصْلًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ مَثَلًا (صَحَّ) الْوَقْفُ (وَلَزِمَ الشَّرْطُ) كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْمَصْلَحَةِ وَالظَّاهِرُ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ جَوَازُ الْإِعَارَةِ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَلَا يُورَدَ عَقْدٌ عَلَى عَقْدٍ فَخَرِبَ وَلَمْ تُمْكِنْ عِمَارَتُهُ إلَّا بِإِيجَارِهِ سِنِينَ يَصِحُّ إيجَارُهُ سِنِينَ بِعُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ حِينَئِذٍ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَصْلَحَةِ الْوَقْفِ وَوَافَقَهُ السُّبْكِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ إلَّا فِي اعْتِبَارِ التَّقْيِيدِ بِعُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَرَدَّاهُ عَلَيْهِ وَقَالَا يَنْبَغِي الْجَوَازُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ قُلْت بَلْ الَّذِي يَنْبَغِي مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا (وَلَوْ وَقَفَ مَسْجِدًا، أَوْ مَقْبَرَةً عَلَى الشَّافِعِيَّةِ، أَوْ الْحَنَفِيَّةِ) مَثَلًا (صَحَّ وَتَخَصَّصَ) بِهِمْ (كَالْمَدَارِسِ) وَالرُّبُطِ رِعَايَةً لِلشَّرْطِ وَقَطْعًا لِلنِّزَاعِ فِي إقَامَةِ الشَّعَائِرِ.

(الشَّرْطُ الرَّابِعُ بَيَانُ الْمَصْرِفِ، وَإِذَا لَمْ يُبَيِّنْهُ) كَأَنْ قَالَ وَقَفْت هَذَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ (بَطَلَ) الْوَقْفُ كَقَوْلِهِ بِعْت دَارِي بِعَشَرَةٍ أَوْ وَهَبْتُهَا وَلَمْ يَقُلْ لِمَنْ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى جَمَاعَةٍ لَمْ يَصِحَّ لِجَهَالَةِ الْمَصْرِفِ فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ الْمَصْرِفَ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ وَيُفَارِقُ مَا لَوْ قَالَ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي حَيْثُ يَصِحُّ وَيُصْرَفُ لِلْمَسَاكِينِ بِأَنَّ غَالِبَ الْوَصَايَا لَهُمْ فَحُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ وَبِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ حَيْثُ تَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ وَالنَّجِسِ وَغَيْرِهِمَا بِخِلَافِ الْوَقْفِ فِيهِمَا وَكَالْوَصِيَّةِ مَا لَوْ نَذَرَ هَدْيًا أَوْ صَدَقَةً وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمَصْرِفَ ذَكَرَهُ الْأَصْلُ قَالَ السُّبْكِيُّ وَمَحَلُّ الْبُطْلَانِ إذَا لَمْ يَقُلْ لِلَّهِ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ لِخَبَرِ أَبِي طَلْحَةَ هِيَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ ثُمَّ يُعَيِّنُ الْمَصْرِفَ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ.

(فَصْلٌ فِيهِ مَسَائِلُ) تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ (لَوْ وَقَفَ عَلَى اثْنَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، ثُمَّ) عَلَى (الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَخَذَ الْآخَرُ) لَا الْفُقَرَاءُ (الْجَمِيعَ) إذْ شَرْطُ الِانْتِقَالِ إلَيْهِمْ انْقِرَاضُهَا جَمِيعًا وَلَمْ يُوجَدْ وَالصَّرْفُ إلَى مَنْ ذَكَرَهُ الْوَاقِفُ أَوْلَى وَذَكَرَ الْأَصْلُ احْتِمَالًا فَقَالَ وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْوَقْفَ فِي نَصِيبِ الْمَيِّتِ صَارَ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ فَيُصْرَفُ مَصْرِفَهُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَفْصِلْ فَإِنْ فَصَلَ فَقَالَ وَقَفْت عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفَ هَذَا فَهُوَ وَقْفَانِ ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ أَيْ فَلَا يَكُونُ نَصِيبُ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ بَلْ يَحْتَمِلُ انْتِقَالَهُ لِلْأَقْرَبِ إلَى الْوَاقِفِ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ إنْ قَالَ: ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَإِنْ قَالَ: ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ فَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ (أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمَا وَسَكَتَ) عَمَّنْ يُصْرَفُ إلَيْهِ بَعْدَهُمَا (ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَهَلْ نَصِيبُهُ لِلْآخَرِ أَمْ لِأَقْرِبَاءِ الْوَاقِفِ؟ وَجْهَانِ) أَوْجَهُهُمَا أَنَّهُ لِلْآخَرِ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَصَحَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَمْرٍو، ثُمَّ بَكْرٍ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ عَمْرٌو قَبْلَ زَيْدٍ ثُمَّ مَاتَ زَيْدٌ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: لَا شَيْءَ لِبَكْرٍ وَيَنْتَقِلُ الْوَقْفُ مِنْ زَيْدٍ إلَى الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّهُ رَتَّبَهُ بَعْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ الْوَقْفُ أَصْلًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ]
قَوْلُهُ: لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ الْوَقْفَ أَصْلًا) أَوْ أَنْ لَا يُؤَجِّرَهُ مِنْ مُتَّجِرِهِ (قَوْلُهُ: صَحَّ وَلَزِمَ الشَّرْطُ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ اتِّبَاعِ شَرْطِهِ إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِلَا إجَارَةٍ وَإِلَّا كَأَنْ يَكُونَ سُوقًا، أَوْ مَزْرَعَةً وَمَنَعْنَا الْمُزَارَعَةَ فَالْوَجْهُ الْجَزْمُ بِعَدَمِ صِحَّةِ الشَّرْطِ وَهَلْ يَلْغُو فَقَطْ، أَوْ يَفْسُدُ الْوَقْفُ احْتِمَالَانِ أَقْرَبُهُمَا الثَّانِي اهـ وَقَوْلُهُ: إنَّ الْأَقْرَبَ الثَّانِي فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ قَدْ يُعِيرُهَا لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهَا فَإِنَّ الظَّاهِرَ فِي الْمَطْلَبِ أَنَّ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْإِعَارَةَ حَيْثُ مَنَعَ الْإِجَارَةَ إذَا لَمْ يَمْنَعْ الْوَاقِفُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ مَنْفَعَةً مَلَكَ إعَارَتَهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَزْرَعَ فِي الْأَرْضِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَا يَنْبُتُ فِيهَا مِنْ الْكَلَأِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فس قَالَ شَيْخُنَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ النَّظَرِ فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا لَا يَتَأَتَّى الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا بِالْإِجَارَةِ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ فَأَجَّرَهُ النَّاظِرُ سِتَّ سِنِينَ فِي عَقْدَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ الثَّانِي كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَهُوَ الرَّاجِحُ وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ إجَارَةِ الزَّمَانِ الْقَابِلِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ اتِّبَاعًا لِشَرْطِ الْوَاقِفِ فَإِنَّ مُدْرِكَ الصِّحَّةِ فِي صِحَّتِهَا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ جَعَلَ الْمُدَّتَيْنِ الْمُتَّصِلَتَيْنِ فِي الْعَقْدَيْنِ كَالْمُدَّةِ الْوَاحِدَةِ وَهَذَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ عَنَّا وَخَالَفَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ وَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَجَزَمَ بِهَذَا فِي الْأَنْوَارِ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَمَالِيهِ لَوْ شَرَطَ وَاقِفُ الْمَدْرَسَةِ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ الْمُعِيدُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً وَلَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مُعِيدٌ غَيْرُهُ جَازَ اسْتِمْرَارُهُ وَأَخْذُهُ الْمَعْلُومَ لِأَنَّ الْعُرْفَ يَشْهَدُ بِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يُرِدْ شُغُورَ مَدْرَسَتِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَنْتَفِعَ هَذَا مُدَّةً وَغَيْرُهُ أُخْرَى قَالَ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ شَرْطٍ يَشْهَدُ الْعُرْفُ بِتَخْصِيصِهِ (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ إلَخْ (قَوْلُهُ: يَصِحُّ إيجَارُهُ سِنِينَ) تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا شَرَطَهُ إلَى حَدٍّ يُمْكِنُ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ وَمِمَّنْ أَفْتَى بِصِحَّتِهِ ابْنُ رَزِينٍ وَأَئِمَّةُ عَصْرِهِ (قَوْلُهُ: وَقَالَا يَنْبَغِي الْجَوَازُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ) وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ رَزِينٍ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِذَلِكَ.

[الشَّرْط الرَّابِع بَيَان المصرف]
(قَوْلُهُ: الشَّرْطُ الرَّابِعُ بَيَانُ الْمَصْرِفِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لِيُنْظَرْ فِيمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى وَقَفْت لَفْظًا وَنَوَى بِقَلْبِهِ تَعْيِينَ شَخْصٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ أَوْ جِهَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِالصِّحَّةِ. اهـ. الرَّاجِحُ عَدَمُهَا؛ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ تَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا، أَوْ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا؛ إذْ لَا تُغْنِي نِيَّتُهُ عَنْ ذِكْرِهِ.

[فَصْلٌ فِيهِ مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ الْأَوَّل فِي الْوَقْف]
(قَوْلُهُ: وَقَفَ عَلَى اثْنَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ) كَأَنْ قَالَ وَقَفْت عَلَى هَذَيْنِ، أَوْ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو (قَوْلُهُ: فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَخَذَ الْآخَرُ الْجَمِيعَ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ أَنْ يُعِيدَ حَرْفَ الْجَرِّ فَيَقُولَ عَلَى زَيْدٍ وَعَلَى عَمْرٍو فَيَكُونَ وَقْفَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا النِّصْفُ وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا لَا يَرْجِعُ لِلْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يُعِدْ يَكُونُ جِهَةً وَاحِدَةً كَمَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ فِي مَرَرْت بِزَيْدٍ وَبِعَمْرٍو إنَّهُمَا مروران بِخِلَافِ مَرَرْت بِزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَكَلَامُهُمْ يُفْهِمُ التَّصْوِيرَ بِمَا إذَا لَاقَاهُمَا الْوَقْفُ ثُمَّ مَاتَ وَاحِدٌ فَإِنْ لَمْ يُلَاقِهِ كَمَا وَقَعَ فِي الْفَتَاوَى رَجُلٌ أَوْصَى بِأَنْ يُشْتَرَى بِثُلُثِ مَالِهِ عَقَارٌ وَيُوقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْوَقْفِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ فِي النِّصْفِ الْمُخْتَصِّ بِهِ بَلْ يُصْرَفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَقْرَبُ إنْ قَالَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: أَوْجَهُهُمَا أَنَّهُ لِلْآخَرِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(2/465)


عَمْرٍو، وَعَمْرٌو بِمَوْتِهِ أَوَّلًا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَمَلَّكَ بَكْرٌ عَنْهُ شَيْئًا وَقَالَ الْقَاضِي فِي فَتَاوِيهِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى بَكْرٍ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْفُقَرَاءِ مَشْرُوطٌ بِانْقِرَاضِهِ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِهِ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ وَلَدُ الْوَلَدِ ثُمَّ الْوَلَدُ يَرْجِعُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَيُوَافِقُهُ فَتْوَى الْبَغَوِيّ فِي مَسْأَلَةٍ طَوِيلَةٍ حَاصِلُهَا أَنَّهُ إذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ فِي وَقْفِ التَّرْتِيبِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْوَقْفِ لِحَجْبِهِ بِمَنْ فَوْقَهُ يُشَارِكُ وَلَدُهُ مَنْ بَعْدَهُ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ، وَالْأَشْرَافِ الْمُقِيمِينَ بِبَلَدِ كَذَا فَأَقَامَ زَيْدٌ بِتِلْكَ الْبَلَدِ وَكَانَ شَرِيفًا اسْتَحَقَّ مَعَهُمْ جُزْءًا مُضَافًا لِمَا مَعَهُ أَفْتَى بِهِ ابْنُ رَزِينٍ قَالَ: لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ الْمُقِيمِينَ يَقْتَضِي اسْتِيعَابَهُمْ قَالَ وَبِهَذَا فَارَقَ مَا لَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِدِينَارٍ وَلِلْفُقَرَاءِ بِشَيْءٍ آخَرَ وَكَانَ زَيْدٌ فَقِيرًا حَيْثُ لَا يَأْخُذُ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْفُقَرَاءِ لَمْ تَثْبُتْ لِزَيْدٍ اسْتِحْقَاقًا خَاصًّا وَلِلْوَصِيِّ حِرْمَانُهُ وَإِعْطَاءُ غَيْرِهِ.

(وَيَجُوزُ) الْوَقْفُ (عَلَى ذَوِي الْقُرْبَى) أَيْ أَقَارِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَقَوْلُهُ: دَارِي وَقْفٌ) أَوْ وَقَفْت دَارِي (عَلَى الْمَسَاكِينِ بَعْدَ مَوْتِي وَصِيَّةٌ) الْمُرَادُ أَنَّهُ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِهِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْوَصِيَّةِ (فَلَهُ الرُّجُوعُ) وَلِلْإِمَامِ فِيهِ كَلَامٌ ذَكَرْته مَعَ مَا فِيهِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ (وَإِنْ قَالَ وَقَفْتهَا لِيُصْرَفَ مِنْ غَلَّتِهَا كُلَّ شَهْرٍ إلَى فُلَانٍ كَذَا وَلَمْ يَرُدَّ) عَلَيْهِ (فَوَجْهَانِ) فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ وَعَدَمِهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ (فَإِنْ صَحَّحْنَا) (صَرْفَ الْفَاضِلِ إلَى الْوَاقِفِ، أَوْ) إلَى (قَرَابَتِهِ أَوْ) إلَى (الْمَسَاكِينِ) فِيهِ (ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ) أَقْرَبُهَا الثَّانِي (وَإِنْ وَقَفَهَا عَلَى زَيْدٍ، وَالْفُقَرَاءِ فَهُوَ كَأَحَدِهِمْ) فِي جَوَازِ إعْطَائِهِ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ لَكِنْ لَا يُحْرَمُ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ (وَإِنْ وَقَفَهَا عَلَى الْمَسْجِدِ) أَوْ نَحْوِهِ كَالرِّبَاطِ (صَحَّ وَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمَصْرِفَ) مِنْ عِمَارَتِهِ، أَوْ دُهْنِ سِرَاجِهِ أَوْ نَحْوِهِمَا (وَكَانَ مُنْقَطِعَ الْآخِرِ إنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَيُحْمَلُ عَلَى مَصَالِحِهِ، وَإِنْ قَالَ جَعَلْت دَارِي خَانْقَاهْ) لِلْغُزَاةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ آخِرَهُ (لَمْ يَصِحَّ) كَذَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَاَلَّذِي فِيهَا وَقَفْت، قَالَ: وَعَدَمُ الصِّحَّةِ بِنَاءٌ عَلَى طَرِيقَتِهِ أَيْ مِنْ اشْتِرَاطِ بَيَانِ آخِرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِيَتَأَبَّدَ الْوَقْفُ، وَالْمَذْهَبُ الصِّحَّةُ خِلَافًا لَهُ وَأَمَّا صِيغَةُ جَعَلْت فَلَمْ أَرَهَا فِي فَتَاوِيهِ وَلَا شَكَّ أَنَّهَا كِنَايَةٌ.

(الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْوَقْفِ وَفِيهِ طَرَفَانِ) (الْأَوَّلُ فِي أَحْكَامِهِ اللَّفْظِيَّةِ) وَالْأَصْلُ فِيهَا أَنَّ شُرُوطَ الْوَاقِفِ مَرْعِيَّةٌ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا يُنَافِي الْوَقْفَ (فَقَوْلُهُ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ) بَيْنَهُمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَا لِلتَّرْتِيبِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِمْ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ فَمَنْ دُونَهَا إلَّا أَنْ يَقُولَ أَبَدًا، أَوْ مَا تَنَاسَلُوا، أَوْ نَحْوَهُ (وَلَوْ قَالَ) مَعَ ذَلِكَ (بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ) فَإِنَّهُ يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ؛ لِأَنَّ هَذَا لِمَزِيدِ التَّعْمِيمِ وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الْأَصْلُ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لِلتَّرْتِيبِ وَصَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ تَبَعًا لِابْنِ يُونُسَ قَالَ وَعَلَيْهِ هُوَ لِلتَّرْتِيبِ بَيْنَ الْبَطْنَيْنِ فَقَطْ فَيَنْتَقِلُ بِانْقِرَاضِ الثَّانِي لِمَصْرِفٍ آخَرَ إنْ ذَكَرَهُ الْوَاقِفُ، وَإِلَّا فَمُنْقَطِعُ الْآخِرِ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ مَرْدُودٌ نَقْلًا وَبَحْثًا (فَإِنْ قَالَ) بَدَلَ " بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ " (الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، أَوْ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، أَوْ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ) أَوْ نَحْوِهَا بِالْجَرِّ بَدَلًا مِمَّا قَبْلَهَا (أَوْ قَالَ) وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي (ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِي مَا تَنَاسَلُوا تَرَتَّبُوا) لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ (فَلَا يَأْخُذُ بَطْنٌ وَهُنَاكَ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ) أَيْ مِنْ بَطْنٍ أَقْرَبَ مِنْهُ (أَحَدٌ) وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ مَا تَنَاسَلُوا بِالْأَخِيرَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِيهَا بَلْ إنْ ذَكَرَهُ فِيهَا وَفِي الْبَقِيَّةِ لَمْ يَكُنْ الْوَقْفُ وَالتَّرْتِيبُ خَاصَّيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَقَالَ الْقَاضِي فِي فَتَاوِيهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (فَرْعٌ) لَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى مَسْجِدِ كَذَا وَلِأُمِّهِ سُكْنَاهَا مُدَّةَ حَيَاتِهَا فَهَلْ يَصِحُّ وَيَلْغُو الشَّرْطُ أَوْ يَبْطُلُ الْوَقْفُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَوَّلُهُمَا.

(قَوْلُهُ: وَلِلْإِمَامِ فِيهِ كَلَامٌ ذَكَرْته مَعَ مَا فِيهِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ) عِبَارَتُهُ وَقَالَ الْإِمَامُ هَذَا تَعْلِيقٌ بَلْ زَائِدٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إيقَاعُ تَصَرُّفٍ بَعْدَ الْمَوْتِ قَالَ السُّبْكِيُّ وَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ صِحَّةُ الْوَقْفِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْأُسْتَاذُ قَالَ وَقَوْلُ الْإِمَامِ إنَّهُ تَعْلِيقٌ صَحِيحٌ لَكِنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَوْتِ فِي التَّمْلِيكَاتِ يَصِحُّ وَصِيَّةً فَالْوَقْفُ أَوْلَى وَقَوْلُهُ: بَلْ زَائِدٌ عَلَيْهِ إلَخْ يُقَالُ لَهُ الْوَصِيَّةُ وَالتَّدْبِيرُ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ إيقَاعَ تَصَرُّفٍ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهَذَا مِثْلُهُ، أَوْ قَبْلَهُ وَهُوَ الْحَقُّ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ عِنْدَنَا تَصَرُّفٌ نَاجِزٌ وَأَثَرُهُ يَقَعُ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ بَلْ قَالَ وَالْأَظْهَرُ صِحَّتُهُ أَيْضًا فِيمَا إذَا قَالَ إذَا مِتّ فَدَارِي وَقْفٌ أَوْ فَقَدْ وَقَفْت دَارِي؛ إذْ الْمَعْنَى فَاعْلَمُوا أَنِّي قَدْ وَقَفْتهَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إذَا مِتّ وَقَفْتهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَوَّلَ إنْشَاءُ تَعْلِيقٍ وَهُوَ صَحِيحٌ وَالثَّانِيَ تَعْلِيقُ إنْشَاءٍ وَهَذَا بَاطِلٌ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ فَإِنَّهُ وَعْدٌ مَحْضٌ (قَوْلُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: أَقْرَبُهُمَا الثَّانِي) هُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ: كَذَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ الْقَفَّالِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا قَالَ جَعَلْت دَارِي مَسْجِدًا صَارَتْ مَسْجِدًا عَلَى الْأَصَحِّ فَلْيَكُنْ مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ جَوَابًا عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ. اهـ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ " جَعَلْتُ " صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ الصِّحَّةُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.

[الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْوَقْفِ وَفِيهِ طَرَفَانِ]
[الطَّرَفَ الْأَوَّلُ فِي أَحْكَامِ الْوَقْفُ اللَّفْظِيَّةِ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْوَقْفِ) (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ) أَيْ أَوْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ (قَوْلُهُ: وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الْأَصْلُ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ) أَيْ وَالْعَبَّادِيِّ وَالْفُورَانِيِّ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
(تَنْبِيهٌ) مَعْنَى الْبَعْدِيَّةِ هُنَا الدَّلَالَةُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْبَطْنِ الْكَائِنِ بَعْدَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَلَوْ لَمْ يَنْقَرِضْ الْأَوَّلُ فَالْمُرَادُ تَعْمِيمُ اسْتِحْقَاقِ مَنْ وُجِدَ بَعْدُ لَا تَقْيِيدُ اسْتِحْقَاقِهِ بِوُجُودِهِ مُنْفَرِدًا بَعْدَ الَّذِي قَبْلَهُ فَإِنَّ كَلِمَةَ " بَعْدَ " لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي التَّرْتِيبِ فَهِيَ بِمَعْنَى " مَعَ " نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} [القلم: 13] أَيْ مَعَ ذَلِكَ زَنِيمٍ وقَوْله تَعَالَى {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] عَلَى قَوْلِ ع أَمَّا لَوْ قَالَ مَا تَنَاسَلُوا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ فَقَالَ السُّبْكِيُّ لَمْ يَذْكُرْهُ الرَّافِعِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لِلتَّرْتِيبِ. اهـ. مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ جَارٍ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَوْ نَحْوِهَا) كَانَ لَاحِقٌ وَثَمَّ مَنْ فَوْقَهُمْ أَوْ الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى (قَوْلُهُ: وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ مَا تَنَاسَلُوا بِالْأَخِيرَةِ) هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالصُّوَرِ الْأَرْبَعِ قَبْلَهُ.
(فَرْعٌ) لَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي فَإِذَا

(2/466)


بِالطَّبَقَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَإِلَّا اخْتَصَّا بِهِمَا (فَإِنْ جَاءَ بِثُمَّ لِلْبَطْنِ الثَّانِي، وَالْوَاوِ فِيمَا بَعْدَهُ) مِنْ الْبُطُونِ كَأَنْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي، ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِي (فَالتَّرْتِيبُ لَهُ دُونَهُمْ) عَمَلًا بِثُمَّ فِيهِ وَبِالْوَاوِ فِيهِمْ (وَإِنْ عَكَسَ) بِأَنْ جَاءَ بِالْوَاوِ فِي الْبَطْنِ الثَّانِي وَبِثُمَّ فِيمَا بَعْدَهُ كَأَنْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِي (انْعَكَسَ الْحُكْمُ) أَيْ كَانَ التَّرْتِيبُ لَهُمْ دُونَهُ.

(فَرْعٌ وَإِنْ جَمَعَهُمْ بِالْوَاوِ) كَأَنْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي (ثُمَّ قَالَ وَمَنْ مَاتَ) مِنْهُمْ (فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ اخْتَصَّ وَلَدُهُ بِنَصِيبِهِ وَشَارَكَ الْبَاقِينَ) فِيمَا عَدَاهُ (وَلَوْ قَالَ) وَقَفْت (عَلَى أَوْلَادِي أَوْ بَنِيَّ، أَوْ بَنَاتِي لَمْ يَدْخُلْ) مَعَهُمْ (أَوْلَادُهُمْ) لِعَدَمِ صِدْقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِمْ حَقِيقَةً إذْ يُقَالُ فِيهِمْ لَيْسُوا أَوْلَادَهُ بَلْ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ فَإِنْ قُلْت هَلَّا قِيلَ بِدُخُولِهِمْ عَلَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ فِي اسْتِعْمَالِهِ اللَّفْظَ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ قُلْنَا شَرْطُهُ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ لَهُ وَكَلَامُنَا هُنَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) لِلْوَاقِفِ (غَيْرُهُمْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِمْ) لِوُجُودِ الْقَرِينَةِ وَصِيَانَةً لِكَلَامِ الْمُكَلَّفِ عَنْ الْإِلْغَاءِ فَلَوْ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ فَالظَّاهِرُ الصَّرْفُ لَهُ لِوُجُودِ الْحَقِيقَةِ وَإِنَّهُ يُصْرَفُ لَهُمْ مَعَهُ كَالْأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ عَلَيْهِمْ وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ (وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْبَنِينَ، وَالْبَنَاتِ دَخَلَ) مَعَهُمْ (الْخُنْثَى) لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ وَالِاشْتِبَاهُ إنَّمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ لَكِنَّهُ إنَّمَا يُعْطَى الْمُتَيَقَّنُ فِيمَا إذَا فُوضِلَ بَيْنَ الْبَنِينَ، وَالْبَنَاتِ وَيُوقَفُ الْبَاقِي إلَى الْبَيَانِ لَا إنْ وَقَفَ (عَلَى أَحَدِهِمَا) فَلَا يَدْخُلُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مِنْ الصِّنْفِ الْآخَرِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ الْمَالَ يُصْرَفُ إلَى مَنْ عَيَّنَهُ مِنْ الْبَنِينَ أَوْ الْبَنَاتِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ اسْتِحْقَاقَهُمْ لِنَصِيبِ الْخُنْثَى بَلْ يُوقَفُ نَصِيبُهُ إلَى الْبَيَانِ كَمَا فِي الْمِيرَاثِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُسْلِمِ (وَلَوْ قَالَ) وَقَفْت (عَلَى بَنِي تَمِيمٍ دَخَلَ نِسَاؤُهُمْ) أَيْ بَنَاتُ تَمِيمٍ؛ لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْقَبِيلَةِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ (وَلَا يَدْخُلُ) مَعَ الْمَذْكُورِينَ الْوَلَدُ (الْمَنْفِيُّ) لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ وَلَدًا (حَتَّى يُسْتَلْحَقَ) فَيَدْخُلَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْ الرِّيعِ الْحَاصِلِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ وَبَعْدَهُ حَتَّى يَرْجِعَ بِمَا يَخُصُّهُ فِي مُدَّةِ النَّفْيِ (وَالنَّسْلُ وَالْعَقِبُ وَالذُّرِّيَّةُ وَأَوْلَادُ الْأَوْلَادِ) أَيْ كُلٌّ مِنْهَا (يَشْمَلُ أَوْلَادَ الْبَنِينَ، وَالْبَنَاتِ) وَإِنْ بَعُدُوا فِي غَيْرِ الْأَخِيرَةِ لِصِدْقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِمْ قَالَ تَعَالَى {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ} [الأنعام: 84] إلَى أَنْ ذَكَرَ عِيسَى وَلَيْسَ هُوَ إلَّا وَلَدُ الْبِنْتِ.
(وَكَذَا الْحَمْلُ) مَشْمُولٌ لِكُلٍّ مِنْهَا لِصِدْقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ فَيُوقَفُ نَصِيبُهُ (إلَّا فِي الْأَخِيرَةِ) وَهِيَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ فَلَا يَشْمَلُهُ (لِأَنَّهُ) قَبْلَ انْفِصَالِهِ (لَا يُسَمَّى وَلَدًا لَكِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ ثَمَرَةٍ خَرَجَتْ بَعْدَ الِانْفِصَالِ) كَمَا فِي الْوَلَدِ الْحَادِثِ عُلُوقُهُ بَعْدَ الْوَقْفِ (وَإِنْ قَالَ) وَقَفْت (عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيَّ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِي لَمْ يَدْخُلْ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ) لِأَنَّهُمْ لَا يُنْسَبُونَ إلَيْهِ بَلْ إلَى آبَائِهِمْ قَالَ تَعَالَى {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} [الأحزاب: 5] وَأَمَّا خَبَرُ «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» فِي حَقِّ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ مِنْ الْخَصَائِصِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي النِّكَاحِ بِدَلِيلِ {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
انْقَرَضَ أَوْلَادُهُمْ فَعَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ حَدَثَتْ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا فَأَفْتَيْت بِأَنَّ الْوَقْفَ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ وَالْفَتْوَى أَنَّهُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ حَتَّى يَنْقَرِضَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ، ثُمَّ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يَنْتَقِلُ الْوَقْفُ إلَى وَلَدِ الْوَلَدِ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْأُمِّ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرِطْ لَهُمْ شَيْئًا وَإِنَّمَا شَرَطَ انْقِرَاضَهُمْ لِاسْتِحْقَاقِ غَيْرِهِمْ.

[فَرْعٌ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي]
(قَوْلُهُ: لَمْ يَدْخُلْ أَوْلَادُهُمْ) لَوْ وَقَفَ عَلَى أُمَّهَاتِهِ، أَوْ أُمِّهِ لَمْ تَدْخُلْ الْجَدَّةُ، أَوْ عَلَى أَبِيهِ لَمْ يَدْخُلْ الْجَدُّ (قَوْلُهُ: إذْ يُقَالُ فِيهِمْ لَيْسُوا أَوْلَادَهُ بَلْ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ) فَلَوْ قَالَ بَنُو آدَمَ كُلُّهُمْ أَحْرَارٌ لَمْ يَعْتِقْ عَبِيدُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ عَبِيدُ الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ يَعْتِقُونَ (قَوْلُهُ: فَالظَّاهِرُ الصَّرْفُ لَهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَإِنَّهُ يُصْرَفُ لَهُمْ مَعَهُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُسْلِمِ) كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ هُوَ الْمُسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ فِيمَنْ عَدَاهُ مَوْجُودٌ وَشَكَكْنَا فِي مُزَاحَمَةِ الْخُنْثَى لَهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَاسْتِحْقَاقُ الْخُنْثَى لَمْ نَتَحَقَّقْهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَأَشْبَهَ مَا إذَا أَسْلَمَ عَلَى ثَمَانِ كِتَابِيَّاتٍ فَأَسْلَمَ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ أَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعُ كِتَابِيَّاتٍ وَأَرْبَعُ وَثَنِيَّاتٍ فَأَسْلَمَ مَعَهُ الْوَثَنِيَّاتُ وَمَاتَ قَبْلَ الِاخْتِبَارِ، أَوْ طَلَّقَ الْمُسْلِمُ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ فَإِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لَا يُوقَفُ شَيْءٌ لِلزَّوْجَاتِ بَلْ يُقْسَمُ كُلُّ التَّرِكَةِ بَيْنَ بَاقِي الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الزَّوْجَاتِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُنَّ الْكِتَابِيَّاتُ؛ إذْ سَبَبُ الْإِرْثِ فِي سَائِرِ الْوَرَثَةِ مَوْجُودٌ وَشَكَكْنَا فِي الْمُزَاحَمَةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَإِرْثُ الزَّوْجَاتِ لَمْ نَتَحَقَّقْهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَالثَّانِي يُوقَفُ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ قَدْرَ نَصِيبِ الزَّوْجَاتِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَكَلَامُ الشَّيْخَيْنِ مُوَافِقٌ لِلْأَصَحِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَلَامُ ابْنِ الْمُسْلِمِ مُوَافِقٌ لِمُقَابِلِهِ قَالَ شَيْخُنَا لَكِنَّهُ قَدْ يُنَازَعُ فِي الْجَوَابِ بِأَنَّ الْخُنْثَى لَمْ يَحْصُلْ يَأْسٌ مِنْ اتِّضَاحِ حَالِهِ بِخِلَافِ الزَّوْجَاتِ (قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْأَخِيرِ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى وَلَدًا فَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى وَلَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَعَلَى أَخِي الْوَاقِفِ فَمَاتَ وَلَدُهُ وَلَهُ حَمْلٌ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْحَمْلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى وَلَدًا، وَالْقِيَاسُ اسْتِحْقَاقُ الْأَخِ فَإِذَا وُلِدَ الْوَلَدُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّ الْوَلَدُ وَيَنْقَطِعَ اسْتِحْقَاقُ الْأَخِ قَالَهُ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ قَالَ الْغَزِّيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ أَنَّهُ يُوقَفُ الرِّيعُ حَتَّى يَنْفَصِلَ الْوَلَدُ وَقَوْلُهُ: قَالَهُ السُّبْكِيُّ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ ثَمَرَةٍ خَرَجَتْ بَعْدَ الِانْفِصَالِ) قَالَ السُّبْكِيُّ هَذَا فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَالْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّا لَيْسَ عَلَى عَمَلٍ، أَوْ لَا شَرَطَ الْوَاقِفُ فِيهِ صَرْفَهُ مُسَانَاةً أَوْ مُشَاهَرَةً، أَوْ مُيَاوَمَةً أَمَّا مَا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى عَمَلٍ كَأَوْقَافِ الْمَدَارِسِ أَوْ الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ وَنَحْوِهِمْ إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ تَقْسِيطَهُ عَلَى الْمُدَّةِ.
وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْمُدَّةُ لَا يَأْتِي مُغَلُّهَا إلَّا مَرَّةً فِي السَّنَةِ وَالْبُسْتَانُ لَا يَأْتِي ثَمَرُهُ إلَّا كَذَلِكَ وَأُجْرَةُ الْمَنَافِعِ تَخْتَلِفُ فَفِي بَعْضِ السَّنَةِ كَثِيرَةٌ وَفِي بَعْضِهَا قَلِيلَةٌ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُغَلِّ وَالثَّمَرَةِ وَنَحْوِهِمَا أَنْ تُقَسَّطَ عَلَى الْمُدَّةِ وَيُعْطَى مِنْهُ الْوَرَثَةُ مَنْ مَاتَ عَنْ الْمُدَّةِ الَّتِي بَاشَرَهَا وَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ، أَوْ الْغَلَّةُ مَا حَدَثَتْ إلَّا بَعْدَهُ وَلَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ خِلَافَ ذَلِكَ اُتُّبِعَ شَرْطُهُ

(2/467)


ْ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ دُخُولُ أَوْلَادِ الْبَنِينَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَاقِفُ رَجُلًا أَمْ امْرَأَةً وَهُوَ فِي الْمَرْأَةِ مُشْكِلٌ بِقَوْلِهِمْ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ: إنَّهُ لَا مُشَارَكَةَ بَيْنَ الْأُمِّ وَالِابْنِ فِي النَّسَبِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: ذُكِرَ الِانْتِسَابُ فِي الْمَرْأَةِ هُنَا لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا لِلْإِخْرَاجِ فَيَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ أَيْضًا، وَإِلَّا يَلْزَمُ إلْغَاءُ الْوَقْفِ أَصْلًا فَالْعِبْرَةُ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ وَيَكُونُ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ مَحْمُولًا عَلَى وَقْفِ الرَّجُلِ.
(وَالْعَشِيرَةُ كَالْقَرَابَةِ) فِي حُكْمِ الْوَقْفِ وَغَيْرِهِ (وَمُطْلَقُ الْقَرَابَةِ يَأْتِي ذِكْرُهَا فِي الْوَصِيَّةِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْعِتْرَةُ الْعَشِيرَةُ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَكْثَرُ مَنْ جَعَلَهُمْ عَشِيرَةً خَصَّهُمْ بِالْأَقْرَبِينَ وَنَقَلَ فِيهِ عِبَارَاتِ جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، ثُمَّ قَالَ وَمُقْتَضَى مَا قَالُوهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِمْ ذُرِّيَّتُهُ وَعَشِيرَتُهُ الْأَدْنَوْنَ وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ وَتَوَقَّفَ فِيمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ بَلْ الْأَظْهَرُ مَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ إلَى الْعُرْفِ (وَالْحَادِثُونَ) بَعْدَ الْوَقْفِ (يُشَارِكُونَ الْمَوْجُودِينَ) عِنْدَهُ لِصِدْقِ الِاسْمِ عَلَيْهِمْ (وَالْمَوْلَى اسْمٌ لِلْأَعْلَى) وَهُوَ مَنْ لَهُ الْوَلَاءُ (وَالْأَسْفَلِ) وَهُوَ مَنْ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ (فَلَوْ اجْتَمَعُوا اشْتَرَكُوا) لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُمْ وَلَوْ قَالَ فَلَوْ اجْتَمَعَا اشْتَرَكَا كَانَ أَوْلَى وَأَخْصَرَ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا أَحَدُهُمَا اخْتَصَّ الْوَقْفُ بِهِ فَلَوْ طَرَأَ الْآخَرُ بَعْدُ قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ فَيَظْهَرُ عِنْدَ مَنْ يُشْرِكُ أَنْ يَدْخُلَ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الْإِخْوَةِ ثُمَّ حَدَثَ آخَرُ وَرُدَّ بِأَنَّ إطْلَاقَ الْمَوْلَى عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَقَدْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ وَهِيَ الِانْحِصَارُ فِي الْوُجُودِ عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ فَصَارَ الْمَعْنَى الْآخَرُ غَيْرَ مُرَادٍ وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا احْتِيَاطًا أَوْ عُمُومًا عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ مُقَرَّرٍ فِي الْأُصُولِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى الْإِخْوَةِ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ وَاحِدَةٌ وَإِطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ حَيِّزِ الْمُتَوَاطِئِ فَمَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ اسْتَحَقَّ مِنْ الْوَقْفِ إلَّا أَنْ يُقَيِّدَ الْوَاقِفُ بِالْمَوْجُودِينَ حَالَ الْوَقْفِ فَيُتَّبَعَ تَقْيِيدُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمَوْلَى، وَالْمَوَالِي وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ لَكِنْ قَالَ الْإِمَامُ لَا يُتَّجَهُ التَّشْرِيكُ فِي الْإِفْرَادِ وَيَنْقَدِحُ مُرَاجَعَةُ الْوَاقِفِ.

(فَصْلٌ يُرَاعَى شَرْطُ الْوَاقِفِ فِي) مَا شَرَطَ مِنْ (التَّسْوِيَةِ وَالتَّفَاضُلِ وَالتَّخْصِيصِ بِوَصْفٍ وَزَمَانٍ) وَمَكَانٍ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَصْفِ كَانَ أَوْلَى وَأَخْصَرَ (فَإِنْ قَالَ) وَقَفْت (عَلَى فُقَرَاءِ الْأَبْنَاءِ وَأَرَامِلِ الْبَنَاتِ أُعْطِيَ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ افْتَقَرَ) مِنْ الْأَبْنَاءِ بَعْدَ غِنَاهُ (وَالْأَرْمَلَةُ) مِنْ الْبَنَاتِ (وَمَنْ تَطَلَّقَتْ) مِنْهُنَّ، أَوْ فَارَقَتْ بِفَسْخٍ، أَوْ وَفَاةٍ لِصِدْقِ الِاسْمِ عَلَى هَؤُلَاءِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّ مَنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ أَصْلًا أَرْمَلَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا الَّتِي فَارَقَهَا زَوْجُهَا وَفِي الْوَصِيَّةِ مِنْ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَشَرْطُهَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْلِ فِي الْوَصِيَّةِ الْفَقْرُ ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ تَوَقَّفَ الْأَذْرَعِيُّ فِي الِاقْتِضَاءِ الْمَذْكُورِ (لَا الرَّجْعِيَّةُ) لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ فَلَيْسَتْ أَرْمَلَةً (أَوْ) قَالَ وَقَفْت (عَلَى أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ إلَّا مَنْ تَزَوَّجَتْ) أَوْ اسْتَغْنَتْ مِنْهُنَّ فَتَزَوَّجَتْ، أَوْ اسْتَغْنَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ خَرَجَتْ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ وَ (لَمْ يَعُدْ اسْتِحْقَاقُهَا بِالطَّلَاقِ) وَالْفَقْرِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ بِهِ عَنْ كَوْنِهَا تَزَوَّجَتْ أَوْ اسْتَغْنَتْ وَلِأَنَّ غَرَضَ الْوَاقِفِ أَنْ تَفِيَ لَهُ أُمُّ وَلَدِهِ وَلَا يَخْلُفَهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَمَنْ تَزَوَّجَتْ لَمْ تَفِ وَبِذَلِكَ فَارَقَتْ هَذِهِ مَا قَبْلَهَا (وَلَوْ خَصَّصَ) الْوَاقِفُ (كُلَّ وَاحِدٍ) مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (بِغَلَّةِ سَنَةٍ جَازَ) وَاتُّبِعَ عَمَلًا بِشَرْطِهِ.

(فَرْعٌ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ) ثُمَّ قَالَ (فَإِنْ انْقَرَضُوا هُمْ وَأَوْلَادُهُمْ فَعَلَى الْفُقَرَاءِ فَمُنْقَطِعُ الْوَسَطِ) وَحُكْمُهُ مَا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا شَرَطَ انْقِرَاضَهُم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ دُخُولُ أَوْلَادِ الْبَنِينَ إلَخْ) لَوْ قَالَ عَلَى الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلَيَّ بِأُمَّهَاتِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِأَوْلَادِ الْبَنِينَ فِيهِ شَيْءٌ.
(قَوْلُهُ: فَالْعِبْرَةُ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ اللُّغَوِيَّةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَالْأَسْفَلِ وَهُوَ مَنْ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ) لِأَنَّ أَوْلَادَ الْعَتِيقِ يُسَمَّوْنَ مَوَالِيَ نِعْمَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْهُمْ بِاعْتِبَارِ تَخْلِيصِهِمْ مِنْ الرِّقِّ وَكَتَبَ أَيْضًا إذَا اقْتَضَى الصَّرْفَ إلَى الْمَوَالِي مِنْ أَسْفَلَ بِصَرِيحٍ، أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ مَنْ يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ كَأُمِّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْوَصَايَا مِنْ الرَّوْضَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْمَوَالِي لَا حَالَ الْوَصِيَّةِ وَلَا حَالَ الْمَوْتِ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ اجْتَمَعُوا اشْتَرَكُوا) هَلْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْمُعْتَمَدِ لِلْبَنْدَنِيجِيِّ، أَوْ عَلَى الْجِهَتَيْنِ مُنَاصَفَةً؟ احْتِمَالَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: فَصَارَ الْمَعْنَى الْآخَرُ غَيْرَ مُرَادٍ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ بِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إلَخْ) وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ إذْ الْمُفْرَدُ الْمُضَافُ يَعُمُّ لِلْعُمُومِ.

[فَصْلٌ يُرَاعَى شَرْطُ الْوَاقِفِ فِي مَا شَرَطَ مِنْ التَّسْوِيَةِ وَالتَّفَاضُلِ وَالتَّخْصِيصِ بِوَصْفٍ وَزَمَانٍ وَمَكَانٍ]
(قَوْلُهُ: يُرَاعَى شَرْطُ الْوَاقِفِ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: الْعُرْفُ الْمُطَّرِدُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فَيُنَزَّلُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ فَإِنْ وَقَفَ عَلَى الْمُدَرِّسِ، وَالْمُعِيدِ، وَالْفُقَهَاءِ بِالْمَدْرَسَةِ كَذَا نُزِّلَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْعُرْفُ مِنْ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفَقِيهِ، وَالْأَفْقَهِ وَكَذَا يُنَزَّلُ عَلَى إلْقَاءِ الدُّرُوسِ فِي الْغَدَوَاتِ فَلَا يَكْفِي إلْقَاؤُهَا لَيْلًا.
(تَنْبِيهٌ) وَقَفَ دَارًا عَلَى زَيْدٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّ لِزَيْدٍ مِنْهَا النِّصْفَ وَلِعَمْرٍو مِنْهَا الثُّلُثَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي كَانَتْ بَيْنَهُمَا مَقْسُومَةً عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ وَيَرْجِعُ السُّدُسُ الْفَاضِلُ عَلَيْهِمَا بِالرَّدِّ فَيَكُونُ لِزَيْدٍ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهَا وَلِعَمْرٍو خُمُسَاهَا وَلَوْ وَقَفَهَا هَكَذَا وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْهِمَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا سَمَّى وَكَانَ السُّدُسُ الْفَاضِلُ إذَا صَحَّحْنَا الْوَقْفَ فِيهِ لِلْفُقَرَاءِ وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى أَنَّ لِزَيْدٍ جَمِيعَهَا وَلِعَمْرٍ ثُلُثَهَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ لِزَيْدٍ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِعَمْرٍو سَهْمٌ قَالَ السُّبْكِيُّ وَقَعَ السُّؤَالُ قَدِيمًا عَمَّا يَقَعُ فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ مِنْ قَوْلِهِمْ صُرِفَ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْوَقْفِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُمْ الْمُتَنَاوِلُونَ مِنْهُ حِينَئِذٍ فَالْمَحْجُوبُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْوَصِيَّةِ مِنْ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ أَصَحُّ) وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ثَمَّ (قَوْلُهُ: وَشَرْطُهَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْلِ فِي الْوَصِيَّةِ الْفَقْرُ) وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ثَمَّ (قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا يَظْهَرُ أَنَّ صُورَةَ الصَّرْفِ إلَى أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الْوَصِيَّةِ أَوْ بِلَفْظِ الْوَقْفِ وَوَقَفَ عَلَى مَصْرِفٍ صَحِيحٍ وَشَرَطَ صَرْفَ كَذَا مِنْهُ عَلَى أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ بَعْدَ كَمَالِهِنَّ وَإِلَّا فَتَقَدَّمَ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْعَبْدِ نَفْسِهِ بَاطِلٌ، وَأُمُّ الْوَلَدِ دَاخِلَةٌ فِي الرَّقِيقِ، كَاتِبُهُ.

(2/468)


لِاسْتِحْقَاقِ الْفُقَرَاءِ.

[فَرْعٌ وَقَفَ عَلَى أَرْبَعَةٍ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ أَوْلَادٌ فَنَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ وَإِلَّا فَلِأَهْلِ الْوَقْفِ]
(فَرْعٌ) وَلَوْ (وَقَفَ عَلَى أَرْبَعَةٍ أَنَّ مَنْ مَاتَ) مِنْهُمْ وَلَهُ أَوْلَادٌ (فَنَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ وَإِلَّا فَلِأَهْلِ الْوَقْفِ فَمَاتَ) مِنْهُمْ (ثَلَاثَةٌ أَعْقَبَ مِنْهُمْ اثْنَانِ) فَقَطْ (فَنَصِيبُ الثَّالِثِ بَيْنَ الرَّابِعِ وَبَيْنَ عَقِبِهِمَا) أَيْ الِاثْنَيْنِ (عَلَى الرُّءُوسِ، وَإِنْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَمَنْ سَيُولَدُ لِي عَلَى مَا أُفَصِّلُهُ فَفَصَّلَهُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ وَجَعَلَ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بِلَا عَقِبٍ لِمَنْ سَيُولَدُ لَهُ جَازَ وَأُعْطِيَ) مَنْ وُلِدَ لَهُ (نَصِيبَ مَنْ مَاتَ) مِنْهُمْ (بِلَا عَقِبٍ فَقَطْ) أَيْ دُونَ شَيْءٍ آخَرَ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ قَوْلُهُ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَمَنْ سَيُولَدُ؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ بَعْدَهُ بَيَانٌ لَهُ.

(فَرْعٌ وَإِنْ وَقَفَ عَلَى سُكَّانِ بَلَدٍ فَغَابَ أَحَدُهُمْ سَنَةً) مَثَلًا (وَلَمْ يَبِعْ دَارِهِ وَلَا اسْتَبْدَلَ) بِهَا (أُخْرَى أُعْطِيَ) حَقَّهُ مِنْ الْوَقْفِ وَلَا يَبْطُلُ بِغَيْبَتِهِ فَإِنْ بَاعَهَا أَوْ اسْتَبْدَلَ بِهَا أُخْرَى بَطَلَ حَقُّهُ نَعَمْ إنْ اسْتَمَرَّ سَاكِنًا فِي دَارِهِ بَعْدَ بَيْعِهَا، أَوْ اسْتِبْدَالِهَا بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَاكِنٌ بِالْبَلَدِ (وَقَوْلُهُ وَقَفْت عَلَيْهِ إنْ سَكَنَ هُنَا) أَيْ مَكَانًا مُعَيَّنًا (ثُمَّ) بَعْدَهُ (عَلَى الْفُقَرَاءِ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ) لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ بَعْدَ انْقِرَاضِهِ وَاسْتِحْقَاقُهُ مَشْرُوطٌ بِشَرْطٍ قَدْ يَتَخَلَّفُ وَلَفْظُ الْأَوَّلِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَقَالَ السُّبْكِيُّ الَّذِي يَظْهَرُ الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ وَاحْتِمَالُ الِانْقِطَاعِ لَيْسَ كَتَحَقُّقِهِ وَعُرُوضُ إعْرَاضِهِ عَنْ السَّكَنِ كَرَدِّ الْمُسْتَحِقِّ غَلَّةَ الْوَقْفِ بَعْدَ صِحَّتِهِ.

(فَصْلٌ الِاسْتِثْنَاءُ وَالصِّفَةُ يَلْحَقَانِ الْجَمِيعَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ) وَقَفْت (عَلَى أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي، وَإِخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ، أَوْ إلَّا الْأَغْنِيَاءَ مِنْهُمْ، أَوْ إلَّا مَنْ يَفْسُقُ مِنْهُمْ) فَتُشْتَرَطُ الْحَاجَةُ أَوْ عَدَمُ الْغِنَى، أَوْ الْفِسْقُ فِي الْجَمِيعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ اشْتِرَاكُ الْمُتَعَاطِفَاتِ فِي جَمِيعِ الْمُتَعَلِّقَاتِ، وَالْحَاجَةُ هُنَا مُعْتَبَرَةٌ بِجَوَازِ أَخْذِ الزَّكَاةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَتَنْقَدِحُ مُرَاجَعَةُ الْوَاقِفِ إنْ أَمْكَنَتْ (فَإِنْ عَطَفَ جُمَلًا) أَوْ مُفْرَدَاتٍ (بِثُمَّ) كَ وَقَفْتُ دَارِي عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ حَبَسَتْ ضَيْعَتِي عَلَى أَقَارِبِي، ثُمَّ سَبَّلْت بُسْتَانِي عَلَى عُتَقَائِي الْمُحْتَاجِينَ أَوْ إلَّا مَنْ يَفْسُقُ مِنْهُمْ (أَوْ فَرَّقَ) بَيْنَهُمَا (بِكَلَامٍ طَوِيلٍ) كَ وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَأَعْقَبَ فَنَصِيبُهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِلَّا فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَإِذَا انْقَرَضُوا صُرِفَ إلَى إخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ، أَوْ إلَّا مَنْ يَفْسُقُ مِنْهُمْ (اخْتَصَّتْ بِهِمَا) أَيْ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ الْجُمْلَةُ (الْأَخِيرَةُ) فَالشَّرْطُ - فِي عَوْدِهِمَا لِلْجَمِيعِ - الْعَطْفُ بِالْوَاوِ، وَأَنْ لَا يَتَخَلَّلَ كَلَامٌ طَوِيلٌ وَنَقَلَهَا الْأَصْلُ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّهُ وَجَزَمَ فِي الْمِنْهَاجِ وَأَصْلِهِ بِأَوَّلِهِمَا لَكِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ إنَّمَا هُوَ احْتِمَالٌ لَهُ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ وَقَدْ صَرَّحَ هُوَ فِي الْبُرْهَانِ بِأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ الْعَوْدُ إلَى الْجَمِيعِ وَإِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِثُمَّ قَالَ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْوَاوِ بَلْ الضَّابِطُ وُجُودُ عَاطِفٍ جَامِعٍ بِالْوَضْعِ كَالْوَاوِ، وَالْفَاءِ، وَثُمَّ بِخِلَافِ بَلْ وَلَكِنْ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ فِي الْأُصُولِ وَقَالَ السُّبْكِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ وَثُمَّ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ عَوْدَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْحَمْلِ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْعَطْفِ فَقَدْ نَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَيْمَانِ أَنَّهُ يَعُودُ إلَيْهَا بِلَا عَطْفٍ حَيْثُ قَالَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ لَوْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْت طَالِقٌ، عَبْدِي حُرٌّ لَمْ تَطْلُقْ وَلَمْ يَعْتِقْ (وَتَقْدِيمُ الصِّفَةِ) عَلَى الْمُتَعَاطِفَاتِ (كَتَأْخِيرِهَا) عَنْهَا فِي عَوْدِهَا إلَى الْجَمِيعِ كَ وَقَفْتُ عَلَى فُقَرَاءِ أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي وَإِخْوَتِي وَكَذَا الِاسْتِثْنَاءُ كَ وَقَفْتُ لَا عَلَى مَنْ فَسَقَ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي قَالَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ وَسَكَتُوا عَنْ حُكْمِ الصِّفَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ وَالظَّاهِرُ اخْتِصَاصُهَا بِمَا وَلِيَتْهُ انْتَهَى، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا، وَمِثْلُهَا الِاسْتِثْنَاءُ.
(فَرْعٌ الْبَطْنُ الثَّانِي) وَمَنْ بَعْدَهُ (يَتَلَقَّوْنَ) الْوَقْفَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْعٌ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ انْقَرَضُوا هُمْ وَأَوْلَادُهُمْ فَعَلَى الْفُقَرَاءِ]
قَوْلُهُ: فَنَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ صِيغَةُ الْجَمْعِ فِي الْأَوْلَادِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ حَتَّى لَوْ قَالَ وَقَفْت هَذَا عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ فَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَهُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ صُرِفَ رِيعُ الْوَقْفِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْجِهَةُ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَيْسَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ فَنَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ إلَّا وَاحِدٌ صُرِفَ إلَيْهِ هَذَا هُوَ الَّذِي تَقَعُ بِهِ الْفَتْوَى.
وَيَظْهَرُ مِنْ الْمَقَاصِدِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنْ الْإِخْوَةِ إلَّا أُنْثَى فَإِنَّهَا تَأْخُذُ نَصِيبَهُ وَأَمَّا مَا ذَكَرَاهُ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِإِخْوَةِ زَيْدٍ لَا تَدْخُلُ أَخَوَاتِهِ فَلَا يُعَارِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْوَقْفَ يُرَادُ لِلدَّوَامِ فَيُنَزَّلُ عَلَى الْجِهَاتِ، وَالْوَصِيَّةُ وَالْمَوَارِيثُ لَيْسَ الْأَمْرُ فِيهِمَا كَذَلِكَ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْأَشْخَاصُ لَا الْجِهَاتُ إلَّا فِي مِيرَاثِ بَيْتِ الْمَالِ وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ الصِّيغَةِ جَمْعًا وَتَذْكِيرًا.

[فَرْعٌ وَقَفَ عَلَى سُكَّانِ بَلَدٍ فَغَابَ أَحَدُهُمْ سَنَةً مَثَلًا وَلَمْ يَبِعْ دَارِهِ وَلَا اسْتَبْدَلَ بِهَا أُخْرَى]
(قَوْلُهُ: فَغَابَ أَحَدُهُمْ إلَخْ) وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْغَيْبَةِ حَالَ الْوَقْفِ أَوْ بَعْدَهَا وَيَظْهَرُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالسَّنَةِ مِثَالٌ لَا لِلتَّحْدِيدِ حَتَّى لَوْ غَابَ أَكْثَرَ مِنْهَا وَلَمْ يَسْتَوْطِنْ غَيْرَهَا لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ. (قَوْلُهُ: قَالَ السُّبْكِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الصَّوَابُ الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ.

[فَصْلٌ الِاسْتِثْنَاءُ وَالصِّفَةُ يَلْحَقَانِ الْجَمِيعَ فِي الْوَقْفِ]
(قَوْلُهُ: الِاسْتِثْنَاءُ وَالصِّفَةُ) أَيْ وَالشَّرْطُ أَوْ الضَّمِيرُ إذَا كَانَ صَالِحًا لِلْجَمِيعِ (قَوْلُهُ: كَمَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ وَهُوَ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ: وَنَقَلَهُمَا الْأَصْلُ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّهُ) وَتَبِعَهُ عَلَى هَذَا الْقَيْدِ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْقَفَّالِ فِي فَتَاوِيهِ إذَا وَقَفَ عَلَى ذُكُورِ أَوْلَادِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى الْمَسَاكِينِ يُعْتَبَرُ الذُّكُورَةُ فِي أَوْلَادِهِ دُونَ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَكَذَا لَوْ قَالَ عَلَى مَحَاوِيجِ أَوْلَادِي ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ فَالْمُقَيَّدُ عَلَى التَّقْيِيدِ، وَالْمُطْلَقُ عَلَى الْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ: بَلْ الضَّابِطُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ السُّبْكِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ إلَخْ) وَأَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ بِمَا يُوَافِقُهُ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ هُوَ الْحَقُّ وَذَكَرَا فِي بَابِ الطَّلَاقِ أَنَّ الشَّرْطَ يَعُودُ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ إذَا كَانَ الْعَطْفُ بِثُمَّ وَالشَّرْطُ قِسْمٌ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ هُنَاكَ (قَوْلُهُ: قَالَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ وَسَكَتُوا إلَخْ) وَيَدُلُّ لَهُ مَا نَقَلَاهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ عَنْ ابْنِ كَجٍّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَنَوَى صَرْفَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَيْهِمَا صَحَّ فَافْهَمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا وَإِذَا كَانَ فِي الشَّرْطِ الَّذِي لَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ فَالصِّفَةُ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.

(2/469)


(مِنْ الْوَاقِفِ) لَا مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ.

(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي الْأَحْكَامِ الْمَعْنَوِيَّةِ: وَحُكْمُ الْوَقْفِ اللُّزُومُ) فِي الْحَالِ فَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهُ سَوَاءٌ أَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ أَسَلَّمَهُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَمْ لَا كَالْعِتْقِ (وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ) بِأَنْ قَالَ دَارِي وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ بَعْدَ مَوْتِي فَأَنَّهُ لَازِمٌ حَالَ كَوْنِهِ وَقْفًا وَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَصَوَّرَ الْإِسْنَوِيُّ ذَلِكَ أَيْضًا بِأَنْ يُنَجِّزَ الْوَقْفَ وَيُعَلِّقَ الْإِعْطَاءَ عَلَى الْمَوْتِ قَالَ فَإِنَّ صَاحِبَ الْبَيَانِ ذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ جَوَازُهُ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ انْتَهَى، وَعَلَيْهِ فَرِيعُهُ قَبْلَ الْمَوْتِ يَنْبَغِي صَرْفُهُ لِصَالِحِ الْوَقْفِ خَاصَّةً (وَيَنْتَقِلُ مِلْكُهُ) أَيْ الْوَقْفِ (إلَى اللَّهِ تَعَالَى) وَلَوْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَيْ يَنْفَكُّ عَنْ اخْتِصَاصِ الْآدَمِيِّ كَالْعِتْقِ فَلَا يَمْلِكُهُ الْوَاقِفُ وَلَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ امْتِنَاعِ تَصَرُّفِهِمَا فِيهِ.
(وَجَعْلُ الْبُقْعَةِ مَسْجِدًا، أَوْ مَقْبَرَةً تَحْرِيرٌ لَهَا) كَتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا انْتَقَلَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُهُ السَّابِقُ، وَفِي أَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ كَالْحُرِّ، وَفِي أَنَّهُ لَوْ مُنِعَ أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمَا بِغَلْقٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِمَا لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ أَنَّ الْأَخِيرَانِ ذَكَرُوهُمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَمِثْلُهُ فِيمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ الْمَقْبَرَةُ، وَالرِّبَاطُ، وَالْمَدْرَسَةُ، وَنَحْوُهَا، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِالتَّحْرِيرِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأُمُورِ، وَإِلَّا فَالْأَمْرُ الْأَوَّلُ قَدْ عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ كَمَا أَشَرْت إلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ.

(فَصْلٌ الْفَوَائِدُ) مِلْكٌ (لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) فَيَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْوَقْفِ وَهِيَ (كَالدَّرِّ وَالصُّوفِ وَالثَّمَرَةِ لَا الْأَغْصَانِ) فَلَيْسَتْ لَهُ (إلَّا) الْأَغْصَانَ (مِنْ) شَجَرِ (خِلَافٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يُعْتَادُ قَطْعُهُ؛ لِأَنَّهَا كَالثَّمَرَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ مِنْ فَوَائِدِ الْمَدَارِسِ وَنَحْوِهَا إنَّمَا هُوَ الِانْتِفَاعُ لَا الْمَنْفَعَةُ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْهُ (وَالْحَمْلُ الْمُقَارِنُ) لِلْوَقْفِ (كَالْأُمِّ) فِي كَوْنِهِ وَقْفًا مِثْلَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ يُعْلَمُ وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ الصُّوفُ وَنَحْوُهُ (وَ) الْحَمْلُ (الْحَادِثُ كَالدَّرِّ) فَيَكُونُ مِلْكًا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (وَلَوْ وَقَفَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ فَفَوَائِدُهَا) مِنْ دَرٍّ وَنَحْوِهِ (لِلْوَاقِفِ) لَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْوَقْفِ.

(فَرْعٌ) الْحَيَوَانُ (الْمَوْقُوفُ لِلْإِنْزَاءِ لَا يُحْرَثُ عَلَيْهِ) أَيْ لَا يَحْرُثُ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ وَلَا غَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْإِنْزَاءِ مِمَّا يَنْقُصُ مَنْفَعَتَهُ الْمَوْقُوفَ لَهَا نَعَمْ لَوْ عَجَزَ عَنْ الْإِنْزَاءِ فَالظَّاهِرُ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْوَاقِفِ لَهُ فِي غَيْرِهِ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمَا قَالَهُ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالثَّوْرِ الْمَوْقُوفِ لِلْإِنْزَاءِ (وَإِنْ قُطِعَ بِمَوْتِ) الدَّابَّةِ (الْمَوْقُوفَةِ الْمَأْكُولَةِ ذُبِحَتْ) جَوَازًا لِلضَّرُورَةِ (وَفَعَلَ الْحَاكِمُ بِلَحْمِهَا مَا رَآهُ مَصْلَحَةً) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا يَنْتَقِلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ دَابَّةٌ مِنْ جِنْسِهَا وَتُوقَفُ وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا فِي الْأَنْوَارِ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْأَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ الثَّانِي وَجَرَيْت عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ فَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ بِمَوْتِهَا لَمْ يَجُزْ ذَبْحُهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ الِانْتِفَاعِ كَمَا لَا يَجُوزُ إعْتَاقُ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا حَيَّةً وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ لَكِنْ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ بِالْجَوَازِ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ (فَإِنْ مَاتَتْ فَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِجِلْدِهَا) نَعَمْ إنْ خَصَّهُ الْوَاقِفُ بِبَعْضِ مَنَافِعِهَا كَدَرِّهَا، أَوْ صُوفِهَا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي جِلْدِهَا (فَلَوْ دَبَغَهُ) هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ أَوْ انْدَبَغَ بِنَفْسِهِ فِيمَا يَظْهَرُ عَادَ وَقْفًا.

(فَصْلٌ: مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ) الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُ (بِالْوَقْفِ الْمُطْلَقِ يَسْتَوْفِيهَا بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ بِإِجَارَةٍ، وَإِعَارَةٍ) مِنْ نَاظِرٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَقْصُودُ الْوَاقِفِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ نَفْيَ شَيْءٍ فَيُتَّبَعُ (نَعَمْ لِلنَّاظِرِ مَنْعُهُ مِنْ السُّكْنَى) لِلدَّارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَيْهِ (لِيُؤَجِّرَهَا لِلْعِمَارَةِ) إنْ اقْتَضَاهَا الْحَالُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْنَعْهُ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى الْخَرَابِ (أَمَّا الْمَوْقُوفَةُ لِيُعْطَى الْمُؤَذِّنُ) مَثَلًا (أُجْرَتَهَا فَلَا يَسْكُنُهَا، أَوْ لِيَسْكُنَهَا) فَ (لَا يُؤَجِّرُهَا) عَمَلًا بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يُعِيرُهَا وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ وَعَنْ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ دَارَ الْحَدِيثِ وَبِهَا قَاعَةٌ لِلشَّيْخِ لَمْ يَسْكُنْهَا وَأَسْكَنَهَا غَيْرَهُ لَكِنَّ قَوْلَ الْأَصْلِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا غَيْرَهُ بِأُجْرَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
[الطَّرَفُ الثَّانِي فِي الْأَحْكَامِ الْمَعْنَوِيَّةِ لِلْوَقْفِ]
قَوْلُهُ: وَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ) قَالَ الشَّيْخَانِ وَكَأَنَّهُ وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَوْ عَرَضَ الدَّارَ لِلْبَيْعِ صَارَ رَاجِعًا (قَوْلُهُ: وَصَوَّرَ الْإِسْنَوِيُّ ذَلِكَ أَيْضًا إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ هَذَا مِنْ صُوَرِ مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ قَالَ وَقَفْته عَلَى الْفُقَرَاءِ عَلَى أَنْ لَا يُصْرَفَ إلَيْهِمْ مِنْ رِيعِ السَّنَةِ الْأُولَى وَمَا نُقِلَ عَنْ الْبَيَانِ غَلَطٌ لَيْسَ فِيهِ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَيَنْتَقِلُ مِلْكُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى) قَدْ يُخَالِفُهُ قَوْلُهُمْ فِي الشَّهَادَاتِ إنَّ الْوَقْفَ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَإِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِرَجُلَيْنِ وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالثُّبُوتِ هُوَ الرِّيعُ وَهُوَ حَقُّ آدَمِيٍّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مَقْبَرَةً) أَوْ خَانْقَاهْ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ فِيمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ الْمَقْبَرَةُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ لَوْ وَقَفَ ذِمِّيٌّ مَقْبَرَةً فَهَلْ يَخْتَصُّ بِهَا أَهْلُ مِلَّتِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَصَدَهُمْ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ هُوَ الْمَنْعُ.

[فَصْلٌ الْفَوَائِدُ مِلْكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ]
(قَوْلُهُ: مِمَّا يُعْتَادُ قَطْعُهُ) بِخِلَافِ مَا لَا يُعْتَادُ قَطْعُهُ نَعَمْ إنْ شَرَطَ قَطْعَ الْأَغْصَانِ الَّتِي لَا يُعْتَادُ قَطْعُهَا مَعَ ثِمَارِهَا كَانَتْ لَهُ قَالَهُ الْإِمَامُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنَّ هَذَا فِيمَا لَا يَمُوتُ بِقَطْعِ غُصْنِهِ.
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ الصُّوفُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَقَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ أَيْ كَالشَّعْرِ، وَالْوَبَرِ وَالرِّيشِ وَكَتَبَ أَيْضًا كَالثَّمَرَةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ أَمَّا الْمُؤَبَّرَةُ فَلِلْوَاقِفِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْكَسْبَ الْمُعْتَادَ وَالنَّادِرَ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا سَيَأْتِي فِي مَهْرِ الْمَوْطُوءَةِ لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ فِي الْمُوصِي بِمَنْفَعَةٍ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْمُعْتَادَ خَاصَّةً قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَكَانَ الْفَرْقُ قُوَّةَ الْمِلْكِ هُنَا.

[فَرْعٌ الْحَيَوَانُ الْمَوْقُوفُ لِلْإِنْزَاءِ لَا يُحْرَثُ عَلَيْهِ]
(قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ عَجَزَ عَنْ الْإِنْزَاءِ فَالظَّاهِرُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا فِي الْأَنْوَارِ) وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ؛ إذْ لَيْسَ تَخْيِيرُ الْحَاكِمِ تَشَهٍّ وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ الْأَوَّلُ بِالتَّرْجِيحِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ) يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى مَا إذَا اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ (قَوْلُهُ: فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي جِلْدِهَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ انْدَبَغَ بِنَفْسِهِ فِيمَا يَظْهَرُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.

[فَصْلٌ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُ بِالْوَقْفِ الْمُطْلَقِ يَسْتَوْفِيهَا بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ]
(قَوْلُهُ: صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.

(2/470)


(فَصْلٌ مَهْرُ) الْأَمَةِ (الْمَوْقُوفَةِ) إذَا وُطِئَتْ مُكْرَهَةً، أَوْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحَ مِلْكٍ (لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) كَاللَّبَنِ وَالثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفَوَائِدِ (وَوَطْؤُهَا) مِنْ الْوَاقِفِ، وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَالْأَجْنَبِيِّ (حَرَامٌ) لِعَدَمِ مِلْكِهِمْ، أَوْ لِأَنَّ مِلْكَ الْأَوَّلَيْنِ نَاقِصٌ لَمْ يَحْدُثْ نُقْصَانُهُ بِوَطْءٍ سَابِقٍ وَخَرَجَ بِهَذَا الْقَيْدِ وَطْءُ أُمِّ الْوَلَدِ وَمَا ذَكَرَهُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ (وَهُوَ) أَيْ الْوَطْءُ (مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْوَاقِفِ، وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ كَوَطْءِ أَمَةِ الْغَيْرِ) فِي أَحْكَامِهِ وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِبَعْضِهَا (لَكِنْ لَا مَهْرَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) بِحَالٍ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لَهُ (وَلَا قِيمَةَ وَلَدِهَا) الْحَادِثِ بِتَلَفِهِ أَوْ بِانْعِقَادِهِ حُرًّا (لِأَنَّهُ) أَيْ وَلَدَ الْمَوْقُوفَةِ مِلْكٌ (لَهُ وَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ حَيْثُ لَا شُبْهَةَ كَالْوَاقِفِ، وَالْأَجْنَبِيِّ) وَلَا أَثَرَ لِمِلْكِهِ الْمَنْفَعَةَ كَمَا لَوْ وَطِئَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ الْأَمَةَ وَهَذَا مَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ وَمَا ذُكِرَ مِنْ لُزُومِ الْحَدِّ لَهُ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِمَنْفَعَةِ الْأَمَةِ فِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ.

(فَرْعٌ يَجُوزُ تَزْوِيجُ) الْأَمَةِ (الْمَوْقُوفَةِ) تَحْصِينًا لَهَا وَقِيَاسًا عَلَى الْإِجَارَةِ (وَوَلِيُّهَا السُّلْطَانُ) لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى (وَإِذْنُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) لَهُ (شَرْطٌ) فِي صِحَّةِ تَزْوِيجِهَا لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهَا (وَلَا يَلْزَمُهُ) الْأُذُنُ فِي تَزْوِيجِهَا، وَإِنْ طَلَبَتْهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ إجْبَارُهَا عَلَيْهِ أَيْضًا كَالْعَتِيقَةِ (وَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا) وَإِنْ قُلْنَا الْمِلْكُ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى احْتِيَاطًا (بَلْ لَوْ وُقِفَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ) إنْ قَبِلَ الْوَقْفَ عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ الْقَبُولِ، وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَعَلَيْهِ لَوْ رَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ اتَّجَهَ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الْفَسْخِ وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَلَا يَحِلُّ لِلْوَاقِفِ نِكَاحُهَا أَيْضًا.

(فَصْلٌ: النَّظَرُ فِي الْوَقْفِ لِمَنْ شَرَطَهُ) (الْوَاقِفُ) لَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ أَفَوَّضَهُ فِي الْحَيَاةِ أَمْ أَوْصَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَقَرِّبُ بِصَدَقَتِهِ فَيُتَّبَعُ شَرْطُهُ فِيهِ كَمَا يُتَّبَعُ فِي مَصَارِفِهِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ لِأَحَدٍ (فَلِلْحَاكِمِ) لَا لِلْوَاقِفِ وَلَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ النَّاظِرُ الْعَامُّ وَلِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْوَقْفِ لِلَّهِ تَعَالَى.

(فَرْعٌ يُشْتَرَطُ فِي النَّاظِرِ الْأَمَانَةُ، وَالْكِفَايَةُ) فِي التَّصَرُّفِ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنِينَ رُشَدَاءَ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ وِلَايَةٌ كَمَا فِي الْوَصِيِّ، وَالْقَيِّمِ وَعَبَّرَ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ بَدَلَ الْأَمَانَةِ بِالْعَدَالَةِ وَهِيَ أَخَصُّ مِنْهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي اللَّقِيطِ حَيْثُ قَالَ لَمْ يَعْتَبِرْ الشَّيْخُ الْعَدَالَةَ بَلْ الْأَمَانَةَ قَالَ السُّبْكِيُّ وَيُعْتَبَرُ فِي مَنْصُوبِ الْحَاكِمِ الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى فِي مَنْصُوبِ الْوَاقِفِ بِالظَّاهِرَةِ كَمَا فِي الْأَبِ، وَإِنْ افْتَرَقَا فِي وُفُورِ شَفَقَةِ الْأَبِ وَخَالَفَهُ الْأَذْرَعِيُّ فَاعْتَبَرَ فِيهِ الْبَاطِنَةَ أَيْضًا (فَإِنْ اخْتَلَّتْ إحْدَاهُمَا نُزِعَ) الْوَقْفُ مِنْهُ أَيْ نَزَعَهُ مِنْهُ الْحَاكِمُ فَإِنْ زَالَ الِاخْتِلَالُ عَادَ نَظَرُهُ إنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي الْوَقْفِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَفِي فَتَاوِيهِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ يَقْتَضِي خِلَافَهُ (وَإِنْ كَانَ هُوَ) أَيْ الْمَشْرُوطُ لَهُ النَّظَرُ (الْوَاقِفَ) فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَمَانَةُ، وَالْكِفَايَةُ وَيُنْزَعُ الْوَقْفُ مِنْهُ إنْ اخْتَلَّتْ إحْدَاهُمَا.
(وَلِقَبُولِهِ) أَيْ الْمَشْرُوطِ لَهُ النَّظَرُ (حُكْمُ قَبُولِ الْوَكِيلِ) بِجَامِعِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ وَفِي جَوَازِ الِامْتِنَاعِ مِنْهُمَا بَعْدَ قَبُولِهِمَا فَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ لَفْظًا.

(فَرْعٌ وَعَلَى النَّاظِرِ الْعِمَارَةُ، وَالْإِجَارَةُ وَجَمْعُ الْغَلَّةِ وَحِفْظُهَا) وَحِفْظُ الْأُصُولِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَقِسْمَتُهَا) عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ سَوَاءٌ أَشَرَطَهَا الْوَاقِفُ عَلَيْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ مَهْرُ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفَةِ إذَا وُطِئَتْ مُكْرَهَةً أَوْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحَ مِلْكٍ]
قَوْلُهُ: مَهْرُ الْمَوْقُوفَةِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) فَإِنْ وَقَفَهَا عَلَى خِدْمَتِهِ فَقَطْ وَخَصَّهُ بِبَعْضِ مَنَافِعِهَا فَمَهْرُهَا لِلْوَاقِفِ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ وَطِئَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ الْأَمَةَ) حَذَفَ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَلَامِ أَصْلِهِ هَذَا التَّشْبِيهَ؛ لِأَنَّهُ جَزَمَ فِي الْوَصِيَّةِ بِخِلَافِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا سَيَأْتِي.

[فَرْعٌ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفَةِ]
(قَوْلُهُ: وَوَلِيُّهَا الْحَاكِمُ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَغَيْرُهُ وَوَهِمَ فِي الْمُهِمَّاتِ فَقَالَ يُزَوِّجُهَا النَّاظِرُ الْخَاصُّ فَإِنَّهَا مَقَالَةٌ ضَعِيفَةٌ اخْتَارَهَا الْمَاوَرْدِيُّ فَإِنَّ السَّفِيهَةَ يُزَوِّجُهَا الْأَبُ وَالْجَدُّ وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ مَالِهَا الْحَاكِمَ وَكَتَبَ أَيْضًا فَلَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَفِي تَزْوِيجِهَا يَسْتَأْذِنُ الْحَاكِمُ كُلًّا مِنْ الْوَاقِفِ، وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ إنَّهُ الظَّاهِرُ، وَقَوْلُهُ: إنَّهُ الظَّاهِرُ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: إنْ قَبِلَ الْوَقْفَ عَلَى الْقَوْلِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ) قَالَ شَيْخُنَا: رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ " وَإِلَّا " (قَوْلُهُ: مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُوَلِّيَ فِي الْمَدْرَسَةِ أَوْ غَيْرِهَا إلَّا عِنْدَ فَقْدِ النَّاظِرِ الْخَاصِّ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ لَهُ مَعَهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ وَلَمْ أَرَ لِلْأَصْحَابِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.

[فَصْلٌ النَّظَرُ فِي الْوَقْفِ]
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلِلْحَاكِمِ) قَالَ فِي الْعُبَابِ يَظْهَرُ أَنَّهُ قَاضِي بَلَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَا بَلَدِ الْوَاقِفِ كَمَالِ الْيَتِيمِ وَقَوْلُهُ: قَالَ فِي الْعُبَابِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.

[فَرْعٌ شُرُوطُ نَاظِرِ الْوَقْفِ]
(قَوْلُهُ: وَخَالَفَ الْأَذْرَعِيُّ) عِبَارَتُهُ الْوَجْهُ اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: فَاعْتَبَرَ فِيهِ الْبَاطِنَةَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: أَيْ نَزَعَهُ مِنْهُ الْحَاكِمُ) قَالَ فِي الْمَطْلَبِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ بَعْدَهُ كَمَوْتِهِ وَاسْتَبْعَدَهُ السُّبْكِيُّ إذَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ وَقَالَ يَنْظُرُ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ النَّظَرُ إلَّا بَعْدَ زَوَالِ الْأَوَّلِ وَقِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ أَنَّ الْمَشْرُوطَ لَهُ النَّظَرُ أَوَّلًا لَوْ رَغِبَ عَنْهُ نَظَرَ الْحَاكِمُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَإِذَا مَاتَ انْتَقَلَ لِلْمَشْرُوطِ بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ قَالَ يَنْظُرُ الْحَاكِمُ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَقِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ إلَخْ (قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَوَافَقَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَلِقَبُولِهِ حُكْمُ قَبُولِ الْوَكِيلِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِي قَبُولِ الْمُتَوَلِّي النَّظَرَ مَا فِي قَبُولِ الْوَكِيلِ الْوَكَالَةَ وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْوَقْفَ وَجَرَى عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ أَيْ أَنَّ النَّاظِرَ إنْ شُرِطَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ كَانَ فِي قَبُولِهِ الْخِلَافُ فِي قَبُولِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ الْأَصَحُّ اشْتِرَاطَ قَبُولِهِ كَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ كَانَ فِي قَبُولِهِ الْخِلَافُ فِي قَبُولِ الْوَكِيلِ بِغَيْرِ جُعْلٍ حَتَّى يَكُونَ الْأَصَحُّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ قَبُولِهِ.

[فَرْعٌ عَلَى نَاظِرِ الْوَقْفِ الْعِمَارَةُ وَالْإِجَارَةُ وَجَمْعُ الْغَلَّةِ وَحِفْظُهَا وَقِسْمَتُهَا]
(قَوْلُهُ: وَعَلَى النَّاظِرِ الْعِمَارَةُ إلَخْ) إذَا فَضَلَ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ مَالٌ هَلْ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَتَّجِرَ فِيهِ أَجَابَ السُّبْكِيُّ بِجَوَازِ ذَلِكَ إذَا كَانَ لِمَسْجِدٍ؛ لِأَنَّهُ كَالْحُرِّ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَقِسْمَتُهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ) لَوْ أَجَّرَ النَّاظِرُ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مُعَجَّلَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَجِّلَ الْأُجْرَةَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا يُعْطِي بِقَدْرِ مَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَأَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْإِصْطَخْرِيِّ وَهُوَ الْحَقِيقُ بِالِاعْتِمَادِ وَإِنْ وَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ خِلَافُهُ فَلَوْ عَجَّلَ النَّاظِرُ فَمَاتَ الْآخِذُ

(2/471)


أَمْ أَطْلَقَ وَمِنْ وَظِيفَتِهِ تَنْزِيلُ الطَّلَبَةِ أَيْضًا كَمَا صَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ تَنْزِيلُهُمْ لِلْمُدَرِّسِ لَا لِلنَّاظِرِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِأَحْوَالِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى عُرْفِ زَمَانِهِ، أَوْ عَلَى مَا إذَا كَانَ النَّاظِرُ جَاهِلًا بِمَرَاتِبِهِمْ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلِلْوَاقِفِ تَفْوِيضُ بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ لِوَاحِدٍ، وَالْبَعْضِ لِآخَرَ (وَإِنْ جَعَلَهُ) أَيْ النَّظَرَ (لِعَدْلَيْنِ مِنْ أَوْلَادِهِ وَلَيْسَ) فِيهِمْ (إلَّا عَدْلٌ) وَاحِدٌ (نَصَبَ الْحَاكِمُ) بَدَلَ الْمَعْدُومِ عَدْلًا (آخَرَ، وَلِلنَّاظِرِ) مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ (مَا شَرَطَهُ لَهُ الْوَاقِفُ) وَإِنْ زَادَ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَكَانَ ذَلِكَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ نَعَمْ إنْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ تَقَيَّدَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ كَمَا مَرَّ (فَإِنْ عَمِلَ بِلَا شَرْطٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ) كَمَا عُلِمَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ فَلَوْ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى حَاكِمٍ لِيُقَرِّرَ لَهُ أُجْرَةً فَهُوَ كَمَا إذَا تَبَرَّمَ الْوَلِيُّ بِحِفْظِ مَالِ الطِّفْلِ وَرَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيُثْبِتَ لَهُ أُجْرَةً قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي تَحْرِيرِهِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَأْخُذُ مَعَ الْحَاجَةِ إمَّا قَدْرَ نَفَقَتِهِ كَمَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ ثَمَّ أَوْ الْأَقَلَّ مِنْ نَفَقَتِهِ وَأُجْرَةِ مِثْلِهِ كَمَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَقَدْ يُقَالُ التَّشْبِيهُ بِالْوَلِيِّ إنَّمَا وَقَعَ فِي حُكْمِ الرَّفْعِ إلَى الْحَاكِمِ لَا مُطْلَقًا فَلَا يَقْتَضِي مَا قَالَهُ وَكَانَ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِتَقْرِيرِ الْحَاكِمِ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ هُنَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَرِّرَ لَهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ النَّفَقَةِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ النَّفَقَةُ ثَمَّ لِوُجُوبِهَا عَلَى فَرْعِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ وَلِيًّا عَلَى مَالِهِ أَمْ لَا بِخِلَافِ النَّاظِرِ (فَإِنْ شَرَطَ لَهُ عُشْرَ الْغَلَّةِ أُجْرَةً لِعَمَلِهِ جَازَ، ثُمَّ إنْ عَزَلَهُ بَطَلَ اسْتِحْقَاقُهُ) لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ وَسُومِحَ فِي ذَلِكَ تَبَعًا لِرِيعِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَإِلَّا فَالْأُجْرَةُ لَا تَكُونُ مِنْ شَيْءٍ مَعْدُومٍ (وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِهِ أُجْرَةً اسْتَحَقَّ) وَلَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ لَهُ بِعَزْلِهِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وُقِفَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَأَحَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَصُورَةُ نُفُوذِ عَزْلِهِ أَنْ يَشْرِطَ لِنَفْسِهِ النَّظَرَ وَتَوْلِيَةَ غَيْرِهِ عَنْهُ بِعُشْرِ الْغَلَّةِ، ثُمَّ يُوَلِّيَهُ بِهِ.

(فَرْعٌ: لَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ) مَالِ (الْوَقْفِ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهُ وَلَا يَجُوزُ) لَهُ (إدْخَالُ مَا ضَمِنَهُ فِيهِ) أَيْ فِي مَالِ الْوَقْفِ إذْ لَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ (وَإِقْرَاضُهُ إيَّاهُ) أَيْ مَالَ الْوَقْفِ (كَإِقْرَاضِ مَالِ الصَّبِيِّ) وَتَقَدَّمَ حُكْمُهُ فِي بَابِهِ.

[فَرْعٌ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَعْزِلَ مَنْ وَلَّاهُ وَيَنْصِبَ غَيْرَهُ]
(فَرْعٌ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَعْزِلَ مَنْ وَلَّاهُ) وَيَنْصِبَ غَيْرَهُ حَيْثُ كَانَ النَّظَرُ لَهُ كَمَا يَعْزِلُ الْمُوَكِّلُ وَكِيلَهُ وَيَنْصِبُ غَيْرَهُ وَكَانَ الْمُتَوَلِّي نَائِبًا عَنْهُ، فَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَعْزِلُهُ بِسَبَبٍ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ فَإِنْ عَزَلَهُ لَمْ يَنْعَزِلْ بَعِيدٌ (لَا مَنْ شَرَطَ نَظَرَهُ أَوْ تَدْرِيسَهُ، أَوْ فَوَّضَهُ) أَيْ كُلًّا مِنْهُمَا (إلَيْهِ حَالَ الْوَقْفِ) فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ الْفُقَرَاءِ لَا يَجُوزُ تَبْدِيلُهُمْ بِالْأَغْنِيَاءِ وَلِأَنَّهُ لَا نَظَرَ لَهُ بَعْدَ شَرْطِهِ النَّظَرَ فِي الْأُولَى لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ مَنْ جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الْوَقْفِ فَإِنَّ لَهُ عَزْلَهُ كَمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ النَّظَرِ لَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ فِي تَفْوِيضِ التَّدْرِيسِ بِمَا إذَا كَانَتْ جُنْحَةً ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّفْوِيضِ تَبِعَ فِيهِ الْبَغَوِيّ وَبَحَثَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ جَوَازَ عَزْلِهِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ لِعَدَمِ صِيغَةِ الشَّرْطِ (بَلْ لَوْ عَزَلَ النَّاظِرُ) الثَّابِتُ لَهُ النَّظَرُ (بِالشَّرْطِ نَفْسَهُ، أَوْ فُسِّقَ فَتَوْلِيَةُ غَيْرِهِ إلَى الْحَاكِمِ) لَا إلَى الْوَاقِفِ إذْ لَا نَظَرَ لَهُ بَعْدَ أَنْ جَعَلَ النَّظَرَ فِي حَالَ الْوَقْفِ لِغَيْرِهِ وَالتَّصْرِيحُ بِمَسْأَلَةِ الْفِسْقِ مِنْ زِيَادَتِهِ (فَإِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
فَالنَّاظِرُ ضَامِنٌ كَمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الْقِيَاسُ التَّصَرُّفُ فِي الْجَمِيعِ كَمَا تَتَصَرَّفُ الْمَرْأَةُ فِي الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِنْ كَانَ مِلْكُهَا عَلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ لِاحْتِمَالِ عَوْدِ الشَّطْرِ إلَى الزَّوْجِ بِالْفِرَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ قَالَ شَيْخُنَا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى النَّاظِرِ وَلَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَالْعُهْدَةُ عَلَى الْقَابِضِ مِنْ النَّاظِرِ بِمَا زَادَ عَلَى مُدَّةِ اسْتِحْقَاقِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا صَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ) وَهُوَ الرَّاجِحُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَاَلَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا نَظَرَ لَهُ مَعَهُ وَلَا تَصَرُّفَ بَلْ نَظَرُهُ مَعَهُ نَظَرُ إحَاطَةٍ وَرِعَايَةٍ وَقَدْ صَرَّحَ مَنْ لَا أُحْصِي - مِمَّنْ تَقَدَّمَ هَذَا الْعَصْرَ -، أَوْ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ وَفَتْوَاهُ بِمَا اخْتَرْته (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ التَّشْبِيهُ بِالْوَلِيِّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ إلَخْ.

[فَرْعٌ لَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ]
(قَوْلُهُ: لَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ فِي تَفْوِيضِ التَّدْرِيسِ بِمَا إذَا كَانَتْ جُنْحَةً) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ إنْ عَزَلَ النَّاظِرُ الْمُدَرِّسَ وَغَيْرَهُ تَهَوُّرًا مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ مُسَوِّغٍ لَا يَنْفُذُ وَيَكُونُ قَادِحًا فِي نَظَرِهِ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْخَادِمِ لَا يُتَخَيَّلُ أَنَّهُ يَنْفُذُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ كَمَا قُلْنَا بِهِ فِي الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ؛ إذْ لَهُ عَزْلُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّا إنَّمَا نَفَذْنَاهُ مِنْ الْإِمَامِ خَشْيَةَ إثَارَةِ الْفِتْنَةِ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي النَّاظِرِ الْخَاصِّ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي الْقَضَاءِ فِي الْكَلَامِ عَلَى عَزْلِ الْقَاضِي بِلَا سَبَبٍ وَنُفُوذِ عَزْلِهِ فِي الْأَمْرِ الْعَامِّ: وَأَمَّا الْوَظَائِفُ الْخَاصَّةُ كَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ وَالتَّصَوُّفِ وَالتَّدْرِيسِ وَالطَّالِبِ وَالنَّظَرِ وَنَحْوِهِ لَا تَنْعَزِلُ أَرْبَابُهَا بِالْعَزْلِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ ابْنُ رَزِينٍ فَقَالَ مَنْ تَوَلَّى تَدْرِيسًا لَمْ يَجُزْ عَزْلُهُ بِمِثْلِهِ وَلَا بِدُونِهِ وَلَا يَنْعَزِلُ بِذَلِكَ. اهـ. وَفِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ قُبَيْلَ الْغَنِيمَةِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ إذَا أَرَادَ إسْقَاطَ بَعْضِ الْأَجْنَادِ الْمُثْبَتِ فِي الدِّيوَانِ بِسَبَبٍ جَازَ وَبِغَيْرِ سَبَبٍ لَا يَجُوزُ.
(قَوْلُهُ: وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ) يُحْمَلُ كَلَامُ الْبَغَوِيّ عَلَى مَا إذَا كَانَ التَّفْوِيضُ مُرْتَبِطًا بِصِيغَةِ الْوَقْفِ كَ وَقَفْتُ هَذِهِ مَدْرَسَةً مُفَوِّضًا نَظَرَهَا، أَوْ تَدْرِيسَهَا إلَى فُلَانٍ وَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى خِلَافِهِ كَ وَقَفْتُ هَذِهِ مَدْرَسَةً وَفَوَّضْتُ نَظَرَهَا، أَوْ تَدْرِيسَهَا إلَى فُلَانٍ كَمَا مَثَّلَ بِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ مُسْتَقِلٌّ بِإِفَادَةِ مَعْنَاهُ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا هُوَ صَرِيحٌ وَلَا ظَاهِرٌ فِي اشْتِرَاطِ مَضْمُونِ الْأُولَى لِمَضْمُونِ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ: بَلْ لَوْ عَزَلَ النَّاظِرُ بِالشَّرْطِ نَفْسَهُ، أَوْ فُسِّقَ فَتَوْلِيَةُ غَيْرِهِ إلَى الْحَاكِمِ) قَالَ السُّبْكِيُّ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ لَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَهُ الِامْتِنَاعُ وَيَرْفَعُ أَمْرَهُ إلَى الْقَاضِي لِيُقِيمَ غَيْرَهُ وَلَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ لَا يَنْعَزِلُ وَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ قَالَ وَلَمْ أَرَ لِلْأَصْحَابِ كَلَامًا فِي ذَلِكَ وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ لَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ لَيْسَ لِلْوَاقِفِ نَصْبُ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا نَظَرَ لَهُ بَلْ يَنْصِبُ الْحَاكِمُ نَاظِرًا وَكَلَامُهُ هَذَا يُوهِمُ أَنَّهُ انْعَزَلَ وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ عَلَى أَنَّهُ امْتَنَعَ عَنْ النَّظَرِ. اهـ. وَيُؤَيِّدُ تَأْوِيلَهُ مَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ إذَا فَسَقَ ثُمَّ صَارَ عَدْلًا عَادَتْ وِلَايَتُهُ إنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِي أَصْلِ الْوَقْفِ.
وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَلَا يَنْبَغِي مَجِيءُ خِلَافٍ فِيهِ لِقُوَّتِهِ؛ إذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ

(2/472)


شَرَطَ النَّظَرَ) حَالَ الْوَقْفِ (لِزَيْدٍ بَعْدَ انْتِقَالِ الْوَقْفِ مِنْ عَمْرٍو إلَى الْفُقَرَاءِ فَعَزَلَ زَيْدٌ نَفْسَهُ) مِنْ النَّظَرِ (أَوْ اسْتَنَابَ) فِيهِ غَيْرَهُ (قَبْلَ انْتِقَالِ الْوَقْفِ) مِنْ عَمْرٍو (إلَى الْفُقَرَاءِ لَمْ يَصِحَّ) كُلٌّ مِنْ الْعَزْلِ وَالِاسْتِنَابَةِ (لِأَنَّهُ غَيْرُ نَاظِرٍ فِي الْحَالِ) وَلَا يَمْلِكُ الْوَاقِفُ عَزْلَ زَيْدٍ فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّعْلِيلِ مِنْ زِيَادَتِهِ.
(وَإِنْ جَعَلَ النَّظَرَ لِلْأَرْشَدِ) فَالْأَرْشَدِ (مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ فَأَثْبَتَ كُلٌّ) مِنْهُمْ (أَنَّهُ الْأَرْشَدُ اشْتَرَكُوا) فِي النَّظَرِ (بِلَا اسْتِقْلَالٍ إنْ وُجِدَتْ الْأَهْلِيَّةُ فِيهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَدِيَّةَ قَدْ سَقَطَتْ) بِتَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ فِيهَا (وَبَقِيَ أَصْلُ الرُّشْدِ) فَصَارَ كَمَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِرُشْدِ الْجَمِيعِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَحِكْمَةُ التَّشْرِيكِ لِعَدَمِ الْمَزِيَّةِ وَأَمَّا عَدَمُ الِاسْتِقْلَالِ فَكَمَا لَوْ أَوْصَى إلَى اثْنَيْنِ مُطْلَقًا (وَإِنْ وُجِدَتْ الْأَرْشَدِيَّةُ فِي بَعْضٍ) مِنْهُمْ (اخْتَصَّ بِالنَّظَرِ) عَمَلًا بِالْبَيِّنَةِ (وَيَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ فِي الْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ (أَوْلَادُ الْبَنَاتِ) أَيْ الْأَرْشَدُ مِنْهُمْ لِصِدْقِهِ بِهِ (وَالنَّاظِرُ فِي أَمْكِنَةٍ إنْ أَثْبَتَ أَهْلِيَّةَ النَّظَرِ) لَهُ (فِي مَكَان) مِنْهَا (ثَبَتَ) كَوْنُهُ أَهْلًا (فِي سَائِرِهَا مِنْ جِهَةِ الْأَمَانَةِ لَا الْكِفَايَةِ) فَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ أَهْلًا مِنْ جِهَتِهَا (حَتَّى يُثْبِتَ) أَيْ يُقِيمَ بَيِّنَةً (بِهَا) أَيْ بِأَهْلِيَّتِهِ لِلنَّظَرِ (فِي كُلٍّ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَمْكِنَةِ الْمَذْكُورَةِ (وَإِنْ نَصَبَ الْوَاقِفُ) الَّذِي شَرَطَ لِنَفْسِهِ النَّظَرَ وَنَصَبَ غَيْرَهُ بَدَلَهُ إذَا أَرَادَ (نَاظِرًا، ثُمَّ مَاتَ) الْوَاقِفُ (لَمْ يُبْدَلْ) بِغَيْرِهِ (وَيُجْعَلُ) بَعْدَ مَوْتِهِ (كَالْوَصِيِّ) فِي عَدَمِ جَوَازِ إبْدَالِهِ لَهُ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إبْدَالُهُ قَبْلَ الْمَوْتِ.

(فَصْلٌ نَفَقَةُ الْمَوْقُوفِ، وَمُؤَنُ تَجْهِيزِهِ، وَعِمَارَتُهُ مِنْ حَيْثُ شُرِطَتْ) أَيْ شَرَطَهَا الْوَاقِفُ مِنْ مَالِهِ، أَوْ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ (وَإِلَّا فَمِنْ مَنَافِعِهِ) أَيْ الْمَوْقُوفِ كَكَسْبِ الْعَبْدِ وَغَلَّةِ الْعَقَارِ (فَإِذَا تَعَطَّلَتْ) مَنَافِعُهُ (فَالنَّفَقَةُ) وَمُؤَنُ التَّجْهِيزِ (لَا الْعِمَارَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) كَمَنْ أَعْتَقَ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ، أَمَّا الْعِمَارَةُ فَلَا تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ حِينَئِذٍ كَالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ لِصِيَانَةِ رُوحِهِ وَحُرْمَتِهِ.

[فَصْلٌ جُعِلَ النَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ]
(فَصْلٌ لَوْ جُعِلَ النَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ اشْتَرَكُوا فِيهِ) فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالتَّصَرُّفِ (وَلَوْ أَجَّرَ النَّاظِرُ الْوَقْفَ فَزَادَتْ الْأُجْرَةُ، أَوْ ظَهَرَ طَالِبٌ بِزِيَادَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَضْ) عَقْدُ الْإِجَارَةِ (وَلَوْ أَجَّرَهُ سِنِينَ) لِأَنَّ الْعَقْدَ جَرَى بِالْغِبْطَةِ فِي وَقْتِهِ فَأَشْبَهَ مَا إذَا بَاعَ الْوَلِيُّ مَالَ طِفْلِهِ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ الْقِيمَةُ بِالْأَسْوَاقِ أَوْ ظَهَرَ طَالِبٌ بِالزِّيَادَةِ.

[فَصْلٌ انْدَرَسَ شَرْطُ الْوَاقِفِ وَجُهِلَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ أَرْبَابِ الْوَقْفِ أَوْ الْمَقَادِيرُ]
(فَصْلٌ) لَوْ (انْدَرَسَ شَرْطُ الْوَاقِفِ وَجُهِلَ التَّرْتِيبُ) بَيْنَ أَرْبَابِ الْوَقْفِ (أَوْ الْمَقَادِيرُ) بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ سَوَّى الْوَاقِفُ بَيْنَهُمْ، أَوْ فَاضَلَ (قُسِمَتْ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ) لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ (وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي شَرْطِهِ) وَلَا بَيِّنَةَ (وَلِأَحَدِهِمْ يَدٌ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) لِاعْتِضَادِ دَعْوَاهُ بِالْيَدِ وَقَوْلُهُ بِيَمِينِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ (فَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ حَيًّا عُمِلَ بِقَوْلِهِ) بِلَا يَمِينٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَزَادَ فَقَالَا إذَا مَاتَ الْوَاقِفُ يُرْجَعُ إلَى وَارِثِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكَانَ لَهُ نَاظِرٌ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ رُجِعَ إلَيْهِ لَا إلَى الْمَنْصُوبِ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ فَإِنْ وُجِدَا وَاخْتَلَفَا فَهَلْ يُرْجَعُ إلَى الْوَارِثِ، أَوْ إلَى النَّاظِرِ؟ وَجْهَانِ رَجَّحَ مِنْهُمَا الْأَذْرَعِيُّ الثَّانِيَ (فَلَوْ فُقِدَ) الْوَاقِفُ وَمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّنْ ذُكِرَ (وَلَا يَدَ) لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْمَوْقُوفِ، أَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ (سُوِّيَ بَيْنَهُمْ وَلَوْ جُهِلَ الْمُسْتَحِقُّ) لِلْوَقْفِ (صُرِفَ لِأَقْرِبَاءِ الْوَاقِفِ) وَقَوْلُهُ (ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ) مِنْ زِيَادَتِهِ.

(فَصْلٌ وَإِنْ قُتِلَ الْعَبْدُ الْمَوْقُوفُ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتَصَّ) مِنْ قَاتِلِهِ بِشَرْطِهِ كَعَبِيدِ بَيْتِ الْمَالِ نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ وَجَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي نَفْسٍ وَلَا طَرَفٍ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِهْلَاكِ الْوَقْفِ، قَالَ السُّبْكِيُّ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ جَمْعٍ عَدَّدَهُمْ فَلْيُعْتَقَدْ تَصْحِيحُهُ وَتَبِعَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ (وَإِنْ وَجَبَ) بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ (قِيمَةٌ، أَوْ أَرْشٌ اشْتَرَى الْحَاكِمُ) بِالْبَدَلِ (مِثْلَهُ) لِيُجْعَلَ وَقْفًا مَكَانَهُ مُحَافَظَةً عَلَى غَرَضِ الْوَاقِفِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَشِقْصًا مِنْ عَبْدٍ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى غَرَضِهِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةَ حَيْثُ لَا يَشْتَرِي بِقِيمَتِهَا شِقْصَ شَاةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
عَزْلُهُ وَلَا الِاسْتِبْدَالُ بِهِ، وَالْعَارِضُ لَمْ يَكُنْ سَالِبًا بَلْ مَانِعًا مِنْ التَّصَرُّفِ وَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ جَعَلَ النَّظَرَ لِلْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ قَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِيقَةِ الرُّشْدِ وَلَمْ أَرَهُمْ تَكَلَّمُوا فِي الْأَرْشَدِيَّةِ وَحَقِيقَتُهُ مَنْ زَادَ فِي صَلَاحِ الدِّينِ، أَوْ الْمَالِ، أَوْ كِلَيْهِمَا مَعَ وُجُودِ أَصْلِ الصَّلَاحِ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ حَدَثَتْ الْأَرْشَدِيَّةُ فِي بَعْضٍ مِنْهُمْ) ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى (قَوْلُهُ: اخْتَصَّ بِالنَّظَرِ) فَلَوْ حَدَثَ مِنْهُمْ أَرْشَدُ مِنْهُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ وَلَوْ تَغَيَّرَ حَالُ الْأَرْشَدِ حِينَ الِاسْتِحْقَاقِ فَصَارَ مَفْضُولًا انْتَقَلَ النَّظَرُ إلَى مَنْ هُوَ أَرْشَدُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَصَبَ الْوَاقِفُ نَاظِرًا ثُمَّ مَاتَ لَمْ يُبَدَّلْ بِغَيْرِهِ) يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي إذَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا، أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا.
قَالَ السُّبْكِيُّ وَمَا خَالَفَ شَرْطَ الْوَاقِفِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَهُوَ حُكْمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ نَصُّ الْوَاقِفِ نَصًّا صَرِيحًا، أَوْ ظَاهِرًا قَالَ وَمَا خَالَفَ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ فَهُوَ كَالْمُخَالِفِ لِلْإِجْمَاعِ.

[فَصْلٌ نَفَقَةُ الْمَوْقُوفِ وَمُؤَنُ تَجْهِيزِهِ وَعِمَارَتُهُ]
(قَوْلُهُ: قُسِمَتْ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ) لَا يَخْفَى تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ تَطَّرِدْ عَادَةٌ بِالتَّفْضِيلِ فَإِنْ اطَّرَدَتْ بِهِ عَادَةٌ كَمَا فِي الْمُدَرِّسِ، وَالْمُعِيدِ وَالطَّالِبِ لَمْ يُسَوَّ بَلْ تُعْتَبَرُ الْعَادَةُ وَلَوْ وُجِدَ فِي دَفْتَرِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ النُّظَّارِ تَفَاوُتٌ اُتُّبِعَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِنَادُ تَصَرُّفِهِمْ إلَى أَصْلٍ وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ أَنَّهُ يُرْجَعُ إلَى عَادَةِ مَنْ تَقَدَّمَ حَتَّى لَوْ اتَّفَقَتْ عَادَةُ الْمُدَرِّسِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعُلُومِ اُتُّبِعَتْ وَقَالَ فِي غَيْرِهَا إنَّهُ يُرْجَعُ إلَى عَادَةِ نُظَّارِ الْوَقْفِ إنْ اتَّفَقَتْ عَادَتُهُمْ أن (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكَانَ لَهُ نَاظِرٌ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ رُجِعَ إلَيْهِ) أَوْ إلَى عَادَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ النُّظَّارِ فَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ لَمْ يُرْجَعْ إلَيْهِ فِي شُرُوطِ الْوَقْفِ وَلَا يَثْبُتُ شَرْطُ الْوَاقِفِ وَتَفْصِيلُهُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَإِنْ ثَبَتَ أَصْلُهُ (قَوْلُهُ: رَجَّحَ مِنْهُمَا الْأَذْرَعِيُّ الثَّانِيَ) وَهُوَ الرَّاجِحُ.

[فَصْلٌ قُتِلَ الْعَبْدُ الْمَوْقُوفُ]
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ) يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى مَا إذَا اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ

(2/473)


لِتَعَذُّرِ التَّضْحِيَةِ فَإِنْ تَعَذَّرَ الشِّقْصُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ذَكَرَهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَحَدُهَا يَبْقَى الْبَدَلُ بِحَالِهِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَبْقَى إلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ شِرَاءِ شِقْصٍ، ثَانِيهَا يَكُونُ مِلْكًا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، ثَالِثُهَا يَكُونُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ (فَلَوْ زَادَتْ) قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ (أَخَذَ بِالزَّائِدِ شِقْصًا) مِنْ عَبْدٍ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْءٍ مِنْ الْمَوْقُوفِ وَخَرَجَ بِالْحَاكِمِ الْوَاقِفُ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَكَذَا الْجَانِي؛ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مَا لَهُ بِهَذَا تَعَلُّقٌ.

(فَرْعٌ لَا يُشْتَرَى صَغِيرٌ عَنْ كَبِيرٍ وَلَا ذَكَرٌ عَنْ أُنْثَى وَكَذَا عَكْسُهُمَا) لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبُطُونِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ (وَلَا يَصِيرُ الْمُشْتَرَى وَقْفًا حَتَّى يُوقِفَهُ) الْفَصِيحُ " يَقِفَهُ " (الْحَاكِمُ) وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَبْنِيِّ فِي عِمَارَةِ الْجُدْرَانِ الْمَوْقُوفَةِ وَتَرْمِيمِهَا حَيْثُ يَصِيرُ وَقْفًا بِالْبِنَاءِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ بِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَوْقُوفَ قَدْ فَاتَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالْأَرْضَ الْمَوْقُوفَةَ بَاقِيَةٌ وَالطِّينَ وَالْحَجَرَ الْمَبْنِيَّ بِهِمَا كَالْوَصْفِ التَّابِعِ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الشِّرَاءَ، وَالْوَقْفَ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَقْفِ نَاظِرٌ خَاصٌّ، وَإِلَّا فَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهُمَا كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِيمَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ الْوَقْفِ كَذَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَالْمُعْتَمَدُ الْإِطْلَاقُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَوْقُوفَ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا مَرَّ.

(فَرْعٌ وَإِنْ جَنَى الْمَوْقُوفُ) جِنَايَةً تُوجِبُ قِصَاصًا (اُقْتُصَّ مِنْهُ) وَإِذَا اُقْتُصَّ مِنْهُ فَإِنَّ الْوَقْفَ كَمَا لَوْ مَاتَ (وَمَتَى وَجَبَ) بِجِنَايَتِهِ (مَالٌ، أَوْ) قِصَاصٌ، وَ (عُفِيَ) عَنْهُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَالٍ (فَدَاهُ الْوَاقِفُ) لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ كَأُمِّ الْوَلَدِ إذَا جَنَتْ (بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ) مِنْ قِيمَتِهِ، وَالْأَرْشِ فَلَا يَتَعَلَّقُ الْمَالُ بِرَقَبَتِهِ لِتَعَذُّرِ بَيْعِهِ (وَلَهُ أَنْ تَكَرَّرَتْ الْجِنَايَةُ) مِنْهُ (حُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ) فِي عَدَمِ تَكَرُّرِ الْفِدَاءِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهَا (فَإِنْ مَاتَ الْوَاقِفُ، ثُمَّ جَنَى) الْعَبْدُ (فَمِنْ) أَيْ فَهَلْ يُفْدَى مِنْ (كَسْبِ الْعَبْدِ، أَوْ بَيْتِ الْمَالِ؟) كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ الَّذِي لَا عَاقِلَةَ لَهُ (وَجْهَانِ) أَوْجَهُهُمَا الْأَوَّلُ كَمَا أَنَّ الْعِمَارَةَ مِنْ رِيعِ الْمَوْقُوفِ (لَا مِنْ تَرِكَةِ الْوَاقِفِ) لِأَنَّهَا انْتَقَلَتْ إلَى الْوَارِثِ وَقِيلَ مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْنُوعٌ مِنْ بَيْعِهِ بِسَبَبٍ صَدَرَ مِنْهُ فِي الْحَيَاةِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُ جِنَايَتِهِ فِي مَالِهِ، وَتَرْجِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّرِكَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ لَمْ يَسْقُطْ الْفِدَاءُ) وَإِنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ؛ لِأَنَّ تَضْمِينَ الْوَاقِفِ كَانَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ الْبَيْعِ بِالْوَقْفِ وَهُوَ مَوْجُودٌ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْقِنِّ فَإِنَّ الْأَرْشَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فَإِذَا مَاتَ فَلَا أَرْشَ وَلَا فِدَاءَ.

(فَصْلٌ لَوْ تَعَطَّلَتْ الْمَنْفَعَةُ) الَّتِي لِلْمَوْقُوفِ (بِسَبَبٍ غَيْرِ مَضْمُونٍ كَشَجَرَةٍ جَفَّتْ) أَوْ قَلَّمَتْهَا الرِّيحُ وَلَمْ يُمْكِنْ إعَادَتُهَا إلَى مَغْرِسِهَا قَبْلَ جَفَافِهَا (لَمْ يَبْطُلْ الْوَقْفُ) لِبَقَاءِ عَيْنِ الْمَوْقُوفِ (وَلَا تُبَاعُ) وَلَا تُوهَبُ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ أَوَّلَ الْبَابِ (لَوْ اُنْتُفِعَ بِهَا) بِإِيجَارٍ أَوْ غَيْرِهِ (مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا) إدَامَةً لِلْوَقْفِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِهَا إلَّا بِاسْتِهْلَاكِهَا بِإِحْرَاقٍ، أَوْ نَحْوِهِ (صَارَتْ مِلْكًا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) لَكِنَّهَا لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ بَلْ يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهَا كَأُمِّ الْوَلَدِ وَلَحْمِ الْأُضْحِيَّةَ وَهَذَا التَّفْصِيلُ صَحَّحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْقَمُولِيُّ وَنَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ اخْتِيَارِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ لَكِنْ اقْتَصَرَ الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرُ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِنْ جَفَّتْ الشَّجَرَةُ لَمْ يَنْقَطِعْ الْوَقْفُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مِلْكًا بِحَالٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ الْمُوَافِقُ لِلدَّلِيلِ وَكَلَامِ الْجُمْهُورِ، عَلَى أَنَّ عَوْدَهُ مِلْكًا مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ مُشْكِلٌ.
(وَالْحُصُرُ الْمَوْهُوبَةُ) أَوْ الْمُشْتَرَاةُ (لِلْمَسْجِدِ تُبَاعُ لِلْحَاجَةِ لَا) الْحُصُرُ (الْمَوْقُوفَةُ) كَسَائِرِ الْمَوْقُوفَاتِ (فَلَوْ ذَهَبَ جَمَالُهَا وَنَفْعُهَا بِيعَتْ) إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي بَيْعِهَا لِئَلَّا تَضِيعَ وَتُضَيِّقَ الْمَكَانَ بِلَا فَائِدَةٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: لِتَعَذُّرِ التَّضْحِيَةِ بِهِ) عَلَى رَأْيٍ مَرْجُوحٍ (قَوْلُهُ: ثَانِيهِمَا يَكُونُ مِلْكًا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْأَصَحُّ.

[فَرْعٌ لَا يُشْتَرَى صَغِيرٌ عَنْ كَبِيرٍ وَلَا ذَكَرٌ عَنْ أُنْثَى فِي الْوَقْفُ]
(قَوْلُهُ: وَلَا يَصِيرُ الْمُشْتَرَى وَقْفًا حَتَّى يُوقِفَهُ) إذَا أَتْلَفَ الْأُضْحِيَّةَ وَاشْتَرَى بِعَيْنِ الْقِيمَةَ، أَوْ فِي الذِّمَّةِ وَنَوَى أَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ لَمْ يَحْتَجْ إلَى جَعْلِهَا أُضْحِيَّةً وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ جَعْلِهَا أُضْحِيَّةً وَقَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ " يَظْهَرُ مَجِيئُهُ هُنَا " فِيهِ نَظَرٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقِيمَةَ الْمَأْخُوذَةَ عَنْ الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ تَكُونُ عَلَى مِلْكِ الْفُقَرَاءِ، وَالْمُشْتَرِي نَائِبٌ عَنْهُمْ فَإِذَا اشْتَرَى بِالْعَيْنِ، أَوْ فِي الذِّمَّةِ وَنَوَاهُمْ وَقَعَ الشِّرَاءُ لَهُمْ بِخِلَافِ الْمَوْقُوفِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَالْقِيمَةُ لَيْسَتْ مَوْصُوفَةً بِالْوَقْفِ حَتَّى تَكُونَ مُنْتَقِلَةً إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَتَبَ أَيْضًا فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَدَلِ الْمَرْهُونِ - حَيْثُ يَكُونُ رَهْنًا فِي ذِمَّةِ الْجَانِي - بِأَنَّ الْقِيمَةَ يَصِحُّ أَنْ تُرْهَنَ وَلَا يَصِحُّ وَقْفُهَا وَبِأَنَّ بَدَلَ الْمَوْقُوفِ لَوْ صَحَّ وَصْفُهُ بِالْوَقْفِيَّةِ لَمَا أَمْكَنَ بَيْعُهُ وَلَا الشِّرَاءُ بِهِ وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ الْوَقْفِ (قَوْلُهُ الْفَصِيحُ يَقِفُهُ) هُوَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ الْإِطْلَاقُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي لَهُ هُوَ النَّاظِرَ الْخَاصَّ فِي الْوَقْفِ مَنْ كَانَ.

[فَرْعٌ جَنَى الْمَوْقُوفُ جِنَايَةً تُوجِبُ قِصَاصًا]
(قَوْلُهُ: فَدَاهُ الْوَاقِفُ) إذَا وَقَفَ بِنَاءً فِي أَرْضٍ مُحْتَكَرَةٍ وَلَا إجَارَةَ عَلَيْهِ وَلَا رِيعَ لِلْوَقْفِ فَهَلْ نَقُولُ: تَسْتَمِرُّ الْأُجْرَةُ عَلَى الْوَاقِفِ تَفْرِيعًا عَلَى مَا صَحَّحُوهُ فِي الْجِنَايَةِ أَمْ نَقُولُ تَسْقُطُ الْأُجْرَةُ وَصَاحِبُ الْأَرْضِ لَهُ قَلْعُ الْبِنَاءِ؟ الَّذِي أَفْتَيْت بِهِ الثَّانِي، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَقْفَ خَرَجَتْ الرَّقَبَةُ عَنْ أَنْ تُبَاعَ فَأَشْبَهَ الِاسْتِيلَادَ فَوَجَبَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ وَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ وَأَمَّا فِي صُورَةِ الْبِنَاءِ فَهُوَ وَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَنْ يُبَاعَ لَكِنَّ الْأُجْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِرِيعِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رِيعٌ كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَبَسْطُهُ فِي الْفَوَائِدِ الْمَحْضَةِ عَلَى الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ بَيْتِ الْمَالِ) هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ أَفْتَيْت.

[فَصْلٌ تَعَطَّلَتْ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي لِلْمَوْقُوفِ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَضْمُونٍ]
(قَوْلُهُ: أَوْ قَلَعَهَا الرِّيحُ، أَوْ السَّيْلُ) أَوْ دَابَّةٌ زَمِنَتْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا صَارَتْ مِلْكًا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) إذَا كَانَ الْبِنَاءُ، أَوْ الْغِرَاسُ مَوْقُوفًا فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ وَصَارَ الرِّيعُ لَا يَفِي بِالْأُجْرَةِ، أَوْ يَفِي بِهَا لَا غَيْرُ أَفْتَى ابْنُ الْأُسْتَاذِ بِأَنَّهُ يُقْلَعُ وَيُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا صُرِفَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لَا الْمَوْقُوفَةُ) شَمِلَ مَا اشْتَرَاهُ النَّاظِرُ، ثُمَّ وَقَفَهُ (قَوْلُهُ: فَلَوْ ذَهَبَ نَفْعُهَا وَجَمَالُهَا بِيعَتْ) لَك أَنْ تَقُولَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ امْتِنَاعِ بَيْعِ الشَّجَرَةِ الْعَادِمَةِ النَّفْعِ وَبَيْنَ جَوَازِ حُصُرِ الْمَسْجِدِ الْمَوْقُوفَةِ وَنَحْوِهَا قُلْت الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حُصُرَ الْمَسْجِدِ إذَا بَلِيَتْ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا إلَّا بِذَهَابِ عَيْنِهَا بِخِلَافِ الشَّجَرَةِ الْعَادِمَةِ النَّفْعِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا فِي غَيْرِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْهَا وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا تَصْلُحَ إلَّا لِلْإِحْرَاقِ فَالْفَرْقُ

(2/474)


كَالْحُصُرِ فِي ذَلِكَ نُحَاتَةُ الْخَشَبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَكَذَا) يُبَاعُ (جِذْعُهُ الْمُنْكَسِرُ إنْ تَعَذَّرَ جَعْلُهُ بَابًا وَنَحْوَهُ وَجِدَارُ دَارِهِ الْمُنْهَدِمِ كَذَلِكَ) أَيْ يَجُوزُ بَيْعُهُ إنْ تَعَذَّرَ بِنَاؤُهُ وَتَعْبِيرُهُ بِالْجِدَارِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالدَّارِ (وَالْمُشْرِفُ) مِنْ الْجِذْعِ، أَوْ غَيْرِهِ (عَلَى التَّلَفِ كَالتَّالِفِ) فَيَجُوزُ بَيْعُهُ (وَيُشْتَرَى بِمَا بِيعَ) بِهِ (مِثْلُهُ) وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ هُوَ مَا صَحَّحَهُ الْأَصْلُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ وَاَلَّذِي أَفْتَيْت بِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْجُمْهُورِ وَصَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَرْضِ الْمَسْجِدِ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي سَقِيفَةٍ، أَوْ طَبْخِ جِصٍّ، أَوْ آجُرٍّ لِلْمَسْجِدِ، وَالتَّقْيِيدُ عَلَى الْأَوَّلِ بِدَارِ الْمَسْجِدِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَخَرَجَ بِهِ الدَّارُ الْمَوْقُوفَةُ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا تُبَاعُ وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فَارِقًا بِأَنَّ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى غَيْرِهِ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْبُطُونِ الْمُتَأَخِّرَةِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَدَارُ الْمَسْجِدِ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ وَحْدَهُ فَلَا تَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَالْمَقْصُودُ بِهَا مَصْلَحَتُهُ فَإِذَا تَعَذَّرَ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَكَانَتْ الْمَصْلَحَةُ لَهُ فِي بَيْعِهَا جَازَ وَلَا مَصْلَحَةَ لِلْبَطْنِ الثَّانِي فِي بَيْعِهَا لِمَصْلَحَةِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، وَفِي فَرْقِهِ نَظَرٌ وَكَلَامُ الْأَصْلِ يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِهَا مُطْلَقًا وَنَقَلَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ مَنْعَ بَيْعِهَا، وَقَالَ السُّبْكِيُّ: إنَّهُ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ مَوْجُودَةٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ إذْ جَوَازُ الْبَيْعِ يُؤَدِّي إلَى مُوَافَقَةِ الْقَائِلِينَ بِالِاسْتِبْدَالِ لَكِنْ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّ الْأَرْضَ مَوْجُودَةٌ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْقَائِلَ بِجَوَازِ الْبَيْعِ إنَّمَا يَقُولُهُ فِي الْبِنَاءِ خَاصَّةً كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِتَعْبِيرِهِ بِالْجِدَارِ (وَإِنْ تَعَطَّلَ مَسْجِدٌ بِتَعْطِيلِ الْبَلَدِ) أَوْ انْهَدَمَ (لَمْ يُنْقَضْ) فَلَا يَبْطُلُ وَقْفُهُ وَلَا يَعُودُ مِلْكًا بِحَالٍ (لِإِمْكَانِ الصَّلَاةِ فِيهِ) وَلِإِمْكَانِ عَوْدِهِ كَمَا كَانَ وَكَالْعَبْدِ إذَا عَتَقَ ثُمَّ زَمِنَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَتُصْرَفُ غَلَّةُ وَقْفِهِ حِينَئِذٍ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَبِهِ جَزَمَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَقَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ إنَّهُ مُنْقَطِعُ الْآخِرِ أَيْ فَتُصْرَفُ غَلَّتُهُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ وَحَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَجْهًا وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّهَا تُصْرَفُ إلَى عِمَارَةِ مَسْجِدٍ آخَرَ وَمَصَالِحِهِ لَكَانَ أَقْرَبَ، ثُمَّ رَأَيْت الْمُتَوَلِّيَ قَالَ يُصْرَفُ لِأَقْرَبِ الْمَسَاجِدِ إلَيْهِ وَقَالَ الْإِمَامُ يُحْفَظُ لِتَوَقُّعِ عَوْدِهِ وَهُوَ قِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي غَلَّةِ وَقْفِ الثَّغْرِ (فَلَوْ خِيفَ عَلَيْهِ نَقْضٌ نُقِضَ وَبَنَى الْحَاكِمُ بِهِ) أَيْ بِنِقْضِهِ (مَسْجِدًا) آخَرَ (إنْ رَأَى ذَلِكَ) وَإِلَّا حَفِظَهُ (وَ) بِنَاؤُهُ (بِقُرْبِهِ أَوْلَى لَا) أَيْ بَنَى بِهِ مَسْجِدًا لَا (بِئْرًا كَعَكْسِهِ) أَيْ كَبِئْرٍ خَرِبَتْ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَبْنِي بِنِقْضِهَا بِئْرًا أُخْرَى لَا مَسْجِدًا وَيُرَاعِي غَرَضَ الْوَاقِفِ مَا أَمْكَنَ أَمَّا إذَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ النَّقْضُ فَلَا يُنْقَضُ.

(فَرْعٌ غَلَّةُ وَقْفِ الثَّغْرِ) وَهُوَ الطَّرَفُ الْمُلَاصِقُ مِنْ بِلَادِنَا بِلَادَ الْكُفَّارِ إذَا اتَّسَعَتْ خِطَّةُ الْإِسْلَامِ حَوْلَهُ وَحَصَلَ فِيهِ الْأَمْنُ (تُحْفَظُ) أَيْ يَحْفَظُهَا النَّاظِرُ (فِي) زَمَنِ (الْأَمْنِ) لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ ثَغْرًا (وَيَدَّخِرُ مِنْ زَائِدِ غَلَّةِ الْمَسْجِدِ) عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ (مَا يَعْمُرُهُ بِتَقْدِيرِ هَدْمِهِ وَيَشْتَرِي لَهُ بِالْبَاقِي عَقَارًا) وَيَقِفُهُ؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهُ (لَا) بِشَيْءٍ (مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَى عِمَارَتِهِ) لِأَنَّ الْوَاقِفَ وَقَفَ عَلَيْهَا (وَتُقَدَّمُ عِمَارَةٌ عَلَى حَقِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِفْظِ الْوَقْفِ (وَيَجُوزُ إنْ اُحْتِيجَ) إلَى النَّقْلِ (نَقْلُ قَنْطَرَةٍ) مَوْقُوفٍ عَلَيْهَا (عُطِّلَ الْوَادِي مَكَانَهَا) فَلَوْ وَقَفَ عَلَى قَنْطَرَةٍ فَأُغْرِقَ الْوَادِي وَتَعَطَّلَتْ الْقَنْطَرَةُ وَاحْتِيجَ إلَى قَنْطَرَةٍ أُخْرَى جَازَ نَقْلُهَا إلَى مَحَلِّ الْحَاجَةِ.

(فَصْلٌ فِيهِ مَسَائِلُ وَإِنْ وَقَفَ عَلَى قَبِيلَةٍ كَالطَّالِبِيِّينَ أَجْزَأَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ) قَالَ فِي الْأَصْلِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ مِنْ أَوْلَادِ عَلِيٍّ وَالثَّانِي مِنْ أَوْلَادِ جَعْفَرٍ وَالثَّالِثُ مِنْ أَوْلَادِ عَقِيلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (فَإِنْ قَالَ) وَقَفْت (عَلَى أَوْلَادِ عَلِيٍّ وَجَعْفَرٍ وَعَقِيلٍ اُشْتُرِطَ ثَلَاثَةٌ مِنْ كُلٍّ) مِنْهُمْ (وَفِي دُخُولِ مَقَرِّ شَجَرَةٍ وَجِدَارٍ وَقَفَهُمَا) فِي وَقْفِهِمَا (وَجْهَانِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَرَأَيْت مَنْ صَحَّحَ دُخُولَهُمَا، وَالْأَشْبَهُ الْمَنْعُ وَنُقِلَ تَصْحِيحُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
إمْكَانُ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ بِالصَّرْفِ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ حُصُرِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ تُصْرَفُ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي فَرْقِهِ نَظَرٌ) فَإِنَّهُ حَمَلَ نُقُولَ الْأَصْحَابِ الْمُصَرِّحَةَ بِمَنْعِ بَيْعِ الدَّارِ الْمَوْقُوفَةِ وَإِنْ تَعَطَّلَتْ وَخَرِبَتْ عَلَى غَيْرِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ: وَكَلَامُ الْأَصْلِ يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِهَا مُطْلَقًا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ قَالَ شَيْخُنَا الَّذِي أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْعُ بَيْعِهَا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: وَقَالَ السُّبْكِيُّ) أَيْ وَالْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَتُصْرَفُ غَلَّةُ وَقْفِهِ حِينَئِذٍ إلَى الْفُقَرَاءِ إلَخْ) الَّذِي تَحَرَّرَ لِي أَنَّهُ إنْ تُوُقِّعَ عَوْدُهُ حُفِظَ لَهُ وَهُوَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَإِلَّا فَإِنْ أَمْكَنَ صَرْفُهُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ صُرِفَ إلَيْهِ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ وَإِلَّا فَمُنْقَطِعُ الْآخِرِ فَيُصْرَفُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا صُرِفَ إلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ أَوْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ شَيْخُنَا قَالَهُ الْوَالِدُ.
(فَرْعٌ) يَنْقُلُ الْحَاكِمُ مَا فِي الْمَسْجِدِ الْخَرَابِ مِنْ حُصُرٍ وَقَنَادِيلَ وَنَحْوِهِمَا إلَى غَيْرِهِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: فَلَوْ خِيفَ عَلَيْهِ نَقْضٌ نُقِضَ إلَخْ) فِي الْمَطْلَبِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ إذَا اقْتَضَتْ تَغْيِيرَ بِنَاءِ بَعْضِ الْمَوْقُوفِ لِزِيَادَةِ رِيعِهِ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَيْ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ وَقَالَ، السُّبْكِيُّ: الَّذِي أَرَاهُ الْجَوَازَ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُغَيِّرُ مُسَمَّى الْوَقْفِ، الثَّانِي أَنْ لَا يُزِيلَ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهِ بَلْ يَنْقُلَ بَعْضَهُ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ وَإِنْ اقْتَضَى زَوَالَ شَيْءٍ مِنْ الْعَيْنِ لَمْ يَجُزْ، الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْوَقْفِ وَعَلَى هَذَا فَفَتْحُ شُبَّاكِ الطَّيْبَرِسِيَّةِ فِي جِدَارِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ لَا يَجُوزُ إذْ لَا مَصْلَحَةَ لِلْجَامِعِ فِيهِ وَكَذَلِكَ فَتْحُ أَبْوَابِ الْحَرَمِ لَا حَاجَةَ بِهَا وَإِنَّمَا هِيَ لِمَصْلَحَةِ سَاكِنِيهَا فَلَا يَجُوزُ (قَوْلُهُ: وَبِنَاؤُهُ بِقُرْبِهِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَجِبُ أَنَّهُ إذَا خَصَّ الْوَاقِفُ الْمَسْجِدَ بِطَائِفَةٍ وَقُلْنَا: يَخْتَصُّ بِهِمْ أَنْ لَا يُنْقَلَ إلَّا إلَى مَسْجِدٍ خُصَّ بِهِمْ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ نُقِلَ إلَى غَيْرِهِ.

[فَرْعٌ غَلَّةُ وَقْفِ الثَّغْرِ]
(قَوْلُهُ: لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِفْظِ الْوَقْفِ) بَلْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ لَوْ احْتَاجَ نَحْوُ الْمَسْجِدِ، وَالْعَقَارِ إلَى عِمَارَةٍ يُبْدَأُ بِالْعَقَارِ عَلَى الْمَسْجِدِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِفْظِ أَصْلِهِ.

[فَصْلٌ فِي مَسَائِل تَتَعَلَّق بالوقف]
(قَوْلُهُ: وَالْأَشْبَهُ الْمَنْعُ) هُوَ الْأَصَحُّ.

(تَنْبِيهٌ) سُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ نَاظِرٍ صَرَفَ شَيْئًا كَانَ النُّظَّارُ قَبْلَهُ يَصْرِفُونَهُ مِنْ مُرَتَّبٍ عَلَى وَظَائِفَ لَمْ يَشْرُطْهَا الْوَاقِفُ، ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّ النُّظَّارَ أَخْطَئُوا فِي صَرْفِهَا وَأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي شَرْطِ الْوَاقِفِ هَلْ يُطَالِبُهُ الْوَرَثَةُ بِمَا صَرَفَهُ فِي الْمُدَّةِ

(2/475)


فِي الْأُولَى عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ.

(وَيُصْرَفُ الْمَوْقُوفُ) أَيْ رِيعُ الْمَوْقُوفِ (عَلَى الْمَسْجِدِ) وَقْفًا (مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى عِمَارَتِهِ فِي الْبِنَاءِ وَالتَّجْصِيصِ الْمُحْكَمِ وَالسُّلَّمِ وَالْبَوَارِيِّ) لِلتَّظَلُّلِ بِهَا (وَالْمَكَانِسِ) لِيُكْنَسَ بِهَا (وَالْمَسَاحِي) لِيُنْعَلَ بِهَا التُّرَابُ (وَ) فِي (ظُلَّةٍ تَمْنَعُ إفْسَادَ خَشَبِ الْبَابِ) بِمَطَرٍ وَنَحْوِهِ (إنْ لَمْ تَضُرَّ بِالْمَارَّةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِحِفْظِ الْعِمَارَةِ (وَ) فِي (أُجْرَةِ الْقَيِّمِ لَا الْمُؤَذِّنِ، وَإِمَامٍ وَحُصُرٍ وَدُهْنٍ) لِأَنَّ الْقَيِّمَ بِحِفْظِ الْعِمَارَةِ بِخِلَافِ الْبَاقِي عَلَى مَا يَأْتِي (إلَّا) الْأُولَى لَا (إنْ كَانَ الْوَقْفُ لِمَصَالِحِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ (فَيُصْرَفُ) مِنْ رِيعِهِ فِي ذَلِكَ (لَا فِي التَّزْوِيقِ وَالنَّقْشِ بَلْ لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُصْرَفُ لِلْمُؤَذِّنِ وَالْإِمَامِ فِي الْوَقْفِ الْمُطْلَقِ هُوَ مُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ الْبَغَوِيّ لَكِنَّهُ نَقَلَ بَعْدَهُ عَنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ يُصْرَفُ لَهُمَا وَهُوَ الْأَوْجَهُ كَمَا فِي الْوَقْفِ عَلَى مَصَالِحِهِ وَكَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ لِلْمَسْجِدِ (وَلَا يُصْرَفُ لِحَشِيشِ السَّقْفِ مَا) عُيِّنَ (لِحَشِيشِ الْحُصُرِ وَ) لَا (عَكْسُهُ) وَالْمَوْقُوفُ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا يُصْرَفُ إلَى اللُّبُودِ وَلَا عَكْسُهُ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَيُصَدَّقُ النَّاظِرُ فِي إنْفَاقٍ مُحْتَمَلٍ) أَيْ فِي قَدْرِ مَا أَنْفَقَهُ عِنْدَ الِاحْتِمَالِ فَإِنْ اتَّهَمَهُ الْحَاكِمُ حَلَّفَهُ قَالَهُ الْقَفَّالُ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ إنْفَاقُهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْعِمَارَةِ وَفِي مَعْنَاهُ الصَّرْفُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْجِهَاتِ الْعَامَّةِ بِخِلَافِ إنْفَاقِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ فَلَا يُصَدَّقُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْهُ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ.

(وَلِأَهْلِ الْوَقْفِ الْمُهَايَأَةُ) فِي الْمَوْقُوفِ (لَا قِسْمَتُهُ) وَإِنْ قُلْنَا الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ شَرْطٍ لَا وَاقِفٍ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ مَنْ بَعْدَهُمْ (وَلَا تَغْيِيرُهُ) عَنْ هَيْئَتِهِ (كَجَعْلِ الْبُسْتَانِ دَارًا) أَوْ حَمَّامًا (إلَّا إنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ الْعَمَلَ بِالْمَصْلَحَةِ) فَيَجُوزُ التَّغْيِيرُ بِحَسَبِهَا عَمَلًا بِشَرْطِهِ قَالَ السُّبْكِيُّ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَيْضًا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُغَيِّرُ مُسَمَّى الْوَقْفِ وَأَنْ لَا يُزِيلَ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهِ بَلْ يَنْقُلَ نِقْضَهُ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ وَأَنْ تَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْوَقْفِ وَعَلَيْهِ فَفَتْحُ شُبَّاكِ الطَّيْبَرِسِيَّةِ فِي جِدَارِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ لَا يَجُوزُ إذْ لَا مَصْلَحَةَ لِلْجَامِعِ فِيهِ وَكَذَا فَتْحُ أَبْوَابِ الْحَرَمِ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ لِمَصْلَحَةِ السُّكَّانِ (وَإِنْ انْقَلَعَتْ أَشْجَارُهُ) أَيْ الْوَقْفِ، أَوْ انْهَدَمَ بِنَاؤُهُ (أُجِّرَتْ) بِمَعْنَى، أَوْ أُجِّرَتْ (أَرْضُهُ) لِمَا لَا يُرَادُ دَوَامُهُ كَزَرْعِهَا وَضَرْبِ خِيَامٍ فِيهَا، أَوْ لِمَا يُرَادُ دَوَامُهُ كَغَرْسٍ وَشُرِطَ قَلْعُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ (وَغُرِسَتْ) أَيْ الْأَرْضُ، أَوْ بُنِيَتْ (بِأُجْرَتِهَا) الْحَاصِلَةِ بِإِيجَارِهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ.

(وَلِلنَّاظِرِ الِاقْتِرَاضُ) فِي عِمَارَةِ الْوَقْفِ (بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أَوْ الْإِنْفَاقُ) عَلَيْهَا (مِنْ مَالِهِ لِيَرْجِعَ) وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُقْرِضَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَلَيْسَ لَهُ الِاقْتِرَاضُ دُونَ إذْنِهِ) أَيْ الْإِمَامِ هَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا فُهِمَ مِمَّا قَبْلَهُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إذْنُ الْحَاكِمِ فِي الِاقْتِرَاضِ لَا سِيَّمَا فِي الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ وَمَالَ إلَيْهِ غَيْرُهُ تَشْبِيهًا لِلنَّاظِرِ بِوَلِيِّ الْيَتِيمِ فَإِنَّهُ يَقْتَرِضُ دُونَ إذْنِ الْحَاكِمِ.

(وَالْوَقْفُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَإِنْ اسْتَعْمَلَ كُوزَ الْمَاءِ) الْمُسَبَّلَ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا وُقِفَ لَهُ فَتَلِفَ (ضَمِنَ لِتَعَدِّيهِ) بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ فَتَلِفَ بِلَا تَعَدٍّ (وَإِنْ انْكَسَرَ الْمِرْجَلُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالْجِيمِ أَيْ الْقِدْرُ بِلَا تَعَدٍّ (فَإِنْ تَطَوَّعَ) بِأَنْ تَطَوَّعَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ (بِإِصْلَاحِهِ فَذَاكَ، وَإِلَّا أُعِيدَ صَغِيرًا بِبَعْضِهِ) وَأُنْفِقَ الْبَاقِي مِنْهُ عَلَى إصْلَاحِهِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) اتِّخَاذُهُ مِرْجَلًا (فَقَصْعَةً، أَوْ مِغْرَفَةً) أَوْ نَحْوَهَا اُتُّخِذَ (وَلَا حَاجَةَ إلَى إنْشَاءِ وَقْفِهِ) فَإِنَّهُ عَيْنُ الْمَوْقُوفِ وَكُلُّ مَا كَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ كَانَ أَوْلَى فَإِنْ تَعَذَّرَ اتِّخَاذُ شَيْءٍ مِنْ نَوْعِهِ اُسْتُعْمِلَ فِيمَا يُمْكِنُ.

(وَيَدْخُلُ فِي) الْوَقْفِ عَلَى (الْفُقَرَاءِ) الْفُقَرَاءُ (الْغُرَبَاءُ وَأَهْلُ الْبَلَدِ) أَيْ فُقَرَاءُ أَهْلِهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
الْمَاضِيَةِ قَبْلَ تَبَيُّنِ الْحَالِ فَأَجَابَ بِأَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ الصَّارِفَ لِلْمَالِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ لَا يَكُونُ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ، وَالْوَكِيلِ، وَعَدْلِ الرَّهْنِ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ مَنْ ذُكِرَ لَيْسَتْ عَامَّةً بِخِلَافِ نُظَّارِ الْأَوْقَافِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالنَّاظِرُ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ، وَالْحَاكِمُ لَا يَكُونُ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الذُّرِّيَّةِ مُطَالَبَتُهُ بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ: فَأَجَابَ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ قَوْلُهُ: بِأَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ إلَخْ بِخَطِّ شَيْخِنَا (قَوْلُهُ: الْأَوْلَى) هُوَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ) هُوَ الْأَصَحُّ قَالَ شَيْخُنَا: يَتَّجِهُ إلْحَاقُ الدُّهْنِ، وَالْحُصُرِ بِذَلِكَ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا سَكَتَ عَنْهُ فِي الِاسْتِدْرَاكِ لِلْعِلْمِ بِهِ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: فَإِنْ اتَّهَمَهُ الْحَاكِمُ حَلَّفَهُ) أَيْ وُجُوبًا عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ دَعْوَى صَحِيحَةٌ - لَوْ أَقَرَّ بِمَطْلُوبِهَا لَزِمَهُ - فَأَنْكَرَ حَلَّفَهُ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ) قَالَ الْقَاضِي شُرَيْحٌ: إذَا ادَّعَى مُتَوَلِّي الْوَقْفِ صَرْفَ الْغَلَّةِ فِي مَصَارِفِهَا الْمَشْرُوعَةِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَادَّعَوْا أَنَّهُمْ لَمْ يَقْبِضُوا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ وَإِنْ كَانَ لِأَقْوَامٍ مُعَيَّنِينَ ثَبَتَ لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِالْحِسَابِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُعَيَّنِينَ فَهَلْ لِلْإِمَامِ مُطَالَبَتُهُ بِالْحِسَابِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا جَدِّي قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالْأَقْرَبُ الْمُطَالَبَةُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ رِيبَةٍ أَوْ تُهْمَةٍ لَا مُطْلَقًا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَنُّتِ مِنْ غَيْرِ مُقْتَضٍ وَقَوْلُهُ: وَالْأَقْرَبُ الْمُطَالَبَةُ هُوَ الْأَصَحُّ.

(قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ فَتْحُ شُبَّاكِ الطَّيْبَرِسِيَّةِ فِي جِدَارِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَا قَالَهُ مِنْ مَنْعِ فَتْحِ بَابٍ مِنْ أَحَدِ الْمَسَاجِدِ إلَى الْآخِرِ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ الْوَجْهُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ الْمُتَّصِلَةَ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْقُدْوَةِ وَغَيْرِهَا.

(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ الِاقْتِرَاضُ دُونَ إذْنِهِ) اُسْتُشْكِلَ وَقِيلَ: لِمَ لَا يَقْتَرِضُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الِاقْتِرَاضِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ إثْبَاتُ دَيْنٍ فِي جِهَةِ الْوَقْفِ يَتَعَلَّقُ بِسَائِرِ الْبُطُونِ وَنَحْوِهِمْ فَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ النَّاظِرُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُ النَّظَرُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَاحْتِيجَ إلَى مَنْ لَهُ النَّظَرُ عَلَى الْجَمِيعِ وَهُوَ الْحَاكِمُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي شَرْطِ الْوَاقِفِ الِاسْتِقْرَاضُ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ

(2/476)


وَالْمُرَادُ بَلَدُ الْوَقْفِ كَنَظِيرِهِ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ أَطْمَاعَهُمْ تَتَعَلَّقُ بِبَلَدِ الْوَقْفِ (لَا مَكْفِيٌّ بِأَبٍ، أَوْ زَوْجٍ وَيَدْخُلُ) فِيهِ (أَرْبَابُ صَنَائِعَ تَكْفِيهِمْ وَلَا مَالَ لَهُمْ) فَيُعْطَوْنَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْ الزَّكَاةِ قَالَ السُّبْكِيُّ: لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ ثَمَّ بِالْحَاجَةِ لَا بِالْفَقْرِ وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَى الزَّكَاةِ وَهُنَا بِاسْمِ الْفَقْرِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهِمْ بِدَلِيلِ خَبَرِ «لَا حَقَّ فِيهَا - أَيْ الزَّكَاةِ - لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ يَكْتَسِبُ» وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَكْفِيِّ بِأَبٍ، أَوْ زَوْجٍ بِأَنَّ الِاكْتِسَابَ فِيهِ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ بِخِلَافِ الْأَخْذِ مِنْ الْآخَرِينَ عَلَى أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ وَالرُّويَانِيَّ وَغَيْرَهُمَا سَوَّوْا بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي الدُّخُولِ.

(وَلَوْ نَبَتَتْ شَجَرَةٌ بِمَقْبَرَةٍ فَثَمَرَتُهَا مُبَاحَةٌ) لِلنَّاسِ تَبَعًا لِلْمَقْبَرَةِ (وَصَرْفُهَا إلَى) مَصَالِحِ (الْمَقْبَرَةِ أَوْلَى) مِنْ تَبْقِيَتِهَا لِلنَّاسِ (لَا ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ) غُرِسَتْ (لِلْمَسْجِدِ) فِيهِ فَلَيْسَتْ مُبَاحَةً بِلَا عِوَضٍ (بَلْ يَصْرِفُ الْإِمَامُ عِوَضَهَا لِمَصَالِحِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ وَتَقْيِيدُهُ بِالْإِمَامِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ نَاظِرٌ خَاصٌّ، وَإِنَّمَا خَرَجَتْ الشَّجَرَةُ عَنْ مِلْكِ غَارِسِهَا هُنَا بِلَا لَفْظٍ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ لِلْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ وَخَرَجَ بِغَرْسِهَا لِلْمَسْجِدِ غَرْسُهَا مُسَبَّلَةً لِلْأَكْلِ فَيَجُوزُ أَكْلُهَا بِلَا عِوَضٍ وَكَذَا أَنْ جُهِلَتْ نِيَّتُهُ حَيْثُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ (وَتُقْلَعُ) الشَّجَرَةُ (مِنْهُ إنْ رَآهُ) الْإِمَامُ (بَلْ إنْ جَعَلَ الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا وَفِيهَا شَجَرَةٌ فَلِلْإِمَامِ قَلْعُهَا، وَإِنْ أَدْخَلَهَا) الْوَاقِفُ (فِي الْوَقْفِ) بِأَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ مَسْجِدًا وَوَقَفَ الشَّجَرَةَ وَلَا تَدْخُلُ فِيهِ اسْتِتْبَاعًا؛ لِأَنَّهَا لَا تُجْعَلُ مَسْجِدًا وَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ مَحَلُّهُ فِي وُقُوفِ الْأَرْضِ غَيْرَ مَسْجِدٍ فَيَلْزَمُ الْوَاقِفَ هُنَا تَفْرِيغُ الْأَرْضِ كَمَا فِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ، وَمَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْهَا مِنْ لُزُومِهِ لَهُ سَهْوٌ.

(وَيَجُوزُ وَقْفُ سُتُورٍ لِجُدْرَانِ الْمَسْجِدِ) قَالَ الْغَزَالِيُّ سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَرِيرًا أَمْ لَا وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ ثُمَّ قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ فِي النَّقْشِ وَالتَّزْوِيقِ وَفِيهِ مَيْلٌ إلَى عَدَمِ الْجَوَازِ وَنَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ فَتْوَى غَيْرِ الْغَزَالِيِّ ثُمَّ قَالَ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ بِأَمْرٍ مُبْتَدَعٍ وَلِشَغْلِ قَلْبِ الْمُصَلِّي وَلَعَلَّ الْفِتْنَةَ بِهِ أَشَدُّ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّقْشِ وَالتَّزْوِيقِ وَقِيَاسُ الْمَسْجِدِ عَلَى الْكَعْبَةِ بَعِيدٌ (فَإِنْ وَقَفَ) عَلَى دُهْنٍ (لِإِسْرَاجِ الْمَسْجِدِ) بِهِ (أُسْرِجَ كُلَّ اللَّيْلِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُغْلَقًا مَهْجُورًا) بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَنْ فِيهِ مِنْ مُصَلٍّ وَنَائِمٍ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ أَنْشَطُ لَهُ فَإِنْ كَانَ مُغْلَقًا مَهْجُورًا لَمْ يُسْرَجْ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَجُوزُ إيقَادُ الْيَسِيرِ مِنْ الْمَصَابِيحِ فِيهِ احْتِرَامًا لَهُ وَتَنْزِيهًا عَنْ وَحْشَةِ الظُّلْمَةِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْإِغْلَاقُ قَيْدًا بَلْ يَكْفِي أَنْ لَا يُتَوَقَّعَ حُضُورُ أَحَدٍ يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ انْتِفَاعًا جَائِزًا.

(كِتَابُ الْهِبَةِ)
أَيْ مُطْلَقِهَا (وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ) هِبَةٌ وَهَدِيَّةٌ وَصَدَقَةٌ، وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] وَقَوْلُهُ {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177] الْآيَةَ، وَأَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ كَخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ الْآتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى الرُّجُوعِ فِيهَا وَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» أَيْ ظِلْفَهَا وَخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «لَوْ دُعِيتُ إلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ» ، وَالْكُرَاعُ قِيلَ كُرَاعُ الْغَمِيمِ وَهُوَ وَادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ أَمَامَ عُسْفَانَ بِثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ جَبَلٌ أَسْوَدُ فِي طَرَفِ الْحَرَّةِ وَاسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الْإِمَامُ وَالْقَاضِي وَرَجَّحَا أَنَّهُ كُرَاعُ الْغَنَمِ أَيْ طَرَفُ رِجْلِهَا كَمَا أَنَّ ذِرَاعَهَا طَرَفُ يَدِهَا وَهُوَ أَكْثَرُ لَحْمًا مِنْ الْكُرَاعِ وَأَهْلُ الْعُرْفُ يُعَبِّرُونَ بِالْكَارِعِ وَيُطْلِقُونَهُ عَلَيْهِمَا مَعًا (الْهِبَةُ) بِلَا ثَوَابٍ (تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ) فِي الْحَيَاةِ هَذَا تَعْرِيفٌ لِمُطْلَقِ الْهِبَةِ لَا لِلْهِبَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: لَا مَكْفِيٌّ بِأَبٍ) مِثْلُهُ سَائِرُ الْأُصُولِ، وَالْفُرُوعِ.
(تَنْبِيهٌ) يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْقُرَّاءِ وَيُصْرَفُ إلَى كُلِّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، سَوَاءٌ كَانَ حَافِظًا لَهُ أَوْ لَا وَلَا يُصْرَفُ إلَى مَنْ قَرَأَ بَعْضَهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ مَنْ قَرَأَ قُرْآنًا فَيُصْرَفَ إلَى مَنْ قَرَأَ وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ وَلَوْ قَالَ عَلَى حُفَّاظِ الْقُرْآنِ لَمْ يُعْطَ مَنْ نَسِيَهُ بَعْدَ حِفْظِهِ.

(قَوْلُهُ: وَتُقْطَعُ مِنْهُ إنْ رَآهُ) قَالَ السُّبْكِيُّ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَفْتَيْت بِبُطْلَانِ وَقْفِ خِزَانَةِ كُتُبٍ وَقَفَهَا وَاقِفٌ لِتَكُونَ فِي مَكَان مُعَيَّنٍ فِي مَدْرَسَةِ الصَّاحِبِ بِمِصْرَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ مُسْتَحَقٌّ لِغَيْرِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ بِمُقْتَضَى الْوَقْفِ الْمُتَقَدِّمِ فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ قَالَ السُّبْكِيُّ وَنَظِيرُهُ إحْدَاثُ مِنْبَرٍ فِي مَسْجِدٍ لَمْ تَكُنْ فِيهِ جُمُعَةٌ لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ إحْدَاثُ كُرْسِيِّ مُصْحَفٍ مُؤَبَّدٍ يُقْرَأُ فِيهِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ وَغَيْرِهِ لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ وَيَجِبُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْمَنْفَعَةِ لِغَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَالْعَجَبُ مِنْ قُضَاةٍ يُثْبِتُونَ وَقْفَ ذَلِكَ شَرْعًا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا.

(قَوْلُهُ: قَالَ الْغَزَالِيُّ: سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَرِيرًا أَمْ لَا) وَحَيْثُ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْوَقْفِ لِسُتُورِهِ وَكَانَتْ حَرِيرًا بِيعَتْ وَصُرِفَ ثَمَنُهَا فِي مَصَالِحِهِ (قَوْلُهُ: نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ فِي النَّقْشِ إلَخْ) يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ فِي السُّتُورِ تَعْظِيمًا لِلْمَسْجِدِ وَبِأَنَّ صَرْفَ رِيعِهِ عَلَى شِرَائِهَا مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ بِخِلَافِ النَّقْشِ وَالتَّزْوِيقِ (قَوْلُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.

0 التعليقات