كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ علي مذهب الإمام الشافعي

يناير 08, 2022
عنوان الكتاب: أسنى المطالب في شرح روض الطالب و حاشية الرملي الكبير
المؤلف: زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري - شهاب أحمد الرملي - محمد بن أحمد الشوبري
تحقيق: زهير الشاويش الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان الطبعة: الثالثة، 1412هـ / 1991م
الموضوع: الفقه علي مذهب الإمام الشافعي عدد الأجزاء: 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
موضوع: الفقه علي المذهب الشافعي
عدد المجلدات: 4
عدد الصفحات: 2072

[كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
(كِتَابُ الْجُمُعَةِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا وَقِيلَ؛ لِأَنَّ آدَمَ جُمِعَ فِيهَا خَلْقُهُ وَقِيلَ لِاجْتِمَاعِهِ فِيهَا مَعَ حَوَّاءَ فِي الْأَرْضِ وَقِيلَ لِمَا جُمِعَ فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ وَفِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ مَرْفُوعًا يَوْمُ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الْأَيَّامِ وَأَعْظَمُهَا وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى (قَوْلُهُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِهَا إلَخْ) الضَّمُّ أَشْهَرُ وَكَتَبَ أَيْضًا فَالْمُتَحَرِّكُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ كَضَحِكَةٍ بِمَعْنَى ضَاحِكَةٍ وَالْمَسْكَنُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَضَحِكَةٍ أَيْ مَضْحُوكٍ عَلَيْهِ فَالْمَعْنَى إمَّا جَامِعٌ أَوْ مَجْمُوعٌ بِهِمْ (قَوْلُهُ {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] ، وَهُوَ الصَّلَاةُ وَقِيلَ الْخُطْبَةُ فَأَمَرَ بِالسَّعْيِ وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَإِذَا وَجَبَ السَّعْيُ وَجَبَ مَا يُسْعَى إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ نَهَى عَنْ الْبَيْعِ، وَهُوَ مُبَاحٌ وَلَا يُنْهَى عَنْ فِعْلِ الْمُبَاحِ إلَّا لِفِعْلٍ وَاجِبٍ

[الْبَاب الْأَوَّلُ فِي شُرُوطِ صِحَّة صَلَاة الْجُمُعَةَ وَهِيَ سِتَّة]
[الشَّرْط الْأَوَّل وَقْتُ الظُّهْرِ]
(قَوْلُهُ الْأَوَّلُ وَقْتُ الظُّهْرِ) لِأَنَّ الْوَقْتَ شَرْطٌ لِافْتِتَاحِهَا فَكَانَ شَرْطًا لِدَوَامِهَا كَالطَّهَارَةِ فَلَا تُقْضَى (قَوْلُهُ لِلِاتِّبَاعِ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ؛ وَلِأَنَّهُمَا فَرْضَا وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يَخْتَلِفْ وَقْتُهُمَا كَصَلَاةِ الْحَضَرِ وَصَلَاةِ السَّفَرِ (قَوْلُهُ أَوْ شَكُّوا فِي بَقَائِهِ) لَوْ قَالَ إنْ كَانَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ بَاقِيًا فَجُمُعَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَظُهْرٌ ثُمَّ بَانَ بَقَاؤُهُ فَوَجْهَانِ وَالْقِيَاسُ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ وَبِهِ أَفْتَيْت؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِالْمُقْتَضِي (قَوْلُهُ أَوْ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَتَنْقَطِعُ بِخُرُوجِهِ) كَالْحَجِّ يَتَحَلَّلُ فِيهِ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ (قَوْلُهُ وَإِلْحَاقًا لِلدَّوَامِ بِالِابْتِدَاءِ إلَخْ) وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ كُلُّ شَرْطٍ اخْتَصَّ بِالْجُمُعَةِ فِي افْتِتَاحِهَا فَإِنَّهُ تَجِبُ اسْتِدَامَتُهُ إلَى تَمَامِهَا (قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ وَغَيْرُهُ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الْأَشْبَهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ وَعَدَمِهِ لَا أَنَّ الْمَذْهَبَ تَحَتَّمَ الْبِنَاءُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ وَهَلْ نَقُولُ الْبِنَاءُ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ إبْطَالِهَا أَوْ الِاسْتِئْنَافِ لِتَصِحَّ ظُهْرُهُ وِفَاقًا الْأَقْرَبُ الثَّانِي إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَحِينَئِذٍ يُقَلِّبُهَا نَفْلًا وَيُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الظُّهْرَ. اهـ. وَقَوْلُهُمْ فِي تَعْلِيلِ الْبِنَاءِ أَنَّهُمَا صَلَاتَا وَقْتٍ فَجَازَ بِنَاءُ أَطْوَلِهِمَا عَلَى أَقْصَرِهِمَا كَصَلَاةِ الْحَضَرِ مَعَ السَّفَرِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ نَعَمْ يَجِبُ الْبِنَاءُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الظُّهْرِ لَوْ اُسْتُؤْنِفَ عَلَى كُلٍّ مِنْ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ وَكَلَامِ الْغَزَالِيِّ لَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَتِنَا إذْ صُورَتُهَا أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ خَرَجَ وَهُمْ فِيهَا (قَوْلُهُ لَوْ شَكُّوا فِي خُرُوجِهِ إلَخْ) أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ آخِرَ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَنَوَى الْجُمُعَةَ إنْ كَانَ وَقْتُهَا بَاقِيًا وَإِلَّا فَالظُّهْرُ فَبَانَ بَقَاءُ الْوَقْتِ فَفِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ وَجْهَانِ.
وَوَجْهُ الْجَوَازِ اعْتِضَادُ نِيَّتِهِ بِالِاسْتِصْحَابِ لِلْوَقْتِ وَمِثْلُهُ نِيَّةُ الصَّوْمِ عَنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْهُ إذَا اعْتَقَدَ كَوْنَهُ مِنْهُ انْتَهَى وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهَا وَقَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهَا قَالَ الشَّيْخُ: هَذَا يُنَافِي قَوْلِ الرَّوْضِ أَوْ شَكُّوا فِي بَقَائِهِ تَعَيَّنَ الْإِحْرَامُ بِالظُّهْرِ. اهـ. إلَّا أَنْ يُخَصِّصَ قَائِلُ هَذَا كَلَامَ الرَّوْضِ بِغَيْرِ التَّعْلِيقِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ نَعَمْ إنْ صَوَّرْت الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا لَمْ يَشُكَّ لِنَحْوِ اعْتِقَادِهِ تَبْقِيَةَ الْوَقْتِ فَعُلِّقَ كَمَا ذُكِرَ كَانَتْ الصِّحَّةُ ظَاهِرَةً. اهـ. (قَوْلُهُ قَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ يُحْتَمَلُ فَوْتُهَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(1/247)


يَعْلَمُوا نَقْلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْأَوْجَهُ فَوْتُهَا عَمَلًا بِخَبَرِ الْعَدْلِ كَمَا فِي غَالِبِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ وَمِنْهُ مَا يَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ فِي الشَّرْطِ الثَّالِثِ (وَإِنْ سَلَّمُوا) مِنْهَا (هُمْ أَوْ الْمَسْبُوقُ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى خَارِجَ الْوَقْتِ عَالِمِينَ) بِخُرُوجِهِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُمْ وَتَعَذَّرَ بِنَاءُ الظُّهْرِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُمْ بِخُرُوجِهِ لَزِمَهُمْ الْإِتْمَامُ فَسَلَامُهُمْ كَالسَّلَامِ فِي أَثْنَاءِ الظُّهْرِ عَمْدًا (وَلَوْ قَلَبُوهَا) قَبْلَ السَّلَامِ (نَفْلًا) فَإِنَّهَا تَبْطُلُ كَمَا لَوْ قَلَبْت الظُّهْرَ نَفْلًا (أَوْ) سَلَّمُوا (جَاهِلِينَ) بِخُرُوجِهِ (أَتَمُّوهَا ظُهْرًا) لِعُذْرِهِمْ فَإِنْ قُلْت لِمَ لَمْ يَحُطَّ عَنْ الْمَسْبُوقِ الْوَقْتُ فِيمَا يَتَدَارَكُهُ لِكَوْنِهِ تَابِعًا لِلْقَوْمِ كَمَا حُطَّ عَنْهُ الْقُدْوَةُ وَالْعَدَدُ لِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي قُلْنَا؛ لِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّرْعِ بِرِعَايَتِهِ أَكْثَرُ بِدَلِيلِ اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الِانْفِضَاضِ الْمُخِلِّ بِالْجَمَاعَةِ وَعَدَمِ اخْتِلَافِهِ فِي فَوَاتِ الْجُمُعَةِ بِوُقُوعِ شَيْءٍ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ خَارِجَ الْوَقْتِ.
(وَإِنْ سَلَّمَ) الْأَوْلَى (الْإِمَامُ وَتِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ فِي الْوَقْتِ وَ) سَلَّمَهَا (الْبَاقُونَ خَارِجَهُ صَحَّتْ جُمُعَةُ الْإِمَامِ وَمَنْ مَعَهُ فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْمُسَلِّمِينَ خَارِجَهُ فَلَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ وَكَذَا جُمُعَةُ الْمُسَلِّمِينَ فِيهِ لَوْ نَقَصُوا عَنْ أَرْبَعِينَ كَأَنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ فِيهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَعَهُ أَوْ بَعْضُهُمْ خَارِجَهُ وَاسْتُشْكِلَ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي هَذِهِ مَعَ وُجُودِ الشُّرُوطِ فِي حَقِّهِ بِمَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا مُحْدِثِينَ دُونَهُ صَحَّتْ لَهُ وَحْدَهُ مَعَ عَدَمِ انْعِقَادِ صَلَاتِهِمْ وَأُجِيبَ بِأَنَّ سَلَامَ الْمُحْدِثِينَ وَقَعَ فِي الْوَقْتِ فَتَمَّتْ فِيهِ صُورَةُ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ السَّلَامِ وَيُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّهُ فِي هَذِهِ مُقَصِّرٌ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ بَعْضِهَا عَنْ الْوَقْتِ بِخِلَافِهِ فِي تِلْكَ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ بَلْ سَلَّمَ فِي الْوَقْتِ فَأَخَّرُوا إلَى أَنْ خَرَجَ الْوَقْتُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إلْحَاقًا لِلْفَرْدِ النَّادِرِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ وَاحْتُمِلَ أَنْ يَلْتَزِمَ فِيهَا صِحَّةَ جُمُعَتِهِ، وَهُوَ أَوْجَهُ وَبِأَنَّ الْمُحْدِثَ تَصِحُّ جُمُعَتُهُ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا بِخِلَافِهَا خَارِجَ الْوَقْتِ

(الشَّرْطُ الثَّانِي دَارُ الْإِقَامَةِ) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُقَمْ فِي عَصْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ إلَّا فِيهَا (فَلَا تَصِحُّ) الْجُمُعَةُ (إلَّا فِي أَبْنِيَةٍ مُجْتَمِعَةٍ) فِي الْعُرْفِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَسْجِدٍ وَالتَّصْرِيحُ بِمُجْتَمِعَةٍ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ (فَإِنْ انْهَدَمَتْ وَأَقَامُوا لِعِمَارَتِهَا لَمْ يَضُرَّ) انْهِدَامُهَا فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي مَظَالِّ؛ لِأَنَّهَا وَطَنُهُمْ وَلَا تَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ بِنَاءٍ إلَّا فِي هَذِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَزَلُوا مَكَانًا وَأَقَامُوا فِيهِ لِيَعْمُرُوهُ قَرْيَةً لَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ فِيهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ فِي الْحَالَيْنِ (وَسَوَاءٌ) فِي الْأَبْنِيَةِ (الْبِلَادُ وَالْقُرَى وَالْأَسْرَابُ الَّتِي تُتَوَطَّنُ وَالْبِنَاءُ بِالْخَشَبِ وَغَيْرِهِ) كَطِينٍ وَقَصَبٍ وَسَعَفٍ وَالْأَسْرَابُ جَمْعُ سَرَبٍ بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ بَيْتٌ فِي الْأَرْضِ (لَا) فِي (خِيَامٍ يَنْتَقِلُ أَهْلُهَا) مِنْ مَحَالِّهَا شِتَاءً أَوْ غَيْرَهُ فَلَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ فِيهَا (وَكَذَا إذَا لَمْ يَنْتَقِلُوا) بَلْ اسْتَوْطَنُوهَا دَائِمًا؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ الْمُقِيمِينَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ بِهَا فَإِنَّهُمْ عَلَى أُهْبَةِ الْمُسْتَوْفِزِينَ (وَيَجُوزُ إقَامَتُهَا فِي فَضَاءٍ) مَعْدُودٍ مِنْ الْأَبْنِيَةِ الْمُجْتَمِعَةِ بِحَيْثُ (لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ) كَمَا فِي السَّكَنِ الْخَارِجِ عَنْهَا الْمَعْدُودِ مِنْهَا الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ بِالْأَوْلَى بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَعْدُودِ مِنْهَا فَمَنْ أَطْلَقَ الْمَنْعَ فِي السَّكَنِ الْخَارِجِ عَنْهَا أَرَادَ بِهِ هَذَا وَالسُّبْكِيُّ لَمَّا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَنَّ كَلَامَهُمْ يُفْهِمُ ذَلِكَ قَالَ كَذَا أَطْلَقُوهُ وَمَعْنَاهُ إذَا لَمْ يُعَدَّ السَّكَنُ مِنْ الْقَرْيَةِ فَإِنْ عُدَّ مِنْهَا وَلَوْ مُنْفَصِلًا عَنْهَا فَيَنْبَغِي صِحَّتُهَا فِيهِ فَفِي الْأُمِّ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ بُيُوتَهَا وَلَا يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ بَيْتٌ مُنْفَرِدٌ وَلَا مُتَّصِلٌ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ حَسَنٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْقُرَى يُؤَخِّرُونَ الْمَسْجِدَ عَنْ جِدَارِ الْقَرْيَةِ قَلِيلًا صِيَانَةً لَهُ عَنْ نَجَاسَةِ الْبَهَائِمِ وَعَدَمُ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ فِيهِ بَعِيدٌ وَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ بَنَى أَهْلُ الْبَلْدَةِ مَسْجِدَهُمْ خَارِجَهَا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ لِانْفِصَالِهِ عَنْ الْبُنْيَانِ مَحْمُولٌ عَلَى انْفِصَالٍ لَا يُعَدُّ بِهِ مِنْ الْقَرْيَةِ. اهـ.

(الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَهَا وَلَا يُقَارِنَهَا جُمُعَةٌ فِي الْبَلَدِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ لَمْ يُقِيمُوا سِوَى جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ؛ وَلِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَفْضَى إلَى الْمَقْصُودِ مِنْ إظْهَارِ شِعَارِ الِاجْتِمَاعِ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ (نَعَمْ إذَا كَثُرَ النَّاسُ وَعَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَسْجِدٍ) أَوْ نَحْوِهِ (فَالتَّعَدُّدُ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ) بِحَسَبِهَا؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ بِدَلِيلِ اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إلَخْ) وَبِدَلِيلِ تَوَقُّفِ صِحَّةِ الصَّلَوَاتِ عَلَى دُخُولِ وَقْتِهَا وَحُرْمَةِ تَأْخِيرِهَا عَنْهُ بِخِلَافِ الْقُدْوَةِ وَالْعَدَدِ (قَوْلُهُ إلْحَاقًا لِلْفَرْدِ النَّادِرِ إلَخْ) فَالْمُعْتَمَدُ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ

[الشَّرْط الثَّانِي دَارُ الْإِقَامَةِ]
(قَوْلُهُ الثَّانِي دَارُ الْإِقَامَةِ) قَالَ فِي الْأَنْوَارِ فَإِنْ تَفَرَّقَتْ لَمْ تَجِبْ الْجُمُعَةُ وَإِنْ تَقَارَبَتْ وَجَبَتْ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَحَدُّ الْقُرْبِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مَنْزِلٍ وَمَنْزِلٍ دُونَ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ. اهـ. وَجَزَمَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِالرُّجُوعِ فِي الِاجْتِمَاعِ وَالتَّفَرُّقِ إلَى الْعُرْفِ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً بِأَنْ كَانَ بَعْضُهَا نَائِيًا عَنْ بَعْضٍ بِحَيْثُ يَقْصُرُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ مِنْ بَعْضِهَا وَإِنْ لَمْ يُفَارِقْ الثَّانِي فَهَذِهِ مُتَفَرِّقَةٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ (قَوْلُهُ فَإِنْ انْهَدَمَتْ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ بَقِيَ مَا لَوْ جَلَا أَهْلُهَا وَحَضَرَ قَوْمٌ أَرْبَعُونَ عَلَى اسْتِيطَانِهَا وَأَخَذُوا فِي عِمَارَتِهَا هَلْ يَكُونُ كَأَهْلِهَا فِيمَا سَبَقَ أَمْ لَا حَتَّى يَرْفَعُوا الْبِنَاءَ فِيهِ احْتِمَالٌ وَالْأَقْرَبُ إلَى كَلَامِهِمْ عَدَمُ الْإِلْحَاقِ وَإِذَا أُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ فِي أَبْنِيَةِ الْقَرْيَةِ وَامْتَدَّتْ الصُّفُوفُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَوَرَاءَ مَعَ الِاتِّصَالِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْمَوَاقِفِ حَتَّى خَرَجَتْ إلَى خَارِجِ الْقَرْيَةِ فَهَلْ نَقُولُ تَصِحُّ جُمُعَةُ الْخَارِجِينَ عَنْ الْأَبْنِيَةِ فِي الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ تَبَعًا لِمَنْ فِي الْأَبْنِيَةِ أَوْ لَا لِمَا سَبَقَ لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا وَالثَّانِي مُحْتَمَلٌ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى كَلَامِهِمْ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فَإِنَّهَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْخَارِجِينَ تَبَعًا لِمَنْ فِي الْأَبْنِيَةِ كَمَا سَبَقَ نَظِيرُهُ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَلَمْ نَرَ فِيهَا تَصْرِيحًا. اهـ. وَكَلَامُهُمْ كَالصَّرِيحِ فِي رَدِّ مَا تَفَقَّهَاهُ إنْ كَانُوا فِي مَكَان تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَإِلَّا فَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ وَكَذَا إنْ لَمْ يَنْتَقِلُوا إلَخْ) إلَّا إنْ بَلَغَ أَهْلُ دَارٍ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ فَتَلْزَمُهُمْ وَهُمْ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ كَبَلَدِ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى انْفِصَالٍ إلَخْ) قَالَ ابْنُ عُجَيْلٍ إذَا كَانَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَبَيْنَ آخِرِ بَيْتٍ مِنْ الْقَرْيَةِ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ فَمَا دُونَهَا انْعَقَدَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ

[الشَّرْط الثَّالِث أَنْ لَا يَتَقَدَّمَهَا وَلَا يُقَارِنَهَا جُمُعَةٌ فِي الْبَلَدِ]
(قَوْلُهُ وَعَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ إلَخْ) لِوُقُوعِ الزَّحْمَةِ أَوْ لِبُعْدِ أَطْرَافِ الْبَلْدَةِ أَوْ لِوُقُوعِ الْمُقَاتَلَةِ بَيْنَ أَهْلِهَا وَحَدُّ الْبُعْدِ كَمَا فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْبَلَدِ (قَوْلُهُ فَالتَّعَدُّدُ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ) أَيْ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ

(1/248)


دَخَلَ بَغْدَادَ وَأَهْلُهَا يُقِيمُونَ بِهَا جُمُعَتَيْنِ وَقِيلَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ فَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُ عَلَى عُسْرِ الِاجْتِمَاعِ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَلَا يَحْتَمِلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ غَيْرَهُ وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَبِهِ أَفْتَى الْمُزَنِيّ بِمِصْرَ وَظَاهِرُ النَّصِّ مَنْعُ التَّعَدُّدِ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمُتَابِعُوهُ قَالَ السُّبْكِيُّ، وَهُوَ بَعِيدٌ ثُمَّ انْتَصَرَ لَهُ وَصَنَّفَ فِيهِ وَقَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ مَذْهَبًا وَدَلِيلًا وَنَقَلَهُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَأَنْكَرَ نِسْبَةَ الْأَوَّلِ لِلْأَكْثَرِ وَأَطْنَبَ فِي ذَلِكَ فَالِاحْتِيَاطُ إذَا صَلَّى جُمُعَةً بِبَلَدٍ تَعَدَّدَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَلَمْ يُعْلَمْ سَبْقُ جُمُعَتِهِ أَنْ يُعِيدَهَا ظُهْرًا.
(وَ) عَلَى الْأَوَّلِ (إذَا لَمْ يَعْسُرْ) اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَان (وَصَلَّوْا جُمُعَتَيْنِ فَالصَّحِيحَةُ هِيَ السَّابِقَةُ) لِلْأُخْرَى بِالْإِحْرَامِ (وَدَلْوَ بِانْتِهَاءِ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ) لَهُ؛ لِأَنَّ بِهِ يُتَبَيَّنُ الِانْعِقَادُ (لَا ابْتِدَائِهَا) فَلَا عِبْرَةَ بِالسَّبْقِ بِهِ وَلَا بِالْخُطْبَةِ وَلَا بِالسَّلَامِ بَلْ بِمَا قُلْنَا (وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَعَ الْأُخْرَى وَإِذَا) دَخَلَتْ طَائِفَةٌ فِي الْجُمُعَةِ ثُمَّ (أُخْبِرُوا بِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ) بِغَيْرِهِمْ (أَتَمُّوهَا ظُهْرًا) كَمَا لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ فِيهِ لَوْ اسْتَأْنَفُوا الظُّهْرَ (وَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ) لِيَصِحَّ ظُهْرُهُمْ بِالِاتِّفَاقِ وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَكْبِيرَةُ الْإِمَامِ عَلَى أَنَّهَا الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ تَكْبِيرَةِ مَنْ خَلْفَهُ حَتَّى لَوْ أَحْرَمَ إمَامُ الْجُمُعَةِ ثُمَّ إمَامٌ آخَرُ بِهَا ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ ثُمَّ بِالْأَوَّلِ مِثْلُهُمْ صَحَّتْ جُمُعَةُ الْأَوَّلِ إذْ بِإِحْرَامِهِ تَعَيَّنَتْ جُمُعَتُهُ لِلسَّبْقِ وَامْتَنَعَ عَلَى غَيْرِهِ افْتِتَاحُ جُمُعَةٍ أُخْرَى وَبِذَلِكَ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ (، وَإِنْ اقْتَرَنَتَا) بِأَنْ أَحْرَمَا مَعًا (بَطَلَتَا) لِتَدَافُعِهِمَا وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى (وَتُسْتَأْنَفُ الْجُمُعَةُ) إنْ وَسِعَ الْوَقْتُ (وَكَذَا) تُسْتَأْنَفُ لَوْ لَمْ يُعْلَمْ السَّبْقُ لِاحْتِمَالِ الْمَعِيَّةِ قَالَ الْإِمَامُ وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّهُمْ إذَا أَعَادُوا الْجُمُعَةَ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُمْ مُشْكِلٌ لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِ إحْدَاهُمَا فَلَا تَصِحُّ أُخْرَى فَالْيَقِينُ أَنْ يُقِيمُوا جُمُعَةً ثُمَّ ظُهْرًا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَا قَالَهُ مُسْتَحَبٌّ وَإِلَّا فَالْجُمُعَةُ كَافِيَةٌ فِي الْبَرَاءَةِ كَمَا قَالُوهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُقُوعِ جُمُعَةٍ مُجْزِئَةٍ فِي حَقِّ كُلِّ طَائِفَةٍ قَالَ غَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّ السَّبْقَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَوْ يُظَنَّ لَمْ يُؤَثِّرْ احْتِمَالُهُ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى عِلْمِ الْمُكَلَّفِ أَوْ ظَنِّهِ لَا إلَى نَفْسِ الْأَمْرِ (فَإِنْ عُلِمَ) السَّبْقُ مُعَيَّنًا (ثُمَّ نَسِيَ لَزِمَهُمْ الظُّهْرُ) لِالْتِبَاسِ الصَّحِيحَةِ بِالْفَاسِدَةِ (وَكَذَا) يَلْزَمُهُمْ الظُّهْرُ لِذَلِكَ (إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ) سَبْقٌ كَأَنْ سَمِعَ مَرِيضَانِ أَوْ مُسَافِرَانِ خَارِجَا الْمَسْجِدَيْنِ تَكْبِيرَتَيْنِ مُتَلَاحِقَتَيْنِ وَجَهِلَا السَّابِقَةَ فَأَخْبَرَاهُمْ بِالْحَالِ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْعَدْلَ الْوَاحِدَ كَافٍ فِي ذَلِكَ

(الشَّرْطُ الرَّابِعُ الْعَدَدُ فَلَا تَنْعَقِدُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ) مِنْهُمْ الْإِمَامُ لِخَبَرِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ بِنَا فِي الْمَدِينَةِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ قَبْلَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ وَكُنَّا أَرْبَعِينَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحُوهُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بِالْمَدِينَةِ وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعُوا عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ وَالْأَصْلُ الظُّهْرُ فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إلَّا بِعَدَدٍ ثَبَتَ فِيهِ تَوْقِيفٌ وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُهَا بِأَرْبَعِينَ وَثَبَتَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلَمْ تَثْبُتْ صَلَاتُهُ لَهَا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا تَجُوزُ بِأَقَلَّ مِنْهُ، وَأَمَّا خَبَرُ انْفِضَاضِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا اثْنَا عَشْرَ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ابْتَدَأَهَا بِاثْنَيْ عَشْرَ بَلْ يُحْتَمَلُ عَوْدُهُمْ أَوْ عَوْدُ غَيْرِهِمْ مَعَ سَمَاعِهِمْ أَرْكَانَ الْخُطْبَةِ وَفِي مُسْلِمٍ انْفَضُّوا فِي الْخُطْبَةِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ انْفَضُّوا فِي الصَّلَاةِ، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْخُطْبَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ فَلَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِأَرْبَعِينَ وَلَوْ أُمِّيِّينَ فِي دَرَجَةٍ (لَا) بِأَرْبَعِينَ (وَفِيهِمْ أُمِّيٌّ) وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ (لِارْتِبَاطِ) صِحَّةِ (صَلَاةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) فَصَارَ كَاقْتِدَاءِ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ (نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ) فَتَاوَى (الْبَغَوِيّ) ، وَهُوَ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا قَصَّرَ الْأُمِّيُّ فِي التَّعَلُّمِ وَإِلَّا فَتَصِحُّ الْجُمُعَةُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ قَارِئًا وَمَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْأُمِّيِّينَ إذَا لَمْ يَكُونُوا فِي دَرَجَةٍ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ جَهِلُوا كُلُّهُمْ الْخُطْبَةَ لَمْ تَجُزْ الْجُمُعَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا جَهِلَهَا بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهَا تُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا

(فَرْعٌ يُشْتَرَطُ حُضُورُ أَرْبَعِينَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ (ذُكُورًا مُكَلَّفِينَ أَحْرَارًا مُتَوَطِّنِينَ) بِبَلَدِ الْجُمُعَةِ أَيْ (لَا يَظْعَنُونَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
مَنَعَ ذَلِكَ لَوَجَبَ التَّكْبِيرُ قَبْلَ الْفَجْرِ لِبُعْدِ الْجَامِعِ وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ (قَوْلُهُ ثُمَّ انْتَصَرَ لَهُ) وَصَنَّفَ فِيهِ أَرْبَعَ مُصَنَّفَاتٍ (قَوْلُهُ وَلَوْ بِانْتِهَاءِ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ لَهُ) أَيْ لِلْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَعَ الْأُخْرَى) لِأَنَّ حُضُورَ الْإِمَامِ وَإِذْنَهُ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا

[الشَّرْط الرَّابِع الْعَدَد]
(قَوْلُهُ الرَّابِعُ الْعَدَدُ إلَخْ) فَإِنْ قِيلَ لِمَ اخْتَصَّتْ الْجُمُعَةُ بِأَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلِمَ اخْتَصَّتْ الْأَرْبَعُونَ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْدَادِ قَالَ الْأَصْبَحِيُّ إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِمُبَاهَاةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِعَدَدٍ وَالْأُولَى مِنْ الْأَعْدَادِ مَا أَظْهَرَ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ فَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي النُّكَتِ قَالَ شَيْخُنَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا اخْتَصَّتْ بِهَذَا الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ خَيْرَ الطَّلَائِعِ أَرْبَعُونَ (قَوْلُهُ فَلَا تَنْعَقِدُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ) سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ الْإِنْسِ أَوْ مِنْ الْجِنِّ أَوْ مِنْهُمَا قَالَ الْقَمُولِيُّ قَالَ الدَّمِيرِيِّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ إنَّ كَلَامَهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَصَوَّرُوا فِي صُورَةِ بَنِي آدَمَ وَكَتَبَ أَيْضًا يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى الْأَرْبَعِينَ لِيُحْرِمَ الْإِمَامُ بِأَرْبَعِينَ وَيَقِفَ الزَّائِدُ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُمْ أَرْبَعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لِلْأَوَّلِينَ (قَوْلُهُ لِخَبَرِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ إلَخْ) وَلِقَوْلِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ «فِي كُلِّ ثَلَاثَةٍ إمَامًا وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ جُمُعَةً» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مَضَتْ السُّنَّةُ كَقَوْلِهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اجْتَمَعَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَعَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ» وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا جُمُعَةَ إلَّا فِي أَرْبَعِينَ» .

[فَرْعٌ يُشْتَرَطُ حُضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ذُكُورًا مُكَلَّفِينَ أَحْرَارًا مُتَوَطِّنِينَ بِبَلَدِ الْجُمُعَةِ]
(قَوْله مُسْتَوْطِنِينَ بِبَلَدِ الْجُمُعَةِ) مَنْ لَهُ مَسْكَنٌ فِي بَلْدَةٍ وَمَسْكَنٌ فِي أُخْرَى هَلْ تَنْعَقِدُ بِهِ جُمُعَةُ الْبَلْدَتَيْنِ إنْ قَلَّ سُكُونُهُ فِي إحْدَاهُمَا أَمْ لَا أَمْ تَنْعَقِدُ بِهِ جُمُعَةٌ لِبَلَدِ الَّتِي سُكُونُهُ فِيهَا أَكْثَرُ دُونَ الْأُخْرَى قَالَ الْأَصْبَحِيُّ الْحُكْمُ لِلْبَلْدَةِ الَّتِي سُكُونُهُ فِيهَا أَكْثَرُ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ نُظِرَ إلَى مَا لَهُ فِي أَيِّ الْمَنْزِلَيْنِ أَكْثَرُ فَيَكُونُ الْحُكْمُ لَهُ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ نُظِرَ إلَى نِيَّتِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِيَّةٌ نُظِرَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي حَضَرَ فِيهِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ لَهُ وَقَالَ أَبُو شُكَيْلٍ لَا تَنْعَقِدُ

(1/249)


شِتَاءً وَلَا صَيْفًا إلَّا لِحَاجَةٍ) كَتِجَارَةٍ وَزِيَارَةٍ فَلَا تَنْعَقِدُ بِالْكُفَّارِ وَالنِّسَاءِ وَالْخَنَاثَى وَغَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ وَمَنْ فِيهِمْ رِقٌّ لِنَقْصِهِمْ وَلَا بِغَيْرِ الْمُتَوَطِّنِينَ كَمَنْ أَقَامَ عَلَى عَزْمِ عَوْدِهِ إلَى بَلَدِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ وَلَوْ طَوِيلَةً كَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالتُّجَّارِ لِعَدَمِ التَّوَطُّنِ وَلَا بِالْمُتَوَطَّنِينَ خَارِجَ بَلَدِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ سَمِعُوا النِّدَاءَ لِعَدَمِ الْإِقَامَةِ بِبَلَدِهَا وَمِنْ ثَمَّ اُشْتُرِطَ تَقَدُّمُ إحْرَامِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ لِتَصِحَّ لِغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَنَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي وَلَا يُنَافِيهِ صِحَّتُهَا لَهُ إذَا كَانَ إمَامًا فِيهَا مَعَ تَقَدُّمِ إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ إحْرَامِ الْإِمَامِ ضَرُورِيٌّ فَاغْتُفِرَ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِ قَالَ الْأَصْحَابُ النَّاسُ فِي الْجُمُعَةِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ مَنْ تَلْزَمُهُ وَتَنْعَقِدُ بِهِ، وَهُوَ مَنْ ذُكِرَ وَلَا عُذْرَ لَهُ وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ، وَهُوَ مَنْ بِهِ جُنُونٌ أَوْ إغْمَاءٌ أَوْ كُفْرٌ أَصْلِيٌّ أَيْ وَمَنْ بِهِ سُكْرٌ، وَإِنْ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ وَتَصِحُّ مِنْهُ.
وَهُوَ مَنْ فِيهِ رِقٌّ وَالْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ خَارِجَ الْبَلَدِ إذَا لَمْ يَسْمَعْ النِّدَاءَ وَالصَّبِيُّ وَالْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ وَتَنْعَقِدُ بِهِ، وَهُوَ مَنْ لَهُ عُذْرٌ مِنْ أَعْذَارِهَا غَيْرِ السَّفَرِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ، وَهُوَ الْمُرْتَدُّ وَمَنْ تَلْزَمُهُ وَتَصِحُّ مِنْهُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ، وَهُوَ الْمُقِيمُ غَيْرُ الْمُتَوَطِّنِ وَالْمُتَوَطِّنُ خَارِجَ بَلَدِهَا إذَا سَمِعَ نِدَاءَهَا وَيُشْتَرَطُ حُضُورُ الْأَرْبَعِينَ (فِي أَرْكَانِ الْخُطْبَتَيْنِ وَ) فِي (الْجُمُعَةِ) لِلِاتِّبَاعِ وَقَالَ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} [الأعراف: 204] فَسَّرَهُ كَثِيرٌ بِالْخُطْبَةِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهَا ذِكْرٌ وَاجِبٌ فِي الْجُمُعَةِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (وَ) يُشْتَرَطُ (أَنْ يَسْمَعُوهَا) أَيْ أَرْكَانَ الْخُطْبَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمُوهَا كَمَا سَيَأْتِي، وَهَذَا الشَّرْطُ مَعْلُومٌ مِمَّا سَيَأْتِي فِي شُرُوطِ الْخُطْبَةِ (وَإِنْ انْفَضُّوا) كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ (فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ أَوْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ أَوْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ثُمَّ عَادُوا وَلَمْ يَطُلْ فَصْلٌ) فِي الْعُرْفِ (بُنِيَ) عَلَى فِعْلِهِ كَمَا لَوْ تَذَكَّرَ بَعْدَ السَّلَامِ قَرِيبًا تَرْكَ رُكْنٍ وَمَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ لَوْ فَاتَهُمْ رُكْنٌ قَبْلَ الْعَوْدِ لَزِمَ إعَادَتُهُ لَهُمْ بَعْدَهُ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ فُقِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (اسْتَأْنَفَ) لِعَدَمِ سَمَاعِهِمْ الْخُطْبَةَ أَوْ لِتَبَيُّنِ انْفِرَادِ الْإِمَامِ فِي الْأُولَى بِانْفِضَاضِهِمْ فِي الثَّانِيَةِ وَإِنْ قَصَرَ الْفَصْلُ فِيهَا أَوْ لِتَرْكِ الْوَلَاءِ الَّذِي فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ وَالتَّقْيِيدُ بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى وَبِقَصْرِ الْفَصْلِ فِيهَا مِنْ زِيَادَتِهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى انْفِضَاضِهِمْ مَعَ عَوْدِهِمْ قَبْلَ الرُّكُوعِ فِيهَا مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُضِرٌّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ مُعْتَبَرٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ وَغَيْرُهُ لَكِنْ مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ طُولَ الْفَصْلِ حِينَئِذٍ مُضِرٌّ

لَيْسَ كَذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ (وَلَوْ تَبَطَّأَ الْمَأْمُومُونَ) بِالْإِحْرَامِ عَقِبَ إحْرَامِ الْإِمَامِ (وَأَدْرَكُوا رُكُوعَ) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى مَعَ الْفَاتِحَةِ صَحَّتْ) جُمُعَتُهُمْ (وَإِلَّا فَلَا) لِإِدْرَاكِهِمْ الرُّكُوعَ وَالْفَاتِحَةَ مَعَهُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَسَبَقَهُ فِي الْأَوَّلِ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِيَامِ كَمَا لَوْ يَمْنَعُ إدْرَاكُهُمْ الرَّكْعَةَ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْجُمُعَةِ وَالتَّرْجِيحُ فِيهِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَجَرَى عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ كَمَا سَيَأْتِي وَبِهِ جَزَمَ الْقَفَّالُ مَرَّةً وَصَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَاَلَّذِي فِي الْأَصْلِ قَالَ الْقَفَّالُ تَصِحُّ وَالْجُوَيْنِيُّ يُشْتَرَطُ قَصْرُ الْفَصْلِ بَيْنَ تَحَرُّمِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
بِهِ الْجُمُعَةُ فِي الْبَلَدِ الَّتِي سُكُونُهُ فِيهَا أَقَلُّ وَفِي انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِهِ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي إقَامَتُهُ فِيهَا أَكْثَرُ احْتِمَالٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْعَقِدُ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي الْمُتَمَتِّعِ فِي الْحَجِّ إذَا كَانَ لَهُ مَسْكَنَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ مَكَّةَ وَالْآخَرُ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَكَانَ يَسْكُنُ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِهِ حَتَّى يُجْعَلَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَطَعَ الْأَصْفُونِيُّ بِمَا أَجَابَ بِهِ أَبُو شُكَيْلٍ وَكَذَلِكَ ابْنُ الْعَرَّافِ (قَوْلُهُ كَمَنْ أَقَامَ عَلَى عَزْمِ عَوْدِهِ إلَخْ) إذَا أَكْرَهَ الْإِمَامُ أَهْلَ قَرْيَةٍ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْهَا وَتَعْطِيلِهَا بِالْبِنَاءِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَسَكَنُوا فِيهِ وَهُمْ مُكْرَهُونَ وَقَصْدُهُمْ الْعَوْدُ إذَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ الْمَنْقُولِ إلَيْهَا أَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُمْ لَا تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ بَلْ لَا تَصِحُّ مِنْهُمْ لَوْ فَعَلُوهَا لِفَقْدِ الِاسْتِيطَانِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِمْ مُتَوَطِّنِينَ بِبَلَدِ الْجُمُعَةِ مَا إذَا تَقَارَبَتْ قَرْيَتَانِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَبَلَغُوا أَرْبَعِينَ فَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ وَإِنْ سَمِعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِدَاءَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ غَيْرُ مُتَوَطِّنِينَ فِي مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ وَمِنْ ثَمَّ اُشْتُرِطَ إحْرَامُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ إلَخْ) كَمَا لَا يَصِحُّ تَقَدُّمُ إحْرَامِ الصَّفِّ الْخَارِجِ مِنْ الْمَسْجِدِ عَلَى الصَّفِّ الَّذِي يُشَاهِدُ الْإِمَامَ وَمُقْتَضَى إطْلَاقِ غَيْرِ الْقَاضِي عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ وَأَيَّدَهُ صَاحِبُ الْخَادِمِ كَالْبُلْقِينِيِّ قَالَ لَعَلَّ مَا قَالَهُ الْقَاضِي مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَالَ إنَّهُ الْقِيَاسُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ خَلْفَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ إذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ ثُمَّ ذَكَرَ صَاحِبُ الْخَادِمِ أَنَّ الصَّوَابَ خِلَافُهُ أَيْ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَهُوَ صِحَّةُ إمَامَةِ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ إذَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَأَجَابَ عَنْ تَوْجِيهِ الْقَاضِي بِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ ثَبَتَ لِلتَّابِعِ قَبْلَ ثُبُوتِهِ لِلْمَتْبُوعِ وَبَعْدَ فَقْدِهِ فَالْأَوَّلُ كَالصَّبِيِّ فِي إمَامَةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ انْعِقَادِهَا لَهُمْ وَكَإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْعَامِ الثَّانِي فِي التَّعْجِيلِ قَبْلَ زَكَاةِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي كَإِطَالَةِ التَّعْجِيلِ بِنِيَّةِ اسْتِحْبَابِهَا بَعْدَ قَطْعِ الْيَدِ فَوْقَ الْمِرْفَقِ. اهـ. بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي اعْتِمَادَ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ وَقَدْ أَجَابَ أَيْضًا عَنْ تَوْجِيهِ الْقَاضِي بِالْفَرْقِ بِأَنَّ الصَّفَّ الَّذِي يُشَاهِدُ الْإِمَامَ دَلِيلٌ لِلصَّفِّ الْخَارِجِ عَلَى انْتِقَالَاتِ الْإِمَامِ وَالدَّلِيلُ مِنْ حَيْثُ هُوَ دَلِيلٌ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ قَبْلَ مَدْلُولِهِ إنْ وَجَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ بِمَا قَالَهُ الْقَاضِي

(قَوْلُهُ وَصَاحِبُ الْأَنْوَارِ) وَشُرَّاحُ الْحَاوِي (قَوْلُهُ وَاَلَّذِي فِي الْأَصْلِ إلَخْ) فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ إدْرَاكَهُمْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مَعَهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ وَقَدْ ادَّعَى الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى ذَلِكَ تَقْيِيدُ لُحُوقِ اللَّاحِقِينَ بِكَوْنِهِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَلَوْ تَحَرَّمَ أَرْبَعُونَ لَاحِقُونَ بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ مِنْ رُكُوعِ الْأُولَى ثُمَّ انْفَضَّ الْأَرْبَعُونَ الَّذِينَ أَحْرَمَ بِهِمْ أَوْ انْفَضُّوا فَلَا جُمُعَةَ بَلْ يُتِمُّهَا الْإِمَامُ وَمَنْ بَقِيَ مَعَهُ ظُهْرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْأَرْبَعِينَ أَوْ مَنْ نَقَصَ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَدْ مَضَى لِلْإِمَامِ رَكْعَةٌ فَقَدَ فِيهَا الْجَمَاعَةَ أَوْ الْعَدَدَ إذْ الْمُقْتَدُونَ الَّذِينَ تَصِحُّ بِهِمْ الْجُمُعَةُ هُمْ اللَّاحِقُونَ وَلَمْ يُحْرِمُوا إلَّا بَعْدَ رُكُوعِهِ هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مَعَ تَنْقِيحٍ لَهُ وَتَوْشِيحٍ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُمْ إذَا تَحَرَّمُوا وَالْعَدَدُ تَامٌّ صَارَ حُكْمُهُمْ وَاحِدًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصَحُّ أَنَّهُمْ فِي التَّعْلِيلِ الْآتِي فَكَمَا لَا يُؤَثِّرُ انْفِضَاضُ الْأَوَّلِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ سَمَاعِ اللَّاحِقِينَ الْخُطْبَةَ كَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ

(1/250)


وَتَحَرُّمِهِمْ وَالْإِمَامُ يُمَكِّنُهُمْ مِنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ انْتَهَى

وَإِنْ (أَتَمَّ بِهِمْ الْجُمُعَةَ) ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا لَحِقُوا وَالْعَدَدُ تَامٌّ صَارَ حُكْمُهُمْ وَاحِدًا فَسَقَطَ عَنْهُمْ سَمَاعُ الْخُطْبَةِ (أَوْ) انْفَضُّوا (قَبْلَ إحْرَامِهِمْ) بِهِ (اسْتَأْنَفَ الْخُطْبَةَ بِهِمْ) فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ بِدُونِهَا، وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ لِانْتِفَاءِ سَمَاعِهِمْ وَلُحُوقِهِمْ (وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِمْ فَانْفَضُّوا إلَّا تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ) بِهِ (فَكَمُلُوا) أَرْبَعِينَ (بِخُنْثَى فَإِنْ أَحْرَمَ) بِهِ (بَعْدَ انْفِضَاضِهِمْ لَمْ تَصِحَّ جُمُعَتُهُمْ) لِلشَّكِّ فِي تَمَامِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ (وَإِلَّا صَحَّتْ) ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِانْعِقَادِهَا وَصِحَّتِهَا وَشَكَّكْنَا فِي نَقْصِ الْعَدَدِ بِتَقْدِيرِ أُنُوثَتِهِ وَالْأَصْلُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ فَلَا نُبْطِلُهَا بِالشَّكِّ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ هَلْ كَانَ مَسَحَ رَأْسَهُ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ السُّلَمِيُّ فِي كِتَابِ الْخَنَاثَى، وَهُوَ مُقَيِّدٌ لِقَوْلِ غَيْرِهِ فَإِنْ كَمُلَ بِهِ الْعَدَدُ ثُمَّ بَانَ رَجُلًا لَزِمَهُمْ الْإِعَادَةُ فِي الْأَصَحِّ

(الشَّرْطُ الْخَامِسُ الْجَمَاعَةُ وَلَا) الْأَوْلَى قَوْلُ أَصْلِهِ فَلَا (تَصِحُّ) الْجُمُعَةُ (بِالْعَدَدِ فُرَادَى) إذْ لَمْ يُنْقَلْ فِعْلُهَا كَذَلِكَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاطِ كُلٍّ مِنْ الْعَدَدِ وَالْجَمَاعَةِ اشْتِرَاطُ الْآخَرِ لِانْفِكَاكِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ أَمَّا الْعَدَدُ فَلِأَنَّهُ قَدْ يَحْضُرُ أَرْبَعُونَ مِنْ غَيْرِ جَمَاعَةٍ، وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَلِأَنَّهَا الِارْتِبَاطُ الْحَاصِلُ بَيْنَ صَلَاتَيْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَهُوَ لَا يَسْتَدْعِي عَدَدَ الْأَرْبَعِينَ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ (وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ السُّلْطَانِ) الْجُمُعَةَ وَلَا إذْنُهُ فِيهَا كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُهُ فِيهَا (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَطُولَ فَصْلٌ بَيْنَ إحْرَامِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ وَبَيْن إحْرَامِ الْإِمَامِ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ السَّابِقِ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ

(وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا وَعَبْدًا مُحْرِمًا بِصُبْحٍ وَمَقْصُورَةٍ) وَرَبَاعِيَةٍ تَامَّةٍ لِتَمَامِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ (وَكَذَا) يَجُوزُ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ (صَبِيًّا وَمُتَنَفِّلًا وَمَجْهُولَ الْحَدَثِ) بِأَنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ الصَّلَاةِ حَدَثُهُ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَخِيرَةِ حَدَثُهُ؛ لِأَنَّ حَدَثَهُ لَا يَمْنَعُ الْجَمَاعَةَ وَلَا نَيْلَ فَضْلِهَا (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ (فَلَا) يَجُوزُ ذَلِكَ لِانْتِفَاءِ تَمَامِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ (وَلَوْ بَانَ الْأَرْبَعُونَ) الَّذِينَ اقْتَدُوا بِهِ (أَوْ بَعْضُهُمْ) وَذَكَرَهُ مِنْ زِيَادَتِهِ (مُحْدِثِينَ فَلَا جُمُعَةَ لِأَحَدٍ) مِمَّنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ لِذَلِكَ وَتَصِحُّ جُمُعَةُ الْإِمَامِ فِيهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الصَّيْمَرِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَالْقَمُولِيُّ وَنَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَأَقَرَّاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ الْعِلْمَ بِطَهَارَتِهِمْ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَانُوا عَبِيدًا أَوْ نِسَاءً لِسُهُولَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى حَالِهِمْ أَمَّا الْمُتَطَهِّرُ مِنْهُمْ فِي الثَّانِيَةِ فَتَصِحُّ جُمُعَتُهُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالْقَمُولِيُّ وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي أَيْضًا بِأَنَّ صِحَّةَ صَلَاتِهِمَا لَا تَخْتَصُّ بِمَا إذَا زَادَ الْإِمَامُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ وَاسْتِشْكَالُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِأَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ وَلِهَذَا شَرَطْنَاهُ فِي عَكْسِهِ فَكَيْفَ تَصِحُّ لِلْإِمَامِ مَعَ فَوَاتِ الشَّرْطِ يُرَدُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ بَلْ وُجِدَ فِي حَقِّهِ وَاحْتُمِلَ فِيهِ حَدَثُهُمْ؛ لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ وَيَصِحُّ إحْرَامُهُ مُنْفَرِدًا فَاغْتُفِرَ لَهُ مَعَ عُذْرِهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِ وَإِنَّمَا صَحَّتْ لِلْمُتَطَهِّرِ الْمُؤْتَمِّ بِهِ فِي الثَّانِيَةِ تَبَعًا لَهُ وَالْمُصَنِّفُ تَبِعَ فِي أَنَّهُ لَا جُمُعَةَ لِأَحَدٍ الْإِسْنَوِيُّ التَّابِعُ لِابْنِ الرِّفْعَةِ

(فَرْعٌ، وَإِنْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ رُكُوعَ الْإِمَامِ فِي ثَانِيَةِ الْجُمُعَةِ) وَاسْتَمَرَّ مَعَهُ إلَى أَنْ سَلَّمَ (أَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِهِ جَهْرًا) كَالْإِمَامِ وَذِكْرُ الْجَهْرِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ (وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ) «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» «وَقَالَ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُصَلِّ إلَيْهَا أُخْرَى» رَوَاهُمَا الْحَاكِمُ وَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَوْلُهُ فَلْيُصَلِّ هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَتَقْيِيدِ الْمُصَنِّفِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (إنْ صَحَّتْ جُمُعَةُ الْإِمَامِ) مِنْ زِيَادَتِهِ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْأَذْرَعِيُّ لَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْهَا قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا جُمُعَةَ لِلْمَأْمُومِ وَإِلَيْهِ يُرْشِدُ قَوْلُ الشَّيْخِ يَعْنِي النَّوَوِيَّ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً لِقَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ إنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ بَلْ إذَا أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً وَأَتَى بِأُخْرَى أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا الْإِمَامُ كَمَا أَنَّ حَدَثَهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
حُضُورِهِمْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى أَنَّ

انْفَضُّوا أَيْ السَّامِعُونَ لِلْخُطْبَةِ مِنْ الصَّلَاةِ (بَعْدَ إحْرَامِ أَرْبَعِينَ) الْأَوْلَى تِسْعَةٌ وَثَلَاثِينَ (لَمْ يَسْمَعُوا) الْخُطْبَةَ (قَوْلَهُ: لِأَنَّهُمْ إذَا لَحِقُوا وَالْعَدَدُ تَامٌّ إلَخْ) مُقْتَضَى إطْلَاقِ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اللَّاحِقُونَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ أَمْ لَا، وَهُوَ مُتَّجَهٌ ح

[الشَّرْط الْخَامِس الْجَمَاعَة]
(قَوْلُهُ الْخَامِسُ الْجَمَاعَةُ) وَشَرْطُ جَمَاعَتِهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْجَمَاعَاتِ إلَّا فِي نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فَتَجِبُ هُنَا عَلَى الْأَصَحِّ لِتَحْصُلَ لَهُ الْجَمَاعَةُ

(قَوْلُهُ لِتَمَامِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ) ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ تَصِحُّ جُمُعَتُهُ مَأْمُومًا فَصَحَّتْ إمَامًا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ (قَوْلُهُ وَلَوْ بَانَ الْأَرْبَعُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ مُحْدِثِينَ) أَوْ مُصَلُّونَ بِنَجَاسَةٍ لَا يُعْفَى عَنْهَا (قَوْلُهُ وَنَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْمُصَنِّفُ تَبِعَ فِي أَنَّهُ لَا جُمُعَةَ لِأَحَدٍ الْإِسْنَوِيُّ) أَيْ وَغَيْرَهُ

[فَرْعٌ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ رُكُوعَ الْإِمَامِ فِي ثَانِيَةِ الْجُمُعَةِ وَاسْتَمَرَّ مَعَهُ إلَى أَنْ سَلَّمَ]
(قَوْلُهُ وَإِنْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقَ إلَخْ) لَوْ شَكَّ فِي سَجْدَةٍ مِنْهَا فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ إمَامُهُ سَجَدَهَا وَأَتَمَّهَا جُمُعَةً وَإِلَّا سَجَدَهَا وَأَتَمَّ الظُّهْرَ وَإِذَا قَامَ لِإِتْمَامِ الْجُمُعَةِ وَأَتَى بِالثَّانِيَةِ وَذَكَرَ فِي تَشَهُّدِهِ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنْهَا سَجَدَهَا وَتَشَهَّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ أَوْ مِنْ الْأُولَى أَوْ شَكَّ فَاتَتْ جُمُعَتُهُ وَحَصَلَ لَهُ رَكْعَةٌ مِنْ الظُّهْرِ (قَوْلُهُ وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ) فَلَا تُدْرَكُ الْجُمُعَةُ بِمَا دُونَ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ إدْرَاكَهَا يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ رَكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ أَقُلْنَا الْجُمُعَةُ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أَمْ صَلَاةٌ بِحِيَالِهَا وَالْإِدْرَاكُ لَا يُفِيدُ إلَّا بِشَرْطِ كَمَالِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ سَاجِدًا لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ؛ لِأَنَّهُ إدْرَاكٌ نَاقِصٌ (قَوْلُهُ إنْ صَحَّتْ جُمُعَةُ الْإِمَامِ) خَرَجَ بِقَوْلِهِ إنْ صَحَّتْ جُمُعَةُ الْإِمَامِ مَا لَوْ تَبَيَّنَ عَدَمَ صِحَّتِهَا لِانْتِفَاءِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا أَوْ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مُحْدِثًا فَإِنَّ رَكْعَةَ الْمَسْبُوقِ حِينَئِذٍ لَمْ تُحْسَبْ؛ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ لِعَدَمِ حُسْبَانِ صَلَاتِهِ لَا يَتَحَمَّلُ عَنْ الْمَسْبُوقِ الْفَاتِحَةَ إذْ الْحُكْمُ بِإِدْرَاكِ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ خِلَافُ الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ إذَا كَانَ الرُّكُوعُ مَحْسُوبًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِيَتَحَمَّلَ بِهِ عَنْ الْغَيْرِ وَالْمُحْدِثُ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّحَمُّلِ وَإِنْ صَحَّتْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَقَدْ

(1/251)


لِمَنْ خَلْفَهُ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُمْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ لَا يُقَالُ الرَّكْعَةُ الْأَخِيرَةُ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالسَّلَامِ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُهُ فَقَدْ قَالَ فِي الْأُمِّ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ بَنَى عَلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى وَأَجْزَأَتْهُ الْجُمُعَةُ وَإِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ أَنْ يُدْرِكَ الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ فَيَرْكَعَ مَعَهُ وَيَسْجُدَ انْتَهَى

(وَمَنْ فَارَقَ الْإِمَامَ) وَقَدْ أَدْرَكَ مَعَهُ الْأُولَى (فِي الثَّانِيَةِ وَأَتَمَّهَا جُمُعَةً أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ (وَإِنْ) أَدْرَكَ (الرَّكْعَةَ كَامِلَةً) مَعَ الْإِمَامِ (فِي) رَكْعَةٍ (زَائِدَةٍ سَهْوًا فَكَمُصَلٍّ) صَلَاةً (أَصْلِيَّةً) مِنْ جُمُعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (خَلْفَ مُحْدِثٍ) فَتَصِحُّ إنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِزِيَادَتِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ بَانَ إمَامُهُ كَافِرًا أَوْ امْرَأَةً؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ بِحَالٍ (وَلَوْ أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (بَعْدَ الرُّكُوعِ) لِلثَّانِيَةِ (أَحْرَمَ بِجُمُعَةٍ) مُوَافِقَةً لِلْإِمَامِ؛ وَلِأَنَّ الْيَأْسَ مِنْهَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالسَّلَامِ إذْ قَدْ يَتَذَكَّرُ إمَامُهُ تَرْكَ رُكْنٍ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ فَيُدْرِكُ الْجُمُعَةَ وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ فَقَامَ الْإِمَامُ إلَى خَامِسَةٍ لَا تَجُوزُ لَهُ مُتَابَعَتُهُ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ تَذَكَّرَ تَرْكَ رُكْنٍ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ مَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا فَقَامَ لِيَأْتِيَ بِهِ فَيُتَابِعَهُ وَقَوْلُهُ (نَدْبًا) مِنْ زِيَادَتِهِ أَيْ أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ نَدْبًا وَعِبَارَةُ الْأَنْوَارِ جَوَازًا وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ الْمُوَافِقُ لِمَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الزِّحَامِ وَآخَرُ الْبَابِ الثَّانِي (وَأَتَمَّهَا ظُهْرًا) سَوَاءٌ أَكَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ أَمْ لَا (وَإِنْ شَكَّ مُدْرِكُ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) مَعَ الْإِمَامِ (قَبْلَ السَّلَامِ) أَيْ سَلَامِ الْإِمَامِ (هَلْ سَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ) أَمْ لَا (سَجَدَ وَأَتَمَّهَا جُمُعَةً) لِإِدْرَاكِهِ مَعَهُ رَكْعَةً (أَوْ) شَكَّ فِي ذَلِكَ (بَعْدَ السَّلَامِ أَتَمَّهَا ظُهْرًا) وَفَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ لِانْتِفَاءِ ذَلِكَ فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِرَكْعَتِهِ الثَّانِيَةِ وَعَلِمَ فِي تَشَهُّدِهِ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنْهَا سَجَدَهَا ثُمَّ تَشَهَّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَهُوَ مُدْرِكٌ لِلْجُمُعَةِ، وَإِنْ عَلِمَهَا مِنْ الْأُولَى أَوْ شَكَّ فَاتَتْ الْجُمُعَةُ وَحَصَلَتْ رَكْعَةٌ مِنْ الظُّهْرِ.

(فَصْلٌ، وَإِنْ بَطَلَتْ) صَلَاةٌ (لِلْإِمَامِ أَوْ أَبْطَلَهَا عَمْدًا جُمُعَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ فَاسْتَخْلَفَ هُوَ أَوْ الْمَأْمُومُونَ قَبْلَ إتْيَانِهِمْ بِرُكْنٍ) شَخْصًا (صَالِحًا لِلْإِمَامَةِ) بِهِمْ (مُقْتَدِيًا بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ) وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ مُتَنَفِّلًا (جَازَ) ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِإِمَامَيْنِ بِالتَّعَاقُبِ جَائِزَةٌ كَمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إمَامًا فَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاقْتَدَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ وَإِذَا جَازَ هَذَا فِيمَنْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ فَفِيمَنْ بَطَلَتْ بِالْأَوْلَى لِضَرُورَتِهِ إلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَى إمَامٍ وَصَرَّحَ بِقَوْلِهِ أَوْ أَبْطَلَهَا عَمْدًا مَعَ دُخُولِهِ فِيمَا قَبْلَهُ إشَارَةٌ لِخِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ إذْ عِنْدَهُ أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدَ الْحَدَثَ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْقَوْمِ أَيْضًا وَخَرَجَ بِالصَّالِحِ غَيْرُهُ كَالْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى لِغَيْرِ النِّسَاءِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ فِي الْجَمَاعَةِ (، وَإِنْ كَانَ) الصَّالِحُ (مَسْبُوقًا) فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِخْلَافُهُ (إنْ عَرَفَ نَظْمَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِيَجْرِيَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى نَظْمِهَا فَيَفْعَلَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ؛ لِأَنَّهُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ الْتَزَمَ تَرْتِيبَ صَلَاتِهِ (فَيَقْنُتُ لَهُمْ الْخَلِيفَةُ الْمَسْبُوقُ فِي الصُّبْحِ) .
وَلَوْ كَانَ هُوَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَيَتْرُكُ الْقُنُوتَ فِي الظُّهْرِ وَلَوْ كَانَ هُوَ يُصَلِّي الصُّبْحَ (وَيَتَشَهَّدُ وَيَسْجُدُ بِهِمْ لِسَهْوِ الْإِمَامِ) الْحَاصِلِ (قَبْلَ اقْتِدَائِهِ) بِهِ (وَبَعْدَهُ) أَمَّا إذَا لَمْ يَعْرِفْ نَظْمَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِخْلَافُهُ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ وَأَفْتَى بِهِ الْقَاضِي وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ إنَّهُ أَرْجَحُ الْقَوْلَيْنِ دَلِيلًا وَفِي الْمَجْمُوعِ إنَّهُ أَقْيَسُهُمَا لَكِنَّهُ نَقَلَ فِيهِمَا الْجَوَازَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ السِّنْجِيِّ وَصَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ عَنْ جَزْمِ الصَّيْمَرِيُّ أَيْضًا وَقَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ فَيُرَاقِبُ الْقَوْمَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ فَإِنْ هَمُّوا بِالْقِيَامِ قَامَ وَإِلَّا قَعَدَ (ثُمَّ حِينَ يَقُومُ) لِإِتْمَامِ صَلَاتِهِ (لَهُمْ مُفَارَقَتُهُ) وَيُسَلِّمُونَ أَوْ يَسْتَخْلِفُونَ مَنْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ لِيُسَلِّمَ بِهِمْ (وَ) لَهُمْ (انْتِظَارُهُ لِيُسَلِّمَ بِهِمْ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ أَفْضَلُ وَلَهُمْ ذَلِكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ (لَا فِي جُمُعَةٍ خَشَوْا) بِانْتِظَارِهِمْ (فَوَاتَ وَقْتِهَا) فَلَا يَنْتَظِرُونَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَيَقْنُتُ لِنَفْسِهِ) فِي ثَانِيَتِهِ (وَيُعِيدُ السُّجُودَ) فِي آخِرِ صَلَاتِهِ (لِسَهْوِ إمَامِهِ وَيَسْجُدُونَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْته صِحَّةُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنْ صَحَّتْ جُمُعَةُ الْإِمَامِ

(قَوْلُهُ وَلَوْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَحْرَمَ بِجُمُعَةٍ نَدْبًا) أَيْ إنْ كَانَ مِمَّنْ تُسَنُّ لَهُ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَالْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ فَإِحْرَامُهُ بِهَا وَاجِبٌ، وَهُوَ مَحْمَلُ كَلَامِ أَصْلِهِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ كَأَصْلِهِ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ الثَّانِي مِنْ أَنَّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ لَا تَصِحُّ ظُهْرُهُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ اهـ وَلَوْ أَدْرَكَ هَذَا الْمَسْبُوقُ بَعْدَ صَلَاتِهِ الظُّهْرَ جَمَاعَةً يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَهُمْ (قَوْلُهُ وَقَوْلُهُ نَدْبًا مِنْ زِيَادَتِهِ) لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ ع

[فَصَلِّ اسْتِخْلَاف الْإِمَام]
(قَوْلُهُ فَاقْتَدَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ) وَقَدْ اسْتَخْلَفَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ طُعِنَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ إذَا قَدَّمَ الْإِمَامُ وَاحِدًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْتَثِلَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّوَاكُلِ وَقَوْلُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ قَالَ شَيْخُنَا حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَرَتُّبُ ضَرَرٍ لِلْمُقَدَّمِ بِسَبَبِ عَدَمِ تَقَدُّمِهِ كَانَ (قَوْلُهُ لَكِنَّهُ نُقِلَ فِيهِمَا الْجَوَازُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَقَالَ إنَّهُ لَصَحِيحٌ) وَبِهِ أَفْتَيْت وَإِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ قَوْلُهُ إنَّ الصَّحِيحَ الْجَوَازُ مَمْنُوعٌ بَلْ الْأَصَحُّ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ فِي عِبَادَةٍ لَا يَدْرِي مَاذَا يَصْنَعُ فِيهَا بِاعْتِبَارِ وُجُوبِ تَرْتِيبِ إمَامِهِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَتَجْوِيزِهِ عَلَى ظُهُورِ إمَارَةٍ مِنْ الْمَأْمُومِينَ بِهَمِّهِمْ بِالْقِيَامِ لَا يَسُوغُ لِجَوَازِ أَنَّهُمْ لَمْ يُهِمُّوا أَوْ يُهِمُّوا سَهْوًا وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ لِقِيَامِ الْإِمَامِ، وَهُوَ مَوْضِعُ قُعُودِ الْخَلِيفَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَيُخَالِفُ تَرْتِيبَ صَلَاةِ نَفْسِهِ بِمُجَرَّدِ تَوَهُّمِ هَذَا مِمَّا لَا يُسَوَّغُ وَلَا يَصِحُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْمَصِيرُ إلَى جَوَازِهِ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ وَإِنْ ذَكَرُوهُ بَلْ الصَّوَابُ الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ وَإِذَا كَانَ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَى إخْبَارِ الْمَأْمُومِينَ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ فَلَأَنْ لَا يَرْجِعَ إلَى حَرَكَةٍ ضَعِيفَةِ الدَّلَالَةِ أَوْلَى (قَوْلُهُ فَإِنْ هَمُّوا بِالْقِيَامِ قَامَ وَإِلَّا قَعَدَ) هَذَا وَاضِحٌ فِي الْجُمُعَةِ أَمَّا الرُّبَاعِيَّةُ فَفِيهَا قَعُودَانِ فَإِذَا لَمْ يُهِمُّوا بِقِيَامٍ وَقَعَدَ تَشَهَّدَ ثُمَّ قَامَ فَإِنْ قَامُوا مَعَهُ عَلِمَ أَنَّهَا ثَانِيَتُهُمْ اب ع (قَوْلُهُ وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ)

(1/252)


لِسَهْوِهِ) الْحَاصِلِ (بَعْدَ الِاسْتِخْلَافِ) بَلْ بَعْدَ الْبُطْلَانِ (لَا قَبْلَهُ) تَبَعًا لَهُ فِيهِمَا وَإِنَّمَا لَمْ يَسْجُدْ هُوَ لِسَهْوِهِ قَبْلَهُ لِتَحَمُّلِ إمَامِهِ لَهُ (وَسَهْوُهُمْ بَيْنَ) اسْتِخْلَافِ (الْخَلِيفَةِ وَ) بُطْلَانِ صَلَاةِ (الْإِمَامِ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَنْهُمْ) بَلْ يَسْجُدُ لَهُ السَّاهِي آخِرَ صَلَاتِهِ

(وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ اسْتِخْلَافُ غَيْرِ الْمُقْتَدِي فِي الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ مِنْ الرَّبَاعِيَةِ) لِمُوَافَقَةِ نَظْمِ صَلَاتِهِ نَظْمَ صَلَاتِهِمْ (لَا) فِي (غَيْرِهِمَا) مِنْ الثَّانِيَةِ وَالْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْقِيَامِ وَيَحْتَاجُونَ إلَى الْقُعُودِ وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُمْ كَأَنْ حَضَرَ جَمَاعَةً فِي ثَانِيَةٍ مُنْفَرِدًا أَوْ أَخِيرَتِهِ فَاقْتَدَوْا بِهِ فِيهَا ثُمَّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فَاسْتَخْلَفَ مُوَافِقًا لَهُمْ جَازَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِطْلَاقُهُمْ الْمَنْعَ جَرَوْا فِيهِ عَلَى الْغَالِبِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيَجُوزُ اسْتِخْلَافُ اثْنَيْنِ وَأَكْثَرَ يُصَلِّي كُلٌّ بِطَائِفَةٍ وَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ وَلَوْ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْخَلِيفَةِ جَازَ اسْتِخْلَافُ ثَالِثٍ وَهَكَذَا وَعَلَى الْجَمِيعِ مُرَاعَاةُ تَرْتِيبِ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ (وَخَلِيفَةِ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الْمُقْتَدِي) بِإِمَامِهَا قَبْلَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ (إنْ اُسْتُخْلِفَ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى أَتَمَّهَا جُمُعَةً وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْخُطْبَةَ) ؛ لِأَنَّهُ بِالِاقْتِدَاءِ صَارَ فِي حُكْمِ حَاضِرِهَا؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ سَمِعَهَا أَرْبَعُونَ غَيْرُهُ وَسَمَاعُهُمْ كَسَمَاعِهِ (أَوْ) اسْتَخْلَفَ (فِي الثَّانِيَةِ وَلَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ الْأُولَى أَتَمَّهَا وَحْدَهُ ظُهْرًا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً.
وَإِنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فِي جَمَاعَةٍ وَيُخَالِفُ الْمَأْمُومَ؛ لِأَنَّهُ إمَامٌ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَابِعًا وَفَارَقَ إتْمَامُهَا جُمُعَةً فِي الْأُولَى مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهَا كُلَّهَا مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ ثَمَّ أَدْرَكَهُ فِي وَقْتٍ كَانَتْ جُمُعَةُ الْقَوْمِ مَوْقُوفَةً عَلَى الْإِمَامِ فَكَانَ أَقْوَى مِنْ الْإِدْرَاكِ فِي الثَّانِيَةِ وَجَازَ لَهُ فِيهَا الِاسْتِخْلَافُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فِعْلُ الظُّهْرِ قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ لِعُذْرِهِ بِالِاسْتِخْلَافِ بِإِشَارَةِ الْإِمَامِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَخْلَفَهُ الْقَوْمُ أَوْ تَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَكِنَّ إطْلَاقَهُمْ يُخَالِفُهُ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ التَّقَدُّمَ مَطْلُوبٌ فِي الْجُمْلَةِ فَيُعْذَرُ بِهِ أَمَّا إذَا أَدْرَكَ مَعَهُ الْأُولَى فَيُتِمُّهَا جُمُعَةً وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ اسْتِخْلَافِهِ فِي الثَّانِيَةِ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي الْأُولَى، وَهُوَ كَذَلِكَ (فَلَوْ دَخَلَ مَسْبُوقٌ) فِي الْجُمُعَةِ (وَاقْتَدَى بِهِ) أَيْ بِالْخَلِيفَةِ (فِيهَا) أَيْ فِي الثَّانِيَةِ (مَعَهُمْ أَتَمَّ الْجُمُعَةَ) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ مَنْ يُرَاعِي نَظْمَ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ الْخَلِيفَةِ.
(فَإِنْ اسْتَخْلَفَ فِي الْجُمُعَةِ غَيْرَ الْمُقْتَدِي) بِإِمَامِهَا (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) إذْ لَا يَجُوزُ إنْشَاءُ جُمُعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى وَلَا فِعْلُ الظُّهْرِ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ وَلَا يُرَدُّ الْمَسْبُوقُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَا مُنْشِئٌ وَإِذَا بَطَلَتْ جُمُعَةً وَظُهْرًا بَقِيَتْ نَفْلًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحِجَازِيُّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ جَاهِلًا بِالْحُكْمِ (وَ) بَطَلَتْ (صَلَاتُهُمْ إنْ اقْتَدُوا بِهِ) مَعَ عِلْمِهِمْ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ نَعَمْ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَنَوَى غَيْرَهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَحَيْثُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ نَفْلًا وَاقْتَدُوا بِهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْأُولَى لَمْ تَصِحَّ ظُهْرًا لِعَدَمِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ وَلَا جُمُعَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا مِنْهَا رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ مَعَ اسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ بِتَقْدِيمِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ أَتَمُّوهَا جُمُعَةً

(فَرْعٌ لَوْ اسْتَخْلَفَ) الْإِمَامُ وَاحِدًا (وَاسْتَخْلَفُوا) أَيْ الْمَأْمُومُونَ آخَرَ (فَمَنْ عَيَّنُوهُ) لِلِاسْتِخْلَافِ (أَوْلَى) مِمَّنْ عَيَّنَهُ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِي ذَلِكَ لَهُمْ (وَلَوْ تَقَدَّمَ وَاحِدٌ بِنَفْسِهِ جَازَ) وَمُقَدَّمُهُمْ أَوْلَى مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَاتِبًا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ مُقَدَّمِهِمْ وَمِنْ مُقَدَّمِ الْإِمَامِ وَلَوْ قَدَّمَ الْإِمَامُ وَاحِدًا وَتَقَدَّمَ آخَرُ كَانَ مُقَدَّمُ الْإِمَامِ أَوْلَى (فَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ أَحَدٌ وَهُمْ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ لَزِمَهُمْ أَنْ يَسْتَخْلِفُوا) فِيهَا وَاحِدًا مِنْهُمْ لِتُدْرَكَ بِهَا الْجُمُعَةُ (أَوْ) وَهُمْ (فِي الثَّانِيَةِ وَأَتَمُّوهَا جُمُعَةً فُرَادَى جَازَ) فَلَا يَلْزَمُهُمْ الِاسْتِخْلَافُ لِإِدْرَاكِهِمْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً كَالْمَسْبُوقِ وَلَا يُشْكَلُ بِالِانْفِضَاضِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ بِهِ لِنَقْصِ الْعَدَدِ لَا لِفَقْدِ الْجَمَاعَةِ فَلَوْ اُسْتُخْلِفَ فِيهَا قَالَ الْإِمَامُ فَلَهُمْ أَنْ يُتَابِعُوهُ وَلَهُمْ أَنْ يَنْفَرِدُوا وَلَوْ اقْتَدَى بَعْضُهُمْ وَانْفَرَدَ بَعْضُهُمْ جَازَ وَذَكَرَ الْبَغَوِيّ نَحْوَهُ

(وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ) مِنْ الْقَوْمِ (بِالْخَلِيفَةِ) لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الْأَوَّلِ فِي دَوَامِ الْجَمَاعَةِ وَكَلَامُهُ كَالْحَاوِي وَمَنْ تَبِعَهُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ جَازَ فِيمَنْ قَدَّمَهُ الْإِمَامُ وَمَنْ قَدَّمَهُ الْقَوْمُ وَمَنْ تَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ وَكَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِالْأَوَّلِ وَبِهِ أَخَذَ الْأَذْرَعِيُّ فَقَالَ فِي الثَّانِي إنَّهُ يَلْزَمُهُمْ تَجْدِيدُ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَفِي الثَّالِثِ الْوَجْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ تَجْدِيدُهَا وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا

(فَرْعٌ) لَوْ (أَحْدَثَ بَعْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ غَيْرَهَا مِنْ الْفَرَائِضِ يَحْرُمُ فِيهِ ذَلِكَ أَيْضًا

(قَوْلُهُ فِي الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ) مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ (قَوْلُهُ لَا فِي غَيْرِهِمَا) فِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَّا إنْشَاءً وَكَتَبَ أَيْضًا إلَّا بِنِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ (قَوْلُهُ فَاسْتَخْلَفَ مُوَافِقًا لَهُ جَازَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيَجُوزُ اسْتِخْلَافُ اثْنَيْنِ وَأَكْثَرَ إلَخْ) وَكَذَا فِي الْجُمُعَةِ إنْ كَانُوا قَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً وَإِلَّا فَإِنْ تَابَعَ كُلُّ فِرْقَةٍ خَلِيفَةً عَلَى التَّعَاقُبِ أَوْ مَعًا وَأَحَدُهُمَا فَقَطْ أَرْبَعُونَ صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ وَيُتِمُّ الْآخَرُونَ الظُّهْرَ أَرْبَعًا أَوْ مَعًا وَكُلُّ فِرْقَةٍ أَرْبَعُونَ لَمْ تَصِحَّ لِلْكُلِّ جُمُعَةً وَلَا ظُهْرًا وَكَذَا إنْ شَكَّ فِي الْمَعِيَّةِ (قَوْلُهُ، وَهُوَ الْمُقْتَدِي بِإِمَامِهَا إلَخْ) شَمِلَ مَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ قَبْلَ تَذَكُّرِ حَدَثِهِ (قَوْلُهُ إنْ اسْتَخْلَفَ فِي الْأُولَى) بِأَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَهَا وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ ثُمَّ إنْ كَانَ أَدْرَكَ الْأُولَى تَمَّتْ جُمُعَتُهُمْ وَإِلَّا فَتَتِمُّ لَهُمْ دُونَهُ فِي الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ أَتَمَّهَا وَحْدَهُ ظُهْرًا) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْأَرْبَعِينَ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً) فَلَوْ أَدْرَكَ مَعَهُ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ وَسُجُودَهَا أَتَمَّهَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً وَبِهِ صَرَّحَ الْبَغَوِيّ وَقَوْلُهُ وَبِهِ صَرَّحَ الْبَغَوِيّ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهَا مَعَهُ كُلَّهَا إلَخْ) كَأَنْ اسْتَخْلَفَهُ فِي رُكُوعِهَا (قَوْلُهُ لَكِنَّ إطْلَاقَهُمْ يُخَالِفُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَا فِعْلُ الظُّهْرِ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ) أَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرُ الْمُقْتَدِي لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَتَقَدَّمَ نَاوِيًا غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا سَيَأْتِي أَفْهَمَ كَلَامُهُ عَدَمَ بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمُسْتَخْلِفِ إذَا كَانَ مُقْتَدِيًا بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ

[فَرْعٌ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ وَاحِدًا وَاسْتَخْلَفُوا أَيْ الْمَأْمُومُونَ آخَرَ]
(قَوْلُهُ لَوْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ وَاحِدًا إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ وَإِذَا قَدَّمَ الْإِمَامُ وَاحِدًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْتَثِلَ وَيُحْتَمَلَ أَنْ يَجِبَ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّوَاكُلِ

(قَوْلُهُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ جَازَ فِيمَنْ قَدَّمَهُ الْإِمَامُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ قَالَ شَيْخُنَا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ

(1/253)


الْخُطْبَةِ أَوْ فِيهَا فَاسْتَخْلَفَ مَنْ سَمِعَهَا) أَيْ وَاحِدًا مِمَّنْ سَمِعَ أَرْكَانَهَا (لَا غَيْرَهُ جَازَ) كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ فِي غَيْرِ السَّامِعِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَمَا مَرَّ وَالسَّمَاعُ هُنَا كَالِاقْتِدَاءِ ثُمَّ وَفِي قَوْلِهِ مَنْ سَمِعَهَا تَغْلِيبٌ؛ لِأَنَّ مَنْ اُسْتُخْلِفَ فِيهَا لَمْ يَسْمَعْهَا بَلْ سَمِعَ بَعْضَهَا وَبِالسَّمَاعِ عَبَّرَ الْأَصْحَابُ وَقَضِيَّتُهُ حَقِيقَةُ السَّمَاعِ وَعِبَارَةُ الشَّامِلِ حَضَرَ وَسَمِعَ الْخُطْبَةَ وَقَالَ السُّبْكِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَهُمْ وَمَا احْتَجُّوا بِهِ وَإِذَا تَأَمَّلْت هَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ الشَّرْطَ هُنَا حَقِيقَةُ السَّمَاعِ وَلَا يَكْفِي الْحُضُورُ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَعْنِي مَسْأَلَةَ اسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ مَنْ اقْتَدَى بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ لَكِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ تَبَعًا لِلْعِمْرَانِيِّ مُرَادُ الْأَصْحَابِ هُنَا بِالسَّمَاعِ الْحُضُورُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ وَجَرَى عَلَيْهِ الْبَارِزِيُّ وَابْنُ الْوَرْدِيِّ وَأَلْحَقَا بِهِ مَسْأَلَةَ الْمُبَادَرَةِ الْآتِيَةِ ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ فِي الْحَدَثِ فِي الْخُطْبَةِ مُخَالِفٌ لِمَا سَيَأْتِي لَهُ تَبَعًا لِاخْتِيَارِ الرَّوْضَةِ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْإِغْمَاءِ فِيهَا مِنْ مَنْعِ الِاسْتِخْلَافِ بَلْ صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ فِي الْمَحَلِّ الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي الْإِغْمَاءِ وَفِي الْحَدَثِ نَفْسِهِ لِاخْتِلَالِ الْوَعْظِ بِذَلِكَ، وَهُوَ، وَإِنْ أَشْبَهَ مَا مَرَّ مِنْ مَنْعِ الْبِنَاءِ عَلَى أَذَانِ غَيْرِهِ فَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ إلْحَاقًا لِلْخُطْبَةِ بِالصَّلَاةِ وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ إيضَاحٍ

(وَكُرِهَ) الِاسْتِخْلَافُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ أَوْ فِيهَا إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ فَيَتَطَهَّرُ وَيَسْتَأْنِفُ أَوْ يَبْنِيَ بِشَرْطِهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْعِ الِاسْتِخْلَافِ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَلَوْ أَرَادَ الْمَسْبُوقُونَ) أَوْ مِنْ صَلَاتِهِ أَطْوَلَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ (أَنْ يَسْتَخْلِفُوا) مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ (لَمْ يَجُزْ إلَّا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ) إذْ لَا مَانِعَ فِي غَيْرِهَا بِخِلَافِهَا لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا تَنْشَأُ جُمُعَةٌ بَعْدَ أُخْرَى وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْإِنْشَاءِ مَا يَعُمُّ الْحَقِيقِيَّ وَالْمَجَازِيَّ إذْ لَيْسَ فِيمَا إذَا كَانَ الْخَلِيفَةُ مِنْهُمْ إنْشَاءَ جُمُعَةٍ وَإِنَّمَا فِيهِ مَا يُشْبِهُهُ صُورَةً عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ بِالْجَوَازِ فِي هَذِهِ لِذَلِكَ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْجَوَازِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ هُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِي الْجَمَاعَةِ لَكِنَّهُمَا صَحَّحَا هُنَا الْمَنْعَ وَعَلَّلَاهُ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ حَصَلَتْ وَهُمْ إذَا أَتَمُّوهَا فُرَادَى نَالُوا فَضْلَهَا وَالْأَوَّلُ هُوَ مَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ هُنَاكَ وَكَذَا فِي الْمَجْمُوعِ وَقَالَ فِيهِ اعْتَمَدَهُ وَلَا نَغْتَرُّ بِمَا فِي الِانْتِصَارِ مِنْ تَصْحِيحِ الْمَنْعِ عَلَى أَنَّ تَعْلِيلَ الْمَنْعِ بِمَا ذُكِرَ لَا يُنَافِي الْجَوَازَ إذْ لِلِاقْتِدَاءِ فَوَائِدُ أُخَرُ كَتَحَمُّلِ السَّهْوِ وَتَحَمُّلِ السُّورَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَنَيْلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ الْكَامِلِ (وَلَوْ بَادَرَ أَرْبَعُونَ سَمِعُوا الْخُطْبَةَ) أَيْ أَرْكَانَهَا (وَأَحْرَمُوا بِهَا) أَيْ بِالْجُمُعَةِ (انْعَقَدَتْ بِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ

(فَصْلٌ وَإِذَا زَحَمَ) الْمَأْمُومُ (عَنْ السُّجُودِ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَسْجُدَ بِهَيْئَةِ التَّنْكِيسِ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ) أَوْ قَدَمِهِ أَوْ بَهِيمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (فَعَلَ) ذَلِكَ لُزُومًا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ سُجُودٍ يُجْزِئُهُ وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ إذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ أَحَدُكُمْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ أَيْ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِلْحَاجَةِ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ يَسِيرٌ قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ (فَلَوْ امْتَنَعَ) مِنْ ذَلِكَ (فَمُتَخَلِّفٌ بِلَا عُذْرٍ) وَقَدْ مَرَّ حُكْمُهُ (وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ) ذَلِكَ (لَمْ تَجُزْ لَهُ الْمُفَارَقَةُ) ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْجُمُعَةِ قَصْدًا مَعَ تَوَقُّعِ إدْرَاكِهَا لَا وَجْهَ لَهُ كَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّاهُ، وَهُوَ بَحْثٌ لَهُ حَكَى وَجْهًا، وَأَمَّا مَنْقُولُهُ وَمَنْقُولُ غَيْرِهِ كَالصَّيْدَلَانِيِّ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيِّ وَالْخُوَارِزْمِيّ فَالْجَوَازُ لِلْعُذْرِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُهِمَّاتِ (وَلَا الْإِيمَاءُ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى السُّجُودِ وَنُدْرَةِ هَذَا الْعُذْرِ وَعَدَمِ دَوَامِهِ.
وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ تَطْوِيلُ الْقِرَاءَةِ لِيَلْحَقَهُ (فَإِنْ وَجَدَ فُرْجَةً) يَتَمَكَّنُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْعٌ أَحْدَثَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ أَوْ فِيهَا فَاسْتَخْلَفَ مَنْ سَمِعَ خِطْبَة الْجُمُعَة]
قَوْلُهُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ هُنَا بِالسَّمَاعِ الْحُضُورُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ مُخَالِفٌ لِمَا سَيَأْتِي لَهُ إلَخْ) الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ خَرَجَ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ خُطْبَةِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ مِنْهُ

(قَوْلُهُ إلَّا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ إلَخْ) قَالَ النَّاشِرِيُّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجُمُعَةِ غَيْرُ مُوَافِقٍ عَلَيْهِ إذَا قَدَّمُوا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ فَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ جَازَ حَتَّى لَوْ اقْتَدَى شَخْصٌ بِهَذَا الْمُقَدَّمِ وَصَلَّى مَعَهُمْ رَكْعَةً وَسَلَّمُوا فَلَهُ أَنْ يُتِمَّهَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ اسْتَفْتَحَ الْجُمُعَةَ فَهُوَ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ وَالْإِمَامُ مُسْتَدِيمٌ لَهَا لَا مُسْتَفْتِحٌ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَقَرَّهُ وَكَذَلِكَ الرِّيمِيُّ وَقَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الرِّيمِيُّ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا فِي الِانْتِصَارِ مِنْ تَصْحِيحِ الْمَنْعِ) وَلَعَلَّهُ اغْتَرَّ بِقَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ لَعَلَّ الْأَصَحَّ الْمَنْعُ. اهـ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ ذَاكَ مِنْ حَيْثُ حُصُولِ الْفَضِيلَةُ، وَهَذَا مِنْ حَيْثُ جَوَازُ اقْتِدَاءِ الْمُنْفَرِدِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ جَوَازَ اقْتِدَاءِ الْمُنْفَرِدِ قَالَ وَاقْتِدَاءُ الْمَسْبُوقِ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ كَغَيْرِهِ قَالَ شَيْخُنَا وَيُوَافِقُ الْجَوَازَ مَا فِي الرَّافِعِيِّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ خَلْفَ التَّرَاوِيحِ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ ثُمَّ أَحْرَمَ فَاقْتَدَى بِهِ فَهُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ أَحْرَمَ ثُمَّ اقْتَدَى وَمُقْتَضَاهُ تَصْحِيحُ الْجَوَازِ وَكَتَبَ أَيْضًا وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ الْكَلَامُ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا اخْتَلَفَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا يَقْعُدُ وَالْآخَرُ يَقُومُ بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّفَقَ نَظْمُ الصَّلَاتَيْنِ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ جَمْعٌ لَا بَأْسَ بِهِ لَكِنَّ تَعْلِيلَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا الْمَنْعُ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ حَصَلَتْ لَهُ يُخَالِفُهُ (قَوْلُهُ وَلَوْ بَادَرَ أَرْبَعُونَ سَمِعُوا الْخُطْبَةَ إلَخْ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْمُرَادُ بِالسَّمَاعِ حُضُورُهَا خَاصَّةً

[فَصْلٌ زَحَمَ الْمَأْمُومُ عَنْ السُّجُودِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَسْجُدَ بِهَيْئَةِ التَّنْكِيسِ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ قَدَمِهِ أَوْ بَهِيمَةٍ]
(قَوْلُهُ لَمْ تَجُزْ الْمُفَارَقَةُ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ إذَا انْتَظَرَهُ قَائِمًا لَزِمَ تَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ أَوْ قَاعِدًا لَزِمَ زِيَادَةُ قُعُودٍ طَوِيلٍ وَكِلَاهُمَا مُبْطِلٌ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ هَذَا الِاعْتِرَاضُ سَاقِطٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الرُّكْنَ الْقَصِيرَ يَجُوزُ تَطْوِيلُهُ لِلْحَاجَةِ وَالْعُذْرِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ وَقَدْ رَأَيْت الطُّرُقَ مُتَّفِقَةَ عَلَى أَنَّ التَّخَلُّفَ بِعُذْرِ الزَّحْمَةِ لَا يَقْطَعُ حُكْمَ الْقُدْوَةِ عَلَى إطْلَاقٍ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ التَّخَلُّفَ عَنْ الْإِمَامِ بِالسَّجْدَتَيْنِ لَا يَضُرُّ هَاهُنَا قَطْعًا كَمَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْفِكَاكُ بِالْمُفَارَقَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَارَقَ الْإِمَامَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُمْكِنُهُ السُّجُودُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ مَزْحُومٌ (قَوْلُهُ فَلْيَسْجُدْ أَحَدُكُمْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ إلَخْ) صُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ السَّاجِدُ عَلَى شَاخِصٍ أَوْ الْمَسْجُودِ عَلَيْهِ فِي وَهْدَةٍ (قَوْلُهُ، وَهُوَ بَحْثٌ لَهُ) صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِحِكَايَةِ نَصٍّ مُوَافِقٍ لَهُ

(1/254)


مِنْ السُّجُودِ فِيهَا (فَسَجَدَ وَأَدْرَكَهُ قَائِمًا قَرَأَ قِرَاءَةَ الْمَسْبُوقِ) إنْ كَانَ مِثْلُهُ وَإِلَّا فَقِرَاءَةُ الْمُوَافِقِ (أَوْ) أَدْرَكَهُ (رَاكِعًا تَابَعَهُ) فِي الرُّكُوعِ (وَسَقَطَتْ) عَنْهُ (الْقِرَاءَةُ) كَالْمَسْبُوقِ (أَوْ بَعْدَ الرُّكُوعِ تَابَعَهُ) فِيمَا هُوَ فِيهِ (وَأَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِهِ) لِفَوَاتِهَا كَالْمَسْبُوقِ (فَإِنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ قَبْلَ تَمَامِ سُجُودِهِ فَاتَتْهُ) الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَتِمَّ لَهُ رَكْعَةٌ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَيُتِمُّهَا ظُهْرًا بِخِلَافِ مَا إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ فَيُتِمُّهَا جُمُعَةً (وَإِنْ رَكَعَ الْإِمَامُ) فِي الثَّانِيَةِ (قَبْلَ سُجُودِهِ فَلَا يَسْجُدُ بَلْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ مَعَهُ) لِخَبَرِ «وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» (وَفَرْضُهُ الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ وَقْتَ الِاعْتِدَادِ بِالرُّكُوعِ وَالثَّانِي لِلْمُتَابَعَةِ (فَتَكُونُ الرَّكْعَةُ مُلَفَّقَةً) مِنْ رُكُوعِ الْأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ (وَتُجْزِئُ) فِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ لِخَبَرِ «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً» السَّابِقِ وَالتَّلْفِيقُ لَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الْمَعْذُورِ.
(فَإِنْ لَمْ يَرْكَعْ) مَعَهُ (وَاشْتَغَلَ بِتَرْتِيبِ) صَلَاةِ (نَفْسِهِ عَامِدًا) عَالِمًا بِأَنَّ وَاجِبَهُ الْمُتَابَعَةُ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَلَاعُبِهِ (فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْإِحْرَامُ بِالْجُمُعَةِ لَزِمَهُ) عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَيَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِهَا إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَعَدَلَ عَنْهَا الْمُصَنِّفُ إلَى مَا قَالَهُ لِقَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ إنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ بَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُسَلِّمْ الْإِمَامُ إذْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ مَثَلًا فَيَعُودُ إلَيْهَا (أَوْ) اشْتَغَلَ بِذَلِكَ (جَاهِلًا) أَوْ نَاسِيًا (لَمْ يُعْتَدَّ بِسُجُودِهِ) لِمُخَالَفَتِهِ بِهِ الْإِمَامَ وَلَا تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ لِعُذْرِهِ (فَإِنْ أَدْرَكَهُ) بَعْدَ سُجُودِهِ (فِي الرُّكُوعِ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ) فَإِنْ تَابَعَ فَكَمَا لَوْ لَمْ يَسْجُدْ (وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي السُّجُودِ سَجَدَ مَعَهُ) وَحُسِبَ وَتَكُونُ رَكْعَتُهُ مُلَفَّقَةً وَيُدْرَكُ بِهَا الْجُمُعَةُ (أَوْ فِي التَّشَهُّدِ تَابَعَهُ وَسَجَدَ بَعْدَ سَلَامِهِ وَلَا جُمُعَةَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَيُتِمُّهَا ظُهْرًا كَمَا لَوْ وَجَدَهُ قَدْ سَلَّمَ.
(وَإِنْ) لَمْ يُتَابِعْهُ فِيمَا ذُكِرَ بَلْ (مَضَى عَلَى تَرْتِيبِ) صَلَاةِ (نَفْسِهِ) بِأَنْ قَامَ بَعْدَ السُّجُودِ وَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَفَعَ وَسَجَدَ (لَغَا) وَلَا تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ لِمَا مَرَّ (وَعَلَيْهِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَنْ يُتِمَّ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَتَيْنِ وَيُتِمَّهَا ظُهْرًا) لِمَا مَرَّ، وَهَذَا مَا قَالَ فِي الْأَصْلِ إنَّهُ مَفْهُومُ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْجُمْهُورِ وَنَقَلَ الْأَصْلُ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ وَالْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ إنَّهُ يُحْسَبُ لَهُ السُّجُودُ الثَّانِي فَتَكْمُلُ بِهِ الرَّكْعَةُ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْمِنْهَاجِ وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ إنَّهُ الْمَنْقُولُ وَبَحَثَ فِيهِ فِي شَرْحَيْهِ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْسَبْ سُجُودُهُ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ لِكَوْنِ فَرْضِهِ الْمُتَابَعَةَ وَجَبَ أَنْ لَا يُحْسَبَ وَالْإِمَامُ فِي رُكْنٍ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَأَجَابَ عَنْهُ السُّبْكِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّا إنَّمَا لَمْ نَحْسِبْ لَهُ سُجُودَهُ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ لِإِمْكَانِ مُتَابَعَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ فَلَوْ لَمْ نَحْسِبْهُ لَهُ لَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ وَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا فِي عَدَمِ الْمُتَابَعَةِ وَفِي كَلَامِهِمْ شَوَاهِدُ لِذَلِكَ وَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ فِي الْمَجْمُوعِ عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ لَا أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِهِ قَالَ السُّبْكِيُّ فَثَبَتَ أَنَّ مَا فِي الْمِنْهَاجِ هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ إنَّهُ الْمُتَّجَهُ قَالَا وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَسْتَمِرَّ سَهْوُهُ أَوْ جَهْلُهُ إلَى إتْيَانِهِ بِالسُّجُودِ الثَّانِي وَإِلَّا فَعَلَى الْمَفْهُومِ مِنْ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ تَجِبُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا هُوَ فِيهِ أَيْ فَإِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ السُّجُودَ تَمَّتْ رَكْعَتُهُ

(فَرْعٌ فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ) أَيْ الْمَزْحُومُ مِنْ السُّجُودِ (حَتَّى سَجَدَ الْإِمَامُ فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ سَجَدَ مَعَهُ وَحَصَلَتْ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ) مِنْ رُكُوعِ الْأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ إلَّا فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ سَجَدَ مَعَهُ فِيهَا ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَسْجُدَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُمَا كَرُكْنٍ وَاحِدٍ وَأَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ فَإِذَا سَلَّمَ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ ذَكَرَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ ثُمَّ قَالَ وَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُهُ سَاجِدًا حَتَّى يُسَلِّمَ فَيَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ يُؤَدِّي إلَى الْمُخَالَفَةِ وَالثَّانِي إلَى تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ وَأَيَّدَهُ بِمَا قَدَّمْته عَنْ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيِّ أَوَائِلَ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ وَقَدَّمْت ثُمَّ إنَّ الْمُخْتَارَ جَوَازُ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَقَدْ جَوَّزَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ لِلْمُنْفَرِدِ أَنْ يَقْتَدِيَ فِي اعْتِدَالِهِ بِغَيْرِهِ قَبْلَ رُكُوعِهِ وَيُتَابِعَهُ (فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ) مِنْ السُّجُودِ (حَتَّى تَشَهَّدَ الْإِمَامُ) سَجَدَ (فَإِنْ فَرَغَ مِنْ السُّجُودِ وَلَوْ بِالرَّفْعِ) مِنْهُ (قَبْلَ سَلَامِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (وَإِنْ لَمْ يَعْتَدِلْ حَصَلَتْ لَهُ رَكْعَةٌ وَأَدْرَكَ الْجُمُعَةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ كَالْمَسْبُوقِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ اطْمَأَنَّ قَبْلَ ارْتِفَاعِ الْإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ، وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ بِهَذَا الرُّكُوعِ وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ، فَإِنَّهَا مُتَابَعَةٌ فِي حَالِ الْقُدْوَةِ فَلَا يَضُرُّ سَبْقُ الْإِمَامِ الْمَأْمُومَ بِالطُّمَأْنِينَةِ (قَوْلُهُ عِبَارَةُ الْأَصْلِ، وَيَلْزَمُهُ إلَخْ) إنَّمَا سَكَتَ هُنَا عَنْ حُكْمِ مَا إذَا أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ لِعِلْمِهِ مِمَّا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ لُزُومُهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ إنَّهُ يُحْسَبُ لَهُ السُّجُودُ الثَّانِي) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْمِنْهَاجِ) وَالْأَنْوَارِ.
(قَوْلُهُ وَأَجَابَ عَنْهُ السُّبْكِيُّ) وَالْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا (قَوْلُهُ بِأَنَّا إنَّمَا لَمْ نَحْسِبْ لَهُ سُجُودَهُ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي الْخَادِمِ بِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا ظَنَّ الْمَسْبُوقُ سَلَامَ الْإِمَامِ فَقَامَ وَأَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يُسَلِّمْ فَإِنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ إلَّا مَا أَتَى بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمُتَابَعَةُ بَعْدَ السَّلَامِ. اهـ. وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ كَوْنُ الْمُتَّجَهِ مَا فِي الْمِنْهَاجِ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَ عَلَى تَرْتِيبِهِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لَا يُعْتَدُّ بِمَا أَتَى بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَكَيْفَ نَجْعَلُهُ بِمَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ مُدْرِكًا وَلَا أَثَرَ لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ إمْكَانِ الْمُتَابَعَةِ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ عَدَمُ إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ وَفِي كَلَامِهِمْ شَوَاهِدُ لِذَلِكَ) قَالَ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّا إذَا فَرَّغْنَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ فَفَرَغَ مِنْ السُّجُودِ وَوَجَدَ الْإِمَامَ فِي السُّجُودِ أَوْ التَّشَهُّدِ لَزِمَهُ الْمُتَابَعَةُ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا يَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الرَّكْعَةَ لَمْ يُدْرِكْ مِنْهَا شَيْئًا يُحْسَبُ لَهُ فَهُوَ كَالْمَسْبُوقِ بِخِلَافِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ أَدْرَكَ مِنْهَا الرُّكُوعَ وَمَا قَبْلَهُ فَلَزِمَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا بَعْدَهُ مِنْ السُّجُودِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ يُوَافِقُونَ عَلَى تَصْحِيحِ ذَلِكَ فَكَمَا خَالَفْنَا تَفْرِيعَ هَذَا الْقَوْلِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَجَعَلْنَاهُ مَخْصُوصًا بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى كَذَلِكَ نَقُولُ فِي تَفْرِيعِ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ

[فَرْعٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمَزْحُومُ مِنْ السُّجُودِ حَتَّى سَجَدَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ]
(قَوْلُهُ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَسْجُدَ الْأُخْرَى) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قِيَاسُ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ تَرْجِيحُ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ وَقَدَّمْت ثَمَّ إنَّ الْمُخْتَارَ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ مَنْعُ ذَلِكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الدَّارِمِيِّ وَغَيْرِهِ وَأَصَحُّ فَإِنَّهُ بِاقْتِدَائِهِ صَارَ اللَّازِمُ لَهُ

(1/255)


وَإِنْ رَفَعَ) مِنْهُ (بَعْدَ سَلَامِهِ فَاتَتْهُ) الْجُمُعَةُ (فَيُتِمُّهَا ظُهْرًا) كَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ التَّتِمَّةِ وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي التَّتِمَّةِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُتَابِعُهُ فَلَا يَسْجُدُ بَلْ يَجْلِسُ مَعَهُ ثُمَّ بَعْدَ سَلَامِهِ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ (أَمَّا مَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى وَزَحَمَ عَنْ السُّجُودِ فِي الثَّانِيَةِ فَيَتَدَارَكُ) مَا فَاتَهُ (قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ) بِحَسَبِ إمْكَانِهِ وَتَتِمُّ جُمُعَتُهُ (فَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِالْأُولَى) بِأَنْ لَحِقَهُ فِي الثَّانِيَةِ وَزَحَمَ فِيهَا (وَلَمْ يَتَدَارَكْ) السُّجُودَ (قَبْلَ السَّلَامِ) مِنْ الْإِمَامِ (فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً (وَسَهْوُهُ فِي) حَالِ (التَّخَلُّفِ) عَنْهُ لِلزَّحْمَةِ (مَحْمُولٌ) عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَدٍ بِهِ حُكْمًا وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا هُنَا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَإِنْ زَحَمَ عَنْ الرُّكُوعِ) فِي الْأُولَى (وَلَمْ يَتَمَكَّنْ) مِنْهُ (إلَّا حَالَ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ) رَكَعَ مَعَهُ وَ (حُسِبَتْ) أَيْ الثَّانِيَةُ (لَهُ غَيْرَ مُلَفَّقَةٍ) لِسُقُوطِ الْأُولَى

(فَرْعٌ لَيْسَتْ الْجُمُعَةُ ظُهْرًا مَقْصُورًا) ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا وَتُتَدَارَكُ بِهِ (بَلْ صَلَاةٌ عَلَى حِيَالِهَا) أَيْ مُسْتَقِلَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهَا وَلِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ إنَّهُ حَسَنٌ (فَإِنْ عَرَضَ فِيهَا مَا يَمْنَعُ وُقُوعَهَا جُمُعَةً انْقَلَبَتْ ظُهْرًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ قَلْبَهَا) ؛ لِأَنَّهُمَا فَرْضُ وَقْتٍ وَاحِدٍ فَتَصِحُّ الظُّهْرُ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ

[فَرْع التَّخَلُّفُ عَنْ صَلَاة الْجُمُعَة لِنِسْيَانٍ وَمَرَضٍ كَالزِّحَامِ]
(فَرْعٌ التَّخَلُّفُ لِنِسْيَانٍ وَمَرَضٍ كَالزِّحَامِ) أَيْ كَالتَّخَلُّفِ لِلْعُذْرِ (وَغَيْرِ الْجُمُعَةِ فِي الزِّحَامِ) وَنَحْوِهِ (كَالْجُمُعَةِ) وَإِنَّمَا ذَكَرُوهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ فِيهَا أَكْثَرُ وَلِاخْتِصَاصِهَا بِأُمُورٍ أُخَرَ كَالتَّرَدُّدِ فِي حُصُولِهَا بِالرَّكْعَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْقُدْوَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَفِي بِنَاءِ الظُّهْرِ عَلَيْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ إقَامَتِهَا

(الشَّرْطُ السَّادِسُ تَقْدِيمُ خُطْبَتَيْنِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ) لِلِاتِّبَاعِ مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّ خُطْبَتَيْهِ مُؤَخَّرَتَانِ لِلِاتِّبَاعِ؛ وَلِأَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ شَرْطٌ وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَشْرُوطِهِ؛ وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا تُؤَدَّى جَمَاعَةً فَأُخِّرَتْ لِيُدْرِكَهَا الْمُتَأَخِّرُ، وَهَذَا الشَّرْطُ ذَكَرَهُ أَيْضًا كَأَصْلِهِ بَعْدُ مِنْ شُرُوطِ الْخُطْبَةِ وَمَا هُنَا أَوْلَى وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ

(وَأَرْكَانُ الْخُطْبَةِ) الشَّامِلَةِ لِلْخُطْبَتَيْنِ (خَمْسَةٌ الْأَوَّلُ حَمْدُ اللَّهِ) تَعَالَى لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيَتَعَيَّنُ لَفْظُ " اللَّهُ " " وَحَمْدُهُ ") لِلِاتِّبَاعِ وَكَكَلِمَتَيْ التَّكْبِيرِ كَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ أَحْمَدُ اللَّهَ أَوْ نَحْمَدُ اللَّهَ أَوْ حُمِدَ اللَّهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَخَرَجَ الْحَمْدُ لِلرَّحْمَنِ وَالشُّكْرُ لِلَّهِ وَنَحْوُهُمَا (الثَّانِي الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ (وَيَتَعَيَّنُ صِيغَةُ صَلَاةٍ) عَلَيْهِ كَاَللَّهُمِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ أُصَلِّي أَوْ نُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ أَحْمَدَ أَوْ الرَّسُولِ أَوْ النَّبِيِّ أَوْ الْمَاحِي أَوْ الْعَاقِبِ أَوْ الْحَاشِرِ أَوْ الْمُبَشِّرِ أَوْ النَّذِيرِ فَخَرَجَ رَحِمَ اللَّهُ مُحَمَّدًا وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى جِبْرِيلَ وَنَحْوُهَا (الثَّالِثُ الْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّ مُعْظَمَ مَقْصُودِ الْخُطْبَةِ الْوَصِيَّةُ (وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا) أَيْ الْوَصِيَّةِ بِالتَّقْوَى؛ لِأَنَّ غَرَضَهَا الْوَعْظُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِغَيْرِ لَفْظِهَا كَأَطِيعُوا اللَّهَ كَمَا سَيَأْتِي (وَكُلٌّ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ (وَاجِبٌ فِي الْخُطْبَتَيْنِ) أَيْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لِاتِّبَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
(وَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ) فِي الْوَصِيَّةِ (عَلَى تَحْذِيرٍ مِنْ غُرُورِ الدُّنْيَا) وَزُخْرُفِهَا فَقَدْ يَتَوَاصَى بِهِ مُنْكِرُو الْمَعَادِ (إلَّا بِالْحَمْلِ) الْأَوْلَى بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْحَمْلِ (عَلَى الطَّاعَةِ) ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ أَصْلُهُ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّصْرِيحِ بِهِ (وَلَوْ قَالَ أَطِيعُوا اللَّهَ أَوْ اتَّقُوا اللَّهَ كَفَى) لِحُصُولِ الْغَرَضِ وَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ أَوْ اتَّقُوا اللَّهَ مِنْ زِيَادَتِهِ (الرَّابِعُ الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأُخْرَوِيٍّ فِي) الْخُطْبَةِ (الثَّانِيَةِ) لِاتِّبَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ؛ وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ يَلِيقُ بِالْخَوَاتِمِ وَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ الْجِنْسُ الشَّامِلُ لِلْمُؤْمِنَاتِ وَبِهِمَا عَبَّرَ فِي الْوَسِيطِ وَفِي التَّنْزِيلِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ (وَإِنْ خَصَّ) بِالدُّعَاءِ (السَّامِعِينَ فَقَالَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ) أَوْ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ (كَفَى) فَيَكْفِي فِيهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الدُّعَاءِ (الْخَامِسُ قِرَاءَةُ آيَةٍ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ وَعْدًا لَهُمْ أَمْ وَعِيدًا أَمْ حُكْمًا أَمْ قِصَّةً.
قَالَ فِي الْأَصْلِ قَالَ الْإِمَامُ وَلَا يَبْعُدُ الِاكْتِفَاءُ بِشَطْرِ آيَةٍ طَوِيلَةٍ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْمَشْهُورُ الْجَزْمُ بِاشْتِرَاطِ آيَةٍ، وَهُوَ مَا أَفْهَمَهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
مُرَاعَاةَ تَرْتِيبِ صَلَاةِ إمَامِهِ (قَوْلُهُ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ) يُرَدُّ بِأَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُتَابِعُهُ وَيُوَجَّهُ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ السُّبْكِيّ وَالْإِسْنَوِيِّ فِي نَظِيرِهَا، وَهُوَ أَنَّا لَوْ لَمْ نُجَوِّزْ لَهُ السُّجُودَ حِينَئِذٍ لَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ وَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا فِي عَدَمِ الْمُتَابَعَةِ بَلْ هَذِهِ أَوْلَى بِالْعُذْرِ مِنْ تِلْكَ؛ لِأَنَّ ذَاكَ مُقَصِّرٌ بِخِلَافِ هَذَا

[فَرْعٌ لَيْسَتْ الْجُمُعَةُ ظُهْرًا مَقْصُورًا]
(قَوْلُهُ وَلِاخْتِصَاصِهَا بِأُمُورٍ أُخَرَ) وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ لَيْسَ فِي الزَّمَانِ مَنْ يُحِيطُ بِأَطْرَافِهَا

(قَوْلُهُ فَأُخِّرَتْ لِيُدْرِكَهَا الْمُتَأَخِّرُ) وَلِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا} [الجمعة: 10] فَأَبَاحَ الِانْتِشَارَ بَعْدَهَا فَلَوْ جَازَ تَأْخِيرُهُمَا لَمَا جَازَ الِانْتِشَارُ

(قَوْلُهُ الثَّانِي الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ إلَخْ) سُئِلَ الْفَقِيهُ إسْمَاعِيلُ الْحَضْرَمِيُّ هَلْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى نَفْسِهِ» فَقَالَ نَعَمْ وَكَتَبَ أَيْضًا وَتُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى آلِهِ (قَوْلُهُ وَبِهِمَا عَبَّرَ فِي الْوَسِيطِ) وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَعِبَارَةُ الِانْتِصَارِ وَيَجِبُ الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْأَمَالِي وَالْغَزَالِيُّ بِتَحْرِيمِ الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِمَغْفِرَةِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ وَبِعَدَمِ دُخُولِهِمْ النَّارَ؛ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح: 28] وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ؛ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ نَكِرَاتٌ وَلِجَوَازِ قَصْدِ مَعْهُودٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَهْلُ زَمَانِهِ مَثَلًا (قَوْلُهُ قَالَ الْإِمَامُ وَلَا يَبْعُدُ الِاكْتِفَاءُ بِشَطْرِ آيَةٍ طَوِيلَةٍ) جَزَمَ بِهِ الْأَرْغِيَانِيُّ فَقَالَ لَوْ قَرَأَ شَطْرَ آيَةٍ طَوِيلَةٍ جَازَ أَوْ آيَةً قَصِيرَةً كَقَوْلِهِ يس لَمْ يَكْفِ أَوْ آيَةً لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَى وَعْدٍ أَوْ وَعِيدٍ أَوْ حُكْمٍ أَوْ مَعْنًى مَقْصُودٍ فِي قِصَّةٍ لَمْ يَكْفِهِ. اهـ. وَإِطْلَاقُهُمْ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِمَنْسُوخِ الْحُكْمِ وَعَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِمَنْسُوخِ التِّلَاوَةِ

(1/256)


كَلَامُ الْمُصَنِّفِ (مُفْهِمَةٍ) لَا كَثُمَّ نَظَرَ أَوْ ثُمَّ عَبَسَ (وَلَوْ فِي أَحَدَيْهِمَا) ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ دُونَ تَعْيِينٍ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيُسَنُّ جَعْلُهَا فِي الْأُولَى (وَيُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ قِ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِاشْتِمَالِهَا عَلَى أَنْوَاعِ الْمَوَاعِظِ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ فَإِنْ أَبَى قَرَأَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا} [الأحزاب: 70] الْآيَةَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَتَكُونُ الْقِرَاءَةُ بَعْدَ فَرَاغِ الْأُولَى قَالَ وَفِي اسْتِحْبَابِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى قِرَاءَةِ ق شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا قَرَأَهَا أَحْيَانًا لِاقْتِضَاءِ الْحَالِ ذَلِكَ أَوْ لِعِلْمِهِ بِرِضَا الْحَاضِرِينَ أَوْ لِعَدَمِ اشْتِغَالِهِمْ وَأَجَابَ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَؤُهَا فِي خُطْبَتِهِ كُلَّ جُمُعَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ ق أَوْ بَعْضِهَا فِي خُطْبَتِهِ كُلَّ جُمُعَةٍ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ رِضَا الْحَاضِرِينَ فَلَا وَجْهَ لَهُ كَمَا لَمْ يَشْتَرِطُوهُ فِي قِرَاءَةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ السُّنَّةُ التَّخْفِيفَ (وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ نَزَلَ وَسَجَدَ) إنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ كُلْفَةٌ (فَإِنْ خَشِيَ مِنْ ذَلِكَ طُولَ فَصْلٍ سَجَدَ مَكَانَهُ إنْ أَمْكَنَ) وَإِلَّا تَرَكَهُ (وَلَا يُجْزِئُ آيَاتٌ تَشْتَمِلُ عَلَى الْأَرْكَانِ كُلِّهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى خُطْبَةً وَاسْتُشْكِلَ هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا آيَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى الصَّلَاةِ مِنَّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَإِنْ أَتَى بِبَعْضِهَا ضَمِنَ آيَةً) كَقَوْلِهِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ - وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ} [النساء: 1] (لَمْ يَمْتَنِعْ وَأَجْزَأَهُ) ذَلِكَ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْبَعْضِ دُونَ الْقِرَاءَةِ لِئَلَّا يَتَدَاخَلَا (، وَإِنْ قَصَدَهُمَا) بِآيَةٍ (لَمْ يُجْزِهِ) ذَلِكَ (عَنْهُمَا) بَلْ عَنْ الْقِرَاءَةِ فَقَطْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ وَأَجْزَأَهُ عَنْهُ وَبِقَوْلِهِ عَنْهُمَا مِنْ زِيَادَتِهِ

(فَائِدَةٌ) ذَكَرَهَا الْقَمُولِيُّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي جَوَازِ تَضْمِينِ شَيْءٍ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْخُطَبِ وَالرَّسَائِلِ وَنَحْوِهِمَا فَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَقَوْلِ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ وَقَدْ أَهْدَى لَهُ بَعْضُ الْمُلُوكِ هَدِيَّةً {بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36] فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ} [النمل: 37] الْآيَةَ وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ فِيهِ فِي الْخُطَبِ وَالْمَوَاعِظِ وَقَدْ أَكْثَرَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ نَبَاتَةَ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ

(وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ أَيْ أَرْكَانِهَا (بِالْعَرَبِيَّةِ) لِاتِّبَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ (فَإِنْ أَمْكَنَ تَعَلُّمُهَا وَجَبَ) عَلَى الْجَمِيعِ عَلَى سَبِيلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَكَفَى) أَيْ فِي تَعَلُّمِهَا (وَاحِدٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) هَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّمُوا (عَصَوْا وَلَا جُمُعَةَ) لَهُمْ بَلْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ وَأَجَابَ الْقَاضِي عَنْ سُؤَالِ مَا فَائِدَةُ الْخُطْبَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ إذَا لَمْ يَعْرِفْهَا الْقَوْمُ بِأَنَّ فَائِدَتَهَا الْعِلْمُ بِالْوَعْظِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَيُوَافِقُهُ مَا سَيَأْتِي فِيمَا إذَا سَمِعُوا الْخُطْبَةَ وَلَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَاهَا أَنَّهَا تَصِحُّ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ) تَعَلُّمُهَا (تَرْجَمَ) أَيْ خَطَبَ بِلُغَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا الْقَوْمُ (وَإِنْ) وَفِي نُسْخَةٍ فَإِنْ (لَمْ يُحْسِنْ) أَنْ يُتَرْجِمَ (فَلَا جُمُعَةَ) لَهُمْ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهَا، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ

(فَرْعٌ شُرُوطُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ تِسْعَةٌ) الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ (وَقْتُ الظُّهْرِ وَالتَّقْدِيمُ) لَهَا (عَلَى الصَّلَاةِ وَالْقِيَامُ) فِيهَا (لِلْقَادِرِ) لِلِاتِّبَاعِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِي الثَّلَاثَةِ؛ وَلِأَنَّهَا ذِكْرٌ يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الْقُعُودُ كَالْقِرَاءَةِ وَالتَّكْبِيرِ فِي الثُّلُثِ (وَتَصِحُّ خُطْبَةُ الْعَاجِزِ) عَنْ الْقِيَامِ (قَاعِدًا ثُمَّ مُضْطَجِعًا) كَالصَّلَاةِ وَيَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ سَوَاءٌ قَالَ لَا أَسْتَطِيعُ أَمْ سَكَتَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا قَعَدَ أَوْ اضْطَجَعَ لِعَجْزِهِ وَتَعْبِيرُهُ بِثُمَّ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِأَوْ (فَإِنْ بَانَ) أَنَّهُ كَانَ (قَادِرًا فَكَمَنْ) أَيْ فَكَإِمَامٍ (بَانَ) أَنَّهُ كَانَ (جُنُبًا) وَتَقَدَّمَ حُكْمُهُ (وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْتَنِيبَ الْعَاجِزُ) قَادِرًا كَمَا فِي الصَّلَاةِ (وَ) الرَّابِعُ (الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (بِالطُّمَأْنِينَةِ) فِيهِ كَمَا فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (فَلَوْ خَطَبَ جَالِسًا) لِعَجْزِهِ (وَجَبَ الْفَصْلُ) بَيْنَهُمَا (بِسَكْتَةٍ لَا اضْطِجَاعَ) فَلَا يَجِبُ الْفَصْلُ بِهِ بَلْ لَا يَكْفِي.
وَالْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ هُنَا شَرْطَيْنِ وَفِي الصَّلَاةِ رُكْنَيْنِ أَنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَتْ إلَّا الذِّكْرُ وَالْوَعْظُ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقِيَامَ وَالْجُلُوسَ لَيْسَا بِجُزْأَيْنِ مِنْهُمَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا جُمْلَةُ أَعْمَالٍ، وَهِيَ كَمَا تَكُونُ أَذْكَارًا تَكُونُ غَيْرَ أَذْكَارٍ (وَ) الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ (الطَّهَارَةُ) عَنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ (وَالسَّتْرُ) لِلِاتِّبَاعِ وَكَمَا فِي الصَّلَاةِ (فَلَوْ أَحْدَثَ) فِي الْخُطْبَةِ (اسْتَأْنَفَ) هَا (وَلَوْ سَبَقَهُ) الْحَدَثُ وَقَصُرَ الْفَصْلُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تُؤَدَّى بِطَهَارَتَيْنِ كَالصَّلَاةِ فَلَوْ أَحْدَثَ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَتَطْهُرَ عَنْ قُرْبٍ فَالْأَوْجَهُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ كَمَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَأَمَّا السَّامِعُونَ لِلْخُطْبَةِ فَلَا تُشْتَرَطُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَلَوْ فِي أَحَدَيْهِمَا) وَتُجْزِئُ قَبْلَهُمَا وَبَعْدَهُمَا وَبَيْنَهُمَا (فَرْعٌ) لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ فَرَائِضِهِمَا قَالَ الرُّويَانِيُّ لَيْسَ لَهُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ إعَادَةُ خُطْبَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا كَانَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ فَرْضًا وَاحِدًا وَلَمْ يُعْلَمْ عَيْنُهُ اهـ قَالَ شَيْخُنَا قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي شَكِّهِ فِي تَرْكِ رُكْنٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ إنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ هُنَا، وَهُوَ الْأَوْجَهُ (قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ} [فاطر: 1] إلَخْ) وَمَثَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَوَائِلِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ

(قَوْلُهُ لِاتِّبَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ) ؛ وَلِأَنَّهَا ذِكْرٌ مَفْرُوضٌ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ

[فَرْع شُرُوطُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ]
(قَوْلُهُ وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا) هَلْ يَسْكُتُ فِيهِ أَوْ يَقْرَأُ أَوْ يَذْكُرُ سَكَتُوا عَنْهُ وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِيهِ» قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (قَوْلُهُ لِلِاتِّبَاعِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ فَالْأَوْجَهُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ كَمَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) لَا يَلْزَمُ مِنْ اغْتِفَارِ الطَّهَارَةِ بَيْنَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ اغْتِفَارُهَا بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ الْأُولَى فِي الْجَمْعِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى فِعْلِ الثَّانِيَةِ وَصِحَّةُ الْخُطْبَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَهَا عَلَى الْوَلَاءِ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ وَجَبَ اسْتِئْنَافُ الْخُطْبَةِ كَالْجُزْءِ مِنْ الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى رَأْيٍ فَالْحَدَثُ بَيْنَهُمَا كَالْحَدَثِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ فَوَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِيهَا بَعْدَ فِيمَا لَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الْخُطْبَةِ وَتَطَهَّرَ وَعَادَ اسْتَأْنَفَ وَأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ

(1/257)


طَهَارَتُهُمْ وَلَا سَتْرُهُمْ كَمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ وَأَغْرَبَ مَنْ شَرَطَ ذَلِكَ (وَ) السَّابِعُ (الْمُوَالَاةُ) بَيْنَ أَرْكَانِهَا وَبَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ لِلِاتِّبَاعِ؛ وَلِأَنَّ لَهَا أَثَرًا ظَاهِرًا فِي اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ وَالْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ شَبِيهَتَانِ بِصَلَاةِ الْجَمْعِ.
(وَ) الثَّامِنُ (رَفْعُ الصَّوْتِ) بِأَرْكَانِهَا (بِحَيْثُ يَسْمَعُ) هَا (أَرْبَعُونَ) رَجُلًا (كَامِلًا) عَدَدُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا وَعْظُهُمْ، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْإِسْمَاعُ وَالسَّمَاعُ (وَإِنْ لَمْ يَفْهَمُوا) مَعْنَاهَا كَالْعَامِّيِّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَاهَا فَلَا يَكْفِي الْإِسْرَارُ كَالْأَذَانِ وَلَا إسْمَاعُ دُونَ الْأَرْبَعِينَ (وَلَوْ كَانُوا صُمًّا أَوْ بَعْضُهُمْ) كَذَلِكَ (لَمْ تَصِحَّ) كَبُعْدِهِمْ عَنْهُ وَكَشُهُودِ النِّكَاحِ وَقَوْلُهُ كَغَيْرِهِ أَرْبَعُونَ أَيْ بِالْإِمَامِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي مُجَلِّيٍّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِيمَا إذَا صَلَّوْهَا جُمُعَةً وَلَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ بِأَنْ يَسْمَعَ أَرْبَعُونَ أَوْ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سِوَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ بِهِ تَتِمَّ الْأَرْبَعُونَ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْخَطِيبِ إذَا كَانَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ أَصَمَّ لَمْ يَكْفِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَهُوَ بَعِيدٌ بَلْ لَا مَعْنَى لَهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ.
وَلَوْ كَانَ الْخَطِيبُ لَا يَعْرِفُ مَعْنَى أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ بَلْ الْوَجْهُ الْجَوَازُ كَمَنْ يَؤُمُّ بِالْقَوْمِ وَلَا يَعْرِفُ مَعْنَى الْفَاتِحَةِ (وَيَنْبَغِي) أَيْ يُسْتَحَبُّ لِلْقَوْمِ السَّامِعِينَ وَغَيْرِهِمْ (أَنْ يُقْبِلُوا عَلَيْهِ) بِوُجُوهِهِمْ؛ لِأَنَّهُ الْأَدَبُ وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَوَجُّهِهِمْ الْقِبْلَةَ (وَ) أَنْ (يُنْصِتُوا وَيَسْتَمِعُوا) قَالَ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْخُطْبَةِ وَسُمِّيَتْ قُرْآنًا لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَالْإِنْصَاتُ السُّكُوتُ وَالِاسْتِمَاعُ شُغْلُ السَّمْعِ بِالسَّمَاعِ انْتَهَى فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ (وَيُكْرَهُ لِلْحَاضِرِينَ الْكَلَامُ) فِيهَا لِظَاهِرِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ وَخَبَرِ مُسْلِمٍ إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت (وَلَا يَحْرُمُ) لِلْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى جَوَازِهِ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ «بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا» وَخَبَرِ الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ فَأَوْمَأَ النَّاسُ إلَيْهِ بِالسُّكُوتِ فَلَمْ يَقْبَلْ وَأَعَادَ الْكَلَامَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الثَّالِثَةِ مَا أَعْدَدْت لَهَا قَالَ حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ إنَّك مَعَ مَنْ أَحْبَبْت» وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الْكَلَامَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ وُجُوبَ السُّكُوتِ وَالْأَمْرُ فِي الْآيَةِ لِلنَّدْبِ وَمَعْنَى لَغَوْت تَرَكْت الْأَدَبَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالتَّصْرِيحِ بِالْكَرَاهَةِ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ (وَلَا تَخْتَصُّ بِالْأَرْبَعِينَ) بَلْ الْحَاضِرُونَ كُلُّهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ نَعَمْ لِغَيْرِ السَّامِعِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَكَلَامُ الْمَجْمُوعِ يَقْتَضِي أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِمَا أَوْلَى، وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَإِنْ عَرَضَ مُهِمٌّ) نَاجِزٌ (كَتَعْلِيمِ خَبَرٍ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ) وَإِنْذَارِ إنْسَانٍ عَقْرَبًا أَوْ أَعْمَى بِئْرًا (لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْكَلَامِ بَلْ قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْإِشَارَةِ) إنْ أَغْنَتْ (وَيُبَاحُ) لَهُمْ بِلَا كَرَاهَةٍ (الْكَلَامُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا وَبَيْنَهُمَا) أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ (وَ) الْكَلَامُ (لِلدَّاخِلِ) فِي أَثْنَائِهَا (مَا لَمْ يَجْلِسْ) يَعْنِي مَا لَمْ يَتَّخِذْ لَهُ مَكَانًا وَيَسْتَقِرَّ فِيهِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْجُلُوسِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَظَاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ (وَالتَّاسِعُ) مِنْ شُرُوطِهَا (مَا سَبَقَ، وَهُوَ كَوْنُهَا بِالْعَرَبِيَّةِ) وَسَبَقَ بَيَانُهُ

(فَرْعٌ لَوْ سَلَّمَ دَاخِلٌ) عَلَى مُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ (وَهُوَ) أَيْ وَالْخَطِيبُ (يَخْطُبُ وَجَبَ الرَّدُّ) عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِنْصَاتَ سُنَّةٌ كَمَا مَرَّ وَصَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ مَعَ ذَلِكَ بِكَرَاهَةِ السَّلَامِ وَنَقَلَهَا عَنْ النَّصِّ وَغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّدِّ مِنْ قَاضِي الْحَاجَةِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا يَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ لَائِحٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَكَ أَنْ تَقُولَ إذَا لَمْ يُشْرَعْ السَّلَامُ فَكَيْفَ يَجِبُ الرَّدُّ وَقَدْ قَالَ الْجُرْجَانِيُّ إنْ قُلْنَا يُكْرَهُ الْكَلَامُ كُرِهَ الرَّدُّ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَوْ قِيلَ إنْ عَلِمَ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهُ السَّلَامُ هُنَا لَمْ يَجِبْ الرَّدُّ وَالْأَوْجَبُ لَمْ يَبْعُدْ

(وَيُسْتَحَبُّ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ) إذَا حَمِدَ اللَّهَ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ رَحِمَك اللَّهُ أَوْ يَرْحَمُك اللَّهُ لِعُمُومِ أَدِلَّتِهِ وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي السِّيَرِ وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ كَسَائِرِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ قَهْرِيٌّ، وَهُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ

(وَيَنْبَغِي) أَيْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
الْمُوَالَاةَ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تُؤَدَّى بِطَهَارَتَيْنِ كَالصَّلَاةِ (قَوْلُهُ قَالَ وَأَغْرَبَ مَنْ شَرَطَ ذَلِكَ) قَالَ صَاحِبُ التَّعْجِيزِ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ الْمَشْهُورُ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ وَالْمُوَالَاةُ) حَدُّ الْمُوَالَاةِ مَا حُدَّ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ.
(قَوْلُهُ وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ) لَوْ شَكَّ الْخَطِيبُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ فَرَائِضِهِمَا قَالَ الرُّويَانِيُّ لَيْسَ لَهُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ إعَادَةُ خُطْبَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا كَانَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ فَرْضًا وَاحِدًا وَلَمْ يُعْلَمْ عَيْنُهُ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ أَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا كَالشَّكِّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ فَيَكُونُ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ عَلَى قَوْلِنَا أَنَّهُمَا أَصْلَانِ (قَوْلُهُ بِالِاتِّفَاقِ) تَبِعَ فِي هَذَا الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ، وَهُوَ جَوَابُ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ إسْمَاعُ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْإِمَامَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ (قَوْلُهُ بِأَنْ يَسْمَعَ أَرْبَعُونَ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ أَصَمَّ وَعِبَارَةُ الطِّرَازِ إسْمَاعُ مَا يَجِبُ لِأَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ فَتِسْعَةً وَثَلَاثِينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَصَمَّ (قَوْلُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَهُوَ بَعِيدٌ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ بَلْ لَا مَعْنَى لَهُ) فَإِنَّهُ يُعْلَمُ مَا يَقُولُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ وَلَا مَعْنَى لِأَمْرِهِ بِالْإِنْصَاتِ لِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ بَلْ الْوَجْهُ الْجَوَازُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (فَرْعٌ) وَإِذَا ارْتَجَّ فِي الْخُطْبَةِ لَا يُلَقَّنُ مَا دَامَ يُرَدِّدُ فَإِذَا سَكَتَ يُلَقَّنُ (قَوْلُهُ وَأَنْ يَنْصِتُوا وَيَسْتَمِعُوا) مُقْتَضَاهُ أَنَّ السَّمَاعَ الْمُحَقَّقَ لَا يُشْتَرَطُ وَإِلَّا كَانَ الْإِنْصَاتُ وَاجِبًا فَيُكْتَفَى بِالصَّوْتِ وَإِمْكَانِ السَّمَاعِ (قَوْلُهُ لِلْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى جَوَازِهِ) ؛ وَلِأَنَّهَا قُرْبَةٌ لَا يُفْسِدُهَا الْكَلَامُ فَلَمْ يَحْرُمْ فِيهَا كَالطَّوَافِ

(1/258)


يَجِبُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيَّ (تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ) عَلَى مَنْ كَانَ فِيهَا (عِنْدَ قِيَامِ الْخَطِيبِ) أَيْ صُعُودِهِ الْمِنْبَرَ وَجُلُوسِهِ (وَلَا تُبَاحُ) لِغَيْرِ الْخَطِيبِ مِنْ الْحَاضِرِينَ (نَافِلَةٌ بَعْدَ صُعُودِهِ) الْمِنْبَرَ (وَجُلُوسِهِ) وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْخُطْبَةَ لِإِعْرَاضِهِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَنَقَلَ فِيهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ خُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَلَامِ حَيْثُ لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ صَعِدَ الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ مَا لَمْ يَبْتَدِئْ الْخُطْبَةَ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَيْثُ تَحْرُمُ حِينَئِذٍ أَنَّ قَطْعَ الْكَلَامِ هَيِّنٌ مَتَى ابْتَدَأَ الْخَطِيبُ الْخُطْبَةَ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ قَدْ يَفُوتُهُ بِهَا سَمَاعُ أَوَّلِ الْخُطْبَةِ وَإِذَا حَرُمَتْ فَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ عَدَمُ انْعِقَادِهَا؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَيْسَ لَهَا وَكَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ الْمَكْرُوهَةِ بَلْ أَوْلَى لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا هُنَا كَمَا مَرَّ بِخِلَافِهَا ثُمَّ وَلِتَفْصِيلِهِمْ ثُمَّ بَيَّنَ ذَاتَ السَّبَبِ وَغَيْرَهَا بِخِلَافِ مَا هُنَا بَلْ إطْلَاقُهُمْ وَمَنْعُهُمْ مِنْ الرَّاتِبَةِ مَعَ قِيَامِ سَبَبِهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ هُنَا فَرْضًا لَا يَأْتِي بِهِ وَأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَهُوَ الْمُتَّجَهُ وَتَعْبِيرُ جَمَاعَةٍ بِالنَّافِلَةِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَتَعْلِيلُ الْجُرْجَانِيِّ اسْتِحْبَابُ التَّحِيَّةِ بِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ فَلَمْ تَمْنَعْهَا الْخُطْبَةُ كَالْقَضَاءِ مَحْمُولٌ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ جُلُوسِهِ كَمَا فِي التَّحِيَّةِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَجُلُوسُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ

(وَالدَّاخِلُ) لِلْمَسْجِدِ وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ (لَا فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ يُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ) نَدْبًا (مُخَفَّفَةً) وُجُوبًا لِمَا مَرَّ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ مَعَ خَبَرِ مُسْلِمٍ «جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فَجَلَسَ فَقَالَ يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ثُمَّ قَالَ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» هَذَا (إنْ صَلَّى السُّنَّةَ) أَيْ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ (وَإِلَّا صَلَّاهَا كَذَلِكَ) أَيْ مُخَفَّفَةً وَحَصَلَتْ التَّحِيَّةُ وَلَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ أَمَّا إذَا دَخَلَ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ فَلَا يُصَلِّي لِئَلَّا يَفُوتَهُ أَوَّلُ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى تَفْصِيلٍ ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ صَلَّاهَا فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ يُصَلِّ التَّحِيَّةَ بَلْ يَقِفُ حَتَّى تُقَامَ الصَّلَاةُ وَلَا يَعْقِدَ لِئَلَّا يَكُونَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ التَّحِيَّةِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَلَوْ صَلَّاهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ اُسْتُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي كَلَامِ الْخُطْبَةِ بِقَدْرِ مَا يُكْمِلُهَا وَمَا قَالَهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْإِمَامُ ذَلِكَ كَرِهْته لَهُ فَإِنْ صَلَّاهَا وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالْمُرَادُ بِالتَّخْفِيفِ فِيمَا ذُكِرَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ لَا الْإِسْرَاعُ قَالَ وَيَدُلُّ لَهُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وَأَرَادَ الْوُضُوءَ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَاجِبَاتِ

(فَرْعٌ يُسْتَحَبُّ تَرْتِيبُ) أَرْكَانِ (الْخُطْبَةِ) بِأَنْ يَبْدَأَ بِالْحَمْدِ ثُمَّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الْوَصِيَّةِ ثُمَّ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ الدُّعَاءِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ النَّاسُ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِهِ (وَتَجِبُ نِيَّةُ) الْخُطْبَةِ وَ (فَرْضِيَّتُهَا) كَمَا فِي الصَّلَاةِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فَرْضٌ تُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَالسَّتْرُ وَالْمُوَالَاةُ كَذَا فِي الْأَصْلِ عَنْ الْقَاضِي وَبِهِ جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ وَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ: إنَّهُ ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَكِنَّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّ ذَلِكَ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي فَتَاوِيهِ وَلَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي الْخُطَبِ؛ لِأَنَّهَا أَذْكَارٌ وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ وَدُعَاءٌ وَقِرَاءَةٌ وَلَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَازٌ بِصُورَتِهِ مُنْصَرِفٌ إلَى اللَّهِ بِحَقِيقَتِهِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ تَصْرِفُهُ إلَيْهِ. اهـ.

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ) الْخُطْبَةُ (عَلَى مِنْبَرٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَنْ يَكُونَ الْمِنْبَرُ (عَلَى يَمِينِ الْمِحْرَابِ) وَالْمُرَادُ بِهِ يَمِينُ مُصَلَّى الْإِمَامِ قَالَ الرَّافِعِيُّ هَكَذَا وَضْعُ مِنْبَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى وَكَانَ يَخْطُبُ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى الْأَرْضِ وَعَنْ يَسَارِهِ جِذْعُ نَخْلَةٍ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْبَرٌ (فَعَلَى مُرْتَفِعٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ فَإِنْ تَعَذَّرَ اسْتَنَدَ إلَى خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْطُبُ إلَى جِذْعٍ قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَ الْمِنْبَرَ وَكَانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْع سَلَّمَ دَاخِلٌ عَلَى مُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ وَالْخَطِيبُ يَخْطُبُ]
قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيَّ) صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ (قَوْلُهُ بَعْدَ صُعُودِهِ وَجُلُوسِهِ) أَيْ الْخَطِيبِ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ قَدْ يَفُوتُ بِهَا سَمَاعُ أَوَّلِ الْخُطْبَةِ) وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ أَمِنَ فَوَاتَ ذَلِكَ لَمْ تَحْرُمْ الصَّلَاةُ ش قَالَ شَيْخُنَا لَكِنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ (قَوْلُهُ فَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ بَلْ إطْلَاقُهُمْ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِلتِّلَاوَةِ وَلَا لِلشُّكْرِ وَبِهِ أَفْتَيْت (قَوْلُهُ، وَهُوَ الْمُتَّجَهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَتَعْبِيرُ جَمَاعَةٍ بِالنَّافِلَةِ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ تَخْصِيصُهُمْ النَّافِلَةَ بِالذِّكْرِ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ فِعْلَ الْفَائِتَةِ حِينَئِذٍ وَلَمْ أَرَهُ نَصًّا، وَهُوَ مُتَّجَهٌ فِي الْفَوْرِيَّةِ دُونَ الْمُتَرَاخِيَةِ الْقَضَاءِ نَعَمْ تَحَرِّي الْقَضَاءِ فِي هَذَا الْوَقْتِ يُتَّجَهُ تَحْرِيمُهُ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْهُ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَافِي الْجُرْجَانِيِّ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ صَلَّى التَّحِيَّةَ وَخَفَّفَهَا لِحَدِيثِ سُلَيْكٍ؛ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَهَا سَبَبٌ فَلَمْ تَمْنَعْ الْخُطْبَةَ مِنْهَا كَالْقَضَاءِ. اهـ. وَفِي إطْلَاقِهِ نَظَرٌ. اهـ. وَكَلَامُ الْجُرْجَانِيِّ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ جُلُوسِهِ -

(قَوْلُهُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ إلَخْ) فَلَا يُصَلِّيهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ تَسْلِيمَتَيْنِ وَعِبَارَةُ التَّنْبِيهِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ وَلَفْظَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِالتَّخْفِيفِ فِيمَا ذُكِرَ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ وَاضِحٌ

[فَرْعٌ تَرْتِيبُ أَرْكَانِ خُطْبَة الْجُمُعَة]
(قَوْلُهُ لَكِنَّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ يُشِيرُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ عَلَى يَمِينِ الْمِحْرَابِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْمُرَادُ مِنْ يَمِينِ الْمِحْرَابِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ إذَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَالَ فِي الْخَادِمِ قَوْلُهُ يَمِينُ الْمِحْرَابِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ، وَهِيَ عِبَارَةٌ غَيْرُ مُخْلَصَةٍ بَلْ تَقْتَضِي عَكْسَ الْمُرَادِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ قَابَلْته يَمِينُك يَسَارٌ لَهُ وَيَسَارُك يَمِينٌ لَهُ وَلِهَذَا احْتَاجَ الرَّافِعِيُّ إلَى تَأْوِيلِهَا بِقَوْلِهِ وَالْمُرَادُ إلَخْ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُلَائِمُ يَسَارَ الْمِحْرَابِ لَا يَمِينَهُ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الصَّيْمَرِيُّ وَالدَّارِمِيُّ فَقَالَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمِنْبَرُ عَلَى يَمِينِ الْمُصَلِّي عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ. اهـ.

(1/259)


مِنْبَرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ دَرَجٍ» غَيْرِ الدَّرَجَةِ الَّتِي تُسَمَّى الْمُسْتَرَاحَ وَكَانَ يَقِفُ عَلَى الثَّالِثَةِ فَيَنْدُبُ كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا سَيَأْتِي أَنَّهُ يَقِفُ عَلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي الْمُسْتَرَاحَ نَعَمْ إنْ طَالَ الْمِنْبَرُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فَعَلَى السَّابِعَةِ أَيْ؛ لِأَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ زَادَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ الْأَوَّلِ سِتَّ دُرَجٍ فَصَارَ عَدَدُ دَرَجِهِ تِسْعَةً فَكَانَ الْخُلَفَاءُ يَقِفُونَ عَلَى الدَّرَجَةِ السَّابِعَةِ، وَهِيَ الْأُولَى مِنْ الْأَوَّلِ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقِبْلَةِ قَدْرُ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ (وَيُكْرَهُ) مِنْبَرٌ (كَبِيرٌ يُضَيِّقُ) عَلَى الْمُصَلِّينَ

(وَ) يُسْتَحَبُّ (لِلْخَطِيبِ أَنْ يُسَلِّمَ عِنْدَ وُصُولِهِ الْمِنْبَرَ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَلِمُفَارَقَتِهِ إيَّاهُمْ وَعِنْدَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ عَلَى الْحَاضِرِينَ لِإِقْبَالِهِ عَلَيْهِمْ (وَ) يُسْتَحَبُّ لَهُ (بَعْدَ وُصُولِهِ الدَّرَجَةَ) الَّتِي (تَحْتَ الْمُسْتَرَاحِ) أَنْ (يُقْبِلَ عَلَى النَّاسِ) بِوَجْهِهِ (وَيُسَلِّمَ) عَلَيْهِمْ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيَّ فِي أَحْكَامِهِ وَلِإِقْبَالِهِ عَلَيْهِمْ (ثُمَّ يَجْلِسَ) عَلَى الْمُسْتَرَاحِ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ تَعَبِ الصُّعُودِ (حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ) بَيْنَ يَدَيْهِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي الْبُخَارِيِّ كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ أَمَرَهُمْ بِأَذَانٍ آخَرَ عَلَى الزَّوْرَاءِ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا وَقَالَ عَطَاءٌ إنَّمَا أَحْدَثَهُ مُعَاوِيَةُ قَالَ فِي الْأُمِّ وَأَيُّهُمَا كَانَ فَالْأَمْرُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَبُّ إلَيَّ وَعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ تُصَلَّى سُنَّةُ الْجُمُعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَأَنْ تُصَلَّى قَبْلَ الْأَذَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ (وَنُدِبَ اتِّخَاذُهُ) أَيْ الْمُؤَذِّنِ وَنَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَيْهِ وَعَلَى كَرَاهَةِ التَّأْذِينِ جَمَاعَةٌ

(وَ) نُدِبَ أَنْ (يَخْطُبَ خُطْبَةً بَلِيغَةً) لَا مُبْتَذَلَةً رَكِيكَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي الْقُلُوبِ (قَرِيبَةً مِنْ الْأَفْهَامِ) لَا غَرِيبَةً وَحْشِيَّةً إذْ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (مُتَوَسِّطَةً) بَيْنَ الطَّوِيلَةِ وَالْقَصِيرَةِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا» وَلَا يُعَارِضُهُ خَبَرُهُ أَيْضًا طُولُ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقَصْرُ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ أَيْ عَلَامَةً عَلَيْهِ فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصَرُوا الْخُطْبَةَ؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ وَالطُّولَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ فَالْمُرَادُ بِإِقْصَارِ الْخُطْبَةِ إقْصَارُهَا عَنْ الصَّلَاةِ وَبِإِطَالَةِ الصَّلَاةِ إطَالَتُهَا عَلَى الْخُطْبَةِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قِيلَ أَنَّ إقْصَارَ الْخُطْبَةِ يُشْكَلُ بِقَوْلِهِمْ يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى قِ (مُقْبِلًا عَلَى النَّاسِ) بِوَجْهِهِ فِي خُطْبَتِهِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيَّ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ مَعَ اسْتِقْبَالِهِمْ لَهَا قَبُحَ ذَلِكَ وَخَرَجَ عَنْ عُرْفِ الْمُخَاطَبَاتِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ مَعَ اسْتِدْبَارِهِمْ لَهَا لَزِمَ اسْتِدْبَارُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ لَهَا وَاسْتِدْبَارُ وَاحِدٍ أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ وَيُنْدَبُ رَفْعُ صَوْتِهِ زِيَادَةً عَلَى الْوَاجِبِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ (وَلَا يُلْتَفَتُ) فِي شَيْءٍ مِنْهَا بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ إلَى فَرَاغِهَا (وَلَا يَعْبَثُ) بَلْ يَخْشَعُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ (وَلَا يُشِيرُ بِيَدِهِ) هَذَا زَادَهُ هُنَا مَعَ أَنَّهُ سَيَأْتِي بِزِيَادَةٍ (فَلَوْ اسْتَقْبَلَ) هُوَ (أَوْ اسْتَدْبَرُوا) أَيْ الْحَاضِرُونَ الْقِبْلَةَ (أَجْزَأَ) كَمَا فِي الْأَذَانِ (وَكُرِهَ) مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ (قَدْرَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ) تَقْرِيبًا لِاتِّبَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ وَيَقْرَأُ فِيهِ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ

(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَعْتَمِدَ سَيْفًا أَوْ عَصًا) أَوْ قَوْسًا أَوْ نَحْوَهَا (بِيَدِهِ الْيُسْرَى) لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ مُتَوَكِّئًا عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا» وَحِكْمَتُهُ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ قَامَ بِالسِّلَاحِ وَلِهَذَا قَبَضَهُ بِالْيُسْرَى كَعَادَةِ مَنْ يُرِيدُ الْجِهَادَ بِهِ (وَيَشْغَلُ الْأُخْرَى) أَيْ الْيُمْنَى (بِحَرْفِ الْمِنْبَرِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (سَكَنَ يَدَيْهِ خَاشِعًا) بِأَنْ يَجْعَلَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى أَوْ يُرْسِلُهُمَا وَالْغَرَضُ أَنْ يَخْشَعَ وَلَا يَعْبَثَ بِهِمَا كَمَا مَرَّ فَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَشْغَلَ الْيُمْنَى بِحَرْفِ الْمِنْبَرِ وَيُرْسِلَ الْأُخْرَى لَمْ يَبْعُدْ (وَيُكْرَهُ لَهُ وَلَهُمْ الشُّرْبُ) لِئَلَّا يَشْتَغِلَ فِكْرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ (إلَّا لِشِدَّةِ عَطَشٍ) فَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ وَالتَّقْيِيدُ بِالشِّدَّةِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ (وَبَعْدَ الْفَرَاغِ) مِنْ الْخُطْبَةِ (يَأْخُذُ فِي النُّزُولِ وَالْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ وَيُبَادِرُ لِيَبْلُغَ الْمِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِهِ) مِنْ الْإِقَامَةِ فَيَشْرَعَ فِي الصَّلَاةِ كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيقِ الْمُوَالَاةِ وَتَخْفِيفًا عَلَى الْحَاضِرِينَ (وَيُكْرَهُ) فِي الْخُطْبَةِ (مَا ابْتَدَعَهُ الْخُطَبَاءُ) الْجَهَلَةُ (مِنْ الْإِشَارَةِ بِالْيَدِ) أَوْ غَيْرِهَا (وَ) مِنْ (الِالْتِفَاتِ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ وَ) مِنْ (دَقِّ الدَّرَجِ فِي صُعُودِهِ) الْمِنْبَرَ بِسَيْفٍ أَوْ بِرِجْلِهِ أَوْ نَحْوِهِمَا (وَالدُّعَاءِ) إذَا انْتَهَى صُعُودُهُ (قَبْلَ الْجُلُوسِ لِلْأَذَانِ) وَرُبَّمَا تَوَهَّمُوا أَنَّهَا سَاعَةُ الْإِجَابَةِ، وَهُوَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ) وَيُلْتَفَتُ عَلَى يَمِينِهِ (قَوْلُهُ وَأَنْ تُصَلِّيَ قَبْلَ الْأَذَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ مُتَوَسِّطَةٌ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَحَسَنٌ أَنْ يَخْتَلِفَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَأَزْمَانِ الْأَسْبَابِ وَقَدْ يَقْتَضِي الْحَالُ الْإِسْهَابَ كَالْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ إذَا طَرَقَ الْعَدُوُّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى الْبِلَادَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْخُمُورِ وَالْفَوَاحِشِ وَالزِّنَا وَالظُّلْمِ إذَا تَتَابَعَ النَّاسُ فِيهَا وَحَسُنَ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ وَيَقْصِدُ إيرَادَ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ وَاخْتِيَارَ اللَّفْظِ الْفَصِيحِ وَلَا يُطِيلُ إطَالَةً تُمِلُّ وَلَا يُقَصِّرُ تَقْصِيرًا يُخِلُّ

(1/260)


جَهْلٌ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهَا بَعْدَ جُلُوسِهِ وَأَغْرَبَ الْبَيْضَاوِيُّ فَقَالَ يَقِفُ فِي كُلِّ مِرْقَاةٍ وَقْفَةً خَفِيفَةً يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا الْمَعُونَةَ وَالتَّسْدِيدَ (وَمُبَالَغَةُ الْإِسْرَاعِ فِي) الْخُطْبَةِ (الثَّانِيَةِ) وَخَفْضُ الصَّوْتِ بِهَا (وَالْمُجَازَفَةُ فِي وَصْفِ الْخُلَفَاءِ) أَيْ السَّلَاطِينِ فِي الدُّعَاءِ لَهُمْ قَالَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرُهُ وَيُكْرَهُ الدُّعَاءُ لِلسُّلْطَانِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ لِأَحَدٍ بِعَيْنِهِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَرِهْته قَالَ النَّوَوِيُّ (وَ) الْمُخْتَارُ أَنَّهُ (لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ) إذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُجَازَفَةٌ فِي وَصْفِهِ إذْ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بِصَلَاحِ وُلَاةِ الْأُمُورِ

(وَيُكْرَهُ الِاحْتِبَاءُ) ، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ ظَهْرَهُ وَسَاقَيْهِ بِثَوْبِهِ أَوْ يَدَيْهِ أَوْ غَيْرِهِمَا (وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ يَجْلِبُ النَّوْمَ فَيُعَرِّضُ طَهَارَتَهُ لِلنَّقْضِ وَيَمْنَعُهُ الِاسْتِمَاعَ (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّيَامُنُ فِي الْمِنْبَرِ الْوَاسِعِ وَأَنْ يَخْتِمَ الْخُطْبَةَ) الثَّانِيَةَ (بِقَوْلِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ) فِيهَا (اُسْتُؤْنِفَتْ) وُجُوبًا، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بَعْدَ نَقْلِهِ كَالرَّافِعِيِّ عَنْ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ إنَّ فِي بِنَاءِ غَيْرِهِ عَلَى خُطْبَتِهِ الْقَوْلَيْنِ فِي الِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاةِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ بِنَاءِ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ؛ لِأَنَّهُ صَحَّحَ كَغَيْرِهِ جَوَازَ الِاسْتِخْلَافِ فِيهَا بِالْحَدَثِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ بِالْإِغْمَاءِ وَكَوْنِهِ بِغَيْرِهِ وَقِيَاسُهَا بِالصَّلَاةِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْأَذَانِ بِجَامِعِ أُمُورٍ تَقَدَّمَتْ مَعَ أَنَّهَا تُفَارِقُ الْأَذَانَ بِأَنَّهَا لِلْحَاضِرِينَ فَلَا لَبْسَ وَالْأَذَانُ لِلْغَائِبِينَ فَيَحْصُلُ لَهُمْ اللَّبْسُ بِاخْتِلَافِ الْأَصْوَاتِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَذَكَرَ صَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ إذَا وَصَلَ الْمِنْبَرَ أَنْ يُصَلِّيَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ يَصْعَدَهُ، وَهُوَ غَرِيبٌ مَرْدُودٌ فَإِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَنْقُولِ عَنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ بَلْ الْمَوْجُودُ لِأَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الِاسْتِحْبَابُ وَنَقَلَ الْقَمُولِيُّ عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا لَمَّا وُلِّيَ الْخَطَابَةَ بِمِصْرَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ حَالَ الْخُطْبَةِ لَا يُعَرِّجُ عَلَى غَيْرِهَا قَالَ وَقَدْ سَأَلَ الْإِسْنَوِيُّ قَاضِي حُمَاةَ عَنْ هَذِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِلْخُطْبَةِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمِنْبَرَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْوَقْتِ أَوْ لِانْتِظَارِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ صَلَّى التَّحِيَّةَ وَإِلَّا فَلَا يُصَلِّيهَا وَيَكُونُ اشْتِغَالُهُ بِالْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ يَقُومُ مَقَامَ التَّحِيَّةِ كَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا طَوَافُ الْقُدُومِ فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ قَالَ، وَهُوَ جَوَابٌ حَسَنٌ وَالْعَجَبُ مِنْ إهْمَالِ الْإِسْنَوِيِّ لَهُ هُنَا. اهـ. وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ النَّوَوِيِّ قَوْلُ الْمُتَوَلِّي يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ لَا يَحْضُرَ الْجَامِعَ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِيَشْرَعَ فِي الْخُطْبَةِ أَوَّلَ وُصُولِهِ الْمِنْبَرَ فَإِذَا وَصَلَهُ صَعِدَ وَلَا يُصَلِّي التَّحِيَّةَ وَتَسْقُطُ عَنْهُ بِالِاشْتِغَالِ بِالْخُطْبَةِ كَمَا تَسْقُطُ بِالِاشْتِغَالِ بِطَوَافِ الْقُدُومِ (فَائِدَةٌ) قَالَ الْقَمُولِيُّ مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ كَتْبُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ الْأَوْرَاقَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا حَفَائِظَ فِي آخِرِ جُمُعَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الِاسْتِمَاعِ وَالِاتِّعَاظِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ الْأَوْقَاتِ وَكِتَابَةُ كَلَامٍ لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ، وَهُوَ كعسلهون وَقَدْ يَكُونُ دَالًّا عَلَى مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ

(الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ) (وَلِوُجُوبِهَا خَمْسَةُ شُرُوطٍ) الْأَوَّلُ وَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِهَا (التَّكْلِيفُ فَتَلْزَمُ السَّكْرَانَ) الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ جَرَى تَبَعًا لِلْإِسْنَوِيِّ عَلَى أَنَّهُ مُكَلَّفٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ هُنَا وَنَقَلَهُ فِي الطَّلَاقِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ لِانْتِفَاءِ الْفَهْمِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ، وَإِنَّمَا صَحَّ عَقْدُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَالْمُجَازَفَةُ فِي وَصْفِ الْخُلَفَاءِ) قَالَ فِي الْعُبَابِ وَقَدْ يَحْرُمُ (قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ إلَخْ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ تَرْكُهُ فِي زَمَانِنَا يُفْضِي إلَى ضَرَرٍ وَفَسَادٍ فَيُسْتَحَبُّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ لَا؛ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ فِي نَفْسِهِ، وَهَذَا حَسَنٌ ع قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ التَّرَضِّي عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْهُودِ فِي زَمَانِنَا بِدْعَةٌ غَيْرُ مَحْبُوبَةٍ وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ اسْتِحْبَابَهُ حَيْثُ كَانَ فِي بَلَدِ الْخُطْبَةِ مُبْتَدَعٌ لَا يُحِبُّ الصَّحَابَةَ إذَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إلَى فِتْنَةٍ

(قَوْلُهُ وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ بِالْإِغْمَاءِ إلَخْ) قَدَّمْت الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ وَيُؤَيِّدُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ قَوْلَ الْمُتَوَلِّي إلَخْ) النَّوَوِيُّ إنَّمَا أَنْكَرَ اسْتِحْبَابَ فِعْلِ الْإِمَامِ التَّحِيَّةَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَلَمْ يُنْكِرْ اسْتِحْبَابَهَا لِلْإِمَامِ عِنْدَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَا قَالَهُ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ نَقْلًا وَبَحْثًا أَمَّا بَحْثًا؛ فَلِأَنَّ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ تُسْتَحَبُّ لَهُ التَّحِيَّةُ وَقِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ أَيْضًا، وَأَمَّا نَقْلًا؛ فَلِأَنَّ الْمَوْجُودَ لِأَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ هُوَ اسْتِحْبَابُهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَصَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ وَالْبَيَانِ وَالْعُدَّةِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ هَذِهِ النُّقُولِ إذَا حَضَرَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ يُصَلِّيَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَقَالَ الْبَارِزِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ الْخَطِيبُ الْمَسْجِدَ لِلْخُطْبَةِ فَإِنْ لَمْ يَصْعَدْ الْمِنْبَرَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْوَقْتِ أَوْ لِانْتِظَارِهِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ صَلَّى التَّحِيَّةَ وَإِنْ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَقْتَ وُصُولِهِ إلَيْهِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ لَا يُصَلِّي التَّحِيَّةَ وَيَكُونُ اشْتِغَالُهُ بِالْخُطْبَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ يَقُومُ مَقَامَ التَّحِيَّةِ كَمَا يَقُومُ طَوَافُ الْقُدُومِ مَقَامَ التَّحِيَّةِ فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ السُّنَّةُ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي التَّوَسُّطِ، وَهُوَ جَوَازٌ حَسَنٌ (قَوْلُهُ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ) قَالَ النَّاشِرِيُّ وَوُجِدَ بِخَطِّ الْفَقِيهِ الْإِمَامِ الْمُحَدِّثِ إبْرَاهِيمَ الْعَلَوِيِّ وَقَفْت عَلَى مَا مِثَالُهُ عَلَى نُسْخَةٍ تُنْسَبُ إلَى الْفَقِيهِ مُحَمَّدٍ الصَّفِّيِّ مَا هُوَ ذَا أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ يُكْتَبُ فِي آخِرِ جُمُعَةٍ مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْأَثَرِ لَا آلَاءَ إلَّا آلَاؤُك يَا اللَّهُ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ مُحِيطٌ بِهِ عِلْمُك كعسلهون وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ مَا كَانَ فِي بَيْتٍ فَاحْتَرَقَ وَوَلَا فِي مَرْكَبٍ فَغَرِقَ وَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ شَيْخِي الْإِمَامَ شِهَابَ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْخَيْرِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ فَذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّرْغِيبِ أَقُولُ هَذَا الْأَثَرُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْكُتُبَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ

[الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ) (قَوْلُهُ جَرَى تَبَعًا لِلْإِسْنَوِيِّ) أَيْ وَغَيْرِهِ

(1/261)


رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ الَّذِي هُوَ خِطَابُ الْوَضْعِ فَلَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ كَغَيْرِهَا وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَيَقْضِيهَا) وُجُوبًا بَعْدَ زَوَالِ سُكْرِهِ كَغَيْرِهَا (ظُهْرًا) فَمَنْ عَبَّرَ كَالنَّوَوِيِّ فِي مَجْمُوعِهِ هُنَا بِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُرَادُهُ وُجُوبُ انْعِقَادِ سَبَبٍ (دُونَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ) وَنَحْوِهِ كَصَبِيٍّ فَلَا تَلْزَمُهُمَا الْجُمُعَةُ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ وَلِمَا مَرَّ قُبَيْلَ الْبَابِ السَّابِقِ (وَ) الثَّانِي (الْحُرِّيَّةُ فَلَا تَلْزَمُ مَنْ فِيهِ رِقٌّ، وَإِنْ كُوتِبَ) أَوْ كَانَ مُبَعَّضًا، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي نُبُوَّتِهِ حَيْثُ تَكُونُ مُهَايَأَةً لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد السَّابِقِ فِي الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ آنِفًا وَلِاشْتِغَالِهِ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ فَأَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ لِحَقِّ الْغَرِيمِ (وَ) الثَّالِثُ (الذُّكُورَةُ فَلَا تَلْزَمُ الْخُنْثَى) وَلَا الْأُنْثَى لِلْخَبَرِ السَّابِقِ فِي الْأُنْثَى وَقِيَاسًا عَلَيْهَا فِي الْخُنْثَى وَلِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ أُنْثَى فَلَا تَلْزَمُهُ بِالشَّكِّ.
(وَ) الرَّابِعُ (الْإِقَامَةُ فَلَا تَلْزَمُ مُسَافِرًا) سَفَرًا مُبَاحًا وَلَوْ قَصِيرًا لِاشْتِغَالِهِ بِالسَّفَرِ وَأَسْبَابِهِ نَعَمْ إنْ خَرَجَ إلَى قَرْيَةٍ يَبْلُغُ أَهْلَهَا نِدَاءُ بَلْدَتِهِ لَزِمَتْهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مَسَافَةٌ يَجِبُ قَطْعُهَا لِلْجُمُعَةِ فَلَا يُعَدُّ سَفَرًا مُسْقِطًا لَهَا كَمَا لَوْ كَانَ بِالْبَلْدَةِ وَدَارُهُ بَعِيدَةٌ عَنْ الْجَامِعِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ فَمَحَلُّ عَدَمِ لُزُومِهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ (لَكِنْ تُسْتَحَبُّ لَهُ وَلِلْعَبْدِ) بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَلِلْعَجُوزِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا وَلِلْخُنْثَى (وَالصَّبِيِّ) إنْ أَمْكَنَ (وَ) الْخَامِسُ (الصِّحَّةُ وَنَحْوُهَا) مِنْ الْخُلُوِّ مِنْ الْأَعْذَارِ الْآتِيَةِ (فَلَا تَلْزَمُ مَرِيضًا) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ (وَ) لَا (ذَا عُذْرٍ يُلْحَقُ بِهِ) أَيْ بِالْمَرَضِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْمَرِيضِ (إلَّا إنْ حَضَرُوا) أَيْ ذَوُو الْأَعْذَارِ مِنْ الْمَرِيضِ وَنَحْوِهِ (فِي الْوَقْتِ وَلَمْ يَتَضَرَّرُوا) بِأَنْ لَمْ يَزِدْ مَرَضُهُمْ (بِالِانْتِظَارِ) فَتَلْزَمُهُمْ فَلَا يَجُوزُ انْصِرَافُهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ فِي حَقِّهِمْ مَشَقَّةُ الْحُضُورِ فَإِذَا تَحَمَّلُوهَا وَحَضَرُوا فَقَدْ ارْتَفَعَ الْمَانِعُ وَتَعَبُ الْعَوْدِ لَا بُدَّ مِنْهُ سَوَاءٌ أَصَلَّوْا الْجُمُعَةَ أَمْ الظُّهْرَ (فَإِنْ تَضَرَّرُوا) بِالِانْتِظَارِ أَوْ لَمْ يَتَضَرَّرُوا لَكِنْ حَضَرُوا قَبْلَ الْوَقْتِ (فَلَهُمْ الِانْصِرَافُ) وَبَحَثَ السُّبْكِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ عَدَمَ جَوَازِ انْصِرَافِهِمْ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا يَجِبُ السَّعْيُ فِيهَا عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِينَ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَعْذُورَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْجُمُعَةُ وَإِنَّمَا حَضَرَ مُتَبَرِّعًا فَجَازَ لَهُ الِانْصِرَافُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ فَلَزِمَهُ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ (كَغَيْرِهِمْ) مِنْ عَبْدٍ وَخُنْثَى وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَمُسَافِرٍ فَإِنَّ لَهُمْ الِانْصِرَافَ إذْ الْمَانِعُ مِنْ اللُّزُومِ الصِّفَاتُ الْقَائِمَةُ بِهِمْ، وَهِيَ لَا تَرْتَفِعُ بِحُضُورِهِمْ (إلَّا إنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ) فَلَيْسَ لِلْمَعْذُورِينَ الِانْصِرَافُ (فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ) وَنَحْوُهُمَا (وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ) وَالْخُنْثَى (أَجْزَأَتْهُمْ) ؛ لِأَنَّهَا أَكْمَلُ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَتْ أَقْصَرَ فِي الصُّورَةِ (وَحَرُمَ الْخُرُوجُ مِنْهَا) وَلَوْ بِقَلْبِهَا ظُهْرًا لِتَلَبُّسِهِمْ بِالْفَرْضِ

(فَرْعٌ الْأَعْذَارُ الْمُرَخِّصَةُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ) مِمَّا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا فِي الْجُمُعَةِ (مُرَخَّصَةٌ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا ثُمَّ (وَتَلْزَمُ زَمِنًا وَشَيْخًا هَرِمًا) إنْ (وَجَدَا مَرْكُوبًا) وَلَوْ آدَمِيًّا (لَا يُشَقُّ) رُكُوبُهُ (بِمِلْكٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ كَأَعْمَى وَجَدَ قَائِدًا) وَلَوْ مُتَبَرِّعًا أَوْ بِأُجْرَةٍ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَأَطْلَقَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ وَقَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي إنْ كَانَ يُحْسِنُ الْمَشْيَ بِالْعَصَا مِنْ غَيْرِ قَائِدٍ لَزِمَتْهُ وَضَعَّفَهُ الشَّاشِيُّ وَحَمَلَهُ الْعِمْرَانِيُّ عَلَى مَنْ اعْتَادَ الْمَشْيَ إلَى مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ

(فَرْعٌ) إذَا وُجِدَتْ (قَرْيَةٌ فِيهَا أَرْبَعُونَ) كَامِلُونَ (تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ) كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (فَإِنْ صَلَّوْهَا فِي الْمِصْرِ سَقَطَتْ) عَنْهُمْ سَوَاءٌ أَسَمِعُوا النِّدَاءَ مِنْهُ أَمْ لَا (وَأَسَاءُوا) بِذَلِكَ لِتَعْطِيلِهِمْ الْجُمُعَةَ فِي قَرْيَتِهِمْ وَالْمُرَادُ بِالْإِسَاءَةِ هُنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ فِي الْأُنْثَى) وَلِلْمُحَافَظَةِ عَلَى السَّتْرِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَتْ بِالرِّقِّ، وَهُوَ نَقْصٌ يَزُولُ فَالْأَوْلَى أَنْ تَسْقُطَ بِالْأُنُوثَةِ، وَهِيَ نَقْصٌ لَا يَزُولُ (قَوْلُهُ لِاشْتِغَالِهِ بِالسَّفَرِ وَأَسْبَابِهِ) وَلِمَا رَوَاهُ تَمِيمٌ الدَّارِيِّ قَالَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ إلَّا عَلَى خَمْسَةٍ وَعَدَّ مِنْهُمْ الْمُسَافِرَ» أَخْرَجَهُ رَجَاءُ بْنُ الْمَرْجِيِّ فِي سُنَنِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا فِي سَفَرٍ قَطُّ وَلَوْ فَعَلَهَا لَاشْتُهِرَتْ (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَمَحَلُّ عَدَمِ لُزُومِهَا فِي غَيْرِ هَذَا) جَرَى عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا (قَوْلُهُ وَذَا عُذْرٍ مُلْحَقٌ بِهِ) مِنْ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ تَعَطَّلَتْ الْجُمُعَةُ بِتَخَلُّفِهِ أَوْ طَرَأَ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا سَيَأْتِي (فَرْعٌ)
لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْإِعْتَاقِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّيَ خَلْفَ زَيْدٍ ثُمَّ وُلِّيَ زَيْدٌ إمَامَةَ الْجَامِعِ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إلَّا جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ شَيْخُنَا لِمَ لَا يُقَالُ إنَّهُ يَحْضُرُ وَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ شَرْعًا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَنْزِعُ ثَوْبَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَأَجْنَبَ وَتَوَقَّفَ غُسْلُهُ عَلَى نَزْعِهِ وَأَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ يَنْزِعُهُ وَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْجُمُعَةُ لَهَا بَدَلٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ الظُّهْرُ (قَوْلُهُ إلَّا إنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ) نَعَمْ لَوْ أُقِيمَتْ وَكَانَ ثَمَّ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ كَمَنْ بِهِ إسْهَالٌ ظَنَّ انْقِطَاعَهُ فَأَحَسَّ بِهِ وَلَوْ بَعْدَ تَحَرُّمِهِ وَعَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إنْ مَكَثَ سَبَقَهُ فَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ لَهُ الِانْصِرَافَ س وَقَوْلُهُ فَالْمُتَّجَهُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

[فَرْعٌ الْأَعْذَارُ الْمُرَخِّصَةُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَة]
(قَوْلُهُ الْأَعْذَارُ الْمُرَخِّصَةُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ إلَخْ) لَوْ كَانَ بِهِ رِيحٌ كَرِيهٌ وَأَمْكَنَهُ الْوُقُوفُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ غ وَالِاشْتِغَالُ بِتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ عُذْرٌ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى وَصَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الْحَبْسِ أَرْبَعُونَ فَصَاعِدًا كَغَالِبِ الْأَوْقَاتِ فِي حُبُوسِ الْقَاهِرَةِ بِمِصْرَ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهَا فِي الْمَسْجِدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَالتَّعَدُّدُ يَجُوزُ عِنْدَ عُسْرِ الِاجْتِمَاعِ فَعِنْدَ تَعَذُّرِهِ بِالْكُلِّيَّةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَحِينَئِذٍ فَيُتَّجَهُ وُجُوبُ النَّصْبِ عَلَى الْإِمَامِ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ فَهَلْ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْ الْبَلَدِ الَّتِي لَا يَعْسُرُ فِيهَا الِاجْتِمَاعُ إقَامَةً لِلْجُمُعَةِ لَهُمْ؛ لِأَنَّهَا جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ لَهُمْ وَمَشْرُوعَةٌ أَمْ لَا؛ لِأَنَّا إنَّمَا جَوَّزْنَاهَا لَهُمْ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِيهِ ح قَالَ شَيْخُنَا كَلَامُ الْإِسْنَوِيِّ مُعْتَمَدٌ وَلَا يُخَالِفُهُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْفَلَسِ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ رَأَى مَنْعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَبْسِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اقْتِضَاءِ الْمَصْلَحَةِ مَا ذُكِرَ وَهُنَا لَا خُرُوجَ فِيهِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهَا دَاخِلُهُ وَقَوْلُهُ فَيُتَّجَهُ وُجُوبُ النَّصْبِ وَقَوْلُهُ فَهَلْ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِمَا (قَوْلُهُ وَجَدَ مَرْكُوبًا لَا يَشُقُّ) أَيْ مَشَقَّةَ الْمَشْيِ فِي الْوَحْلِ (قَوْلُهُ وَضَعَّفَهُ الشَّاشِيُّ) وَالنَّوَوِيُّ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ لَكِنْ قَوَّاهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ حَمْلًا لِلْإِطْلَاقِ عَلَى الْغَالِبِ وَكَتَبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَخَافُ الضَّرَرَ مَعَ عَدَمِ الْقَائِدِ

[فَرْعٌ إذَا وُجِدَتْ قَرْيَةٌ فِيهَا أَرْبَعُونَ كَامِلُونَ لَزِمَتْهُمْ الْجُمُعَةُ]
(قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِالْإِسَاءَةِ هُنَا

(1/262)


التَّحْرِيمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُفْهِمُهُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْقِصَاصِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ لَفْظَةَ أَسَاءَ لِلتَّحْرِيمِ لَكِنْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِالْجَوَازِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فَقَالَ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلُّوا بِقَرْيَتِهِمْ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: هُمْ بِالْخِيَارِ وَتَحْرِيرُ الْقَوْلِ فِي أَسَاءَ أَنَّهَا إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ بِقَرِينَةٍ (فَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ أَوْ أَهْلَ خِيَامٍ) مَثَلًا (وَنِدَاءُ بَلَدِ الْجُمُعَةِ يَبْلُغُهُمْ لَزِمَتْهُمْ) ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ فَلَا لِخَبَرٍ «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ لَكِنْ ذَكَرَ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ شَاهِدًا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ:.
فَإِنْ حَضَرَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النِّدَاءُ فَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ فِي الْبَلَدِ يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ قَطْعًا (وَالْمُعْتَبَرُ نِدَاءُ صَيِّتٍ) أَيْ عَالِي الصَّوْتِ (يُؤَذِّنُ كَعَادَتِهِ) فِي عُلُوِّ الصَّوْتِ (وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ فِي طَرَفِهَا) أَيْ طَرَفِ الْبَلْدَةِ (الَّذِي يَلِيهِمْ وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ وَالرِّيَاحُ رَاكِدَةٌ) وَاعْتُبِرَ الطَّرَفُ الَّذِي يَلِيهِمْ؛ لِأَنَّ الْبَلْدَةَ قَدْ تَكْبُرُ بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُ أَطْرَافَهَا النِّدَاءُ بِوَسَطِهَا فَاحْتِيطَ لِلْعِبَادَةِ وَاعْتُبِرَ هُدُوءُ الْأَصْوَاتِ وَالرِّيَاحِ لِئَلَّا يَمْنَعَا بُلُوغَ النِّدَاءِ أَوْ تُعِينُ عَلَيْهِ الرِّيَاحُ (لَا عَلَى عَالٍ) أَيْ يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمُؤَذِّنِ عَلَى الْأَرْضِ لَا عَلَى عَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَبْطَ لِحَدِّهِ (إلَّا) أَنْ تَكُونَ الْبَلْدَةُ (فِي أَرْضٍ بَيْنَ أَشْجَارٍ) كَطَبَرِسْتَانَ فَإِنَّهَا بَيْنَ أَشْجَارٍ تَمْنَعُ بُلُوغَ الصَّوْتِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْعُلُوُّ عَلَى مَا يُسَاوِي الْأَشْجَارَ وَقَدْ يُقَالُ الْمُعْتَبَرُ السَّمَاعُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ وَفِي ذَلِكَ مَانِعٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِثْنَائِهِ وَعِبَارَتُهُ أَعَمُّ مِنْ تَقْيِيدِ الْأَصْلِ بِطَبَرِسْتَانَ (وَ) الْمُعْتَبَرُ (أَنْ يَكُونَ الْمُصْغِي) لِلنِّدَاءِ (مُعْتَدِلَ السَّمْعِ فَإِنْ سَمِعَهُ لَزِمَتْهُمْ) وَإِلَّا فَلَا وَخَرَجَ بِالْمُعْتَدِلِ الْأَصَمُّ وَمَنْ جَاوَزَ سَمْعُهُ حَدَّ الْعَادَةِ (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا النِّدَاءَ لِكَوْنِهِمْ فِي وَهْدَةٍ) مِنْ الْأَرْضِ وَلَوْ كَانُوا بِاسْتِوَاءٍ سَمِعُوا (أَوْ سَمِعَهُ الْأَبْعَدُ لِكَوْنِهِمْ عَلَى قُلَّةٍ) مِنْ جَبَلٍ وَلَوْ كَانُوا بِاسْتِوَاءٍ لَمْ يَسْمَعُوا (لَزِمَتْ مَنْ فِي الْوَهْدَةِ فَقَطْ) أَيْ دُونَ مَنْ عَلَى قُلَّةِ الْجَبَلِ اعْتِبَارًا بِتَقْدِيرِ الِاسْتِوَاءِ وَالْخَبَرُ السَّابِقُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ وَلَوْ أُخِذَ بِظَاهِرِهِ لَلَزِمَتْ الْبَعِيدَ الْمُرْتَفِعَ دُونَ الْقَرِيبِ الْمُنْخَفِضِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَإِنْ صَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَقُلَّةُ الْجَبَلِ بِالتَّشْدِيدِ رَأْسُهُ (فَإِنْ سَمِعَ) الْمُعْتَدِلُ النِّدَاءَ (مِنْ بَلَدَيْنِ فَحُضُورُ الْأَكْثَرِ) مِنْهُمَا (جَمَاعَةً أَوْلَى) فَإِنْ اسْتَوَيَا فَيُحْتَمَلُ مُرَاعَاةُ الْأَقْرَبِ كَنَظِيرِهِ فِي الْجَمَاعَةِ وَيُحْتَمَلُ مُرَاعَاةُ الْأَبْعَدِ لِكَثْرَةِ الْأَجْرِ

(وَالْغَرِيبُ الْمُقِيمُ) بِبَلْدَةٍ (إذَا لَمْ يَسْتَوْطِنْ) بِهَا بَلْ عَزْمُهُ الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ يَخْرُجُ بِهَا عَنْ كَوْنِهِ مُسَافِرًا، وَإِنْ طَالَتْ كَالْمُتَفَقِّهِ وَالتَّاجِرِ (لَزِمَتْهُ) الْجُمُعَةُ لِإِقَامَتِهِ مَعَ سَمَاعِهِ النِّدَاءَ (وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ) لِعَدَمِ اسْتِيطَانِهِ كَمَا مَرَّ ذَلِكَ

[فَرْعٌ الْعُذْرُ الطَّارِئُ وَلَوْ بَعْدَ الزَّوَالِ يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ إلَّا السَّفَرُ]
(فَرْعٌ الْعُذْرُ الطَّارِئُ) وَلَوْ (بَعْدَ الزَّوَالِ يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ إلَّا السَّفَرُ فَلَا يُنْشِئُهُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَوْ لِطَاعَةٍ) كَسَفَرِ حَجٍّ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا كَمَا لَا يُنْشِئُهُ مُبَاحًا كَسَفَرِ تِجَارَةٍ أَمَّا بَعْدَ الزَّوَالِ؛ فَلِأَنَّهَا لَزِمَتْهُ فَيَحْرُمُ اشْتِغَالُهُ بِمَا يُفَوِّتُهَا كَالتِّجَارَةِ وَاللَّهْوِ وَلَا يَقْدَحُ كَوْنُ الْوُجُوبِ مُوَسَّعًا إذْ النَّاسُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ فِيهَا فَتَعَيَّنَ انْتِظَارُهُ، وَأَمَّا قَبْلَهُ؛ فَلِأَنَّهَا مُضَافَةٌ إلَى الْيَوْمِ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا بِالزَّوَالِ وَلِهَذَا يُعْتَدُّ بِغُسْلِهَا وَيَلْزَمُ السَّعْيُ بَعِيدَ الدَّارِ قَبْلَهُ نَعَمْ إنْ وَجَبَ السَّفَرُ فَوْرًا كَإِنْقَاذِ نَاحِيَةٍ وَطِئَهَا الْكُفَّارُ أَوْ أَسْرَى اخْتَطَفُوهُمْ وَظُنَّ أَوْ جَوَّزَ إدْرَاكَهُمْ فَالْوَجْهُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَغَيْرِهِ وُجُوبَ السَّفَرِ فَضْلًا عَنْ جَوَازِهِ أَيْ الْمَأْخُوذِ مِنْ قَوْلِهِ كَغَيْرِهِ (فَإِنْ خَشِيَ) مِنْ عَدَمِ سَفَرِهِ (ضَرَرًا كَانْقِطَاعِ الرُّفْقَةِ) أَيْ انْقِطَاعِهِ عَنْهُمْ (أَوْ أَمْكَنَهُ إدْرَاكُهَا) بِمَعْنَى تَمَكَّنَ مِنْ إدْرَاكِهَا (فِي طَرِيقِهِ) أَوْ مَقْصِدِهِ (لَمْ يَحْرُمْ) سَفَرُهُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَا بَعْدَهُ لِخَبَرِ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» فِي الْأَوَّلِ وَلِحُصُولِ الْغَرَضِ فِي الثَّانِي وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ أَنَّ مُجَرَّدَ انْقِطَاعِهِ عَنْ الرُّفْقَةِ بِلَا ضَرَرٍ وَلَيْسَ عُذْرًا قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَحْشَةِ وَكَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ التَّيَمُّمِ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْكِفَايَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ فِي التَّيَمُّمِ بِأَنَّ الطُّهْرَ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ يُفَرَّقُ أَيْضًا بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْوَسَائِلِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَقَاصِدِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَخْشَ ضَرَرًا وَلَا أَمْكَنَهُ إدْرَاكُهَا فِيمَا ذُكِرَ وَسَافَرَ (عَصَى بِسَفَرِهِ) لِتَفْوِيتِهَا بِلَا ضَرَرٍ (وَلَمْ يَتَرَخَّصْ) مَا لَمْ تَفُتْ الْجُمُعَةُ (وَيُحْسَبُ ابْتِدَاءُ سَفَرِهِ مِنْ فَوَاتِهَا) لِانْتِهَاءِ سَبَبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
التَّحْرِيمُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ كَطَبَرِسْتَانَ) ضَبَطَهَا النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ وَالْأَذْرَعِيُّ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْبَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَفَتْحِ السِّينِ (قَوْلُهُ وَأَنْ يَكُونَ الْمُصْغِي مُعْتَدِلَ السَّمْعِ) هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْمَعَ سَمَاعًا يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ أَوْ يَكْتَفِي بِسَمَاعٍ لَا تَمْيِيزَ مَعَهُ نُقِلَ عَنْ أَبِي شُكَيْلٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَمَنِ الْأَوَّلُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِسَمَاعٍ يَعْرِفُ بِهِ أَنَّ مَا سَمِعَهُ نِدَاءُ الْجُمُعَةِ وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ (إنْ) وَلَوْ وَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ عِيدٌ فَحَضَرَ صَلَاتَهُ أَهْلُ قُرًى يَبْلُغُهُمْ النِّدَاءُ فَلَهُمْ الِانْصِرَافُ وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ شَيْخُنَا مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا قَبْلَ انْصِرَافِهِمْ (قَوْلُهُ فَيُحْتَمَلُ مُرَاعَاةُ الْأَقْرَبِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ إلَّا السَّفَرُ فَلَا يُنْشِئُهُ إلَخْ) فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّرَخُّصُ مَا لَمْ تَفُتْ الْجُمُعَةُ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ كَإِنْقَاذِ نَاحِيَةٍ إلَخْ) وَحَجٍّ تَضَيَّقَ وَخَافَ الْفَوْتَ (قَوْلُهُ فَإِنْ خَشِيَ ضَرَرَ الِانْقِطَاعِ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ الرُّفْقَةِ فِي سَفَرِ النُّزْهَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ سَفَرِ الْبَطَّالِينَ وَإِنْ شَمِلَهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيُّ وَقَوْلُهُ الظَّاهِرُ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ بِمَعْنَى تَمَكَّنَ مِنْ إدْرَاكِهَا) إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِمْكَانِ مَا يُقَابِلُ الِاسْتِحَالَةَ بَلْ غَلَبَةُ ظَنِّهِ إدْرَاكُهَا (قَوْلُهُ وَلِحُصُولِ الْغَرَضِ فِي الثَّانِي) نَعَمْ شَرْطُهُ أَنْ لَا تَتَعَطَّلَ جُمُعَةُ بَلَدِهِ بِسَفَرِهِ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ أَيْضًا عِ جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ التَّعْجِيزِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ وَلَوْ سَافَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ جُنُونٌ أَوْ مَوْتٌ فَالظَّاهِرُ سُقُوطُ الْإِثْمِ عَنْهُ كَمَا إذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ أَوْ الْجُنُونُ وَقَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ قَالَ شَيْخُنَا فَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(1/263)


الْمَعْصِيَةِ

(فَرْعٌ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَرْجُو زَوَالَ عُذْرِهِ) قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ (كَالْعَبْدِ) يَرْجُو الْعِتْقَ (وَالْمَرِيضِ) يَرْجُو الْخِفَّةَ (تَأْخِيرُ الظُّهْرِ إلَى أَنْ) يَيْأَسَ مِنْ إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِأَنْ (يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ الثَّانِي) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَزُولُ عُذْرُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَأْتِي بِهَا كَامِلًا وَقِيلَ بِأَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَأُيِّدَ بِمَا سَيَأْتِي فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَصِحَّ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ ثَمَّ لَازِمَةٌ فَلَا تُرْفَعُ إلَّا بِيَقِينٍ بِخِلَافِهَا هُنَا (وَتُصَلِّي) اسْتِحْبَابًا (الْمَرْأَةُ وَ) سَائِرُ (مَنْ لَمْ يُرْجَ زَوَالُ عُذْرِهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ) لِيَحُوزَ فَضِيلَتَهُ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ هَذَا اخْتِيَارُ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ هَذَا كَالْأَوَّلِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ حَتَّى تَفُوتَ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْشَطُ لَهَا؛ وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ الْكَامِلِينَ فَاسْتُحِبَّ تَقْدِيمُهَا قَالَ وَالِاخْتِيَارُ التَّوَسُّطُ فَيُقَالُ إنْ كَانَ جَازِمًا بِأَنَّهُ لَا يَحْضُرُهَا، وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ تَقْدِيمُ الظُّهْرِ وَإِنْ كَانَ لَوْ تَمَكَّنَ أَوْ نَشِطَ حَضَرَهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّأْخِيرُ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ ثُمَّ مَحَلُّ الصَّبْرِ إلَى فَوْتِ الْجُمُعَةِ إذَا لَمْ يُؤَخِّرْهَا الْإِمَامُ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ وَقْتِهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَإِلَّا فَلَا يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ ذَكَرَهُ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ (وَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ) أَيْ لِلْمَعْذُورِينَ (الْجَمَاعَةُ) فِي ظُهْرِهِمْ لِعُمُومِ أَدِلَّتِهَا (وَيُخْفُونَهَا) اسْتِحْبَابًا (إنْ خَفِيَ عُذْرُهُمْ) لِئَلَّا يُتَّهَمُوا بِالرَّغْبَةِ عَنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ الْجُمُعَةِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَيُكْرَهُ لَهُمْ إظْهَارُهَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا أَقَامُوهَا بِالْمَسَاجِدِ فَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا فَلَا يُسْتَحَبُّ الْإِخْفَاءُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ (فَإِنْ صَلَّوْا الظُّهْرَ لِعُذْرٍ أَوْ شَرَعُوا فِيهَا فَزَالَ الْعُذْرُ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ أَجْزَأَتْهُمْ) لِأَدَاءِ فَرْضِ وَقْتِهِمْ فَلَا تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ لِعُذْرٍ؛ لِأَنَّ ضَمِيرَ صَلَّوْا لِلْمَعْذُورِينَ (إلَّا الْخُنْثَى) إذَا بَانَ رَجُلًا فَتَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا حِينَ صَلَاتِهِ (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ) أَيْ لِلْمَعْذُورِينَ غَيْرِ الْخُنْثَى الْمَذْكُورِ (الْجُمُعَةُ) بَعْدَ فِعْلِهِمْ الظُّهْرَ حَيْثُ لَا مَانِعَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ

(فَرْعٌ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ لَا يَصِحُّ ظُهْرُهُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ) مِنْ الْجُمُعَةِ لِتَوَجُّهِ فَرْضِهَا عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهَا الْفَرْضُ الْأَصْلِيُّ وَإِلَّا لَجَازَ تَرْكُ الْبَدَلِ إلَى الْأَصْلِ كَمَا مَرَّ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ فَوَاتُهَا لِجَوَازِ بُطْلَانِهَا (فَإِنْ صَلَّاهَا) أَيْ الظُّهْرَ حِينَئِذٍ (جَاهِلًا) بِذَلِكَ (انْقَلَبَتْ نَفْلًا) كَنَظَائِرِهَا (وَبَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (يَلْزَمُهُ) أَيْ غَيْرَ الْمَعْذُورِ (أَدَاءُ الظُّهْرِ عَلَى الْفَوْرِ) ، وَإِنْ كَانَتْ أَدَاءً (لِعِصْيَانِهِ) بِتَفْوِيتِ الْجُمُعَةِ فَأَشْبَهَ عِصْيَانَهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ وَذَكَرَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ تَفَقُّهًا (وَلَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ الْبَلَدِ فَصَلَّوْا الظُّهْرَ لَمْ تَصِحَّ) لِتَوَجُّهِ فَرْضِهَا عَلَيْهِمْ كَمَا مَرَّ (مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ) عَنْ خُطْبَتَيْنِ وَرَكْعَتَيْنِ وَالْأَصَحُّ لِيَأْسِهِمْ مِنْهَا حِينَئِذٍ

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ بِلَا عُذْرٍ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ لِخَبَرِ «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ قَالَ وَرُوِيَ «فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِرْهَمٍ أَوْ نِصْفِ دِرْهَمٍ أَوْ صَاعِ حِنْطَةٍ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «بِمُدٍّ أَوْ نِصْفِ مُدٍّ» وَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ وَقَوْلُ الْحَاكِمِ أَنَّهُ صَحِيحٌ مَرْدُودٌ

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ]
[مَنْدُوبَات الْجُمُعَةَ]
[الْغُسْل]
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ)
بَعْدَ شُرُوطِهَا (وَهِيَ رَكْعَتَانِ) كَغَيْرِهَا فِي الْأَرْكَانِ (وَتَمْتَازُ) عَنْ غَيْرِهَا (بِأُمُورٍ مَنْدُوبَةٍ الْأَوَّلُ الْغُسْلُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْعٌ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَرْجُو زَوَالَ عُذْرِهِ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ تَأْخِير الظُّهْرِ]
قَوْلُهُ إلَى أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ الثَّانِي) لَوْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَعِيدًا فَانْتَهَى إلَى حَدٍّ لَوْ أَخَذَ فِي السَّعْيِ لَمْ يُدْرِكْ الرُّكُوعَ الثَّانِي حَصَلَ الْفَوَاتُ فِي حَقِّهِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ بِأَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ) وَقِيلَ يُرَاعَى تَصَوُّرُ الْإِدْرَاكِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ فَمَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ وَلَوْ سَعَى لَمْ يُدْرِكْهَا فَهُوَ آيِسٌ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ الْإِمَامُ رَأْسَهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ قَالَ شَيْخُنَا وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ وَالِاخْتِيَارُ التَّوَسُّطُ) أَشَارَ إلَى تَضْعِيفِهِ (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا حِينَ صَلَاتِهِ) لِيَنْظُرَ فِيمَا لَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ قَبْلَ فِعْلِهِ الظُّهْرَ فَفَعَلَهَا جَاهِلًا بِعِتْقِهِ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ أَوْ تَخَلَّفَ لِلْعُرْيِ ثُمَّ بَانَ أَنَّ عِنْدَهُ ثَوْبًا نَسِيَهُ أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ غَرِيمٍ ثُمَّ بَانَتْ غَيْبَتُهُمَا وَمَا أَشْبَهَ هَذَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ غ وَقَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

[فَرْعٌ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ لَا يَصِحُّ ظُهْرُهُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ مِنْ الْجُمُعَةِ]
(قَوْلُهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ تَفَقُّهًا) جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ

[فَرْعٌ تَرَكَ الْجُمُعَةَ بِلَا عُذْرٍ]
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ)
(قَوْلُهُ وَتَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهَا بِأُمُورٍ إلَخْ) رَوَى الْمُنْذِرِيُّ فِي جُزْءٍ جَمَعَهُ فِيمَا جَاءَ فِي غُفْرَانِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الذُّنُوبِ وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ «مَنْ قَرَأَ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْل أَنْ يُثْنِيَ رِجْلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ سَبْعًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَأُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ» وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَفَعَتْهُ «مَنْ قَرَأَ بَعْدَ صَلَاةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعَاذَهُ اللَّهُ بِهَا مِنْ السُّوءِ إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» وَقَالَ الْبَارِزِيُّ فِي كِتَابِهِ فَضَائِلُ الْقُرْآنِ خَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ الْحَسَنِ بِرَفْعِهِ قَالَ «مَنْ قَرَأَ عِنْدَ تَسْلِيمِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ ثَانٍ إحْدَى رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَعْطِفَهَا وَقَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ سَبْعًا وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ سَبْعًا حُفِظَ لَهُ دِينُهُ وَدُنْيَاهُ وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ» وَخَرَّجَ أَبُو عُبَيْدٍ أَيْضًا عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حِينَ يُسَلِّمُ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ سَبْعًا سَبْعًا كَانَ ضَامِنًا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ أَرَادَ عَلَى اللَّهِ هُوَ وَمَالُهُ وَوَلَدُهُ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ (قَوْلُهُ الْأَوَّلُ الْغُسْلُ) ضَابِطُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ كَمَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ مَا شُرِعَ بِسَبَبٍ مَاضٍ كَانَ وَاجِبًا كَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْمَوْتِ وَمَا شُرِعَ لِمَعْنًى فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ مُسْتَحَبًّا كَإِغْسَالِ الْحَجِّ وَاسْتَثْنَى الْحَلِيمِيُّ مِنْ الْأَوَّلِ الْغُسْلَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَكَذَا الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْإِسْلَامُ

(1/264)


بَلْ يُكْرَهُ تَرْكُهُ لِأَخْبَارِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ أَيْ مُؤَكَّدٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ وَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَغْتَسِلُ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا زَادَ النَّسَائِيّ «هُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» وَصَرَفَهَا عَنْ الْوُجُوبِ خَبَرُ «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَخَبَرُ مُسْلِمٍ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَدَنَا وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ (عِنْدَ الرَّوَاحِ) إلَيْهَا (وَيَجُوزُ بَعْدَ الْفَجْرِ) لَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ عَلَّقَتْهُ بِالْيَوْمِ وَيُفَارِقُ غُسْلَ الْعِيدِ حَيْثُ يُجْزِئُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِبَقَاءِ أَثَرِهِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ لِقُرْبِ الزَّمَنِ وَبِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْفَجْرِ لَضَاقَ الْوَقْتُ وَتَأَخَّرَ عَنْ التَّكْبِيرِ إلَى الصَّلَاةِ وَفِي كَلَامِهِ قُصُورٌ وَالْغَرَضُ أَنَّ الْغُسْلَ لَهَا سُنَّةٌ مِنْ بَعْدِ الْفَجْرِ إلَى الرَّوَاحِ إلَيْهَا وَأَنَّهُ يُسَنُّ تَقْرِيبُهُ مِنْ الرَّوَاحِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَى إلَى الْغَرَضِ مِنْ التَّنْظِيفِ وَلَوْ تَعَارَضَ الْغُسْلُ وَالتَّكْبِيرُ فَمُرَاعَاةُ الْغُسْلِ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهِ؛ وَلِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ إلَى غَيْرِهِ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ وَيَخْتَصُّ (بِمَنْ يَحْضُرُهَا) ، وَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ لِمَفْهُومِ خَبَرِ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَلِخَبَرِ الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلٌ» وَيُفَارِقُ الْعِيدَ حَيْثُ لَا يَخْتَصُّ بِمَنْ يَحْضُرُ بِأَنَّ غُسْلَهُ لِلزِّينَةِ وَإِظْهَارِ السُّرُورِ، وَهَذَا لِلتَّنْظِيفِ وَدَفْعِ الْأَذَى عَنْ النَّاسِ وَمِثْلُهُ يَأْتِي فِي التَّزْيِينِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقَدْ يُضَايَقُ فِي هَذَا الْفَرْقِ (وَلَا يُبْطِلُهُ الْحَدَثُ) فَيَتَوَضَّأُ (وَ) لَا (الْجَنَابَةُ) فَيَغْتَسِلُ لَهَا (وَيَتَيَمَّمُ الْعَاجِزُ عَنْهُ) بِنِيَّتِهِ إحْرَازًا لِلْفَضِيلَةِ كَسَائِرِ الْأَغْسَالِ (وَيَلْزَمُ الْبَعِيدَ) عَنْ الْجَامِعِ (السَّعْيُ) إلَى الْجُمُعَةِ (قَبْلَ الزَّوَالِ) لِتَوَقُّفِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا عَلَى الرَّوْضَةِ

(فَرْعٌ مِنْ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ أَغْسَالُ الْحَجِّ وَالْعِيدَيْنِ) وَسَتَأْتِي فِي مَحَالِّهَا (وَالْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ) مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا (سُنَّةٌ كَالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّهِ) سَوَاءٌ أَكَانَ الْغَاسِلُ طَاهِرًا أَمْ لَا كَحَائِضٍ لِخَبَرِ «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَقِيسَ بِالْحَمْلِ الْمَسُّ وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ خَبَرُ «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غُسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إذَا غَسَّلْتُمُوهُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَقِيسَ بِالْغُسْلِ الْوُضُوءُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ سُنَّةٌ إيضَاحٌ (وَكَذَا) يُسَنُّ (غُسْلُ كَافِرٍ أَسْلَمَ) وَ (لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ جَنَابَةٌ أَوْ حَيْضٌ) أَوْ نَحْوُهُ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ لَمَّا أَسْلَمَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانُ وَحَمَلُوهُ عَلَى النَّدْبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْغُسْلِ؛ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ تَرْكُ مَعْصِيَةٍ فَلَمْ يَجِبْ مَعَهُ غُسْلٌ كَالتَّوْبَةِ مِنْ سَائِرِ الْمَعَاصِي وَيُسَنُّ غُسْلُهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَأَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ قَبْلَ غُسْلِهِ لَا بَعْدَهُ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ سَبَقَ مِنْهُ جَنَابَةٌ أَوْ نَحْوُهَا (وَجَبَ) غُسْلُهُ وَإِنْ اغْتَسَلَ فِي الْكُفْرِ كَمَا مَرَّ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ (وَوَقْتُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ) لَا قَبْلَهُ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى تَأْخِيرِ الْإِسْلَامِ الْوَاجِبِ وَمَا فِي خَبَرِ ثُمَامَةَ مِنْ أَنَّهُ أَسْلَمَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ ثُمَّ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَظْهَرَ إسْلَامَهُ بِقَرِينَةِ رِوَايَةٍ أُخْرَى

(وَ) يُسَنُّ (الْغُسْلُ لِلْإِفَاقَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَ) مِنْ (الْإِغْمَاءِ) لِلِاتِّبَاعِ فِي الْإِغْمَاءِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَفِي مَعْنَاهُ الْجُنُونُ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ قَلَّ مَنْ جُنَّ إلَّا وَأَنْزَلَ فَإِنْ قُلْت لِمَ لَمْ يَجِبْ كَمَا يَجِبُ الْوُضُوءُ قُلْت لَا عَلَامَةَ ثَمَّ عَلَى خُرُوجِ الرِّيحِ بِخِلَافِ الْمَنِيِّ فَإِنَّهُ مُشَاهَدٌ (وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ) كَالِاجْتِمَاعِ لِكُسُوفٍ أَوْ اسْتِسْقَاءٍ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا (وَلِتَغَيُّرِ رَائِحَةِ الْبَدَنِ) إزَالَةً لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ (وَ) الْغُسْلُ (مِنْ الْحِجَامَةِ وَ) مِنْ (الْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ) عِنْدَ إرَادَةِ الْخُرُوجِ سَوَاءٌ أَتَنَوَّرَ أَمْ لَا لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «كُنَّا نَغْتَسِلُ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْحِجَامَةِ وَالْحَمَّامِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَمِنْ الْجَنَابَةِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ» وَحِكْمَتُهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ ذَلِكَ يُغَيِّرُ الْجَسَدَ وَيُضْعِفُهُ وَالْغُسْلُ يَشُدُّهُ وَيُنْعِشُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُسَنُّ الْغُسْلُ لِلْفَصْدِ وَنَحْوِهِ وَمِنْ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ الْغُسْلُ لِلِاعْتِكَافِ كَمَا فِي لَطِيفِ ابْنِ خَيْرَانَ عَنْ النَّصِّ وَلِكُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَيَّدَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِمَنْ يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ وَلِدُخُولِ الْحَرَمِ وَلِحَلْقِ الْعَانَةِ كَمَا فِي رَوْنَقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَلُبَابِ الْمَحَامِلِيِّ وَلِبُلُوغِ الصَّبِيِّ بِالسِّنِّ كَمَا فِي الرَّوْنَقِ وَلِدُخُولِ الْمَدِينَةِ كَمَا قَالَهُ الْخَفَّافُ وَالنَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَالْغُسْلُ فِي الْوَادِي عِنْدَ سَيَلَانِهِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ (وَآكَدُهَا غُسْلُ الْجُمُعَةِ) لِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ (ثُمَّ غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ) لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِ (وَفَائِدَتُهُ) أَيْ وَمِنْ فَوَائِدِ كَوْنِ ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
(قَوْله فَمُرَاعَاةُ الْغُسْلِ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ؛ وَلِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ إلَى غَيْرِهِ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِجَسَدِهِ عَرَقٌ كَثِيرٌ وَرِيحٌ كَرِيهٌ أَخَّرَ وَإِلَّا بَكَّرَ وَقَوْلُهُ الْأَقْرَبُ إلَخْ أَشَارَ شَيْخُنَا إلَى تَضْعِيفِهِ (قَوْلُهُ وَيَتَيَمَّمُ الْعَاجِزُ عَنْهُ بِنِيَّتِهِ) قَالَ شَيْخُنَا فَيَجُوزُ أَنْ يَنْوِيَ التَّيَمُّمَ بَدَلًا عَنْ الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَى أَنَّ نِيَّةَ التَّيَمُّمِ مُمْتَنِعَةٌ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ فَلَا يَكُونُ مَقْصِدًا إذْ مَحَلُّهُ إذَا تَجَرَّدَ وَحْدَهُ، وَأَمَّا هُنَا فَذَكَرَ الْبَدَلِيَّةَ أَخْرَجَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَفُوتُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ بِالْيَأْسِ مِنْ فِعْلِهَا (قَوْلُهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ السَّكَنِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ خَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لِصِحَّتِهِ مِائَةً وَعِشْرِينَ طَرِيقًا لَكِنْ قَالَ الْبُخَارِيُّ الْأَشْبَهُ وَقْفُهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ

[فَرْعٌ الْأَغْسَال الْمَسْنُونَة]
(قَوْلُهُ وَقِيسَ بِالْحَمْلِ الْمَسُّ) لَوْ لَمْ يَزِدْهُ لَمَا صَحَّ قَوْلُهُ كَالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّهِ (قَوْلُهُ أَمَرَ بِهِ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ لَمَّا أَسْلَمَ) وَكَذَلِكَ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ

(قَوْلُهُ وَالْغُسْلُ لِلْإِفَاقَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ) شَمِلَ كَلَامُهُ فِي الْغُسْلِ لِلْإِفَاقَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ غَيْرَ الْبَالِغِ

(1/265)


آكَدَ (التَّقْدِيمُ) لَهُ (كَمَا لَوْ أَوْصَى) أَوْ وَكَّلَ (بِمَاءٍ لِلْأَوْلَى) كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي التَّيَمُّمِ

(تَنْبِيهٌ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ بَعْضُهُمْ إذَا أَرَادَ الْغُسْلَ لِلْمَسْنُونَاتِ نَوَى أَسْبَابَهَا إلَّا الْغُسْلَ مِنْ الْجُنُونِ فَإِنَّهُ يَنْوِي الْجَنَابَةَ وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ قُلْت وَيُغْتَفَرُ عَدَمُ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي الْخَارِجِ هَلْ هُوَ مَنِيٌّ أَوْ وَدْيٌ وَاغْتَسَلَ انْتَهَى الْأَمْرُ

(الثَّانِي الْبُكُورُ) إلَى الْمُصَلَّى لِيَأْخُذُوا مَجَالِسَهُمْ وَيَنْتَظِرُوا الصَّلَاةَ وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ وَمَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ أَيْ مِثْلَهُ ثُمَّ رَاحَ أَيْ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ «أَنَّ السَّاعَاتِ سِتٌّ» قَالَ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مَا مَرَّ وَفِي الرَّابِعَةِ بَطَّةً وَالْخَامِسَةِ دَجَاجَةً وَالسَّادِسَةِ بَيْضَةً وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا فِي الرَّابِعَةِ دَجَاجَةً وَالْخَامِسَةِ عُصْفُورًا وَالسَّادِسَةِ بَيْضَةً قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِسْنَادُ الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحٌ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ هُمَا شَاذَّتَانِ لِمُخَالَفَتِهِمَا سَائِرَ الرِّوَايَاتِ وَقُيِّدَ مِنْ زِيَادَتِهِ سُنَّ الْبُكُورُ بِقَوْلِهِ (لِغَيْرِ الْإِمَامِ) .
أَمَّا الْإِمَامُ فَيُنْدَبُ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَى وَقْتِ الْخُطْبَةِ لِاتِّبَاعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ وَالسَّاعَاتُ (مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ) لَا الشَّمْسِ وَلَا الضُّحَى وَلَا الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْيَوْمِ شَرْعًا وَبِهِ يَتَعَلَّقُ جَوَازُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ كَمَا مَرَّ وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ لَفْظُ الرَّوَاحِ مَعَ أَنَّهُ اسْمٌ لِلْخُرُوجِ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا يُؤْتَى بِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ عَلَى أَنَّ الْأَزْهَرِيَّ مَنَعَ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي السَّيْرِ أَيِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ (وَالسَّاعَةُ الْأُولَى أَفْضَلُ ثُمَّ الثَّانِيَةُ ثُمَّ الثَّالِثَةُ فَمَا بَعْدَهَا) لِلْخَبَرَيْنِ السَّابِقَيْنِ.
(وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ السَّاعَاتِ الْفَلَكِيَّةِ) أَيْ الْأَرْبَعَ وَالْعِشْرِينَ (بَلْ تَرْتِيبُ دَرَجَاتِ السَّابِقِينَ) عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ فِي الْفَضِيلَةِ لِئَلَّا يَسْتَوِيَ فِيهَا رَجُلَانِ جَاءَا فِي طَرَفَيْ سَاعَةٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَاخْتَلَفَ الْأَمْرُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالصَّائِفِ وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ مِنْ زِيَادَتِهِ فَقَالَ (فَكُلُّ دَاخِلٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا بَعْدَهُ كَالْمُقَرِّبِ بَدَنَةً وَ) بِالنِّسْبَةِ (إلَى مَنْ قَبْلَهُ بِدَرَجَةٍ كَالْمُقَرِّبِ بَقَرَةً وَبِدَرَجَتَيْنِ كَالْمُقَرِّبِ كَبْشًا وَبِثَلَاثٍ) مِنْ الدَّرَجَاتِ كَالْمُقَرِّبِ (دَجَاجَةً) بِتَثْلِيثِ الدَّالِ (وَبِأَرْبَعٍ) مِنْ الدَّرَجَاتِ كَالْمُقَرِّبِ (بَيْضَةً) وَقَالَ فِي شَرْحَيْ الْمُهَذَّبِ وَمُسْلِمٍ بَلْ الْمُرَادُ الْفَلَكِيَّةُ لَكِنَّ بَدَنَةَ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ مِنْ بَدَنَةِ الْأَخِيرِ وَبَدَنَةَ الْمُتَوَسِّطِ مُتَوَسِّطَةٌ كَمَا فِي دَرَجَاتِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ وَالْقَلِيلَةِ أَيْ وَيُرَادُ بِسَاعَاتِ النَّهَارِ الْفَلَكِيَّةِ اثْنَا عَشْرَ سَاعَةً زَمَانِيَّةً صَيْفًا أَوْ شِتَاءً، وَإِنْ لَمْ تُسَاوِ الْفَلَكِيَّةَ فَالْعِبْرَةُ بِخَمْسِ سَاعَاتٍ مِنْهَا طَالَ الزَّمَانُ أَوْ قَصُرَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي وَقَالَ الْغَزَالِيُّ السَّاعَةُ الْأُولَى إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالثَّانِيَةُ إلَى ارْتِفَاعِهَا وَالثَّالِثَةُ إلَى انْبِسَاطِهَا حَتَّى تَرْمَضَ الْأَقْدَامُ وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ إلَى الزَّوَالِ الْأَمْرُ

(الثَّالِثُ) وَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْجُمُعَةِ لَكِنَّهُ فِيهَا آكَدُ (التَّزَيُّنُ بِأَخْذِ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ) رَوَى الشَّيْخَانِ خَبَرَ «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْآبَاطِ» وَرَوَى الْبَزَّارُ خَبَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ» وَحَدُّ قَصِّ الشَّارِبِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ أَنْ يَقُصَّهُ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَلَا يُحْفِيَهُ مِنْ أَصْلِهِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَأَمَّا خَبَرُ «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ» فَمَعْنَاهُ أَحْفُوا مَا طَالَ عَنْ الشَّفَةِ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ السَّبَّالَيْنِ وَهُمَا طَرَفَا الشَّارِبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتُرُ الْفَمَ وَلَا يَبْقَى فِيهِ غَمْرُ الطَّعَامِ إذْ لَا يَصِلُ إلَيْهِ قَالَ وَكَيْفِيَّةُ تَقْلِيمِ الظُّفْرِ أَنْ يَبْدَأَ بِمُسَبِّحَةِ يَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ بِالْوُسْطَى ثُمَّ بِالْبِنْصِرِ ثُمَّ بِالْخِنْصَرِ ثُمَّ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى ثُمَّ بِبِنْصِرِهَا ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ السَّبَّابَةِ ثُمَّ الْإِبْهَامِ ثُمَّ إبْهَامِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَبْدَأُ بِخِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى وَحَكَاهَا عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَالَ إنَّهَا حَسَنَةٌ إلَّا تَأْخِيرُ إبْهَامِ الْيُمْنَى فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَلِّمَهَا بَعْدَ خِنْصَرِهَا وَبِهِ جَزَمَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
قَالَ وَضَابِطُ أَخْذِ الظُّفْرِ وَالشَّارِبِ وَالْإِبِطِ وَالْعَانَةِ طُولُهَا وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
[تَنْبِيه إذَا أَرَادَ الْغُسْلَ لِلْمَسْنُونَاتِ نَوَى أَسْبَابَهَا إلَّا الْغُسْلَ مِنْ الْجُنُونِ]
قَوْلُهُ تَنْبِيهٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إلَخْ) إذَا فَاتَتْ هَذِهِ الْأَغْسَالُ لَا تُقْضَى

[الْبُكُور إلَى الْمُصَلَّى]
(قَوْلُهُ الثَّانِي الْبُكُورُ) إطْلَاقُهُ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ التَّبْكِيرِ لِلْعَجُوزِ إذَا اسْتَحْبَبْنَا حُضُورَهَا وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْعَجُوزِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ ح (قَوْلُهُ لِغَيْرِ إمَامٍ) وَكَذَا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَنَحْوُهُ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّبْكِيرُ (قَوْلُهُ بَلْ الْمُرَادُ الْفَلَكِيَّةُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَالْعِبْرَةُ بِخَمْسِ سَاعَاتٍ مِنْهَا) قَالَ شَيْخُنَا الْخَمْسُ سَاعَاتٍ عَلَى رِوَايَةِ الْخَمْسِ وَإِلَّا فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ أَنَّهَا سِتُّ سَاعَاتٍ وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَتُهَا شَاذَّةً (قَوْلُهُ حَتَّى تَرْمَضَ الْأَقْدَامُ) أَيْ تَجِدَ حَرَّ الشَّمْسِ مِنْ الرَّمْضَاءِ أَيْ الرَّمَادِ إذَا اُسْتُحِرَّ بِالشَّمْسِ مِنْهُ

[التَّزَيُّن بأخذ الشعر وَالظُّفُر]
(قَوْلُهُ الثَّالِثُ التَّزَيُّنُ بِأَخْذِ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ) مَحَلُّهُ فِي الظُّفْرِ فِي غَيْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَنْ يُرِيدُ الْأُضْحِيَّةَ (قَوْلُهُ وَنَتْفُ الْآبَاطِ) قَالَ ابْنُ الْمُلَقَّنِ كَمَا يُسْتَحَبُّ نَتْفُ الْإِبِطِ يُسْتَحَبُّ نَتْفُ الْأَنْفِ أَيْضًا كَذَا فِي الْكِفَايَةِ مِنْ غَيْرِ عَزْوٍ وَلَا حَدٍّ وَرَأَيْت فِي أَحْكَامِ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ مَا نَصُّهُ ذُكِرَ اسْتِحْبَابُ قَصِّ شَعْرِ الْأَنْفِ وَكَرَاهَةُ نَتْفِهِ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ الْمَازِنِيِّ مَرْفُوعًا «لَا تَنْتِفُوا الشَّعْرَ الَّذِي فِي الْأَنْفِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْأَكَلَةَ وَلَكِنْ قُصُّوهُ قَصًّا» رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ. اهـ.، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ وَضَابِطُ أَخْذِ الظُّفْرِ إلَخْ) قَالَ فِي الْأَنْوَارِ يُسْتَحَبُّ قَلْمُ الْأَظْفَارِ كُلَّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ وَحَلْقُ الْعَانَةِ كُلَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْأَوْلَى فِي الْأَظْفَارِ مُخَالَفَتُهَا رُوِيَ مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا لَمْ يَرَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدًا وَفَسَّرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ بِأَنْ يَبْدَأَ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْإِبْهَامِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ ثُمَّ الْمُسَبِّحَةِ ثُمَّ بِإِبْهَامِ الْيُسْرَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْخِنْصَرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ
إذَا مَا قَصَصْت الظُّفْرَ يَوْمًا لِسُنَّةٍ ... فَقَدِّمْ عَلَى يُسْرَاك يُمْنَاك وَابْتَدِي

(1/266)


(وَالسِّوَاكُ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ (وَالتَّنَظُّفُ) مِنْ الْأَوْسَاخِ وَالرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِهَا أَحَدٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ نَظَّفَ ثَوْبَهُ قَلَّ هَمُّهُ وَمَنْ طَابَ رِيحُهُ زَادَ عَقْلُهُ (وَاسْتِعْمَالُ الْأَفْضَلِ مِنْ طِيبِهِ وَثِيَابِهِ) لِخَبَرِ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إنْ كَانَ عِنْدَهُ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثُمَّ أَنْصَتَ إذَا خَرَجَ إمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِمَا وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِ طِيبِ النِّسَاءِ وَلُبْسِ ثِيَابِهِنَّ (وَأَفْضَلُهَا) أَيْ ثِيَابِهِ أَيْ أَلْوَانِهَا (الْبَيَاضُ) لِخَبَرِ «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحُوهُ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ كَالرَّافِعِيِّ الْخَبَرَ فِي تَعْبِيرِهِ بِالْبَيَاضِ وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ بِالْبِيضِ، وَهُوَ سَالِمٌ مِنْ التَّقْدِيرِ السَّابِقِ (ثُمَّ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ) قَبْلَ نَسْجِهِ كَالْبُرُدِ (لَا) مَا صُبِغَ (هُوَ) مَنْسُوجًا بَلْ يُكْرَهُ لُبْسُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَلْبَسْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَبِسَ الْبَرْدَرْوِيَّ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ بُرْدٌ يَلْبَسُهُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ ثُمَّ مَا ذُكِرَ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ بِقَرِينَةِ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ مَا يَجُوزُ لُبْسُهُ (وَيَزِيدُ الْإِمَامُ) نَدْبًا (فِي حُسْنِ الْهَيْئَةِ وَالْعِمَّةِ وَالِارْتِدَاءِ) لِلِاتِّبَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ مَنْظُورٌ إلَيْهِ وَتَعْبِيرُهُ بِمَا قَالَهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ الْإِمَامُ فِي حُسْنِ الْهَيْئَةِ وَيَتَعَمَّمَ وَيَتَرَدَّى (وَتَرْكُ) لُبْسِ (السَّوَادِ) لَهُ (أَوْلَى) مِنْ لُبْسِهِ (إلَّا إنْ خَشَى مَفْسَدَةً) تَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ وَذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي فَتَاوِيهِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى لُبْسِهِ بِدْعَةٌ فَإِنْ مُنِعَ الْخَطِيبُ أَنْ يَخْطُبَ إلَّا بِهِ فَلْيَفْعَلْ

(وَيُسْتَحَبُّ لِطَالِبِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (أَنْ يَمْشِيَ) لِخَبَرِ «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَرَوَى غَسَّلَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ أَرْجَحُ وَعَلَيْهِمَا فِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا غُسْلُ زَوْجَتِهِ بِأَنْ جَامَعَهَا فَأَلْجَأَهَا إلَى الْغُسْلِ وَاغْتَسَلَ هُوَ قَالُوا وَيُسَنُّ لَهُ الْجِمَاعُ فِي هَذَا الْيَوْمِ لِيَأْمَنَ أَنْ يَرَى فِي طَرِيقِهِ مَا يُشْغِلُ قَلْبَهُ ثَانِيهَا غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِأَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ ثَالِثُهَا غَسْلُ ثِيَابِهِ وَرَأْسِهِ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَإِنَّمَا أَفْرَدَ الرَّأْسَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ فِيهِ الدُّهْنَ وَالْخِطْمِيَّ وَنَحْوَهُمَا وَكَانُوا يَغْسِلُونَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَغْتَسِلُونَ وَرَوَى بَكَرَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ أَشْهَرُ فَعَلَى التَّخْفِيفِ مَعْنَاهُ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ بَاكِرًا وَعَلَى التَّشْدِيدِ مَعْنَاهُ أَتَى بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ وَقْتِهَا وَابْتَكَرَ أَيْ أَدْرَكَ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنَى جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا وَقَوْلُهُ مَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ قِيلَ هُمَا بِمَعْنَى جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَمْ يَرْكَبْ أَفَادَ نَفْيَ تَوَهُّمِ حَمْلِ الْمَشْيِ عَلَى الْمُضِيِّ، وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا وَنَفَى احْتِمَالَ أَنْ يُرَادَ الْمَشْيُ وَلَوْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ (بِسَكِينَةٍ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَائْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ» وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَائْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ» ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] فَمَعْنَاهُ امْضُوا؛ لِأَنَّ السَّعْيَ يُطْلَقُ عَلَى الْمُضِيِّ وَالْعَدْوِ فَبَيَّنَتْ السُّنَّةُ الْمُرَادَ بِهِ (مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ) فَإِنْ ضَاقَ فَالْأَوْلَى الْإِسْرَاعُ وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ يَجِبُ إذَا لَمْ يُدْرِكْ الْجُمُعَةَ إلَّا بِهِ (وَلَا يَسْعَى إلَيْهَا وَلَا إلَى غَيْرِهَا) مِنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ.

(وَلَا يَرْكَبُ فِي جُمُعَةٍ وَ) لَا (عِيدٍ وَ) لَا (جِنَازَةٍ وَ) لَا (عِيَادَةِ مَرِيضٍ) لِخَبَرِ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ» السَّابِقُ وَقَيَّدَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ طَلَبَ عَدَمِ الرُّكُوبِ بِالذَّهَابِ وَرَدَّهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِخَبَرِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ «قَالُوا لِرَجُلٍ هَلَّا تَشْتَرِي لَك حِمَارًا تَرْكَبُهُ إذَا أَتَيْت إلَى الصَّلَاةِ فِي الرَّمْضَاءِ وَالظَّلْمَاءِ فَقَالَ إنِّي أُحِبُّ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ فِي ذَهَابِي وَعَوْدِي فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ فَعَلَ اللَّهُ لَك ذَلِكَ» أَيْ كَتَبَ لَك مَمْشَاك أَيْ أَفْضَلِيَّتَهُ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى كَتَبَ لَك ذَلِكَ فِي مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ لَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا جَمْعًا بَيْنَ هَذَا الْخَبَرِ وَخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ فِي رُجُوعِهِ مِنْ جِنَازَةِ أَبِي الدَّحْدَاحِ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحُوهُ (إلَّا لِعُذْرٍ) فَيَرْكَبُ (فَإِنْ رَكِبَ) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (سَيَّرَهَا) أَيْ الدَّابَّةَ (بِسُكُونٍ) مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ كَمَا فِي الْمَاشِي الْأَمْرُ

(الرَّابِعُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (الْجُمُعَةَ وَفِي الثَّانِيَةِ الْمُنَافِقِينَ أَوْ) فِي الْأُولَى (سَبِّحْ وَ) فِي الثَّانِيَةِ (الْغَاشِيَةَ) وَلَوْ صَلَّى بِغَيْرِ مَحْصُورِينَ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِيهِمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
بِخِنْصَرِهَا ثُمَّ الْوَسِيطِ وَبَعْدَهُ ... إبْهَامٌ وَبَعْدَ الْبِنْصِرِ الْمُتَشَهِّدِ
وَيُسْرَاك فَهْوَ الْعَكْسُ فِيمَا ذَكَرْته ... لِتَأْمَنَ فِي الْعَيْنَيْنِ مِنْ عَيْشِ أَرْمَدِ
، وَبَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
فِي قَصِّ يُمْنَى رُتِّبَتْ خََوابِسُ ... أَوْخَسُ لِلْيُسْرَى وَبَاءٌ خَامِسٌ
قَالَ شَيْخُنَا هُوَ لِلْوَالِدِ (قَوْلُهُ وَأَفْضَلُهَا الْبَيَاضُ) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الشِّتَاءِ وَالْوَحْلِ (قَوْلُهُ وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضِ بِالْبِيضِ) زَادَ الصَّيْمَرِيُّ الْجُدُدَ (قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ) سَيَأْتِي فِي بَابِ مَا يَجُوزُ لُبْسُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لُبْسُ مَصْبُوغٍ بِغَيْرِ الزَّعْفَرَانِ وَالْعُصْفُرِ

(قَوْلُهُ وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ يَجِبُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ وَلَا يَرْكَبُ فِي جُمُعَةٍ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الرُّكُوبُ أَفْضَلُ لِمَنْ يُجْهِدُهُ الْمَشْيُ لِهَرَمٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ بُعْدِ مَنْزِلٍ بِحَيْثُ يَمْنَعُهُ التَّعَبُ بِهِ مِنْ الْخُشُوعِ وَالْحُضُورِ فِي الصَّلَاةِ

[أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ الْجُمُعَةَ وَفِي الثَّانِيَةِ الْمُنَافِقِينَ]
(قَوْلُهُ الرَّابِعُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ إلَخْ) قِرَاءَةُ الْبَعْضِ مِنْهُمَا أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ قَدْرِهِ مِنْ غَيْرِهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُشْتَمِلًا عَلَى الثَّنَاءِ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَنَحْوِهَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ

(1/267)


قَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَانَ يَقْرَأُ هَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَهَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ فَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ لَا قَوْلَانِ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ قَالَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الرُّبَيِّعُ قَالَ سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إنَّهُ يَخْتَارُ الْجُمُعَةَ وَالْمُنَافِقِينَ وَلَوْ قَرَأَ بِسَبِّحْ وَهَلْ أَتَاك كَانَ حَسَنًا وَفِيمَا نَقَلَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْأُولَيَيْنِ أَوْلَى وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ (وَإِنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ فِي الْأُولَى) عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا (جَمَعَهُمَا) أَيْ الْجُمُعَةَ وَالْمُنَافِقِينَ (فِي الثَّانِيَةِ) كَيْ لَا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْهُمَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَا يُعَارَضُ بِتَطْوِيلِهَا عَلَى الْأَوْلَى فَإِنْ تَرَكَهُ أُدِّبَ لَا يُقَاوَمُ فَضْلُهُمَا قُلْت؛ وَلِأَنَّ تَرْكَهُ مَحَلُّهُ إذْ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِخِلَافِهِ وَهُنَا وَرَدَ بِخِلَافِهِ إذْ السُّنَّةُ قِرَاءَةُ الْجُمُعَةِ أَوْ سَبِّحْ فِي الْأُولَى وَالْمُنَافِقِينَ أَوْ الْغَاشِيَةَ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا مَرَّ أَنَّ فِيهِ تَطْوِيلَهَا عَلَى الْأُولَى (وَإِنْ عَكَسَ) بِأَنْ قَرَأَ الْمُنَافِقِينَ فِي الْأُولَى وَالْجُمُعَةَ فِي الثَّانِيَةِ (لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا) فِيهَا بَلْ يَقْتَصِرُ فِيهَا عَلَى الْجُمُعَةِ وَمَا ذُكِرَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ يَأْتِي فِي سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ

(فَرْعٌ يُكْرَهُ) لِكُلِّ أَحَدٍ (تَخَطِّي الرِّقَابِ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْت وَأَنَيْت أَيْ تَأَخَّرْت» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ (إلَّا لِلْإِمَامِ) إذَا لَمْ يَبْلُغْ الْمِنْبَرَ أَوْ الْمِحْرَابَ إلَّا بِالتَّخَطِّي فَلَا يُكْرَهُ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً) بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْهَا (إلَّا بِتَخَطِّي صَفٍّ أَوْ صَفَّيْنِ) فَلَا يُكْرَهُ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهَا لِتَقْصِيرِ الْقَوْمِ بِإِخْلَاءِ الْفُرْجَةِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ إنْ وَجَدَ غَيْرَهَا أَنْ لَا يَتَخَطَّى وَذِكْرُ الْكَرَاهَةِ وَالتَّقْيِيدِ بِصَفٍّ أَوْ صَفَّيْنِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَعَبَّرَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ بِرَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ فَالْمُرَادُ كَمَا فِي التَّوْشِيحِ وَغَيْرِهِ اثْنَانِ مُطْلَقًا فَقَدْ يَحْصُلُ تَخَطِّيهمَا مِنْ صَفٍّ وَاحِدٍ لِازْدِحَامٍ فَإِنْ أَرَادَ فِي التَّخَطِّي عَلَيْهِمَا وَرَجَا أَنْ يَتَقَدَّمُوا إلَى الْفُرْجَةِ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ كُرِهَ لِكَثْرَةِ الْأَذَى وَحَيْثُ قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ فَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَاخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي الشَّهَادَاتِ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وَيُفَارِقُ إبَاحَةَ التَّخَطِّي حَيْثُ قُيِّدْت بِمَا ذُكِرَ إبَاحَةُ خَرْقِ الصُّفُوفِ حَيْثُ لَمْ تُقَيَّدْ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَصِفَةِ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ فِي تَرْكِ خَرْقِهَا إدْخَالًا لِلنَّقْصِ عَلَى صَلَاتِهِ وَصَلَاتِهِمْ بِخِلَافِ تَخَطِّي الرِّقَابِ فَإِنَّهُ إذَا صَبَرَ تَقَدَّمُوا عِنْدَ إقَامَةِ الصُّفُوفِ وَتَسْوِيَتِهَا لِلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ بِتَسْوِيَتِهَا كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ أَحَدًا) لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ وَلَكِنْ يَقُولُ تَفَسَّحُوا أَوْ تَوَسَّعُوا فَإِنْ قَامَ الْجَالِسُ بِاخْتِيَارِهِ وَأَجْلَسَ غَيْرُهُ فَلَا كَرَاهَةَ فِي جُلُوسِ غَيْرِهِ» ، وَأَمَّا هُوَ فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى مَكَان أَقْرَبَ إلَى الْإِمَامِ أَوْ مِثْلِهِ لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ؛ لِأَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرْبِ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الحشر: 9] فَالْمُرَادُ الْإِيثَارُ فِي حُظُوظِ النُّفُوسِ (وَيَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَقْعُدُ لَهُ) فِي مَكَان (لِيَقُومَ عَنْهُ) إذَا جَاءَ هُوَ (وَإِذَا فُرِشَ لِأَحَدٍ ثَوْبٌ) أَوْ نَحْوُهُ (فَلَهُ) أَيْ فَلِغَيْرِهِ (تَنْحِيَتُهُ) وَالصَّلَاةُ مَكَانَهُ (لَا الْجُلُوسُ عَلَيْهِ) بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ (وَلَا يَرْفَعُهُ) بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا (فَيَضْمَنُهُ) أَيْ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي ضَمَانِهِ

(وَلْيَشْتَغِلْ) نَدْبًا مَنْ حَضَرَ (قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِالذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِيَنَالَ ثَوَابَهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ الْعَظِيمِ (وَيُكْثِرُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الصَّلَاةِ (عَلَيْهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِي يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا) لِخَبَرِ «إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَخَبَرِ «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَأَفْهَمَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِكْثَارَ خَاصٌّ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ كَيْ لَا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْهُمَا) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ وَكَذَا صَلَاةُ الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْوِتْرِ وَسُنَّةِ الْفَجْرِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ إذَا تَرَكَ فِي الْأُولَى مَا هُوَ مَسْنُونٌ فِيهَا أَتَى فِي الثَّانِيَةِ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ مِنْ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ

[فَرْعٌ تَخَطِّي الرِّقَابِ فِي صَلَاة الْجُمُعَة]
(قَوْلُهُ؛ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَتَخَطَّى» إلَخْ) وَلِقَوْلِهِ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اتَّخِذْ جِسْرًا إلَى جَهَنَّمَ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (قَوْلُهُ إلَّا لِلْإِمَامِ إلَخْ) وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَرَاهَةِ التَّخَطِّي صُورَةٌ مِنْهَا الرَّجُلُ الْعَظِيمُ فِي النُّفُوسِ إذَا أَلِفَ مَوْضِعًا فَلَا يُكْرَهُ لَهُ لِقِصَّةِ عُثْمَانَ الْمَشْهُورَةِ وَتَخَطِّيهِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ قَالَهُ الْقَفَّالُ وَالْمُتَوَلِّي قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَنْ ظَهَرَ صَلَاحُهُ وَوِلَايَتُهُ فَإِنَّ النَّاسَ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَظَّمًا فَلَا يَتَخَطَّى وَإِنْ أَلِفَ مَوْضِعًا يُصَلِّي فِيهِ قَالَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَمِنْهَا مَا إذَا أَذِنَ لَهُ الْقَوْمُ فِي التَّخَطِّي فَلَا يُكْرَهُ لَهُمْ الْإِذْنُ وَالرِّضَا بِإِدْخَالِهِمْ الضَّرَرَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إلَّا أَنْ يُكْرَهَ لَهُمْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرْبِ مَكْرُوهٌ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ الْأَقْفَهْسِيُّ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ كَرَاهَةَ التَّخَطِّي لَا تَزُولُ فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَى مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ قَالَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قُدَّامَهُ فُرْجَةٌ وَالْقَوْلُ الثَّانِي يُكْرَهُ مُطْلَقًا وَعَنْ مَالِكٍ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَا بَأْسَ بِهِ قَبْلَهُ وَعَنْ أَبِي نَصْرٍ جَوَازُ ذَلِكَ بِإِذْنِهِمْ وَحِكَايَةُ هَذَا عَنْ أَبِي نَصْرٍ تَقْتَضِي بَقَاءَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ غَيْرِهِ مَعَ الْإِذْنِ وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا لَوْ رَضِيَ الْمُسْلِمُ بِأَنْ يُعْلِيَ الْكَافِرُ بِنَاءً عَلَى بِنَائِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَمِنْهَا إذَا كَانَ الْجَالِسُونَ عَبِيدًا لَهُ أَوْ أَوْلَادًا وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ لِيَأْخُذَ لَهُ مَوْضِعًا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَإِذَا حَضَرَ السَّيِّدُ تَأَخَّرَ الْعَبْدُ قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ وَمِنْهَا إذَا جَلَسَ دَاخِلَ الْجَامِعِ عَلَى طَرِيقِ النَّاسِ وَمِنْهَا إذَا سَبَقَ الْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ أَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِينَ أَوْ غَيْرَ الْمُسْتَوْطِنِينَ إلَى الْجَامِعِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْكَامِلِينَ إذَا حَضَرُوا التَّخَطِّي لِسَمَاعِ الْخُطْبَةِ إذَا كَانُوا لَا يَسْمَعُونَهَا مَعَ الْعَبْدِ قس وَقَوْلُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَالَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَالْمُرَادُ كَمَا فِي التَّوْشِيحِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(1/268)


وَغَيْرِهِمَا.
وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ مُحْتَمِلَةٌ لِذَلِكَ وَلِشُمُولِهِ الذِّكْرَ وَالتِّلَاوَةَ أَيْضًا (وَيَقْرَأُ فِيهِمَا) أَيْ فِي يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا (سُورَةَ الْكَهْفِ) لِخَبَرِ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ وَلِخَبَرِهِ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَيُسَنُّ الْإِكْثَارُ مِنْ قِرَاءَتِهَا فِيهِمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ قَالَ وَقِرَاءَتُهَا نَهَارًا آكَدُ وَالْحِكْمَةُ فِي قِرَاءَتِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِيهَا أَهْوَالَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْجُمُعَةُ تُشْبِهُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ؛ وَلِأَنَّ الْقِيَامَةَ تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (وَلْيُكْثِرْ فِي يَوْمِهَا مِنْ الدُّعَاءِ لِيُصَادِفَ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ فِيهِ سَاعَةُ إجَابَةٍ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَسَقَطَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَائِمٌ يُصَلِّي وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ انْتِظَارُهَا وَبِالْقِيَامِ الْمُلَازَمَةُ (وَأَرْجَاهَا مِنْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَأَمَّا خَبَرُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ مُنْتَقِلَةٌ تَكُونُ يَوْمًا فِي وَقْتٍ وَيَوْمًا فِي آخَرَ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا مُسْتَغْرِقَةٌ لِلْوَقْتِ الْمَذْكُورِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا لَحْظَةٌ لَطِيفَةٌ لِمَا مَرَّ

(وَلَا يَصِلُ صَلَاتَهَا بِصَلَاةٍ وَيَكْفِي فَصْلٌ) بَيْنَهُمَا (بِكَلَامٍ أَوْ تَحَوُّلٍ) أَوْ نَحْوِهِ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ صَلَّى سُنَّةَ الْجُمُعَةِ فِي مَقَامِهَا وَقَالَ لَهُ إذَا صَلَّيْت الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَخْرُجَ أَوْ تَتَكَلَّمَ فَإِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَخْرُجَ أَوْ نَتَكَلَّمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ

[فَرْعٌ الْبَيْعُ وَنَحْوُهُ مِنْ سَائِرِ الْعُقُودِ وَالصَّنَائِعِ فِي يَوْم الْجُمُعَةُ]
(فَرْعٌ يُكْرَهُ لِمَنْ) تَجِبُ (عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ) وَلِمَنْ يَعْقِدُ مَعَهُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي (الْبَيْعُ وَنَحْوُهُ) مِنْ سَائِرِ الْعُقُودِ وَالصَّنَائِعِ وَغَيْرِهَا مِمَّا فِيهِ تَشَاغُلٌ عَنْ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ (بَعْدَ الزَّوَالِ) وَقَبْلَ الْأَذَانِ الْآتِي وَالْجُلُوسِ لِلْخُطْبَةِ لِدُخُولِ وَقْتِ الْوُجُوبِ نَعَمْ يَنْبَغِي كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ أَنْ لَا يُكْرَهَ فِي بَلَدٍ يُؤَخِّرُونَ فِيهَا تَأْخِيرًا كَثِيرًا كَمَكَّةَ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ (وَبِأَذَانِ) الْمُؤَذِّنِ أَيْ بِشُرُوعِهِ فِيهِ أَمَامَ (الْخُطْبَةِ وَقَدْ جَلَسَ) الْخَطِيبُ (لَهَا يَحْرُمُ) الْبَيْعُ وَنَحْوُهُ لِآيَةِ إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقِيسَ بِالْبَيْعِ نَحْوُهُ وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ كَغَيْرِهِ مِنْ نَفْيِ الْكَرَاهَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَفْيِ التَّحْرِيمِ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْأَذَانِ وَالْجُلُوسِ مَحْمُولٌ كَمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ السَّعْيُ حِينَئِذٍ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ ذَلِكَ (وَلَا يَبْطُلُ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ كَالصَّلَاةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَتَقْيِيدُ الْأَذَانِ بِكَوْنِهِ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا مَرَّ فَانْصَرَفَ النِّدَاءُ فِي الْآيَةِ إلَيْهِ (فَلَوْ تَبَايَعَ مُقِيمٌ وَمُسَافِرٌ) الْأَوْلَى قَوْله أَصْلُهُ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا فَرْضُهُ الْجُمُعَةُ دُونَ الْآخَرِ (أَثِمَا جَمِيعًا) لِارْتِكَابِ الْأَوَّلِ النَّهْيَ وَإِعَانَةِ الثَّانِي لَهُ عَلَيْهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ أَنَّ الْإِثْمَ خَاصٌّ بِالْأَوَّلِ حُمِلَ عَلَى إثْمِ التَّفْوِيتِ أَمَّا إثْمُ الْمُعَاوَنَةِ فَعَلَى الثَّانِي قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ مَا لَوْ احْتَاجَ إلَى مَاءِ طَهَارَتِهِ أَوْ مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُ أَوْ مَا يَقُوتُهُ عِنْدَ اضْطِرَارِهِ (وَلَوْ بَاعَ، وَهُوَ سَائِرٌ إلَيْهَا أَوْ فِي الْجَامِعِ جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ عَنْ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ (لَكِنْ يُكْرَهُ الْبَيْعُ) وَنَحْوُهُ مِنْ الْعُقُودِ (فِي الْمَسْجِدِ) ؛ لِأَنَّهُ يُنَزَّهُ عَنْ ذَلِكَ

(فَرْعٌ لَا بَأْسَ بِحُضُورِ الْعَجَائِزِ) الْجُمُعَةَ بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ ذَلِكَ (بِإِذْنِ الْأَزْوَاجِ وَلْيَحْتَرِزْنَ مِنْ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ) أَيْ يُكْرَهَانِ لَهُنَّ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا» وَخَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ» بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ تَارِكَاتٌ لِلطِّيبِ وَالزِّينَةِ وَلِخَوْفِ الْمَفْسَدَةِ فَإِنْ لَمْ يَحْتَرِزْنَ مِنْ الطِّيبِ أَوْ الزِّينَةِ كُرِهَ لَهُنَّ الْحُضُورُ وَخَرَجَ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
[يَشْتَغِلْ نَدْبًا مَنْ حَضَرَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِالذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ]
قَوْلُهُ وَلِشُمُولِهِ الذِّكْرَ وَالتِّلَاوَةَ أَيْضًا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيَقْرَأُ فِيهِمَا سُورَةَ الْكَهْفِ) قَالَ فِي التَّوْشِيحِ أَكْثَرُ الْكُتُبِ سَاكِنَةٌ عَنْ تَعْيِينِ قِرَاءَةِ الْكَهْفِ مِنْ الْيَوْمِ وَحَكَى فِي الذَّخَائِرِ خِلَافًا أَنَّهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ بَعْدَ الْعَصْرِ قَالَ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِوَقْتٍ بَلْ عَامٌّ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَفِي الشَّامِلِ الصَّغِيرِ عِنْدَ الرَّوَاحِ إلَى الْجُمُعَةِ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى قِرَاءَتِهَا أَوْلَى مُسَارَعَةً وَأَمَانًا مِنْ الْإِهْمَالِ وَقِرَاءَاتِهَا بِالنَّهَارِ آكَدُ كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ (قَوْلُهُ لِيُصَادِفَ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ) اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ قَوْلًا ذَكَرَهَا فِي فَتْحِ الْبَارِي

(قَوْلُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ السَّعْيُ حِينَئِذٍ) بِأَنْ أَمِنَ الْفَوَاتَ لِقُرْبِهِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ) مِنْ حِينِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ السَّعْيُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ وَكَتَبَ أَيْضًا وَإِلَّا فَيَحْرُمُ بِأَنْ بَعُدَ وَلَوْ لَمْ تَسْعِ قَبْلَ الزَّوَالِ لَفَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ (قَوْلُهُ إنَّمَا جَمِيعًا) قَالَ الرُّويَانِيُّ لَوْ أَرَادَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ بَيْعَ مَالِهِ وَقْتَ النِّدَاءِ لِلضَّرُورَةِ وَهُنَاكَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَبَذَلَ دِينَارًا وَبَذَلَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نِصْفَ دِينَارٍ فَمِنْ أَيِّهِمَا يَبِيعُ فِيهِ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا مِنْ الثَّانِي لِئَلَّا يُوقِعَ الْأَوَّلَ فِي مَعْصِيَةٍ وَالثَّانِي مِنْ ذَوِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي إلَيْهِ الْإِيجَابُ غَيْرُ عَاصٍ وَالْقَبُولُ لِلطَّالِبِ، وَهُوَ عَاصٍ بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَخَّصَ لَهُ فِي الْقَبُولِ لِيَنْتَفِعَ الْيَتِيمُ إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ كَمَا رَخَّصَ لِلْوَلِيِّ فِي الْإِيجَابِ لِلْحَاجَةِ وَقَوْلُهُ أَحَدُهُمَا مِنْ الثَّانِي أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَوْ مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُ) أَوْ دَعَتْ حَاجَةُ الطِّفْلِ أَوْ الْمَرِيضِ إلَى شِرَاءِ طَعَامٍ وَدَوَاءٍ وَنَحْوِهِمَا وَلَا يَعْصِي الْوَلِيُّ وَلَا الْبَائِعُ إذَا كَانَا يُدْرِكَانِ الْجُمُعَةَ مَعَ ذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَإِنْ فَاتَتْ الْجُمُعَةُ فِي صُوَرٍ مِنْهَا إطْعَامُ الْمُضْطَرِّ وَبَيْعُهُ مَا يَأْكُلُهُ وَبَيْعُ كَفَنِ مَيِّتٍ خِيفَ تَغَيُّرُهُ بِالتَّأْخِيرِ وَفَسَادِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ غ (قَوْلُهُ لَكِنْ يُكْرَهُ الْبَيْعُ فِي الْمَسْجِدِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ يُصَلِّي خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ إذَا بَايَعَ مَنْ لَا يُصَلِّي بِالْمَسْجِدِ وَلَا يَسْعَى إلَيْهِ

[فَرْعٌ حُضُورِ الْعَجَائِزِ الْجُمُعَةَ]
(قَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِحُضُورِ الْعَجَائِزِ) قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ وَفِي مَعْنَى الْعَجَائِزِ ذَوَاتُ الْعَاهَاتِ

(1/269)


بِالْعَجُوزِ أَيْ غَيْرِ الْمُشْتَهَاةِ الشَّابَّةُ وَالْمُشْتَهَاةُ فَيُكْرَهُ لَهُمَا الْحُضُورُ كَمَا مَرَّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ بِزِيَادَةٍ وَبِالْإِذْنِ مَا إذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهَا فَيَحْرُمُ حُضُورُهَا مُطْلَقًا وَفِي مَعْنَى الزَّوْجِ السَّيِّدُ

(وَيُكْرَهُ تَشْبِيكُ الْأَصَابِعِ وَالْعَبَثُ حَالَ الذَّهَابِ وَالِانْتِظَارِ لِلصَّلَاةِ) وَفِي نُسْخَةٍ لِلصَّلَوَاتِ وَلَوْ غَيْرَ جُمُعَةٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَا يُخَالِفُ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ عَنْ رَكْعَتَيْنِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَشَبَّكَ فِي غَيْرِهِ» ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي وَقَاصِدِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا كَانَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهَا فِي اعْتِقَادِهِ (وَمَنْ قَعَدَ فِي مَكَانِ الْإِمَامِ أَوْ) فِي (طَرِيقِ النَّاسِ أُمِرَ بِالْقِيَامِ وَكَذَا مَنْ قَعَدَ مُسْتَقْبِلًا وُجُوهَهُمْ وَالْمَكَانُ ضَيِّقٌ) عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْوَاسِعِ

(وَلِلْمُسْتَمِعِ) لِلْخَطِيبِ (أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ (إنْ قَرَأَ الْخَطِيبُ {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] الْآيَةَ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الرَّفْعُ الْبَلِيغُ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامّ فَإِنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ بَلْ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالرَّوْضَةِ إنَّ مَا قَالَهُ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مَطْلُوبًا فَالِاسْتِمَاعُ كَذَلِكَ وَلَك أَنْ تَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ هُنَا لِمَنْعِهِ مِنْ الِاسْتِمَاعِ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ بَلْ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ بِكَرَاهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الِاسْتِمَاعَ

(كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ) أَيْ كَيْفِيَّتُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَهُ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِيهَا عِنْدَ غَيْرِهِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ وَقَدْ جَاءَتْ فِي الْأَخْبَارِ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ مِنْهَا الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ الْآتِيَةَ فِي الْكِتَابِ وَذَكَرَ مَعَهَا الرَّابِعَ الْآتِي وَجَاءَ بِهِ وَبِالثَّالِثِ الْقُرْآنَ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} [النساء: 102] الْآيَةَ وَالْأَخْبَارُ الْآتِيَةُ مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَاسْتَمَرَّتْ الصَّحَابَةُ عَلَى فِعْلِهَا بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَادَّعَى الْمُزَنِيّ نَسْخَهَا لِتَرْكِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَجَابُوا عَنْهُ بِتَأَخُّرِ نُزُولِهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ وَالْخَنْدَقُ كَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقِيلَ خَمْسٌ وَتَجُوزُ فِي الْحَضَرِ كَالسَّفَرِ خِلَافًا لِمَالِكٍ (وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ اشْتَدَّ الْخَوْفُ فَالرَّابِعُ أَوَّلًا وَالْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَالثَّانِي أَوْ فِي غَيْرِهَا فَالْآخَرَانِ (الْأَوَّلُ صَلَاةُ بَطْنِ نَخْلٍ) مَكَانٌ مِنْ نَجْدٍ بِأَرْضِ غَطَفَانَ أَيْ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ رَوَاهَا الشَّيْخَانِ (وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ فِرْقَتَيْنِ يُصَلِّي بِكُلٍّ) مِنْهُمَا (مَرَّةً تَحْرُسُ الْأُخْرَى) بِأَنْ تَقِفَ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ (وَتَكُونُ) الصَّلَاةُ (الثَّانِيَةُ لِلْإِمَامِ نَافِلَةً) لِسُقُوطِ فَرْضِهِ بِالْأُولَى (وَهَذِهِ) الصَّلَاةُ، وَإِنْ جَازَتْ فِي غَيْرِ الْمَخُوفِ فَهُنَا (إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ) أَوْ فِيهَا وَدُونَهُمْ حَائِلٌ أَخْذًا مِمَّا سَيَأْتِي (وَكَثُرَ الْمُسْلِمُونَ) وَقَلَّ عَدُوُّهُمْ (وَخَافُوا مَكْرَهُمْ) كَهُجُومِهِمْ فِي الصَّلَاةِ (اُسْتُحِبَّتْ) وَقَوْلُهُمْ يُسَنُّ لِلْمُفْتَرِضِ أَنْ لَا يَقْتَدِيَ بِالْمُتَنَفِّلِ لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ مَحَلُّهُ فِي الْأَمْنِ أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ رَكْعَتَيْنِ أَمْ ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا

(النَّوْعُ الثَّانِي صَلَاةُ عُسْفَانَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ خُلَيْصٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّ السُّيُولَ تَعْسِفُهَا أَيْ صَلَاتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا رَوَاهَا مُسْلِمٌ (وَهِيَ) وَفِي نُسْخَةٍ، وَهُوَ (أَنْ يَصُفَّهُمْ) الْإِمَامُ (صَفَّيْنِ) وَ (يَقْرَأَ وَيَرْكَع) وَيَعْتَدِلَ (بِهِمْ) جَمِيعًا (ثُمَّ يَسْجُدَ بِإِحْدَاهُمَا وَيَحْرُسَ الْآخَرُ حَتَّى يَقُومَ الْإِمَامُ) مِنْ سُجُودِهِ (ثُمَّ يَسْجُدُونَ) أَيْ الْآخَرُونَ (وَيَلْحَقُونَهُ) فِي قِيَامِهِ (وَ) يَفْعَلَ (فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ) أَيْ يَقْرَأَ وَيَرْكَعَ وَيَعْتَدِلَ بِهِمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَسْجُدَ بِإِحْدَاهُمَا وَيَحْرُسَ الْآخَرُ (لَكِنْ يَحْرُسُ) فِيهَا (مَنْ سَجَدَ مَعَهُ أَوَّلًا) إلَى أَنْ يَجْلِسَ فَيَسْجُدُونَ (وَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ بِهِمْ جَمِيعًا وَلَا حِرَاسَةَ فِي الرُّكُوعِ) كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ لِتَمَكُّنِ الرَّاكِعِ فِيهِ مِنْهَا بِخِلَافِ السَّاجِدِ (وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا النَّوْعِ كَثْرَةُ الْمُسْلِمِينَ) لِتَسْجُدَ طَائِفَةٌ وَتَحْرُسَ أُخْرَى (وَكَوْنُ الْعَدُوِّ فِي) جِهَةِ (الْقِبْلَةِ) لِيَتَمَكَّنَ الْحَارِسُونَ مِنْ رُؤْيَتِهِمْ فَيَأْمَنُوا كَيْدَهُمْ وَكَوْنُهُمْ (غَيْرَ مُسْتَتِرِينَ) عَنْ الْمُسْلِمِينَ (بِشَيْءٍ) يَمْنَعُ رُؤْيَتَهُمْ وَعِبَارَتُهُ كَغَيْرِهِ فِي هَذَا صَادِقَةٌ بِأَنْ يَسْجُدَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّانِي فِي الثَّانِيَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِيهَا بِمَكَانِهِ أَوْ تُحَوَّلُ مَكَانَ الْآخَرِ وَبِعَكْسِ ذَلِكَ فَهِيَ أَرْبَعُ كَيْفِيَّاتٍ وَكُلُّهَا جَائِزَةٌ إذَا لَمْ تَكْثُرْ أَفْعَالُهُمْ فِي التَّحَوُّلِ وَاَلَّذِي فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ سُجُودُ الْأَوَّلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ فَالِاسْتِمَاعُ كَذَلِكَ) صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِاسْتِحْبَابِهِ

0 التعليقات