كتاب الحج والعمرة الفقه علي مذهب الإمام الشافعي أسنى المطالب

يناير 20, 2022
عنوان الكتاب: أسنى المطالب في شرح روض الطالب و حاشية الرملي الكبير
المؤلف: زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري - شهاب أحمد الرملي - محمد بن أحمد الشوبري
تحقيق: زهير الشاويش الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان الطبعة: الثالثة، 1412هـ / 1991م
الموضوع: الفقه علي مذهب الإمام الشافعي
عدد الأجزاء: 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عدد المجلدات: 4
عدد الصفحات: 2072

[كِتَابُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ]
(كِتَابُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) الْحَجُّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا، لُغَةً: الْقَصْدُ وَشَرْعًا: قَصْدُ الْكَعْبَةِ لِلنُّسُكِ الْآتِي بَيَانُهُ وَالْعُمْرَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ مَعَ ضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِهَا وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ لُغَةً: الزِّيَارَةُ وَقِيلَ: الْقَصْدُ إلَى مَكَان عَامِرٍ وَشَرْعًا: قَصْدُ الْكَعْبَةِ لِلنُّسُكِ الْآتِي بَيَانُهُ (وَهُمَا) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (فَرْضٌ) أَيْ مَفْرُوضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] وَلِقَوْلِهِ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] أَيْ ائْتُوا بِهِمَا تَامَّيْنِ وَلِخَبَرِ ابْنِ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: نَعَمْ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» وَأَمَّا خَبَرُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ جَابِرٍ «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ: لَا وَأَنْ تَعْتَمِرُوا فَهُوَ أَفْضَلُ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك» فَضَعِيفٌ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى ضَعْفِهِ، وَلَا يُغْتَرُّ بِقَوْلِ التِّرْمِذِيِّ فِيهِ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ عَدَمُ وُجُوبِهَا مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَى السَّائِلِ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ قَالَ وَقَوْلُهُ وَأَنْ تَعْتَمِرَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَلَا يُغْنِي عَنْ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا وَيُفَارِقُ الْغُسْلَ حَيْثُ يُغْنِي عَنْ الْوُضُوءِ بِأَنَّ الْغُسْلَ أَصْلٌ فَأَغْنَى عَنْ بَدَلِهِ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ أَصْلَانِ.

(، وَلَمْ يُفْرَضَا فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «خَطَبَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكُلَّ عَامٍ: فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِخَبَرِ الدَّارَقُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «عَنْ سُرَاقَةَ قَالَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ عُمْرَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ لَا بَلْ لِلْأَبَدِ» .

(وَإِنْ ارْتَدَّ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِذَلِكَ (ثُمَّ أَسْلَمَ) فَإِنَّهُ لَا يُفْرَضُ إلَّا مَرَّةً فَلَا تَجِبُ إعَادَتُهُ؛ (لِأَنَّهَا) أَيْ الرِّدَّةَ (لَا تُحْبِطُ عَمَلَ مَنْ لَمْ يَمُتْ مُرْتَدًّا) لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
يَنْقَطِعُ الْوَلَاءُ (قَوْلُهُ مَا عَدَا زَمَنِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَمُتَابِعُوهُ (قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَالَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْفَحْصِ عَنْهُ اهـ

(قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ) بِأَنْ قَصَدَهُ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ انْتَظَرَ مَجِيئُهُ

(كِتَابُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) (قَوْلُهُ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى ضَعْفِهِ) ؛ لِأَنَّ فِي رِجَالِهِ ابْنَ أَرْطَاةَ وَابْنَ لَهِيعَةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ) أَوْ سَأَلَ عَنْ عُمْرَةٍ ثَانِيَةٍ (قَوْلُهُ بِأَنَّ الْغُسْلَ أَصْلٌ فَأَغْنَى عَنْ بَدَلِهِ إلَخْ) وَجْهُهُ أَنَّ الْغُسْلَ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ هُوَ الْأَصْلُ وَإِنَّمَا حُطَّ عَنْهُ إلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ تَخْفِيفًا.

(قَوْلُهُ «لَوَجَبَتْ عَلَيْكُمْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» ) وَالْحَجُّ مُطْلَقًا إمَّا فَرْضُ عَيْنٍ، وَهُوَ هَاهُنَا أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَسَيَأْتِي فِي السِّيَرِ أَوْ تَطَوُّعٌ، وَاسْتُشْكِلَ تَصْوِيرُهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِي الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَيْنِ لَا يَتَوَجَّهَانِ إلَيْهِمْ وَبِأَنَّ فِي حَجِّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضُ عَيْنٍ جِهَتَيْنِ: جِهَةُ تَطَوُّعٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَجِهَةُ فَرْضِ كِفَايَةٍ مِنْ حَيْثُ إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَفِيهِ الْتِزَامُ السُّؤَالِ إذْ لَمْ يَخْلُصْ لَنَا حَجُّ تَطَوُّعٍ عَلَى حِدَتِهِ وَفِي الْأَوَّلِ الْتِزَامُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُكَلَّفِينَ ثُمَّ إنَّهُ لَا يَبْعُدُ وُقُوعُهُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَرْضًا وَيَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ كَمَا فِي الْجِهَادِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. اهـ. يُجَابُ عَنْهُ بِتَصْوِيرِهِ فِي مُكَلَّفِينَ لَمْ يُخَاطَبُوا بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِمْ وَقَدْ أَدَّوْا فَرْضَ الْعَيْنِ ثُمَّ تَحَمَّلُوا الْمَشَقَّةَ وَأَتَوْا بِهِ.

(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُحْبِطُ عَمَلَ مَنْ لَمْ يَمُتْ مُرْتَدًّا) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ هَذَا ذُهُولٌ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى حُبُوطِ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ بِمُجَرَّدِ الرِّدَّةِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ نَفِيسَةٌ مُهِمَّةُ غَفَلُوا عَنْهَا قَالَ الْعِرَاقِيُّ فَسَّرَ الشَّافِعِيُّ مُرَادَهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: فَإِنْ قِيلَ مَا أُحْبِطَ مِنْ عَمَلِهِ قَبْلَ أَجْرِ عَمَلِهِ لَا إنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ فَرْضًا أَدَّاهُ مِنْ صَلَاةٍ، وَلَا صَوْمٍ، وَلَا غَيْرِهِمَا قَبْلَ أَنْ

(1/443)


{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] وَبِهَذَا قَيَّدَ الْأَصْحَابُ بَقِيَّةَ الْآيَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 5] .

وَإِنَّمَا يُفْرَضَانِ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ حُرٍّ مُسْتَطِيعٍ) فَلَا يُفْرَضَانِ عَلَى كَافِرٍ أَصْلِيٍّ، وَلَا غَيْرِ مُمَيِّزٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَلَا عَلَى مَنْ فِيهِ رِقٌّ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِسَيِّدِهِ فَلَيْسَ مُسْتَطِيعًا، وَلَا فَرْضَ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ لِمَفْهُومِ الْآيَةِ وَذَكَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسَ مَرَاتِبَ: الصِّحَّةُ الْمُطْلَقَةُ وَصِحَّةُ الْمُبَاشَرَةِ، وَالْوُقُوعُ عَنْ النُّذُورِ وَالْوُقُوعُ عَنْ فَرْضِ الْإِسْلَامِ وَالْوُجُوبُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ (فَيُشْتَرَطُ) مَعَ الْوَقْتِ (الْإِسْلَامُ) وَحْدَهُ (لِلصِّحَّةِ) الْمُطْلَقَةِ فَلَا يَصِحَّانِ مِنْ كَافِرٍ، وَلَا عَنْهُ أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْعِبَادَةِ وَ (مَعَ التَّمْيِيزِ) دُونَ مَا يَأْتِي (لِلْمُبَاشَرَةِ) فَلَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُمَيِّزٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَإِنَّمَا يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ (وَمَعَ التَّكْلِيفِ) دُونَ مَا يَأْتِي (لِلنَّذْرِ) فَلَا يَصِحُّ نَذْرُهُمَا مِنْ كَافِرٍ، وَلَا غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا (وَمَعَ الْحُرِّيَّةِ) دُونَ الِاسْتِطَاعَةِ (لِوُقُوعِهِ) أَيْ الْفِعْلِ الْآتِي بَيَانُهُ (عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ) وَعُمْرَتِهِ فَلَا يَقَعُ عَنْهُمَا مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ، وَلَا مِمَّنْ فِيهِ رِقٌّ لِخَبَرِ «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ؛ وَلِأَنَّ النُّسُكَ عِبَادَةُ عُمْرٍ فَاعْتُبِرَ وُقُوعُهُ حَالَ الْكَمَالِ فَلَوْ تَكَلَّفَهُ الْفَقِيرُ وَقَعَ فَرْضُهُ لِكَمَالِ حَالِهِ بِخِلَافِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ (وَلَا يَتَكَرَّرُ) وُجُوبُهُمَا لِمَا مَرَّ (إلَّا بِنَذْرِ أَوْ قَضَاءٍ) لِتَكَرُّرِ مُقْتَضِيهِ فِيهِمَا.

(فَرْعٌ الِاسْتِطَاعَةُ تَارَةً) تَكُونُ (بِالنَّفْسِ وَتَارَةً) تَكُونُ (بِالْغَيْرِ فَالْأُولَى تَتَعَلَّقُ بِخَمْسَةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ وَالثَّانِي الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ) لِتَفْسِيرِ السَّبِيلِ فِي الْآيَةِ بِهِمَا فِي خَبَرِ الْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَتُعْتَبَرُ أَوْعِيَةُ الزَّادِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي لِلضَّرُورَةِ إلَيْهَا (فَمَنْ فَضَلَ عَنْ دَيْنِهِ، وَلَوْ مُؤَجَّلًا أَوْ أُمْهِلَ بِهِ) ، وَلَوْ إلَى إيَابِهِ (وَ) عَنْ (نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ وَكِسْوَتُهُمْ اللَّائِقَةُ) بِهِ وَبِهِمْ ذَهَابًا وَإِيَابًا (وَكَذَا عَنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ يَحْتَاجُهُ) أَيْ كُلًّا مِنْهُمَا (لِزَمَانَةٍ أَوْ مَنْصِبٍ) أَوْ نَحْوِهِمَا (أَوْ عَنْ ثَمَنِهِمَا مَا يَصْرِفُهُ فِي الزَّادِ وَأَوْعِيَتِهِ وَمُؤَنِ السَّفَرِ ذَهَابًا وَإِيَابًا فَمُسْتَطِيعٌ) فَيَلْزَمُهُ النُّسُكُ، وَإِلَّا فَلَا كَنَظِيرِهِ فِي الْكَفَّارَةِ وَصَرَّحَ الدَّارِمِيُّ بِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَتْرُكَ لِمُمَوِّنِهِ نَفَقَةَ الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ، وَوَجْهُ اعْتِبَارِ كَوْنِ مَا ذُكِرَ فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ أَنَّ الْحَالَّ عَلَى الْفَوْرِ، وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي وَالْمُؤَجَّلَ يَحِلُّ عَلَيْهِ فَإِذَا صَرَفَ مَا مَعَهُ فِي الْحَجِّ لَمْ يَجِدْ مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ.
وَقَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالنَّفَقَةِ مَا يَشْمَلُ مَا ذُكِرَ وَإِعْفَافَ الْأَبِ وَأُجْرَةَ الطَّبِيبِ وَثَمَنَ الْأَدْوِيَةِ لِحَاجَتِهِ وَحَاجَةِ الْقَرِيبِ وَالْمَمْلُوكِ إلَيْهِمَا وَلِحَاجَةِ غَيْرِهِمَا إذَا تَعَيَّنَ الصَّرْفُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُسَمُّونَهُ نَفَقَةً كَمَا يُسَمُّونَهُ مُؤْنَةً، وَاللَّائِقَةُ صِفَةٌ لِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ لَا لِفَاعِلِ تَلْزَمُهُ فَتَأَمَّلْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَكَلَامُهُمْ يَشْمَلُ الْمَرْأَةَ الْمَكْفِيَّةَ بِإِسْكَانِ الزَّوْجِ وَإِخْدَامِهِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَدْ تَنْقَطِعُ فَتَحْتَاجُ إلَيْهِمَا وَكَذَا الْمَسْكَنُ لِلْمُتَفَقِّهَةِ السَّاكِنِينَ بِبُيُوتِ الْمَدَارِسِ وَالصُّوفِيَّةِ بِالرُّبُطِ وَنَحْوِهَا اهـ وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ بَلْ الْمُتَّجَهُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ مُسْتَطِيعُونَ لِاسْتِغْنَائِهِمْ فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ الْمُعْتَبَرُ وَلِهَذَا تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ كَانَ غَنِيًّا لَيْلَةَ الْعِيدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَمَا قَالَهُ حَسَنٌ، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ (فَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةَ الْقَصْرِ) مُطْلَقًا (أَوْ دُونَهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ) عَنْ الْمَشْيِ لِأَدَاءِ النُّسُكِ بِأَنْ يَعْجِزَ عَنْهُ أَوْ يَنَالَهُ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ (فَلَا بُدَّ أَنْ يَفْضُلَ لَهُ) عَمَّا ذَكَرَهُ (مَا يَصْرِفُهُ فِي الرَّاحِلَةِ) أَيْضًا فَإِنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى الْمَشْيِ بِلَا مَشَقَّةٍ فِيمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ بِخِلَافِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ بِزَحْفٍ أَوْ حَبْوٍ وَاعْتَبَرُوا الْمَسَافَةَ هُنَا مِنْ مَبْدَأِ سَفَرِهِ إلَى مَكَّةَ لَا إلَى الْحَرَمِ عَكْسُ مَا اعْتَبَرُوهُ فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي التَّمَتُّعِ رِعَايَةً لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِمَا، وَفِي عَدَمِ اعْتِبَارِ الرَّاحِلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ عَرَفَاتٍ أَكْثَرُ نُظِرَ.

(وَيُسَنُّ لِقَادِرٍ) عَلَى الْمَشْيِ لَا يَجِدُ رَاحِلَةً بَلْ زَادًا أَوْ لَهُ صَنْعَةٌ يَكْتَسِبُ بِهَا مُؤْنَتَهُ، وَهُوَ (لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَشْيُ أَنْ يَحُجَّ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
يُرِيدَ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ مُسْلِمًا ثُمَّ بَسَطَ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ هَذَا لَمْ يَرِدْ هَذَا النَّصُّ عَلَى قَوْلِنَا لَا تَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْحَجِّ. اهـ. عَلَى أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ مَنَعَ إحْبَاطَ الثَّوَابِ وَقَالَ: إذَا حَجَّ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ مُرْتَدًّا فَحَجَّهُ ثَابِتٌ، وَفَائِدَةُ الْحَجِّ الْمَنْعُ مِنْ الْعِقَابِ، وَلَوْ لَمْ يَحُجَّ لَعُوقِبَ عَلَى تَرْكِ الْحَجِّ وَلَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ ثَوَابًا فَإِنَّ دَارَ الثَّوَابِ الْجَنَّةُ، وَهُوَ لَا يَدْخُلُهَا فَأَمَّا إذَا مَاتَ مُسْلِمًا فَالْحَجُّ قَدْ قُضِيَ عَلَى الصِّحَّةِ، وَالْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالثَّوَابُ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ فَلَا مَعْنَى لِلْإِحْبَاطِ فِي حَقِّهِ أَصْلًا.

. اهـ. (قَوْلُهُ لِوُقُوعِهِ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ) شَمَلَ مَا لَوْ أَتَى بِهِمَا وَعِنْدَهُ أَنَّهُ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ فَبَانَ بَالِغًا حُرًّا.

(قَوْلُهُ وَالرَّاحِلَةُ) الرَّاحِلَةُ مَا يُرْكَبُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى قَالَ الطَّبَرِيُّ وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ حَمُولَةٍ اُعْتِيدَ الْحَمْلُ عَلَيْهَا فِي طَرِيقِهِ مِنْ بِرْذَوْنٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهَذَا صَحِيحٌ فِيمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرَاحِلُ يَسِيرَةٌ يُسَافِرُ فِي الْعَادَةِ عَلَى الْحُمُرِ وَنَحْوِهَا إلَيْهَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الطَّرِيقِ دُونَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْإِبِلِ لَا يَقْوَى عَلَى الْمَسَافَاتِ الشَّاقَّةِ وَقَوْلُهُ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ إلَخْ) وَذَكَرُوا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِصَدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ لَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ (قَوْلُهُ وَمَا قَالَهُ حَسَنٌ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ إلَخْ) وَيُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُ الْمُهَذَّبِ مَسْكَنٌ بَدَّلَهُ مِنْ مِثْلِهِ (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ) لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَوَجَدَ أُجْرَةَ رَاحِلَةٍ لَا تَفِي بِجَمِيعِ مَسَافَةٍ بَلْ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى أُجْرَةٍ فِيمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَشْيِهَا قَالَ فِي الْخَادِمِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الرُّكُوبُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَفِي بِهِ أُجْرَتَهُ ثُمَّ يَمْشِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ بِالرُّكُوبِ يَنْتَهِي لِحَالَةٍ تَلْزَمُهُ فَهِيَ مُقَدِّمَةُ الْوَاجِبِ. اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ

(1/444)


بِمَشَقَّةٍ لَا يُكْرَهُ تَحَمُّلُهَا كَالْمُسَافِرِ إذَا قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَخَرَجَا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ زَادًا وَلَيْسَ لَهُ صَنْعَةٌ وَاحْتَاجَ إلَى أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ كُرِهَ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ مَكْرُوهٌ وَلِأَنَّ فِيهِ تَحَمُّلَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُهَذَّبِ وَشَرْحِهِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَقَضِيَّةُ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي اسْتِحْبَابِ الْمَشْيِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا اقْتَضَاهُ نَصُّ الْأُمِّ وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ سُلَيْمٌ فِي الْمُجَرَّدِ قَالَ إلَّا أَنَّهُ لِلرَّجُلِ آكَدُ نَعَمْ فِي التَّقْرِيبِ أَنَّ لِلْوَلِيِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَنْعَهَا وَهُوَ مُتَّجَهٌ لَا يُنَافِي مَا مَرَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَلِيَّ هُنَا الْعَصَبَةُ وَيَتَّجِهُ إلْحَاقُ الْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ بِهِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَلَعَلَّ هَذَا فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ عِنْدَ التُّهْمَةِ، وَإِلَّا فَلَا مَنْعَ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فِيمَا إذَا كَانَتْ التُّهْمَةُ فِي الْفَرْضِ.

(وَالْحَجُّ) لِوَاجِدِ الرَّاحِلَةِ (رَاكِبًا أَفْضَلُ) مِنْهُ مَاشِيًا خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى مُهِمَّاتِ الْعِبَادَةِ مَعَ الرُّكُوبِ أَيْسَرُ.

(وَيُشْتَرَطُ لِلْمَرْأَةِ وَمَنْ يَتَضَرَّرُ بِالرَّاحِلَةِ) أَيْ بِرُكُوبِهَا بِأَنْ تَلْحَقَهُ بِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ بِأَنْ يَخْشَى مِنْهُ الْمَرَضَ (شِقٌّ) أَيْ وِجْدَانُ شِقٍّ (مَحْمِلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ وَبِالْعَكْسِ خَشَبَةٌ يَكُونُ الرَّاكِبُ فِيهَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ (إنْ وَجَدَ شَرِيكًا) الْأَوْلَى وَشَرِيكٌ أَيْ وَوِجْدَانُ شَرِيكٍ يَجْلِسُ فِي الشِّقِّ الْآخَرِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى مُؤْنَةِ الْمَحْمِلِ بِتَمَامِهِ قَالَ فِي الْوَسِيطِ؛ لِأَنَّ بَذْلَ الزَّائِدِ خَسْرَانٌ لَا مُقَابِلَ لَهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ زَادٍ وَغَيْرِهِ إذَا أَمْكَنَتْ الْمُعَادَلَةُ بِهِ يَقُومُ مَقَامَ الشَّرِيكِ وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي تَعَيُّنَ الشَّرِيكِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الْأَوَّلُ هُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ وَكَلَامُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الْوَجْهُ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ نَقْلًا عَنْ الْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرِهِ اعْتِبَارَ الْمَحْمِلِ لِلْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَنْ لَا يَلِيقُ بِهَا رُكُوبُهَا بِدُونِهِ أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهَا، أَمَّا غَيْرُهَا فَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ، وَحَيْثُ اُعْتُبِرَتْ الرَّاحِلَةُ وَشِقُّ الْمَحْمِلِ فَالْمُرَادُ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْهُمَا، وَلَوْ (بِشِرَاءٍ أَوْ كِرَاءٍ بِثَمَنِ) الْمِثْلِ فِي الْأَوَّلِ (أَوْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ) فِي الثَّانِي قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ وَالْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ لَهَا يُوجِبَانِ الْحَجَّ بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ وَلَوْ وُقِفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِخُصُوصِهِ وَقَبِلَهُ أَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ وَصَحَّحْنَاهُ فَلَا شَكَّ فِي الْوُجُوبِ نَعَمْ لَوْ حَمَلَهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَأَهْلِ وَظَائِفِ الرَّكْبِ مِنْ الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ فَفِي الْوُجُوبِ نَظَرٌ. اهـ. وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا نَدَبَ أَحَدًا لِمُهِمٍّ يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لَزِمَهُ الْقَبُولُ وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ ذَلِكَ فَاضِلًا عَمَّا مَرَّ (ذَهَابًا وَإِيَابًا) إلَى وَطَنِهِ (، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) بِهِ (أَهْلٌ) ، وَلَا عَشِيرَةٌ لِمَا فِي الْغُرْبَةِ مِنْ الْوَحْشَةِ وَلِنَزْعِ النُّفُوسِ لِلْأَوْطَانِ (فَإِنْ تَضَرَّرَ) مَنْ ذُكِرَ بِالْمَحْمِلِ أَيْ بِالرُّكُوبِ فِيهِ (فَكَنِيسَةٌ) تُشْتَرَطُ لَهُ، وَهُوَ أَعْوَادٌ مُرْتَفِعَةٌ بِجَوَانِبِ الْمَحْمِلِ عَلَيْهَا سِتْرٌ يَدْفَعُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَيُسَمَّى فِي الْعُرْفِ مَجْمُوعُ ذَلِكَ مَحَارَةٌ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْكَنْسِ وَهُوَ السَّتْرُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [التكوير: 16] أَيْ الْمَحْجُوبَاتِ.

(وَيُصْرَفُ) لُزُومًا (لَهُمَا) أَيْ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوْ لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ مَعَ مَا ذُكِرَ (رَأْسُ مَالِهِ) فِي التِّجَارَةِ (وَضَيْعَتُهُ) أَيْ وَثَمَنُ ضَيْعَتِهِ الَّتِي يَسْتَغِلُّهَا وَإِنْ بَطَلَتْ تِجَارَتُهُ وَمُسْتَغَلَّاتُهُ كَمَا يَلْزَمُهُ مَصْرِفُهُمَا فِي دَيْنِهِ وَفَارَقَا الْمَسْكَنَ وَالْخَادِمَ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا فِي الْحَالِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ يَتَّخِذُهُ ذَخِيرَةً لِلْمُسْتَقْبَلِ (وَلَوْ كَانَ دَارٌ وَعَبْدٌ نَفِيسَانِ لَا يَلِيقَانِ بِهِ لَزِمَهُ) إبْدَالُهُمَا بِمَا يَلِيقَانِ بِهِ (وَإِنْ كَفَاهُ الزَّائِدُ عَلَى اللَّائِقِ) بِهِ لِمُؤْنَةِ النُّسُكِ وَمِثْلُهَا الثَّوْبُ النَّفِيسُ كَنَظِيرِهِ فِي الْكَفَّارَةِ وَشَمَلَ كَلَامُهُمْ الْمَأْلُوفِينَ، وَيُفَارِقُ نَظِيرَهُ فِي الْكَفَّارَةِ بِمَا قَدَّمْتُهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَلَوْ أَمْكَنَ بَيْعُ بَعْضِ الدَّارِ وَلَوْ غَيْرَ نَفِيسَةٍ وَوَفَّى ثَمَنُهُ بِمُؤْنَةِ النُّسُكِ لَزِمَهُ أَيْضًا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَالْجَارِيَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَرْأَةِ إلَخْ) يُتَّجَهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِيمَنْ لَا يَلِيقُ بِهَا أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهَا وَيَنْبَغِي الرُّجُوعُ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهَا أَوْ عَادَةُ أَمْثَالِهَا فِي الْأَسْفَارِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَسَكَتُوا عَنْ الْخُنْثَى، وَالْقِيَاسُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَالْمَرْأَةِ (قَوْلُهُ إنْ وَجَدَ شَرِيكًا) إطْلَاقُهُ الشَّرِيكَ يَشْمَلُ اللَّائِقَ بِمُجَالَسَتِهِ وَغَيْرَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِمُجَالَسَتِهِ أَخْذًا مِنْ نَظِيرِهِ فِي الْوَلِيمَةِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَمْ أَرَ نَصًّا فِيمَا يَعْتَادُهُ عُظَمَاءُ الدُّنْيَا مِنْ بَيْتٍ صَغِيرٍ يُتَّخَذُ مِنْ خَشَبٍ يُسَمُّونَهُ الْمُحَفَّةُ يُحْمَلُ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَقَدْ يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَوْ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ رُكُوبُهُ لِعِظَمِ الْمُؤْنَةِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ وُجُودَ شَرِيكٍ يَجْلِسُ فِي شِقِّ الْمَحْمِلِ الْآخَرِ، وَقَدْ يُتَخَيَّلُ اغْتِفَارُ ذَلِكَ مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ لَا بُعْدِهَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الْحَجُّ إلَّا فِيهِ لِشِدَّةِ الضَّنَى وَالْهَرَمِ وَالْفَالِجِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْوُجُوبُ عِنْدَ الْمُكْنَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَيَجِبُ عَلَيْهِ إنْ قَدَرَ فِي الْمَحْمِلِ بِلَا ضَرَرٍ وَكَانَ وَاجِدًا لَهُ وَالْمُرْكِبُ غَيْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَرْكَبَ الْمَحْمِلَ أَوْ مَا أَمْكَنَهُ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُرْكِبِ. اهـ. وَقَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَهْلًا إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ إلَخْ (قَوْلُهُ وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي إلَخْ) وَهُوَ الْمُتَّجَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَادَلَةَ بِالزَّادِ وَنَحْوِهِ لَا تَقُومُ فِي السُّهُولَةِ مَقَامَ الشَّرِيكِ عِنْدَ النُّزُولِ وَالرُّكُوبِ وَنَحْوَ ذَلِكَ ت (قَوْلُهُ فَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْخُنْثَى إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَوْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي الثَّانِي) أَوْ شِرَائِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ (قَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْمَوْقُوفَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَلَا شَكَّ فِي الْوُجُوبِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لِمَا فِي الْغُرْبَةِ مِنْ الْوَحْشَةِ إلَخْ) وَلِذَلِكَ جُعِلَتْ عُقُوبَةً فِي حَقِّ الزَّانِي.
(قَوْلُهُ وَلِنَزْعِ النُّفُوسِ لِلْأَوْطَانِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَهُ بَلَدٌ نَشَأَ فِيهِ وَاسْتَوْطَنَهُ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ وُجُودُ نَفَقَةِ الْإِيَابِ كَذَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَحُكْمُ الرَّاحِلَةِ لِلْإِيَابِ حُكْمُ النَّفَقَةِ وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ لِلرُّجُوعِ بِمَنْ لَهُ بِالْحِجَازِ حِرْفَةٌ أَوْ صَنْعَةٌ تَقُومُ بِمُؤْنَتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَقَوْلُهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ وُجُودُ نَفَقَةِ الْإِيَابِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُ الْقَوْلِ إلَخْ (قَوْلُهُ فَإِنْ تَضَرَّرَ بِالْمَحْمِلِ إلَخْ) الضَّابِطُ فِي ذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنْ يَلْحَقَهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ بَيْنَ الْمَحْمِلِ وَالرَّاحِلَةِ

(1/445)


النَّفِيسَةُ الْمَأْلُوفَةُ كَالْعَبْدِ إنْ كَانَتْ لِلْخِدْمَةِ فَإِنْ كَانَتْ لِلتَّمَتُّعِ لَمْ يُكَلَّفْ بَيْعَهَا قَالَ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَمْ أَرَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَالْمُتَّجَهُ أَنَّهَا كَالْعَبْدِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْعَلَقَةَ فِيهَا كَالْعَلَقَةِ فِيهِ قُلْت، وَقَدْ يُؤَيَّدُ بِمَا يَأْتِي قَرِيبًا فِي حَاجَةِ النِّكَاحِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَا يَلْزَمُ الْفَقِيهَ بَيْعُ كُتُبِهِ لِلْحَجِّ فِي الْأَصَحِّ لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ نُسْخَتَانِ فَيَلْزَمُهُ بَيْعُ إحْدَاهُمَا لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهَا.

(فَرْعٌ حَاجَةُ) الشَّخْصِ (إلَى النِّكَاحِ وَلَوْ خَافَ الْعَنَتَ لَا تَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَجِّ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ الْمَلَاذِّ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ (لَكِنَّ تَقْدِيمَ النِّكَاحِ لِخَائِفِهِ) أَيْ الْعَنَتِ (أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ النِّكَاحِ نَاجِزَةٌ وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي وَتَقْدِيمُ الْحَجِّ أَفْضَلُ لِغَيْرِ خَائِفِ الْعَنَتِ

(فَرْعٌ لَوْ ادَّخَرَ) أَيْ وَجَدَ (الْمُكْتَسِبُ كِفَايَةَ أَهْلِهِ) ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يَصْرِفُهُ إلَى الزَّادِ (وَكَانَ يَكْتَسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ وَالسَّفَرُ قَصِيرٌ لَزِمَهُ الْخُرُوجُ) لِلنُّسُكِ لِاسْتِغْنَائِهِ بِكَسْبِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يَكْتَسِبُ كِفَايَةَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ أَوْ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا (فَلَا) يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ لِانْقِطَاعِهِ عَنْ الْكَسْبِ أَيَّامَ الْحَجِّ فِي الْأَوَّلِ وَلِعِظَمِ الْمَشَقَّةِ فِي الثَّانِي، وَلَوْ كَانَ يَقْدِرُ فِي الْحَضَرِ عَلَى أَنْ يَكْتَسِبَ فِي يَوْمٍ مَا يَكْفِيهِ لَهُ وَلِلْحَجِّ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِاكْتِسَابُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ تَفَقُّهًا إنْ كَانَ السَّفَرُ قَصِيرًا لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا أُلْزِمُوا بِهِ فِي السَّفَرِ فَفِي الْحَضَرِ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ طَوِيلًا فَكَذَلِكَ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ. اهـ. وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ فِي الطَّوِيلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ الِاكْتِسَابُ لِإِيفَاءِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فَلِإِيجَابِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ لِإِيفَائِهِ أَوْلَى، الْوَاجِبُ فِي الْقَصِيرِ إنَّمَا هُوَ الْحَجُّ لَا الِاكْتِسَابُ، وَلَوْ قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ فِي الطَّوِيلِ ذَلِكَ فَالْمُتَّجَهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي الْقَصِيرِ لِقِلَّةِ الْمَشَقَّةِ غَالِبًا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ.

وَأَيَّامُ الْحَجِّ سَبْعَةٌ أَوَّلُهَا بَعْدَ زَوَالِ سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ وَآخِرُهَا بَعْدَ زَوَالِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْهُ وَقَضِيَّةُ تَحْدِيدِهَا بِالزَّوَالَيْنِ أَنَّهَا سِتَّةٌ لَكِنَّهُ اعْتَبَرَ فِيهَا تَمَامَ الطَّرَفَيْنِ تَغْلِيبًا فَعَدَّهَا سَبْعَةً وَاسْتَنْبَطَ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ التَّعْلِيلِ بِانْقِطَاعِهِ عَنْ الْكَسْبِ فِيهَا أَنَّهَا سِتَّةٌ قَالَ: وَهِيَ أَيَّامُ الْحَجِّ مِنْ خُرُوجِ النَّاسِ غَالِبًا، وَهُوَ مِنْ أَوَّلِ الثَّامِنِ إلَى آخِرِ الثَّالِثَ عَشَرَ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَنْفِرْ النَّفْرَ الْأَوَّلَ.

(وَالدَّيْنُ الْحَالُّ عَلَى) مَلِيءٍ (مُقِرٍّ أَوْ مُنْكِرٍ) وَ (عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ) بِهِ (كَالْحَاصِلِ) مَعَهُ فَيَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَمِنْ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ لِلْحَقِّ الظَّفَرُ بِشَرْطٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْحَاصِلِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِالظَّفَرِ (وَ) الدَّيْنُ (الْمُؤَجَّلُ وَنَحْوُهُ) كَالْحَالِّ عَلَى مُعْسِرٍ أَوْ مُنْكِرٍ لَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ (وَالْمَالُ الْمَوْجُودُ بَعْدَ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ كَالْمَعْدُومِ) فَلَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ، وَقَدْ يُجْعَلُ الْأَوَّلُ وَسِيلَةً إلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فَيَبِيعُ مَالَهُ مُؤَجَّلًا قَبْلَ وَقْتِ الْخُرُوجِ إذْ الْمَالُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ حِينَئِذٍ.

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَيُسَنُّ لِقَاصِدِ الْحَجِّ أَنْ يَكُونَ خَالِيًا عَنْ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا فِي طَرِيقِهِ فَإِنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ الْحَجِّ وَالتِّجَارَةِ فَحَجَّ وَاتَّجَرَ صَحَّ حَجُّهُ، وَسَقَطَ بِهِ عَنْهُ فَرْضُ الْحَجِّ وَلَكِنَّ ثَوَابَهُ دُونَ الْمُتَخَلِّي عَنْ التِّجَارَةِ

(الْأَمْرُ الثَّالِثُ الطَّرِيقُ فَيُشْتَرَطُ أَمْنٌ) فِيهِ، وَلَوْ ظَنًّا (لَائِقٌ) بِالسَّفَرِ، وَإِنْ لَمْ يَلِقْ بِالْحَضَرِ (عَلَى النَّفْسِ وَالْبُضْعِ وَالْمَالِ) وَلَوْ يَسِيرًا فَلَوْ خَافَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ نُسُكٌ لِتَضَرُّرِهِ وَلِهَذَا جَازَ التَّحَلُّلُ بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي وَالْمُرَادُ الْخَوْفُ الْعَامُّ حَتَّى لَوْ كَانَ الْخَوْفُ فِي حَقِّهِ وَحْدَهُ قُضِيَ مِنْ تَرِكَتِهِ كَالزَّمِنِ بِخِلَافِ مَنْ حَجَّ أَوَّلَ مَا تَمَكَّنَ فَأُحْصِرَ مِنْ الْقَوْمِ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
مَا يَلْحَقُهُ بَيْنَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ

(قَوْلُهُ وَالْمُتَّجَهُ أَنَّهَا كَالْعَبْدِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَا يَلْزَمُ الْفَقِيهَ بَيْعُ كُتُبِهِ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ سِلَاحُ الْجُنْدِيِّ وَخَيْلُهُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا لِلْقِتَالِ وَقَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.

[فَرْعٌ حَاجَةُ الشَّخْصِ إلَى النِّكَاحِ وَلَوْ خَافَ الْعَنَتَ لَا تَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَجِّ]
(قَوْلُهُ لَكِنَّ تَقْدِيمَ النِّكَاحِ لِخَائِفِهِ أَفْضَلُ) قَالَ شَيْخُنَا فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ قُضِيَ مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ وَلَكِنْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ وَذَلِكَ كَافٍ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ إذَا الشَّيْءُ لَا يَكُونُ مَطْلُوبَ الْفِعْلِ مَطْلُوبَ التَّرْكِ كَاتَبَهُ (قَوْلُهُ وَتَقْدِيمُ الْحَجِّ أَفْضَلُ لِغَيْرِ خَائِفِ الْعَنَتِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَلَمْ أَرَ لِلنَّاسِ كَلَامًا فِيمَا لَوْ كَانَ لَا يَصْبِرُ عَنْ الْجِمَاعِ لِغِلْمَةٍ هَلْ يُشْتَرَطُ لِلْوُجُوبِ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِصْحَابِ مَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ فِيهِ نَظَرٌ وَالْقَوْلُ بَعْدُ مُسْتَبْعَدٌ مَعَ اتِّجَاهِهِ. انْتَهَى وَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ كَلَامُهُمْ شَامِلٌ لَهُ.

(قَوْلُهُ لِاسْتِغْنَائِهِ بِكَسْبِهِ) يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ اعْتِبَارُ تَيَسُّرِ الْكَسْبِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ خُرُوجِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ (قَوْلُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ تَفَقُّهًا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.

(قَوْلُهُ، وَهُوَ مِنْ أَوَّلِ الثَّامِنِ إلَخْ) قَالَ فِي الذَّخَائِرِ وَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ كَانَ مَكِّيًّا وَقَدَرَ عَلَى أَنْ يَكْتَسِبَ يَوْمًا مَا يَكْفِيهِ لِأَيَّامِ الْحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ

(قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْخَوْفُ فِي حَقِّهِ وَحْدَهُ إلَخْ) نَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَجَزَمَ بِهِ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ هُنَا فَقَالَ مَنْ حَبَسَهُ سُلْطَانٌ أَوْ عَدُوٌّ أَوْ غَيْرُهُ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْحَجُّ وَكَانَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ قَادِرًا عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحَجَّ لَازِمٌ لَهُ يُقْضَى عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَالْمَرِيضِ، وَيَسْتَنِيبُ إنْ أَيِسَ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ الْوُجُوبُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ فَحِينَئِذٍ لَا يَقْضِي عَنْهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنُ هُوَ أَوْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ نَصَّ عَلَيْهِ. انْتَهَى ثُمَّ ذَكَرَ فِي بَابِ الْإِحْصَارِ أَنَّهُ يُسْتَنْبَطُ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ كَوْنِ الزَّوْجَةِ لَا تُحْرِمُ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَخَّرَتْ لِمَنْعِ الزَّوْجِ وَمَاتَتْ قُضِيَ مِنْ تَرِكَتِهَا، وَلَا تَعْصِي لِلْمَنْعِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تَمَكَّنَتْ قَبْلَ الزَّوْجِ فَتَعْصِي قَالَ: وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ حِكَايَةُ الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا. انْتَهَى، وَعَبَّرَ الْأَذْرَعِيُّ هُنَا بِنَظِيرِ مَا عَبَّرَ بِهِ السُّبْكِيُّ هُنَا وَقَالَ صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ. انْتَهَى، وَفِي الْخَادِمِ قِيلَ: إنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي اسْتِطَاعَةِ الْمَرْأَةِ إذْنُ الزَّوْجِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي أَنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعَهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ وَإِنْ مَنَعَهَا الزَّوْجُ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي بَابِ الْإِحْصَارِ مِنْ تَعْلِيقِهِ وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا فِي الْأُمِّ وَمَا يَشْهَدُ لَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ انْتَهَى مُلَخَّصًا قَالَ بَعْضُهُمْ لَكِنَّ إطْلَاقَهُمْ فِي الْحَصْرِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْفَرْضُ مُسْتَقِرًّا أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الِاسْتِطَاعَةُ بَعْدَ زَوَالِ الْحَصْرِ وَإِنْ كَانَ الْحَصْرُ خَاصًّا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ فِي الْخَادِمِ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ إنَّ الزَّوْجَةَ إنْ لَمْ تَسْتَطِعْ إلَّا بَعْدَ التَّزْوِيجِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ إلَّا أَنْ يَرْضَى

(1/446)


ثُمَّ تَحَلَّلَ وَمَاتَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْحَجِّ إذْ لَا يَجِدُ إلَيْهِ سَبِيلًا بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ غَيْرَهُ مِثْلُهُ فِي خَوْفِ الْعَدُوِّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْمَالِ بِالْمَالِ الَّذِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لِلْمُؤَنِ أَمَّا لَوْ أَرَادَ اسْتِصْحَابَ مَالٍ خَطِيرٍ لِلتِّجَارَةِ وَكَانَ الْخَوْفُ لِأَجْلِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ (وَلَوْ) كَانَ الْأَمْنُ (بِأَبْعَدِ الطَّرِيقِينَ) إلَى مَكَّةَ (إنْ اسْتَطَاعَهُ) بِأَنْ وَجَدَ مَا يَقْطَعُهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ النُّسُكُ كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا سِوَاهُ.

(وَيَجِبُ) النُّسُكُ (وَلَوْ عَلَى امْرَأَةٍ بِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ فِي الْبَحْرِ) ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ مَسْلُوكٌ فَأَشْبَهَ الْبَرَّ وَسَيَأْتِي فِي الْحَجْرِ بَيَانُ حُكْمِ إرْكَابِ الصَّبِيِّ وَمَالِهِ وَالْبَهِيمَةِ وَالرَّقِيقِ وَرُكُوبِ الْحَامِلِ الْبَحْرَ.

(وَيَحْرُمُ رُكُوبُهُ إنْ غَلَبَ الْهَلَاكُ) لِخُصُوصِ ذَلِكَ الْبَحْرِ أَوْ لِهَيَجَانِ الْأَمْوَاجِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ (وَكَذَا لَوْ تَسَاوَيَا) أَيْ السَّلَامَةُ وَالْهَلَاكُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ (فَإِنْ رَكِبَهُ وَمَا بَيْنَ يَدَيْهِ أَكْثَرُ) مِمَّا قَطَعَهُ (فَلَهُ الرُّجُوعُ) إلَى وَطَنِهِ (أَوْ) مَا بَيْنَ يَدَيْهِ (أَقَلُّ أَوْ تَسَاوَيَا فَلَا) رُجُوعَ لَهُ بَلْ يَلْزَمُهُ التَّمَادِي لِقُرْبِهِ مِنْ مَقْصِدِهِ فِي الْأَوَّلِ وَاسْتِوَاءِ الْجِهَتَيْنِ فِي حَقِّهِ فِي الثَّانِي، وَهَذَا بِخِلَافِ جَوَازِ تَحَلُّلِ الْمُحْرِمِ فِيمَا إذَا أَحَاطَ بِهِ الْعَدُوُّ؛ لِأَنَّ الْمُحْصَرَ مَحْبُوسٌ وَعَلَيْهِ فِي مُصَابَرَةِ الْإِحْرَامِ مَشَقَّةٌ بِخِلَافِ رَاكِبِ الْبَحْرِ نَعَمْ إنْ كَانَ مُحْرِمًا كَانَ كَالْمُحْصَرِ وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الرُّجُوعِ مَعَ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَنْ خَشِيَ الْعَضَبَ أَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَضَاقَ وَقْتُهُ أَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ تِلْكَ السَّنَةَ أَوْ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِذَلِكَ اسْتِقْرَارُ الْوُجُوبِ هُنَا (إنْ وَجَدَ بَعْدَ الْحَجِّ طَرِيقًا آخَرَ) فِي الْبَرِّ وَإِلَّا فَلَهُ الرُّجُوعُ لِئَلَّا يَتَحَمَّلَ زِيَادَةَ الْخَطَرِ بِرُكُوبِ الْبَحْرِ فِي رُجُوعِهِ، وَهَذَا التَّقْيِيدُ مِنْ زِيَادَتِهِ فِي صُورَةِ الْأَقَلِّ، وَهُوَ قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ (وَلَا خَطَرَ فِي الْأَنْهَارِ الْعَظِيمَةِ كَجَيْحُونَ) وَسَيُحَوُّنَّ وَالدِّجْلَةِ فَيَجِبُ رُكُوبُهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ فِيهَا لَا يَطُولُ وَخَطَرُهَا لَا يَعْظُمُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي قَطْعِهَا عَرْضًا أَوْ قَطْعِهَا طُولًا فَفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ هِيَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَشَدُّ خَطَرًا مِنْ الْبَحْرِ وَيُرَدُّ النَّظَرُ بِأَنَّ جَانِبَهَا قَرِيبٌ يُمْكِنُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ سَرِيعًا بِخِلَافِهِ فِي الْبَحْرِ.

(فَإِنْ كَانَ) مَنْ يُرِيدُ النُّسُكَ (امْرَأَةً اُشْتُرِطَ) أَنْ يَخْرُجَ (مَعَهَا زَوْجٌ أَوْ مَحْرَمٌ) بِنَسَبٍ أَوْ غَيْرِهِ لِتَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهَا وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ» وَفِي رِوَايَةٍ فِيهِمَا: «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ فِي أَبِي دَاوُد بَدَلَ الْيَوْمَيْنِ بَرِيدًا، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِي الزَّوْجِ وَالْمَحْرَمِ كَوْنُهُمَا ثِقَتَيْنِ، وَهُوَ فِي الزَّوْجِ وَاضِحٌ، وَأَمَّا فِي الْمَحْرَمِ فَسَبَبُهُ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ أَنَّ الْوَازِعَ الطَّبِيعِيَّ أَقْوَى مِنْ الشَّرْعِيِّ وَكَالْمَحْرَمِ عَبْدُهَا الْأَمِينُ صَرَّحَ بِهِ الْمَرْعَشِيُّ وَابْنُ أَبِي الصَّيْفِ وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مَعَهُ الْأَمْنُ عَلَى نَفْسِهَا إلَّا فِي مُرَاهِقٍ ذِي وَجَاهَةٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مَعَهُ الْأَمْنُ لِاحْتِرَامِهِ وَشَرَطَ الْعَبَّادِيُّ فِي الْمَحْرَمِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا وَيُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ (أَوْ نِسْوَةٌ ثِقَاتٌ وَلَا يُشْتَرَطُ) أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُنَّ (مَحْرَمٌ) أَوْ زَوْجٌ (لِإِحْدَاهُنَّ) لِانْقِطَاعِ الْأَطْمَاعِ بِاجْتِمَاعِهِنَّ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِغَيْرِ الثِّقَاتِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ الْمَحَارِمِ لِعَدَمِ الْأَمْنِ وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ بُلُوغُهُنَّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِخَطَرِ السَّفَرِ إلَّا أَنْ تَكُنَّ مُرَاهِقَاتٍ، فَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِهِنَّ وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ ثَلَاثٌ غَيْرُهَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَلَا مَعْنَى لَهُ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ الْمُتَّجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِاجْتِمَاعِ أَقَلِّ الْجَمْعِ، وَهُوَ ثَلَاثٌ بِهَا. اهـ. وَاعْتِبَارُ الْعَدَدِ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
الزَّوْجُ كَمَا نَقُولُ شَرْطُ اسْتِطَاعَتِهَا وُجُودُ الْمَحْرَمِ. انْتَهَى وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ عَنْهُ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْإِحْصَارِ عَنْ الرُّويَانِيِّ أَنَّهُ لَوْ حُبِسَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَنْ الْحَجِّ أَوَّلُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ لَا يَسْتَقِرُّ وُجُوبُهُ عَلَيْهِمْ وَلَوْ حُبِسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَهَلْ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ، فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا لَا. انْتَهَى فَعُلِمَ أَنَّ النَّصَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَجَزَمَ بِهِ السُّبْكِيُّ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَإِنَّ الْأَصَحَّ مُقَابِلُهُ لَكِنْ فِي مَنَاسِكِ ابْنِ جَمَاعَةَ حِكَايَةُ الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَأَنَّ الْأَصَحَّ اسْتِقْرَارُهُ عَلَيْهِ. انْتَهَى، (قَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ بَلْ يَلْزَمُهُ التَّمَادِي لِقُرْبِهِ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَثْرَةِ وَالتَّسَاوِي الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ النَّظَرُ إلَى الْمَسَافَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْخَوْفِ فِي جَمِيعِ الْمَسَافَةِ أَمَّا لَوْ اخْتَلَفَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ وَغَيْرِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَا أَمَامَهُ أَقَلَّ مَسَافَةً لَكِنَّهُ أَخْوَفُ أَوْ هُوَ الْمَخُوفُ لَا يَلْزَمُهُ التَّمَادِي وَإِنْ كَانَ أَطْوَلَ مَسَافَةً وَلَكِنَّهُ سَلِيمٌ وَخَلَفَ الْمَخُوفُ وَرَآهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ نَعَمْ إنْ كَانَ مُحْرِمًا إلَخْ) هَذَا مَرْدُودٌ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِ حُكْمِ الْمُحْصَر.

(قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ امْرَأَةً اُشْتُرِطَ مَعَهَا زَوْجٌ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَلَوْ اسْتَطَاعَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ مَا نُكِحَتْ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهَا الْحَجُّ حَتَّى يَأْذَنَ لَهَا الزَّوْجُ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَهُ مَنْعُهَا فَإِنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَلَوْ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَى بَالِغَةٍ بِكْرٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ تَزْوِيجُهَا إلَّا بِإِذْنِهَا؛ لِأَنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا الْمُبَادَرَةَ إلَى أَدَاءِ فَرْضِ الْحَجِّ وَلَهَا غَرَضٌ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْهُ وَهَذِهِ بِكْرٌ لَا يُجْبِرُهَا الْأَبُ إلَّا بِإِذْنِهَا. انْتَهَى (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَشَرَطَ الْعَبَّادِيُّ فِي الْمُحْرِمِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ أَنَّهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ بُلُوغُهُنَّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَخْ) وَصَوَّبَ ابْنُ الْعِمَادِ اعْتِبَارَ ثَلَاثٍ غَيْرَهَا وَاسْتَوْضَحَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا فِي الْإِحْيَاءِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى فِي اسْتِحْبَابِ كَوْنِ الرُّفْقَةِ أَرْبَعَةً أَنَّهُ إذَا ذَهَبَ اثْنَانِ لِحَاجَةٍ بَقِيَ اثْنَانِ فَيَسْتَأْنِسَانِ بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ الذَّاهِبَ وَحْدَهُ أَوْ الْمُتَخَلِّفَ إنْ ذَهَبَ اثْنَانِ يَسْتَوْحِشُ فَالنِّسْوَةُ أَوْلَى إذْ الذَّاهِبَةُ مِنْ الثَّلَاثِ لِلْحَاجَةِ وَحْدَهَا أَوْ الْمُتَخَلِّفَةُ عِنْدَ الْمَتَاعِ يُخْشَى عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْأَرْبَعِ. انْتَهَى.
وَفِي الْخَادِمِ أَنَّ الْأَشْبَهَ اعْتِبَارُ ثَلَاثٍ غَيْرَهَا وَذَكَرَ نَحْوَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ وَلَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَمَاتَ لَزِمَهَا إتْمَامُهُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَفِي مَعْنَاهُ مَنْ أُقِيمَ مَقَامَهُ وَفِي مَعْنَى مَوْتِهِ انْقِطَاعُهُ بِمَرَضٍ أَوْ أَسْرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ وَاعْتِبَارُ الْعَدَدِ إلَخْ) هَذَا، وَقَدْ نَصَّ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْوُجُوبِ امْرَأَةٌ وَحْدَهَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي الْعَدَدِ مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَالَ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ أَوْ نِسَاءٌ ثِقَاتٌ

(1/447)


الْوُجُوبِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ مَعَ الْوَاحِدَةِ لِفَرْضِ الْحَجِّ عَلَى الصَّحِيحِ فِي شَرْحَيْ الْمُهَذَّبِ وَمُسْلِمٍ وَكَذَا وَحْدَهَا إذَا أَمِنَتْ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ مَا دَلَّ مِنْ الْأَخْبَارِ عَلَى جَوَازِ السَّفَرِ وَحْدَهَا.

(وَلَوْ سَافَرَتْ لِغَيْرِ فَرْضِ الْحَجِّ) كَزِيَارَةٍ وَتِجَارَةٍ (لَمْ يَجُزْ مَعَ النِّسْوَةِ) لِلْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ؛ وَلِأَنَّهُ سَفَرٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَلَوْ تَرَكَ لَفْظَ الْحَجِّ كَانَ أَوْلَى فَقَدْ حَمَلَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْأَخْبَارَ السَّابِقَةَ عَلَى الْأَسْفَارِ غَيْرِ الْوَاجِبَةِ قَالَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ بِبَلَدٍ لَا قَاضِيَ بِهِ، وَادُّعِيَ عَلَيْهَا مِنْ مَسِيرَةِ أَيَّامٍ لَزِمَهَا الْحُضُورُ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ إذَا كَانَ مَعَهَا امْرَأَةٌ وَيَلْزَمُهَا أَيْضًا الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَتْ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ خَوْفَهَا ثَمَّ أَكْثَرُ مِنْ خَوْفِ الطَّرِيقِ وَبِهِ صَرَّحَ الْأَصْلُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ مِنْ الْمَحْرَمِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَرْأَةِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ نِسْوَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ كَأَخَوَاتِهِ وَعَمَّاتِهِ جَازَ وَإِنْ كُنَّ أَجْنَبِيَّاتٍ فَلَا؛ لِأَنَّهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخَلْوَةُ بِهِنَّ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ. اهـ. وَقَالَ قَبْلَ هَذَا بِيَسِيرٍ: الْمَشْهُورُ جَوَازُ خَلْوَةِ رَجُلٍ بِنِسْوَةٍ لَا مَحْرَمَ لَهُ فِيهِنَّ لِعَدَمِ الْمَفْسَدَةِ غَالِبًا؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ يَسْتَحْيِينَ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا فِي ذَلِكَ مُعْتَرِضًا بِهِ قَوْلُ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ فَاسْتَغْنَى بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ عَنْ مِثْلِهِ فِي الْخُنْثَى الْمُلْحَقِ بِالرَّجُلِ احْتِيَاطًا.

(فَإِنْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ رُصَدِي) بِفَتْحِ الرَّاءِ مَعَ فَتْحِ الصَّادِ وَإِسْكَانِهَا، وَهُوَ مَنْ يَرْقُبُ النَّاسَ لِيَأْخُذَ مِنْهُمْ مَالًا عَلَى الْمَرَاصِدِ (لَمْ يَجِبْ) نُسُكٌ (وَإِنْ رَضِيَ بِالْيَسِيرِ) لِمَا مَرَّ، نَعَمْ إنْ كَانَ الْمُعْطِي لَهُ هُوَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ وَجَبَ ذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَنْ الْإِمَامِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَسَكَتَ عَنْ الْأَجْنَبِيِّ وَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْوُجُوبِ لِلْمِنَّةِ وَقَوْلُ ابْنِ الْعِمَادِ بَلْ الْقِيَاسُ الْوُجُوبُ كَمَا يَجُوزُ قَضَاءُ دَيْنِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِهِ لِلْمِنَّةِ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ بِأَخْذِ الْمَالِ وَالْمَدْفُوعُ عَنْهُ هُنَا لَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ وَإِنَّمَا سَبِيلُ هَذَا سَبِيلُ دَفْعِ الصَّائِلِ فِيهِ نَظَرٌ (وَيُكْرَهُ إعْطَاؤُهُ) أَيْ الرَّصَدَيْ مَالًا إذْ فِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى الطَّلَبِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ كَرَاهَةُ الْإِعْطَاءِ لِلرَّصَدِيِّ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي فِي بَابِ مَوَانِعِ إتْمَامِ الْحَجِّ مِنْ تَخْصِيصِهَا بِالْكَافِرِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ مَحَلُّهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَإِعْطَاءُ الْمَالِ أَسْهَلُ مِنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا قَبْلَهُ فَلَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ لِارْتِكَابِ الذُّلِّ.

(فَإِنْ خَافُوا) أَيْ مُرِيدُو الْخُرُوجِ لِلنُّسُكِ (قِتَالَ كُفَّارٍ يُطِيقُونَهُمْ اُسْتُحِبَّ) لَهُمْ (الْخُرُوجُ) لِذَلِكَ وَيُقَاتِلُونَهُمْ لِيَنَالُوا ثَوَابَ النُّسُكِ وَالْجِهَادِ (أَوْ) خَافُوا قِتَالَ (مُسْلِمِينَ فَلَا) يُسْتَحَبُّ لَهُمْ ذَلِكَ (وَلَوْ وَجَدُوا خَفِيرًا) أَيْ مُجِيرًا (يَأْمَنُونَ مَعَهُ أَوْ) وَجَدَتْ (الْمَرْأَةُ وَلِيًّا) أَوْ نَحْوَهُ (بِأُجْرَةٍ) أَيْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ (لَزِمَهُمْ) إخْرَاجُهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ أُهَبِ النُّسُكِ فَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِهِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا أَنْ طُلِبَتْ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْخَفَارَةِ بِتَثْلِيثِ الْخَاءِ هُوَ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ تَصْحِيحِ الْإِمَامِ وَصَحَّحَاهُ، وَمُقَابِلُهُ عَدَمُ لُزُومِ أُجْرَتِهَا؛ لِأَنَّهَا خُسْرَانٌ لِدَفْعِ الظُّلْمِ وَلِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ وَأُجْرَتُهُ فِي الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَلَا يَجِبُ النُّسُكُ مَعَ طَلَبِهَا، وَنَقَلَ هَذَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمَاهِيرِ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ ثُمَّ قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْخَفَارَةِ مَا يَأْخُذُهُ الرَّصَدِيُّ فِي الْمَرَاصِدِ وَهَذَا لَا يَجِبُ الْحَجُّ مَعَهُ بِلَا خِلَافٍ فَلَا يَكُونُونَ مُتَعَرِّضِينَ لِمَسْأَلَةِ الْإِمَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الصُّورَتَيْنِ فَيَكُونُ خِلَافَ مَا قَالَهُ لَكِنَّ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ أَصَحُّ وَأَظْهَرُ فِي الدَّلِيلِ فَيَكُونُ الْأَصَحُّ عَلَى الْجُمْلَةِ وُجُوبَ الْحَجِّ وَقَدْ صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ مَعَ اطِّلَاعِهِمَا عَلَى عِبَارَةِ الْأَصْحَابِ الَّتِي ذَكَرْتهَا وَقَالَ السُّبْكِيُّ إنَّهُ: ظَاهِرٌ فِي الدَّلِيلِ وَإِنْ أَشْعَرَتْ عِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ بِخِلَافِهِ وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فَقَدْ أَجَابَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّنْبِيهِ وَأَقَرَّهُ النَّوَوِيُّ فِي التَّصْحِيحِ وَنَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ النَّصِّ.

(فَرْعٌ وَلَيْسَ غَلَاءُ الْأَسْعَارِ فِي الطَّرِيقِ عُذْرًا) فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ (إنْ بَاعُوا بِثَمَنِ الْمِثْلِ اللَّائِقِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ) بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَبُوا زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ لِعِظَمِ الْمُؤْنَةِ

(وَيَجِبُ حَمْلُ الْمَاءِ وَالزَّادِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
فَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْجِهَةَ لَا الْعَدَدَ، ثُمَّ رَدَّ الْجَمْعَ السَّابِقَ بِالنَّصِّ الْمَذْكُورِ لِكَوْنِهِ صَرَّحَ فِيهِ بِالْوُجُوبِ عَلَيْهَا مَعَ الْوَاحِدَةِ وَبِأَنَّ الْجَوَازَ هُنَا لَازِمٌ لِلْوُجُوبِ فَإِنَّ الشَّيْءَ إذَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ إذَا جَازَ وَجَبَ، وَجَوَابُ ذَلِكَ أَنَّ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ وَالْأُمِّ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ حَكَاهُ الْأَصْلُ وَالْكَلَامُ الْأَخِيرُ لَيْسَ كُلِّيًّا بَلْ أَكْثَرِيٌّ

(قَوْلُهُ كَزِيَارَةٍ وَتِجَارَةٍ) أَيْ وَحَجِّ تَطَوُّعٍ، وَلَوْ تَطَوَّعَتْ بِحَجٍّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَلَهَا إتْمَامُهُ (قَوْلُهُ لَزِمَهَا الْحُضُورُ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ) قَالَ شَيْخُنَا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الرَّوْضَةِ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ الْمِنْهَاجِ أَنَّ الْإِحْصَارَ عِنْدَ الِاسْتِعْدَاءِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ فِي مَسَافَةِ الْعَدْوَى فَمَا دُونَهَا، وَهُوَ الْمُرَجَّحُ نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَمَا هُنَا عَلَى مَا إذَا سَمِعَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ وَثَبَتَ الْحَقُّ ثُمَّ اسْتَعْدَى عَلَيْهِ لِوَفَائِهِ (قَوْلُهُ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَوْ خَافَ الْأَمْرَدُ الْجَمِيلَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ فِي حَقِّهِ مَنْ يَأْمَنُ مَعَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَرِيبٍ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا وَقَوْلُهُ فَيَنْبَغِي إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ نَعَمْ إنْ كَانَ الْمُعْطَى لَهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْوُجُوبِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.

(قَوْلُهُ أَوْ وَجَدَتْ الْمَرْأَةُ وَلِيًّا أَوْ نَحْوَهُ بِأُجْرَةٍ إلَخْ) أُجْرَةُ الزَّوْجِ كَالْمَحْرَمِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْحَاوِي الصَّغِيرُ وَفِي تَهْذِيبِ ابْنِ النَّقِيبِ وَجَامِعِ الْمُخْتَصَرَاتِ لِلنَّسَائِيِّ أَنَّ النِّسْوَةَ الثِّقَاتِ كَالْمَحْرَمِ فِي الْأُجْرَةِ، وَفِي الْمُهِمَّاتِ أَنَّهُ الْمُتَّجَهُ وَجَرَى عَلَيْهِ الْإِرْشَادُ حَيْثُ أَخَّرَ قَوْلَهُ، وَلَوْ بِأُجْرَةٍ عَنْ ذِكْرِ النِّسْوَةِ خِلَافًا لِأَصْلِهِ وَقَالَ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ إنَّهُ الْمُتَّجَهُ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ الْأَقْرَبُ مَنْعُ لُزُومِهَا لِعِظَمِ الْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ أُجْرَةِ الْمَحْرَمِ بَعِيدٌ س وَيُسْتَثْنَى مِنْ وُجُوبِ أُجْرَةِ الزَّوْجِ مَا لَوْ أَفْسَدَ حَجَّهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ بَلْ لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ عَنْهَا بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (قَوْلُهُ وَقَالَ السُّبْكِيُّ إنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الدَّلِيلِ إلَخْ) وَكَذَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.

(1/448)


فِي الْمَفَازَةِ الْمُعْتَادَةِ) أَيْ الْمُعْتَادِ حَمْلُهَا فِيهَا (لَا) حَمْلُ (عَلَفِ الدَّابَّةِ) فَلَا يَجِبُ بَلْ يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ لِعِظَمِ تَحَمُّلِ الْمُؤْنَةِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيَنْبَغِي اعْتِبَارُ الْعَادَةِ فِيهِ كَالْمَاءِ وَسَبَقَهُ إلَيْهِ سُلَيْمٌ وَغَيْرُهُ (فَإِنْ عَدِمَ) ذَلِكَ (فِي) بَعْضِ (الْمَرَاحِلِ) الَّتِي يُعْتَادُ حَمْلُهُ مِنْهَا (رَجَعَ) إلَى وَطَنِهِ لِتَبَيُّنِ عَدَمِ وُجُوبِ النُّسُكِ فَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِهِ وُجُودُ ذَلِكَ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُعْتَادِ حَمْلُهُ مِنْهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَإِنْ جَهِلَ الْمَانِعَ) لِلْوُجُوبِ مِنْ وُجُودِ عَدُوٍّ أَوْ عَدَمِ زَادٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (وَثَمَّ أَصْلٌ اُسْتُصْحِبَ) فَيَعْمَلُ بِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَصْلٌ (وَجَبَ الْخُرُوجُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَانِعِ (وَيَتَبَيَّنُ اللُّزُومُ) لِلْخُرُوجِ (بِتَبَيُّنِ عَدَمِ الْمَانِعِ) فَلَوْ ظَنَّ كَوْنَ الطَّرِيقِ فِيهِ مَانِعٌ فَتَرَكَ الْخُرُوجَ ثُمَّ بَان أَنْ لَا مَانِعَ لَزِمَهُ الْخُرُوجُ

(فَرْعٌ يُشْتَرَطُ) لِلْوُجُوبِ (خُرُوجُ رُفْقَةٍ) مَعَهُ (وَقْتَ الْعَادَةِ) أَيْ عَادَةِ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ (لَا) إنْ خَرَجَتْ (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ وَقْتِ الْعَادَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ مَعَهَا؛ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ تَعْظُمُ وَكَذَا إنْ خَرَجَتْ بَعْدَهُ بِأَنْ أَخَّرَتْ الْخُرُوجَ بِحَيْثُ لَا تَبْلُغُ مَكَّةَ إلَّا بِأَنْ تَقْطَعَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَكْثَرُ مِنْ مَرْحَلَةٍ لِتَضَرُّرِهِ، وَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ مَفْهُومَانِ مِنْ قَوْلِهِ وَقْتَ الْعَادَةِ يُعْتَبَرُ فِي اللُّزُومِ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهَا مَعَهُ (بِالسَّيْرِ الْمُعْتَادِ) فَلَوْ كَانَتْ تَسِيرُ فَوْقَ الْعَادَةِ لَمْ يَلْزَمُهُ لِتَضَرُّرِهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا هُنَا مِنْ زِيَادَتِهِ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ خُرُوجُهَا مَعَهُ (إنْ اُحْتِيجَتْ) أَيْ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا لِدَفْعِ الْخَوْفِ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ الطَّرِيقُ لَا يَخَافُ الْوَاحِدُ فِيهَا لَزِمَهُ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الرُّفْقَةِ وَلَا نَظَرَ إلَى الْوَحْشَةِ بِخِلَافِهَا فِيمَا مَرَّ فِي التَّمِيمِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لِمَا هُنَا بِخِلَافِ مَا هُنَاكَ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ النَّظَرِ إلَيْهَا هُنَا أَيْضًا كَمَا اعْتَبَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِخِلَافِ كَلَامِ أَصْلِهِ.

الْأَمْرُ (الرَّابِعُ الْبَدَنُ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْمَرْكُوبِ) ، وَلَوْ فِي مَحْمِلٍ أَوْ كَنِيسَةٍ (بِلَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ) فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ أَصْلًا أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ فِي مَحْمِلٍ أَوْ كَنِيسَةٍ عَلَى مَا مَرَّ بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ النُّسُكُ بِنَفْسِهِ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ بِخِلَافِ مَنْ انْتَفَتْ عَنْهُ الْمَشَقَّةُ فِيمَا ذَكَرَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ النُّسُكُ كَمَا مَرَّ.

(ثُمَّ الْقَائِدُ لِلْأَعْمَى وَحَافِظُ النَّفَقَةِ لِلسَّفِيهِ) فِي الطَّرِيقِ (كَالْمَحْرَمِ لِلْمَرْأَةِ) فَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ النُّسُكِ الْقُدْرَةُ عَلَى أُجْرَتِهِمَا إنْ طَلَبَتْ وَقَوْلُهُ لِلسَّفِيهِ أَيْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَذَكَرَ حُكْمَ حَافِظِ نَفَقَتِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ تَفَقُّهًا

(وَلَا يُحْلِلْ الْوَلِيُّ السَّفِيهَ مِنْ الْفَرْضِ) حَجًّا أَوْ عُمْرَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ إلَى فَرَاغِهِ (وَلَا) يُحْلِلْهُ (مِنْ تَطَوُّعٍ أَحْرَمَ بِهِ أَوْ) مِنْ (نَذْرٍ) أَيْ نُسُكٍ مَنْذُورٍ (نَذَرَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ) عَلَيْهِ فِيهِمَا وَإِنْ أَحْرَمَ فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَهُ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ فِيهَا وَكَوْنُهُ فِي حُكْمِ الرَّشِيدِ حَالَ الْإِحْرَامِ فِي الْأُولَى (لَا) إنْ أَحْرَمَ فِي الْأُولَى أَوْ نَذَرَ فِي الثَّانِيَةِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْحَجْرِ فَلَهُ تَحْلِيلُهُ بِأَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْإِتْمَامِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْإِحْرَامِ (إلَّا إنْ كَفَتْهُ نَفَقَةُ الْحَضَرِ أَوْ تَمَّمَهَا بِكَسْبِهِ) فِي طَرِيقِهِ؛ لِأَنَّ الْإِتْمَامَ بِدُونِ التَّعَرُّضِ لِلْمَالِ مُمْكِنٌ قَالَ فِي الْمَطَالِبِ وَفِيهِ فِي مَسْأَلَةِ كَسْبِهِ نَظَرٌ إذَا كَانَ عَمَلُهُ مَقْصُودًا بِالْأُجْرَةِ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّبَرُّعُ بِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إتْلَافًا لِمَنَافِعِهِ وَرَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ حَاصِلًا، وَلَا يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُهُ مَعَ غِنَاهُ بِخِلَافِ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ الْوَلِيِّ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ بَعْدُ فَقَالَ إلَّا أَنْ يُلَاحَظَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ فَلَا يُعَدُّ مِنْ الْأَمْوَالِ كَمَا لَوْ أَصْدَقَ الْأَبُ عَنْ ابْنِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ أَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْلُ، وَلَا غَيْرُهُ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ التَّطَوُّعِ فَذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ النَّذْرِ مِنْ زِيَادَتِهِ قِيَاسًا عَلَى تِلْكَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكْفِهِ نَفَقَةُ الْحَضَرِ، وَلَا تَمَّمَهَا بِكَسْبِهِ (مَنَعَهُ) صِيَانَةً لِمَالِهِ، وَهَذَا مُكَرَّرٌ لِدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ لَا بَعْدَهُ (وَتَحَلَّلَ) السَّفِيهُ جَوَازًا (بِالصَّوْمِ) إذَا مَنَعَهُ الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْمَالِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ صِحَّةُ إحْرَامِهِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ كَمَا سَيَأْتِي.

(فَإِنْ أَفْسَدَ فَرْضَهُ فَهَلْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ) الْوَلِيُّ (فِي الْقَضَاءِ) أَوْ لَا (قَوْلَانِ) عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْحَجْرِ وَجْهَانِ: وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقَضَاءَ فَرْضٌ وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فِيهِ إفْسَادُهُ وَرَجَّحَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ لِمَا مَرَّ مَعَ كَوْنِ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَوْرِ.

الْأَمْرُ (الْخَامِسُ إمْكَانُ السَّيْرِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَبْقَى) مِنْ الزَّمَانِ بَعْدَ وُجُودِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَسَائِرِ مَا مَرَّ (زَمَانٌ يَسَعُ الْمُعْتَادَ إلَى الْحَجِّ) فَلَوْ احْتَاجَ إلَى أَنْ يَقْطَعَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَكْثَرُ مِنْ مَرْحَلَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ فَإِمْكَانُ السَّيْرِ شَرْطٌ لِوُجُوبِهِ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَصَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيَنْبَغِي إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ، وَلَا شَكَّ فِيهِ وَعِبَارَةُ النَّوَوِيِّ فِي إيضَاحِهِ وَوُجُودُ الْعَلَفِ عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ

(قَوْلُهُ بِخِلَافِهَا فِيمَا مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ وَغَيْرِهِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلْحَاقُ الْحَجِّ بِالْوُضُوءِ وَنَحْوِهِ كَالْجُمُعَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ تَرْكَ الْوُضُوءِ لِخَشْيَةِ الِانْقِطَاعِ عَنْ الرُّفْقَةِ وَتَرْكَ الْجُمُعَةِ لِذَلِكَ لَهُ بَدَلٌ وَهُوَ التَّيَمُّمُ وَالْإِتْيَانُ بِالظُّهْرِ وَأَمَّا الْحَجُّ فَلَا بَدَلَ لَهُ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْكَفَّارَةِ وَالْحَجِّ فِي بَيْعِ الْمَسْكَنِ قَالَ فِي التَّوَسُّطِ فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ (قَوْلُهُ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ إلَخْ) كَلَامُهُ لَا يَقْتَضِيهِ.

(قَوْلُهُ ثُمَّ الْقَائِدُ لِلْأَعْمَى إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لِيَنْظُرَ فِي الْأَعْمَى الْمَكِّيِّ وَنَحْوِهِ إذَا كَانَ يَمْشِي بِالْعَصَا وَحْدَهُ هَلْ يَأْتِي فِيهِ مَا سَبَقَ فِيهِ فِي الْجُمُعَةِ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوُجُوبِ أَوْ لَا لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ عَنْ مَكَانِ الْجُمُعَةِ فِي الْغَالِبِ هُنَا أَوَّلًا لِعَدَمِ التَّكَرُّرِ، وَمِنْ الْعُمْيَانِ مَنْ يُسَافِرُ الْمَرَاحِلَ الْكَثِيرَةَ فِي أَغْرَاضِهِ بِلَا قَائِدٍ (قَوْلُهُ وَحَافِظُ النَّفَقَةِ لِلسَّفِيهِ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ ذَكَرَا فِي الْوَصَايَا وَغَيْرِهَا أَنَّ الْوَلِيَّ يَدْفَعُ إلَى السَّفِيهِ نَفَقَةَ أُسْبُوعٍ فَأُسْبُوعٍ إذَا كَانَ لَا يُتْلِفُهَا فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ مُدَّةُ حَجِّهِ أُسْبُوعًا فَأَقَلَّ دَفَعَ نَفَقَتَهُ إلَيْهِ إذَا كَانَ لَا يُتْلِفُهَا، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى مَنْصُوبٍ، وَلَا خُرُوجٍ مَعَهُ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ فِيمَا يَظْهَرُ نَعَمْ إنْ كَانَ أَمْرَدَ وَضِيئًا خَرَجَ مَعَهُ.

(قَوْلُهُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ بَعْدُ إلَخْ) كَلَامُهُمَا عَجَبٌ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا كَانَ يَكْسِبُ فِي طَرِيقِهِ فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِمْ ع

(قَوْلُهُ وَرَجَّحَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ) هُوَ الْأَصَحُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُبَابِ

(1/449)


لِاسْتِقْرَارِهِ فِي ذِمَّتِهِ لِيَجِبَ قَضَاؤُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ

وَيُشْتَرَطُ أَمْرٌ سَادِسٌ صَرَّحَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ، وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْإِيجَابِ فِي الْوَقْتِ فَلَوْ اسْتَطَاعَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ افْتَقَرَ قَبْلَ شَوَّالٍ فَلَا اسْتِطَاعَةَ وَكَذَا لَوْ افْتَقَرَ بَعْدَ حَجِّهِمْ وَقَبْلَ الرُّجُوعِ لِمَنْ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ الذَّهَابُ وَالْإِيَابُ كَمَا سَيَأْتِي.

(وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ بِالْغَيْرِ فَالْعَاجِزُ عَنْ الْحَجِّ) أَوْ الْعُمْرَةِ، وَلَوْ قَضَاءً أَوْ نَذْرًا أَوْ تَطَوُّعًا (بِالْمَوْتِ أَوْ عَنْ الرُّكُوبِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ لِكِبَرٍ أَوْ زَمَانَةٍ يَحُجُّ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ كَمَا تَكُونُ بِالنَّفْسِ تَكُونُ بِبَذْلِ الْمَالِ وَطَاعَةِ الرِّجَالِ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ الْبِنَاءَ إنَّكَ مُسْتَطِيعٌ لِبِنَاءِ دَارِكَ وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ يَزِيدَ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَلَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا» وَرَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ نَعَمْ» وَذَلِكَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ «أَنَّ أَبَا رَزِينٍ الْعُقَيْلِيَّ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ، وَلَا الْعُمْرَةَ، وَلَا الظَّعْنَ قَالَ حُجَّ عَنْ أَبِيك وَاعْتَمِرْ» (وَإِنْ بَرِئَ الزَّمِنُ) مِنْ عِلَّتِهِ بَعْدَ حَجِّ النَّائِبِ عَنْهُ (لَمْ يُجْزِهِ) اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَيَقَعُ) الْحَجُّ (لِلْأَجِيرِ) تَطَوُّعًا وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ (وَلَا تَصِحُّ اسْتِنَابَةٌ عَمَّنْ لَزِمَهُ) الْحَجُّ (ثُمَّ جُنَّ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُفِيقُ فَيَحُجُّ بِنَفْسِهِ فَلَوْ اسْتَنَابَ عَنْهُ وَلِيَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ عَضْبٌ فَمَاتَ قَبْلَ الْإِفَاقَةِ لَمْ يُجْزِهِ (وَلَا عَنْ مَرِيضٍ) يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ (وَإِنْ اتَّصَلَ مَرَضُهُ بِالْمَوْتِ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّعُ مُبَاشَرَتُهُ لَهُ (وَيَصِحُّ كَوْنُ الْأَجِيرِ) فِيمَا ذَكَرَ (عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا لَا فِي الْفَرْضِ، وَلَوْ نَذْرًا) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ فِي ذَاكَ دُونَ هَذَا.

(فَرْعٌ لَا يُحَجُّ عَنْ الْمَعْضُوبِ) أَيْ الْمَأْيُوسِ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ وَهُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ الْعَضْبِ، وَهُوَ الْقَطْعُ كَأَنَّهُ قُطِعَ عَنْ كَمَالِ الْحَرَكَةِ وَيُقَالُ بِالْمُهْمَلَةِ كَأَنَّهُ قُطِعَ عَصَبُهُ أَوْ ضُرِبَ (بِغَيْرِ إذْنِهِ) بِخِلَافِ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، وَهُوَ أَهْلٌ لَهَا وَلِلْإِذْنِ، وَيَصِحُّ الِاسْتِنَابَةُ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ الْوَارِثِ وَالْأَجْنَبِيِّ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَلِلْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ (لَا فِي تَطَوُّعٍ لَمْ يُوصِ بِهِ) إذْ لَا اضْطِرَارَ إلَى الِاسْتِنَابَةِ فِيهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِهِ وَقِيلَ تَصِحُّ مِنْ الْوَارِثِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ نَقَلَهُ الْأَصْلُ فِي الْوَصِيَّةِ عَنْ السَّرَخْسِيِّ بَعْدَ نَقْلِهِ الْمَنْعَ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ (وَيَجِبُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ دَيْنِهِ) مِنْ وَارِثٍ وَوَصِيٍّ وَحَاكِمٍ إذَا خَلَّفَ الْمَيِّتُ تَرِكَةً (أَنْ يَسْتَنِيبَ عَنْهُ) فِي الْحَجِّ (عِنْدَ اسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ) وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِك دَيْنٌ أَكُنْت قَاضِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ فَاقْضُوا حَقَّ اللَّهِ فَهُوَ أَحَقُّ الْقَضَاءِ» .
فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً اُسْتُحِبَّ لِلْوَارِثِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَإِنْ حَجَّ هُوَ أَوْ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِاسْتِئْجَارٍ سَقَطَ الْحَجُّ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْمَيِّتِ الْمُرْتَدُّ فَلَا يُنَابُ عَنْهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَذَكَرَ فِيهِ فِي الْبَحْرِ احْتِمَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُنَابُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ كَمَا تَخْرُجُ مِنْهَا الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَةُ وَالثَّانِي لَا؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لَوْ صَحَّتْ لَوَقَعَتْ عَنْ الْمَنُوبِ عَنْهُ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ هُنَا

(وَعَلَى الْمَعْضُوبِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ) مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ لِمَا مَرَّ نَعَمْ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَزِمَهُ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ لِقِلَّةِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ (وَلَوْ) كَانَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِالْإِجَارَةِ (أَجِيرًا مَاشِيًا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مَشْيِ الْأَجِيرِ (فَاضِلَةً عَنْ الدَّيْنِ وَالْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ وَكَذَا الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ) لَهُ وَلِمَنْ تَلْزَمُهُ كِسْوَتُهُمْ وَنَفَقَتُهُمْ (لَكِنْ يَوْمَ الِاسْتِئْجَارِ فَقَطْ) لَا ذَهَابًا وَإِيَابًا كَمَا فِي الْفِطْرَةِ بِخِلَافِ مَنْ يَحُجُّ بِنَفْسِهِ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُفَارِقْ أَهْلَهُ أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُ نَفَقَتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ (وَلَوْ وَجَدَ دُونَ الْأُجْرَةِ وَرَضِيَ بِهِ) الْأَجِيرُ (لَزِمَهُ) الِاسْتِئْجَارُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ، وَالْمِنَّةُ فِيهِ لَيْسَتْ كَالْمِنَّةِ فِي الْمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَنْكِفُ عَنْ الِاسْتِعَانَةِ بِمَالِ الْغَيْرِ وَلَا يَسْتَنْكِفُ عَنْ الِاسْتِعَانَةِ بِبَدَنِهِ فِي اشْتِغَالِهِ (وَلَوْ لَمْ يَجِدْ) أُجْرَةً (وَوُهِبَتْ لَهُ لَمْ يَلْزَمُهُ) قَبُولُهَا (وَلَوْ مِنْ وَلَدٍ) لِعِظَمِ الْمِنَّةِ لَكِنْ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَلَدُ الْمُطِيعُ عَاجِزًا عَنْ الْحَجِّ أَيْضًا وَقَدَرَ عَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرَ لَهُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَبَذَلَ لَهُ ذَلِكَ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَى الْمَبْذُولِ لَهُ وَجْهًا وَاحِدًا.
وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمُتَوَلِّي لَوْ اسْتَأْجَرَ الْمُطِيعُ إنْسَانًا لِيَحُجَّ عَنْ الْمَعْضُوبِ فَالْمَذْهَبُ لُزُومُهُ إنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَإِنْ بَرِئَ الزَّمِنُ إلَخْ) أَوْ حَضَرَ عَرَفَةَ وَمَكَّةَ فِي سَنَةِ حَجِّ أَجِيرِهِ

[فَرْعٌ الْحَجّ عَنْ الْمَعْضُوبِ]
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِهِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ جَازَتْ النِّيَابَةُ فِي فَرْضِهَا جَازَتْ النِّيَابَةُ فِي نَفْلِهَا كَالصَّدَقَةِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ يَصِحُّ مِنْ الْوَارِثِ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخَانِ وَفِي إيرَادِهِ تَجْوِيزُ الْإِنَابَةِ لَهُ وَفِعْلُهُ بِنَفْسِهِ بِلَا وَصِيَّةٍ وَنُقِلَ فِي الْمَجْمُوعِ الِاتِّفَاقُ عَلَى مَنْعِ الِاسْتِنَابَةِ فِيهِ حِينَئِذٍ قَالَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَجَّ، وَلَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ فَفِي الْإِحْجَاجِ عَنْهُ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ كَالتَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ وَالثَّانِي الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ لِوُقُوعِهِ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ. اهـ وَالْمُرَجَّحُ جَوَازُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُبَابِ.

(قَوْلُهُ نَعَمْ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ إلَخْ) مَنْ انْتَهَى حَالُهُ لِشِدَّةِ الضَّنَى إلَى حَالَةٍ لَا يُحْتَمَلُ مَعَهَا الْحَرَكَةُ بِحَالٍ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْمَسَافَةِ الْقَرِيبَةِ وَقَوْلُهُ يَنْبَغِي أَنْ تَجُوزَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ يَجِدُ أُجْرَةً وَوُهِبَتْ لَهُ لَمْ يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا) قَالَ شَيْخُنَا ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ بَذْلَ الْأُجْرَةِ غَيْرُ لَازِمِ قَبُولُهَا مُطْلَقًا، وَلَوْ مِنْ مَعْضُوبٍ وَاسْتِدْرَاكُ الْكِفَايَةِ اُسْتُفِيدَ بِهِ أَنَّ بَذْلَ الْوَلَدِ الْمَعْضُوبِ الطَّاعَةَ فِي الِاسْتِئْجَارِ يَقْتَضِي اللُّزُومَ لَا أَنَّهُ يَدْفَعُ الْأُجْرَةَ لِلْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ يَعْقِدُهُ بِإِذْنِهِ وَكَلَامُ الْمَجْمُوعِ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَضْبَ فِي الْبَاذِلِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَلَوْ كَانَ قَوِيًّا فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ وَجَبَ عَلَى الْمَبْذُولِ لَهُ إلَخْ) الْقَبُولُ أَيْ الْإِذْنُ فِي الْحَجِّ

(1/450)


كَانَ وَلَدًا لِتَمَكُّنِهِ فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا فَوَجْهَانِ. اهـ. وَمُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ لُزُومُهُ وَكَلَامُ الْبَغَوِيّ عَدَمُ لُزُومِهِ وَاعْتَمَدَ الْأَذْرَعِيُّ وَكَالْوَلَدِ فِي هَذَا الْوَالِدُ (وَإِنْ أَطَاعَهُ) فِي الْحَجِّ عَنْهُ (فَرْعُهُ وَكَذَا أَصْلُهُ وَالْأَجْنَبِيُّ وَوَثِقَ بِهِمْ) ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ حَجٌّ وَكَانُوا مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُمْ فَرْضُ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُونُوا مَعْضُوبِينَ (لَزِمَهُ) الْقَبُولُ بِالْإِذْنِ لَهُمْ فِيهِ لِحُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ (وَعَلَيْهِ أَمْرُ وَلَدٍ تَوَسَّمَ) مِنْهُ (طَاعَتَهُ) بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ لِذَلِكَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّ الْوَلَدَ وَالْأَجْنَبِيَّ لَيْسَا كَذَلِكَ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُمَا كَذَلِكَ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأَنْوَارِ وَغَيْرِهِ (فَلَوْ كَانَ الِابْنُ) وَإِنْ سَفَلَ (أَوْ الْأَبُ) وَإِنْ عَلَا (مَاشِيًا أَوْ مُعَوِّلًا عَلَى الْكَسْبِ أَوْ السُّؤَالِ) ، وَلَوْ رَاكِبًا (أَوْ) كَانَ (الْأَجْنَبِيُّ) وَلَوْ رَاكِبًا (مُغَرِّرًا بِنَفْسِهِ) بِأَنْ كَانَ يَرْكَبُ مَفَازَةً وَلَيْسَ بِهَا كَسْبٌ، وَلَا سُؤَالٌ (لَمْ يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ) لِمَشَقَّةِ مَشْيِ مَنْ ذُكِرَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَشْيِ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْكَسْبُ قَدْ يَنْقَطِعُ وَالسَّائِلُ قَدْ يُرَدُّ وَالتَّغْرِيرُ بِالنَّفْسِ حَرَامٌ وَشُمُولُ الْمُعَوِّلِ وَالْمُغَرِّرِ بِنَفْسِهِ لِلرَّاكِبِ وَالتَّرْجِيحُ بِحُكْمِ التَّعْوِيلِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَتَخْصِيصُ حُكْمِ التَّعْوِيلِ بِالِابْنِ وَالْأَبِ وَالتَّقْرِيرِ بِالْأَجْنَبِيِّ مِنْ تَصَرُّفِهِ.
وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْلِهِ وَكَالِابْنِ وَالْأَبِ الْبِنْتُ وَالْأُمُّ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى وَمِثْلُهُمَا مُولِيَتُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْأَبْعَاضِ كَمَا اقْتَضَاهُ نَصُّ الْأُمِّ عَلَى أَنَّ الْمِرْأَةَ الْقَادِرَةَ عَلَى الْمَشْيِ لَوْ أَرَادَتْ الْحَجَّ مَاشِيَةً كَانَ لِوَلِيِّهَا مَنْعُهَا مِنْ الْمَشْيِ فِيمَا لَا يَلْزَمُهَا وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْمَشْيِ وَالْكَسْبِ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ لَا يُعْذَرُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ فَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وُجُوبُ الْقَبُولِ فِي الْمَكِّيِّ وَنَحْوِهِ (وَلَوْ رَجَعَ الْمُطِيعُ) عَنْ طَاعَتِهِ (قَبْلَ الْإِحْرَامِ) أَيْ إحْرَامِهِ (جَازَ) ، وَلَوْ بَعْدَ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِشَيْءٍ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الشُّرُوعُ (لَا بَعْدَهُ) لِانْتِفَاءِ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ رُجُوعُهُ الْجَائِزُ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ أَهْلُ بَلَدِهِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُطَاعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ.

(وَلَوْ امْتَنَعَ) الْمَعْضُوبُ (مِنْ الِاسْتِئْجَارِ) لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ (أَوْ) مِنْ (اسْتِنَابَةِ الْمُطِيعِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَاكِمُ) بِذَلِكَ، وَلَمْ يَنُبْ عَنْهُ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ وَإِنْ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ وَالِاسْتِنَابَةُ وَاجِبَيْنِ عَلَى الْفَوْرِ فِي حَقِّ مَنْ عَضَبَ مُطْلَقًا فِي الْإِنَابَةِ وَبَعْدَ يَسَارِهِ فِي الِاسْتِئْجَارِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي وَلِأَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهِ لِلْغَيْرِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَوَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي الْإِنَابَةِ أَنَّ الْحَاكِمَ يُلْزِمُهُ بِهَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَهُوَ لَا يَسْتَقِيمُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِهِ وَالْمُدْرَكُ فِي الْإِنَابَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ وَاحِدٌ (وَإِنْ مَاتَ الْمُطِيعُ) أَوْ الْمُطَاعُ (أَوْ رَجَعَ) الْمُطِيعُ (عَنْ الطَّاعَةِ) فَإِنْ كَانَ (بَعْدَ إمْكَانِ الْحَجِّ) سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْمُطَاعُ أَمْ لَا كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ (اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ) فِي ذِمَّةِ الْمُطَاعِ، وَإِلَّا فَلَا فَتَقْيِيدُ الْأَصْلِ الِاسْتِقْرَارَ بِقَبْلِ الْإِذْنِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ وَوَجْهُ الِاسْتِقْرَارِ أَنَّ الْمَوْتَ وَالرُّجُوعَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ كَتَلَفِ الْمَالِ بَعْدَهُ وَفِي كَلَامِ الْمَجْمُوعِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الِاسْتِقْرَارَ إنَّمَا هُوَ فِي ذِمَّةِ الْمُطِيعِ وَلَيْسَ مُرَادًا إذْ كَيْفَ يَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ مَعَ جَوَازِ الرُّجُوعِ كَمَا مَرَّ وَذِكْرُ مَسْأَلَةِ الرُّجُوعِ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ وَصَرَّحَ بِهَا فِي الْمَجْمُوعِ (وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ مُطِيعٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ) عِبَارَةُ الْأَصْلِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يُطِيعُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِطَاعَتِهِ (وَجَبَ) عَلَيْهِ الْحَجُّ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَك أَنْ تَقُولَ لَا يَجِبُ بِحَالٍ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِطَاعَةِ، وَلَا اسْتِطَاعَةَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمَالِ وَالطَّاعَةِ وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ الرَّوْضَةِ قَالَ الدَّارِمِيُّ لَوْ بَذَلَ لِأَبَوَيْهِ فَقَبِلَا لَزِمَهُ وَيَبْدَأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُطِيعِ الرُّجُوعُ قَبْلَ إحْرَامِهِ، وَقَدْ مَرَّ خِلَافُهُ وَفَرَّعَ الدَّارِمِيُّ عَلَى مَا قَالَهُ فَقَالَ وَإِذَا حَجَّ الِابْنُ عَنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ مَاتَ فَفِي وُجُوبِ حَجِّهِ عَنْ الْآخَرِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَحُجُّ عَنْهُ وَجْهًا وَاحِدًا.

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا طَلَبَ الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ إنْ يَحُجَّ عَنْهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ إجَابَتُهُ وَلَا تَلْزَمُهُ بِخِلَافِ إعْفَافِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ هُنَا عَلَى الْوَالِدِ بِامْتِنَاعِ وَلَدِهِ مِنْ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلشَّرْعِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ لَا يَأْثَمُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَإِنَّهُ لِحَقِّ الْوَلَدِ وَضَرَرُهُ عَلَيْهِ فَهُوَ كَالنَّفَقَةِ.

[فَصَلِّ يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ الْغَيْر بِالنَّفَقَةِ وَبِالْإِجَارَةِ وَالْجِعَالَةِ]
(فَصْلٌ يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِالنَّفَقَةِ) وَهِيَ قَدْرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَكَلَامُ الْبَغَوِيّ لُزُومُهُ) هُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ حَجٌّ) شَمَلَ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ وَحَجَّ النَّذْرِ (قَوْلُهُ وَكَانُوا مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُمْ فَرْضُ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ) بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا مَوْثُوقًا بِهِ بِأَنْ يَثِقَ هُوَ بِوِفَائِهِ (قَوْلُهُ، وَلَمْ يَكُونُوا مَعْضُوبِينَ) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ مَعْضُوبٍ تَابَعَهُ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ فَقِيرًا فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا يُمْكِنُهُ الِاسْتِئْجَارُ عَنْهُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ إذَا كَانَ ابْنًا، ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ وَحَكَى فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ نَحْوَهُ عَنْ التَّتِمَّةِ وَزَادَ فَحَكَى فِي الْأَجْنَبِيِّ وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَعَلَّلَ عَدَمَ اللُّزُومِ بِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ بَذْلُ الْمَالِ. انْتَهَى وَاعْتَرَضَ فِي التَّوَسُّطِ عَلَى قَوْلِهِ وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ فَقِيرًا إلَى آخِرِهِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي بَذْلِهِ الطَّاعَةَ لِيَحُجَّ بِنَفْسِهِ وَأَمَّا اسْتِئْجَارُهُ مَنْ يَحُجُّ عَنْ أَبِيهِ فَمَسْأَلَةٌ أُخْرَى انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ بَذْلَ الطَّاعَةِ أَعَمُّ مِنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ وَاسْتِئْجَارِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ (قَوْلُهُ وَتَخْصِيصُ حُكْمِ التَّعْوِيلِ بِالِابْنِ إلَخْ) وَنِعْمَ التَّصَرُّفُ فَأَفَادَ أَنَّ تَعْوِيلَ الْأَصْلِ أَوْ الْفَرْعِ عَلَى الْكَسْبِ أَوْ السُّؤَالِ أَوْ كَوْنِهِ مَاشِيًا مَانِعٌ مِنْ لُزُومِ الْقَبُولِ وَأَنَّ التَّغْرِيرَ بِالنَّفْسِ مَانِعٌ، وَلَوْ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ.

(قَوْلُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَهُوَ لَا يَسْتَقِيمُ إلَخْ) اعْتِرَاضُهُ فِي الْخَادِمِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الرَّافِعِيَّ أَرَادَ هُنَا أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الِاسْتِئْجَارِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ اسْتَأْجَرَ عَنْهُ فَمُرَادُهُ التَّرْتِيبُ لَا التَّخْيِيرُ إذْ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعٍ فَإِنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا يَنُوبُ عِنْدَ التَّعَذُّرِ وَالِامْتِنَاعِ ثَانِيهِمَا قَوْلُهُ وَإِنَّ كَلَامَ النَّوَوِيِّ لَا يَسْتَقِيمُ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ أَنَّ كَلَامَهُمْ هُنَاكَ عَلَى التَّخْيِيرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكَلَامُ النَّوَوِيِّ هُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ نَظَرٌ (قَوْلُهُ قَالَ الدَّارِمِيُّ لَوْ بَذَلَ لِأَبَوَيْهِ فَقَبِلَا لَزِمَهُ إلَخْ) قَالَ وَإِذَا قَبِلَ الْأَبُ الْبَذْلَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ انْتَهَى قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الرُّجُوعِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ فَقَدْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ قَبْلَ هَذَا بِنَحْوِ صَفْحَةٍ وَصَحَّحَ جَوَازَ الرُّجُوعِ قَالَ فِي التَّوَسُّطِ إنَّهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ إذَا قَبِلَ الْأَبُ الْبَذْلَ

(1/451)


الْكِفَايَةِ كَمَا يَجُوزُ بِالْإِجَارَةِ وَالْجِعَالَةِ وَذَلِكَ بِأَنَّ يَقُولَ حُجَّ عَنِّي وَأُعْطِيك النَّفَقَةَ أَوْ وَأَنَا أُنْفِقُ عَلَيْك وَاغْتُفِرَ فِيهِ جَهَالَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إجَارَةً، وَلَا جَعَالَةً وَإِنَّمَا هُوَ إرْزَاقٌ عَلَى ذَلِكَ كَمَا يَرْزُقُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ عَلَى الْأَذَانِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْقُرَبِ فَهُوَ تَبَرُّعٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ذَاكَ بِالْعَمَلِ، وَهَذَا بِالرِّزْقِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ وَالْجِعَالَةِ (فَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ بِهَا) أَيْ بِالنَّفَقَةِ كَأَنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُك لِلْحَجِّ بِنَفَقَتِك أَوْ حُجَّ عَنِّي بِهَا (لَمْ يَصِحَّ) لِجَهَالَةِ الْعِوَضِ (وَالِاسْتِئْجَارِ) فِيمَا ذَكَرَ (ضَرْبَانِ اسْتِئْجَارُ عَيْنٍ وَاسْتِئْجَارُ ذِمَّةٍ فَالْأَوَّلُ كاستأجرتك لِتَحُجَّ عَنِّي أَوْ عَنْ مَيِّتِي هَذِهِ السَّنَةَ) ، وَلَوْ قَالَ لِتَحُجَّ بِنَفْسِك كَانَ تَأْكِيدًا (فَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ السَّنَةِ الْأُولَى (لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ كَاسْتِئْجَارِ الدَّارِ لِلشَّهْرِ الْقَابِلِ (وَإِنْ أَطْلَقَ) الْعَقْدَ عَنْ تَقْيِيدِهِ بِالسَّنَةِ الْأُولَى صَحَّ وَ (حُمِلَ عَلَى) السَّنَةِ (الْحَاضِرَةِ) فَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ لِلتَّعْيِينِ وَالْحَمْلِ إذَا كَانَ يَصِلُ إلَى مَكَّةَ فِيهَا (فَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ مَكَّةَ إلَّا لِسَنَتَيْنِ) فَأَكْثَرَ وَفِي نُسْخَةٍ لِسِنِينَ بِالْجَمْعِ (فَمِنْ الْأُولَى) يَعْنِي فَالْأُولَى مِنْ سِنِي إمْكَانِ الْوُصُولِ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ لِذَلِكَ.
(وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قُدْرَةُ الْأَجِيرِ عَلَى الشُّرُوعِ) فِي الْعَمَلِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مَنْ لَمْ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ لِمَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ نَحْوِهِمَا لِلْعَجْزِ عَنْ الْمَنْفَعَةِ (وَيُشْتَرَطُ) لَهَا (اتِّسَاعُ الْمُدَّةِ) لِلْعَمَلِ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ إذَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ مَا لَا يَسَعُ إدْرَاكَ الْحَجِّ لِذَلِكَ (وَلَوْ انْتَظَرُوا خُرُوجَ الْقَافِلَةِ) الَّتِي يَخْرُجُونَ مَعَهَا مِنْ بَلَدِ الْإِجَارَةِ بَعْدَ الِاسْتِئْجَارِ حَالَ الْخُرُوجِ الْمُعْتَادِ (لَمْ يَضُرَّ) لِضَرُورَةِ السَّفَرِ مَعَهَا، وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ جَرَى هُنَا عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بَعْدُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ الِاسْتِئْجَارُ حَالَةَ الْخُرُوجِ (وَالْمَكِّيُّ) وَنَحْوُهُ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ إدْرَاكُ الْحَجِّ فِي سَنَتِهِ إذَا أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِهِ (يُسْتَأْجَرُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) ، وَلَوْ فِي أَوَّلِ شَوَّالٍ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِحْرَامِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِهِ قَبْلَهَا إذَا لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى شَرْطِ تَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ (وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ أَلْزَمْت ذِمَّتَك تَحْصِيلَ حِجَّةٍ وَيَجُوزُ) الِاسْتِئْجَارُ فِي الذِّمَّةِ (عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ) مِنْ الْأَعْوَامِ كَسَائِرِ إجَارَاتِ الذِّمَّةِ (فَلَوْ عَجَّلَهُ) عَنْ السَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ (زَادَ خَيْرًا) بِتَعْجِيلِهِ بَرَاءَةَ ذِمَّةِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ.
(وَإِنْ أَطْلَقَ الِاسْتِئْجَارَ حُمِلَ عَلَى) السَّنَةِ (الْحَاضِرَةِ) كَمَا مَرَّ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ (فَيَبْطُلُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَلَا يُشْتَرَطُ قُدْرَتُهُ عَلَى السَّفَرِ) فَلَا يَقْدَحُ عَجْزُهُ لِمَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ (لِإِمْكَانِ الِاسْتِنَابَةِ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ وَإِنْ قَالَ أَلْزَمْت ذِمَّتَك لِتَحُجَّ بِنَفْسِك فَفِي الصِّحَّةِ) لِلْإِجَارَةِ (تَرَدُّدٌ) وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْأَصْلِ هُنَا عَنْ الْبَغَوِيّ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا تَصِحُّ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَنِيبُ فَتَكُونُ إجَارَةَ عَيْنٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ بِبُطْلَانِهَا وَتَبِعَهُ الْأَصْلُ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الدِّينِيَّةَ مَعَ الرَّابِطِ بِمُعَيَّنٍ يَتَنَاقَضَانِ كَمَنْ أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَجَّ قُرْبَةٌ وَأَغْرَاضُ النَّاسِ فِي عَيْنِ مَنْ يُحَصِّلُهَا مُتَفَاوِتَةٌ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَأْجِرُ فَاسِقًا وَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ شَرْعًا وَالسَّلَمُ إذَا أُطْلِقَ حُمِلَ عَلَى الْجَيِّدِ وَفِي الْجَوَابِ نَظَرٌ.

(فَرْعٌ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَاقِدَيْنِ أَعْمَالَ الْحَجِّ) فَلَوْ جَهِلَهَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ، وَأَعْمَالُهُ أَرْكَانُهُ وَوَاجِبَاتُهُ وَسُنَنُهُ فَيُحْتَمَلُ اشْتِرَاطُ مَعْرِفَةِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ حَتَّى يُحَطَّ التَّفَاوُتُ لِمَا فَوَّتَهُ مِنْ السُّنَنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُحْتَمَلُ الِاكْتِفَاءُ بِمَعْرِفَةِ مَا عَدَا السُّنَنَ لِكَوْنِهَا تَابِعَةً كَمَا نَقُولُ فِي بَيْعِ الْحَامِلِ: الْوَلَدُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ عِنْدَ الْعَقْدِ لِدُخُولِهِ تَبَعًا (وَلَا يَجِبُ) فِي الْعَقْدِ (ذِكْرُ الْمِيقَاتِ) الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ الْأَجِيرُ (فَيُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى) الْمِيقَاتِ (الشَّرْعِيِّ) لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَقَعُ عَلَى حَجٍّ شَرْعِيٍّ، وَالْحَجُّ الشَّرْعِيُّ لَهُ مِيقَاتٌ مَعْهُودٌ شَرْعًا وَعُرْفًا فَانْصَرَفَ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمِيقَاتِ وَإِنْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ مِيقَاتٌ، وَبِهِ صَرَّحَ الْأَصْلُ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا عَدَلَ عَنْ الْمِيقَاتِ الْمُتَعَيِّنِ إلَى غَيْرِهِ جَازَ إنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ أَطْوَلَ مِنْهُ (وَلْيُبَيِّنْ) وُجُوبًا فِي الْإِجَارَةِ لِلنُّسُكِ (أَنَّهُ إفْرَادٌ أَوْ تَمَتُّعٌ أَوْ قِرَانٌ) لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِهَا.

(فَرْعٌ لَوْ قَالَ الْمَعْضُوبُ: مَنْ حَجَّ عَنِّي) أَوْ: أَوَّلُ مَنْ يَحُجُّ عَنِّي (فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَمَنْ حَجَّ عَنْهُ) مِمَّنْ سَمِعَهُ أَوْ سَمِعَ مَنْ أَخْبَرَهُ عَنْهُ (اسْتَحَقَّهَا) ؛ لِأَنَّهُ جِعَالَةٌ لَا إجَارَةٌ، وَالْجِعَالَةُ تَجُوزُ عَلَى الْعَمَلِ الْمَجْهُولِ فَعَلَى الْمَعْلُومِ أَوْلَى (فَإِنْ أَحْرَمَ عَنْهُ اثْنَانِ) مُرَتَّبًا (اسْتَحَقَّ الْأَوَّلُ) الْمِائَةَ (فَإِنْ أَحْرَمَا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّابِقُ) مِنْهُمَا مَعَ جَهْلِ سَبْقِهِ أَوْ بِدُونِهِ (وَقَعَ) حَجُّهُمَا (عَنْهُمَا، وَلَا شَيْءَ لَهُمَا) عَلَى الْقَائِلِ إذَا لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَصَارَ كَمَنْ عَقَدَ نِكَاحَ أُخْتَيْنِ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَسَكَتُوا عَمَّا لَوْ عَلِمَ سَبْقَ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ نَسِيَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فَيُحْتَمَلُ الْوَقْفُ حَتَّى يَتَذَكَّرَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
لَمْ يَجُزْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ.

[فَرْعٌ طَلَبَ الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ إنْ يَحُجَّ عَنْهُ]
(قَوْلُهُ كَانَ قَالَ اسْتَأْجَرْتُك لِلْحَجِّ بِنَفَقَتِك أَوْ حُجَّ عَنِّي بِهَا) قَالَ شَيْخُنَا هَذِهِ جِعَالَةٌ فَاسِدَةٌ لِجَهَالَةِ عِوَضِهَا وَهِيَ غَيْرُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ إذْ فِيهَا وَأُعْطِيك النَّفَقَةَ فَهُوَ وَعْدٌ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَرْزَاقِ فَخَرَجَ عَنْ الْإِجَارَةِ الْجِعَالَةُ (قَوْلُهُ اسْتِئْجَارُ عَيْنٍ) فَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ عَيْنٍ مَنْ وَقَعَتْ إجَارَةُ الْعِلْمِ عَلَى عَيْنِهِ (قَوْلُهُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِحْرَامِ فِي الْحَالِ) وَقَدْ قَالَ فِي الْبَحْرِ يَجُوزُ عَقْدُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لِإِمْكَانِ الْإِحْرَامِ فِي الْحَالِ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَقَالَ الْإِمَامُ بِبُطْلَانِهَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَتَبِعَهُ الْأَصْلُ) وَصَاحِبُ الْأَنْوَارِ.

(قَوْلُهُ فَيُحْتَمَلُ اشْتِرَاطُ مَعْرِفَةِ الْجَمِيعِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلِيُبَيِّنَ أَنَّهُ إفْرَادٌ إلَخْ) فَلَوْ قَالَ اسْتَأْجَرْتُك لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ عَلَى الْإِبْهَامِ بَطَلَ وَوَقَعَ لِلْمُسْتَأْجِرِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلَوْ قَالَ حُجَّ عَنِّي فَإِنْ قَرَنْت أَوْ تَمَتَّعْت فَقَدْ أَحْسَنْت فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ وَقَعَا لِلْمُسْتَأْجِرِ.

(قَوْلُهُ فَيَحْتَمِلُ الْوَقْفَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(1/452)


تَكُونَ كَاللَّتَيْنِ قَبْلَهَا. انْتَهَى وَقِيَاسُ نَظَائِرِ تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولًا كَأَنْ قَالَ: مَنْ حَجَّ عَنِّي فَلَهُ عَبْدٌ أَوْ ثَوْبٌ أَوْ دِرْهَمٌ وَقَعَ الْحَجُّ عَنْهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.

(فَرْعٌ يُشْتَرَطُ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ أَنْ تَكُونَ) أَيْ تُوجَدَ (حَالَ الْخُرُوجِ) ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاشْتِغَالَ بِعَمَلِ الْحَجِّ عَقِبَ الْعَقْدِ، وَالِاشْتِغَالُ بِشِرَاءِ الزَّادِ وَنَحْوِهِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْخُرُوجِ (فَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ) أَيْ الْأَجِيرُ فِي الْحَجِّ (مِنْ عَامِهِ) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (انْفَسَخَتْ) أَيْ الْإِجَارَةُ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ فَلَوْ حَجَّ عَنْهُ فِي الْعَامِ الثَّانِي قَالَ الْقَاضِي مَرَّةً لَا يَقَعُ عَنْهُ وَقَالَ أُخْرَى يَقَعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَقَدْ حَجَّ عَنْهُ أَيْ، وَلَكِنَّهُ أَسَاءَ وَذَكَرَ نَحْوَ الثَّانِي الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالدَّارِمِيُّ (وَمَتَى أَخَّرَ أَجِيرٌ ذِمَّةٍ) الشُّرُوعَ فِي الْحَجِّ عَنْ الْعَامِ الَّذِي تَعَيَّنَ لَهُ (أَثِمَ) لِارْتِكَابِهِ مُحَرَّمًا وَالتَّصْرِيحُ بِالْإِثْمِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَثَبَتَ الْخِيَارُ) فِي الْفَسْخِ عَلَى التَّرَاخِي (لِلْمَعْضُوبِ وَلِلْمُتَطَوِّعِ بِالِاسْتِئْجَارِ عَنْ الْمَيِّتِ) لِتَأَخُّرِ الْمَقْصُودِ فَإِنْ شَاءَا فَسَخَا الْإِجَارَةِ، وَإِنْ شَاءَا أَخَّرَا لِيَحُجَّ الْأَجِيرُ فِي الْعَامِ الثَّانِي أَوْ غَيْرِهِ (أَمَّا مَنْ اسْتَأْجَرَ بِمَالِ الْمَيِّتِ) فَأَخَّرَ الْأَجِيرُ الْحَجَّ عَنْ الْعَامِ (فَيَعْمَلُ فِي الْفَسْخِ) وَعَدَمِهِ (بِالْمَصْلَحَةِ) فَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الْفَسْخِ لِخَوْفِ إفْلَاسِ الْأَجِيرِ أَوْ هَرَبِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ (وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْمَعْضُوبُ) مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ (وَمَاتَ أَوْ أَوْصَى الْمَيِّتُ بِاسْتِئْجَارِ رَجُلٍ وَاسْتُؤْجِرَ) عَنْهُ الرَّجُلُ (فِي الذِّمَّةِ فَأَخَّرَ) الْأَجِيرُ الْحَجَّ فِيهِمَا (عَنْ عَامِهِ لَمْ يُفْسَخْ) عَقْدُ الْإِجَارَةِ إذْ لَا مِيرَاثَ لِلْوَارِثِ فِي الْأُجْرَةِ فِي الْأُولَى وَبِهِ فَارَقَ ثُبُوتَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِ لَهُ، وَالْوَصِيَّةُ مُسْتَحِقَّةُ الصَّرْفِ إلَى الْأَجِيرِ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَدْ قَدَّمَ أَنَّهُ إذَا أَخَّرَ أَجِيرُ الذِّمَّةَ يَأْثَمُ نَبَّهَ هُنَا عَلَى أَنَّ الْبَغَوِيّ قَائِلٌ بِخِلَافِهِ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ فَقَالَ (نَعَمْ لَوْ أَطْلَقَ أَجِيرُ الذِّمَّةِ) بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ عَامَ حَجِّهِ (وَقُلْنَا بِتَعَيُّنِ السَّنَةِ) الْأُولَى كَمَا مَرَّ (قَالَ الْبَغَوِيّ لَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ) عَنْهَا لَكِنْ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ، وَلَوْ تَرَكَ هَذَا كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُعْتَمَدُ مَا قَدَّمَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَكَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْأَصْلِ وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ.

(فَرْعٌ إذَا انْتَهَى الْأَجِيرُ) لِلْحَجِّ (إلَى الْمِيقَاتِ) الْمُتَعَيِّنِ (فَأَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ بِعُمْرَةٍ وَأَتَمَّهَا، ثُمَّ أَحْرَمَ لِلْمُسْتَأْجِرِ) بِالْحَجِّ (وَلَمْ يَعُدْ) إلَى الْمِيقَاتِ صَحَّ حَجُّهُ عَنْهُ لِلْإِذْنِ وَ (لَزِمَهُ دَمٌ) لِإِسَاءَتِهِ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ بِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ (وَلَا يَنْجَبِرُ) الْحَطُّ لِمَا فَوَّتَهُ (بِهِ) أَيْ بِالدَّمِ (بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُطَّ تَفَاوُتَ مَا بَيْنَ حِجَّتَيْنِ أُنْشِئَتَا مِنْ بَلَدِ الْإِجَارَةِ أَحْرَمَ بِأَحَدَيْهِمَا مِنْ الْمِيقَاتِ وَالْأُخْرَى مِنْ مَكَّةَ) ؛ لِأَنَّ الدَّمَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْجَبِرُ بِهِ الْحَطُّ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْآدَمِيِّ كَمَا فِي التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ فَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةُ الْحِجَّةِ الْأُولَى مِائَةً وَالثَّانِيَةُ تِسْعِينَ حَطَّ عُشْرَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بِالْعُشْرِ وَمَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ مِنْ وُقُوعِ الْحَجِّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ فِيهِ إشْكَالٌ سَأَذْكُرُهُ مَعَ جَوَابِهِ بِمَا فِيهِ فِي فَرْعٍ، وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْإِفْرَادِ فَقَرَنَ (وَمَتَى عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ) مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا وَأَحْرَمَ مِنْهُ (لَمْ يُحَطَّ مِنْ الْأُجْرَةِ شَيْئًا) إذَا لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لِقَطْعِهِ الْمَسَافَةَ مِنْ الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا وَأَدَائِهِ الْمَنَاسِكَ بَعْدَهُ، وَشُمُولُ كَلَامِهِ مَسْأَلَةَ عَوْدِهِ مُحْرِمًا مِنْ زِيَادَتِهِ

(فَرْعٌ) لَوْ (جَاوَزَ) الْأَجِيرُ (الْمِيقَاتَ) الْمُتَعَيِّنَ غَيْرَ مُحْرِمٍ (ثُمَّ أَحْرَمَ) لِلْمُسْتَأْجِرِ (وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَيُحَطُّ التَّفَاوُتُ كَمَا سَبَقَ) فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ وَإِنْ عَادَ إلَيْهِ لَمْ يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَلَمْ يُحَطَّ شَيْءٌ كَمَا سَبَقَ أَيْضًا ثَمَّ (وَيُعْتَبَرُ) فِي قَدْرِ التَّفَاوُتِ مَعَ الْفَرَاسِخِ وَأَعْمَالِ النُّسُكِ الْمَعْلُومَيْنِ مِمَّا يَأْتِي وَمِمَّا مَرَّ فِي قَوْلِهِ أُنْشِئَتَا مِنْ بَلَدِ الْإِجَارَةِ (تَفَاوُتُ الْفَرَاسِخِ فِي الْحُزُونَةِ) أَيْ الْخُشُونَةِ (وَالسُّهُولَةِ) لِتَفَاوُتِ السَّيْرِ بِهِمَا فَالْأُجْرَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْجَمِيعِ، وَلَا يَمْنَعُ اعْتِبَارَ الْفَرَاسِخِ صَرْفُ الْعَمَلِ فِيهَا لِغَرَضِهِ كَانَ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِعُمْرَةٍ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ تَحْصِيلَ نُسُكِ الْمُسْتَأْجِرِ إلَّا أَنَّهُ أَرَادَ رِبْحَ عُمْرَةٍ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ (وَلَوْ عَدَلَ عَنْ) الْمِيقَاتِ الْمُتَعَيِّنِ (إلَى مِيقَاتٍ مِثْلِهِ فِي الْمَسَافَةِ) أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ فِيهَا كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى (جَازَ) فَلَا يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَلَا حَطٌّ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَقْرَبَ مِنْهُ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ وَصَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْغَزَالِيُّ لَكِنْ فِي الْمُهَذَّبِ وَالتَّتِمَّةِ وَالشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرِهَا الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِ لُزُومِ شَيْءٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَقَالَ أُخْرَى يَقَعُ عَنْهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ عَنْ الْعَامِ الَّذِي تَعَيَّنَ لَهُ) بِأَنْ عَيَّنَّاهُ فِي عَقْدِهَا (قَوْلُهُ أَوْ أَوْصَى الْمَيِّتُ بِاسْتِئْجَارِ رَجُلٍ إلَخْ) لَوْ قَالَ أَحِجُّوا عَنِّي مَنْ يَرْضَاهُ فُلَانٌ فَعَيَّنَ وَاحِدًا فَهُوَ كَمُعَيَّنِ الْمُوصِي أَوْ مَنْ يَشَاءُ زَيْدٌ فَشَاءَ زَيْدٌ وَاحِدًا فَامْتَنَعَ فَهَلْ لَهُ تَعْيِينُ آخَرَ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّ لَهُ التَّعْيِينَ (قَوْلُهُ بَلْ الْمُعْتَمَدُ مَا قَدَّمَهُ إلَخْ) مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا عَيَّنَّا فِيهَا ذَلِكَ الْعَامَّ وَكَلَامُ الْبَغَوِيّ فِيمَا إذَا أَطْلَقَا وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَامِ فَلَا مُخَالَفَةَ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ اكْتَرَى مَنْ يَحُجُّ عَنْ أَبِيهِ مَثَلًا فَقَالَ الْأَجِيرُ حَجَجْت قُبِلَ قَوْلُهُ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَلَا بَيِّنَةَ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ لَا يُمْكِنُ فَرَجَعَ إلَى الْأَجِيرِ كَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَتْ تَزَوَّجْت بِزَوْجٍ وَدَخَلَ بِي وَطَلَّقَنِي وَاعْتَدَدْتُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا، وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهَا فَلَوْ قَالَ لِلْأَجِيرِ قَدْ جَامَعْت فِي إحْرَامِك وَأَفْسَدْته لَمْ يَحْلِفْ أَيْضًا، وَلَا تُسْمَعُ هَذِهِ الدَّعْوَى فَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ جَامَعَهَا مُحْرِمًا فِي عَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَالَ كُنْت نَاسِيًا قُبِلَ قَوْلُهُ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَصَحَّ حَجُّهُ وَاسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا فِي إحْرَامِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَحْلِفْ؛ لِأَنَّهُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ فَلَوْ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ حَقُّ آدَمِيٍّ سُمِعَتْ الدَّعْوَى، وَقَدْ ذَكَرُوا فِي الْوَصَايَا لَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ فَأَنْت حُرٌّ فَأَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِالْكُوفَةِ سُمِعَتْ وَعَتَقَ، وَلَوْ مَاتَ الْأَجِيرُ لِلْحَجِّ فَقَالَ وَارِثُهُ مَاتَ بَعْدَ أَنْ حَجَّ قُبِلَ قَوْلُهُ كَقَوْلِ الْأَجِيرِ، وَلَوْ قَالَ إنْ حَجَجْت عَنْ أَبِي هَذِهِ السَّنَةَ فَلَكَ كَذَا فَقَالَ بَعْدَهَا حَجَجْت لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ أَنْكَرَ الْوَارِثُ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ هَذِهِ السَّنَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقْبَلْ مِنْ الْحَاجِّ الْحَجُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لَزِمَنَا الْمُنْكِرُ الْيَمِينَ وَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ مُرَادُهُ بِالْبَيِّنَةِ هُنَا أَنَّهُ رُوِيَ هُنَاكَ فِي مَوَاطِنِ النُّسُكِ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ إلَّا أَنَّهُ حَجَّ

(قَوْلُهُ وَصَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحه.

(1/453)


لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَ بَعْضَ الْمَوَاقِيتِ مَقَامَ بَعْضٍ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَمَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ مُنَافٍ لِلتَّعْيِينِ الَّذِي نَحْنُ نُفَرِّعُ عَلَيْهِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ كَلَامًا نَقَلَهُ عَنْ الطَّبَرِيِّ شَارِحِ التَّنْبِيهِ.

(وَإِنْ اسْتَأْجَرَ) شَخْصٌ (الْآفَاقِيَّ) مَنْسُوبٌ إلَى الْآفَاقِ وَهِيَ النَّوَاحِي وَيُقَالُ الْأُفُقِيُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْفَاءِ وَفَتْحِهِمَا، وَهُوَ مَنْ مَسْكَنُهُ فَوْقَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ أَيْ أَوْ فِيهِ (لِيُحْرِمَ مِنْ مَكَّةَ) أَوْ مِنْ مَكَان أَقْرَبَ إلَيْهَا مِنْ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ (لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لِحُرْمَةِ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ) بِلَا إحْرَامٍ عَلَى مُرِيدِ النُّسُكِ لَكِنْ لَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ صَحَّ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَتَخْصِيصُهُ الْأَجِيرَ بِالْآفَاقِيِّ مِنْ تَصَرُّفِهِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْمَكِّيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمِيقَاتِ الْمُسْتَأْجِرِ وَلِهَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ آفَاقِيٌّ مَكِّيًّا لِلتَّمَتُّعِ لَزِمَهُ دَمٌ، وَلَا نَظَرَ إلَى كَوْنِ الْآتِي مَكِّيًّا نَقَلَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ عَنْ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ (أَوْ) اسْتَأْجَرَهُ (لِيُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَوْ مِنْ شَوَّالٍ أَوْ مَاشِيًا فَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ) فِي الْأُولَى (أَوْ فِي) ذِي (الْحِجَّةِ) فِي الثَّانِيَةِ (أَوْ رَكِبَ) فِي إحْرَامِهِ مِنْهُ وَالْأَوْلَى أَوْ رَاكِبًا فِي الثَّالِثَةِ (أَوْ) اسْتَأْجَرَهُ لِيَأْتِيَ عَنْهُ بِنُسُكٍ فَأَتَى بِهِ لَكِنْ (تَرَكَ مَأْمُورًا يُوجِبُ دَمًا) كَتَرْكِ الرَّمْيِ أَوْ الْمَبِيتِ أَوْ طَوَافِ الْوَدَاعِ (لَزِمَهُ دَمٌ وَحَطُّ التَّفَاوُتِ) لِتَرْكِهِ مَا أُمِرَ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ كَأَصْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَشْيِ صَحَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ خِلَافَهُ، وَلَوْ تَرَكَ مَأْمُورًا لَا يُوجِبُ دَمًا كَطَوَافِ الْقُدُومِ حُطَّ بِقِسْطِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَالْحِجَّةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا (وَلَا يَحُطُّ) الْأَجِيرُ تَفَاوُتًا (إنْ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا) كَلُبُسٍ وَقَلْمٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ شَيْئًا مِنْ الْعَمَلِ قَالَ الدَّارِمِيُّ فَلَوْ قَالَ لَهُ: حُجَّ عَنِّي وَتَطَيَّبْ وَالْبَسْ فَفَعَلَ فَالدَّمُ عَلَى الْأَجِيرِ، وَإِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَا تَفْسُدُ بِهِ الْإِجَارَةُ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ أَنَّهُ إنْ شَرَطَ ذَلِكَ فِيهَا فَسَدَتْ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ.

(فَرْعٌ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْقِرَانِ) فَامْتَثَلَ (فَالدَّمُ الْوَاجِبُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ) كَمَا لَوْ حَجَّ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي شَرَطَ الْقِرَانَ (فَلَوْ شَرَطَهُ عَلَى الْأَجِيرِ بَطَلَتْ) أَيْ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ إجَارَةٍ وَبَيْعِ مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّ الدَّمَ مَجْهُولُ الصِّفَةِ (وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ) لِلْقِرَانِ (مُعْسِرًا فَالصَّوْمُ) الَّذِي هُوَ بَدَلُ الدَّمِ (عَلَى الْأَجِيرِ) ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ، وَهُوَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ فِي الْحَجِّ وَاَلَّذِي فِي الْحَجِّ مِنْهُمَا هُوَ الْأَجِيرُ قَالَ فِي الْأَصْلِ كَذَا فِي التَّهْذِيبِ وَفِي التَّتِمَّةِ هُوَ كَالْعَاجِزِ عَنْ الصَّوْمِ وَالْهَدْيِ أَيْ فَيَبْقَى الْوَاجِبُ فِي ذِمَّتِهِ (وَلَا يُحَطُّ شَيْءٌ) مِنْ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ (فَإِنْ خَالَفَ) مَنْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْقِرَانِ (فَأَفْرَدَ وَهِيَ إجَارَةُ عَيْنٍ انْفَسَخَتْ فِي الْعُمْرَةِ) إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْعَمَلِ فِيهَا عَنْ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ فَيُحَطُّ مَا يَخُصُّ الْعُمْرَةَ مِنْ الْأُجْرَةِ (أَوْ) وَهِيَ (إجَارَةُ ذِمَّةٍ فَلَا) تُفْسَخُ فِي شَيْءٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرٍ أَوَّلًا عَلَى مُسْتَأْجِرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْرِنْ (لَكِنْ إنْ لَمْ يَعُدْ لِلْعُمْرَةِ إلَى الْمِيقَاتِ لِزْمَةُ دَمٌ وَالْحَطُّ كَمَا سَبَقَ وَإِنْ تَمَتَّعَ) بَدَلَ الْقِرَانِ (وَهِيَ إجَارَةُ عَيْنٍ انْفَسَخَ) الْعَقْدُ (فِي الْحَجِّ) لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ فَيُحَطُّ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الْأُجْرَةِ (وَلَوْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ، وَلَمْ يَعُدْ) لِلْحَجِّ (إلَى الْمِيقَاتِ فَالدَّمُ) الْوَاجِبُ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ (وَالْحَطُّ كَمَا سَبَقَ) فَيَجِبَانِ عَلَيْهِ وَأَمَّا دَمُ التَّمَتُّعِ فَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِتَضَمُّنِ أَمْرِهِ بِالْقِرَانِ الدَّمَ، نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ أَصْحَابِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ انْتَهَى. وَيُجَابُ عَنْ الِاسْتِبْعَادِ بِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الدَّمِ الثَّانِي غَيْرُ سَبَبِ وُجُوبِ الْأَوَّلِ كَمَا عَرَفْت أَمَّا إذَا أَعَادَ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَمَا ذَكَرَهُ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ مِنْ انْفِسَاخِهَا فِي الْحَجِّ هُوَ مَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ إشَارَةِ الْمُتَوَلِّي وَقَالَ: إنَّهُ قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ وَمَنَعَ الزَّرْكَشِيُّ الْقِيَاسَ وَفَرَّقَ بِأَنَّهُ لَمَّا أَفْرَدَ انْقَضَى وَقْتُ الْعُمْرَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَمَتَّعَ فَإِنَّ وَقْتَ الْحَجِّ بَاقٍ وَإِنَّمَا مَضَى بَعْضُهُ وَسَبَقَهُ إلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ كَجٍّ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ عَدَمُ الِانْفِسَاخِ بِهِ وَأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا؛ لِأَنَّهُ أَفْرَدَ الْعَمَلَيْنِ، لَكِنْ عَلَيْهِ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دَمُ التَّمَتُّعِ بَدَلَ دَمِ الْقِرَانِ كَمَا لَوْ قَرَنَ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ.

(فَرْعٌ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِلتَّمَتُّعِ) فَامْتَثَلَ (فَالدَّمُ) الْوَاجِبُ بِالتَّمَتُّعِ (عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ) لِمَا مَرَّ فِي اسْتِئْجَارِهِ لِلْقِرَانِ وَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ ثَمَّ (وَإِنْ أَفْرَدَ) بَدَلَ التَّمَتُّعِ (وَهِيَ) أَيْ الْإِجَارَةُ (إجَارَةُ عَيْنٍ انْفَسَخَتْ فِي الْعُمْرَةِ) لِفَوَاتِ وَقْتِهِمَا الْمُعَيَّنِ (أَوْ) وَهِيَ إجَارَةُ (ذِمَّةٍ فَكَمَا سَبَقَ) أَيْ فَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ، لَكِنْ إنْ لَمْ يَعُدْ لِلْعُمْرَةِ إلَى الْمِيقَاتِ لَزِمَهُ الدَّمُ وَالْحَطُّ (وَإِنْ قَرَنَ وَعَدَّدَ أَفْعَالَ النُّسُكَيْنِ فَقَدْ زَادَ خَيْرًا) ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالنُّسُكَيْنِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَكَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ يُحْرِمَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَإِنْ اسْتَأْجَرَ شَخْصٌ الْآفَاقِيَّ إلَخْ) لَوْ اسْتَأْجَرَهُ الْوَلِيُّ لِيُحْرِمَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ فَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَقَعَ لَهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَالدَّمُ عَلَى الْوَلِيِّ أَوْ لِيُحْرِمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ أَوْ مِنْ شَوَّالٍ فَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَبَعْدَ شَوَّالٍ لَزِمَهُ الدَّمُ وَالْحَطُّ

(1/454)


بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ حُطَّ) التَّفَاوُتُ (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِنُقْصَانِ الْأَفْعَالِ وَقِيلَ لَا حَطَّ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِتَعَدُّدِ الْأَفْعَالِ أَنْ يَأْتِيَ بِطَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ، وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ فَمَا زَعَمَهُ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُرَادًا بَلْ الْمُرَادُ تَجْدِيدُ الْعَوْدِ إلَى الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ الدَّمَ عَنْ الْقَارِنِ عَلَى الصَّحِيحِ مَرْدُودٌ؛ لِذَلِكَ وَلِأَنَّ فِي سُقُوطِ الدَّمِ بِعَوْدِ الْقَارِنِ خِلَافًا، وَالْمَذْهَبُ سُقُوطُهُ عَنْهُ وَمَا هُنَا لَا خِلَافَ فِي سُقُوطِهِ عَنْ الْأَجِيرِ فَالْوَجْهُ مَا تَقَدَّمَ وَلَكِنْ إنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْمِيقَاتِ لَزِمَ الْمُسْتَأْجَرَ دَمٌ؛ لِأَنَّ مَا شَرَطَهُ يَقْتَضِيهِ.

(فَرْعٌ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْإِفْرَادِ فَقَرَنَ، وَهِيَ إجَارَةُ عَيْنٍ وَقَعَا) أَيْ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ (لَهُ) أَيْ لِلْأَجِيرِ (وَانْفَسَخَتْ فِيهِمَا) مَعًا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ لِاتِّحَادِ الْإِحْرَامِ، وَلَا يُمْكِنُ صَرْفُ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ إلَيْهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَمَحَلُّ وُقُوعِهِمَا لِلْأَجِيرِ مَا إذَا كَانَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ حَيًّا فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا وَقَعَا لَهُ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَقَالُوا: لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ الْأَجْنَبِيُّ فَيَعْتَمِرَ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ، وَلَا إذْنِ وَارِثٍ بِلَا خِلَافٍ كَمَا يَقْضِي دَيْنَهُ (وَلَوْ كَانَتْ) أَيْ الْإِجَارَةُ (فِي الذِّمَّةِ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ) يَقَعَانِ لِبَقَاءِ الْإِجَارَةِ (وَالدَّمُ وَالْحَطُّ كَمَا سَبَقَ) فَيَجِبَانِ عَلَى الْأَجِيرِ إلَّا أَنْ يُعَدِّدَ الْأَفْعَالَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُمَا.
(وَإِنْ تَمَتَّعَ) بَدَلَ الْإِفْرَادِ (فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ، وَقَدْ أُمِرَ بِتَأْخِيرِ الْعُمْرَةِ انْفَسَخَتْ) أَيْ الْإِجَارَةُ (فِيهِمَا) الْمُوَافِقُ لِلْأَصْلِ وَغَيْرِهِ فِيهَا أَيْ الْعُمْرَةِ لِوُقُوعِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا فَيَحُطُّ مَا يَخُصُّهَا مِنْ الْأُجْرَةِ، نَعَمْ أَنْ أَتَى بِهَا عَنْهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ فَلَا انْفِسَاخَ فَلْيُحْمَلْ الِانْفِسَاخُ فِيهَا عَلَى الِانْفِسَاخِ ظَاهِرًا أَوْ عَلَى الِانْفِسَاخِ فِي الْعُمْرَةِ الَّتِي قَدَّمَهَا وَمَا قَالَهُ قَيَّدَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِمَا قَيَّدَ بِهِ مَسْأَلَةَ الْقِرَانِ السَّابِقَةِ (وَإِنْ أُمِرَ بِتَقْدِيمِهَا أَوْ كَانَتْ) أَيْ الْإِجَارَةُ (فِي الذِّمَّةِ لَمْ تَنْفَسِخْ وَ) لَكِنْ (إنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْمِيقَاتِ فَالدَّمُ وَالْحَطُّ كَمَا سَبَقَ) فَيَجِبَانِ عَلَيْهِ وَتَسَمَّحُوا فِي قَوْلِهِمْ وَأُمِرَ بِتَقْدِيمِهَا؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا لَا يَأْتِي فِي الْإِفْرَادِ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ، ثُمَّ قَالَ فَلْيَؤُلْ أَمْرُهُ بِتَقْدِيمِهَا عَلَى تَقْدِيمِهَا عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ أَيْ لِيَكُونَ ذَلِكَ إفْرَادًا عَلَى وَجْهٍ، وَتَكُونُ صُورَتُهَا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا الْأَجِيرُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِيَتَصَوَّرَ لُزُومَ الدَّمِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ هُنَا وَفِيمَا مَرَّ عُلِمَ أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْجِهَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا إلَى غَيْرِهَا لَا يَقْدَحُ فِي وُقُوعِ النُّسُكِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى مَا مَرَّ وَأُورِدَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إذَا خَالَفَ لَمْ يَقَعْ الْمَأْتِيُّ بِهِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْإِذْنِ لَهُ كَمَا فِي مُخَالَفَةِ الْوَكِيلِ مُوَكِّلَهُ، وَأَجَابَ الْإِمَامُ بِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْمُسْتَأْجَرِ فِي ذَلِكَ كَمُخَالَفَةِ الشَّرْعِ فِيمَا لَا يَفْسُدُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَصِّلُ النُّسُكَ لِنَفْسِهِ بَلْ لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَك أَنْ تَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُحَصِّلُهُ لِنَفْسِهِ بَلْ يُحَصِّلُهُ لِيُخْرِجَ نَفْسَهُ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ وَالْمُخْرَجُ مُخْتَلِفُ الْفَضَائِلِ فَلْيُرَاعِ غَرَضَهُ فِيهِ.
ثُمَّ الْفَرْقُ أَنَّ مُخَالَفَةَ الشَّرْعِ فِيمَا لَا يَفْسُدُ بِهَا يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ مَعَهَا لِغَيْرِ الْمُبَاشَرَةِ وَقَدْ أَتَى بِهِ لِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مُخَالَفَةِ الْمُسْتَأْجَرِ إذْ لَا ضَرُورَةَ فِيهَا إلَى وُقُوعِهِ عَنْهُ مَعَهَا بَلْ يُمْكِنُ صَرْفُهُ لِلْمُبَاشَرَةِ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي نَظَائِرِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَحْصِيلَهُ لِغَرَضِ أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ عَنْ الْعُهْدَةِ إنَّمَا يُعَدُّ مِنْ الِانْتِفَاعَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ امْتِثَالَ أَمْرِ الشَّارِعِ عَاجِلًا بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مِثْلَ هَذِهِ الِانْتِفَاعَاتِ قَسِيمًا لِلِانْتِفَاعَاتِ الْعَاجِلَةِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ {إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} [الإنسان: 27] وَبِأَنَّ الرَّافِعِيَّ نَفْسَهُ قَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ الْكُوفَةَ لِإِحْرَامِ الْأَجِيرِ فَجَاوَزَهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ لَزِمَهُ دَمٌ إلْحَاقًا لِلْمِيقَاتِ الشَّرْطِيِّ بِالْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ.

(فَرْعٌ جِمَاعُ الْأَجِيرِ) قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ (مُفْسِدٌ لِلْحَجِّ وَتَنْفَسِخُ بِهِ إجَارَةُ الْعَيْنِ لَا إجَارَةُ الذِّمَّةِ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِزَمَانٍ بِخِلَافِ إجَارَةِ الْعَيْنِ كَمَا مَرَّ (لَكِنْ يَنْقَلِبُ) فِيهِمَا الْحَجُّ (لِلْأَجِيرِ) ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ الْمَطْلُوبَ لَا يَحْصُلُ بِالْحَجِّ الْفَاسِدِ فَانْقَلَبَ لَهُ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِصِفَةٍ فَاشْتَرَاهُ بِغَيْرِهَا يَقَعُ لِلْمَأْمُورِ بِخِلَافِ مَنْ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا غَيْرَ مُفْسِدٍ (كَمُطِيعِ الْمَعْضُوبِ) إذَا جَامَعَ فَسَدَ حَجُّهُ وَانْقَلَبَ لَهُ وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ وَذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (وَكَذَا قَضَاؤُهُ) أَيْ الْحَجِّ الَّذِي أَفْسَدَهُ يَلْزَمُهُ وَيَقَعُ لَهُ كَحَجِّهِ الْفَاسِدِ (وَعَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ فِي فَاسِدِهِ وَ) عَلَيْهِ (الْكَفَّارَةُ) وَعَلَيْهِ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ الْقَضَاءِ عَنْ نَفْسِهِ بِحَجٍّ آخَرَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي عَامٍ آخَرَ أَوْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ أَوْ غَيْرَهُ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ عَنْ حَجِّ الْمُسْتَأْجِرِ (وَلِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهَا الْخِيَارُ) فِي الْفَسْخِ عَلَى التَّرَاخِي لِتَأَخُّرِ الْمَقْصُودِ هَذَا إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مِنْ مَعْضُوبٍ أَوْ مِنْ مُتَطَوِّعٍ بِالِاسْتِئْجَارِ عَنْ مَيِّتٍ (فَإِنْ كَانَتْ) مِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْإِفْرَادِ فَقَرَنَ إلَخْ) لَوْ أَحْرَمَ أَجِيرٌ مَوْقُوفًا ثُمَّ صَرَفَهُ لِمُسْتَأْجِرِهِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْعَمَلِ فَهَلْ يَقَعُ لَهُ أَوْ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَوَّلُهُمَا

(1/455)


مُسْتَأْجِرٍ (عَنْ مَيِّتٍ) مِنْ مَالِهِ (رُوعِيَتْ الْمَصْلَحَةُ) فِي الْفَسْخِ وَعَدَمِهِ (كَمَا سَبَقَ) نَظِيرُهُ.

(فَرْعٌ إذَا صَرَفَ الْأَجِيرُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ) عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ (الْحَجَّ إلَى نَفْسِهِ وَظَنَّ انْصِرَافَهُ) إلَيْهِ (لَمْ يَنْصَرِفْ) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ فَإِذَا انْعَقَدَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ (وَيَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى) لِبَقَاءِ الْعَقْدِ (وَإِذَا مَاتَ الْحَاجُّ) عَنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ تَحَلَّلَ لِإِحْصَارٍ فِي أَثْنَاءِ الْأَرْكَانِ) فِيهِمَا (لَمْ يَبْطُلْ ثَوَابُهُ) إذْ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَفْسَدَهُ بِجِمَاعٍ (لَكِنْ لَا يَبْنِي عَلَيْهِ) كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ بَلْ يَجِبُ الْإِحْجَاجُ مِنْ مَالِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ إنْ كَانَ قَدْ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِعَدَمِ بُطْلَانِ الثَّوَابِ بِمَوْتِ الْحَاجِّ عَنْ غَيْرِهِ وَبِحُكْمِ التَّحَلُّلِ الْمَذْكُورِ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الرَّوْضَةِ (فَإِنْ كَانَ) الْحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ (أَجِيرَ عَيْنٍ انْفَسَخَتْ) أَيْ الْإِجَارَةُ (أَوْ أَجِيرَ ذِمَّةٍ فَلَا) تَنْفَسِخُ (بَلْ لِوَرَثَتِهِ) أَيْ الْأَجِيرِ الْمَيِّتِ (وَ) لِلْأَجِيرِ (الْمَحْصُورِ أَنْ يَسْتَأْجِرُوا مَنْ يَسْتَأْنِفُ) الْحَجَّ (مِنْ عَامِهِمْ) عَنْ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ (إنْ أَمْكَنَ) فِي ذَلِكَ الْعَامِ لِبَقَاءِ الْوَقْتِ (وَإِلَّا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُسْتَأْجِرِ) كَمَا مَرَّ وَالتَّصْرِيحُ بِحُكْمِ الْأَجِيرِ الْمَحْصُورِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَمَتَى انْفَسَخَتْ) أَيْ الْإِجَارَةُ (بِمَوْتِهِ أَوْ إحْصَارِهِ فَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ (بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا قَبْلَهُ اسْتَحَقَّ الْقِسْطَ) مِنْ الْمُسَمَّى (مِنْ ابْتِدَاءِ السَّيْرِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بَعْضَ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ مَعَ تَحْصِيلِهِ بَعْضَ الْمَقْصُودِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْ شَيْئًا مِنْ الْمَقْصُودِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَرَّبَ الْأَجِيرُ عَلَى الْبِنَاءِ الْآلَاتِ مِنْ مَوْضِعِ الْبِنَاءِ، وَلَمْ يَبْنِ (وَوَقَعَ مَا أَتَى بِهِ) الْأَجِيرُ (لِلْمُسْتَأْجِرِ) إذَا لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ (وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَرْكَانِ وَقَبْلَ تَمَامِ الْأَعْمَالِ لَمْ تَبْطُلْ) أَيْ الْإِجَارَةُ (بَلْ يَحُطُّ قِسْطَهَا) أَيْ بَقِيَّةَ الْأَعْمَالِ أَيْ يَحُطُّهُ الْأَجِيرُ كَمَا لَوْ أُحْصِرَ بَعْدَ تَمَامِ الْأَرْكَانِ وَقَبْلَ تَمَامِ الْأَعْمَالِ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِهِ كَمَا عُلِمَ ذَلِكَ مِمَّا مَرَّ (وَتُجْبَرُ) الْبَقِيَّةُ (بِدَمٍ عَلَى الْأَجِيرِ) كَذَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ التَّتِمَّةِ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الزَّرْكَشِيُّ وَصَوَّبَهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ فِي قَوْلِهِ (وَدَمُ) التَّحَلُّلِ مِنْ (الْإِحْصَارِ) الْوَاقِعُ بَعْدَ تَمَامِ الْأَرْكَانِ (عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ) لِوُقُوعِ النُّسُكِ لَهُ مَعَ عَدَمِ إسَاءَةِ الْأَجِيرِ (وَإِنْ حَصَلَ الْفَوَاتُ) لِلْحَجِّ (مَعَ الْإِحْصَارِ أَوْ بِلَا إحْصَارٍ) كَأَنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْقَافِلَةِ (انْقَلَبَ) الْحَجُّ (لِلْأَجِيرِ) كَمَا فِي الْإِفْسَادِ بِجَامِعِ أَنَّهُ مُقَصِّرٌ (وَلَا شَيْءَ لَهُ) عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا فَعَلَهُ.

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَصِحَّ، وَأَمَّا الْجِعَالَةُ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُجَرَّدِ الْوُقُوفِ عِنْدَ قَبْرِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ أَوْ عَلَى الدُّعَاءِ عِنْدَهُ صَحَّتْ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَلَا تَضُرُّ الْجَهَالَةُ بِهِ

[فَصْلٌ وُجُوبُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ]
(فَصْلٌ) (وُجُوبُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) وَمِنْ حَيْثُ الْأَدَاءُ (عَلَى التَّرَاخِي) فَلِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بَعْدَ سَنَةِ الْإِمْكَانِ، لِأَنَّهُ فُرِضَ سَنَةَ خَمْسٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ هُنَا أَوْ سَنَةَ سِتٍّ كَمَا صَحَّحَهُ فِي السِّيَرِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ «وَأَخَّرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى سَنَةِ عَشْرٍ بِلَا مَانِعٍ» وَقِيسَ بِهِ الْعُمْرَةُ وَتَضْيِيقُهُمَا بِنَذْرٍ أَوْ خَوْفِ عَضْبٍ أَوْ قَضَاءٍ كَمَا سَيَأْتِي عَارِضٌ، ثُمَّ التَّأْخِيرُ إنَّمَا يَجُوزُ بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي الصَّلَاةِ (فَلَوْ خَشِيَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ (الْعَضْبَ حَرُمَ) عَلَيْهِ (التَّأْخِيرُ) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ إنَّمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ السَّلَامَةُ إلَى وَقْتِ فِعْلِهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَمِثْلُهُ.
وَمَنْ خَشِيَ هَلَاكَ مَالِهِ (وَلَوْ مَاتَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ) الْحَجُّ (بَعْدَ انْتِصَافِ لَيْلَةِ النَّحْرِ وَ) مُضِيِّ (إمْكَانِ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ) وَالسَّعْيِ إنْ دَخَلَ الْحَاجُّ بَعْدَ الْوُقُوفِ (صَارَ) يَعْنِي مَاتَ (عَاصِيًا) ، وَلَوْ شَابًّا، وَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ الْقَافِلَةُ (لِاسْتِقْرَارِ الْوُجُوبِ) عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا جُوِّزَ لَهُ التَّأْخِيرُ لَا التَّفْوِيتُ فَيَلْزَمُ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَيُخَالِفُ ذَلِكَ نَظِيرُهُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ آخَرَ وَقْتِهَا مَعْلُومٌ فَلَا تَقْصِيرَ مَا لَمْ يُؤَخِّرْ عَنْهُ، وَالْإِبَاحَةُ فِي الْحَجِّ بِشَرْطِ الْمُبَادَرَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ فَإِذَا مَاتَ قَبْلَهُ أَشْعَرَ الْحَالُ بِالتَّقْصِيرِ، وَاعْتِبَارُ إمْكَانِ الرَّمْيِ نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ التَّهْذِيبِ وَأَقَرَّهُ، وَرَدَّهُ فِي الْمُهِمَّاتِ بِأَنَّهُ لَيْسَ رُكْنًا وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ وَاجِبًا، وَلَهُ دَخْلٌ فِي التَّحَلُّلِ اُعْتُبِرَ إمْكَانُ فِعْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُكْنًا لِبُعْدِ الْعِصْيَانِ بِدُونِهِ قَالَ: وَلَا بُدَّ مِنْ زَمَنٍ يَسَعُ الْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ، وَيُعْتَبَرُ الْأَمْنُ فِي السَّيْرِ إلَى مَكَّةَ لِلطَّوَافِ لَيْلًا انْتَهَى.
أَمَّا إذَا مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ أَوْ سَنَةُ سِتٍّ كَمَا صَحَّحَهُ فِي السِّيَرِ إلَخْ) جَمَعَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِأَنَّ الْفَرِيضَةَ قَدْ تَنْزِلُ وَيَتَأَخَّرُ الْإِيجَابُ عَلَى الْأُمَّةِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] فَإِنَّهَا آيَةٌ مَكِّيَّةٌ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ مَدَنِيَّةٌ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ (قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ مَنْ خَشِيَ هَلَاكَ مَالِهِ) مِثْلُهُ مَا إذَا أَفْسَدَ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ وَمَا إذَا اجْتَمَعَ الْقَضَاءُ وَحِجَّةُ الْإِسْلَامِ بِأَنْ أَفْسَدَ الصَّبِيُّ أَوْ الْعَبْدُ حَجَّهُ ثُمَّ كَمُلَ وَاسْتَطَاعَ فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِحِجَّةِ الْإِسْلَامِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْفَوْرِ وَالْفَرْضُ الْأَصْلِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وَمَا إذَا نَذَرَ تَعْجِيلًا وَمَا إذَا خَشِيَ الْمَوْتَ، وَمَا إذَا عُضِبَ بَعْد مَا اسْتَطَاعَ الْحَجَّ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَضِيقُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ بِالِاسْتِنَابَةِ (قَوْلُهُ وَمُضِيِّ إمْكَانُ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ إلَخْ) لَا وَجْهَ لِاعْتِبَارِهِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ إذْ الْمَقْصُودُ مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ إيقَاعُ حَجٍّ مُجْزِئٍ (اب) (قَوْلُهُ قَالَ وَلَا بُدَّ مِنْ زَمَنٍ يَسَعُ الْحَلْقَ إلَخْ) ، وَهُوَ ضَعِيفٌ إذْ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى زَمَنٍ يَخُصُّهُ؛ لِأَنَّ تَقْصِيرَ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ أَوْ حَلْقَهَا أَوْ نَتْفَهَا كَافٍ وَيُمْكِنُ فِعْلُهُ، وَهُوَ سَائِرٌ إلَى مَكَّةَ فَيَنْدَرِجُ زَمَنُهُ فِي زَمَنِ السَّيْرِ إلَيْهَا (اب) .

(1/456)


عِصْيَانَ لِتَبَيُّنِ عَدَمِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ بَانَ أَنْ لَا إمْكَانَ (وَلَوْ تَلِفَ مَالُ الْحَيِّ قَبْلَ إمْكَانِ الرُّجُوعِ) أَيْ رُجُوعِ الْقَافِلَةِ (لَمْ يَسْتَقِرَّ) الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ مُؤَنَهُ الرُّجُوعِ لَا بُدَّ مِنْهَا بِخِلَافِ تَلَفِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَبِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْمَوْتِ كَمَا مَرَّ لِتَبَيُّنِ اسْتِغْنَائِهِ عَنْ مُؤْنَةِ الرُّجُوعِ (وَإِنْ حُصِرَتْ الْقَافِلَةُ) الَّتِي أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مَعَهَا فَتَحَلَّلَتْ أَوْ صَابَرَتْ الْإِحْرَامَ وَفَاتَ الْوَقْتُ (لَمْ يَسْتَقِرَّ) الْوُجُوبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا عَدَمَ اسْتِطَاعَتِهِ هَذِهِ السَّنَةَ (فَإِنْ) سَلَكُوا طَرِيقًا آخَرَ أَوْ (أَطْلَقُوا) وَمَنْ حَصَرَهُمْ (فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ) أَوْ غَيْرِهَا (وَحَجُّوا) ، وَهُوَ حَيٌّ (وَمَالُهُ بَاقٍ اسْتَقَرَّ) الْوُجُوبُ عَلَيْهِ لِتَمَكُّنِهِ (وَلَوْ تَمَكَّنَ) مِنْ الْحَجِّ (سِنِينَ) فَلَمْ يَحُجَّ (ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُضِبَ فَعِصْيَانُهُ مِنْ السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ) مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ إلَيْهَا (فَتَبَيَّنَ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ عَضْبِهِ فِسْقُهُ فِيهَا) أَيْ فِي السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ بَلْ، وَفِيمَا بَعْدَهَا فِي الْمَغْصُوبِ إلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ (فَلَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَبِنَقْضِ مَا شَهِدَ بِهِ فِي السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ) بَلْ وَفِيمَا بَعْدَ بَعْدَهَا فِي الْمَعْضُوبِ إلَى مَا ذُكِرَ (كَمَا فِي نَقْضِ الْحُكْمِ بِشُهُودٍ بَانَ فِسْقُهُمْ وَعَلَيْهِ) أَيْ كُلٍّ مِنْ الْمَيِّتِ أَيْ وَارِثِهِ وَالْمَعْضُوبِ (أَنْ يَسْتَنِيبَ فَوْرًا) لِلتَّقْصِيرِ، وَالتَّصْرِيحُ بِحُكْمِ الِاسْتِنَابَةِ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ أَوْ عُضِبَ مَا لَوْ بَلَغَ مَعْضُوبًا فَإِنَّ لَهُ تَأْخِيرَ الِاسْتِنَابَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ

(فَصْلٌ) (الْعَبْدُ الْمُفْسِدُ لِلْحَجِّ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ) ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ (فَإِنْ أُعْتِقَ) بَعْدَ الْإِفْسَادِ (ثُمَّ نَذَرَ حَجًّا قَدَّمَ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ) لِأَصَالَتِهَا وَلِأَهَمِّيَّتِهَا الْمَفْهُومَةِ مِنْ خَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ لَبَّى عَنْ شُبْرُمَةَ أَخٍ أَوْ قَرِيبٍ لَهُ: حُجَّ عَنْ نَفْسِك، ثُمَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (ثُمَّ الْقَضَاءُ) لِوُجُوبِهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَلَا يُجْزِئُ الْقَضَاءُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ لِكَوْنِهِ تَدَارُكًا لِغَيْرِهَا (ثُمَّ النَّذْرُ) ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ مِنْ النَّفْلِ (فَإِنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِهَا) أَيْ بِغَيْرِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ (مَنْ هِيَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَنْ اسْتَنَابَهُ فِيهَا انْصَرَفَ إلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ غَيْرَهَا لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا، وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ قَدَّمَ مُؤَخَّرًا لَغَا وَوَقَعَ الْمُقَدَّمُ) وَلِمَنْ حَجَّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ أَنْ يُقَدِّمَ حِجَّةَ التَّطَوُّعِ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَلِمَنْ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَحُجَّ أَنْ يُقَدِّمَ عُمْرَةَ التَّطَوُّعِ عَلَى الْحَجِّ (وَإِنْ نَذَرَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ أَنْ يَحُجَّ هَذِهِ السَّنَةِ فَحَجَّ خَرَجَ عَنْ فَرْضِهِ وَنَذْرِهِ) إذْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَعْجِيلُ مَا كَانَ لَهُ تَأْخِيرُهُ فَيَقَعُ أَصْلُ الْفِعْلِ عَنْ فَرْضِهِ وَتَعْجِيلُهُ عَنْ نَذْرِهِ.

(وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مَنْ لَمْ يَحُجَّ لِلْحَجِّ فِي الذِّمَّةِ) فَيَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ فِي سَنَةٍ أُخْرَى (لَا) فِي إجَارَةِ (الْعَيْنِ) ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَيَّنُ لِلسَّنَةِ الْأُولَى فَمَنْ عَلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَالْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ) فِيمَا ذَكَرَ (وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْحَجِّ مَنْ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ أَوْ بِالْعَكْسِ) أَيْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْعُمْرَةِ مَنْ عَلَيْهِ حَجٌّ (جَازَ) إذْ لَا مَانِعَ، وَالتَّصْرِيحُ بِالْجَوَازِ مِنْ زِيَادَتِهِ (فَإِنْ قَرَنَ هَذَا) أَيْ الْأَجِيرُ فِي الصُّورَتَيْنِ (لِلْمُسْتَأْجِرِ وَقَعَ عَنْ الْأَجِيرِ) ؛ لِأَنَّ نُسُكَيْ الْقِرَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ لِاتِّحَادِ الْإِحْرَامِ، وَلَا يُمْكِنُ صَرْفُ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ إلَيْهِ وَقَيَّدَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِمَا قَيَّدَ بِهِ مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْإِفْرَادِ فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ (وَمِنْ) الْأَوْلَى وَإِنْ (قَرَنَ) أَيْ هَذَا (لِلْمُسْتَأْجِرِ وَلِنَفْسِهِ) بِأَنْ أَحْرَمَ بِمَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَبِالْآخِرِ لِنَفْسِهِ (أَوْ أَحْرَمَ) بِمَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ (عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَعَنْ نَفْسِهِ وَقَعَا) أَيْ مَا أَتَى بِهِ فِي الْأُولَى وَمَا أَتَى بِهِ فِي الثَّانِيَةِ (جَمِيعًا عَنْ نَفْسِهِ) لِمَا مَرَّ آنِفًا؛ وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَنْعَقِدُ عَنْ اثْنَيْنِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ فَانْعَقَدَ لِنَفْسِهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِالثَّانِيَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَكَذَا بِقَوْلِهِ (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا فَعَلَهُ (وَكَذَا وَمَنْ أَحْرَمَ) بِالنِّسْكَانِ أَوْ بِأَحَدِهِمَا (عَنْ اثْنَيْنِ) اسْتَأْجَرَاهُ لِذَلِكَ أَوْ أَمَرَاهُ بِهِ يَقَعُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَتَعْبِيرُهُ بِذَلِكَ أَعَمُّ، وَمِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِرَجُلَيْنِ اسْتَأْجَرَاهُ لِيَحُجَّ عَنْ أَحَدِهِمَا وَيَعْتَمِرَ عَنْ الْآخَرِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ اثْنَانِ فِي الذِّمَّةِ لِلْحَجِّ عَنْهُمَا أَوْ أَمَرَاهُ بِهِ بِلَا إجَارَةٍ وَأَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا مُبْهَمًا صَرَفَهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعِ

(وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْمَعْضُوبُ لِفَرْضِهِ) أَدَاءً أَوْ قَضَاءً (وَنَذَرَهُ رَجُلَيْنِ) بِأَنْ اسْتَأْجَرَهُمَا لِيَحُجَّا عَنْهُ (فِي سَنَةٍ) وَاحِدَةٍ: أَحَدُهُمَا حِجَّةَ الْإِسْلَامِ أَوْ حِجَّةَ قَضَاءٍ وَالْآخَرُ حِجَّةَ نَذْرٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا حِجَّةَ الْإِسْلَامِ وَالْآخَرُ حِجَّةَ قَضَاءٍ (جَازَ) لِمَا -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ الْعَبْدُ الْمُفْسِدُ لِلْحَجِّ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ]
قَوْلُهُ وَلِأَهَمِّيَّتِهَا الْمَفْهُومَةُ مِنْ خَبَرِ أَبِي دَاوُد إلَخْ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ فَلَمْ تُؤَدَّ عَنْ الْغَيْرِ مَعَ تَوَجُّهِ فَرْضِهَا كَالْجِهَادِ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ وَعَلَيْهِ فَرْضٌ انْصَرَفَ إلَى الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ رُكْنٌ فَلَا يَتَطَوَّعُ بِهِ قَبْلَ الْمَفْرُوضِ بَلْ يَنْقَلِبُ إلَى الْمَفْرُوضِ كَمَنْ طَافَ بِنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَعَلَيْهِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْإِفَاضَةِ وَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا وَقَعَ لِلْفَرْضِ فَلَوْ جَازَ أَنْ يَسْبِقَ النَّفَلُ الْفَرْضَ لَانْصَرَفَ مُطْلَقُهُ إلَى النَّفْلِ كَالصَّلَاةِ (قَوْلُهُ ثُمَّ النَّذْرُ) ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ مَا حَجَّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ تَطَوَّعَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ وَالرَّاجِحُ مِنْهُ الْجَوَازُ (قَوْلُهُ أَوْ عَلَى مَنْ اسْتَنَابَهَا فِيهَا إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا أَيْ، وَقَدْ أَحْرَمَ بِغَيْرِهَا عَنْ الْمُسْتَنِيبِ أَمَّا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَوْ بِنَفْلٍ وَكَانَ عَلَى النَّائِبِ حِجَّةُ الْإِسْلَامِ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ.

(قَوْلُهُ فَيَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ فِي سَنَةٍ أُخْرَى) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ كَذَا قَالَاهُ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْأَجِيرَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ اسْتِئْجَارُ مَنْ يَقُومُ بِهَذَا الْحَجِّ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ جَوَازُهُ كَاسْتِئْجَارِ الْوَارِثِ عَنْ مُوَرِّثَهِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَحُجَّ. انْتَهَى وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ امْتِنَاعُهُ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ هَذَا الْأَجِيرُ الْمَخْصُوصُ لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ أَوْ لِكَوْنِهِ مُحِبًّا فِيهِ فَيَدْعُو لَهُ بِإِخْلَاصٍ وَنَظِيرُ ذَلِكَ لَوْ أَوْصَى الْمَيِّتُ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ لِلْوَارِثِ اسْتِئْجَارُ غَيْرِهِ لِتَنْصِيصِهِ عَلَيْهِ وَإِذَا امْتَنَعَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ غَيْرَهُ لِلْحَجِّ عَمَّنْ اُسْتُؤْجِرَ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةُ عَيْنٍ لِمَنْفَعَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ

(1/457)


فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ الْحَجِّ؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ حِجَّةِ الْإِسْلَامَ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا وَحِجَّةَ النَّذْرِ لَمْ تَتَقَدَّمْ حِجَّةَ الْقَضَاءِ.

[فَرْعٌ أَحْرَمَ شَخْصٌ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ أَوْ أَحْرَمَ الْأَجِيرُ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ بِحَجِّ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ ثُمَّ نَذَرَ حَجًّا قَبْلَ الْوُقُوفِ]
(فَرْعٌ) وَفِي نُسْخَةٍ فَصْلٌ (لَوْ أَحْرَمَ الْمُتَطَوِّعُ) بِأَنْ أَحْرَمَ شَخْصٌ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ (أَوْ) أَحْرَمَ (الْأَجِيرُ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ) بِحَجِّ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ (ثُمَّ نَذَرَ حَجًّا قَبْلَ الْوُقُوفِ لَا بَعْدَهُ انْصَرَفَ الْحَجُّ إلَى النَّذْرِ) لِتَقَدُّمِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ وَفَرْضِ الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِهِ بِخِلَافِ نَذْرِهِ لَهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ لِإِتْيَانِهِ بِمُعْظَمِ أَرْكَانِ مَا نَوَاهُ نَعَمْ إنْ أَمْكَنَهُ الْعَوْدُ إلَيْهِ وَعَادَ فَالظَّاهِرُ انْصِرَافُهُ إلَى النَّذْرِ كَمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْفَرْضِ فِيمَا لَوْ كَمَّلَ الْمُحْرِمُ بَعْدَ الْوُقُوفِ، وَالْوَقْتُ بَاقٍ فَعَادَ إلَيْهِ (وَلَوْ أَحْرَمَ) عَنْ نَفْسِهِ (أَجِيرِ الْعَيْنِ) أَوْ أَجِيرِ الذِّمَّةِ الْمَفْهُومُ بِالْأَوْلَى (بِتَطَوُّعٍ لَمْ يَنْصَرِفْ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ) لِأَنَّا إنَّمَا نُقَدِّمُ وَاجِبَ الْحَجِّ عَلَى نَفْلِهِ لِوُجُوبِهِ، وَأَمَّا اسْتِحْقَاقُهُ عَلَى الْأَجِيرِ فَلَيْسَ لِوُجُوبِهِ

(وَيَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حَجَّ بِمَالٍ حَرَامٍ) كَمَغْصُوبٍ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا كَمَا فِي الصَّلَاةِ فِي مَغْصُوبٍ أَوْ ثَوْبِ حَرِيرٍ.

0 التعليقات