Saturday, May 27, 2017

حرمة الانتفاع بالمحرم والنجس

حرمة الانتفاع بالمحرم والنجس
حرمة الانتفاع بالمحرم والنجس

والحق أن الانتفاع بالنجاسات حرام، ولا يحل بحال من الأحوال إلا في التداوي، فيحرم الانتفاع بها فيما يتعلق بالآدمي نفسه، كالأكل والشرب والدهن ونحوه، ويحرم الانتفاع بها في غير الآدمي، كتسميد الأرض وتسجير التنور وغير ذلك من الانتفاعات.

اسم الكتاب: التبصرة
اسم المؤلف: يوسف سباتين
التصنيف: رأي حزب التحرير

الفهرست


خـــــــامساً حرمة الانتفاع بالمحرم والنجس

إن روث البقر وذرق الطيور نجس، وحكمه حكم سائر النجاسات، كحكم الدم والميتة وغير ذلك من النجاسات. والنجاسات كلها لا يجوز بيعها، ولا يجوز إهداؤها، بل حكمها أن تُرمى وأن تُطرح أو تُتلف. أما استعمالها والانتفاع بها فهو موضوع خلاف بين الفقهاء، فمنهم من يجيز استعمالها والانتفاع بها، ومنهم من يمنع ذلك ويعتبره محرماً من المحرمات.

والحق أن الانتفاع بالنجاسات حرام، ولا يحل بحال من الأحوال إلا في التداوي، فيحرم الانتفاع بها فيما يتعلق بالآدمي نفسه، كالأكل والشرب والدهن ونحوه، ويحرم الانتفاع بها في غير الآدمي، كتسميد الأرض وتسجير التنور وغير ذلك من الانتفاعات. والدليل على ذلك ما ورد من تحريم النجس من حيث هو نجس، وما ورد من تحريم نجاسات بعينها بوصفها نجاسات.

أما ما جاء في تحريم النجس من حيث هو نجس، أي بوصف النجاسة، فهو الآيات التي جاء فيها الأمر باجتناب النجس. قال الله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)[1]. أي: فاجتنبوا هذا الرجس، فهو أمر باجتناب الرجس، وهو وإن كان الحكم مسلطاً على ما جاء في الآية من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وجاء بهذه المحرمات، إلا أن الأمر بالاجتناب لم يسلط عليها، فلم يقل (فاجتنبوها)، بل هو مسلط على الرجس، ولذلك قال: (فاجتنبوه)، أي: اجتنبوا هذا النجس، فوصفه بالنجس وأمر باجتنابه بهذا الوصف، وهو يدل حسب دلالة الإشارة على اجتناب النجس من حيث هو نجس. وقال تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور)[2] أمر باجتناب الأوثان، وعبّر عن ذلك بوصفها بالنجاسة، وسلط الأمر على النجس، أي على الرجس، ولذلك قال بعدها: (واجتنبوا قول الزور)، فسلط الاجتناب مباشرة على النهي عنه، فهو قد أمر باجتناب الأوثان، فـ (من) هنا للبيان، أي هي بيان للرجس المنهي عنه، فهو قد أمر باجتناب الأوثان، فالأمر باجتناب وصفها الذي هو الرجس، وهو بهذا التعبير (فاجتنبوا الرجس) فيه دلالة على اجتناب النجس من حيث هو نجس، فيكون دليلاً على تحريم النجس من حيث هو نجس.

ولا يقال إن هذا الرجس في الآيتين معنوي وليس بحسّيّ، فلا يشمل النجاسات الحسية، لا يقال ذلك لأن كلمة (الرجس) في الآية الثانية اسم جنس محلى بالألف واللام، فهي من ألفاظ العموم، وتحمل عليها كلمة رجس في الآية الأولى، فتكون عامة تشمل كل الرجس، فتدخل تحتها النجاسات الحسية. هذا ما جاء في تحريم النجاسات. أما ما ورد في تحريم النجاسات بعينها في الأدلة الواردة في الميتة والدم والبول والخمر والكلب بوصفها نجاسات. فبالنسبة للميتة. قال الله تعالى: )حرمت عليكم الميتة) وعن ميمونة رضي الله عنها قالت: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة يجرونها فقال: (يطهرها الماء والقرظ)، وعن أبي واقد رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله غليه وسلم: (ما قطع من البهيمة وهي ميتة فهو ميت) وهو يعني أنه حرام. وبالنسبة إلى الدم قال تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم)[3] وقال تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً على طاعم يطعمه إلى أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً)[4]. وبالنسبة إلى البول، مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: (إن هذين ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بين الناس بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يتنزه عن البول). وعن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي فبال في طائفة من المسجد، فزجره الناس، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (لا تزرموه) فلما قضى بوله، أمر صلى الله عليه وسلم بذََنوب ماء فاهريق عليه. وأدلة البول هذه أدلة الخراء والروث وذرق الطيور وسائر الفضلات.

وبالنسبة للخمر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حرمت الخمر لعينها)، وعن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل رجل عنده خمر لأيتام، هل يخللها؟ فأمره بإراقتها.

وبالنسبة للكلب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب).
هذه الأدلة الإجمالية والتفصيلية صريحة الدلالة في تحريم النجاسات، وإذا حرم الله شيئاً حرم استعماله وحرم الانتفاع به. صحيح أن التحريم ينصبّ على ما يفهمه العرب من اللفظ المسلط على ما حرم، فما حرم مما يؤكل ينصرف إلى تحريم الأكل، وما حرم مما يشرب ينصرف إلى تحريم الشرب، ولكن هذه المحرمات ما حرم منها مما يؤكل ويشرب قد جاء الدليل على عموم تحريمه، وما حرم مما لا يؤكل ولا يشرب يكون تحريمه عاماً.

فالميتة قد جاءت أدلة أخرى على أن التحريم ليس خاصاً بأكلها، بل هو عام، فبالنسبة للميتة جاء حديث ميمونة بأن الرسول أمر أن تُرمى كلها، ولم يستثن من ذلك إلا جلدها بعد دباغته، وفي الحديث أن الرسول حين حرم بيع الميتة سئل: فما ترى في بيع شحوم الميتة، فإنها تُطلى بها السفن، فأجاب صلى الله عليه وسلم: إنه حرام، أي حرمها تحريماً عاماً، حتى الانتفاع بشحمها، وقال أيضاً: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء).

وأما الخمر فإن الرجل الذي جاء إلى الرسول عليه السلام بخمر هدية، وأخبره أنها حرمت قال له الرسول: (ما حرم شربه حرم بيعه وحرم إهداؤه)، وأمره بإراقتها، مما يدل على أنها حرام حرمة مطلقة عامة.

هذا بالنسبة لتحريم ما يؤكل ويشرب، أما باقي النجاسات فهي ليست مما يؤكل ويشرب، فيفهم العرب من تحريمها التحريم العام، أي تحريم استعمالها والانتفاع بها، وهذا يعني أن النجاسات محرمة تحريماً مطلقاً وعاماً، فلا يحل الانتفاع بالنجاسات ولا بأي وجه من أوجه الانتفاع، ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال: (إن كان جامداً فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان مائعاً فلا تقربوه) وفي رواية: (فأريقوه)، فلم يقل انتفعوا به في الدهان والإضاءة أو ما يمكن أن يستفاد منه حينذاك. وحينما سئل عن الخمر لأيتام هل يخللها؟ أمر السائل بإراقتها، ونهيه عن شحوم الميتة وأن تطلى السفن بها، كل ذلك يدل على تحريم الانتفاع بالنجس، فيشمل كل شيء فيها ويشمل تحريم استعمالها، وتحريم الانتفاع بها، ومتى حرم الشيء حرم بيعه وحرم ثمنه، فلا يحل تسميد الأرض بروث الدواب وذرق الطيور، ولا بأي نجاسة من النجاسات، أما حمل النجاسات، كحمل الروث سماداً، وحمل اللحم الميت وحمل الخمر وغير ذلك من النجاسات؛ فإنه إن كان لإلقائها أو لإراقتها، أي من أجل إتلافها فإنه يجوز، لأن الناس كانوا يحملون الميتة لإلقائها، وكان الرسول يقرهم على ذلك، وأما حملها لتوصيلها لمكان آخر أو لشخص آخر فإنه لا يجوز مطلقاً سواء أكان بأجرة أو تبرعاً، لأن النهي عام، فيشمل كل شيء يتعلق بالنجاسة. ولا يقال إن سماد الأرض هو إلقاء للنجاسة في الأرض، لا يقال ذلك لأن التسميد انتفاع، والانتفاع بالنجاسة من حيث هو حرام، فحملها لإلقائها في مكان بعيد عن الناس جائز، ولا مانع من أن تأكل الكلاب أو السباع منها، ولكن إطعام الكلاب والسباع منها حرام، لأن الأول ليس انتفاعاً، والثاني انتفاع، فجاز الأول وحرم الثاني، فحمل الروث وإلقاؤه جائز ولو ألقي في الأرض، ولكن أخذه ولو من نفس الأرض وتسميد الأرض به حرام. لأنه انتفاع، فالانتفاع من حيث هو حرام، فالموضوع ليس احتيالاً على الدليل ولا بحثاً عن فتوى، وإنما هو فهم للنص الشرعي وعمل بمدلول النص الشرعي وتقيد به. والنص الشرعي يقول: (رجس)، ثم يقول: (فاجتنبوه)، ويقول: (فاجتنبوا الرجس)، والنص الشرعي هو أن الرسول عليه السلام قد أمر بإراقة النجاسات ورميها، ونهى عن الانتفاع بالنجاسات، فيجب التقيد بهذا النص الشرعي، والنص الشرعي هو أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد نعى على اليهود لاحتيالهم بالانتفاع بما نهوا عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها).

فيجب عدم الاحتيال على ما حرمه الله، وما دام النص الشرعي يدل على طرح النجاسات، وعلى إراقة المائعات النجسة، ويحرم النجاسات كلها تحريماً عاماً ينهى عن الانتفاع بها، وينعى على من يحتال على الانتفاع بما حرم، فإنه لا يصح أن ينتفع بالنجاسات بأي نوع من أنواع الانتفاع.


EmoticonEmoticon