Monday, May 1, 2017

القتال مع العميل

القتال مع العميل

المقصود بإطلاق الأدلة هنا والتي وردت في كتاب حزب التحرير، هو أن الجهاد مع الحاكم في أي حالة من حالات الحاكم هو الذي لم يقيد. فقد أوجب الله القتال معه حال كونه باراً وحال كونه فاجراً، أي في جميع أحواله. ففي حال كونه عادلاً فيجب القتال معه، وفي حال كونه صالحاً يجب القتال معه، وفي حال كونه فاسقاً أو عميلاً يجب القتال معه، كل ذلك يندرج تحت حال كونه برا أو فاجراً، ولو امتنع الجهاد معه حال كونه فاسقاً أو عميلاً لامتنع الجهاد هذه الأيام في جميع البلدان الإسلامية،

اسم الكتاب: التبصرة
اسم المؤلف: يوسف سباتين
التصنيف: رأي حزب التحرير

الفهرست

أولاً القتال مع العميل

توضيح الحكم الشرعي الذي يوجب على المسلمين أن يقاتلوا مع الحاكم ولو لتنفيذ خطة دولة كافرة ما دام قتالاً للكفار. ومناقشة تعليق الدكتور عليه ـ النص الكامل الذي كان محل التعليق ـ

(سادساً: الجهاد فرض على المسلمين في جميع الأحوال حتى تقوم الساعة، فيجب أن ينهض المسلمون للجهاد تحت ظل الحاكم مهما كان حاله سواء أكان برا أم فاجراً يحكم بأحكام الإسلام أم يحكم بأحكام الكفر، مخلصاً للأمة يتصرف برأيه ورأي أمته أم عميلاً لدولة كافرة ففي جميع الأحوال يجب أن يقاتل المسلمون الكفار تحت ظل الحاكم، والدليل على ذلك الآيات والأحاديث.

أما الآيات فكثيرة ومنها قوله تعالى: (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة) وقوله تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان).

وأما الأحاديث فعن أنس قال: ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل"، وعن مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الجهاد واجب عليكم خلف كل مسلم براً كان أم فاجراً وإن عمل الكبائر "
هذه الأدلة جاءت كلها مطلقة غير مقيدة، والمطبق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل التقييد، ولم يرد دليل يقيدها تحت راية الحاكم العادل دون الجائر أو الحاكم الصالح دون الحاكم الفاسق، أو الحاكم المخلص دون الحاكم العميل، بل جاءت مطلقة، وهذا يعني أن القتال فرض تحت راية أي حاكم مسلم.
وهنا قد يرد سؤال وهو أن العميل قد يهيئ معركة مصطنعة مع الكفار لتنفيذ خطة لدولة كافرة، فهل في هذا الحال يجب القتال تحت راية ذلك العميل؟ والجواب على ذلك هو أنه إن كانت الخطة ليس فيها ضرب المسلمين ولا إيقاع أذي بهم، فالقتال واجب تحت راية ذلك الحاكم ولو كانت لتنفيذ خطة لدولة كافرة ما دام قتالاً للكفار، لأن أدلة الجهاد جاءت عامة غبر مقيدة، وتقييدها بأي حال من الحالات يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة حتى يصلح لتقييد المطلق، ولم يأت دليل يقيد، والعقل لا يصلح لتقييد النص، لذلك كان القتال واجباً.

أما إذا كانت تلك الخطة تضرب المسلمين وهي معمولة لهلاك المسلمين، فإنه حينئذ لا يقاتل تحت رايته بل يحرم القتال تحت راية ذلك الحاكم وذلك لأن ضرب المسلمين وإهلاكهم حرام، والقاعدة الشرعية (الوسيلة إلى الحرام حرام) سواء أكانت الوسيلة واجباً أو مندوباً أو مباحاً، فإنها تصير حراماً، ففي هذا الحال أوصل الواجب وهو القتال تحت راية الحاكم إلى حرام، فكان حراماً، فتطبق عليها القاعدة المذكورة، فكانت حرمة القتال في هذه الحالة ليست تقييداً للمطلق بل يبقى المطلق على إطلاقه، وإنما هي عمل بحكم آخر في حالة معينة وعلى هذا يظل الحكم الشرعي كما هو، والجهاد واجب تحت راية كل حاكم أيا كان ذلك الحاكم).
انتهى النص.

علق الدكتور صادق أمين على ثلاثة أفكار في هذا النص.

أولاً: ـ على قول الحزب بأن أدلة وجوب الجهاد مع الحاكم مطلقة غير مقيدة، فقال: " أن الناظر في الأدلة التي ساقها حزب التحرير يمكنه أن ينقض قولهم من خلال النصوص، فالقيد موجود في الآيات القرآنية السابقة التي ادعوا أنها مطلقة وهي قوله تعالى (في سبيل الله) فالآيات مقيدة وليست مطلقة.
الثاني: ـ على قول الحزب بوجوب القتال مع العميل لتنفيذ خطة لدولة كافرة فقال: "

1. نقول لحزب التحرير إذا كان القتال واجباً تحت الحاكم العميل تنفيذاً لخطة دولة كافرة، فهل يجب ـ فضلاً على الجواز ـ على المسلمين أن يقاتلوا مع اليهود إذا قاتل اليهود لاحتلال الحبشة؟ وهل يجوز أن تجند الأمة وتوضع طاقاتها للقتال مع أمريكا؟ في فيتنام أو للقتال مع الشيوعيين ضد أمريكا؟ أو للقتال مع الإنجليز ضد اليابان؟

2. يتبجح حزب التحرير بوعيه السياسي دائماً ويهاجم الحكام لأنهم أدوات طيعة بأيدي الكافر المستعمر فلماذا كل هذا العويل إذا كان يجب على الحاكم أم يخدم أغراض أمريكا أو انجلترا؟ بل يجب أن يضحي بأمته وأموالها وطاقاتها من أجل تحقيق أغراض أمريكا والفرنسيين، ولكن في غير العالم الإسلامي كما يقول حزب التحرير.

3. إذا كان يجب على الأمة جميعها أن تهبّ لتنفيذ أغراض الكفار، فلماذا كان ولا يزال حزب التحرير يملأ الدنيا صراخاً وعويلاً لأن أفراد المنظمات يقاتلون تحت لواء خائن على حد زعم حزب التحرير؟

الثالث: يعلق على عدم إعمال القاعدة (الوسيلة إلى الحرام حرام) في الصور التي تخيّلها فيقول: "نقول لحزب التحرير أليس في قتال المسلمين مع الكفار ضرباً لهم وهلاكاً؟ ثم أليس تحقيق أهداف الكفر حراماً؟ يعمل المسلم لها فضلاً عن أن يبذل دمه وماله، وتوضع إمكانات الأمة والدولة لتحقيقها، فلماذا لا يعمل بالقاعدة هنا؟ ونقول: إن القتال مع الكفار وسيلة لتحقيق أهدافهم، والوسيلة إلى الحرام حرام؟

شرح الموضوع مع بيان الأخطاء التي وقع فيها الدكتور

نودّ هنا أن نلفت النظر إلى قول الدكتور بأن النصوص الدالة على وجوب الجهاد بأنها مقيدة في سبيل الله، أي أن الجهاد يكون لرفع كلمة الله، نقول إن ذلك أمر مفروغ منه، ولا يخالفه أحد في ذلك، لورود النصوص المقيدة في ذلك، أي في الآيات والأحاديث، ولكن المقصود بإطلاق الأدلة هنا والتي وردت في كتاب حزب التحرير، هو أن الجهاد مع الحاكم في أي حالة من حالات الحاكم هو الذي لم يقيد. فقد أوجب الله القتال معه حال كونه باراً وحال كونه فاجراً، أي في جميع أحواله. ففي حال كونه عادلاً فيجب القتال معه، وفي حال كونه صالحاً يجب القتال معه، وفي حال كونه فاسقاً أو عميلاً يجب القتال معه، كل ذلك يندرج تحت حال كونه برا أو فاجراً، ولو امتنع الجهاد معه حال كونه فاسقاً أو عميلاً لامتنع الجهاد هذه الأيام في جميع البلدان الإسلامية، إذ أن الحكام لا يخرجون عن كونهم عملاء أو فسقه أو ظلمه، فالله الذي فرض الجهاد يعلم منذ الأزل أحوال الحكام، ولو لم يوجب القتال معهم حال كونهم فسقة أو ظلمة أو عملاء لما أخبر أن الجهاد ماض إلى أن يقاتل آخر أمة محمد صلى الله عليه وسلم الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل فكون الحاكم عميلاً لا يبطل الجهاد، فلو كان نص الحديث هكذا: " والجهاد عادل مع كل أمير عادل أو صالح" لكان ذلك قيداً، ولما جاز الجهاد مع الحاكم الفاسق أو الظالم أو العميل، ولكن نص الحديث مطلق في البر والفاجر، وكلمة فاجر تعم أكثر من الفاسق والظالم والعميل. والعبرة الاستدلال بالنص وليس بالعواطف. أما الدكتور فقد زايله فهم النص الذي نقله حرفياً في كتابه، فبدلاً من أن يدقق النظر في النص ويفهم أن عدم تقييد الأدلة بحال من الأحوال إنما المقصود منه أحوال الحاكم من كونه باراً أو فاجراً، وليس المقصود منه تقييد الغاية التي من أجلها شرع الجهاد وهي إعلاء كلمة الله.

هذه من حيث تعليقه على عدم تقييد أدلة الجهاد وأما من حيث تعليقه على وجوب القتال مع الحاكم العميل ولو كان يهيئ لمعركة مصطنعة مع الكفار تنفيذاً لخطة دولة كافرة، فقد علق على الحالة التي أوجب الحزب فيها الجهاد مع الحاكم العميل، ولم يعلق على الحالة التي حرم لحزب فيها القتال تحت راية ذلك الحاكم، وكان الحزب قد قال في جوابه على السؤال، إذا كانت الخطة ليس فيها ضرب المسلمين ولا إيقاع الأذى بهم، فالقتال واجب تحت راية ذلك الأمير العميل ما دام قتالاً للكفار، أما إذا كانت الخطة معمولة لضرب المسلمين فيحرم القتال تحت رايته. ولكن الدكتور تصور للمعركة المصطنعة التي أوجب الحزب الجهاد فيها مع الحاكم واقعاً غير واقعها، فلم يكلف نفسه البحث عن حوادث حصلت في الواقع فعلاً، بل أخذ يحلق في الخيال فسأل مستنكراً وموبخاً فقال: فهل يجب ـ فضلاً عن الجوازـ على المسلمين أن يقاتلوا مع اليهود إذا قاتل اليهود لاحتلال الحبشة؟ وهل يجوز أن تجند الأمة وتوضع طاقاتها للقتال مع أمريكا في فيتنام؟ فمن أين فهم هذا الفهم وهو أن يقاتل المسلمون جنباً إلى جنب مع اليهود والأمريكان وغيرهم من الكفار لعله فهم ذلك من صيغة السؤال التي هي " قد يهيئ العميل معركة مصطنعة مع العدو" إن كان قد فهم ذلك من هذا النص، نقول له: إن النص يعني أن يصطنع العميل معركة بين المسلمين من جهة والكفار من الجهة الأخرى أي أن يقاتل المسلمون الكفار. وإذا لم يفهمه من صيغة السؤال فهو متقول على حزب التحرير لأن الحزب لم يقل ذلك، بل قال صراحة في نهاية جوابه على السؤال (ما دام قتالاً للكفار) أي ما دام المسلمون يقاتلون مع العميل كفاراً، ولم يقل يقاتلون مع الكفار كفاراً إذ أنه لا قى هذه الصورة ولا في غيرها يجوز للمسلمين أن يقاتلوا إلى جانب الكفار كفاراً، ولا يجوز لهم أن يقبلوا كفاراً ـ لهم كيانهم ورايتهم ـ أن يقاتلوا معهم، فكيف يقاتلون هم مع اليهود أو الأمريكان أو الشيوعيين أو غيرهم. ولكن الدكتور بهذا الفهم يريد أن يوهم قراء كتابه وطلبة الجامعة أن حزب التحرير يقول ذلك.

ثم يعلق الدكتور فيكرر أسئلته التي تعبر عن عدم الرضا فيقول: إذا كان يجب على الأمة جميعها أن تهب إلى تنفيذ أغراض الكفار، فلماذا ولا يزال حزب التحرير يملأ الدنيا صراخاً وعويلاً لأن أفراد المنظمات يقاتلون تحت لواء خائن على حد زعم حزب التحرير؟

يريد أن يوهم قراء كتابه أن حزب التحرير يوجب على الأمة أن تهب لتنفيذ أغراض الكفار وأن يوهم طلا ب الجامعة أن الحزب يحمل لواء العداء لأفراد المنظمات الفدائية، وليت هذا الحريص على الفدائيين لو أنه وجه سؤاله التوبيخي هذا للذين إذا نجا الفدائي من مطاردة اليهود ولاذ بأرضهم قتلوه برصاصهم.

إن منطق سؤال الدكتور يفيد أنه يعتبر زعيم أية منظمة كرئيس أية دولة ولا فرق بينهما، فبما أن القتال واجب مع الحاكم، فكذلك هو واجب مع زعيم المنظمة، فقياسه زعيم المنظمة على الحاكم قياس مع الفاروق، وهذا أن دل على شيء يدل على عدم وعي الدكتور وعدم معرفته الفرق بين الواقعين. فالحاكم واقعه واقع الأمير الذي أوجبت النصوص طاعته والقتال معه، أما زعيم المنظمة فليس كذلك، لأن الأمير واجب الطاعة، فهو الذي يرعى شؤون الناس في بلاده وينفذ فيهم الأحكام ويكلفهم بما عليهم من واجبات ويعطيهم مالهم من حقوق فهو الحاكم الفعلي، وأما زعيم أية منظمة فلا يملك رعاية الشؤون ولا ينفذ في الرعية الأحكام، فهو ليس حاكماً، فلم توجب النصوص طاعته ولا القتال معه، وهو إذا كان مخلصاً يكون القتال معه مندوباً لا واجباً، لأن قتاله للعدو من نوع القتال الفردي، والقتال الفردي مندوب، أما إذا كان خائناً فلا يجوز لمن يعرف خيانته أن يقاتل معه، بخلاف الحاكم فإن النصوص تأمر بالقتال معه برا كان أو فاجراً.

وأما تعليقه على عدم أعمال القاعدة " الوسيلة إلى الحرام حرام" في الصور التي تخيلها والتي عبر عنها بسؤاله التالي: أليس في قتال المسلمين مع الكفار ضرباً لهم وإهلاكا؟ ويقصد بسؤاله اشتراك المسلمين مع الكفار في قتال كفار آخرين، جريا مع فهمه المغلوط السابق حينما قال: هل يجب على المسلمين أن يقاتلوا مع الأمريكان في فيتنام؟ أو مع اليهود في الحبشة؟. نكرر القول للدكتور أن هذه الصورة غير واردة وفهمه لها من النص خطأ محض، بل إيراده لهذه الأمثلة لا يراد به وجه الله.

أما ما هي الصورة الصحيحة لواقع المعركة التي يهيئ لها العميل لتنفيذ خطة دولة كافرة ويج بعلى المسلمين أن يجاهدوا معه؟ وما هي الصور الصحيحة لواقع المعركة التي يخطط لها العميل ويحرم على المسلمين أن يجاهدوا تحت لوائه وكما حدثت لاكما تصورها الدكتور فهي كما يلي:

لقد هيأ محمد أنور السادات سنة 1973 المعركة مع اليهود لتنفيذ خطة أمريكية تقتضي فتح قناة السويس أما الملاحة الدولية وخاصة البواخر الأمريكية الضخمة، ومنها ناقلات البترول، ولذلك فبمجرد أن استعاد السادات القناة أخذ ينادي بالسلام في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل مهزوزة، ولم يبقى لديها سلاح تقاتل به، فدل على أن المعركة كانت مصطنعة باتفاق بينه وبين أمريكا، ولما لم يكن في هذه الخطة أضرار بالمسلمين ولا إلحاق الأذى بهم لم يعمل بالقاعدة(الوسيلة إلى الحرام حرام) إذ ليس هذا مجال استعمالها، وظل العمل بالنصوص الموجبة للجهاد مع الحاكم، لأن واقع المعركة أنها جهاد.

لما تقدم جمال عبد الناصر عام 1967م بجيشه لمنع اليهود من مهاجمة سوريا، استغلها الملك حسين وألح على جمال أن يشترك الأردن في القتال وكان حسين في حينها يريد أن ينفذ مخططاً إنجليزيا يقتضي تسليم الضفة الغربية لليهود من خلال معركة صورية، فعرف ذلك بعض ضباط الجيش الأردني فسأل أحدهم حزب التحرير: أيجوز لنا أن لا نقاتل ونترك اليهود يحتلون ديارنا بحجة أن الحاكم عميل يريد أن ينفذ مخططاً استعمارياً، أم أنه يجب علينا أن نقاتل عدونا ونمنعه من دخول بلادنا ولو تحت راية هذا العميل؟ فكان جواب الحزب أن يجب عليهم قتال عدوهم ولو تحت راية ذلك العميل الذي يسعى لتنفيذ مخطط لدولة كافرة ماداموا يقاتلون كفاراً.

فهل كان يجب على المسلمين أن يجاهدوا العدو، ويمنعوه من احتلال البلاد، أو انه كان يحرم عليهم ذلك بحجة أن الحاكم يريد تنفيذ مخطط لدولة كافرة؟ ؟ هل يريد الدكتور أن يعمل بالقاعدة" الوسيلة إلى الحرام حرام" فيمنع المسلمين من قتال عدوهم بحجة الحاكم عميل؟

هاتان صورتان للقتال الذي يجب على المسلمين أن يقاتلوا فيهما ولو مع العميل الذي يهيئ لمعركة مصطنعة مع العدو لتنفيذ خطة دولة كافرة.

وأما الصورة الثانية والتي تكون الخطة فيها معمولة لإهلاك المسلمين ويحرم على المسلمين أن يقاتلوا تحت لوائه فهي كما يلي: ـ

1. هيأ كل من الملك حسين وياسر عرفات عام 1970م لمعركة بين الجيش الأردني وأفراد المنظمات من أجل تنفيذ مخطط إنجليزي يقتضي تسليم الحكم في الأردن للفدائيين لتتدخل إسرائيل فتحتل الأردن وتفرض عليه الحل الذي تريد، ولكن إنذار أمريكا لإسرائيل بعدم التدخل، وتحرك أسطولها إلى ساحل فلسطين حال دون تدخل إسرائيل ودون تنفيذ المخطط، فخشي الإنجليز أنه إذا لم تتدخل إسرائيل فسيخسرون الملك حسين ولا ينفذ مخططهم فسارعوا إلى تهدئة الأمور، وأوعزوا إلى سوريا أن تنسحب وتتوقف عن التدخل ليظل الملك حسين حاكماً في مثل هذه الخطة التي احرق شرها الأخضر واليابس كان يحرم على المسلمين أن يقاتلوا فيها تحت راية ذلك العميل.

2. ارسلت تركيا كتيبة من جيشها في الخمسينات إلى كوريا لحمايتها من الشيوعيين، وأرسل كل من الحسن الثاني ملك المغرب جزءاً من قواته، ومحمد انور السادات بعض طياريه إلى زائير تنفيذاً لمخطط أمريكي لحماية زائير من الاشتراكيين وذلك في السبعينات. في مثل هذه الصور يعمل بالقاعدة (الوسيلة إلى الحرام حرام).
هذه الصور هي الصور الحقيقية التي حصلت بالفعل فحزب التحرير لا يعيش في الخيال ولا يستنبط أحكاماً صورية، وإنما يستنبط أحكاماً عملية لحوادث حصلت، ففي هذه الحالات يحرم القتال مع الحاكم العميل عملا بالقاعدة الآنفة الذكر، لأن القتال في هذه الحالات لا يعتبر جهاداً، فالغرض منه مكشوف للمقاتلين فهو إما مسلم يقاتل مسلماً، وإما مسلماً لا يقاتل إلا ليخدم كافراً.

أما في هذه الصورة الأولى فالقتال جهاد، لأن المسلم يقاتل عدوا له، إما ليطرده من بلاده كما في خطة السادات، وأما ليمنعه من دخول بلاده كما في خطة حسين لتسليم الضفة الغربية.

أما كون القتال جهاداً أو غير جهاد، فذلك لا يتوقف على غرض الحاكم من القتال وإنما يتوقف على نية المقاتلين، وعلى واقع القتال، فقد يكون واقع القتال أنه قتال للكفار كما حصل في فتح مصر، وقد يكون واقع القتال أنه لدفع العدو المهاجم كما حصل في معركة أحد، وقد يكون واقع القتال أنه لإخراج العدو من بلاد المسلمين كما حصل في معركة حطين ففي فتح مصر كان الغرض من القتال هو نشر الإسلام فكان القتال جهاداً، وفي معركة أحد كان الغرض من القتال هو دفع الأذى عن الإسلام والمسلمين، فكان جهاداً، وفي معركة حطين كان الغرض من القتال هو تحقيق نفع للإسلام والمسلمين بتطهير بلادهم من الصليبيين فكان القتال جهاداً،
هذا هو واقع القتال الذي يكون جهاداً، فإما أن يكون لنشر الإسلام، وإما أن يكون لنفع الإسلام والمسلمين، أو يراد به تحقيق نفع للإسلام والمسلمين، وحينما يكون الحاكم عميلاً لا يُنظر إلى غرضه من القتال، لأنه غرضه قد لا يكون مكشوفاً، وإنما ينظر إلى واقع القتال، فإن كان القتال قتالاً للكفار وفيه تحقيق نفع للإسلام أو المسلمين، كنشر الإسلام أو إعادة تطبيقه، وحماية بلاد المسلمين أو تحريرها يكون جهاداً طالما أن المقاتلين ينوون قتال عدوهم لأن الجهاد عبادة ويحتاج إلى النية، وإلا لكان باب الجهاد مغلقاً هذه الأيام، لأن الحكام جميعاً لا يقاتلون لرفع كلمة الله. ولهذا فليس كل قتال جهاداً، فقد يكون القتال جهاداً كما هو حادث الآن في أفغانستان، وقد لا يكون القتال جهاداً كما هو حادث الآن بين المغرب وجبهة البوليساريو، أو بين العراق وإيران.

والسؤال الآن، ما هو الحد الفاصل بين الجهاد والقتال؟

الجهاد هو بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة أو معاونة بمال أو رأي أو تكثير سواد أو.. غير ذلك. وبالمقارنة بين الجهاد بهذا المعنى وبين القتال لا يستبين الفرق بينهما، وحتى يستبين الفرق يجب أ، يكون السؤال بهذه الصيغة:

ما هو الحد الفاصل بين الجهاد بالسلاح ومجرد القتال بالسلاح؟

القتال أعمّ من الجهاد إذ إن كل جهاد بالسلاح قتال، وليس كل قتال بالسلاح جهاداً، والجهاد عبادة من العبادات فيحتاج إلى النية، وهو قتال للكفار، ولذلك فالقتال بالسلاح إذا كان قتالاً للكفار ومصحوباً بنية الجهاد، أي بنيّة إرادة النفع للإسلام والمسلمين كان جهاداً، فإذا لم يكن مراداً منه تحقيق نفع للإسلام وللمسلمين لا يكون جهاداً، ولو كان قتالاً للكفار كما هو الحال في إرسال القوات المغربية إلى زائير، وكذلك لو كان المراد منه نفع الإسلام والمسلمين ولكنه ليس قتالاً للكفارلا يكون جهاداً، كما لو وجد في المجتمع فئات مسلحة متناحرة أودت بحياة كثير من المسلمين، فاضطرت الدولة لمحاربتها وإخضاعها حفظاً لدماء المسلمين. هذا هو الحد الفاصل بين الجهاد بالسلاح ومجرد القتال بالسلاح، وبذلك صار الحكم على القتال من كونه جهاداً أو غير جهاد سهلاً وصارت معرفة القتال مع الحاكم – متى يكون جهاداً ومتى لا يكون – سهلة أيضاً. فالقتال مع الحاكم –وإن كان عميلاً، وإن كان لتنفيذ خطة دولة كافرة- ما دام جهاداً يكون فرضاً، بدلالة النصوص التي أوجبت الجهاد معه في جميع أحواله براً كان أو فاجراً. فكون القتال معه جهاداً، يعني أن فيه نفعاً للمسلمين وللإسلام أو مراداً به النفع، وإلا لما سمي جهاداً، ولذلك تعتبر كل صور القتال التي تخيلها الدكتور وعلق عليها ليست جهاداً، ولا هي المقصودة من وجوب الجهاد مع الحاكم العميل، بل هي من الصور التي تندرج تحت الخطة الثانية التي فيها هلاك المسلمين وإيقاع الضرر بهم والتي قال حزب التحرير بحرمة القتال فيها تحت راية ذلك الحاكم، ولم يأت تحريمها من أدلة الجهاد فهي ليست جهاداً، وإن كانت قتالاً للكفار لأنه لا نفع فيها للإسلام والمسلمين ولا يراد بها النفع فهي واقعة تحت بحث "حكم القتال مع الحاكم حينما لا يكون القتال جهاداً".


حكم القتال مع الحاكم حينما لا يكون القتال جهاداً

الحاكم المسلم واجب الطاعة، فطاعته فرض على المسلمين ولو ظلم ولو أكل الحقوق ما لم يأمر بمعصية، فقد جاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى من أميره شيئاً فكرهه فليصبر عليه فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت عليه إلا مات ميتة جاهلية) وعن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سيكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس قال قلت كيف أصنع يا رسول الله؟ أن أدركت ذلك؟ قال تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع) ثم أستثنى شيئاً واحداً من والطاعة وهو الأمر بالمعصية فقال عليه الصلاة والسلام (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) والمر بالمعصية هو أن يأمرك أن تفعل المعصية لا أن يفعل هو المعصية وعلى أن يكون أمر المأمور به حراماً في نظره هو. وبناءً على ذلك تكون طاعة الحاكم إذا أمر بالقتال واجبة، ولهذا إذا أمر بالقتال ينظر: فإن كان الأمر المأمور به ليس حراماً في نظره هو باعتباره مسلماً وجب القتال معه. وللقتال الذي ليس جهاداً حالتان

إحداهما: ـ حين يكون قتالاً للمسلمين، سواء أكان فيه نفع للإسلام وللمسلمين أم لم يكن.

وثانيها: ـ حين يكون قتالاً للكفار ولا نفع فيه للمسلمين، بل قد يلحق بهم الضرر.

أما قتال المسلمين فيما بينهم فعلى وجهين:

الأول: ـ قتال البغاة

وهم الذين يخرجون على الحاكم ويشقون عصا الطاعة على الدولة ويشهرون في وجهها السلاح ويعلنون حرباً عليها، ولا فرق في ذلك بين أن يخرجوا على خليفة عادل أو خليفة ظالم، وسواء خرجوا على تأويل في الدين أو أرادوا لأنفسهم دنيا، ويجب على الحاكم أن يسألهم قبل أن يقاتلهم ما ينقمون منه، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وأن أدعوا شبهة كشفها، لأن الإسلام أمر المسلمين أن يشهروا السيف في وجه الحاكم إذا رأوا كفراً بواحاً عندهم فيه من الله برهان أو لم يطبق نظام الإسلام، فإن كان طلبهم حقاً ولم يجبهم إليه، وكان طلبهم مما يقاتل الحاكم عليه كإتيانه بالكفر البواح، أو عدم تطبيقه أحكام الإسلام فيحرم حينئذ القتال معه، لأن القتال معه يكون صداً عن سبيل الله، والله تعالى يقول: (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً) فقتال المسلمين حرام والذين هم ثائرون عليه مسلمون، وثورتهم واجبة فيحرم قتاله لهم.

أما لو أزال مظلمتهم، أو كشف الشبه لهم وظلوا ثائرين عليه، فيجب حينئذِ على المسلمين أن يطيعوه وأن يقاتلوا معه.

الثاني: ـ قطاع الطرق
إذا شق هؤلاء عصا الطاعة على الدولة وشهروا السلاح في وجهها فنهبوا أو نبهوا وقتلوا، فهؤلاء يقاتلون، فيجب على المسلمين أن يقاتلوا مع الحاكم لقول الله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض).
وأما قتال المسلمين للكفار الذي لا نفع فيه للمسلمين بل قد يلحق بهم الضرر فينظر:

فإن كان يراد به ضرر المسلمين فيحرم القتال ويحرم على المسلمين أن يقاتلوا معه لأنه حينئذ يكون وسيلة للإضرار بالمسلمين، والإضرار بالمسلمين حرام، فيحرم القتال عملاً بالقاعدة (الوسيلة إلى الحرام حرام) كما لو أرسل حاكم لواء من ألوية جيشه إلى بلد مثل كوريا أو بلد مثل فيتنام ليتخلص من ذلك اللواء بحجة الاستجابة لطلب هيئة المم المتحدة.

أما إن لم يكن فيه ضرر للمسلمين فينظر:

فإن كان مما يرتكب به المسلمون معصية كما لو أمرهم أن يميلوا على قرية نصرانية فيقتلوا أهلها بغير مبرر شرعي، فيحرم عليهم أن يقاتلوا معه عملاً بالحديث (فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة).

وإن لم يكن مما يرتكب به المسلمون معصية فعليهم أن يقاتلوا معه عملاً بوجوب طاعته وإن كان هو في ذلك عاصياً.


EmoticonEmoticon