Thursday, March 20, 2014

مصادرالشريعة المختلف فيها :الاستحسان والاستصحاب

Tags



المحتويات



المصادر المختلف فيها:

المصادر المختلف فيها هي المصادر التبعية كما أطلقنا عليها في أول باب المصادر، وهي عديدة اختلف الفقهاء على صحة الأخذ بها، فمنهم من أخذ بها جميعاً، ومنهم من أخذ ببعضها دون البعض الآخر.

ولذلك فإننا سوف نعمد إلى استعراضها، وبيان تعريف كل منها وكنهه ومدى احتجاج الفقهاء به، دون استعراض لتفصيلاتها وشروطها:


الاستحسان:

تعريفه: الاستحسان في اللغة عد الشيء حسناً، وفي الاصطلاح اختلف العلماء في تعريفه اختلافاً كبيراً، وقد عرفه صاحب التوضيح بعد ما ذكر الاختلاف فيه، فقال: (والصحيح أنه دليل يقع في مقابلة القياس الجلــي). والمعنى المراد من ذلك هو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها لدليل أدق اقتضى هذا العدول، أي هو ترك القياس الظاهر لدليل اقتضى هذا الترك.

هذا هو الاستحسان عند عامة الحنفية، وذهب بعضهم إلى تخصيصه في صور محدودة، فقالوا: هو ترك القياس الجلي لقياس خفي، وبذلك خصوه بصورة واحدة من صور الاستحسان بحسب الإطلاق الأول، وهي حالة العدول عن القياس الجلي لدليل أدق هو القياس الخفي، دون غيره من الأدلة الأخرى، كنصوص الكتاب والسنة والإجماع،والضرورة وغيرها.


أنواع الاستحسان:

للاستحسان عند عامة الحنفية أنواع عدة بحسب اختلاف أنواع الدليل الذي ترك القياس الجلي من أجله، خلافاً لبعضهم الذي قيده في حالة واحدة فقط كما تقدم، وهذه الأنواع هــي:

أ - استحسان النص: وهي الأحكام التي عدل فيها عن القياس الجلي إلى نص خاص جاء به الكتاب العزيز أو السنة الشريفة المطهرة، مثال ذلك عقد السلم، فإنه في القياس باطل، لأن القواعد العامة في الشريعة تبطل العقد على المعدوم، والسلم عقد على معدوم، ولكن جاءت السنة الشريفة بنصوص خاصة في تصحيحه، منها قول بعض الصحابة: (منع رسول الله  بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم)، فإنه دليل على الاستثناء من القواعد العامة.

ومنها شهادة خزيمة كما مر، فإنها مستثناة من القواعد العامة بنصوص السنة الشريفة.

ب) استحسان الإجماع: وهو الأحكام التي أثبت الإجماع شرعيتها خلافاً للقواعد العامة في الشريعة، من ذلك: عقد الاستصناع، فإنه باطل حسب القواعد العامة، لأنه عقدان في عقد، وهو ممنوع، ولأنه بيع ما ليس عند الإنسان، وهو باطل. ولكن الإجماع انعقد على جوازه، فكان مباحاً استحساناً لذلك.

ج) استحسان الضرورة: وهو الأحكام التي شرعت على خلاف القواعد العامة للضرورة، فإن الضرورات تبيح المحظورات، ومن أمثال ذلك، الأجير المشترك -كما تقدم-، فإن الأصل فيه عدم التضمين في حالة هلاك الشيء في يده بدون تقصير منه، إلا أن الضرورة قضت بتضمينه، وهي حاجة الناس الملحة إلى ترك ثيابهم وممتلكاتهم بين يديه، فلولا التضمين لتهاون في حفظها وأدى ذلك إلى تلفها وضياعها، فكان التضمين هنا محتاجا إليه ضرورة، ، فعدل فيه عن القياس لذلك، وينبغي أن يتنبه هنا إلى أن للحاجيات حكم الضروريات في حق العدول عن القياس.

د) استحسان القياس الخفي: وهو النوع الذي اقتصر عليه بعض الحنفية -كما تقدم-، وذلك بأن يعدل عن القياس الجلي إلى قياس خفي أولى منه بالأخذ والعمل، والقياس الجلي هو القياس الذي تظهر علته للمجتهد لأول نظرة، وأما القياس الخفي فهو القياس الذي لا يستطيع المجتهد تبين علته إلا بعد تدقيق نظر وسبر عميق، ومثال ذلك سؤر سباع الطير، فإن القياس الجلي يقتضي إلحاقه بسباع البهائم، بجامع نجاسة اللعاب في كل، فيكون نجسا، فإن نجاسة اللعاب علة واضحة لتنجيس السؤر، ولكن القياس الخفي الذي يظهر بعد النظر والتدقيق يقتضينا أن نحلق سؤر سباع الطير بسؤر الآدمي لا بسؤر سباع البهائم، فنحكم بطهارته، وذلك لأن المعنى في طهارة بسؤر الآدمي هو عدم تماس لعاب نجس منه بالماء، وذلك لطهارة لعابه، وهو موجود في سباع الطير إذ هي تشرب بمناقيرها ومناقيرها طاهرة، فحصل فيها عدم تماس لعاب نجس بالماء كما حصل للآدمي، ولا يضر حصوله في الآدمي لطهارة لعابه وحصوله في سباع الطير لعدم تماس لعابها مع الماء، فكان إلحاق سؤرها بسؤر الآدمي أولى، وهو قياس خفي.


حجية الاستحسان ومذاهب الفقهاء فيها:

أول من أوضح فكرة الاستحسان وقال بها هم الحنفية.

أما المالكية والحنابلة فلم يقولوا بها تحت هذا الاسم الخاص به، وإن كانوا يعملون به في تفريعاتهم للأحكام تحت أسماء متعددة كما سيأتي.

وأما الشافعية فقد رفضوا الأخذ به، واعتبروه خروجا على أحكام الشريعة، حتى إن الشافعي ثبت عنه قوله: (من استحسن فقد شرع).

ولكن تدبر هذا الاختلاف والتحقيق فيه كفيل بإزاحة الستار عن حقيقته، وإذ ذاك يتبدى لنا أنه لا خلاف بين الحنفية والشافعية في حجية الاستحسان في حقيقة الأمر، وأن الاختلاف بينهما لفظي فقط،.

ذلك أن الاستحسان إن كان معناه ترك القواعد العامة في الشريعة للهوى فهو مردود عندهما من غير خلاف، وإن كان معناه ترك القواعد العامة لنصوص القرآن الكريم و السنة الشريفة والإجماع فذلك محط اتفاق بينهم، كيفما سمي ذلك، فالحنفية يسمونه استحسان النصوص أو استحسان الإجماع، والشافعية يسمونه قرآنا أو سنة أو إجماعا دون إضافة لفظ الاستحسان إليه.

وإن كان تركا للقواعد العامة من أجل الضرورة، فهذا مسلم أيضا عندهما، لأن الضرورات تبيح المحظورات بالاتفاق.

وإن كان تركا للقياس الجلي لقياس خفي أدق منه، فهو محل اتفاق أيضا، لأنه ترك قياس مرجوح إلى قياس راجح، فليس فيه خروج على القياس.

وبذلك نستطيع أن نقول إن الاستحسان بالقيود والشروط السابقة محل اتفاق بين المجتهدين على حجيته، وإن كانوا اختلفوا في تسميته، فإن ذلك اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.


حكم الاستحسان ومرتبته بين مصادر التشريع:

الاستحسان يختلف حكمه باختلاف دليله الذي ثبت به، فإن كان نصا من القرآن الكريم أو السنة الشريفة اعتبر حكمه بحكم ذلك النص ثبوتا ودلالة، وإن كان دليله الإجماع فحكمه حكم الإجماع، وهو قطعي إذا ثبت الإجماع بطريق متواتر، وإلا فظني، وإن كان \ليله القياس الخفي أو الضرورة، كان ظنيا لظنية القياس والضرورة، وعلى ذلك الاعتبار تكون مرتبته بين الأدلة الأخرى بحسب مرتبة الدليل الذي يثبت به على النحو المتقدم.


الاستصحاب، أو استصحاب الحال:


تعريفــه:

الاستصحاب في اللغة، من الصحبة وهي الملازمة، واستصحاب الحال هو التمسك بما كان ثابتا، وهو في اصطلاح الأصوليين: (الحكم ببقاء أمر كان في الزمان الأول ولم يظن عدمه)، وهو يعني أن الحكم الذي جاء الدليل بإثباته يبقى مستمرا حتى يظن ورود ما ينافيه، مثال ذلك: لو توضأ إنسان ثم شك بعد ذلك في أنه هل انتقض وضوؤه أم لا، فإنه على وضوئه، بدليل استصحاب الحال، لأن الحكم الأول أنه متوضئ، ولم يثبت ما يصلح ناقضا لهذا الوضوء بطريق الظن أو غلبة الظن، فيبقى الحكم السابق وهو قيام الطهارة ساري المفعول، لأن الوضوء الأول كان يقينا، فلا يقطع بالشك، أما الظن أو غلبة الظن فإنه يقطع به حكم اليقين في الأمور العملية، ومنها هذا، ولو حدث العكس، وهو أنه نقض وضوءه ثم شك في أنه هل توضأ ثانية أم لا، فإن الحكم أن طهارته منتقضة، بدليل استصحاب الحال كما تقدم.


حجيته ومذاهب الفقهاء فيه:

اختلف الفقهاء في الاحتجاج بالاستصحاب واعتباره مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي على مذاهب عديدة، وهي:
أ‌- مذهب جمهور الحنفية: فقد ذهبوا إلى أن الاستصحاب لا يصلح دليلا لإثبات الأحكام، ولكنه دليل صالح لنفيها أو دفعها فقط.
ب‌- مذهب جمهور الشافعية، والحنبلية، وبعض الحنفية: وهؤلاء اعتبروا الاستصحاب حجة في الدفع وفي الإثبات مطلقا، ما دام لم يعارضه دليل آخر.

ج- مذهب بعض الشافعية والحنفية: وهو أن الاستصحاب ليس بحجة في الإثبات ولا في الدفع مطلقا.

د- مذهب بعض الحنفية: وهو أن الاستصحاب حجة في الإثبات لا في الدفع، والمراد بالإثبات هنا إثبات الحكم من الناحية الإيجابية، أي إثبات وجوده، والمراد بالدفع هو إثبات نفي الحكم وانعدامه أو زواله.

ويتضح ذلك من المثال الآتي: رجل باع لآخر داره، فطالب الشفيع بها، وادعى أنه ملكها بحق الشفعة، فأنكر البائع أن الدار ملك الشفيع بحق الشفعة.

فعند الشافعية: الدار للشفيع من غير بينة على ملكه إياها، لأن الملك يثبت بالبيع، والبائع لا ينكره، واستصحاب الحال يدل له في استمرار ملكيته لها ما دام لم يثبت ما ينزع هذه الملكية عنه بعد ثبوتها، فتعتبر ثابتة له بدليل استصحاب الحال، فلا يكلف بإثباتها بالبينة ثانية، وعند الحنفية عليه البينة، لأن دليل استصحاب الحال هذا غير معتبر في الإثبات عندهم، فاحتجاج الشفيع إلى البينة في إثبات حقه.


أدلة كل من المثبتين والنافين للاحتجاج باستصحاب الحال:


أ‌- أدلة المثبتين: استدل المثبتون لحجية هذا الدليل في حالتي الإثبات والدفع بأدلة منها:

1- أن إثباته أمر ضروري يقضي به العقل، فإن ما تحقق وجوده أو عدمه في زمان ما لقيام الدليل عليه ولم يثبت دليل معارض له مما يظن أو يغلب على الظن معه أنه يلغيه يعتبر لزوم بقائه أمر ضروري عقلا، والظن يصلح دليلا في الأحكام العملية، فيكون الاستصحاب دليلا صحيحا لذلك.

2- أن الإجماع منعقد على وجوب العمل بالاستصحاب ضمنا، بدليل الإجماع على بقاء شريعة محمد ، وبقاء الشرائع السابقة إلى حين ظهور النبي ، وإن ذلك محل اتفاق، وليس له دليل إلا استصحاب الحال، فكن الاستصحاب دليلا صحيحا لذلك.

3- أن الإجماع منعقد على الأخذ بالاستصحاب في كثير من فروع الشريعة الإسلامية، منها الحكم ببقاء الوضوء كما جاء في المثال السابق ما دام المتوضأ لم يظن نقضه، ، وكذلك بقاء الحدث فيما لو لم يظن المحدث أنه توضأ، وفروع كثيرة مثله، فيكون ذلك إجماعا على اعتبار الاستصحاب والأخذ به، والإجماع حجة قاطعة، فيكون الاستصحاب حجة لذلك.


ب‌- أدلة النافيــن:

واستدل النافون لحجية الاستصحاب في الإثبات دون الدفع بأدلــة منها:

1 – يرد على احتجاج الشافعية ببقاء الشرائع بأن بقاءها لم يكن بالاستصحاب، ولكن بقيام الأحاديث الكثيرة على أنها باقية ما لم تنسخ، فكان بقاؤها لذلك الدليل لا للاستصحاب. وكذلك شريعة سيدنا عيسى عليه السلام وغيره، فهي باقية قبل بعثة محمد  لتواتر العمل بها لا للاستصحاب.

2- يرد على الاحتجاج بالإجماع على الاستدلال بالاستصحاب في كثير من الفروع، كثبوت الطهارة والحدث وغيرها على النحو المتقدم، بأن الدليل هناك ليس للاستصحاب، ولكنه وضع الشارع الحكيم الذي قضى باستمرارها ما لم يظهر المناقض، فكان دليل بقائها هو تحقق هذه الأفعال مع عدم ظهور المناقض لها، وليس الاستصحاب.

3- ويرد على الدليل الأول للشافعية وهو الدليل العقلي، بأن الدليل الموجب للحكم لا يدل على بقاء ذلك الحكم، وذلك لضرورة أن البقاء غير الوجود، لأن البقاء هو استمرار الوجود بعد الحدوث، والدليل الأول إنما دل على الوجود فقط، فلا يجعل دليلا على استمرار الوجود أيضا.

وهكذا نرى أن الحنفية ردوا كل الأدلة التي استند إليها الشافعية في الاحتجاج بالاستصحاب، وأسقطوها، وإذا لم يعد للاستصحاب من دليل سقط اعتباره ولم يجز عده دليلا من أدلة الشريعة الإسلامية، لكن يرد على الحنفية أنهم ماداموا ردوا الاحتجاج بالاستصحاب مطلقا، فلماذا يحتجون به في الدفع، فإن رد الشيء رد لكل أوصافه وإسقاط له من الأصل، مما يقتضي إسقاط الاحتجاج به مطلقا.
لكن الحنفية يجيبون على ذلك بأن الدفع لا يثبت في المسألة حكما، وعدم الحكم مستند إلى عدم دليله، والأصل في العدم الاستمرار حتى يظهر دليل الوجود بحكم العقل، فكان ثابتا ضرورة استمرار العدم، أي ضرورة عدم قيام الدليل، فلم يكن الاستصحاب هو الدليل المباشر في ذلك، فلا اعتراض.


مثال يوضح الخلاف وحدوده:

المفقود الذي يغيب عن أهله مدة ولا يعلم مكانه ولا تعلم حياته من موته، إذا مات أحد أقاربه الذين يرثهم أثناء غيابه. هل يرثه المفقود؟

- الشافعية على أنه يرث منه، لأنه يحكم هنا باستمرار حياته بدليل استصحاب الحال، فيعتبر حيا، فيرثه، لأن الاستصحاب حجة عندهم.

- والحنفية لا يرث عندهم، لأن الاستصحاب غير حجة في الإثبات، فكانت حياته غير ثابتة، مما ينتفي معه شرط الإرث، وهو العلم بحياة الوارث.

ثم هل يورَث المفقود قبل العلم بوفاته؟ الإجماع على عدم إرثه، أما الشافعية فلأن حياته ثابتة بدليل الاستصحاب، فلا يورث لذلك، وأما الحنفية فلأن شرط الإرث العلم بوفاة المورث ولم يثبت هنا، ولأن الأصل عدم الإرث ونفيه، والاستصحاب دليل على النفي والدفع عندهم كما تقدم، لأن العدم يستمر، فلا يورث لذلك.


طبيعة الاستصحاب:

من استعراض تعريف الاستصحاب وأمثلته نتبين أن الاستصحاب إنما هو مردود إلى الأدلة الأربعة الأصلية، الكتاب والسنة والإجماع والقياس، لأنه ليس إلا حكما باستمرار ذلك الدليل، ولذلك اعتبر من الأدلة التبعية، لارتباطه بدليل آخر وتعلقه به وليس دليلا مستقلا بذاته.


حكمه ومرتبته بين الأدلة الأخرى:

الاستصحاب عند القائلين بحجيته دليل ظني ضعيف يأتي في المرتبة المتأخرة بعد كل الأدلة السابقة، لأنه دليل عند فقدان الدليل، فلا يعتد به مع وجود أي دليل آخر.


EmoticonEmoticon