Friday, March 7, 2014

أحكام شهادة النساء في القضاء

Tags

أحكام شهادة النساء في القضاء


اسم الكتاب / المقالة: أحكام شهادة النساء في القضاء
المؤلف: فهد بن صالح العجلان
الموضوع: الفقه

المحتويات

  1. المقدمة
  2. منهج البحث
  3. المبحث الأول شهادة النساء في الأمور التي لا يطلع عليها الرجال
  4. المبحث الثاني شهادة النساء في الأموال
  5. المبحث الثالث شهادة النساء في الحدود والقصاص
  6. المبحث الرابع شهادة النساء في الأحكام التي ليست من الأموال ولا من الحدود والقصاص
  7. المبحث الخامس شهادة النساء في حالة انفرادهن
  8. الخاتمة
  9. فهرس المراجع
بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله الودود الرحيم ، السميع البصير العليم ، ثم أفضل صلاة وأتم تسليم ، على النبي البشير الكريم ، وعلى صحابته وجميع من اقتفى أثره المستقيم ،

وبعد :

فلقد من الله على هذه البشرية جميعا بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان نورا بدد ظلاماتها ، وهاديا دلها على خير دينها ودنياها ، ففتح الله به قلوبا غلفا ، وأعينا عميا ، وآذانا صما ، فصلاة ربي وسلامه عليه ما تفجر صبح بأنواره ، وما أسدل ليل بظلمائه .

وكان من هدايته وبركة رسالته، تلك الأحكام الشرعية التي تضمنتها هذه الرسالة العظيمة ، مما لا غنى لفرد ولا مجتمع عنها ، من أحكام تجمع بين الدنيا والآخرة ، وتربط بين المظهر والمخبر ، فلا مادية جافة ، ولا روحانية خاوية ، وحيثما كان الفرد والمجتمع ، وفي أي زمان كان ، فهذه الشريعة صالحة له ، ومصلحة لحاله ، ولقد حكمت الشريعة دولا وشعوبا لقرون متطاولة فعاشت وسادت ، وما رئي فيها - ولا خطر بفكر - بأن في الشرع أو في شي من أحكامه قصور ، أو عجز ، الا في هذا العصر الأسيف حيث برزت مثل هذه الدعوات التي ما هي إلا عرض لمرض ضارب في الأمة سبب لها ما ترى .

إن القصور قد يأتي من أفراد الأمة لا من شريعة ربها ، فالشريعة لا تنطق بنفسها ، وإنما يستنطقها المجتهدون والعارفون ، وحين ينحرف الاجتهاد عن مساره ، ويركن أهله إلى الراحة والسلامة ، وتتعطل العقول والملكات ، فلا بد حينئذ أن يقع القصور والعجز الذي مرده إلى سوء النهل لا من منضب العين .

أقول هذا : توطئة لأهمية البحث والتحقيق والتمحيص والتحرير لمسائل العصر ، ومستجدات الزمان ، ونوازل الحياة ، التي لن يجد الناس حلا أمثل من حل الشريعة ، ولا نظرا أزكى من نظر الإسلام ، غير أن ذلك لن يكون ما لم يقوم به رجال صدقوا الله ، واخلصوا لدينهم ، وفهموا شريعة ربهم ، وعايشوا حياتهم ، حتى يريحوا البشرية بالهداية التي تنجيهم من هذا التخبط والضياع .

هذا – بديهة – دعوة لأهل العلم ، ورجال الفضل ، وليس بإشارة لكاتب البحث ولا لبحثه ، فما هو في هذا بقبيل ولا دبير ، وما في البحث إلا جمع لما قرروه ، ونقل لما حرروه ، ونظر فيما سطروه ، فسحائب رحمة ربي المتتابعة تفيض على تلك الأرواح الطاهرة ، وجزاء الكريم ينيلهم خير ما جزى عالما عن أمته .

وهذا المبحث بعنوان ( أحكام شهادة النساء ) ، يتناول حكم شهادة النساء في القضاء ، وما تقبل فيه شهادتهن ، وما ترد ، ونحو ذلك مما يتعلق بهذا ، وقد قسمته لخمسة مباحث تتضمن خمسة أحكام من الأحكام التي تجري فيها شهادة النساء :

المبحث الأول : شهادة النساء في الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء .
المبحث الثاني : شهادة النساء في الحدود والقصاص .
المبحث الثالث : شهادة النساء في الأموال .
المبحث الرابع : شهادة النساء في الأحكام التي ليست من الأموال ولا من الحدود والقصاص .
المبحث الخامس : شهادة النساء في حالة انفرادهن .


منهج البحث :

ألخص منهج البحث في النقاط التالية :
1- جعلت لكل حكم من الأحكام التي تجري فيها شهادات النساء مبحثا خاصا يشكل مجموع مادة البحث .
2- اذكر المسألة ثم أتبعها بذكر أقوال العلماء فيها ، مع نسبة كل قول لقائله ، واكتفيت بذكر المذاهب الأربعة من غير نص على أحد من العلماء إلا نادرا في الترجيح والاختيار .

3- فيما يتعلق بترتيب الأقوال ، فقد آثرت تقديم القول الأشد والأضيق ثم ما هو أوسع منه .
4- اتبعت كل قول بأدلته مباشرة ، مع مناقشة كل ما يحتاج إلى مناقشة ، وتكون المناقشة تالية لذكر الدليل ، جمعا للذهن وحفظا له من التشتيت .
5- أعقبت ذلك بالترجيح ، وهو شي لا تطاوعني نفسي عليه ، وأجد حرجا كبيرا فيه ، خاصة في مثل هذه المسائل الدقيقة ، وبين هذه الفئة الخاصة من أفذاذ الأمة وكبارها ، غير أن منهج البحوث الجامعية يلجأ الباحث إلجاء إلى مثل هذا ، ولعل في الأمر خير .
6- عزوت الآيات لسورها ، وخرجت الأحاديث من مظانها .
7- اتبعت البحث بذكر خاتمة مختصرة تتضمن مجمل مفردات البحث .
8- ألحقت بنهاية البحث فهرسا للمواضيع والمراجع ، ولم أزد على المواضيع والمراجع شيئا ، حيث أن كثيرا من الفهارس عداها هي مرهقة للباحث ، بلا حاجة فيها ، سوى السير على طريقة لسنا متعبدين بالسير عليها ، ولا أرى لها حاجة في مثل هذه البحوث .
9- ذيلت في أسفل البحث بتوثيق الأقوال والأدلة والبراهين التي أنقلها من مظانها ، وما ليس له تذييل في الأسفل فهو من كلام الباحث

وفي ختام هذا المبحث المتواضع ، أجد في نفسي لزاما أن أشكر فضيلة شيخنا الكريم الدكتور : محمد بن عبد الله الملا على تسببه في كتابتي لمثل هذا البحث ، فلقد أفدت منه كثيرا ، وأطلعت من خلاله على أمور لم أكن لأصل إليها لولا هذا البحث ، هذا عدا ما لمسناه من فضيلته من علم نافع ، وأدب جم ، وتعامل راقي ، خلال هذا الفصل الدراسي ، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله ، فشكر الله له ، وأجزل مثوبته ، ونفع به وبعلمه . والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم .


المبحث الأول شهادة النساء في الأمور التي لا يطلع عليها الرجال

حكم شهادة النساء في الأمور التي لا يراها الرجال مما هو من اختصاص النساء .

وقد اتفقت كلمة المذاهب الأربعة على قبول شهادة النساء في هذه الأمور. وقد حكى الاتفاق على هذه المسالة الإمام الشافعي رحمه الله كما في الأم . من هذه الأمور التي لا يراها إلا النساء : الرضاعة والعيوب المستورة والولادة والحيض .

وقد ضبط هذا الأمر بالأمور التي لا يحل للرجال أن ينظروا إليها من غير محارمهم .
الأدلة :

1- قول النبي صلى الله عليه وسلم ( شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه )

2- قول الزهري – رحمه الله – ( مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء وعيوبهن ) .

3- إجماع العلماء على ذلك كما نقله الشافعي رحمه الله .

4- أن قوله تعالى ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) فيه دليل على أن استشهاد المرأتين مكان رجل واحد إنما هو فيما يظن فيه النسيان والغفلة ، وتعدم الضبط كالديون ، وأما ما لا يظن فيه غفلة ولا نسيان كما في الأمور الظاهرة من الولادة والعيوب وغيرها فتكون المرأة فيه كالرجل؛ إذ هذه المعاني لا تنسى في العادة ولا يحتاج في معرفتها إلى عقل وقوة .

وكم العدد الواجب توفره في هذه الشهادة : اختلف العلماء في هذه المسألة :

القول الأول : لا يكفي أقل من أربعة نسوة وهو مذهب الشافعية ، وهو قول عطاء .
الأدلة : أن شهادة النساء لا تجاز على وفق الأصل الشرعي ، والأصل الشرعي أن المرأتين تعدل شهادة رجل ، فلا يقبل هنا إلا شهادة أربعة نسوة .

ويناقش هذا : بأن الأصل الشرعي الذي جعل شهادة المرأة على نصف شهادة الرجل إنما هو في الأموال وما يتعلق بها ، وما يلحق بها مما هو أولى منها ، وأما ما في بحثنا من الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء فلا يصح أن يقال فيها أن الأصل الشرعي فيها هو كذلك ، إذ هو استدلال بمحل النزاع ، إذ لا دليل على أن شهادة المرأة فيه تعدل نصف شهادة الرجل ، بل الدليل على خلافه .

القول الثاني : لا بد من شهادة امرأتين وهو مذهب المالكية ، وراية عند الحنابلة .

الأدلة :

1- عموم الأدلة الدالة على وجوب الاثنين في الشهادة كقوله تعالى ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) .
2- أن عقل الرجال أكمل من عقل النساء ومع ذلك فلا يقبل قول الرجل الواحد فمن باب أولى أن لا يقبل قول المرأة الواحدة .
3- ما روي عن عمر رضي الله عنه انه قال : لو فتحنا هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين رجل وامرأته إلا فعلت ذلك .
وهذا الدليل يصلح لهذا القول وللقول الثالث .

والجواب عنه :

1- أن الحديث ضعيف .
2- انه بعيد عن مثل عمر رضي الله عنه ، لأن العلة المذكورة تصلح أن تنقض جميع الشهادات ، فكما أن المرأة تفسد ما بين الرجل وزوجته ، فكذلك المرأتان ، والرجل والمرأتان ، والرجلان ، وجميع الشهادات كذلك .
القول الثالث : يكفي فيه قول امرأة واحدة وهو مذهب الحنفية ، والحنابلة .

الأدلة :

1- القياس على الرواية فكما أن المرأة تقبل روايتها ولو كانت منفردة فكذلك الشهادة .
ويناقش هذا : بأن ثمت فارق بين الشهادة والرواية ، فالشهادة يشترط فيها عدد بخلاف الرواية ، فلا يصح القياس هنا ، وإلا لقيل بقبول شهادة رجل واحد قياسا على روايته .

2- قصة المرأة السوداء كما روى عقبة بن الحرث قالت : تزوجت ابنة أبي أيهاب فجاءت امرأة سوداء يعنى فذكرت أنها أرضعتكما فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقمت بين يديه فكلمته فأعرض عنى فقمت عن يمينه فأعرض عنى فقلت يا رسول الله إنما هي سوداء قال فكيف وقد قيل وقد يُناقش مثل هذا الاستدلال بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بشهادة المرأة ، ولم يأمره بترك زوجته ، بل هو على سبيل الاحتياط والتنزه .

والجواب عن هذا الإيراد :

1- أن ذلك على خلاف الظاهر ، والأصل حمل الحكم الشرعي على ظاهر لفظه إلا بتأويل صحيح ظاهر ، والتأويل هنا بالاحتياط غير مسلم به ، لان الرجل أتى للنبي صلى الله عليه وسلم ودافع عن زواجه ، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليفرق بينه وبين زوجته إلا لكون هذه الشهادة كافية في التفريق .

2- وعلى التسليم بكون ذلك احتياطا ، فهو قبول بشهادة المرأة على سبيل الاحتياط ، وهو تصحيح لمذهب أصحاب القول الأول .

3- أن الاحتياط هنا غير ممكن ، لأن الاحتياط في قبول شهادة المرأة معارض بالاحتياط في حفظ حق الزوج ، والزوجة ، وقيام عقد الزوجية الذي لا يجوز فكه إلا بدليل .

4- ما روي في بعض ألفاظ الحديث من كون النبي صلى الله عليه وسلم نهاه ، وهو قطع بقبول شهادة المرأة .

3- الآثار الواردة عن الصحابة ، ومن ذلك :
ما روي عن عمر رضي الله عنه انه أجاز شهادة القابلة وحدها .
وروي عن علي رضي الله عنه أنه أجاز شهادة القابلة .
وروي أن معاوية رضي الله عنه قضى في دار بشهادة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها ولم يشهد غيرها .
وما رواه عبد الرزاق عن ابن شهاب قال : فرق عثمان رضي الله عنه بين أهل أبيات بشهادة امرأة .
الراجح :

وان كان لا بد من ترجيح ، فلعل التفصيل في هذه المسألة هو الأسلم ، فيفرق بين شهادة المرأة في الرضاع والولادة فيكتفى فيها بامرأة واحدة لدلائل ثلاث :

1- حديث المرأة السوداء .
2- عمل الصحابة رضوان الله عليهم .
3- لعظم هذه الأمور ، وعظم خطرها ، وارتباطها بالنسب والنكاح الذي احتاطت فيه الشريعة .
وأما ما يتعلق بعيوب النساء والحيض وغيرها فلا بد من شهادة امرأتين لدلائل ثلاث أيضا :
1- عموم أدلة الشهادة .
2- أن الرجال أكمل عقلا ، ومع ذلك فلا يكفي في شهادتهم ما دون شهادتين .
3- أن ذلك يتضمن حقوقا على غيرهم ، فلا تستباح حقوق الآخرين إلا بشهادتين .


المبحث الثاني شهادة النساء في الأموال

شهادة النساء في الأموال . اتفق الجميع على قبول شهادة النساء في الأموال ، ولا بد فيها من شهادة امرأتين .

الأدلة :

1- قوله تعالى ( فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء )
فان قيل : هذا الحكم يدل على أن الشاهد والمرأتين بدل عن الشاهدين وأنه لا يقضى بهما إلا عند عدم الشاهدين ؟
الجواب : أن الآية لا تدل على ذلك ، إذ هذا أمر لأصحاب الحقوق بحفظ حقوقهم بالاستشهاد برجلين وهو أقوى الطرق ، أو رجل وامرأتين ، وليس معناه أن لا يحكم إلا بالرجلين فان فقدا فالرجل والمرأتين ، ففرق بين الإثبات والحكم .
وألحق بالأموال ما يتعلق بالأموال وما يؤول إليها عند المالكية .
وما يقصد به المال عند الحنابلة .
وأما الحنفية فإنهم يقبلون شهادة النساء في كل الأمور عدا الحدود والقصاص كما سيأتي إن شاء الله .
مع اختلاف بين المذاهب في دخول بعضها في الأموال أو عدم دخولها فيه .
وهل يشترط في قبول شهادتهم وجود رجل معهم ؟

القول الأول : يشترط وجود رجل ، فلا تصح شهادة النساء منفردات وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة .
القول الثاني : لا يشترط ذلك ، بل تقبل شهادة امرأتين من غير رجل مع يمين الطالب وهو مذهب المالكية .

الأدلة :

1- قوله تعالى ( فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء )
وجه الدلالة : أن الله تعالى ربط قبول شهادة النساء بوجود رجل ، وحين لا يوجد رجل فلا تقبل شهادتهن .
يناقش هذا بما سبق من التفريق بين طرق الحكم ووسائل الإثبات ، فالآية فيها تقرير لوسائل الإثبات ، وليس ثمت ارتباط بين الإثبات والحكم ، فقد يكون الإثبات بأمر والحكم يكون في شي دونه .
الترجيح :

القول الثاني أرجح دلالة ، وأقوى حجة ، وألزم لمقاصد الشريعة ، وأوفق لتحقيق مصالح الناس .


المبحث الثالث شهادة النساء في الحدود والقصاص

شهادة النساء في الحدود والقصاص اتفقت كلمة المذاهب الأربعة على عدم قبول شهادة النساء في الحدود والقصاص .

الأدلة :
1- حديث الزهري – رحمه الله – ( مضت السنة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده أن لا شهادة للنساء في الحدود والقصاص ) .

2- أن الضلال وارد على النساء ، والنسيان جبلة فيهن ، وهي شبهة تدرأ بها الحدود .
اعتراض : فان قيل : وشهادة الرجال هي شبهة ما لم تبلغ حد التواتر .
الجواب : أن الشبهة الواردة على النساء يمكن التحرز منها باللجوء إلى غيرها وهي شهادة الرجال ، وأما الشبهة الثانية فلا يمكن التحرز منها .

يناقش هذا الجواب بعدة أمور :

1- عدم التسليم بأن الشبهة في شهادة النساء يمكن التحرز منها ، إذ يقطع بأن ثمت وقائع كثيرة لا يمكن الحكم بها إلا من خلال شهادة النساء .

2- أن هذا الجواب إنما يصلح في العموم لا في الخصوص ، فهو يقرر أنه يمكن أن يتحرز عن شهادة النساء بشهادة الرجال ، وهذا صحيح في العموم ، وواقع القضايا إنما تكون في الخصوص ، فما كل قضية خاصة يمكن أن تتحرز فيها من شهادة النساء ، ولو طرد هذا التوجيه لأمكن ان يقال برفض شهادات أناس كثير لإمكان التحرز عن شهادتهم بغيرهم .

3- أن الشبهة في شهادة النساء تنجبر بانضمام امرأة أخرى فتزول الشبهة .

4- أن في هذا القول تسليم بأن شهادة الرجال فيها شبهة ومع ذلك قبلت في الحدود ، فكذلك فلتقبل شهادة النساء حيث أن الشبهة واحدة ، وأما إمكانية التحرز فهو أمر آخر خارج عن محل الشبهة .

3- عموم قوله تعالى ( فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) وهو من الحدود فيشمل كل حد ، فلا يصح أن تدخل فيه شهادة النساء .
اعتراض : لم لا يؤخذ بعموم آية المداينة في قبول شهادة النساء كما أخذ عموم هذه الآية ؟
الجواب : أن عموم هذه الآية مقدم على عموم آية المداينة لأنها مانعة وتلك مبيحة ، والمانع مقدم على المبيح ، ولأنها أفادت زيادة قيد وهو من درأ الحدود بالشبهات .
يناقش هذا : بأن الآية ليس فيها ما يدل على أن الشهداء من الرجال ، فأربعة منكم لا تدل على كونهم رجالا ، بل النساء هم من المؤمنين ، والأصل في خطاب الكتاب والسنة عمومه للجنسين .
وثانيا : فهذه الآية تنص على أن الأصل هو استشهاد الرجال ، ولا يدل على منع غير هذه الشهادة ، بدليل قبول كثير من أهل العلم للشاهد واليمين .

4- القياس على حد الزنا ، فكما انه لا تقبل فيه شهادة النساء فكذلك بقية الحدود لا يقبل فيها شهادة النساء لأنها من العقوبات الشرعية .
يناقش هذا :
بعدم التسليم بأن حد الزنا لا يقبل فيه شهادة النساء اذ في المسالة خلاف ومعارضة ، ولا يصح القياس على أصل مختلف فيه .
القول الثاني : قبول شهادة النساء في الحدود والقصاص وهو قول عطاء وحماد ، ووافقهم سفيان في أحد قوليه في القصاص دون الحدود ، وروي عن طاووس .

واختاره ابن حزم والشوكاني .

الترجيح

مع أن القول الأول قال به جماهير الأمة سلفا وخلفا ، وهو المتقرر لدى عامة كتب الفقهاء ، بل لا تكاد تذكر غيره ، إلا أن القول الثاني قول قوي ووجيه ، وقال به أئمة من المتقدمين ، وأدلة القول الأول لا تقوى على تقرير هذا الحكم .

مسألة : وحيث تطرق الحديث إلى شهادة النساء في حد الزنا ، فهذه إطلالة سريعة على هذا المبحث: شهادة النساء في حد الزنا
اتفقت المذاهب الأربعة – وحكي إجماعا - على عدم قبول شهادة النساء في حد الزنا ، وأن نقص شهادة الرجال عن أربعة موجب لحد القذف ولا يجبره شهادة النساء فيها .

وذهب عطاء وحماد – رحمهما الله – إلى قبول شهادة المرأتين مع ثلاثة رجال في حد الزنا .
وروي عن عطاء قوله : لو شهد عندي ثمان نسوة على امرأة بالزنا لرجمتها . وهو اختيار ابن حزم .

الترجيح :

إن صح ما نقله الإمام الشافعي – رحمة الله عليه – من الاتفاق على عدم قبول شهادة النساء في حد الزنا ، فلا اعتبار لاختيار ابن حزم – رحمه الله – مع وجود هذا الإجماع ، وان صح ما روي عن عطاء وحماد فيبقى للقول الثاني وجاهته وقوته في تكملة المرأتين لشهادة الرجال الثلاثة ، وان صحت الرواية الثانية عن عطاء كان لرأي ابن حزم وجاهته وقوته .


المبحث الرابع شهادة النساء في الأحكام التي ليست من الأموال ولا من الحدود والقصاص

شهادة النساء فيما عدا الأموال ، والحدود والقصاص .
بعد اتفاق الأئمة الأربعة وأتباعهم على قبول شهادة النساء في الأموال وما لا يطلع عليها الرجال ، وعدم قبولها في الحدود والقصاص ، اختلفوا بعد ذلك في حكم شهادة النساء في المسائل التي ليست من الأموال، ولا من الحدود والقصاص، وهو مما يطلع عليه الرجال مثل النسب والنكاح والطلاق والعتاق والولاء .
على قولين :

القول الأول : عدم قبول شهادة النساء وهو مذهب الجمهور من المالكية ، والشافعية ، والحنابلة .

الادلة :

1- أن قبول شهادة النساء من قبيل الشبهة بدليل قوله تعالى ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) ، وما كان من الشبهة فلا يقبل .
ويناقش هذا الدليل :
أ- أن الشبهة في النساء تزول بانضمام أخرى إليها .
ب- وان الشبهة موجودة في الأموال ومع ذلك نصت الآية على قبول شهادتهن فيها .
ج- أن جميع الشهادات فيها جانب من الشبهة لكونها دون القطع ، فلو قيل بضرورة انتفاء الشبهة لم تقبل إلا شهادة التواتر فحسب .
2- القياس على الحدود ، لمشاركتها في المعنى ، فكما أن شهادة النساء لا تقبل في الحدود فكذلك لا تقبل في بقية الأمور عدا ما ورد النص فيه .
الجواب عن هذا الاستدلال :
أ- بأن ثمت فرقا بين الحدود وبين هذه الأحكام ، إذ يراعى في الحدود انتفاء الشبهة ، وتُدرأ الحدود بوجودها ، بخلاف هذه الأحكام .
2- والحدود لا تشارك هذه الأحكام في المعنى ، لأن الحدود حق لله تعالى ، وهذه الأحكام من حقوق الناس ، وقد أسقط الله حقه في الحد لوجود الشبهة ، وأما حقوق الناس فلا دليل على سقوطها بالشبهة .
3- أن الشبهة التي بسببها ترد بها شهادة النساء هنا ، تقابل بشبهة أخرى توجب قبول شهادة النساء ، فإيصال الحقوق لأهلها ، ورفع المظالم ، هي من الحقوق الشرعية التي يجب القيام بها ، فالقول بعدم قبول شهادة النساء لوجود شبهة النقصان عند النساء ، معارض بأن وجود شهادة النساء يوجب شبهة في وجود حق يجب إيصاله لمستحقه ، وما رد شهادة النساء بأولى من قبولها .

القول الثاني : قبول شهادة النساء وهو مذهب الحنفية .

الأدلة :

1- الأصل في شهادة النساء القبول .
2- أن نقص أهليتها انجبر بانضمام أخرى إليها .
3- لم يبق بعد ذلك إلا الشبهة ، والشبهة إنما تقوى في مثل الحدود لا في بقية الأحكام .
4- قبول روايتها للإحكام الشرعية الملزمة للأمة فكيف ترد شهادتها فيه .
وقد تقدم أن مثل هذا لا يصح الاستدلال به .
5- الآثار الواردة عن الصحابة في إجازة شهادة النساء ، ومن ذلك :

ما روى أبو لبيد أن سكرانا طلق امرأته ثلاثا فشهد عليه أربع نسوة فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب فأجاز شهادة النسوة وأثبت الطلاق .
وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن هند بنت طلق قالت : كنت في نسوة وصبي مسجى بثوب فقامت امرأة فمرت فوطئت الصبي برجلها فوقعت على الصبي فقتلته والله ، فشهد عند علي رضي الله عنه عشرة نسوة – أنا عاشرهن – فقضى عليها بالدية وأعانها بألفين .
وعن عطاء رحمه الله قال : أجاز عمر رضي الله عنه شهادة النساء مع الرجال في الطلاق والنكاح .
الراجح :
القول الثاني ، لقوة أدلته ، وتمشّيه مع الأصل ، وتقوّيه بعمل الصحابة رضوان الله عليهم .


المبحث الخامس شهادة النساء في حالة انفرادهن

شهادة النساء في حال الانفراد.
اختلف العلماء في حكم شهادة النساء في حالة وجودهن منفردات في الأحكام التي تجري بينهن من غير أن يشهدها احد من الرجال على قولين :
القول الأول : قبول شهادتهن وهو مذهب بعض المالكية وروي عن الإمام مالك . وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم .

الأدلة :

1- أن الله تعالى قبل شهادة أهل الذمة في السفر ، وهم كفار ، وقبول شهادة النساء أولى واقرب .
2- قبول شهادة الصبيان عند الضرورة ، والنساء مثلهم في هذا .
أجيب عن هذا الدليل من وجهين :
الوجه الأول : أن الصبيان مندوبون إلى الاجتماع بخلاف النساء .
ويناقش هذا الوجه من وجهين :
أ- أن النساء أيضا قد يكون مندوب لهم الاجتماع أحيانا ، كما في عيادة المريض ، ومجامع الصلاة وغيرها.
ب - أن الحكم مرتبط بقبول الشهادة أو عدم قبولها ، وأما الاجتماع فهو وصف طردي لا اثر له في الحكم ، ألا ترى أن الرجال تقبل شهادتهم على بعض ولو كانوا في مجلس نكر أو سكر ؟ فالاجتماع أو عدمه لا أثر له في الحكم ، إذ حقوق الناس ثابتة لا تضيع بسبب مخالفتهم فكيف بما ليس فيه مخالفة .

وان قيل : بل له أثر ، لأنه اجتماعهم معتبر ، فيعتبر ما يترتب عليه .
أجيب عنه : وحتى لو لم يعتبر الاجتماع فان الحقوق لا تضيع ، بدليل أن النساء لو اجتمعن ثم شهد معهن رجل لقبلت شهادته ، مع أن اجتماعهن غير مندوب إليه .
الوجه الثاني : أن شهادة الصبيان جاءت على خلاف القياس .
الجواب عنه : أ- عدم التسليم بأنها على غير القياس .
ب - وعلى فرض التسليم بذلك ، فما ثبت على خلاف القياس وعلمت علته ، فانه يمكن القياس عليه.
3- أن عدم قبول شهادتهم يؤدي إلى ضياع حقوق ، وتعثر واجبات ، مع وجود غلبة الظن بهذه الحقوق .
4- أن شهادة النساء توجب في النفس غلبة ظن بالحكم ، خاصة إذا اجتمعن واتفقن وكن عدولا ، وقد توجب شهادتهن من الظن أكبر مما توجبه شهادة الرجال .

5- أن شهادة الفاسق تقبل حين لا يوجد عدل ، وشهادة النساء أولى بالقبول حين لا يوجد الرجال من شهادة الفاسق .
6- حديث الزهري : مضت السنة بجواز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن .
وقيس عليه : ما انفردن به.
القول الثاني : لا تقبل شهادتهن وهو قول الشافعية والحنابلة .
الراجح : هو القول الأول لقوة أدلته ، وجلاء براهينه ، وموافقته لمقاصد الشريعة ، واتساقه مع النظر الصحيح .


الخاتمة

حمدا لله على معونته وتيسيره ،

وبعد ؛ فهذه خاتمة البحث ، أضمنها نتائج البحث ، ومفرداته باختصار :
1- أن الشريعة فرّقت بين شهادة الرجل والمرأة ، والدليل فيه قطعي بنص القرآن ، فلا مساغ للاجتهاد في مخالفة ذلك .
2- ومع اتفاق العلماء في عدم مساواة المرأة للرجل في الشهادة في الجملة ، فقد اختلفوا بعد ذلك في المساحة التي تتفق فيها المرأة مع الرجل في الشهادة عددا وقبولا ، وما تجوز فيها على النصف من الرجل ، وما لا تجوز فيه بتاتا ، يمكن إجمالها فيما يلي :
3- الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال فشهادة المرأة فيها مقبولة بالاتفاق ، سواء أكانت أفضل حالا من الرجل فيقبل فيها شهادة امرأة واحدة ، أو مساوية للرجل ، فيقبل فيها شهادة امرأتين ، أو على النصف من الرجل فلا يقبل إلا شهادة أربعة نسوة ، وهذه ثلاثة أقوال لأهل العلم .

4- أحكام الحدود والقصاص لا تقبل فيها شهادة المرأة عند الجماهير ، وعند قلة من أهل العلم تجوز فيها شهادة المرأة على النصف من الرجل ، وهو قول قوي يتوجه القول برجحانه إلا أن كان ثمت إجماع قولي أو فعلي في المسالة .
5- أحكام الأموال قد اتفق العلماء أيضا على قبول شهادة المرأة فيها على النصف من شهادة الرجل لنص الآية .

6- الأحكام فيما عدا الحدود والقصاص والأموال فقد تنازع العلماء فيها على قولين ، بين الجمهور المانعين ، والحنفية المجيزين .
7- الأحكام التي ينفرد النساء بحضورها ، فالجمهور على منع شهادتهن فيه ، وقبل شهادتهن المالكية وجمع من المحققين كابن تيمية وابن القيم وغيرهما .

8- كثير من كتب الفقه ، إن لم تكن عامتها ، لا تعني بذكر الأدلة والمناقشة ، بل تورد أحكام الشهادة كمسلمات ، مما يوجب المزيد من الجهد والبحث .

9- أوصي بالعناية بمبحث شهادة النساء أكثر ، مع مبحث الديات ، ونحوها من المباحث التي تفترق فيها المرأة عن الرجل لتحرير الحكم الشرعي فيها ، وتحقيق الأمر فيها ، وتجلية المتفق عليه من المختلف فيه ، خاصة في مثل هذا العصر الذي تأثر كثير من أبناء المسلمين بمعطيات الحضارة في رؤيتهم لأحكام دينهم ، والله الهادي .


فهرس المراجع

( الترتيب أبجديا )
الرقم الكتاب المؤلف الناشر
الفقه الحنفي
1 البحر الرائق ابن نجيم دار المعرفة – بيروت ط2
2 تبيين الحقائق فخر الدين الزيلعي درا الكتب الاسلامي – القاهرة 1313
3 تحفة الفقهاء علاء الدين السمرقندي دار الكتب العلمية – بيروت 1405
4 حاشية ابن عابدين ابن عابدين دار الفكر للطباعة – بيروت – 1421
5 شرح فتح القدير الكمال ابن الهمام دار الفكر- بيروت
6 فتاوى السغدي ابو الحسن السعدي دار الفرقان – عمان 1404
7 المبسوط محمد بن الحسن ادارة القرآن والعلوم- كراتشي ، تحقيق: ابو الوفا الافغاني
8 المبسوط السرخسي دار المعرفة – بيروت
9 الهداية شرح البداية المرغيناني المكتبة الاسلامية
الفقه المالكي
10 الثمر الداني شرح رسالة القيرواني صالح الابي المكتبة الثقافية – بيروت
11 كفاية الطالب ابو الحسن المالكي دار الفكر – بيروت تحقيق : يوسف البقاعي
12 الفواكه الدواني احمد بن غنيم دار الفكر – بيروت 1415
13 الكافي ابن عبد البر دار الكتب العلمية – بيروت 1407
14 المدونة الكبرى مالك بن انس صادر- بيروت
الفقه الشافعي
15 احكام القران الشافعي دار الكتب العلمية – بيروت 1400 تحقيق: عبد الغني عبد الخالق
16 الاقناع الماوردي
17 حواشي الشرواني عبد الحميد الشرواني دار الفكر – بيروت
18 كفاية الاخيار تقي الدين الحصيني دار الخير – دمشق 1994 – تحقيق علي بلطجي ومحمد سليمان
19 فتح المعين زين الدين المليباري دار الفكر – بيروت
20 فتح الوهاب زكريا الانصاري دار الكتب العلمية – بيروت ط1418
21 المهذب الشيرازي دار الفكر – بيروت
الفقه الحنبلي
22 اخصر المختصرات ابن بلبان دار البشائر الاسلامية – بيروت ط1416
23 اعلام الموقعين ابن القيم دار الجيل – بيروت 1973
24 دليل الطالب مرعي بن يوسف المكتب الاسلامي- بيروت 1389
25 الروض المربع البهوتي مكتبة النهضة الحديثة – الرياض1390
26 شرح منتهى الارادات البهوتي دار عالم الكتب- بيروت 1996
27 الطرق الحكمية ابن القيم الجوزية مطبعة المدني – القاهرة تحقيق: محمد جميل غازي
28 الفروع ابن مفلح دار الكتب العلمية – بيروت 1418 تحقيق: حازم القاضي
29 الكافي ابن قدامة المكتب الاسلامي – الرياض
30 المغني ابن قدامة دار الفكر – بيروت ط1
31 مطالب اولي النهى مصطفي السيوطي الرحيباني ط المكتب الاسلامي – دمشق 1996
32 النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر ابن مفلح مكتبة المعارف- الرياض ط2 في 1404
فقه الظاهرية
33 المحلى ابن حزم دار الافاق الجديدة – بيروت
فقه الحديث
35 نيل الاوطار الشوكاني دار الجيل – بيروت 1973
كتب الحديث
36 الدراية في تخريج احاديث الهداية ابن حجر دار المعرفة – بيروت تحقيق هاشم اليماني
37 سنن الدارمي الدارمي دار الكتاب العربي- بيروت تحقيق : زمرلي
38 صحيح البخاري البخاري دار ابن كثير – اليمامة ط 1407 تحقيق : مصطفى البغا
39 مصنف ابن ابي شيبة ابو بكر بن ابي شيبة مكتبة الرشد – الرياض تحقيق : كمال الحوت ط1 في 1409
40 مصنف عبد الرزاق عبد الرزاق المكتب الاسلامي – بيروت 1403 بتحقيق : الاعظمي
41 نصب الراية الزيلعي دار الحديث – مصر ط1357


EmoticonEmoticon