Monday, August 26, 2013

كيف يصل الشيطان بوسوسته إلى نفس الإنسان

كيف يصل الشيطان بوسوسته إلى نفس الإنسان



محتويات

17- النساء وحب الدنيا :

وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ما ترك بعده فتنة أشد على الرجال من النساء ، ولذلك أمرت المرأة بستر جسدها كله إلا الوجه والكفين ، وأمر الرجال بغض أبصارهم ، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخلوة بالمرأة ، وأخبر أنّه ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما . وفي سنن الترمذي بإسناد صحيح : ( المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان ) (12) .
ونحن اليوم نشاهد عظم فتنة خروج النساء كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم كاسيات عاريات ، قامت مؤسسات في الشرق والغرب تستخدم جيوشاً من النساء والرجال لترويج الفاحشة بالصورة المرئية ، والقصة الخليعة ، والأفلام التي تحكي الفاحشة وتدعو لها !
أما حبّ الدنيا فهو رأس كل خطيئة ، وما سفكت الدماء ، وهتكت الأعراض ، وغصبت الأموال ، وقطعت الأرحام ، ... إلا لأجل حيازة الدنيا ، والصراع على حطامها الفاني ، وحرصاً على متعها الزائدة .
18- الغناء والموسيقى :

الغناء والموسيقى طريقان يفسد الشيطان بهما القلوب ، ويخرب النفوس ، يقول ابن القيم : " ومن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين ، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين : سماع المكاء والتصدية ، والغناء بالآلات المحرمة ، الذي يصد القلوب بها عن القرآن ، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان ، فهو قرآن الشيطان ، والحجاب الكثيف عن الرحمن ، وهو رقية اللواط والزنى ، كاد به الشيطان النفوس المبطلة ، وحسنه لها مكراً وغروراً ، وأوحى لها الشبه الباطلة على حسنه ، فقبلت وحيه ، واتخذت لأجله القرآن مهجوراً .... " (13) .

ومن عجب أن بعض الناس ، الذين يدّعون التعبد ، يتخذون الغناء والرقص والتمايل طريقاً للتعبد ، يتركون السماع الرحماني ، ويذهبون إلى السماع الشيطاني ، وقد عدّ ابن القيم (14) لهذا السماع بضعة عشر اسماً : اللهو ، واللغو ، والباطل ، والزور ، والمكاء ، والتصدية ، ورقية الزنى ، وقرآن الشياطين ، ومنبت النفاق في القلب ، والصوت الأحمق ، والصوت الفاجر ، وصوت الشيطان ، ومزمور الشيطان ، والسمود .

وأطال النفس في بيان تحريمه ، وما فيه من زور وبهتان ، فراجعه إن شئت .

الجرس مزامير الشيطان :

أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن : ( الجرس مزامير الشيطان ) . رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة (15) . ولذا فإن الملائكة ( لا تصحب رفقة فيها كلب ولا جرس ) . رواه مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة (16) .

19- تهاون المسلمين في تحقيق ما أمروا به :

إذا التزم المسلم بإسلامه فإن الشيطان لا يجد سبيلاً لإضلاله والعبث به ، فإذا تهاون وتكاسل في بعض الأمور ، فإن الشيطان يجد فرصة ، قال تعالى : ( يا أيَّها الَّذين آمنوا ادخلوا في السلم كافَّةً ولا تتَّبعوا خطوات الشَّيطان إنَّه لكم عدوٌ مُّبينٌ ) [البقرة :208] .

فالدخول في الإسلام في كل الأمور هو الذي يخلص من الشيطان ، فمثلاً إذا كانت صفوف المصلين مرصوصة ، فإن الشياطين لا تستطيع أن تتخلل المصلين ، فإذا تُركت فُرجٌ بين الصفوف ، فإن الشياطين تتراقص بين صفوف المصلين ؛ ففي الحديث : ( أقيموا صفوفكم ، لا تتخللكم الشياطين كأنّها أولاد الحَذَف ) . قيل يا رسول الله : وما أولاد الحذف ؟ قال : ( سود جُرد بأرض اليمن ) . رواه أحمد والحاكم بإسناد صحيح (17) .
وفي الحديث الآخر : ( أقيموا صفوفكم ، وتراصوا ، فوالذي نفسي بيده ، إني لأرى الشيطان بين صفوفكم كأنها غنم عُفْر ) . رواه أبو داود الطيالسي بإسناد صحيح (18) .
--------------------------------
(1) رواه البيهقي ، وصحح ابن كثير إسناده .
(2) راجع : الدر المنثور ، للسيوطي :3/158 .
(3) راجع روايات الحديث في الدر المنثور : 7/545 .
(4) بسط القول في السحر في مؤلف مستقل أ.د.عمر الأشقر عنون له بعنوان : عالم السحر والشعوذة .
(5) أي أجابني فيما طلبته .
(6) أي مسحور .
(7) المشاطة : شعر سقط من الرأس بعد تسريحه .
(8) جف طلع نخلة ، أي : غشاء الطلع .
(9) صحيح البخاري : 10/221 . ورقمه : 5763 .
(10) تفسير ابن كثير : 17/423 .
(11) تلبيس إبليس : 42 .
(12) صحيح سنن الترمذي : 1/343 . ورقمه : 936 . وقوله : استشرفها ، أي : زينها في نظر الرجال .
(13) إغاثة اللهفان : 1/242 .
(14) إغاثة اللهفان : 1/256 .
(15) صحيح مسلم : 3/1672 . ورقمه : 2114 .
(16) صحيح مسلم : 3/1672 . ورقمه : 2113 .
(17) صحيح الجامع : 1/384 . وأولاد الحَذف : الغنم الصغار ، والمراد الشياطين ، فإنها تدخل في أوساط الصفوف كأولاد الحذف . جُرد ، أي : ليس على جلدها شعر .
(18) صحيح الجامع : 1/384 .

كيف يصل الشيطان بوسوسته إلى نفس الإنسان

المطلب الأول الوسوسة

الشيطان يستطيع أن يصل إلى فكر الإنسان وقلبه بطريقة لا ندركها ، ولا نعرفها ، يساعده على ذلك طبيعته التي خلق عليها ، وهذا هو الذي نسميه بالوسوسة ، وقد أخبرنا الله بذلك إذ سماه : ( الوسواس الخنَّاس – الَّذي يوسوس في صدور النَّاس ) [الناس : 4-5] . قال ابن كثير في تفسيره : ( الوسواس الخنَّاس ) : الشيطان جاثم على قلب ابن آدم ، فإذا سها وغفل وسوس ، فإذا ذكر الله خنس .
وقد ثبت في الصحيحين عن أنس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) (1) .
وبهذه الوسوسة أضل آدم وأغواه بالأكل من الشجرة : ( فوسوس إليه الشَّيطان قال يا آدم هل أدلُّك على شجرةٍ الخلد وملكٍ لا يبلى ) [ طه : 120 ] .
وقد تتمثل الشياطين في صورة بشر ، وقد يحدّثون الإنسان ، ويُسمِعونه ، ويأمرونه ، وينهونه ، بمرادهم ... كما سيأتي بيانه .
--------------------------------
(1) مشكاة المصابيح : 1/26 . ورقمه : 68 .

المطلب الثاني تمثل الشياطين

أحياناً تأتي الشياطين لا بطريق الوسوسة ؛ بل تتراءى له في صورة إنسان ، وقد يسمع الصوت ، ولا يرى الجسم ، وقد تتشكل بصور غريبة ... وهي أحياناً تأتي الناس وتعرفهم بأنها من الجن ، وفي بعض الأحيان تكذب في قولها ، فتزعم أنها من الملائكة ، وأحياناً تسمي نفسها برجال الغيب ، أو تدعي أنها من عالم الأرواح ....
وهي في كل ذلك تحدث بعض الناس ، وتخبرهم بالكلام المباشر ، أو بوساطة شخص منهم يسمى الوسيط ، تتلبس وتتحدث على لسانه ، وقد تكون الإجابة بوساطة الكتابة ...
وقد تقوم بأكثر من ذلك ، فتحمل الإنسان ، وتطير به في الهواء ، وتنقله من مكان إلى مكان ، وقد تأتي له بأشياء يطلبها ، ولكنها لا تفعل هذا إلا بالضالين ، الذين يكفرون بالله ربّ الأرض والسماوات ، أو يفعلون المنكرات والموبقات ....

وقد يتظاهر هؤلاء بالصلاح والتقوى ، ولكنهم في حقيقة أمرهم من أضلّ الناس وأفسقهم ، وقد ذكر القدامى والمحدثون من هذا شيئاً كثيراً ، لا مجال لتكذيبه والطعن فيه ؛ لبلوغه مبلغ التواتر .
فمن ذلك ما ذكره ابن تيمية عن الحلاج قال : " وكان صاحب سيمياء وشياطين تخدمه أحياناً ، كانوا معه ( بعض أتباعه ) على جبل أبي قبيس ، فطلبوا منه حلاوة ، فذهب إلى مكان قريب ، وجاء بصحن حلوى ، فكشفوا الأمر فوجدوا ذلك قد سرق من دكان حلاوي باليمن ، حمله شيطان تلك البقعة " .

قال : " ومثل هذا يحدث كثيراً لغير الحلاج ممن له حال شيطاني ، ونح نعرف كثيراً من هؤلاء في زمننا وغير زمننا ، مثل شخص هو الآن ( في زمن ابن تيمية ) بدمشق ، كان الشيطان يحمله من جبل الصالحية إلى قرية حول دمشق ، فيجيء من الهواء إلى طاقة البيت ، فيدخل وهم يرونه ، ويجيء بالليل على باب الصغير ( باب من أبواب دمشق الستة التي كانت يومئذ ) ، فيعبر منه هو ورفيقه ، وهو من أفجر الناس .
وآخر كان بالشوبك ( قلعة حصينة في أطراف الشام ) من قرية يقال لها : الشاهدة ، يطير في الهواء إلى رأس الجبل والناس يرونه ، وكان شيطان يحمله ، وكان يقطع الطريق.

وأكثرهم شيوخ الشرّ ، يقال لأحدهم : ( البوشي أبي المجيب ) ينصبون له خركاه في ليلة مظلمة ، ويصنعون خبزاً على سبيل القربات ، فلا يذكرون الله ، ولا كتاب فيه ذكر الله ، ثم يصعد ذلك البوشي في الهواء وهم يرونه ، ويسمعون خطابه للشيطان ، وخطاب الشيطان له . ومن ضحك أو سرق من الخبز ضربه الدف ، ولا يرون من يضرب به .
ثم إن الشيطان يخبرهم ببعض ما يسألونه عنه ، ويأمرهم بأن يقربوا له بقراً وخيلاً وغير ذلك ، وأن يخنقوها خنقاً ، ولا يذكرون اسم الله عليها ، فإذا فعلوا قضى حاجتهم " .

ويذكر ابن تيمية أيضاً عن " شيخ أخبر عن نفسه أنه كان يزني بالنساء ويتلوط الصبيان ، وكان يقول : يأتيني كلب أسود بين عينيه نكتتان بيضاوان ، فيقول لي : فلان ابن فلان نذر لك نذراً ، وغداً نأتيك به ، فيصبح ذلك الشخص يأتيه بذلك النذر ، ويكاشفه هذا الشيخ الكافر " .

ويذكر عن هذا الشيخ أنه قال : " وكنت إذا طلب مني تغيير مثل ( اللادن ) (صمغ يستعمل عطراً ودواء) أقول : حتى أغيب عن عقلي ، وإذا باللادن في يدي أو في فمي ، وأنا لا أدري من وضعه .

قال : وكنت أمشي وبين يدي عمود أسود عليه نور .
قال : فلما تاب هذا الشيخ ، وصار يصلي ويصوم ، ويجتنب المحارم ، ذهب الكلب ، وذهب التغيير ، فلا يأتي باللادن ولا غيره .
ويحكى عن شيخ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون بعض الناس ، فيأتي أهل ذلك المصروع إلى الشيخ يطلبون إبراءَه ، فيرسل إلى أتباعه ، فيفارقون ذلك المصروع ، ويعطون الشيخ دراهم كثيرة ، وكان أحياناً تأتيه الجن بدراهم وطعام تسرقه من الناس ، حتى إن بعض الناس كان له تين في كوارة ، فيطلب الشيخ من شياطينه تيناً فيحضرونه له ، فيطلب أصحاب الكوارة التين ، فيجدونه قد ذهب .

ويذكر عن آخر أنه كان مشتغلاً بالعلم فجاءَته الشياطين وأغوته ، وقالوا له : نحن نسقط عنك الصلاة ، ونحضر لك ما تريد ، فكانوا يأتونه بالحلوى ، حتى حضر عند بعض الشيوخ العارفين بالسنة فاستتابه ، وأعطى أهل الحلاوة ثمن حلاوتهم التي أكلها ذلك المفتون بالشيطان " (1) .

وبين شيخ الإسلام بعض طرق الشيطان في الإغواء ، فقال (2) : " أنا أعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من المنافع ، وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها ، وأعرف من يخاطبهم الشجر والحجر ، وتقول : هنيئاً لك يا ولي الله ، فيقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك ، وأعرف من يقصد صيد الطير ، فتخاطبه العصافير وغيرها ، وتقول : خذني حتى يأكلني الفقراء ، ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الإنسان ويخاطبه بذلك .

ومنهم من يكون في البيت وهو مغلق ، فيرى نفسه خارجه ، وهو لم يفتح ، وبالعكس ، وكذلك في أبواب المدينة ، وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة يتصورون بصورة صاحبه ، فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة ذهب ذلك كله " .

ويقول رحمه الله : " وأعرف من يخاطبه مخاطب ويقول له : أنا من أمر الله ، ويعده بأنه المهدي الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويظهر له الخوارق ، مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في الهواء ، فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير أو الجراد يميناً أو شمالاً ذهب حيث أراد ، وإذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي ، أو نومه ، أو ذهابه ، حصل له ما أراد من غير حركة منه في الظاهر ، وتحمله إلى مكة وتأتي به ، وتأتيه بأشخاص في صورة جميلة ، وتقول له : هؤلاء الملائكة الكروبيون جاؤوا لزيارتك ، فيقول في نفسه : كيف تصوروا بصورة المردان ؟ ! فيرفع رأسه فيجدهم بلحى ، ويقولون له : علامة أنك المهدي أنك تنبت في جسدك شامة ، فتنبت ويراها ، وغير ذلك ، وكله من مكر الشيطان " (3) .

وبين رحمه الله " أن أهل الضلال والبدع الذين فيهم زهد وعبادة على غير الوجه الشرعي ، ولهم أحياناً مكاشفات وتأثيرات ، يأوون كثيراً إلى مواضع الشياطين التي نُهي عن الصلاة فيها ؛ لأن الشياطين تتنزل عليهم بها ، وتخاطبهم الشياطين ببعض الأمور كما تخاطب الكهان ، وكما كانت تدخل في الأصنام ، وتكلم عابدي الأصنام ، وتعينهم في بعض المطالب كما تعين السحرة ، وكما تعين عباد الأصنام وعباد الشمس والقمر والكواكب ، إذا عبدوها بالعبادات التي يظنون أنها تناسبها ، من تسبيح لها ولباس وبخور وغير ذلك ؛ فإنه قد تنزل عليهم شياطين يسمونها روحانية الكواكب ، وقد تقضي بعض حوائجهم " (4) .

الذين تخدمهم الشياطين يتقربون إليها بالمعاصي :
هؤلاء الذين يزعمون الولاية – والحقيقة أن الشياطين تخدمهم – لا بدّ أن يتقربوا إلى الشياطين بما تحبه من الكفر والشرك ؛ كي يقضوا بعض أغراضه ، ويذكر ابن تيمية (5) : أن كثيراً من هؤلاء يكتبون كلام الله بالنجاسة ، وقد يقلبون حروف كلام الله عزّ وجلّ ، إمّا حروف الفاتحة ، وإما حروف ( قل هو الله أحد ) ، وإما غيرهما – ويذكر أنهم قد يكتبون كلام الله بالدم أو بغيره من النجاسات ، وقد يكتبون غير ذلك مما يرضاه الشيطان ، أو يتكلمون بذلك .

فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين ، أعانتهم على بعض أغراضهم : إما تغوير ماء من المياه ، وإما أن يحمل في الهواء إلى بعض الأمكنة ، وإما أن يأتيه بمال من أموال بعض الناس ، كما تسرقه الشياطين من أموال الخائنين ، ومن لم يذكر اسم الله عليه ، وتأتي به ، وإما غير ذلك .

رجال الغيب :

يذكر شارح الطحاوية : " أن من الشياطين ما يسميه الناس رجال الغيب ، وأن بعض الناس يخاطبونهم ،وتحصل لهؤلاء خوارق يزعمون بها أنهم أولياء الله ، وأن بعض هؤلاء يعين المشركين على المسلمين ، ويقول : إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين ، لكون المسلمين عَصَوْا " .
ويعقب شارح الطحاوية على ذلك قائلاً : " هؤلاء في الحقيقة إخوان المشركين ، وذكر أنّ الناس من أهل العلم في رجال الغيب ثلاثة أحزاب :
1- حزب يكذبون بوجود رجال الغيب ، ولكن قد عاينهم الناس ، وثبت عمن عاينهم ، أو حدثه الثقات بما رأوه ، وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم ، خضعوا لهم .

2- وحزب عرفوهم ، ورجعوا إلى القدر ، واعتقدوا أن ثَمّ في الباطن طريقاً إلى الله غير طريقة الأنبياء .
3- وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا ولياً خارجاً عن دائرة الرسول ، فقالوا : يكون الرسول هو محمداً للطائفتين . فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه " .

ثم قال مبيناً حقيقة هؤلاء وأتباعهم : " والحق أن هؤلاء من أتباع الشياطين ، وأن رجال الغيب هم الجن ، ويسمون رجالاً ، كما قال تعالى : ( وأنَّه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجن فزادوهم رهقاً ) [ الجن : 6 ] ، وإلا فالإنس يؤنسون ، أي يشهدون ويرون ، وإنما يحتجب الإنس أحياناً ، لا يكون دائم الاحتجاب عن أبصار الإنس ، ومن ظنهم من الإنس فمن غلطه وجهله " .

ثم بين أن السبب في الاختلاف فيهم وفي افتراق هذه الأحزاب الثلاثة عدم الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن ، وبيّن أنه يجب عرض أفعال الناس وأقوالهم وحالهم على الكتاب والسنة ، فما وافقهما كان صالحاً ،وما خالفهما كان غالطاً ، ومهما فعل الإنسان وتبدى من حاله لا يكون مؤمناً ولا ولياً لله – وإن طار في الهواء ، ومشى على الماء ما لم يكن ملتزماً بالكتاب والسنة (6) .

فلا بد أن يكون عند العبد الميزان الذي يفرق به بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، والصالحين والطالحين ، وإلا ضّل وزاغ ، وظن أعداء الله أولياءَه ، هذا الميزان هو الكتاب والسنة ، فإذا كان العبد ملتزماً بهما فنعم ، وإلا فإنّه ليس على شيء ، ولو رأيناه يحي الأموات ، ويحول المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة .

يقول ابن تيمية : " ومن لم يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية اشتبه عليه الحق بالباطل ، ومن لم ينوّر الله قلبه بحقائق الإيمان واتباع القرآن ، لم يعرف طريق المحق من المبطل ، والتبس عليه الأمر والحال ، كما التبس على الناس حال مسيلمة صاحب اليمامة وغيره من الكذابين في زعمهم أنهم أنبياء وإنما هم كذابون " (7) .

وقد ألف ابن تيمية كتاباً عظيماً ، إذا عرفته ، تبين لك الفارق الكبير بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان بحيث لا يشتبه عليك بعد ذلك أمر أولياء الشيطان ، وقد أسماه " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " .

لا تسخر الجن لأحد بعد نبي الله سليمان :
استجاب الله لنبيه سليمان ، ووهب له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، فإذا حصل طاعة من الجن لأحد من الإنس ، فلا يكون على سبيل التسخير ، وإنما برضى الجني ، وهل يجوز ذلك ؟
يقول ابن تيمية (8) : " الجن مع الإنس على أحوال : فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسله من عبادة الله وحده وطاعة نبيه ، ويأمر الإنس بذلك ، فهذا من أفضل أولياء الله تعالى ، وهو في ذلك من خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ونوابه .
ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له ، فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له ، وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم ، وينهاهم عما حرّم عليهم ، ويستعملهم في مباحات له ، فيكون بمنزلة الملوك ، الذين يفعلون مثل ذلك ، وهذا إذا قدّر أنه من أولياء الله ، فغايته أن يكون في عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول ، كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

ومن كان يستعمل الجنّ فيما ينهى الله عنه ورسوله إما في الشرك ، وإما في قتل معصوم الدم ، أو في العدوان عليهم بغير القتل ، كتمريضه وإنسائه العلم ، وغير ذلك من الظلم ، وإما في فاحشة ، كجلب من يطلب منه الفاحشة ، فهذا قد استعان بهم على الإثم والعدوان ، ثمّ إن استعان بهم على الكفر فهو كافر ، وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص : إما فاسق ، وإما مذنب غير فاسق .
وإن لم يكن تام العلم بالشريعة ، فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات ، مثل أن يستعين بهم على الحج ، أو يطيروا به عند السماع البدعي ، أو أن يحملوه إلى عرفات ، ولا يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله ، وأن يحملوه من مدينة إلى مدينة ، ونحو ذلك ، فهذا مغرور قد مكروا به " .
--------------------------------
(1) جامع الرسائل لابن تيمية : ص190-194 .
(2) مجموع الفتاوى : 11/300 .
(3) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام : 11/300 .
(4) مجموع الفتاوى : 19/41 .
(5) مجموع الفتاوى : 19/35 .
(6) شرح العقيدة الطحاوية : 571-572 .
(7) جامع الرسائل : ص197 .
(8) مجموع الفتاوى : 11/307 .


EmoticonEmoticon