Wednesday, August 14, 2013

قواعد علم التصوف 51 إلي 90

Tags

قواعد علم التصوف 51 إلي 90



محتويات

قاعدة 51 وقوع الموهم والمبهم، والمشكل في النصوص الشرعية

وقوع الموهم والمبهم، والمشكل في النصوص الشرعية ميزان العقول والأذهان والعقود: {ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون}، الأنفال. وتظهر مراتب الإيمان لأهلها: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب}، آل عمران.
ولا يقبل وضعه من غير الشارع البتة، إلا أن يكون بين المعنى واضح المبنى، في عرف التخاطب له لشبهة في أصول النصوص كمسألة الاستواء الذي هو في رسالة ابن أبي زيد فاختلف فيه الأصوليون، ثم هو بعد وقوعه بهذا الوجه هم مختلفون في قبوله وتأويله، أو حمل مذهب صاحبه على ظاهره.

وهذا كله إن كان إماما معتبرا في فنه صوفيا كان أو فقيها لا غيره فيرد عليه مطلقا، كما لا أصل له ولا شبهة، فيرد على الجميع بلا خلاف، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 52 الكلام في المحتمل بما يقتضيه من الوجوه السائغة فيه

الكلام في المحتمل بما يقتضيه من الوجوه السائغة فيه لا يقر على أصل التفويض بالنقض، إذا لم يعتقد أنه عين المراد به، فأما مع إيهام احتماله فلا يضر، لأنه الأصل الذي يبنى عليه، بعد نفي المحال فليس بناقض له، وإن كان مناقضا فمن ثم تكلم القوم في التأويل بعد عقد التفويض، وإلا فلا يصح بعد اجتماعهم عليه. نعم التحقيق أن لا تفويض في الأصل، وإنما هو في تعيين المحمل للزوم طرح المحال والله أعلم.

قاعدة 53 أحكام الصفات الربانية لا تتبدل، وآثارها لا تنتقل

أحكام الصفات الربانية لا تتبدل، وآثارها لا تنتقل، فمن ثم قال الحاتمي رحمه الله: (يعتقد في أهل البيت أن الله تعالى تجاوز عن جميع سيئاتهم، لا بعمل عملوه، ولا بصالح قدموه، بل بسابق عناية من الله لهم. إذ قال تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}، الأحزاب. فعلق الحكم بالإرادة التي لا تتبدل أحكامها، فلا يحل لمسلم أن ينتقص، ولا أن يشنأ عرض من شهد الله تعالى بتطهيره وذهاب الرجز عنه.

والعقوق لا يخرج عن النسب، ما لم يذهب أصل النسبة وهو الإيمان، وما تعين عليهم من الحقوق فأيدينا فيهم نائبة عن الشريعة وما نحن في ذلك إلا كالعبد، يؤدب ابن سيده بإذنه، فيقوم بأمر السيد، ولا يهمل فضل الولد. وقد قال تعالى: {ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور}، الشورى. قال ابن عباس: أي إلا أن تودوا قرابتي.
وما نزل بنا من قبلهم من الظلم ننزله منزلة القضاء الذي لا سبب له، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها).

وللجزء من الحرمة ما للكل، وقد قال تعالى: {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا}، الكهف. فأثنى بصلاح الأب، فما ظنك بنبوته.
إذا كان هذا في أولاد الصالحين، فما ظنك بأولاد الأولياء، وإذا كان هذا في أولاد الأولياء، فما ظنك بأولاد الأنبياء، وإذا كان هذا في أولاد الأنبياء، فما ظنك بأولاد المرسلين، بل قل لي: بماذا تعبر عن أولاد سيد المرسلين، فبان أن لهم من الفضل ما لا يقدر قدره غير من خصصهم به فافهم.

ولما ذكرت أول هذه الجملة لشيخنا أبي عبد الله القوري رحمه الله، قال: (هذا في حقنا، وأما في حقهم، فليس الذنب في القرب كالذنب في البعد، وتلا: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا} الأحزاب. فمظهر التغليط، بتعجيل النوائب المكفرة في هذه الدار، كما ذكره ابن أبي جمرة في شأن أهل بدر، عند كلامه على مسطح في حديث الإفك. ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (يا عباس، عم النبي صلى الله عليه وسلم، لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة ابنة محمد، لا أغني عنك من الله شيئا، اشتروا أنفسكم من الله).
قلت: وهذا كنهي البار عن العقوق، والبريء عن التهم، ليكون أثبت في الحجة على الغير، والله أعلم.

قاعدة 54 إثبات الحكم بالذات، ليس كإثباته بعوارض الصفات

إثبات الحكم بالذات، ليس كإثباته بعوارض الصفات. فقوله صلى الله عليه وسلم: (سلمان منا أهل البيت)، لاتصافه بجوامع النسب الدينية حتى لو كان الإيمان بالثريا لأدركه.
وقد قيل في قوله صلى الله عليه وسلم: (الأقربون أولى بالمعروف) إنه يعني إلى الله، إذ لا يتوارث أهل ملتين. فالمعتبر أصل النسب الديني وفروعه مجردا، ثم إن اتصاف للطيني كان له مؤكدا، فلا تلحق رتبة صاحبه بحال.
وقد أجيب عن قول الشيخ أبي محمد عبد القادر رحمه الله تعالى: (قدمي هذا على رقبة كل ولي) في زمانه. لأنه جمع من علو النسب، شرف العبادة والعلم، ما لم يكن لغيره من أهل وقته. إلا ترى ما روي من احتلامه في ليلة واحدة سبعين مرة، واغتساله لكلها، وفتياه لملك حلف: ليعبدن الله بعبادة لا يشركه فيها غيره، بإخلاء المطاف بعد وقوف الكل دونه في ذلك، والله أعلم.

قاعدة 55 إنما وضعت التراجم لتعريف المناصب، فمن عرفت رتبته كانت الترجمة له تكلفا

إنما وضعت التراجم لتعريف المناصب، فمن عرفت رتبته كانت الترجمة له تكلفا، غير مفيدة في ذاته. ومن جهلت رتبته لزم عند ذكره الإتيان بما يشعر برتبته، ومن هذه القاعدة جاز أن يقال: (روى أبو بكر، وقال عمر، وعمل عثمان، وسمع علي، وكان ابن المسيب، وأخبر ابن سيرين، وقال الحسن، وذهب مالك، وحكي عن الجنيد) إلى غير ذلك، والله أعلم.

قاعدة 56 نظر الصوفي للمعاملات، أخص من نظر الفقيه

نظر الصوفي للمعاملات، أخص من نظر الفقيه، إذ الفقيه يعتبر ما يسقط به الحرج، والصوفي ينظر فيما يحصل به الكمال. وأخص أيضا من نظر الأصولي، لأن الأصولي يعتبر ما يصح به المعتقد، والصوفي ينظر فيما يتقوى به اليقين. وأخص أيضا من نظر المفسر وصاحب فقه الحديث، لأن كلا منهما يعتبر الحكم والمعنى ليس إلا، وهو يزيد بطلب الإشارة بعد إثبات ما أثبتناه، وإلا فهو باطني خارج الشريعة، فضلا عن المتصوفة، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 57 تنوع الفرع بتنوع أصله، وأصل التصوف هو مقام الإحسان

تنوع الفرع بتنوع أصله، وقد تقدم أن أصل التصوف في مقام الإحسان، وهو متنوع إلى نوعين:
أحدهما: بدل من الآخر، هما أن تعبد الله كأنك تراه، وإلا فإنه يراك. فالأول رتبة العارف، والثاني: رتبة من دونه. وعلى الأول يحوم الشاذلية ومن نحا نحوهم، وعن الثاني يحوم الغزالي ومن نحا نحوه.
والأول أقرب، لأن غرس شجرتها مشير لقصد ثمرتها ومبناها على الأصول التي قد تحصل لكل مؤمن وجودها. فالطباع مساعدة عليها، والشريعة قائمة فيها، إذ مطلوبها تقوية اليقين وتحقيقه بأعمال المتقين، فافهم.

قاعدة 58 في اختلاف المسالك راحة للسالك

في اختلاف المسالك راحة للسالك، وإعانة على ما أراد من بلوغ الأرب والتوصل بالمراد. فلذلك اختلف طرق القوم ووجوه سلوكهم، فمن ناسك يؤثر الفضائل بكل حال، ومن عابد يتمسك بصحيح الأعمال، ومن زاهد يفر من الخلائق، ومن عارف يتعلق بالحقائق، ومن ورع يحقق المقام بالاحتياط ، ومن متمسك يتعلق بالقوم في كل مناط، ومن مريد يقوم بمعاملة البساط، والكل في دائرة الحق بإقامة حق الشريعة والفرار من كل ذميمة وشنيعة.

قاعدة 59 اتباع الأحسن أبدا، محبوب طبعا، مطلوب شرعا

اتباع الأحسن أبدا، محبوب طبعا، مطلوب شرعا {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب}.
إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها. (إن الله جميل يحب الجمال). ولذا بني التصوف على اتباع الأحسن، حتى قال ابن العريف رحمه الله تعالى: (السر الأعظم في طريق الإرادة. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).
والاستحسان يختلف باختلاف نظر المستحسن، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 60 تعدد وجوه الحسن، يقضي بتعدد الاستحسان

تعدد وجوه الحسن، يقضي بتعدد الاستحسان [وحصول الحسن لكل مستحسن]، فمن ثم كان لكل فريق طريق: فللعامي تصوف حوته كتب المحاسبي، ومن نحا نحوه، وللفقيه تصوف رحاه ابن الحاج في مدخله، وللمحدث تصوف حام حوله ابن العربي في سراجه، وللعابد تصوف دار عليه الغزالي في منهاجه، وللمتريض تصوف نبه عليه القشيري في رسالته، وللناسك تصوف حواه القوت والإحياء، وللحكيم تصوف أدخله الحاتمي في كتبه، وللمنطقي تصوف نحا إليه ابن سبعين في تآليفه، وللطبائعي تصوف جاء به البوني في أسراره. وللأصولي تصوف قام الشاذلي بتحقيقه، فليعتبر كل بأصله من محله، وبالله التوفيق.

قاعدة 61 لا حظ للعامي فيما سوى الحذر والإشفاق، والأخذ بأيسر المسالك وأبينها

لا حظ للعامي فيما سوى الحذر والإشفاق، والأخذ بأيسر المسالك وأبينها لديه، وذلك بالتزام التقوى في البداية قبل وقوع الذنب والاستدراك بالتوبة لما وقع منه بعد تدقيق النظر في ذلك دون ما سواه. وقد اعتنى بذلك المحاسبي وحرره أتم تحرير، إلا أنه شدد غاية التشديد، وذلك في البداية وتعين المقصد به عند النهاية، سيما رعايته ونصائحه. فقد قال أوحد زمانه علما وعبادة وأفضلهم ورعا وزهادة، سيدي أحمد بن عاشر رضي الله عنه: (لا يعمل بما فيه [إلا ولي]، أو كلاما هذا معناه، كذا نقله سيدي أبو عبد الله بن عباد [في تنبيهه] رضي الله عن جميعهم بمنه.

قاعدة 62 إنما يؤخذ علم كل شيء من أربابه

إنما يؤخذ علم كل شيء من أربابه، فلا يعتمد صوفي في الفقه، إلا أن يعرف قيامه عليه، ولا فقيه في التصوف، إلا أن يعرف تحقيقه له، ولا محدث فيهما، إلا أن يعلم قيامه بهما. فلزم طلب الفقه من قبل الفقهاء لمريد التصوف. وإنما يرجع لأهل الطريقة، فيما يختص بصلاح باطنه من ذلك، ومن غيره. ولذلك كان الشيخ أبو محمد المرجاني رضي الله عنه، يأمر أصحابه بالرجوع للفقهاء في مسائل الفقه، وإن كان عارفا بها، فافهم.

قاعدة 63 يعتبر اللفظ بمعناه، ويؤخذ المعنى من اللفظ

يعتبر اللفظ بمعناه، ويؤخذ المعنى من اللفظ. فكل طالب اعتنى باللفظ أكثر من المعنى، فاته تحصيل المعاني، وكل طالب أهمل اللفظ كان المعنى بعيدا عنه. ومن اقتصر على فهم ما يؤديه اللفظ من غير تعمق ولا تتبع كان أقرب لإفادته واستفادته، فإن أضاف لفهم المعنى أجزاء النظر في حقيقته بأصوله اهتدى للتحقيق إذ العلوم إن لم تكن منك ومنها، كنت بعيدا عنها. فمنك بلا منها فساد وضلال، ومنها بلا منك مجازفة وتقليد، ومنها ومنك توقف وتحقيق، ولذا قيل: (قف حيث وقفوا ثم سر)، والله أعلم.

قاعدة 64 غاية اتباع التقوى التمسك بالورع، وهو ترك ما يحيك في الصدر

غاية اتباع التقوى التمسك بالورع، وهو ترك ما لا بأس به، مما يحيك في الصدر، حذرا مما به بأس، كما صح: (لا يبلغ الرجل درجة المتقين حتى يدع ما حاك في الصدر). وشك بلا علامة وسوسة، وورع بلا سنة بدعة. ومنه التورع عن اليمين في الحق بالحق من غير إكثار. فلا يصح قول من قال: (من الديانة إلا تحلف بالله صادقا ولا كاذبا). لما استفاض من آثار السلف وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بل [قد] قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن يحلف به، فاحلفوا بالله وبروا واصدقوا).
ونهى الله تعالى عن أن يجعل عرضة للأيمان، فليتق وقوعه غاية، ولا يجتنب بالكلية، والله أعلم.

قاعدة 65 من كمال التقوى وجود الاستقامة، وهي حمل النفس على أخلاق القران والسنة

من كمال التقوى وجود الاستقامة، وهي حمل النفس على أخلاق القرآن والسنة، كقوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}، {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}، وقال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون}، إلى غير ذلك. ولا يتم أمرها إلا بشيخ ناصح، أو أخ صالح يدل العبد على اللائق به لصالح حاله، إذ رب شيخ ضره ما انتفع به غيره، ويدل على ذلك اختلاف أحوال الصحابة في أعمالهم ووصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ومعاملته معهم. فنهى عبد الله بن عمر عن سرد الصوم، وأقر عليه حمزة بن عمر الأسلمي. وقال في ابن عمر: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)، وأوصى أبا هريرة بأن لا ينام إلا على وتر، وأمر أبا بكر برفع صوته في صلاته، وعمر بالإخفاء، وتفقد عليا وفاطمة لصلاتهما من الليل، وعائشة تعترض بين يديه اعتراض الجنازة فلم يوقظها، وأعلم معاذ بن جبل بأن من قال: (لا إله إلا الله وجبت له الجنة)، وأمر بإخفاء ذلك عن كل الناس. وخص حذيفة بالسر، وأسر لبعض الصحابة أذكارا مع ترغيبه في الخير عموما.
وهذه كلها تربية منه صلى الله عليه وسلم في مقام الاستقامة، والله أعلم.

قاعدة 66 أخذ العلم والعمل عن المشايخ والإفادة من همتهم وحالهم

أخذ العلم والعمل عن المشايخ أتم من أخذ دونهم، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، واتبع سبيل من آب إلي.

فلزمت المشيخة، سيما والصحابة أخذوا عنه صلى الله عليه وسلم، وقد أخذ عن جبريل، واتبع إشارته في أن يكون: نبيا عبدا، [لا نبيا ملكا]. وأخذ التابعون عن الصحابة، فكان لكل أتباع يختصون به كابن سيرين، وابن المسيب، والأعرج في أبي هريرة، وطاووس، ووهب، ومجاهد لابن عباس إلى غير ذلك. فأما العلم والعمل، فأخذه جلي فيما ذكروا، وكما ذكروا. وأما الإفادة بالهمة والحال فقد أشار إليها أنس بقوله: (ما نفضنا التراب عن أيدينا من دفنه عليه الصلاة والسلام حتى أن كرنا قلوبنا)، فأبان أن رؤية شخصه الكريم، كان نافعا لهم في قلوبهم، والعلماء ورثة الأنبياء حالا ومالا وإن لم يدانوا المنزلة وهو الأصل في طلب القرب من أهل الله في الجملة. إذ من تحقق بحالة لم يخل حاضروه منها، فلذلك أمر بصحبة الصالحين، ونهى عن صحبة الفاسقين، فافهم.

قاعدة 67 ضبط النفس بالاقتداء بشيخ لازم لمنع التشعب والتشعث

ضبط النفس بأصل، يرجع إليه في العلم والعمل [لأنه] لازم لمنع التشعب والتشعث، فلزم الاقتداء بشيخ، قد تحقق أتباعه للسنة، تمكنه من المعرفة ليرجع إليه فيما يريد أو يراد، مع التقاط الفوائد الراجعة لأصله من خارج، إذ الحكمة ضالة المؤمن، وهو كالنحلة ترعى من كل طيب ثم لا تبيت في غير جبحها، وإلا لم ينتفع بعسلها.
وقد تشاجر فقراء الأندلس من المتأخرين، في الاكتفاء بالكتب عن المشايخ ثم كتبوا للبلاد، فكل أجاب على حسب فتحه. وجملة الأجوبة دائرة على ثلاث:
أولها:
النظر للمشايخ، فشيخ التعليم تكفي عنه الكتب للبيت حاذق الذي يعرف موارد العلم.
وشيخ التربية تكفي عنه الصحبة لذي دين عاقل ناصح.
وشيخ الترقية يكفي عنه اللقاء والتبرك. كل ذلك من وجه واحد أتم.
الثاني:
النظر لحال الطالب، فالبليد لا بد له من شيخ يربيه، واللبيب تكفي الكتب في ترقيه، لكنه لا يسلم من رعونة نفسه، وإن وصل لابتلاء العبد برؤية نفسه.
الثالث:

النظر للمجاهدات. فالتقوى لا تحتاج إلى شيخ لبيانها وعمومها. والاستقامة تحتاج إلى شيخ في تمييز الأصلح منها، وقد يكتفي دونه اللبيب بالكتب ومجاهدة الكشف، والترقية لا بد فيها من شيخ يرجع إليه في فتوحها، كرجوعه عليه السلام للعرض على ورقة [بن نوفل] لعلمه بأخبار النبوة ومبادئ ظهورها، حين فاجأه الحق. وهذه الطريقة قريبة من الأولى والسنة معهما، والله أعلم.

قاعدة 68 الأخذ بما قبلته القواعد وإن لم يصح متنه مادام له أصل من الدين

الفقيه يعتبر الحكم بأصله ومعناه، وقاعدة بابه، إلا لنص في عينه، بنفي أو ثبوت. فهو يأخذ بما قبلته القواعد وإن لم يصح متنه، ما لم يكن له معارض، فمن ثم قبل ابن حبيب وغيره من الأئمة ما له أصل من الدين في الجملة، ولا معارض له ولا ناقض، كسائر الفضائل من المندوبة والرغائب التي ليس فيها زيادة كيفية، ولا معارضة أصل، ولا إشعار بالابتداع كصوم الأيام السبعة، والقراءة عند رأس الميت، سورة (يس) وتفاضل الجماعات بالكثرة ونحو ذلك مما رغب في أصله في الجملة وضعف الترغيب في عينه ونحوه لابن عربي في الأذكار، والله أعلم.

قاعدة 69 المحدث يعتبر الحكم بنصه ومفهومه إن صح نقله

المحدث يعتبر الحكم بنصه ومفهومه إن صح نقله. فهو يقف عند ما انتهى إليه صحيحا أو حسنا، أو ضعيفا إن تساهل لا موضوعا، وإن اقتضته القواعد. بل قال الشيخ البلالي رحمه الله: (تحرم رواية الموضوع مع العلم به إلا مبينا، والعمل به مطلقا). ومنه صلاة الرغائب، والأسبوع، وما يروى عن أبي بن كعب في فضائل السور، سورة سورة. وأخطاء من ذكره من المفسرين، وبالمنع في صلاة الرغائب أفتى النووي، وابن عبد السلام وغيرهما من الشافعية، والطرطوشي من أهل مذهب مالك، وصرح به ابن العربي، وهو مقتضى المذهب على ما قاله ابن الحاج وغيره، والله أعلم.

قاعدة 70 الرياضة تمرين النفس لإثبات حسن الأخلاق ودفع سيئها

الرياضة تمرين النفس لإثبات حسن الأخلاق، ودفع سيئها وبهذا الوجه اختصاص عمل التصوف. وأخذه من كتب السلمي أقرب لتحريره وتحقيقه وتحصيله لدومة تقدير تأصيله، والإيماء لتفصيله. بخلاف رسالة القشيري، فإن ذلك منها متعذر، لأن مدارها على الحكايات، وما خف من الأحكام من غير تأصيل. وكل منهما متعذر السلوك، تحقيقا لثلاثة أوجه:
أحدها: عدم الانضباط لها، لتلفت النفس وعدم انضباطها لفقد تحقيق الأصل.
الثاني: أنه يحتاج في سلوك المميز، من أخ بصير صالح، أو شيخ محقق ناصح، يبصر بالعيوب، وينبه على موارد الغلط واللبس.
الثالث: إن وقعت السلامة فيها، فالسلامة من الدعوة معها متعذر لنظر صاحبها لنفسه فيما دفع أو جلب، وهو أمر لا يمكن دفعه إلا بشيخ، فلذلك اشترط أهلها وجوده فيها، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 71 الفرق بين الناسك والعابد والورع والزاهد والعارف والمريد

النسك: الأخذ بكل ممكن من الفضائل، من غير مراعاة لغير ذلك. فإن رام التحقيق في ذلك فهو العابد. وإن مال إلى الأخذ بالأحوط فهو الورع. وإن آثر جانب الترك طلبا للسلامة فهو الزاهد. وإن أرسل نفسه مع مراد الحق فهو العارف، وإن أخذ بالتخلق والتعلق فهو المريد.
وكل هذه قد توجه الكلام عليها في القوت، والأحياء. فباعتبار الأول اعتمد نقل الفضائل جملة وتفصيلا بأي وجه أمكن، وكيف أمكن ما لم تعارض سنة، أو تنقض قاعدة ، أو تقم بدعة، أو تدفع أصلا، أو ترفع حكما، حتى قالا بكثير من الموضوعات والأحاديث الباطل إسنادها، كصلاة الرغائب والأسبوع وأدعية وأذكار لا أصل لها، كأذكار الأعضاء في الوضوء ونحوه. وباعتبار الكل رغبوا ورهبوا بنحو ذلك، ولهم فيه أدلة معلومة، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 72 الحكيم ينظر في الوجود من حيث حقائقه والمنطقي يشير لأصله

الحكيم ينظر في الوجود من حيث حقائقه، ويتطلب حقائقه من حيث انتهى إليه فهو قائم بالتتبع. وذلك مخل بالاتباع إلا في حق ذي فطرة سليمة، وأحوال مستقيمة، وفكرة قويمة، فيتعذر السلوك عليه لعوام الخلق.
المنطقي يشير لأصله، إذ يروم تحقيق المعقولات، فيحجب بالمقولات تفريطا أو إفراطا، فليجتنب كلا منهما لبعد أصله في العموم، ولا ينظر كلامه إلا لتحقيق ما عند غيره بإرجاع ما يؤخذ منه لغيره، لا الغير إليه، وإلا فلا سلامة، نسأل العافية.

قاعدة 73 لا بد من شيخ كامل في إدخال الخواص التي تقتضي تقوية النفوس

اعتبار الطبيعي ما في النفوس أصلا، وإدخال ما يقتضي تقويتها من الخواص فرعا يحتاج لغوص عظيم وبصيرة نافذة وعلم جم، إذ منها ما يخص ويعم، ومنها ما هو أخص من الأخص، فلا بد من شيخ كامل في هذه. ومن ثم قيل: باين البوني وأشكاله، ووافق خير النساج وأمثاله، وما ذاك إلا لما فيها من الخطر، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 74 الأخذ بما يلائم الطبائع في السلوك

مدار الأصولي على تحلية الإيمان بالإيقان وتحقيق اليقين، حتى يكون في معد العيان، بأن ينشأ عن تحققه، تمكن الحقيقة من نفسه، حتى يقدم ويحجم لما قام به من الحقيقة من غير توقف ولا تكلف، ويكون سلوكه فيما يحقق لما تحقق وبذلك ينشرح صدره أولا وآخرا فيصل في أقرب مدة، إذ من سار إلى الله من حيث طبعه، كان الوصول أقرب إليه من طبعه، ومن سار إلى الله بالبعد من طبعه كان وصوله على قدر بعده عن طبعه.
ومن هذا الوجه قال في التاج: (لا تأخذ من الأذكار إلا ما تعينك القوى النفسانية عليه بحبه). وقال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: (الشيخ من دلك على راحتك لا على تعبك).

وقال الشيخ أبو محمد عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه لما سأله الشيخ أبو الحسن عن قوله صلى الله عليه وسلم: (يسروا ولا تعسروا ) يعني: (دلوهم على الله، ولا تدلوهم على غيره، فإن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك). انتهى.

قاعدة 75 الشاذلية أقرب الطرق للجادة وأبعدها من الدعوى وأيسرها للسلوك

أقرب الطرق للجادة وأبعدها من الدعوى، وأيسرها للسلوك، وأمسكها بالسنة طريق الشاذلية، إذ لا ترتيب فيها ولا تركيب، وإنما هي التحقيق باتباع السنة وشهود المنة، والتحقق في صحبة المشايخ بصدق الهمة، فعليكم بها فإنها طريق الحق بلا غلط، ومسلك التحقيق بلا مغالطة، وتعين عليها الطباع لوجود أصلها عندها وهي العبودية التي لا تعب فيها، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 76 تشعب الأصل قاض بالتشعب في الفرع

تشعب الأصل قاض بالتشعب في الفرع، وكل طريق القوم لم يرجعوا بها لأصل واحد، بل لأصول غير شاذلية فإنهم بنوها على أصل واحد، هو إسقاط التدبير مع الحق فيما دبره من القهريات والأمريات ففروعهم راجعة لاتباع الكتاب والسنة، وشهود المنة، والتسليم للحكم بملاحظة الحكمة. وهذه نكتة مذاهب القوم وحولها يحومون، لكنهم لم يصرحوا بوجهها كهذه الطائفة. ومن ثم قال ابن عطاء رضي الله عنه في التنوير: ما في كتب الصوفية المطولة والمختصرة مع زيادة البيان واختصار الألفاظ. قال: "والمسلك الذي يسلك فيه، مسلك توحيدي لا يسع أحدا إنكاره، ولا الطعن فيه، ولا يدع للمتصف له صفة حميدة إلا أكسبه إياها، ولا صفة ذميمة إلا أزالها عنه وطهره منها". انتهى. وإنه لكما قال رحمه الله.

قاعدة 77 النظر في كتب التصوف وما يتشعب فيها مفيد لمن له أصل يرجع إليه

اتساع الكلام وتشعبه في الأصل والفرع، مفيد لمن له أصل يرجع إليه به وإن كان مشوشا لغيره، فنظر المتسعات كالقوت (كتاب قوت القلوب لأبي طالب مكي)، والإحياء (كتاب إحياء علوم الدين) ونحوهما، نافع لمن له طريق يقتفيها بعلم أو عمل أو حال، فيما هو به سيما وهما مليان بتعريف النفوس ومشاكل إشكالها، وما هي عليه من تدقيق النظر في نوازل المعاملات والإشارة لوجوه المواصلات، وتحقيق ما وقع، وبيان النافع والأنفع، فهما وإن لم يكن فيهما للمريد ولا للعالم طريق التحقق والتحقيق.
والأول في القوت أكثر منه في الإحياء، والثاني في الإحياء أكثر منه في القوت. فلذلك قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: كتاب قوت القلوب، يورثك النور، وكتاب إحياء علوم الدين يورثك العلم. انتهى
وما جرا مجراهما فهو على حكمهما، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 78 مدار كل من علم الوعظ والتذكير وعلم المعاملات والعبودية وعلم المكاشفة

العلم إما أن يفيد بحثا على الطلب وحثا عليه، وإما أن يفيد كيفية العمل ووجهه، وإما أن يفيد أمرا وراء ذلك خبريا يهدي إليه.
فالأول: من علوم القوم، علوم الوعظ والتذكير.
والثاني: علم المعاملات والعبودية.
والثالث: علم المكاشفة.
فالأول: دائر على قوله تعالى {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}. هذه لقوم، وهذه لقوم، كل على حسب قبوله.

والثاني: دائر على قوله تعالى {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب}.
والثالث: راجع لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم}. ومن عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم.

وإن كان: "إنما العلم بالتعلم" ففي الأصل لا في الفرع. ومن ثم قال أبو سليمان:"إذا اعتادت النفوس ترك الآثام جالت في الملكوت، ورجعت إلى صاحبها بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علما، والله سبحانه أعلم. انتهى.

قاعدة 79 قوم تعلقوا بالظاهر وقوم تأولوا ما يؤول وقوم أخذوا الإشارة من الظاهر والباطن

أصل كل أصل من علوم الدنيا والآخرة، مأخوذ من الكتاب والسنة، مدحا للممدوح، وذما للمذموم، ووصفا للمأمور به. ثم للناس في أخذها ثلاث مسالك.
أولها: قوم تعلقوا بالظاهر، مع قطع النظر عن المعنى جملة. وهؤلاء أهل الجحود من الظاهرية، لا عبرة بهم.
الثاني: قوم نظروا لنفس المعنى جمعا بين الحقائق، فتأولوا ما يؤول، وعدلوا ما يعدل، وهؤلاء أهل التحقق من أصحاب المعاني والفقهاء.
الثالث: قوم أثبتوا المعاني، وحققوا المباني، وأخذوا الإشارة من ظاهر اللفظ وباطن المعنى، وهم الصوفية المحققون، والأئمة المدققون، لا الباطنية الذين حملوا الكل عن الإشارة. فهم لم يثبتوا معنى ولا عبارة، فخرجوا عن الملة، ورفضوا الدين كله، نسأل الله العافية بمنه في الدنيا والآخرة.

قاعدة 80 الفرق بين الضروري والحاجي والتكميلي

الضروري: ما لا يؤمن الهلاك بفقده.
والحاجي: ما أدى فقده لخلل غير مستهلك.
والتكميلي: ما كان وجوده أولى من فقده، وذلك يجري في كل شيء يكتسب، فوجبت مراعاة المراتب بتقديم كل على بعده.
فضروري العلم ما لا يؤمن الهلاك مع جهله، وهذا هو المتعين بالوجوب على صاحبه. وحاجيه ما كان فقد نقصا لصاحبه وهو فرض الكفاية منه. وتكميليه ما كان وجوده زيادة في فضيلته كمنطق وفصاحة، وشعر ونحوها.
وواجب العبادات ضروري ومسنونها حاجي، ومندوبها تكميلي، ولكل رتب في أنفسها، فافهم.

قاعدة 81 لا يجوز لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه

لا يجوز لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه. قال الشافعي إجماعا لقوله صلى الله عليه وسلم: (العلم إمام العمل، والعمل تابعه). فلزم كل أحد تعلم علم حاله، حسب وسعه بوجه إجمالي يبرأه من الجهل بأصل حكمه إذ لا يلزمه تتبع مسائله، بل عند النازلة والحالة ما يتعلق بها. وما وراء ذلك من فروض الكفاية الذي يحمله من قام به، ولا تخلو الأرض من قائم لله بحجة فلا عذر في طلبه، فافهم.

قاعدة 82 العامي يسأل ليعمل فحقه أن يذكر النازلة والطالب يسأل ليعلم فحقه أن يسأل عن مسالة بمسالة أخرى


إتيان الشيء من بابه أمكن من تحصيله، فمن ثم قيل: (العامي يسأل ليعمل، فحقه أن يذكر النازلة).
والطالب يسأل ليعلم، فحقه أن يسأل عن مسألة بمسألة أخرى، وعلى العالم أن يبين بيانا يمنع السائل من التأويل.
قلت: وسؤال الطالب كما في الحديث أن عائشة كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه.
وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حوسب عذب).
فقالت عائشة رضي الله عنها: أوليس يقول الله عز وجل {فسوف يحاسب حسابا يسيرا}.
وإجابة العالم مثل قوله عليه الصلاة والسلام في جوابها: (إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك).
وحقق النووي أنه عليه الصلاة والسلام إنما عاب على الخطيب الذي قال: ومن يعصمها، اختصاره في محل التعليم، لا الجمع بالكناية الذي قد ورد كثيرا والله سبحانه أعلم.

قاعدة 83 لا يقبل في باب الاعتقاد موهم ولا مبهم ولا يسلم لأحد فيه ويستوي في ذلك الصوفي والفقيه

لا يقبل في باب الاعتقاد موهم ولا مبهم، ولا يسلم لأحد فيه ما وقع منه دون كلام فيه، بل يرد في نفسه بما يصح رد ظاهره به، ثم إن حضر قائله تكلم معه في معناه وحكمه في نفسه وذكره. وإن عدم تأول بما يرده لأصل الحق، إن وافق أصلا شرعيا في إطلاقه وثبتت إمامة قائله كما في رسالة ابن أبي زيد رحمه الله، في مسألة الاستواء وغيره. وليس صوفي بأولى من فقيه، ولا فقيه بأولى من صوفي في ذلك ونحوه، بل الصوفي ربما كان أعذر لضيق العبارة عن مقاصده، وقصر ما تكلم فيه على نوعه ورومه التحقيق بإشارته، فإن سوغ التأويل في أحدهما لزم في الآخر. وإن قيل لا يتأول إلا كلام المعصوم، فتأويل الأئمة كلام مثلهم، ناقض له أو هي مردودة عليهم، أو لكل اجتهاده إذ الخلاف في المسألة بوجود كل ذك يعدد ما لا يحتمل الحق بوحه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

قاعدة 84 لا يجوز لأحد أن يتعدى ما انتهي إليه من العلم الصحيح

لا يجوز لأحد أن يتعدى ما انتهي إليه من العلم الصحيح، بالوجه الوضاح لما لا علم له به {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}. فالمنكر بعلم كالأخذ به والمتعصب بالباطل كالمنكر لما هو به جاهل، فقد أنكر موسى عليه السلام على الخضر عليه السلام ولم يكن منكرا في حق واحد منهما، إذ كل على حكمه.
فلذلك قال شيخنا أبو العباس الحضرمي رضي الله عنه، بعد كلام ذكره: والجاحد لمن يوحى إليه شيء من هذا الكلام وما يفهمه، هو معذور مسلم، له حاله من باب الضعف والتقصير والسلامة، وهو مؤمن إيمان الخائفين، ومن يفهم شيئا من ذلك فهو لقوة إيمان معه، واتساع دائرة ومشهده واسع، سواء كان معه نور أو ظلمة بحسب ما في القوالب من الودائع الموضوعة على أي صفة كانت وهذا شيء معروف مفهوم. انتهى.

قاعدة 85 ثبوت المزية لا يقضي برفع الأحكام، ولزوم الأحكام الشرعية لا يرفع خصوص المزية

ثبوت المزية لا يقضي برفع الأحكام، ولزوم الأحكام الشرعية لا يرفع خصوص المزية، فمن ثبت عليه حق، أو لزمه حد، وقع عليه مع حفظ حرمته الإيمانية أصلا، فلا يمتهن عرضه إلا بحقه، على قدر الحق المسوغ له، وإن ثبتت مزية دينية، لم ترفع إلا بموجب رفعها.
فالولي ولي وإن أتى حدا أو أقيم عليه، ما لم يخرج لحد الفسق بإصرار وإدمان ينفي ظاهر الحكم عنه بالولاية. لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله. (لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها). وقد أعاذها الله من ذلك، {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}. فمن ثم أفتى الشبلي بقتل الحلاج، والحريري بضربه وإطالة سجنه. وقال هو في نفسه ما على المسلمين أهم من قتله نصحا للدين من دعاوي الزنادقة، لا إقرارا على نفسه وإعانة على قتله بما علم براءته من حقيقته، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 86 تحقق العلم بالمزية لا يبيح السكوت عند تعين الحق إلا عند العلم بحقيقة ما عليه الفاعل

تحقق العلم بالمزية لا يبيح السكوت عند تعين الحق إلا عند العلم بحقيقة ما عليه الفاعل من غير شك.

ثم إن وقع إنكار فليس بقادح في واحد منهما، إذ كل على علم علمه الله إياه، كما قال الخضر لموسى عليهما السلام في أول أمرهما. وسكوت الثالث، لأن الحكم لغيره مع عدم تعيين الموجب لدخوله من إقامة حد أو غيره، مع احتمال التأويل لما وقع منه أن يكون قد أبيح لعلته التي أبداها في آخر أمره. فلو أتى بأمر لا يباح بوجه فلا تأويل إلا عصيانه أو فسقه، وما لا يباح بوجه هو اللواط، أو الزنا بمعينه، أو إدمان شرب خمر ونحوه لا قتل ، وأخذ مال ونحوه مما له وجه في الإباحة، عند حصول شرطه، وإنما التوقف عند الاحتمال باطنا، ولا توقف في الحكم الظاهر عند تعيينه بوجه صحيح والله أعلم.

قاعدة 87 التوقف في محل الاشتباه مطلوب ومبنى الطريق على ترجيح الظن الحسن وإن ظهر معارض

التوقف في محل الاشتباه مطلوب كعدمه فيما تبين وجهه من خير أو شر، ومبنى الطريق على ترجيح الظن الحسن عند موجبه وإن ظهر معارض. حتى قال ابن فورك رحمه الله: (الغلط في إدخال ألف كافر بشبهة إسلامه، ولا الغلط في إخراج مؤمن واحد بشبهة ظهرت منه). وسئل مالك عن أهل الأهواء: أكفار هم؟ قال: من الكفر هربوا. وأشار عليه السلام للتوقف في الخوارج بقوله: وتتمارى في الفرق. وقال قوم: ما أدى إليه الاجتهاد جزم به، ثم أمر الباطن إلى الله. فمن ثم اختلف في جماعة من الصوفية كابن الفارض، وابن أحلا، والعفيف التلمساني، وابن ذي سكين، وأبي إسحاق التجيبي، والششتري، وابن سبعين، والحاتمي، وغيرهم.
وقد سئل شيخنا أبو عبد الله القوري رحمه الله وأنا اسمع، فقيل له: (ما تقول في ابن العربي الحاتمي؟).
فقال: (أعرف بكل فن، من أهل كل فن).
فقيل له: ما سألناك عن هذا؟
فقال: اختلف فيه من الكفر إلى القطبانية.
قيل له: فما ترجح؟ قال: التسليم.
قلت: لأن التكفير خطر، وتعظيمه ربما عاد على صاحبه بالضرر من جهة اتباع السامع لمبهماته وموهماته، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 88 كمال العبادة بإقامة حدودها الظاهرة والباطنة ومن غير غلو ولا تفريط

كمال العبادة بحفظها والمحافظة عليها، وذلك بإقامة حدودها الظاهرة والباطنة ومن غير غلو ولا تفريط فالمفرط مضيع، والغالي مبتدع، سيما إن اعتقد القربة في زيادته، فمن ثم قيل: الوسوسة بدعة، واصلها جهل بالسنة، أو خيال في العقل يدفعها دوام ذكر (سبحان الملك الخلاق). {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز}. مع كل ورد والتزام التلهي والأخذ بالرخص، من أقوال العلماء النافية لها لا تتبع الرخص فإنها ضلال بإجماع فافهم.

قاعدة 89 أصل كل خير وشر :اللقمة والخلطة

أصل كل خير وشر اللقمة والخلطة، فكل ما شئت، فمثله تفعل واصحب من شئت فأنت على دينه. قيل: وما أكل بالغفلة استعمل فيها، فاستحبوا لذلك أن يسمى على كل لقمة ويحمد على بلعها.
قال ابن الحاج: وهذا حسن، ولكن التسمية سنة وتكون أولا، والحمدلة آخرا من غير زائد، والسنة أحسن.
فذكرت ذلك لبعض أهل الخير، فقبله، وبقي في نفسي شيء منه، فرددت الكلام معه فيه وقلت وهو معارض لسنة الحديث على الطعام فقال: هذا إن كان معه أحد، فقبلت بحثه، ثم بدا لي فرجعت عن قوله توقفا من السنة الحكم على الاعتياد في حق كل أحد على كل حال. والله سبحانه أعلم.

قاعدة 90 تكلف ما ليس في الوسع جائز عقلا، غير وارد شرعا

تكلف ما ليس في الوسع جائز عقلا، غير وارد شرعا. إذ {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}. وقد أمر كل مؤمن بطلب الحلال، فوجوده ممكن للكل في كل عصر وقطر لوجود أصوله عموما، ولأن الأرض لا تخلو من ولي وصالح وهو قوتهم، ولا يكلفنا الله بما في علمه، إنما يكلفنا بما نعلم من حيث نعلم. فمن لا يعمل بيده حراما ولا يغلب على ظنه دخوله في ماله بعلامة صحيحة، فلا وجه لاعتقاد الحرام ولا الشبهة فيه. بل قد قيل: المال كالماء، خلق الله هذا حلالا، كما خلق الله هذا طهورا هذا لا ينجسه إلا ما غير وهذا لا يحرمه إلا ما غير. وتفصيل ذلك في كتاب الحلال والحرام من الإحياء وغيره، ولذا أجمعوا على وجوده كما ذكره السهروردي والله سبحانه أعلم.


EmoticonEmoticon