Wednesday, August 14, 2013

قواعد التصوف رقم 22 إلي 50

Tags

قواعد التصوف 2



محتويات

قاعدة 22 شرط العلم للعمل


لا يصلح العمل بالشيء إلا بعد معرفة حكمه ووجهه، فقول القائل لا أتعلم حتى أعمل كقوله لا أتداوى حتى تذهب علته، فهو لا يتداوى ولا تذهب علته، ولكن العلم ثم العمل ثم النشر ثم الإجادة، وبالله التوفيق.

قاعدة 23 كيفية تحصيل علم التصوف

طلب الشيء من وجهه وقصده من مظانه أقرب لتحصيله، وقد تبث أن دقائق علوم الصوفية منح إلهية، ومواهب اختصاصية، لا تنال بمعتاد الطلب فلزم مراعاة وجه ذلك وهو ثلاثة:
أولها: العمل بما علم قدر الاستطاعة.
الثاني: اللجأ إلى الله في الفتح على قدر الهمة.
الثالث: إطلاق النظر في المعاني حال الرجوع لأصل السنة ليجري الفهم وينتفي الخطأ ويتيسر الفتح.

وقد أشار الجنيد رحمه الله لذلك بقوله (ما أخذنا التصوف عن القيل والقال والمراء والجدال، وإنما أخذناه عن الجوع والسهر وملازمة الأعمال). أو كما قال: وعنه عليه الصلاة والسلام (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم). وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: (إذا اعتادت النفوس ترك الآثام جالت في الملكوت، ورجعت إلى صاحبها بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علما). انتهى.

قاعدة 24 أهل هذا الطريق مبتلون بتسليط الخلق

ما ظهرت حقيقة في الوجود إلا قوبلت بدعوى مثلها، وإدخال ما ليس فيها منها عليها ووجود تكذيبها، كل ذلك ليظهر فضل الاستئثار بها وتتبين حقيقتها بانتفاء معارضها، {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته}
وللوارث نسبة من الموروث، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل. إنما يبتلي الرجل على قدر دينه فمن ثم كان أهل هذا الطريق مبتلين بتسليط الخلق أولا وبإكرامهم وسطا وبهما آخرا. قيل لئلا يفوتهم الشكر على المدح ولا الصبر على الذم فمن أراده فليوطن نفسه على الشدة، {إن الله يدافع على الذين آمنوا}، {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}. فافهم.

قاعدة 25 من علم التصوف ما تتناوله الإشارة ولا تحتمله العبارة

لا علم إلا بتعلم عن الشارع، أو من ناب منابه فيما أتى به، إذ قال عليه السلام (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن طلب الخير يؤته، ومن يتق الشر يوقه). وما تفيده التقوى إنما هو فهم يوافق الأصول ويشرح الصدور ويوسع العقول، ثم هو منقسم لما يدخل تحت دائرة الأحكام، ومنه ما لا يدخل تحت دائرة العبارة، وإن كان مما تتناوله الإشارة. ومنه ما لا تفهمه الضمائر، وإن أشارت إليه الحقائق، مع وضوحه عند مشاهده وتحقيقه عند متلقيه. وقولنا فيه فهم تجوز ما لإثبات أصله لا غير. فاعرف ما أشرنا إليه، وبالله التوفيق.

قاعدة 26 صوفي الفقهاء أكمل من فقيه الصوفية

حكم الفقه عام في العموم، لأن مقصده إقامة رسم الدين، ورفع مناره، وإظهار كلمته.
وحكم التصوف خاص في الخصوص، لأنه معاملة بين العبد وربه، من غير زائد على ذلك. فمن ثم صح إنكار الفقيه على الصوفي، ولا يصح إنكار الصوفي على الفقيه، ولزم الرجوع من التصوف للفقه في الأحكام والحقائق، لا بالنبذ والترك وصح الاكتفاء به دونه. ولم يكف التصوف عن الفقه، بل لا يصح دونه، ولا يجوز الرجوع منه إليه إلا به، وإن كان أعلى منه رتبة فهو أسلم وأعم مصلحة. وفي ذلك قيل: (كن فقيها صوفيا، ولا تكن صوفيا فقيها). وصوفي الفقهاء أكمل من فقيه الصوفية وأسلم، لأن صوفي الفقهاء قد تحقق بالتصوف حالا وعملا وذوقا. بخلاف فقيه الصوفية فإنه المتمكن من علمه وحاله، ولا يتم له ذلك إلا بفقه صحيح وذوق صريح، ولا يصلح له أحدهما بدون الآخر، كالطبيب الذي لا يكتفي علمه عن التجربة ولا العكس. فافهم.

قاعدة 27 التمييز بين الخلاف والاختلاف

الاختلاف في الحكم الواحد نفيا وإثباتا، إن ظهر ابتناء أحدهما على أصل لا يتم الاحتجاج به فهو فاسد، وإن أدى إلى محال فهو باطل، بخلاف ما ظهر ابتناؤه على أصل يتم الاحتجاج به، ولا ينزع الحجة من يد مخالفه، لأن الكل صحيح، ومن ثم يفرق بين خلاف واختلاف، فنكفر من آل قوله لمحال في معقول العقائد، ونبدع من آل به ذلك في منقولها إن التزم القول باللازم. وإلا نظر في شبهته فيجري له حكمها على خلاف بين العلماء في لازم القول، ولا نكفر ولا نبدع من خرج لازم قوله عن محال، إذ لا نجزم بفساد أصله مع احتماله، وبهذا الوجه يظهر قبول خلاف أهل السنة بينهم مع ردهم للغير عموما. وهو جار في باب الأحكام الشرعية في باب الرد والقبول فتأمل ذلك تجده. وبالله التوفيق.

قاعدة 28 الإخلال بشروط العلم يحرم الوصول لحقيقته

لكل شيء وجه، فطالب العلم في بدايته شرطه الاستماع والقبول، ثم التصور والتفهم، ثم التعليل والاستدلال، ثم العمل والنشر، ومتى قدم رتبة عن محلها حرم الوصول لحقيقة العلم من وجهها. فعالم بغير تحصيل ضحكة، ومحصل دون تقوى لا عبرة به، وصورة لا يصحبها الفهم لا يفيدها غيره، وعلم عري عن الحجة لا ينشرح به الصدر، وما لم ينتج فهو عقيم، والمذاكرة حياته لكن بشرط الإنصاف والتواضع وهو قبول الحق بحسن الخلق، ومتى كثر العدد انتفيا، فاقتصر ولا تنتصر، واطلب ولا تقصر، وبالله التوفيق.

قاعدة 29 إحكام وجه الطلب معين على تحصيل المطلوب

إحكام وجه الطلب معين على تحصيل المطلوب، ومن ثم كان حسن السؤال نصف العلم، إذ جواب السائل على قدر تهذيب المسائل. وقد قال ابن العريف رحمه الله: (لا بد لكل طالب علم حقيقي من ثلاثة أشياء:
أحدهما: معرفة الإنصاف، ولزومه بالأوصاف.
الثاني: تحرير وجه السؤال، وتجريده من عموم جهة الإشكال.
الثالث: تحقيق الفرق بين ا لخلاف والاختلاف).
قلت: فما رجع لأصل واحد، فاختلاف، يكون حكم الله في كل، ما أداه الله إليه اجتهاده، وما رجع لأصلين يتبين بطلان أحدهما عند تحقيق النظر فخلاف، والله أعلم.

قاعدة 30 لا تجعل لأحد من أهل الظاهر حجة على أهل الباطن

التعاون على الشيء ميسر لطلبه، ومسهل لمشاقه على النفس وتعبه، فلذلك ألفته النفوس، حتى أمر به على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان. فلزم مراعاة الأول في كل شيء لا كالثاني.
ومنه قول سيدي أبي عبد الله بن عباد رحمه الله تعالى: (أوصيكم بوصية لا يعقلها إلا من عقل وجرب، ولا يهملها إلا من غفل فحجب، وهي : أن لا تأخذوا في هذا العلم مع متكبر، ولا صاحب بدعة ولا مقلد.
فأما الكبر: فطابع يمنع من فهم الآيات والعبر.
والبدعة: توقع في البلايا الكبر.
والتقليد: يمنع من بلوغ الوطر ونيل الظفر.)
قال: (ولا تجعلوا لأحد من أهل الظاهر حجة على أهل الباطن).

قلت: (بل يبحثوا على أن يجعلوا أهل الظاهر حجة لهم لا عليهم)، إذ كل باطن مجرد عن الظواهر باطل، والحقيقة ما عقد بالشريعة، فافهم.

قاعدة 31 مدار الفقه على ما يسقط به الحرج، ومدار التصوف على طلب الكمال

الفقه مقصود لإثبات الحكم في العموم، فمداره على إثبات ما يسقط به الحرج، والتصوف مرصده طلب الكمال. ومرجعه لتحقيق الأكمل حكما وحكمة. والأصول شرط في النفي والإثبات، فمدارها على التحقيق المجرد {وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}، فافهم.

قاعدة 32 الصوفي من عامل الحق بالحقيقة والخلق بالشريعة

مادة الشيء مستفادة من أصوله، ثم قد يشارك الغير في مادته، ويخالفه في وجه استمداده. كالفقه والتصوف والأصول، أصولها: الكتاب والسنة، وقضايا العقل المسلمة بالكتاب والسنة. لكن الفقيه ينظر من حيث ثبوت الحكم الظاهر، للعمل الظاهر، بقاعدته المقتضية له. والصوفي ينظر من حيث الحقيقة في عين التحقيق، ولا نظر فيه للفقيه حتى يصل ظاهره بباطنه. والأصولي يعتبر حكم النفي والإثبات من غير زائد. فمن ثم قال ابن الجلاء رحمه الله: (من عامل الحق بالحقيقة، والخلق بالحقيقة، فهو زنديق، ومن عامل الحق بالشريعة، والخلق بالشريعة فهو سني، ومن عامل الحق بالحقيقة، والخلق بالشريعة فهو صوفي)، انتهى. وهو عجيب مناسب لما قبله، تظهر أمثلته مما بعده.

قاعدة 33 من أمثلة طلب الكمال عند الصوفي

إنما يظهر الشيء بمثاله، ويقوى بدليله. فمثال الزنديق: الجبري الذي يريد إبطال الحكمة والأحكام. ومثال السني: ما وقع في حديث الثلاثة الذين اشتد عليهم الغار، فسأل الله كل واحد بأفضل أعماله كما صح، وعضدته ظواهر الأدلة ترغيبا وترهيبا والله أعلم.

ومثال الصوفي: حديث الرجل الذي استلف من رجل ألف دينار فقال: أبغني شاهدا. فقال: (كفى بالله شهيدا)، فقال: أبغني كفيلا، فقال: (كفى بالله كفيلا). فرضي. ثم لما حضر الأجل، خرج يلتمس مركبا فلم يجده، فنقر خشبة، وجعل فيها الألف دينار، ورقعة تقتضي الحكاية، وأبذلها للذي رضي به وهو الله سبحانه فوصلت. ثم جاءه بألف أخرى وفاء بحق الشريعة. أخرجهما البخاري في جامعه. ومنه: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا}، الإنسان. فجعل متعلق الخوف مجردا عن حامل العمل والله أعلم.
وقد قال رجل للشبلي رحمه الله: (كم في خمس من الإبل؟ قال: شاة في الواجب، فأما عندنا فكلها لله. قال له: فما أصلك في ذلك؟ قال: أبو بكر حين خرج عن ماله كله لله ورسوله. ثم قال: فمن خرج عن ماله كله لله فإمامه أبو بكر، ومن خرج عن بعضه فإمامه عثمان، ومن ترك الدنيا لأهلها، فإمامه علي رضي الله عنهم، وكل علم لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم). انتهى وهو عظيم في بابه.

قاعدة 34 على المتكلم في العلم أن يلحق فروعه بأصوله، ويصل معقوله بمنقوله

المتكلم في فن من فنون العلم، إن لم يلحق فرعه بأصله ويحقق أصله من فرعه، ويصل معقوله بمنقوله، وينسب منقوله لمعانيه، ويعرض ما فهم منه على ما علم من استنباط أهله، فسكوته عنه أولى من كلامه فيه، إذ خطأه أقرب من إصابته، وضلاله أسرع من هدايته، إلا أن يقتصر على مجرد النقل المحرر من الإيهام والإبهام. فرب حامل فقه غير فقيه فيسلم له نقله لا قوله. وبالله سبحانه التوفيق.

قاعدة 35 غلاة المتصوفة كغلاة الأصوليين والمتفقهين

يعتبر الفرع بأصله وقاعدته، فإن وافق قبل، وإلا رد على مدعيه إن تأهل، أو تأول عليه إن قبل، أو سلم له إن كملت مرتبته علما وديانة، ثم هو غير قادح في الأصل، لأن فساد الفاسد إليه يعود، ولا يقدح في صالح الصالح شيئا، فغلاة المتصوفة كأهل الأهواء من الأصوليين، وكالمطعون عليهم من المتفقهين، يرد قولهم، ويتجنب فعلهم، ولا يترك المذهب الحق الثابت بنسبتهم له وظهورهم فيه والله أعلم.

قاعدة 36 أهمية ضبط العلم بقواعده

ضبط العلم بقواعده مهم، لأنها تضبط مسائله، وتفهم معانيه، وتدرك مبانيه، وينتفي الغلط من دعواه، وتهدي المتبصر فيه، وتعين المتذكر عليه، وتقيم حجة المناظر، وتوضح المحجة للناظر، وتبين الحق لأهله، والباطل في محله. واستخراجها من فروعه عند تحققها، أمكن لمريدها لكن بعد الأفهام مانع من ذلك، فلذلك اهتم بها المتأخر والمتقدم. والله سبحانه أعلم.

قاعدة 37 السبب في تأخر تدوين قواعد علم التصوف

لما كانت دلالة التصوف بجملته على التوجه إلى الله من حيث يرضى، كفت أوائله مع التزام واتباع الفقه، فكان الاعتناء بعمله، أكثر من علمه، ومن ثم لم تدون قواعده، ولم تمهد أصوله، وإن أشار إليها أئمته كالسلمي في فصوله، والقشيري في رسالته، والله أعلم.

قاعدة 38 المتقدم في العلم ليس بأولى من المتأخر

إذا حقق أصل العلم، وعرفت مواده وجرت فروعه، ولاحت أصوله، كان الفهم فيه مبذولا بين أهله. فليس المتقدم فيه بأولى من المتأخر، وإن كانت له فضيلة السبق، فالعلم حاكم، ونظر المتأخر أتم، لأنه زائد على المتقدم والفتح من الله مأمول لكل أحد.
ولله در ابن مالك رحمه الله حيث يقول: (إذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين). نعوذ بالله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف. انتهى وهو عجيب.

قاعدة 39 إتيان المتأخر بما لم يسبق إليه لا يلزم منه القدح في المتقدم

العلماء مصدقون فيما ينقلون، لأنه موكول لأمانتهم. مبحوث معهم فيما يقولون، لأنه نتيجة عقولهم والعصمة غير ثابتة لهم، فلزم التبصر والنظر وطلبا للحق والتحقيق، لا اعتراضا على القائل والناقل. ثم إن أتى المتأخر بما لم يسبق إليه، فهو على رتبته، ولا يلزمه القدح في المتقدم، ولا إساءة الأدب معه، لأن ما ثبت من عدالة المتقدم، قاض برجوعه للحق عند بيانه لو سمعه فهو ملزوم به، إن أدى لنقض قوله مع حقيقته لا أرجحيته، إذ الاحتمال ثبت له، ومن ثم خالف أئمة متأخري الأمة أولها، ولم يكن قدحا في واحد منهما، فافهم.

قاعدة 40 مبنى الحال على التسليم والتصديق وصاحب الحال لا يقتدى به

مبنى العلم على البحث والتحقيق، ومبنى الحال على التسليم والتصديق، فإذا تكلم العارف من حيث العلم نظر في قوله بأصله من الكتاب والسنة وآثار السلف، لأن العلم معتبر بأصله. وإذا تكلم من حيث الحال، سلم له ذوقه، إذ لا يوصل إليه إلا بمثله، فهو معتبر بوجدانه.
فالعلم به مستند لأمانة صاحبه، ثم لا يقتدى به، لعدم عموم حكمه، إلا في حق مثله .
قال أستاذ لمريده: (يا بني برد الماء، فإنك إن شربت ماءا باردا حمدت الله بكلية قلبك، وإن شربته ساخنا حمدت الله على كزازة نفس)، قال: يا سيدي والرجل الذي وجد قلته قد انبسطت عليها الشمس، فقال: أستحي من الله أن أنقلها لحظة. قال: يا بني، ذلك صاحب الحال لا يقتدى به. انتهى.

قاعدة 41 المعقول برهانه في نفسه، والمنقول موكول لأمانة ناقله

ما كان معقولا، فبرهانه في نفسه، فلذلك لا يحتاج لمعرفة قائله إلا من حيث كون ذلك كمالا فيه. والمنقول موكول لأمانة ناقله، فلزم البحث والتعريف لوجهه، وما تركب منهما، احتيط له بالتعرف والتعريف. وقد قال ابن سيرين رضي الله عنه: (إن هذا الحديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم).

وهذا التفصيل في حق المشرف على العلم، الذي قد استشعر مقاصده. فأما العامي ومن كان في مبادئ الطلب، فلا بد له من معرفة الوجه الذي يأخذ منه معقوله كمنقوله، ليكون على اقتداء، لا على تقليد. والله سبحانه أعلم.

قاعدة 42 التقليد بأخذ القول من غير استناد لعلامة في القائل مذموم مطلقا

التقليد: أخذ القول من غير استناد لعلامة في القائل، ولا وجه في المنقول، فهو مذموم مطلقا، لاستهزاء صاحبه بدينه.
والإقتداء: الاستناد في أخذ القول لديانة صاحبه وعلمه، وهذه رتبة أصحاب المذاهب مع أئمتها. فإطلاق التقليد عليها مجاز.
والتبصر: أخذ القول بدليله الخاص به من غير استبداد بالنظر، ولا إهمال للقول. وهي رتبة مشايخ المذاهب وأجاويد طلبة العلم.
والاجتهاد: اقتراح الأحكام من أدلتها، دون مبالاة بقائل. ثم إن لم يعتبر أصل متقدم فمطلق، وإلا فمقيد.
والمذهب: ما قوي في النفس، حتى اعتمده صاحبه.
وقد ذكر هذه الجملة بمعانيها في مفتاح السعادة، والله أعلم.

قاعدة 43 لا متبع إلا المعصوم، لانتفاء الخطأ عنه، أو من شهد له بالفضل

لا متبع إلا المعصوم، لانتفاء الخطأ عنه، أو من شهد له بالفضل، لأن مزكى العدل عدل. وقد شهد عليه السلام: (بأن خير القرون قرنه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فصح فضلهم على الترتيب والاقتداء بهم كذلك. لكن الصحابة تفرقوا في البلاد، ومع كل واحد منهم علم، كما قال مالك رحمه الله: (فلعل مع أحدهم ما هو ناسخ، ومع الآخر ما هو منسوخ، ومع واحد مطلق، ومع الآخر مقيد، ومع بعضهم عام، وعند الآخر مخصص كما وجد كثيرا. فلزم الانتقال لمن بعدهم، إذ جمع المتفرق من ذلك، وضبط الرواية فيما هنالك، لكنهم لم يستوعبوه فقها، وإن وقع لهم بعض ذلك، فلزم الانتقال للثالث، إذ جمع ذلك وضبطه وتفقه فيه، فتم حفظا وضبطا وتفقها، فلم يبق لأحد غير العمل بما استنبطوه، وقبول ما أصلوه واعتمدوه. ولكل فن في هذا القرن أئمة مشهور فضلهم، علما وورعا كمالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة النعمان، للفقه. وكالجنيد، ومعروف، وبشر، للتصوف. وكالمحاسبي لذلك وللاعتقادات، إذ هو أول من تكلم في إثبات الصفات، كما ذكره ابن الأثير، والله أعلم.

قاعدة 44 إعطاء الحكم للخصوص، لا يجري وجهه في العموم كالعكس

إعطاء الحكم للخصوص، لا يجري وجهه في العموم كالعكس. فتزكية القرن قضاء على الكل بخلاف حديث: (طائفة من الأمة). ولذلك اعتبرت بأوصافها دون جملة أفرادها، فكانت التزكية فيها [جاز كذلك، فلزم التوقف في الثاني على أكمل وصفه، بخلاف الأول، وإن كان أولى والله أعلم.]

قاعدة 45 ما دون من كلام الأئمة في كل فن، فهو حجة لثبوته بتداوله، ومعرفة أصله

ما دون من كلام الأئمة في كل فن، فهو حجة لثبوته بتداوله، ومعرفة أصله، وصحة معناه، واتضاح مبناه، وتداوله بين أهله، واشتهار مسائله عند أئمته، مع اتصال كل عمن قبله، فلذلك صح اتباعها ولزم، وإن انقرضت الرواية في أفرادها، وغير المدونة ليست كذلك، فلا يصح الأخذ بها لانقراض حملتها، واحتمال جملتها، وقد يخص ذلك ويعم، كانقراض مذهب الليثي، والسفيانين - سفيان بن عيينة وسفيان الثوري - عموما وسائر المذاهب، سوى المالكي من المغرب، والشافعي بالعجم، والحنفي بالروم، ، فأما الحنبلي، فلم يوجد إلا مع غيره، فلزم كل ما تمكن معرفة صحة نقله، لا ما احتمل. ولهذا أفتى سحنون بأنه لا يفتى بالمغرب بغير مذهب مالك، ونحوه لابن الكاتب وعند أهل مصر أن العامي، لا مذهب له لتوفر المذاهب في حقه عندهم، حتى رأيت لهم على ذلك فروعا جمة وفتاوى. والله أعلم.

قاعدة 46
تشعب الأصل قاض بالتشعب في الفرع، فلزم ضبط الفرع بأصل يرجع إليه

تشعب الأصل قاض بالتشعب في الفرع، فلزم ضبط الفرع بأصل يرجع إليه فقها، وأصولا، وتصوفا.
فلا يصح قول من قال: (الصوفي لا مذهب له)، إلا من جهة اختياره في المذهب الواحد، أحسنه دليلا، أو قصدا، أو احتياطا، أو غير ذلك مما يوصله لحاله. وإلا فقد كان الجنيد ثوريا، وكان الشبلي مالكيا، والجريري حنفيا، والمحاسبي شافعيا، وهم أئمة الطريقة وعمدتها.
وقول القائل: (مذهب الصوفي في الفروع تابع لأصحاب الحديث) باعتبار أنه لا يعمل من مذهبه إلا بما وافق نصه، ما لم يخالف احتياطا أو يفارق ورعا. ويلزم ذلك من غير اتهام للعلماء، ولا ميل للرخص، كما ذكر السهروردي رحمه الله في اجتماعهم وبما هنا يفهم كلامه، مع نقل غيره والله أعلم.

قاعدة 47 فتح كل أحد ونوره على حسب فتح متبوعه ونوره

فتح كل أحد ونوره، على حسب فتح متبوعه ونوره، فمن أخذ علم حاله عن أقوال العلماء، مجردة، كان فتحه ونوره منهم.

فإن أخذ عن نصوص الكتاب والسنة، ففتحه ونوره تام، إن تأهل لأخذها منهما، ولكن فاته نور الاقتداء وفتحه، ولذلك تحفظ الأئمة عليه كما قال ابن المديني رحمه الله: (كان ابن مهدي يذهب لقول مالك، ومالك يذهب لقول سليمان بن يسار، وسليمان يذهب لقول عمر بن الخطاب، فمذهب مالك إذا مذهب عمر رضي الله عنهم أجمعين).
وقال الجنيد رحمه الله: (من لم يسمع الحديث، ويجالس الفقهاء، ويأخذ أدبه عن المتأدبين: أفسد من اتبعه).
قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}، الآية، وقال عز من قائل: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}، الآية، فافهم.

قاعدة 48 ما أنكره مذهب فلا يجوز لمن كان عليه: الأخذ به من غيره، إلا لضرورة

ما أنكره مذهب فلا يجوز الأخذ به من غيره، وإن أبيح أو ندب لمن كان عليه إلا من ضرورة تبيحه بنص من أئمته. وما لم ينكره المذهب، يجوز الأخذ به من غيره سيما إن اقتضى احتياطا أو تحصيل عبادة على مذهب ذلك الغير، كاتقاء القمرين في الأحداث، ومسح الرقبة في الوضوء، وإطالة الغرة، وترك مسح الأعضاء بالمنديل، وكصلاة التسبيح والحاجة، والتوبة ونحوها، وكاتقاء النصف الأخير من شعبان لمن لم يصم أوله، واعتكاف جزء من النهار، إذ غايته نفي كونه معتكفا وإلا فهو عبادة.
وكذلك إحداث نية نفل بعد الفجر، إذا غايته أنه لا يعد صوما عند المالكية، وقد عده الشافعية صوما. قال بعض الصوفية: (وعلى ذلك ينبغي أن يكون مذهب المتجرد، فإنه ضيف الله لئلا يضيع جوعه).

وللقرافي في قواعده، وابن العربي في سراجه، ما يشير لما هو أعظم من هذا في باب الورع، وإليه كان يميل شيخنا القوري رحمه الله في عمله، ونحوه عن ابن عباد في وصيته للمريدين، من رسائله الصغرى، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 49 ما يعرض للكلام من الإشكال

ما يعرض للكلام من الإشكال ونحوه، إن كان مما يخطر معناه المقصود منه بأول وهلة دون تأمل ولا يخطر إشكاله إلا بالأخطار، فهذا قل أن يخلو عنه كلام، وتتبعه حرج وأضرار ليس من مقاصد الأحكام، وإن كان الإشكال يخطر بأول وهلة، ولا يخطر خلافه إلا بالأخطار، جرى على حكم القاعدة المتقدمة، وإن تجاذبه الفهم من الجهتين، كان متنازعا فيه بحسب التجاذب. والخروج لحد الكثرة في الإشكال، إما لضيق العبارة عن المقصود، وهو غالب حال الصوفية المتأخرين في كتبهم حتى كفروا وبدعوا، إلى غير ذلك. وإما لفساد الأصل، وعليه حملها المنكر عليهم، وكل معذور فيما يبدو، إلا أن المنكر أعذر، والمسلم أسلم، والمعتقد على خطر، ما لم يكن على حذر، والله سبحانه أعلم.

قاعدة 50 تحقق الأصل لازم لكل من لزمه فرعه إن كان لا ينفك عنه

تحقق الأصل لازم لكل من لزمه فرعه إن كان لا ينفك عنه، فلا بد من تحقيق أصول الدين وجريانه على قواعدها عند الأئمة المهتدين، ومذهب الصوفي من ذلك تابع لمذاهب السلف في الإثبات والنفي.
وفصول الاعتقاد ثلاثة:
أولها: ما يعتقد في جانب الربوبية، وليس عندهم فيه إلا اعتقاد التنزيه، ونفي التشبيه مع تفويض ما أشكل بعد نفي الوجه المحال، إذ ليس ثم ألحن من صاحب الحجة بحجته.
الثاني: ما يعتقد في جانب النبوة، وليس إلا إثباتها وتنزيهها عن كل علم وعمل وحال، لا يليق بكمالها، مع تفويض ما أشكل بعد نفي الوجه المنقص، إذ ليس للسيد أن يقول لعبده ما شاء، وللعبد أن ينسب لنفسه ما يريد، تواضعا مع ربه، وعلينا أن نتأدب مع العبد، ونعرف مقدار نسبته.

الثالث: ما يعتقد في جانب الدار الآخرة، وما يجري مجراها من الخيرات، وليس إلا اعتقاد صدق ما جاء من ذلك على الوجه الذي جاء عليه من غير خوض في تفاصيله، إلا بما صح واتضح. والقول الفصل في كل مشكل من ذلك ما قاله الشافعي رحمه الله، إذ قال: (آمنا بما جاء عن الله، على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وقال مالك رحمه الله: (الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة). انتهى.
وهو جواب عن كل مشكل من نوعه في جانب الربوبية كما أشار إليه السهروردي، وقال: (إنه مذهب الصوفية كافة، في كل صفة سمعية) والله سبحانه أعلم.


EmoticonEmoticon