Thursday, May 2, 2013

الكبائر العشرون اللواط الكبر شرب الخمر شهادة الزو

الكبائر العشرون اللواط الكبر  شرب الخمر شهادة الزو


الكبائر العشرون اللواط الكبر شرب الخمر شهادة الزو
كتاب الكبائر للذهبي

محتويات

الكبيرة الحادية عشرة : اللواط

قد قص الله عز و جل علينا في كتابه العزيز قصة قوم لوط في غير موضع من ذلك قول الله تعالى :
{ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها و أمطرنا عليها حجارة من سجيل } أي من طين طبخ حتى صار كالآجر { منضود } أي يتلو بعضه بعضا { مسومة } أي معلمة بعلامة تعرف بها بأنها ليست من حجارة أهل الدنيا { عند ربك } أي في خزانته التي لا يتصرف في شيء منها إلا بإذنه { و ما هي من الظالمين ببعيد } ما هي من ظالمي هذه الأمة إذا فعلوا فعلهم أن يحل بهم ما حل بأولئك من العذاب
و لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ أخوف ما أخاف عليكم عمل قوم لوط و لعن من فعل فعلهم ثلاثا فقال : لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط ] و قال عليه الصلاة السلام : [ من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل و المفعول به ] قال ابن عباس رضي الله عنهما ينظر أعلى بناء في القرية فيلقى منه ثم يتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط

و أجمع المسلمون على أن التلوط من الكبائر التي حرم الله تعالى : { أتأتون الذكران من العالمين * و تذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون } أي مجازون من الحلال إلى الحرام
و قال الله تعالى في آية أخرى مخبرا عن نبيه لوط عليه السلام :
{ و نجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين }
و كان اسم قريتهم سدوم و كان أهلها يعملون الخبائث التي ذكرها الله سبحانه في كتابه كانوا يأتون الذكران من العالمين في أدبارهم و يتضارعون في أنديتهم مع أشياء أخرى كانوا يعملونها من المنكرات
و روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : عشر خصال من أعمال قوم لوط ـ تصفيف الشعر و حل الأزرار و رمي البندق و الحذف بالحصى و اللعب بالحمام الطيارة و الصفير بالأصابع و فرقعة الأكعب و إسبال الإزار و حل أزر الأقبية و إدمان شرب الخمر و إتيان الذكور و ستزيد عليها هذه الأمة مساحقة النساء النساء

و جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ سحاق النساء بينهن زنا ] و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أربعة يصبحون في غضب الله و يمسون في سخط الله تعالى قيل : من هم يا رسول الله ؟ قال : المتشبهون من الرجال بالنساء و المتشبهات من النساء بالرجال و الذي يأتي البهيمة و الذي يأتي الذكر يعني اللواط ] و روي أنه إذا ركب الذكر الذكر اهتز عرش الرحمن خوفا من غضب الله تعالى و تكاد السموات أن تقع على الأرض فتمسك الملائكة بأطرافها و تقرأ قل هو الله أحد إلى آخرها حتى يسكن غضب الله عز و جل

و جاء النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ سبعة يلعنهم الله تعالى و لا ينظر إليهم يوم القيامة و يقول ادخلوا النار مع الداخلين : الفاعل و المفعول به ـ يعني اللواط و ناكح البهيمة و ناكح الأم و ابنتها و ناكح يده إلا أن يتوبوا ]
و روي أن قوما يحشرون يوم القيامة و أيديهم حبالى من الزنا كانوا يعبثون في الدنيا بمذاكيرهم و روي أن من أعمال قوم لوط : اللعب بالنرد و المسابقة بالحمام و المهارشة بين الكلاب و المناطحة بين الكباش و المناقرة بالديوك و دخول الحمام بلا مئزر و نقص الكيل و الميزان ويل لمن فعلها
و في الأثر من لعب باحمام القلابة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر و قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن اللوطي إذا مات من غير توبة فإنه يمسخ في قبره خنزيرا
و قال صلى الله عليه و سلم : [ لا ينظر الله إلى رجل أتى ذكرا أو امرأة في دبرها ]
و قال أبو سعيد الصعلوكي : سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون و هم على ثلاثة أصناف صنف ينظرون و صنف يصافحون و صنف يعملون ذلك العمل الخبيث

و النظر بشهوة إلى المرأة و الأمرد زنا لما صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ زنا العين النظر و زنا اللسان النطق و زنا اليد البطش و زنا الرجل الخطى و زنا الأذن الاستماع و النفس تمني و تشتهي و الفرج يصدق ذلك و يكذبه ] و لأجل ذلك بالغ الصالحون في الإعراض عن المردان و عن النظر إليهم و عن مخالطتهم و مجالستهم قال الحسن بن ذكوان : لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور العذارى فهم أشد فتنة من النساء و قال بعض التابعين : ما أنا بأخوف على الشاب الناسك من سبع ضار من الغلام الأمرد يقعد إليه و كان يقال : لا يبيتن رجل مع أمرد في مكان واحد و حرم بعض العلماء الخلوة مع الأمرد في بيت أو حانوت أو حمام قياسا على المرأة لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ] و في المردان من يفوق النساء بحسنه فالفتنة به أعظم و إنه يمكن في حقه من الشر ما لا يمكن في حق النساء و يتسهل في حقه من طريق الريبة و الشر ما لا يتسهل في حق المرأة فهو بالتحريم أولى و أقاويل السلف في التنفير منهم و التحذير من رؤيتهم أكثر من أن تحصر و سموهم الإنتان لأنهم مستقذرون شرعا و سواء في كل ما ذكرناه نظر المنسوب إلى الصلاح و غيره و دخل سفيان الثوري الحمام فدخل عليه صبي حسن الوجه فقال : أخرجوه عني أخرجوه فإني أرى مع كل امرأة شيطانا و أرى مع كل صبي حسن بضعة عشر شيطانا
و جاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله و معه صبي حسن فقال الإمام ما هذا منك ؟ قال ابن أختي قال : لا تجيء به إلينا مرة أخرى و لا تمش معه في طريق لئلا يظن بك من لا يعرفك و لا يعرفه سوءا
و روي أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي صلى الله عليه و سلم كان فيهم أمرد حسن فأجلسه النبي صلى الله عليه و سلم خلف ظهره و قال : إنما كانت فتنة داود عليه السلام من النظر و أنشدوا شعرا :
( كل الحوادث مبدؤها من النظر ... و معظم النار من مستصغر الشرر )
( و المرء ... ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغير موقوف على الخطر )
( كم نظرة فعلت في قلب صاحبها ... فعل السهام بلا قوس و لا وتر )
( يسر ناظره ما ضر خاطره ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر )

النظر بريد الزنا

و كان يقال النظر بريد الزنا و في الحديث : النظر سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركه لله أورث الله قلبه حلاوة عبادة يجدها إلى يوم القيامة

عقوبة من أمكن من نفسه طائعا

فصل : في عقوبة من أمكن من نفسه طائعا : عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه وجد في بعض النواحي رجلا ينكح في دبره فاستشار أبو بكر الصحابة رضي الله عنهم في أمره فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إن هذا ذنب لم يعمله إلا أمة واحدة قوم لوط و قد أعلمنا الله تعالى بما صنع بهم أرى أن يحرق بالنار فكتب أبو بكر إليه أحرقه بالنار فأحرقه خالد رضي الله عنه
و قال علي رضي الله عنه : من أمكن من نفسه طائعا حتى ينكح ألقى الله عليه شهوة النساء و جعله شيطانا رجيما في قبره إلى يوم القيامة
و أجمعت الأمة أنه من فعل بمملوكه فهو لوطي مجرم و مما روي أن عيسى ابن مريم عليه السلام مر في سياحته على نار توقد على رجل فأخذ عيسى عليه السلام ماء ليطفىء عنه فانقلبت النار صبيا و انقلب الرجل نارا فتعجب عيسى عليه السلام من ذلك و قال : يا رب ردهما إلى حالهما في الدنيا لأسألهما عن خبرهما فأحياهما الله تعالى فإذا هما رجل و صبي فقال لهما عيسى عليه السلام : ما خبركما ؟ فقال الرجل : يا روح الله إني كنت في الدنيا مبتلي بحب هذا الصبي فحملتني الشهوة إن عملت معه الفاحشة فلما أن مت و مات الصبي صير نارا يحرقني مرة و أصير نارا أحرقه مرة فهذا عذابنا إلى يوم القيامة نعوذ بالله من عذاب الله و نسأل الله العفو و العافية و التوفيق لما يحب و يرضى

فصل : يلتحق باللواط إتيان المرأة في دبرها

فصل : و يلتحق باللواط إتيان المرأة في دبرها مما حرمه الله تعالى و رسوله و قال الله عز و جل : { نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم } أي كيف شئتم مقبلين و مدبرين في صمام واحد أي موضع واحد و سبب نزول هذه الآية أن اليهود في زمن النبي صلى الله عليه و سلم كانوا يقولون : إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فأنزل الله هذه الآية تكذيبا لهم : { نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم } مجيبة أو غير مجيبة غير أن ذلك في صمام واحد أخرجه مسلم

و في رواية اتقوا الدبر و الحيضة و قوله في صمام واحد أي في موضع واحد و هو الفرج لأنه موضع الحرث أي موضع مزرع الولد و أما الدبر فإنه محل النجو و ذلك خبيث مسقذر و قد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ ملعون من أتى حائضا أو امرأة في دبرها ]

و روى الترمذي [ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد ] فمن جامع امرأته و هي حائض أو جامعها في دبرها فهو ملعون و داخل في هذا الوعيد الشديد و كذا إذا أتى كاهنا و هو المنجم و من يدعي معرفة الشيء المسروق و يتكلم على الأمور المغيبات فسأله عن شيء منها فصدقه
و كثير من الجهال واقعون في هذه المعاصي و ذلك من قلة معرفتهم و سماعهم للعلم و لذلك قال أبو الدرداء : كن عالما أو متعلما أو محبا و لا تكن الخامس فتهلك و هو الذي لا يعلم و لا يتعلم و لا يستمع و لا يحب من يعمل ذلك و يجب على العبد أن يتوب إلى الله من جميع الذنوب و الخطايا و يسأل الله العفو عما مضى منه في جهله و العافية فيما بقي من عمره اللهم إنا نسألك العفو و العافية في الدين و الدنيا و الآخرة إنك أرحم الراحمين

الكبيرة الثانية عشرة : الربا

قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة و اتقوا الله لعلكم تفلحون } و قال الله تعالى : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم الذي قد مسه الشيطان و صرعه { ذلك } أي ذلك الذي أصابهم { بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا }
أي حلالا فاستحلوا ما حرم الله فإذا بعث الله الناس يوم القيامة خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا فإنهم يقومون و يسقطون كما يقوم المصروع كلما قام صرع لأنهم لما أكلوا الربا الحرام في الدنيا أرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم يوم القيامة فهم كلما أردوا النهوض سقطوا و يريدون الإسراع مع الناس فلا يقدرون

و قال قتادة : إن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا و ذلك علم لأكلة الربا فهم به أهل الموقف و [ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : لما أسري بي مررت بقوم بطونهم بين أيديهم كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم قد مالت بهم بطونهم منضدين على سابلة آل فرعون و آل فرعون يعرضون على النار غدوا و عشيا قال فيقبلون مثل الإبل المنهزمة لا يسمعون و لا يعقلون فإذا أحس بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بطونهم فلا يستطيعون أن يبرحوا حتى يغشاهم آل فرعون فيردونهم مقبلين و مدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا و الآخرة قال صلى الله عليه و سلم : فقلت يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ]
و في رواية قال : [ لما عرج بي سمعت في السماء السابعة فوق رأسي رعدا و صواعق و رأيت رجالا بطونهم بين أيديهم كالبيوت فيها حيات و عقارب ترى من ظاهر بطونهم فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ فقال : فقال هؤلاء أكلة الربا ]
و روي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه : إذا ظهر الزنا و الربا في قرية أذن الله بهلاكها و عن عمر مرفوعا : إذا ضن الناس بالدينار و الدرهم و تبايعوا بالعينة و تتبعوا أذناب البقر و تركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم و قال صلى الله عليه و سلم : [ ما ظهر في قوم الربا إلا ظهر فيهم الجنون و لا ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت و ما بخس قوم الكيل و الوزن إلا منعهم الله القطر ]

و جاء في حديث فيه طول : أن آكل الربا يعذب من حين يموت إلى يوم القيامة بالسباحة في النهر الأحمر الذي هو مثل الدم و يلقم الحجارة و هو المال الحرام الذي جمعه في الدنيا يكلف المشقة فيه و يلقم حجارة من نار كما ابتلع الحرام الذي جمعه في الدنيا هذا العذاب له في البرزخ قبل يوم القيامة مع لعنة الله له كما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة و لا يذيقهم نعيمها : مدمن الخمر و آكل الربا و آكل مال اليتيم بغير حق و العاق لوالديه إلا أن يتوبوا ]
و قد ورد أن أكلة الربا يحشرون في صورة الكلاب و الخنازير من أجل حيلتهم على أكل الربا كما مسخ أصحاب السبت حين تحيلوا على إخراج الحيتان التي نهاهم الله عن اصطيادها يوم السبت فحفروا لها حياضا تقع فيها يوم السبت فيأخذونها يوم الأحد فلما فعلوا ذلك مسخهم الله قردة و خنازير و هكذا الذين يتحيلون على الربا بأنواع الحيل فإن الله لا تخفى عليه حيل المحتالين قال أيوب السختياني : يخادعون الله كما يخادعون صبيا و لو أتوا الأمر عيانا كان أهون عليهم و قال صلى الله عليه و سلم : [ الربا سبعون بابا أهونها مثل أن ينكح الرجل أمه و أن أربي الربا استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم ] فصح أنه باب من أعظم أبواب الربا
و [ عن أنس قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر الربا و عظم شأنه فقال : الدرهم الذي يصيبه الرجل من الربا أشد من ست و ثلاثين زنية في الإسلام ] و عنه صلى الله عليه و سلم قال : [ الربا سبعون حوبا أهونها كوقع الرجل على أمه و في رواية أهونها كالذي ينكح أمه ] و الحوب : الإثم
و عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : الزائد و المستزيد في النار ـ يعني الآخذ و المعطي فيه سواء نسأل الله العافية

فصل إذا كان لك على رجل دين فأهدى لك شيئا فلا تأخذه فإنه ربا

فصل : عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إذا كان لك على رجل دين فأهدى لك شيئا فلا تأخذه فإنه ربا و قال الحسن رحمه الله : إذا كان لك على رجل دين فما أكلت من بيته فهو سحت و هذا من قوله صلى الله عليه و سلم : [ كل قرض جر نفعا فهو ربا ] و قال ابن مسعود أيضا : من شفع لرجل شفاعة فأهدى إليه هدية فهي سحت و تصديقه من قوله صلى الله عليه و سلم : [ من شفع لرجل شفاعة فأهدى له عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا ] أخرجه أبو داود فنسأل الله العفو و العافية في الدين الدنيا و الآخرة

الكبيرة الثالثة عشرة : أكل مال اليتيم و ظلمه

قال الله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا } و قال الله تعالى : { و لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده }
و [ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال في المعراج : فإذا أنا برجال و قد وكل بهم رجال يفكون لحالهم و آخرون يجيئون بالصخور من النار فيقذفونها بأفواههم و تخرج من أدبارهم فقلت : يا جبريل من هن هؤلاء ؟ قال : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ] رواه مسلم
و [ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : يبعث الله عز و جل قوما من قبورهم تخرج النار من بطونهم تأجج أفواههم نارا فقيل : من هم يا رسول الله ؟ قال : ألم تر أن الله تعالى يقول : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا } ]
و قال السدي رحمه الله تعالى : يحشر آكل مال اليتيم ظلما يوم القيامة و لهب النار يخرج من فيه و من مسامعه و أنفه و عينه كل من رآه يعرفه أنه آكل مال اليتيم

قال العلماء : فكل ولي ليتيم إذا كان فقيرا فأكل من ماله بالمعروف بقدر قيامه عليه في مصالحه و تنمية ماله فلا بأس عليه و ما زاد على المعروف فسحت حرام لقول الله تعالى : { و من كان غنيا فليستعفف و من كان فقيرا فليأكل بالمعروف }
و في الأكل بالمعروف أربعة أقوال : أحدهما : أنه الأخذ على وجه القرض و الثاني : الأكل بقدر الحاجة من غير إسراف و الثالث : أنه أخذ بقدر إذا عمل لليتيم عملا و الرابع : أنه الأخذ عند الضرورة فإن أيسر قضاه و إن لم يوسر فهو في حل و هذه الأقوال ذكرها ابن الجوزي في تفسيره
و في البخاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ أنا و كافل اليتيم في الجنة هكذا و أشار بالسبابة و الوسطى و فرج بينهما ] و في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه و سلم قال : [ كافل اليتيم له أو لغيره أنا و هو كهاتين في الجنة و أشار بالسبابة و الوسطى ]

كفالة اليتيم هي القيام بأموره و السعي في مصالحه من طعامه و كسوته و تنمية ماله إن كان له مال و إن كان لا مال له أنفق عليه و كساه ابتغاء وجه الله تعالى و قوله في الحديث : له أو لغيره ـ أي سواء كان اليتيم قرابة أو أجنبيا منه فالقرابة مثل أن يكفله جده أو أخوه أو أمه أو عمه أو زوج أمه أو خاله أو غيره من أقاربه و الأجنبي من ليس بينه و بينه قرابة
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من ضم يتيما من المسلمين إلى طعامه و شرابه حتى يغنيه الله تعالى أوجب الله له الجنة إلا أن يعمل ذنبا لا يغفر ] و قال صلى الله عليه و سلم : [ من مسح رأس يتيم لا يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة مرت عليها يده حسنة و من أحسن إلى يتيم أو يتيمه عنده كنت أنا و هو هكذا في الجنة ]

و قال رجل لأبي الدرداء رضي الله عنه : أوصني بوصية قال : ارحم اليتيم و أدنه منك و أطعمه من طعامك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاه رجل يشتكي قسوة قلبه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أردت أن يلين قلبك فادن اليتيم منك و امسح رأسه و أطعمه من طعامك فإن ذلك يلين قلبك و تقدر على حاجتك

و مما حكي عن بعض السلف قال : كنت في بداية أمري مكبا على المعاصي و شرب الخمر فظفرت يوما بصبي يتيم فقير فأخذته و أحسنت إله و أطعمته و كسوته و أدخلته الحمام و أزلت شعثه و أكرمته كما يكرم الرجل ولده بل أكثر فبت ليلة بعد ذلك فرأيت في النوم أن القيامة قامت و دعيت إلى الحساب و أمر بي إلى النار لسوء ما كنت عليه من المعاصي فسحبتني الزبانية ليمضوا بي إلى النار و أنا بين أيديهم حقير ذليل يجروني سحبا إلى النار و إذا بذلك اليتيم قد اعترضني بالطريق و قال : خلو عنه يا ملائكة ربي حتى أشفع له إلى ربي فإنه قد أحسن إلي و أكرمني فقالت الملائكة : إنا لم نؤمر بذلك و إذا النداء من قبل الله تعالى يقول : خلوا عنه فقد وهبت له ما كان منه بشفاعة اليتيم و إحسانه إليه قال : فاستيقظت و تبت إلى الله عز و جل و بذلت جهدي في إيصال الرحمة إلى الأيتام و لهذا قال أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه و سلم : خير البيوت بيت فيه يتيم يحسن إليه و شر البيوت بيت فيه يتيم يساء إليه و أحب عباد الله إلى الله تعالى من اصطنع صنعا إلى يتيم أو أرملة و روي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام : يا داود كن لليتيم كالأب الرحيم و كن للأرملة كالزوج الشفيق و اعلم كما تزرع كذا تحصد : معناه أنك كما تفعل كذلك يفعل معك أي لا بد أن تموت و يبقى لك ولد يتيم أو امرأة أرملة و قال داود عليه السلام في مناجاته : إلهي ما جزاء من أسند اليتيم و الأرملة ابتغاء وجهك ؟ قال : جزاؤه أن أظله في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي معناه ظل عرشي يوم القيامة
و مما جاء في فضل الإحسان إلى الأرملة و اليتيم عن بعض العلويين ـ و كان نازلا ببلخ من بلاد العجم و له زوجة علوية و له منها بنات و كانوا في سعة و نعمة فمات الزوج و أصاب المرأة و بناتها بعده الفقر و القلة فخرجت ببناتها إلى بلدة أخرى خوف شماتة الأعداء و اتفق خروجها في شدة البرد فلما دخلت ذلك البلد أدخلت بناتها في بعض المساجد المهجورة و مضت تحتال لهم في القوت فمرت بجمعين : جمع على رجل مسلم و هو شيخ البلد و جمع على رجل مجوسي و هو ضامن البلد فبدأت بالمسلم و شرحت حالها له و قالت : أنا امرأة علوية و معي بنات أيتام أدخلتهم بعض المساجد المهجورة و أريد الليلة قوتهم فقال لها : أقيمي عندي البينة أنك علوية شريفة فقالت : أنا امرأة غريبة ما في البلد من يعرفني فأعرض عنها فمضت من عنده منكسرة القلب فجاءت إلى ذلك الرجل المجوسي فشرحت له حالها و أخبرته أن معها بنات أيتام و هي امرأة شريفة غريبة و قصت عليه ما جرى لها مع الشيخ المسلم فقام و أرسل بعض نسائه و أتوا بها و بناتها إلى داره فأطعمهن أطيب الطعام و ألبسهن أفخر اللباس و باتوا عنده في نعمة و كرامة قال فلما انتصف الليل رأى ذلك الشيخ المسلم في منامه كأن القيامة قد قامت و قد عقد اللواء على رأس النبي صلى الله عليه و سلم و إذا القصر من الزمرد الأخضر شرفاته من اللؤلؤ و الياقوت و فيه قباب اللؤلؤ و المرجان فقال : يا رسول الله لمن هذا القصر ؟ قال لرجل مسلم موحد فقال : يا رسول الله أنا رجل مسلم موحد

فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أقم عندي البينة أنك مسلم موحد قال : فبقي متحيرا فقال له صلى الله عليه و سلم : لما قصدتك المرأة العلوية قلت أقيمي عندي البينة أنك علوية فكذا أنت أقم عندي البينة أنك مسلم : فانتبه الرجل حزينا على رده المرأة خائبة ثم جعل يطوف بالبلد و يسأل عنها حتى دل عليها أنها عند المجوسي فأرسل إليه فأتاه فقال له : أريد منك المرأة الشريفة العلوية و بناتها فقال : ما إلى هذا من سبيل و قد لحقني من بركاتهم ما لحقني قال : خذ مني ألف دينار و سلمهن إلي فقال لا أفعل فقال : لا بد منهن فقال : الذي تريده أنت أنا أحق به و القصر الذي رأيته في منامك خلق لي أتدل علي بالإسلام ؟ فوالله ما نمت البارحة أنا و أهل داري حتى أسلمنا كلنا على يد العلوية و رأيت مثل الذي رأيت في منامك و قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : العلوية و بناتها عندك ؟ قلت : نعم يا رسول الله قال : القصر لك و لأهل دارك و أنت و أهل دارك من أهل الجنة خلقك الله مؤمنا في الأزل قال : فانصرف المسلم و به من الحزن و الكآبة ما لا يعلمه إلا الله فانظر رحمك الله إلى بركة الإحسان إلى الأرملة و الأيتام نا أعقب صاحبه من الكرامة في الدنيا !
و لهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ الساعي على الأرملة و المساكين كالمجاهد في سبيل الله ] قال الراوي أحسبه قال : [ و كالقائم لا يفتر و كالصائم لا يفطر ] و الساعي عليهم هو القائم بأمورهم و مصالحهم ابتغاء وجه الله تعالى وفقنا لله لذلك بمنه و كرامه أنه جواد كريم رؤوف غفور رحيم

الكبيرة الرابعة عشرة : الكذب على الله عز و جل و على رسوله صلى الله عليه و سلم

قال الله عز و جل :
{ و يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة }
قال الحسن : هم الذين يقولون : إن شئنا فعلنا و إن شئنا لم نفعل قال ابن الجوزي في تفسيره : و قد ذهب طائفة من العلماء إلى أن الكذب على الله و على رسوله كفر ينقل عن الملة و لا ريب أن الكذب على الله و على رسوله في تحليل حرام و تحريم حلال كفر محض و إنما الشأن في الكذب عليه فيما سوى ذلك
و قال صلى الله عليه و سلم : [ من كذب علي بني له بيت في جهنم ] و قال صلى الله عليه و سلم : [ و من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ] و قال صلى الله عليه و سلم : [ من روى عني حديثا و هو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ]
و قال صلى الله عليه و سلم : [ إن كذبا علي ليس ككذب على غيري من كذب علي معمدا فليتبوأ مقعده من النار ] و قال صلى الله عليه و سلم : [ من يقل عني ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار ] و قال صلى الله عليه و سلم : [ يطبع المؤهل على كل شيء إلا الخيانة و الكذب ] نسأل الله التوفيق و العصمة إنه جواد كريم

الكبيرة الخامسة عشرة : الفرار من الزحف

و إذا لم يزد على ضعف المسلمين إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة و إن بعدت قال الله تعالى :
{ و من يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله و مأواه جهنم و بئس المصير }
و [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اجتنبوا السبع الموبقات قالوا : و ما هن يا رسول الله ؟ قال : الشرك بالله و السحر و قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق و أكل الربا و أكل مال اليتيم و التولي يوم الزحف و قذف المحصنات الغافلات المؤمنات ]
و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين }
فكتب الله عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين ثم نزلت :
{ الآن خفف الله عنكم و علم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين و إن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله و الله مع الصابرين } فكتب أن لا يفر مائة من مائتين رواه البخاري

الكبيرة السادسة عشرة : غش الإمام الرعية و ظلمه لهم

قال الله تعالى : { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس و يبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم }
و قال الله تعالى : { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار * مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء }
و قال الله تعالى : { و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون }
و قال الله تعالى : { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون }

و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من غشنا فليس منا ] و قال عليه السلام : [ الظلم ظلمات يوم القيامة ] و قال صلى الله عليه و سلم : [ كلكم راع و كلكم مسئول عن رعيته ] و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أيما راع غش رعيته فهو في النار ] و قال صلى الله عليه و سلم : [ من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بنصيحة إلا حرم الله عليه الجنة ] أخرجه البخاري و في لفظ : [ يموت يوم يموت و هو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ]
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ما من حاكم يحكم بين الناس إلا حبس يوم القيامة و ملك آخذ بقفاه فإن قال ألقه ألقاه فهوى في جهنم أربعين خريفا ] رواه الإمام أحمد
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ويل للأمراء ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقة بالثريا يعذبون و لم يكونوا عملوا من شيء ]

و قال صلى الله عليه و سلم : [ ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط ]
و قال صلى الله عليه و سلم : [ ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه إما أطلقه عدله أو أوبقه جوره ]
و من دعاء رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ اللهم من ولي من أمر هذه الأمة شيئا فرفق بهم فارفق به و من شفق عليهم فاشفق عليه ] و قال صلى الله عليه و سلم : [ من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم و خلتهم و فقرهم احتجب الله دون حاجته و خلته و فقره ]
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ سيكون أمراء فسقة جورة فمن صدقهم بكذبهم و أعانهم على ظلمهم فليس مني و لست منه و لن يرد على الحوض ]
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ صنفان من أمتي لن تنالهم شفاعتي : سلطان ظلوم غشوش و غال في الدين يشهد عليهم و يتبرأ منهم ]

و قال عليه السلام : [ أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام جائر ] و في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ أيها الناس مروا بالمعروف و انهوا عن النكر قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم و قبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم إن الأحبار من اليهود و الرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم ثم عمهم بالبلاء ]
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ]
[ و من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا و لا عدلا ]
و في الحديث أيضا [ من لا يرحم لا يرحم لا يرحم الله من لا يرحم الناس ] و قال صلى الله عليه و سلم : [ الإمام العادل يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ] و قال : [ المقسطون على منابر من نور و الذين يعدلون في حكمهم و أهليهم و ما ولوا ]
و لما بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم معاذا رضي الله عنه إلى اليمن قال : [ إياك و كرائم أموالهم و اتقي دعوة المظلوم فإنها ليس بينها و بين الله حجاب ] رواه البخاري و قال عليه الصلاة و السلام : : [ ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة : فذكر منهم الملك الكذاب و قال : إنكم ستحرصون على الإمارة و ستكون ندامة يوم القيامة ] رواه البخاري و فيه أيضا : [ و إنا و الله لا نولي هذا العمل أحدا سأله أو أحدا حرص عليه ]

و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ يا كعب بن عجرة أعاذك الله من إمارة السفهاء أمراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهدي و لا يستنون بسنتي ] و [ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة و من غلب جوره عدله فله النار ]
و قال : [ ستحرصون على الإمارة و ستكون ندامة يوم القيامة ]

و قال عمر لأبي ذر رضي الله عنهما : حدثني بحديث سمعته من رسول الله فقال أبو ذر : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : [ يجاء بالوالي يوم القيامة فينبذ به على جسر جهنم فيرتج به الجسر ارتجاجة لا يبقى منه مفصل إلا زال عن مكانه فإن كان مطيعا لله في عمله مضى به و إن كان عاصيا لله في عمله انخرق به الجسر فهوى به في جهنم مقدار خمسين عاما ] فقال عمر : من يطلب العمل بها يا أبا ذر ؟ قال : من سلت لله أنفه و ألصق خده بالتراب
و قال عمر بن المهاجر قال لي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم قل : يا عمر ما تصنع

يا راضيا باسم الظالم كم عليك من المظالم السجن جهنم و الحق الحاكم و لا حجة لك فيما تخاصم القبر مهول فتذكر حبسك و الحساب طويل فخلص نفسك و العمر كيوم فبادر شمسك تفرح بمالك و الكسب خبيث و تمرح بآمالك و السير حثيث إن الظلم لا يترك منه قدر أنملة فإذا رأيت ظالما قد سطا فنم له فربما بات فأخذت جنبه من الليل نملة أي قروح في الجسد

الكبيرة السابعة عشر : الكبر

الكبر و الفخر و الخيلاء و العجب و التيه ـ قال الله تعالى : { و قال موسى إني عذت بربي و ربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب } و قال الله تعالى : { إنه لا يحب المستكبرين }
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ بينما رجل يتبختر في مشيه إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلل فيها إلى يوم القيامة ] و قال عليه الصلاة و السلام : [ يحشر الجبارون المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس يغشاهم الذل من كل مكان ] و قال بعض السلف أول ذنب عصي الله به الكبر
قال الله تعالى : { و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى و استكبر و كان من الكافرين }
فمن استكبر على الحق لم ينفعه إيمانه كما فعل إبليس
و عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال : [ لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر ] رواه مسلم

و قال الله تعالى : { إن الله لا يحب كل مختال فخور } و قال صلى الله عليه و سلم : قال الله تعالى : [ العظمة إزاري و الكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما ألقيته في النار ] رواه مسلم المنازعة : المجاذبة
و قال صلى الله عليه و آله و سلم : [ اختصمت الجنة و النار فقالت الجنة مالي ما يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم ؟ و قالت النار أوثرت بالجبارين و المتكبرين ] الحديث و قال الله تعالى : { و لا تصعر خدك للناس و لا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور } أي لا تمل خدك معرضا متكبرا و المرح التبختر

و قال سلمة بن الأكوع : [ أكل رجل عند رسول الله صلى الله عليه و سلم بشماله قال : كل بيمينك قال : لا أستطيع فقال : لا استطعت ما منعه إلا الكبر فما رفعها إلى فيه بعد ] رواه مسلم و قال عليه الصلاة و السلام : [ ألا أخبركم بأهل النار ؟ كل عتل جواظ مستكبر ] : العتل الغليظ الجافي و الجواظ : الجموع المنوع و قيل الضخم المختال في مشيته و قيل البطين
[ عن ابن عمر رضي الله عنهما : قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ما من رجل يختال في مشيته و يتعاظم في نفسه إلا لقي الله و هو عليه غضبان ] و صح من حديث أبي هريرة : [ أول ثلاثة يدخلون النار : أمير مسلط أي ظالم و غني لا يؤدي الزكاة و فقير فخور ] و في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم : المسبل المنان و المنفق سلعته بالحلف الكاذب ] و المسبل هو الذي يسبل إزاره أو ثيابه أو سراويله حتى يكون إلى قدميه لأنه صلى الله عليه و سلم قال : [ ما أسبل من الكعبين من الإزار فهو في النار ]

و أشر الكبر الذي فيه من يتكبر على العباد بعلمه و يتعاظم في نفسه بفضيلته فإن هذا لم ينفعه علمه فإن من طلب العلم للآخرة كسره علمه وخشع قلبه و استكانت نفسه و كان على نفسه بالمرصاد فلا يفتر عنها بل يحاسبها كل وقت و يتفقدها فإن غفل عنها جمحت عن الطريق المستقيم و أهلكته و من طلب العلم للفخر و الرياسة و بطر على المسلمين و تحامق عليهم و ازدراهم فهذا من أكبر الكبر و لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم

الكبيرة الثامنة عشرة : شهادة الزور

قال الله تعالى : { و الذين لا يشهدون الزور } الآية و في الأثر عدلت شهادة الزور الشرك بالله تعالى مرتين و قال الله تعالى : { و اجتنبوا قول الزور }
و في الحديث : [ لا تزول قدما شاهد الزور يوم القيامة حتى تجب له النار ] قال المصنف رحمه الله تعالى : شاهد الزور قد ارتكب عظائم ( أحدها ) الكذب و الإفتراء قال الله تعالى : { إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب }
و في الحديث : [ يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة و الكذب ] و ( ثانيها ) إنه ظلم الذي شهد حتى أخذ بشهادته ماله و عرضه و روحه و ( ثالثها ) : إنه ظلم الذي شهد له بأن ساق إليه المال الحرام فأخذه بشهادته فوجبت له النار و قال صلى الله عليه و سلم : [ من قضيت له من مال أخيه بغير حق فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار ] و ( رابعها ) : أباح ما حرم الله تعالى و عصمه من المال و الدم و العرض قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ الإشراك بالله و عقوق الوالدين ألا و قول الزور ألا و شهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ] رواه البخاري فنسأل الله تعالى السلامة و العافية من كل بلاء

الكبيرة التاسعة عشر : شرب الخمر

قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } فقد نهى عز و جل في هذه الآية عن الخمر و حذر منها و قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ] فمن لم يجتنبها فقد عصى الله و رسوله و استحق العذاب بمعصية الله و رسوله قال الله تعالى : { و من يعص الله و رسوله و يتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها و له عذاب مهين }

و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزل تحريم الخمر مشى الصحابة بعضهم إلى بعض و قالوا حرمت الخمر و جعلت عدلا للشرك
و ذهب عبد الله بن عمرو إلى أن الخمر أكبر الكبائر و هي بلا ريب أم الخبائث و قد لعن شاربها في غير حديث و عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ كل مسكر خمر و كل خمر حرام و من شرب الخمر في الدنيا و مات و لم يتب منها و هو مدمنها لم يشربها في الآخرة ] رواه مسلم و روى مسلم : [ عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قيل : يا رسول الله و ما طينة الخبال ؟ قال : عرق أهل النار أو عصارة أهل النار ]

و في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ من شرب الخمر في الدنيا يحرمها في الآخرة ]

ذكر ذكر أن مدمن الخمر كعابد وثن

ذكر أن مدمن الخمر كعابد وثن : رواه الإمام أحمد في مسنده [ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : مدمن الخمر كعابد وثن ]

ذكر أن مدمن الخمر إذا مات و لم يتب لا يدخل الجنة

ذكر أن مدمن الخمر إذا مات و لم يتب لا يدخل الجنة : روى النسائي [ من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : لا يدخل الجنة عاق و لا مدمن خمر ] و في رواية [ ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة مدمن الخمر و العاق لوالديه و الديوث و هو الذي يقر السوء في أهله ]

ذكر أن السكران لا يقبل منه حسنة

ذكر أن السكران لا يقبل منه حسنة : روى [ جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ثلاثة لا تقبل لهم صلاة و لا ترفع لهم حسنة إلى السماء : العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه فيضع يده في أيديهم و المرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى عنها و السكران حتى يصحو ]

و الخمر ما خامر العقل أي غطاه سواء كان رطبا أو يابسا أو مأكولا أو مشروبا و [ عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا يقبل الله لشارب الخمر صلاة ما دام في جسده شيء منها ] و في رواية [ من شرب الخمر لم يقبل الله منه شيئا و من سكر منها لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب ثم عاد كان حقا على الله أن يسقيه من مهل جهنم ] و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من شرب الخمر و لم يسكر أعرض الله عنه أربعين ليلة و من شرب الخمر و سكر لم يقبل الله منه صرفا و لا عدلا أربعين ليلة فإن مات فيها مات كعابد وثن و كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال قيل : يا رسول الله و ما طينة الخبال ؟ قال : عصارة أهل النار القيح و الدم ]
و قال عبد الله بن أبي أوفى : من مات مدمنا للخمر مات كعابد اللات و العزى قيل : أرأيت مدمن الخمر هو الذي لا يستفيق من شربها ؟ قال : لا و لكن هو الذي يشربها إذا وجدها و لو بعد سنين

ذكر أن من شرب الخمر لا يكون مؤمنا حين يشربها

ذكر أن من شرب الخمر لا يكون مؤمنا حين يشربها : [ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم : لا يسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن و لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن و لا يشرب الخمر حين يشربها و هو مؤمن و التوبة معروضة بعد ] أخرجه البخاري و في الحديث : [ من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه ] و فيه : من شرب الحمر ممسيا أصبح مشركا و من شربها مصبحا أمسى مشركا و فيه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ إن رائحة الجنة لتوجد من مسيرة خمسمائة عام و لا يجد ريحها عاق و لا منان و لا مدمن خمر و لا عابد وثن ] و روى الإمام أحمد من [ حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا يدخل الجنة مدمن خمر و لا مؤمن بسحر و لا قاطع رحم و من مات و هو يشرب الخمر سقاه الله من نهر الغوطة و هو ماء يجري من فروج المومسات ـ أي الزانيات يؤذي أهل النار ريح فروجهن ]
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ إن الله بعثني رحمة و هدى للعالمين بعثني لأمحق المعازف و المزامير و أمر الجاهلية و أقسم ربي تعالى بعزته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من الخمر إلا سقيته مثلها من حميم جهنم و لا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيته إياها في حظائر القدس مع خير الندماء ]

ذكر من لعن في الخمر

ذكر من لعن في الخمر : روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ لعنت الخمر بعينها و شاربها و ساقيها و بائعها و مبتاعها و عاصرها و معتصرها و حاملها و المحمولة إليه و آكل ثمنها ] و رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : [ أتاني جبريل عليه السلام فقال : يا محمد إن الله لعن الخمر و عاصرها و معتصرها و بائعها و مبتاعها و شاربها و آكل ثمنها و حاملها و المحمولة إليه و ساقيها و مستقيها ]

ذكر النهي عن عيادة شربة الخمر إذا مرضوا

ذكر النهي عن عيادة شربة الخمر إذا مرضوا و كذلك لا يسلم عليهم :
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : لا تعودوا شراب الخمر إذا مرضوا قال البخاري و قال ابن عمر لا تسلموا على شربة الخمر و قال صلى الله عليه و سلم : [ لا تجالسوا شراب الخمر و لا تعودوا مرضاهم و لا تشهدوا جنائزهم و إن شارب الخمر يجيء يوم القيامة مسودا وجهه مدلعا لسانه على صدره يسيل لعابه يقذره كل من رآه و عرفه أنه شارب خمر ]
قال بعض العلماء : إنما نهى عن عيادتهم و السلام عليهم لأن شارب الخمر فاسق ملعون قد لعنه الله و رسوله كما تقدم في قوله : لعن الله الخمور و شاربها الحديث فإن اشتراها و عصرها كان ملعونا مرتين و إن سقاها لغيره كان ملعونا ثلاث مرات فلذلك نهى عن عيادته و السلام عليه إلا أن يتوب فمن تاب تاب الله عليه

ذكر أن الخمر لا يحل التداوي بها

ذكر أن الخمر لا يحل التداوي بها : [ عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : اشتكت ابنة لي فنبذت لها في كوز فدخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يغلي فقال : ما هذا يا أم سلمة ؟ فذكرت له أني أداوي به ابنتي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها ]

ذكر أحاديث متفرقة رويت في الخمر

ذكر أحاديث متفرقة رويت في الخمر : من ذلك ما ذكره أبو نعيم في الحلية عن أبي موسى رضي الله عنه قال : أتي النبي صلى الله عليه و سلم بنبيذ في جرة له نشيش فقال : [ اضربوا بهذا الحائط فإن هذا شرب من لا يؤمن بالله و اليوم الآخر ]
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من كان في صدره آية من كتاب الله و صب عليها الخمر يجيء يوم القيامة كل حرف من تلك الآية فيأخذ بناصيته حتى يوقفه بين يدي الله تبارك و تعالى فيخاصمه و من خاصمه القرآن خصم فالويل لمن كان القرآن خصمه يوم القيامة ] و جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم : [ ما من قوم اجتمعوا على مسكر في الدنيا إلا جمعهم الله في النار فيقبل بعضهم على بعض يتلاومون يقول أحدهم للآخر : يا فلان لا جزاك الله عني خيرا فأنت الذي أوردتني هذا المورد و يقول له الآخر مثل ذلك ] و جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ من شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من سم الأساودة شربة يتساقط لحم وجهه في الإناء قبل أن يشربها فإذا شربها تساقط لحمه و جلده يتأذى به أهل النار ألا وشاربها و عاصرها و معتصرها و حاملها و المحمولة إليه و آكل ثمنها شركاء في إثمها لا يقبل الله منهم صلاة و لا صوم و لا حجا حتى يتوبوا فإن ماتوا قبل التوبة كان حقا على الله أن يسقيهم بكل جرعة شربوها في الدنيا من صديد جهنم ألا و كل مسكر خمر و كل خمر حرام ]
و يدخل في قوله صلى الله عليه و سلم كل مسكر خمر : الحشيشة كما سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى روي : [ أن شربة الخمر إذا أتوا على الصراط يتخطفهم الزبانية إلى نهر الخبال فيسقون بكل كأس شربوها من الخمر شربة من نهر الخبال فلو أن تلك الشربة تصب من السماء لأحرقت السماوات من حرها ] نعوذ بالله منها

ذكر الآثار عن السلف في الخمر

ذكر الآثار عن السلف في الخمر : ذكر ابن مسعود رضي الله عنه قال : إذا مات شارب الخمر فادفنوه ثم اصلبوه على خشبة ثم انبشوا عنه قبره فإن لم تروا وجهه مصروفا عن القبلة و إلا فاتركوه مصلوبا و عن الفضيل بن عياض أنه حضر عند تلميذ له حضرته الوفاة فجعل يلقنه الشهادة و لسانه لا ينطق بها فكررها عليه فقال : لا أقولها و أنا بريء منها فخرج الفضيل من عنده و هو يبكي ثم رآه بعد مدة في منامه و هو يسحب به إلى النار فقال له : يا مسكين بم نزعت منك المعرفة ؟ فقال : يا أستاذ كان بي علة فأتيت بعض الأطباء فقال لي تشرب في كل سنة قدحا من الخمر و إن لم تفعل تبقى بك علتك فكنت أشربها في كل سنة لأجل التداوي ! فهذا حال من شربها للتداوي فكيف حال من يشربها لغير ذلك ؟ نسأل الله العفو و العافية من كل بلاء

و سئل بعض التائبين عن سبب توبته فقال : كنت أنبش القبور فرأيت فيها أمواتا مصروفين عن القبلة فسألت أهليهم عنهم فقالوا : كانوا يشربون الخمر في الدنيا و ماتوا من غير توبة و قال بعض الصالحين : مات لي ولد صغير فلما دفنته رأيته بعد موته في المنام و قد شاب رأسه فقلت : يا ولدي دفنتك و أنت صغير فما الذي شيبك ؟ فقال : يا أبتي دفن إلى جانبي رجل ممن كان يشرب الخمر في الدنيا فزفرت جهنم لقدومه زفرة لم يبق منها طفل إلا شاب رأسه من شدة زفرتها نعوذ بالله منها و نسأل الله العفو و العافية مما يوجب العذاب في الآخرة
فالواجب على العبد أن يتوب إلى الله تعالى قبل أن يدركه الموت و هو على أشر حالة فيلقى في النار نعوذ بالله منه

فصل : و الحشيشة المصنوعة من ورق القنب حرام كالخمر

فصل : و الحشيشة المصنوعة من ورق القنب حرام كالخمر يحد شاربها كما يحد شارب الخمر و هي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل و المزاج حتى يصير في الرجل تخنث و دياثة و غير ذلك من الفساد و الخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة و المقاتلة و كلاهما يصد عن ذكر الله و عن الصلاة

و قد توقف بعض العلماء المتأخرين في حدها و رأى أن أكلتها تعزر بما دون الحد حيث ظنها تغير العقل من غير طرب بمنزلة البنج و لم يجد العلماء المتقدمين فيها كلاما و ليس كذلك بل أكلتها ينشون و يشتهونها كشراب الخمر و أكثر حتى لا يصبروا عنها و تصدهم عن ذكر الله و الصلاة إذا أكثرا منها مع ما فيها من الدياثة و التخنث و فساد المزاج و العقل و غير ذلك لكن لما كانت جامدة مطعومة ـ ليست شرابا ـ تنازع العلماء في نجاستها على ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد و غيره فقيل : هي نجسة كالخمر المشروبة و هذا هو الإعتبار الصحيح و قيل : لا لجمودها و قيل يفرق بين جامدها و مائعها و بكل حال : فهي داخلة فيما حرم الله و رسوله من الخمر المسكر لفظا و معنى قال أبو موسى : يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع و هو من العسل ينبذ حتى يشتد و المزر و هو الذرة و الشعير ينبذ حتى يشتد قال : و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أعطى جوامع الكلم بخواتمه فقال صلى الله عليه و سلم : [ كل مسكر حرام ] رواه مسلم و قال صلى الله عليه و سلم : [ ما أسكر كثيره فقليله حرام ] و لم يفرق صلى الله عليه و سلم بين نوع و نوع لكونه مأكولا أو مشروبا على أن الخمر قد يصطنع بها يعني الخبز و هذه الحشيشة قد تذاب بالماء و تشرب و الخمر يشرب و يؤكل و الحشيشة تشرب و تؤكل و إنما لم يذكرها العلماء لأنها لم تكن على عهد السلف الماضي و إنما حدثت في مجيء التتار إلى بلاد الإسلام و قد قيل في وصفها شعرا :
( فآكلها و زارعها حلالا ... فتلك على الشقي مصيبتان )

فوالله ما فرح إبليس بمثل فرحه بالحشيشة

فوالله ما فرح إبليس بمثل فرحه بالحشيشة لأنه زينها للأنفس الخسيسة فاستحلوها و استرخصوها :
( قل لمن يأكل الحشيشة جهلا ... عشت بأكلها بأقبح عيشة )
( قيمة المرء جوهر فلماذا ... يا أخا الجهل بعته بحشيشة )

حكاية أن شابا جاء إلي عبد الملك بن مروان باكيا حزينا

حكاية : عن عبد الملك بن مروان : أن شابا جاء إليه باكيا حزينا فقال : يا أمير المؤمنين إني ارتكبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة ؟ قال و ما ذنبك ؟ قال : ذنبي عظيم قال : و ما هو فتب إلى الله تعالى فإنه يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيئات قال : يا أمير المؤمنين كنت أنبش القبور و كنت أرى فيها أمورا عجيبة قال : و ما رأيت ؟ قال يا أمير المؤمنين نبشت ليلة قبرا فرأيت صاحبه قد حول وجهه عن القبلة فخفت منه و أردت الخروج فإذا أنا بقائل يقول في القبر : ألا تسأل عن الميت لماذا حول وجهه عن القبلة ؟ فقلت : لماذا حول ؟ قال : لأنه كان مستخفا بالصلاة هذا جزاء مثله ثم نبشت قبرا آخر فرأيت صاحبه قد حول خنزيرا و قد شد بالسلاسل و الأغلال في عنقه فخفت منه و أردت الخروج و إذا بقائل يقول لي : ألا تسأل عن عمله و لماذا يعذب ؟ فقلت : لماذا ؟ فقال : كان يشرب الخمر في الدنيا و مات من غير توبة و الثالث يا أمير المؤمنين نبشت قبرا فوجدت صاحبه قد شد بالأرض بأوتار من نار و أخرج لسانه من قفاه فخفت و رجعت و أردت الخروج فنوديت : ألا تسأل عن حاله لماذا ابتلي ؟ فقالت : لماذا ؟ فقال : كان لا يتحرز من البول و كان ينقل الحديث بين الناس فهذا جزاء مثله و الرابع يا أمير المؤمنين نبشت قبرا فوجدت صاحبه قد اشتعل نارا فخفت منه و أردت الخروج فقيل : ألا تسأل عنه و عن حاله ؟ فقلت و ما حاله ؟ فقال : كان تاركا للصلاة و الخامس يا أمير المؤمنين نبشت قبرا فرأيته قد وسع على الميت مد البصر و فيه نور ساطع و الميت نائم على سرير و قد أشرق نوره و عليه ثياب حسنة فأخذتني منه هيبة و أردت الخروج فقيل لي : هلا تسأل عن حاله لماذا أكرم بهذه الكرامة فقلت : لماذا أكرم ؟ فقيل لي : لأنه كان شابا طائعا نشأ في طاعة الله عز و جل و عبادته فقال عبد الملك عند ذلك : إن في هذا لعبرة للعاصين و بشارة للطائعين فالواجب على المبتلي بهذه المعائب المبادرة إلى التوبة و الطاعة جعلنا الله و إياكم من الطائعين و جنبنا أفعال الفاسقين إنه جواد كريم

الكبيرة العشرون : القمار

قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون }
و الميسر هو القمار بأي نوع كان : نرد أو شطرنج أو فصوص أو كعاب أو جوز أو بيض أو حصى أو غير و هو من أكل أموال الناس بالباطل الذي نهى الله عنه بقوله : { و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } و داخل في قول النبي صلى الله عليه و سلم : [ إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة ] و في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ من قال لصاحبه تعالى أقامرك فليتصدق ] فإذا كان مجرد القول يوجب الكفارة أو الصدقة فما ظنك بالفعل ؟ !

فصل : اختلف العلماء في النرد و الشطرنج

فصل : اختلف العلماء في النرد و الشطرنج إذا خليا عن رهن اتفقوا على تحريم اللعب بالنرد لما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير و دمه ] أخرجه مسلم و قال صلى الله عليه و سلم : [ من لعب بالنرد فقد عصى الله و رسوله ] و قال ابن عمر رضي الله عنه اللعب بالنرد قمار كالدهن بودك الخنزير
قال : و أما الشطرنج فأكثر العلماء على تحريم اللعب بها سواء كان برهن أو بغيره أما الرهن فهو قمار بلا خلاف و أما الكلام إذا خلا عن الرهن فهو أيضا قمار حرام عند أكثر العلماء و حكي إباحته في رواية عن الشافعي : إذا كان في خلوة و لم يشغل عن واجب و لا عن صلاة في وقتها و سئل النووي رحمه الله عن العب بالشطرنج أحرام أم جائز ؟ فأجاب رحمه الله تعالى : هو حرام عند أكثر أهل العلم و سئل أيضا رحمه الله عن لعب الشطرنج هل يجوز أم لا و هل يأثم اللاعب بها أم لا ؟ أجاب رحمه الله : إن فوت به صلاة عن وقتها أو لعب بها على عوض فهو حرام و إلا فمكروه عند الشافعي و حرام عند غيره و هذا كلام النووي في فتاويه

و الدليل على تحريمه على قول الأكثرين في قول الله تعالى : { حرمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير } إلى قوله { و أن تستقسموا بالأزلام } قال سفيان و وكيع بن الجراح : هي الشطرنج و قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الشطرنج ميس الأعاجم و مر رضي الله عنه على قوم يلعبون بها فقال : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟ لأن يمس أحدكم جمرا حتى يطفى خير له من أن يمسها ثم قال : و الله لغير هذا خلقتم و قال أيضا رضي الله عنه : صاحب الشطرنج أكذب الناس يقول أحدهم : قتلت و ما قتل و مات و ما مات و قال أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه : لا يلعب بالشطرنج إلا خاطىء

و قيل لاسحاق بن راهوية أترى في اللعب بالشطرنج بأس ؟ فقال : البأس كله فيه فقيل له : إن أهل الثغور يلعبون بها لأجل الحرب فقال : هو فجور و سئل محمد بن كعب القرظي عن اللعب بالشطرنج فقال : أدنى ما يكون فيها أن اللاعب بها يعرض يوم القيامة أو قال يحشر يوم القيامة مع أصحاب الباطل
و سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن الشطرنج فقال : هي أشر من النرد و تقدم الكلام عن تحريمه و سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله عن الشطرنج فقال : الشطرنج من النرد بلغنا عن ابن عباس أنه ولي مالا ليتيم فوجدها فوجدها في تركة والد اليتيم فأحرقها و لو كان اللعب بها حلالا لما جاز له أن يحرقها لكونها مال اليتيم و لكن لما كان اللعب بها حراما أحرقها فتكون من جنس الخمر إذا وجد في مال اليتيم وجبت إراقته كذلك الشطرنج و هذا مذهب حبر الأمة رضي الله عنه و قيل لإبراهيم النخعي : ما تقول في اللعب بالشطرنج ؟ فقال : إنها ملعونة

و روى أبو بكر الأثرم في جامعه [ عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن الله في كل يوم ثلثمائة رضي الله عنه ستين نظرة إلى خلقه ليس لصاحب الشاه فيها نصيب ـ يعني لا عب الشطرنج لأنه يقول شاه مات ] و روى أبو بكر الأجري باسناده [ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بهذه الأزلام النرد و الشطرنج و ما كان من اللهو فلا تسلموا عليهم فإنهم إذا اجتمعوا و أكبوا عليها جاءهم الشيطان بجنوده فأحدق بهم كلما ذهب واحد منهم يصرف بصره عنها لكزه الشيطان بجنوده فلا يزالون يلعبون حتى يتفرقوا كالكلاب اجتمعت على جيفة فأكلت منها حتى ملأت بطونها ثم تفرقت و لأنهم يكذبون عليها فيقولون : شاه مات ] و روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ أشد الناس عذابا يوم القيامة صاحب الشاه يعني صاحب الشطرنج ألا تراه يقول قتلته و الله مات و الله افترى و كذب على الله ]

و قال مجاهد : ما من ميت يموت إلا مثل له جلساؤه الذين كان يجالسهم فاحتضر رجل ممن كان يلعب بالشطرنج فقيل له : قل لا إله إلا الله فقال : شاهك ثم مات فغلب على لسانه ما كان يعتاده حال حياته في اللعب فقال عوض كلمة الإخلاص : شاهك و هذا كما جاء في إنسان آخر ممن كان يجالس شراب الخمر إنه حين حضره الموت فجاءه إنسان يلقنه الشهادة فقال له : اشرب و اسقني ثم مات فلا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم و هذا كما جاء في حديث مروي : يموت كل إنسان على ما عاش عليه و يبعث على ما مات عليه فنسأل الله المنان بفضله أن يتوفانا مسلمين لا مبدلين و لا مغيرين و لا ضالين و لا زائغين إنه جواد كريم


EmoticonEmoticon