Wednesday, May 15, 2013

حكم المرتد والزنديق على المذاهب الأربعة

Tags

حكم المرتد والزنديق على المذاهب الأربعة


مبحث حكم المرتد والزنديق
كتاب الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري

محتويات

مبحث حكم المرتد - تعريف المرتد

الردة - والعياذ بالله تعالى - كفر مسلم تقرر إسلامه بالشهادتين مختارا بعد الوقوف على الدعائم، والتزامه أحكام الإسلام ويكون ذلك بصريح القول كقوله: أشرك بالله، أو قول يقتضي الكفر، كقوله: إن اللّه جسم كالأجسام أو بفعل يستلزم الكفر لزماً بيناً كإلقاء مصحق، أو بعضه ولو كلمة، أو حرقه استخفافاً لا صوناً، أو علاجاً لمريض، ومثل إلقائه، وتركه في مكان قذر، ولو طاهراً كبساق أو تلطيخه به، نحو تقليب ورق بالبصاق، ومثل المصحق الحديث، وأسماء اللّه الحسنى، وكتب الحديث، وكذا كتب الفقه إذا كان علي وجه الاستخفاف بالشريعة الإسلامية، وأحكامها، أو تحقيرها، وكذا أسماء النبياء. وشد الزنار ميلا للكفر، أما لو لبسه لعباً فهو حرام. مع دخول الكنائس. أو سجوده لصنم. وكذلك يكفر بتعلم السحر، والعمل به، لأنه كلام يعظم غير اللّه تعالى، وتنسب إليه المقادير،

وكذلك يكفر بقوله: إن القالم قديم، وهو ما سوى اللّه تعالى، لأنه يستلزم عدم وجود الصانع أو يقول: إن العالم باق على الدوام فلا يفنى، لأنه يستلزم إنكار القيامة، ولو أعتقد حدوثه، وهو تكذيب للقرآن الكريم، وكذلك الشك في قدم العالم، أو بقائه، أو أنكر وجود اللّه تعالى، ويكفر كذلك من قال: بتناسخ الرواح، أي أن من مات تنتقل روحه إلى غيره، لأن فيه إنكار البعث، ويكفر إذا أنكر حكما أجمعت ألامة عليه كوجوب الصلاة، أو تحريم الزنا، أو إنكار الصوم، ويكفر إذا أنكر بقوله بجواز اكتساب النبوة، وتحصيلها بسبب الرياضة، لأنه يستلزم جواز وقوعها بعد النبي، أو سب نبي أجمعت الأمة على نبوته أو سب ملكاً من الملائكة يجمع على ملكيته، ويكفر أن عرض في كلامه بسب نبي، أو ملك، بأن قال عند ذكره، أما أنا فلست بزان أو بساحر، أو ألحق بنبي، أو ملك نقصاص، ولو ببدنه، كعرج وشلل، أو طعن في وفور علمه، إذ كل نبي أعلم أهل زمانه، وسيدهم صلى اللّه عليه وسلم أعلم الخلق أجمعين، أو طعن في أخلاق نبي،او في دينه، ويكفر إذا ذكر الملائكة بالأوصاف القبيحة، أو طعن في وفور زهد نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

استتابة المرتد

قال الأئمة: لا بد في إثبات الردة من شهادة رجلين عدلين، ولا بد من اتحاد المشهود به، فإذا شهدا بأنه كفر قال القاضي لهما باي شيء؟ فيقول الشاهد: يقول كذا، اويفعل كذا.
واتفق الأئمة الأربعة عليهم رحمه اللّه تعالى: على أن من ثبت ارتداده عن الإسلام والعياذ بالله وجب قتله، وأهدر دمه، وعلى أن قتل الزنديق واجب، وهو الذي يضمر الكفر ويتظاهر.


حكم المرتد عند الحنفية

الحنفية قالوا: إذا ارتد المسلم عن الإسلام - والعياذ بالله تعالى - عرض عليه الإسلام فإن كانت له شبهة أبدها كشفت عنه، لأنه عساه اعترضته شبهة في الدين فتزاح عنه لأن فيه وقع شره بأحسن الأمرين، وهما القتل، والإسلام، إلا أن عرض الإسلام عليه مستحب، غير واجب، لأن الدعوة قد بلغته، وعرض الإسلام هو الدعوة إليه، ودعوة من بلغته الدعوة غير واجبة، بل هي مستحبة فإذا طلب الامهال، يستحب أن يؤجله القاضي ثلاثة ايام، ويحبس ثلاثة أيام فإن اسلم بعدها، وإلا قتل، لقول تعالى: {قاقتلوا المشركين} من غير قيد الامهال، وكذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) ولم يذكر التأجيل ولأن المرتد كافر حربي لا محالة، فليس بمستأمن لأنه لم يطلب الأمان، ولا ذمي لأنه ولم يذكر التأجيل ولأن المرتد كافر حربي لا محالة، فليس بمستأمن لأنه لم يطلب الأمان، ولا ذمي لأنه لم تقبل منه الجزية، فيجب قتله في الحال من غير استمهال، ولا يجوز تأخير الواجب لأمر موهوم، لأن دلائل الإسلام ظاهرة غير خفية، فإذا استمهل، فإن الإسلام حينئذ لا يكون موهوماً فيستحب تأخيره.
قالوا: لا قرق في وجوب قتل المرتدين كونه حراً، أو عبداً، لإطلاق الدلائل.

حكم المرتد عند الشافعية

الشافعية - قالوا: إذا ارتد المسلم، والعياذ بالله تعالى فإنه يجب على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام، ولا يحل له أن يقتله قبل ذلك، لأن ارتداد المسلم عن دينه يكون عن شبهة غالباً، فلا بد من مدة يمكنه التأمل فيها ليتبين له الحق، وقدرناها بثلاثة أيام، طلب ذلك، أو لم يطلب، وقصة سيدنا موسى صلى اللّه عليه وسلم مع العبد الصالح: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} فلما كانت الثالثة قال له: {قد بلغت من لدني عذراً}.

وروي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه أن رجلاً أتاه من قبل أبي موسى الشعري، فقال له: (هل من معربة خير؟ فقال: نعم، رجل ارتد عن الإسلام فقتلناه، فقال له: هلا حبستموه في بيت ثلاثة أيام، وأطعمتموه في كل يوم رغيفاً، لعله يتوب؟ ثم قال: اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض) أخرجه الإمام مالك رحمه اللّهن في كتابه الموطأ فتبري سيدنا عمر من فعلهم يقتضي وجوب الإمهال ثلاثة أيام قبل موت المرتد، فإن تاب ونطق بالشهادتين أو كلمة التوحيد، خلي سبيله، وإن لم يتب وجب قتله بالسيف فوراً. ولا يؤخر كسائر الحدود، السابقة، لأن الردة أفحش الكفر وأغلظه حكماً، وهي محبطة للعمل إن اتصلت بالموت، قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر} الآية وإن عاد إلى الإسلام لم يجب عليه أن يعيد حجه، لأن الردة أبطلت أعماله.

حكم المرتد عند المالكية

المالكية قالوا: يجب على الإمام أن يمهل المرتد ثلاثة أيام بلياليها، وابتداء الثلاثة، من يوم ثبوت الردة عليه، لا من يوم الكفر، ولا من يوم الرفع إلى الحاكم، ولا يلفق الثلاثة أيام، فيلغي يوم الثبوت إن سبق بالفجر، ويطعم في أيام الحبس، ويسقى، من ماله، ولا ينفق على ولده وزوجته منه، فإن لم يكن له ماله، فينفق عليه من بيت المال، سواء وعج بالتوبة، أو لم يعد، ولا يعاقب في السجن بضرب، ولو أصر على عدم الرجوع، وإنما يستتاب المرتد وجوباً ذلك القدر، صوناً للدماء، ودرأ للحدود بالشبهات، ويعرض عليه الإسلام عدة مرات، وتزال الشبهة التي تعرش له، ويهمل للتفكير، عسى أن يرجع ويتوب في هذه المدة، فلو حكم القاضي بقتله قبل المدة، مضى حكمه، لأنه حكم بمختلف فيه، فإن تاب بعد الأيام الثلاثة تركن وإن أصر على الكفر قتل بغروب الثالث، ولا يغسل ولا يكفن ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا في مقابر الكفارن لأنه ليس منهم حيث إسلامه، وإنما يلقى حتى يكون عبرة لغيره.

حكم المرتد عند الحنابلة

الحنابلة قالوا: في إحدى روايتيهم أنه يجب الاستتابة ثلاثة أيام مثل المالكيةن والشافعية. وفي رواية أخرى عنهم: إنه لا تجب الاستتابة، بل يعرض عليه الإسلام فإن قبل ترك وإلا يتحتم قتله حالاً.

حكم المرأة المرتدة

الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: إن المرأة المرتدة حكمها حكم المرتد من الرجال فيجب أن تستتاب قبل قتلها ثلاثة أيام، ويعرض عليها الإسلام: لأن دمها كان محترماً بالإسلام، وربما عرضت لها شبهة من فاسق، فيسعى في إزالتها. وقد ثبت وجوب الاستتابة عن سيدنا عمر رضي اللّه عنه.
وروى الدارقطني عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما أن امرأة يقال لها أم (رومان) ارتدت فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم (أن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلا قتلت) لأنها بالردة اصبحت مثل الحربية، فيجوز قتلها حداً، بل إن ذنبها أشنع من الحربيات، حيث أنها سبق لها الإسلام. ولقوله صلى اللّه عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) وهي كلمة تعم الرجال والنساء، ولأن ردة الرجل مبيحة للقتل بالإجماع من أن الردة جناية متغلظة، فتناط بها عقوبة متغلظة، وردة المرأة تشاركها فيها، فتشاركها في موجبها، وهو القتل.

حكم المرأة المرتدة عند المالكية

المالكية قالوا: إن المرأة المرتدة إذا كانت مرضعاً يؤخر قتلها لتمام رضاع طفلها، إن لم يوجد مرضع أو وجد، ولم يقبلها الولد، وتؤخر ذات الزوج، وكذلك المطلقة طلقة رجعية، أما البائن فإن ارتدت بعد حيض بعد طلاق فلا تؤخر، وإلا أخرت لحيضة، إن كانت من ذوات الحيض، ولو كانت عادتها في كل خمس سنين مرة، وإن كانت ممن لا تحيض لضعف وإياس مشكوك فيه استرئت ثلاثة أهر إن كانت ممن يتوقع حملها، وإن كانت ممن لا يتوقع حملها قتلت بعد الاستتابة، وإن لم يكن لها زوج لم تستبرأ.

حكم المرأة المرتدة عند الحنفية

الحنفية قالوا: إن المرأة المرتدة لا يجب قتلها، فإن قتلها رجل لم يضمن شيئاً حرة كانت أو عبدة، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم نهى عن قتل النساء، ولأن الأصل تأخير الأجزية إلى دار الآخرة، إذ تعجيلها يخل بمعنى الابتلاء، وإنما عدل عنه دفعاً لسر ناجز، وهو الحراب، ولا يتوجه ذلك من النساء لعدم صلاحية البنية بخلاف الرجال، فصارت المرتدة كالأصلية، وكل جزاء شرع في الدار ماهو ألا لمصالح تعود إلينا في هذه الدنيا، كالقصاص، وحد القذف، والشرب، والزنا، والسرقة، فشرعت لحفظ النفوس، والأعراض، والعقول، والأنساب، والأموال، فكذا يجب في القتل بالردة أن يكون لدفع شر حداً به، لا جزاء على فعل الكفر، لأن جزاءه أعظم من ذلك عند اللّه تعالى، فيختص لمن يأتي منه الحراب، وهو الرجل، ولهذا نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن قتل النساء، وعلله بأنها لم تكن تقاتل، على ما صح من الحديث فيما تقدم.

وما قيل: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قتل مرتدة، فقد قيل: إنه عليه الصلاة والسلام لم يقتلها بمجرد الردة، بل لأنها كانت ساحرة، شاعرة، تهجو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وكان لها ثلاثون ابناً، وهي تحرضهم على قتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأمر بقتلها لهذه الأسباب. ولكن يجب حبسها أبداً حتى تسلم، أو تمت، وتضرب كل يوم تسعة وثلاثين سوطاً. وهذا قتل معنى، لأن موالاة الضرب تفضي إليه، وإنما يجب حبسها لأنها امتنعت عن إيفاء حق اللّه تعالى بعد الإقرار فتجبر على إيفاء بالحبس، كما في حقوق العباد.
وفي الجامع الصير: تجبر المرأة على الإسلام حرة كانت أو أمة، والأمة يجبرها مولاها، لما فيه من الجمع بين الحقين يعني حق اللّه تعالى، وحق السيد، ولا تسترق الحرة المرتدة ما دامت في دار الإسلام، وإنما تضرب كل يوم، مبالغة في الحمل على اعتناق الإسلام، وكسبها لورثتها لأنه لا حراب منها، ويرثها زوجها المسلم.

وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة، عن عاصيم بن أبي النجود، عن أبي رزين، عن أبن عباس رضي اللّه عنهم، قال: (لا تقتل النساء إذا هن ارتدن عن الإسلام، ولكن يحبسن. ويدعين إلى الإسلام ويجبرن عليه).
عن أبن عمر أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي مقتولة، فأنكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قتل النساء والصبيان (وفي بلاغات محمد قال: بلغنا عن أبن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: إذا ارتدت المرأة عن الإسلام حبست) ومثل هذا لا يقال عن اجتهاد.
وروي عن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال له حين بعثه إلى اليمن: (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن تاب فاقبل منه، وإن لم يتب فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن تابت فاقبل منها، وإن أبت فاستتبها) الخ الحديث.
وأخرج الدارقطني رحمه اللّه في صحيحه عن الإمام علي رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: المرتدة تستتاب ولا تقتل، وهذه أدلة على مذهب الحنفية الذين قالوا: إنه لا يجب قتلها بل تحبس وتضرب.

مبحث أملاك المرتد

الحنفية قالوا: يزول ملك المرتد عن أمواله بردته زوالاً موقوفاً، إلى أن يتبين حاله، فإن أسلم عادت أمواله على حالها الأول، لأنه حربي مقهور تحت أيدينا حتى يقتل، ولا قتل إلا بالحراب، وهذا يوجب زوال ملكه ومالكيته غير أنه مدعو إلى الإسلام بالإجبار عليه، ويرجى عوده إليه، فتوقفنا في أمره، فإن أسلم جعل العارض كأن لم يكن في حق هذا الحكم، وصار كأن لم يزل مسلماص، ولم يعمل السبب، وإن مات أو قتل على ردته، أو لحق بدار الحرب، وحكم بلحاقه، استقر كفره، فيعمل السبب عمله ويزول ملكه، والإجماع على أنه إن عاد وماله قائم كان هو أحق به، ووجب أن يعمل بهما فيقول: بالردة يزول، ثم بالعود يعود شرعاً.
وقال الصاحبان: لا يزوال ملك المرتد عن أمواله، لأنه مكلف محتاج، فإلى أن يقتل يبقى ملكه، كالمحكوم عليه بارجم، والقصاص، لأن كلاً منهم مكلف مباح الدم.

قال الإمام أبو حنيفة: وإن مات أو قتل على ردته انتقل ما اكتسبه في إسلامه إلى ورثته المسلمين، وكان ما أكتسبه في حال ردته فيئاً لجماعة المسلمين، يوضع في بيت المال.
وقال الصاحبان: كلا الكسبين، يقسم على ورثة المسلمين، لأن ملكه في الكسبين، بعد الردة باق لأنه ملكف محتاج فينتقل بالموت إلى ورثته، ويستند إلى ما قبل ردته، إذ الردة سبب الموت، فيكون توريث المسلم من المسلم، ويجعل كأنه اكتسبه في حال الإسلام.
والمرتد إذا مات أو قتل على ردته ترثه امرأته المسلمة وهي في العدة، لأنه يصير فاراً، وإن كان صحيحاً وقت الردة، لأنها سبب الموت

المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: إن ما اكتسبه المرتد في إسلامه، وما اكتسبه في حال ردته يكون فيئاً، لأنه مات كافراً، والمسلم لا يرث الكافر إجماعاً، ثم هو مال حربي لا أمان له، لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فيكون فيئاً.

الشافعية - قالوا: في زوال ملك المرتد عن ماله الحاصل قبل الردة، أو فيها بالردة أقوال: أظهرها الوقوف كبضعزوجته سواء ألحق بدرا الحرب أم لا، فإن هلك مرتداً بأن زاوله بالردة فما ملكه فيء، وما تملكه من احتطاب، ونحوه باق على الإباحة، وإن أسلم بأن أنه لم يزل، لأن بطلان أعماله تتوفق على هلاكه على الردة، فكذا زوال ملك.
وقيل: يزول ملكه عن ماله بنفس الردة لزوال العصمة بردته فماله اولى.
وقيل: لا يزول ملكه بالردة، لأن الكفر لا ينافي الملك كالكافر الأصلي.
ويتفرع على هذه الأقوال أنه يقضي من مال المرتد دين لزمه قبلها بإتلاف أو غيره، لأنا إن قلنا ببقاء ملكه أو إنه موقوف فواضح، وإن قلنا بزواله فهي لا تزيد على الموت، والدين يقدم على حق الورثة، فكذا على حق الفيء ا هـ.

حكم الزنديق

المالكية، والحنابلة قالوا: ويجب قتل الزنديق بعد الاطلاع عليه بلا طلب توبة منه، وهو الذي يسر الكفر، ويظهر الإسلام، وهو الذي كان يسمى منافقاً في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه رضوان اللّه عليهم أجمعين، ولا بد من قتله وإن تاب، لكن إن تاب قتل حداً، لا كفراً، فيحكم له بالإسلام ويغسل، ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ويترك أمره إلى اللّه عز وجل، أما إذا جاء قبل الاطلاع على أمره فلا يقتل، وله أحوال خمسة، ثلاثة يكون ماله لورثته، وهي ما إذا جاء تائباً، أو تاب بعد الاطلاع عليه، أو لم تثبت زندقته إلا بعد موته، وحالان يكون ماله فيها لبيت المال، وهي ما إذا اطلعنا عليه قبل الموت، وقتلناه بغير توبة، أو مات بغير توبة ومثله الذي سب نبياً أجمعت الأمة على نبوته، فإنه بدون اســابة، ولا تقبل توبته، ثم إن تاب قتل حداً، ولا يعذر الساب بجهل لأنه لا يعذر أحد في الكفر بالجهل، ولا يعذر بسكر حرام، أو تهور، أو غيظ بل يقتل، والساب الكافر اصلاً إذا اعتنق الإسلام، ولو كان إسلامه خوفاً من القتل، فإنه لا يجب قتله، لأن الإسلام يجب ما قبله.
أما المسلم إذا ارتد بغير السب، ثم سب زمن الردة، ثم أسلم ثانية، فلا يسقط عنه قتل السب، لأنه حد من حدود اللّه تعالى وجب عليه.
وقيل: تقبل توبته إذا رجع إلى الإسلام كما هو مذهب الشافعي، حتى في سب الملائكة والأنبياء، والفرق بين سب اللّه تعالى فتقبل التوبة فيه، وبين سب الأنبياء، والملائكة فلا يقبل، أن اللّه تعالى لما كان منزهاً عن لحوق النقص له عقلاً قبل من العبد التوبة، بخلاف خواص عباده المؤنين به لأن استحاله النقص عليهم من اخبار اللّه تعالى، لا من ذواتهم فشدد فيهم، فردت توبته، ويقتل.
وأسقط الإسلام الثاني ما عليه من صلاة، وصوم، وزكاة، إن كانت عليه، فلا يطلب منه فعلها بعد رجوعه إلى الإسلام إلا أن يسلم قبل خروج وقت الصلاة، وذلك لقوله تعالى: {قل للذين كفروا أن يتنهوا يغفر لهم ما قد سلف} ويحبط ثواب عمله السابق بردته، لقوله تعالى: {لئن اشركت ليحبطن عملك} ويجب عليه الوضوء، لا الغسل إلا بموجب له، ويجب عليه إعادة الحج لبقاء وقته وهو العمر، ويسقط عنه النذر، وكفارة الايمان، وكذلك العتق والظهار، والطلاق، كأن قال لزوجته إن دخلت الدار فأنت طالق ثم دخل الدار بعد ردته أو توبته، ويبطل إحصانه، أما الطلاق الذي صدر منه قبل الردة، فإذا طلق ثلاثاً ثم ارتد، ثم رجع للإسلام، فلا تحل له إلا بعد زوج، ما لم يرتدا معاً ثم يرجع للإسلام.

الحنفية، والشافعية قالوا: إن الزنديق إذا تاب. وأظهر الإسلام تقبل توبته، ويستتاب ولا يقتل، ويلحق بالكافر الأصلي إذا اعتنق الإسلام، فإنه يقبل منه، ويترك.

وفي قول للشافعية: أنه لا يصح إسلامه إن ارتد إلى كفرخفي، أو إلى كفر باطنية، وهم القائلون بأن للقرآن باطناً، وأنه الراد منه دون الظاهر، أو ارتد إلى دين يزعم أن محمداً مبعوث إلى العرب خاصة، أو ارتد إلى دين يقول: إن رسالة محمد حق لكنه لم يظهر بعد، أو إذا جحد فرضاً، أو تحريماً، فإنه لا يصح إسلامه، ويجب قتله حداً، وكذلك الفلاسفة الذين يزعمون أن اللّه خلق شيئاً ثم خلق منه شيئاً آخر يدير العالم، وسموا الأول العقل، والثاني النفس، فإنه كفر ظاهر، وكذلك الطبائعي القائل بنسبة الحياة والموت إلى الطبيعة، ومن قذف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو سبه، أو سب واحداً من الرسل الكرام الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، أو كذب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في دعوته فإنه يقتل حداً، ولا يسقط عنه الحد بالتوبة.
وقيل: لا يقتل بعد التوبة: بل يجلد ثمانين جلدة،ن لأن الردة ارتفعت بإسلامه، وبقي الجلد عليه.

الحنفية قالوا: كل من أبغض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقلبه كان مرتداً، فالسب بطريق أولى فيقتل حداً ولا تقبل توبته في إسقاط القتل عنه.

الحنفية، والمالكية قالوا: لا يجوز أن يسبى للبغاة ذرية، لآنهم مسلمون، ولا يقسم لهم مال لعدم الاستغنام فيها، لقول الإمام علي رضي اللّه عنه يوم الجمل: (ولا يقتل أسير، ولا يكشف ستر، ولا يؤخذ مال) وهو القدوة لنا في هذا الباب، ولأنهم مسلمون، والإسلام يعصم النفس، والمال، ولا بأس بأنيقاتلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه، لأن الإمام علياً رضي اللّه عنه قسم السلاح فيما بين أصحابه، بالبصرة، وكانت قسمته للحاجة، لا للتملك، ولآن للإمام أن يفعل ذلك في مال الرجل العادل عند الحاجة، ففي مال الباغي أولى،ن والمعنى فيه إلحاق الضرر الأدنى، لدفع الضرر الأعلى. ولما رواه الحاكم في المستدرك، والبزاز في مسنده من حديث كوثر بن حكيم، عن نافع، عن أبن عمر، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (هل تدري يا ابن أم عبد كيف حكم اللّه فيمن بغي من هذه الأمة؟ قال: اللّه ورسوله أعلم. قال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها).



EmoticonEmoticon