Wednesday, April 17, 2013

كتاب التقليد للجويني الإمام الحرمين

Tags

كتاب التقليد للجويني الإمام الحرمين


كتاب التقليد وتقليد العالم للعالم في تكليف ضاق وقته
كتاب الإجتهاد للجويني

محتويات

باب في جواز التعبد بالقياس في حضرة الرسول عليه السلام

اختلف العلماء في ذلك فذهب ذاهبون الى منع التعبد بالقياس بحضرة الرسول صلى الله عليه و سلم
وذهب اخرون الى جواز ذلك عقلا وهو الذي نرتضيه لان الجائز يتميز عن المستحيل بانتفاء وجوه الاستحالة وجملة وجوه الاستحالة منتفية في جواز ورود التعبد بالقياس بحضرة الرسول عليه السلام ولو قدر مصرحا به لم يستحل بان يقول صاحب الشريعة اذا عنت لكم حادثة فانتم بالخيار فيها فان شئتم راجعتموني لاخبركم بحكم الله تعالى وجوبا او اجتهادا وان شئتم فاجتهدوا فغلبة ظنكم امارة حكم الله تعالى

عليكم فهذا لا يستحيل عقلا في صفة المتعبد تعالى وجل ولا في صفة التعبد ولا في صورة التعبد
فان قالوا من كان بحضرة الرسول صلى الله عليه و سلم فهو قادر على التوصل الى النص ولا يسوغ الاجتهاد مع القدرة على الوصول الى النص

قلنا هذا ايضا دعوة منكم على انا نقول ليس كلامنا فيما استقر فيه نص وانما كلامنا في حادثة لم يؤثر فيها عن الرسول صلى الله عليه و سلم جواب فهي قبل مراجعة الرسول صلى الله عليه و سلم خالية عن النص

فصل فِي وُرُود الشَّرْع فِي جَوَاز التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فِي حَضرته

فان قال قائل قد ذكرتم جواز التعبد بالقياس عقلا فهل ورد الشرع به قال القاضي اما الذين غابوا عن مجلسه صلى الله عليه و سلم فقد صح تعبدهم بالقياس في اخبار تلقتها الامة بالقبول منها حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه حيث قال له الرسول صلى الله عليه و سلم بم تحكم قال بكتاب الله قال فان لم تجد قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فان لم تجد قال فاجتهد رأيي ولا آلو فقال عليه السلام الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما

يرضاه رسول الله رواه أبو داود ونعلم ايضا ان الذين بعدوا عن مجلسه من ولاته ومستخلفيه على العساكر والبلاد كان يعن لهم من الحوادث ما لا نص فيه وكانوا لا يتوقفون في جميعها والرسول صلى الله عليه و سلم يعلم ذلك منهم فهذا في الغيبة عنه اما الذين كانوا بحضرته فلم تقم حجة شرعية في تعبدهم بالقياس وان وردت لفظة شاذة او محتملة للتأويل

القول في جواز تعبد النبي صلى الله عليه و سلم بالاجتهاد فيما لا نص فيه

اختلف الناس في ذلك فذهب الذين احالوا التعبد بالقياس الى الجري على مقتضى اصلهم في استحالة التعبد بالقياس
فاما القائلون بالقياس فقد اختلفوا ايضا فذهب بعضهم الى انه لا يجوز تعبد الرسول صلى الله عليه و سلم بالقياس والتحري والاجتهاد ومنعوا ذلك عقلا وذهب اخرون الى جواز تعبده بالقياس والاجتهاد والحقوا ذلك بجائزات العقول وهذا الذي نختاره

والدليل عليه انه ليس فيه وجه من وجوه الاستحالة في المتعبد تعالى وجل ولا في التعبد ولا في المتعبد ولا يبعد ان يقول الرب تعالى لرسوله صلى الله عليه و سلم اذا وقعت حادثة فاجتهد فيه رأيك فما مال اليه رأيك فهو الحق وهذا واضح لمن تأمله وتمسك من احال تعبده بالقياس بطرق منها ان العمل بالقياس عمل بغالب الظن فلو تمسك به الرسول صلى الله عليه و سلم لكان يبلغ عن ربه شريعته بموجب غلبة الظن وذلك مستحيل في اوصاف الرسول صلى الله عليه و سلم فنقول هذا الذي ذكرتموه باطل وذلك ان المجتهد عندنا يغلب على ظنه اولا ثم يقطع على الله سبحانه وتعالى بموجب غلبة الظن ونعلم ان غلبة الظن امارة نصبها الله تعالى في موجبها وكذلك الرسول صلى الله عليه و سلم يقطع بما يحكم به وينزل ذلك منزلة ما لو قال الله تعالى لرسوله مهما ظننت اقبال فلان وقدومه فاقطع به فانك لا تظن الا حقا فهذا سائغ لا استحالة فيه

ومما تمسكوا به ان قالوا لو ساغ للرسول ان يجتهد لساغ لغيره ان يجتهد ايضا ثم يكون كل مجتهد مؤاخذ باجتهاده فيؤدي ذلك الى ان يخالف المجتهدون الرسول صلى الله عليه و سلم اذا اختلفت الاجتهادات وفي ذلك ابطال الاتباع والحط لمنزلة الرسول صلى الله عليه و سلم

والجواب عن هذا السؤال ان نقول لو رددنا الى موجب العقل لم يكن فيما قلتموه استحالة وكل مجتهد مؤاخذ باجتهاده وكان الرسول صلى الله عليه و سلم لا يدعو المجتهدين الى اتباعه فيؤدي ذلك الى مخالفة الاتباع فهذا في سبيل العقل ولكن قامت دلالة الاجماع على ان ما يقدم عليه الرسول صلى الله عليه و سلم في تبيين الشرع لا على سبيل الاختصاص به فيجب اتباعه فيه ولا يجوز الاستبداد بالحكم على خلاف ما يبينه فمنعنا بذلك ترك الاتباع واستقلال كل مجتهد بنفسه فكأن الرب تعالى يقول كل مجتهد مؤاخذ باجتهاده الا ما كان للنبي صلى الله عليه و سلم فيه اجتهاد فهو القدوة

ومما تمسكوا به ايضا ان قالوا لو جاز ان يجتهد النبي صلى الله عليه و سلم لجاز ان يخطىء مرة ويصيب اخرى وفي ذلك ابطال الثقة بما يقوله قلنا هذه غفلة عظيمة منكم فانا لم نصور من احاد المجتهدين الخطأ على ما اوضحنا من اصلنا في تصويب المجتهدين احادا فكيف تظنون منا ذلك في اجتهاد الرسول صلى الله عليه و سلم على انا لو قدرنا جواز الخطأ من سائر المجتهدين فلا يجوز من الرسول صلى الله عليه و سلم فانه واجب العصمة فينزل في اجتهاده منزلة من لو اجتمع كافة الامة على ضرب من الاجتهاد اجماعا منهم فلا يسوغ خطأهم وان قلنا ان المصيب واحد في المجتهدات فيتصور خطأ آحاد المجتهدين فبطل ما قالوا

ومما استدلوا به ايضا ان قالوا لو كان للرسول صلى الله عليه و سلم ان يجتهد لجاز لجبريل عليه السلام ان يجتهد ويخبر الرسول صلى الله عليه و سلم عن اجتهاده وهو يضيف الكل الى الوحي فيما يبلغه جبريل عليه السلام فيختلط الوحي بغيره وفيه لبس عظيم في الدليل قلنا هذه ركيك من القول فإن جبريل عليه السلام اذا اجتهد اخبر

الرسول صلى الله عليه و سلم باجتهاده حتى لا ينقل الكل وحيا اذا علم ان الامر يلتبس فبطلت عصمتهم ووضح جواز تعبده بالقياس

فصل في وقوع التعبد سمعا

فان قال قائل قد بينتم جواز تعبد الرسول صلى الله عليه و سلم بالاجتهاد عقلا فهل ثبت ذلك سمعا قلنا قد اختلف العلماء في ذلك فذهب ذاهبون الى انه ورد السمع بذلك وذهب اخرون الى انه لم يرد به سمع ونحن نذكر ما تمسك به كل فريق ونتكلم عليه إن شاء الله تعالى فاما الذين نفوا ورود السمع به فقد استدلوا بأن قالوا لو كان شرع للرسول صلى الله عليه و سلم الاجتهاد لكان لا يتوقف في كثير من الاحكام ينتظر فيها الوحي وكان يتشرع الى الاجتهاد حسب ما يجوز له وهذا باطل فان للاخرين ان يقولوا انما كان يتوقف فيما لم يكن للاجتهاد فيه مساغ ولم يكن له اصل يرد اليه اعتبارا وقياسا اذ لم يكن قد استقر الشرع وتأسست قواعده على انه لا يبعد انه عليه السلام خير بين الاجتهاد وبين انتظار الوحي فكان يجتهد مرة وينتظر الوحي اخرى

ومما استدلوا به ايضا ان قالوا لو كان النبي صلى الله عليه و سلم يتمسك بالاجتهاد لنقل ذلك نفلا مستفيضا قاطعا للريب كما نقل تمسكه بالوحي وهذا ما لا معتصم فيه أيضا اذ ليس من شرط كل ما يؤثر عن الرسول صلى الله عليه و سلم يجب ان يستفيض بل منه ما ينقل آحادا ومنه ما ينقل استفاضة على انه كان لا يجب على الرسول صلى الله عليه و سلم ان يخبرهم بمصادر احكامه وقضاياه وتمسك هؤلاء بالطرق التي قدمناها في استحالة تعبده بالاجتهاد عقلا وقد قدمنا الاجوبة عنها وهذا كلام هؤلاء

فأما الذين قالوا ان الشرع ورد بتعبده صلى الله عليه و سلم بالاجتهاد فقد استدلوا بما جرى من أمر أسارى بدر فان النبي صلى الله عليه و سلم فاداهم باجتهاده ورأيه ولم يقدم على ذلك عن قضية وحي ولهذا عاتبه الرب تعالى في قوله ما كان لنبي ان يكون له أسرى حتى يثخن في الارض اللآية وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشار على النبي صلى الله عليه و سلم ان يقتلهم فقال صلى الله عليه و سلم عند

نزول الاية لقد كان العذاب اقرب الينا من هذه الشجرة ولو أنزل لما نجا منه الا عمر أخرج الحديث مسلم وقالوا فهذه الاية مع سبب نزولها دلالة واضحة على فاعترف على نفسه بالخطأ حكمه صلى الله عليه و سلم بالاجتهاد قال القاضي رضي الله عنه من زعم ان هذه الاية تدل على حكمه صلى الله عليه و سلم بالاجتهاد فقد افترى على الله تعالى بأعظم الفرية فان فيه تعرضا لتجويز الخطأ على الرسول صلى الله عليه و سلم مع تقديره عليه الناس على ضربين في تجويز الخطأ على الرسل عليهم السلام فمن جوزه منهم لم يجوز تقديره عليه
فان قيل بم تنكرون على من يزعم انه لم يقر على ما عوتب عليه

قلنا فعدم التقرير هو ان لا ينفذ ما أخطأ فيه وكان ينبغي ان يقتل الاسرى وينقض عهود المفاداة فوضح بذلك بطلان الاستدلال واستوى الفريقان في التأويل فان قيل فما تأويل الاية بعد سقوط الاحتجاج

قيل اما الرسول صلى الله عليه و سلم فقد كان خير بين القتل والمن والمفاداة والاسترقاق كما أنبأ قوله تعالى فاما منا بعد واما فداء حتى تضع الحرب اوزارها عن بعض هذه الخلال ولكن خاض اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في تخيير بعض هذه الخلال حتى كأنه بلغ منهم او من بعضهم مبلغ قطع الرأي والتحكم فنقم الله تعالى ذلك عليهم بيد ان النبي صلى الله عليه و سلم ادخل نفسه معهم في موجب العتاب تكرما والاية تنبىء عن تنزهه وانه تعالى قال ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الارض فلما انجز حديثه خاطب الصحابة فقال تريدون عرض الدنيا ونحن نعلم ان الرسول صلى الله عليه و سلم لا يخاطب بذلك وقد عرضت عليه خزائن الارض فأباها ومما استدلوا به في ورود التعبد بالاجتهاد انه صلى الله عليه و سلم قال في حكم الحرم

لا يعضد شجرها ولا يختلي خلاها فقال العباس الا الاذخر فانه لقبورنا وبيوتنا فقال صلى الله عليه و سلم على الفور الا الاذخر أخرجه البخاري ونحن نعلم انه ما قاله إلا اجتهادا وهذا الذي ذكروه تحكم ايضا فلا يبعد انه قاله وحيا وكان معه في ذلك الوقت جبريل عليهما السلام أو ملك آخر يسدده فبطل معتصم الفريقين والمحتار انه لم يرد في الشرع دلالة يقطع بها في نفي الاجتهاد ولا في اثباته فيتوقف فيه على مورد الشريعة

القول في تخريج الشافعي رحمه الله المسألة على قولين وذكر مراده فيه

اشتهر عن الشافعي رحمه الله ذكر القولين فصاعدا في الحادثة الواحدة مع العلم باستحالة اجتماعهما في الصحة في حق المجتهد الواحد

وقد اعترض عليه في ذلك جعل وغيره من متأخري المعتزلة ونحن نذكر ما عولوا عليه من وجوه الاعتراض ونتفصى عنها بذكر وجه تخريج المسألة على قولين فمما اعترضوا به ان قالوا اذا جمع الجامع بين قولين احدهما التحريم والآخر التحليل وذكرهما جميعا ولم يرجح احدهما على الثاني وأضافهما الى نفسه في مثل الصفة التي يضيف بها جملة المذهب الى نفسه فلا يخلو حاله في ذلك اما ان يريد صحة القولين جميعا في حق المجتهد الواحد

فيكون ذلك تناقضا وتنافيا ومباهتة للضروريات والبديهة وان كان لا يعتقد ذلك فاطلاقه الكلام على وجه ينبىء عما قلناه ضرورة اذ ليس لاحد من العلماء ان يطلق من القول ما ظاهره الغلط وهو يريد به خلاف ظاهره وانما صح من صاحب الشريعة اطلاق ألفاظ محمولة على خلاف ظواهرها للعلم بوجوب حكمته وثبوت عصمته وتنزهه عن الزلل وهذه السابقة من محمل النازلين على التأويل فاما آحاد العلماء فكل واحد منهم بصدد الخطأ فاذا بدرت منهم لفظة ظاهرها الخطأ ولم تجب له العصمة حملت على الظاهر وهذا الذي ذكروه ساقط من الكلام من أوجه

أحدها إنه لو ساغ ما قالوه لوجب سد باب التجوز والتوسع في الكلام على غير صاحب الشريعة حتى لا يجوز لاحد ان ينظر لمجازات اللغة ويتعين على الكافة النطق بحقيقة اللغة حتى ينتسب الناطق بالمجاز الى السفه والعته فلما لم يكن ذلك بطل ما قالوه

ثم نقول أليس ورد على صاحب الشريعة ألفاظ متأولة والمجوز لذلك على زعمكم ما سبق من العلم بعصمته فان قالوا اجل قيل لهم فكيف يظن بالشافعي في مثل رتبته ان يحل الشيء ويحرمه معا ويعتقد ذلك اعتقادا ومن كمال العقل ان يعرف المرء تنافي المتنافيات وتناقضها فنعلم من الشافعي رحمه الله انه لم يسلك هذا المسلك وإنما سلك مسلكا غيره فينتصب ذلك قرينه مقارنه للظاهر نازلة منزلة الاستثناء المقارن للعموم وهذا بين لا خفاء فيه فان قالوا فلو قال الشافعي رحمه الله ظلمت وتعديت أفتحمل ذلك على غير ظاهره

قلنا لا يضطرنا الى حمله على خلاف ظاهره شيء اذ يسوغ من الشافعي رحمه الله وممن هو أجل منه ان يظلم فأما ان يعتقد كون الشيء حلالا حراما فلا يتحقق ذلك منه اصلا فان قالوا فقد ابدع الشافعي على الصحابة وخرق الاجماع في ذكر القولين فان الصحابة لما اختلفوا لم يذكر احد منهم في الصورة الواحدة قولين قلنا الجواب عن ذلك من وجهين

احدهما انهم كما لم يذكروا قولين لم يمنعوا ذكر القولين فليس في كفهم عن ذكر الشيء ما يدل على منعهم اياه فسقط ما قالوه ثم نقول كم ذكروا من وجوه الاحتمال في الحادثة الواحدة ولكن لم يصفوها بالاقوال كما ذكروا وجوه الاحتمال والاجتهاد ولم يسموه ربطا وتحريرا وفرعا واصلا ولم يذكروا من عبارات متناظري الزمان إلا القليل ولا يدل ذلك على خروج اهل الزمان عن اجماعهم فان قالوا فما وجه تخريج الشافعي المسألة على قولين وما معناه قلنا اختلف في ذلك أجوبة أصحابه ونحن نذكر ما ذكروه ثم نعول على الأصح منه ان شاء الله تعالى فذهب بعضهم إلى أنه قصد بذكر القولين حكاية مذهبين من مذاهب العلماء وهذا غير سديد من وجهين

احدهما انه قد يجعل المسألة على قولين في صورة لا يؤثر فيها عن العلماء قول على التنصيص والآخر انه يضيف القولين الى اجتهاده ولا يجري ذلك مجرى حكاية المذاهب فإنه اذا حكى المذاهب فصيغة كلامه في الحكاية تتميز عند كل منصف عن صيغة ذكره القولين وقال ابو اسحق المروزي انما ذكر القولين ليبين ان ما عداهما فاسد عنده وحصر الحق في قولين او ثلاثة على ما يذكره وهذا الذي ذكره فيه نظر ايضا فإن الشافعي لا يقطع في المجتهدات بتخطئة غيره ومن تدبر اصوله عرف ذلك منها والصحيح من ذلك أن نقول ما يؤثر فيه عن الشافعي قولان فهو على اقسام فمنه القول الجديد والقول القديم فقد وضح من مقتضى كلامه انه بذكره الجديد رجع عن القديم فلا يجتمع له في امثال ذلك قولان ومنه ان ينص على قولين في الجديد ولكنه يميل الى احدهما

ويختاره فهو مذهبه والاخر ليس بقول له وانما ذكره اولا توطئة للخلاف وتمهيدا له ولو نص على قولين في الجديد ثم ذكر احدهما بعد ذلك وأضرب عن ذكر الثاني فما صار اليه المزني رحمه الله ان ذلك رجوع منه عن القول الثاني ولما قاله وجه وان كان انكره معظم الأصحاب

و أما اذا نص على قولين جميعا ولم يرجح احدهما بعد ذلك على الاخر ولم ينص على احدهما بعد نصه عليهما ونقل مثل ذلك حتى قال المحققون ان هذا الفن لا يكاد يبلغ عشرا قال القاضي رضي الله عنه فالوجه عندي انه قال في مثل هذا الموضع بالتخيير وكان يقول بتصويب المجتهدين وهذا الذي قاله غير سديد فإن الصحيح من مذهب الشافعي ان المصيب واحد على ان فيما ذكره القاضي دخلا عظيما ونبين ذلك بان نمهد اصلا في التخيير فنقول

من قال بالتخيير على ما قدمنا القول فيه انما يمكنه القول بالتخيير في تقدير واجبين مثل ان يؤدي احد الاجتهادين الى ايجاب شيء ويؤدي الاجتهاد الثاني الى ايجاب غيره ولا يؤدي تقدير جمعهما على سبيل التخيير الى تناقض وينزل منزلة اركان كفارة اليمين فاذا تصورت المسألة بهذه الصورة ساغ المصير الى التخيير

واما اذا كان احد الاجتهادين يؤدي الى تحليل والثاني يؤدي الى تحريم فلا يتصور التخيير في القولين اذ من المستحيل التخيير بين التحليل والتحريم وهذا بين لكل متأمل وقد ذكره القاضي رحمه الله في خلال كلامه وكذلك لا يتصور التخيير بين محرمين فاذا وضح ذلك فقد اختلف قول الشافعي رحمه الله كثيرا في تحليل وتحريم فكيف يمكن حمل إختلاف قوله على القول بالتخيير فالسديد اذا ان نقول في القسم الاخير الذي اتممنا الكلام به وهو ان ينص على قولين في الجديد ولا يختار احدهما ليس له في المسألة قول ولا مذهب وانما ذكر القولين ليتردد فيهما وعدم اختياره لاحدهما لا يكون ذلك خطأ منه بل علو رتبه الرجل وتوسعه في العلم وعلمه بطريق الاشباه ان يتفق له ذلك ويبعد ان يبتدىء الرجل مسائل الشرع ويختمها ولا يعن له مسألة الا ويغلب على ظنه في اول نظرة جواب واحد

فإن قال قائل فلا معنى لقولكم للشافعي قولان اذ ليس له على ما زعمتم في مثل هذه المسائل قول واحد ولا قولان
قلنا هكذا نقول ولا نتحاشى منه وانما وجه الإضافه الى الشافعي ذكره لهما واستقصاؤه وجوه الاشباه فيهما
فهذا اسد الطرق واوضحها وقد شعب القاضي رحمه الله كلامه في هذه المسألة والذي ذكرناه لبابة وتعلم ذلك اذا طالعت كتابه

كتاب التقليد

القول في حقيقة التقليد

احتلف ارباب الاصول في حقيقة التقليد فذهب قوم منهم الى ان التقليد هو قبول قول القائل ولا يدري من اين يقول ما يقول وهذا القول غير مرضي عندنا فان التقليد ينبىء عن الاتباع المتعري عن اصل الحجة فإذا لم يكن في تحديد التقليد ما ينبىء عن ذلك لم يكن الحد مرضيا اصلا وهذا القائل يقول اذا جوزنا للرسول صلى الله عليه و سلم الاجتهاد فقبول قوله تقليد له من حيث ان القائل لا يدري من اين قاله الرسول صلى الله عليه و سلم وذهب بعضهم الى ان التقليد قبول قول القائل بلا حجة ومن

سلك هذه الطريقة منع ان يكون قبول قول النبي صلى الله عليه و سلم تقليدا فان حجة في نفسه وهذا اختلاف في عبارة يهون موقعها عند ذوي التحقيق غير ان الاولى في حد التقليد عندنا ان نقول التقليد هو اتباع من لم يقم باتباعه حجة ولم يستند الى علم فيندرج تحت هذا الحد الافعال والاقوال وقد خصص معظم المحققين كلامهم بالقول ولا معنى للاختصاص به فان الاتباع في الافعال المبنية كالاتباع في الاقوال

ويندرج تحت هذا الحد اصل في التقليد ذهل عنه معظم الاصوليين وذلك ان معظمهم مع الاختلاف في حد التقليد مجمعون على القول بأن العامي مقلد للمفتي بما يأخذ منه فأدرجوه تحت الحدين السابقين وقالوا ان قلنا ان التقليد قبول قول الغير بلا حجة فقد تحقق تحقق ذلك في المفتي فإن قوله في نفسه ليس بحجة وان حددنا التقليد

بأنه قبول قول القائل مع الجهل بمأخذه فهذا المعنى يتحقق في قول المفتي ايضا قال القاضي والذي نختاره ان ذلك ليس بتقليد اصلا فإن قول العالم حجة في حق المستفتي اذا الرب تعالى وجل نصب قول العالم علما في حق العامي واوجب عليه العمل به كما اوجب على العالم العمل بموجب اجتهاده واجتهاده علم على علمه وقوله علم على المستفتي ويخرج لك من هذا الاصل انه لا يتصور على ما نرتضيه تقليد مباح في الشريعة لا في اصول الدين ولا في فروعه اذ التقليد هو الاتباع الذي لم يقم به حجة

ولو ساغ تسمية العامي مقلدا مع ان قول العالم في حقه واجب الاتباع جاز ان يسمى المتمسك بالنصوص والاجماع وادله العقول مقلدا وهذا واضح في مقصوده ثم ان نذكر بعد ذلك منع التقليد في الاصول ثم في الفروع

القول في منع التقليد في الاصول

اعلم ان هذا الباب يرسم الكلام فيه في فن الكلام بيد ان نذكر ما يقع الاستقلال به
فلا يسوغ لأحد ان يعول في معرفة الله تعالى وفي معرفة ما يجب له من الاوصاف ويجوز عليه ويتقدس عنه على التقليد وكذلك القول في جملة قواعد العقائد بل يجب على كل معترف ان يستدل في هذه الاصول ولن يقع له العلوم فيها الا بتعقب للنظر الصحيح وذهبت الحشوية الى القول بالتقليد في اصول الدين لما

اقعدهم عيهم عن مبالغ ذوي النظر ولم يغنهم تقاعصهم حتى ازروا على ذوي الحجاج السالكين اسد المناهج
وطرق الرد عليهم كثيرا والواحد منها يجزىء من تأمل فنقول لهم معاشر المقلدين هل علمتم ان التقليد يفضى الى العلم أم لم تعلموا ذلك فان قلتم أنا لم نعلمه وهي كلمة الحق ففي ضلال تعمهون وبه على انفسكم تعترفون وان زعمتم انا نعلم افضاؤه الى الحق فلا يخلون اما ان تعلموا ذلك ضرورة وبديهة او لا تعلمون ذلك ضرورة وبديهة فان ادعيتم العلم الضروري سقطت مكالمتكم ووضحت مباهتتكم ولم تسلموا عن معارضتكم بدعوى الضرورة في صد مقالتكم

وان هم زعموا إنا نعلم افضاء التقليد الى طرق التسديد بالدلالة سئلوا عن اقامتها وهيهات وان خاضوا في ابتغائها وانتحائها فقد خاضوا في النظر من حيث لم يشعروا وان زعموا أنا علمنا افضاء التقليد الى العلم بالتقليد سئلوا عن اقامة الدليل على التقليد الذي جعلوه اصلا للتقليد فيتسلسل عليهم القول ولا يجدون عنه مخرجا
فان قالوا انما علمنا افضاء التقليد الى العلم بما في الكتاب والسنة من الامر بالاتباع قيل لهم انى لكم التمسك بكتاب الله ولا يثبت كتاب الله تعالى الا بحجة فبم علمتم ان الذي اعتصمتم به كتاب الله تعالى فهذه ورطة لا مخلص لهم منها
ثم نقول لهم اذا قلدتم في اصول الدين واحدا منكم فلا شك انكم

لا توجبون لمن اتبعتموه العصمة وتجوزون عليه الزلل فما الذي حملكم على اتباعه وهذه حالة فان رجعتم الى مجرد القول فقد وسعتم مذاهب الدين واقل ما يلزمكم عليه كف النكير عن معتقدي البدع اذ قلدوا اسلافهم فان واحدا منكم لم يعول على حجاج فان قالوا معنا السواد الاعظم وقد وصى الرسول صلى الله عليه و سلم باتباع السواد الاعظم
قلنا فلا جهل يزيد على ما اظهرتموه فانكم تنازعون في اثبات الرسل وتطالبون بما فيه عصمتهم وتستدلون فيه بقول الرسول صلى الله عليه و سلم ثم لا معول على السواد الاعظم في اصل الدين فان سواد الكفرة اعظم من سوادنا ولقد كان الرسول صلى الله عليه و سلم في صدر الاسلام في شرذمة قليلة العدد وليس المعنى باتباع السواد الاعظم الاتباع في اصول الدين فبطل ما قالوه من كل وجه ووضحت في اصول الدين غوايتهم وانشرحت في اصول العقائد عورتهم

ثم نقول لهم خبرونا هل في السموات والارضين حجة على ثبوت الصانع فان انكروا ذلك انتسبوا الى رد الكتاب وهو مفزعهم وان اثبتوا فيها حجة سئلوا عن وجهها فيضطرون الى الخوض في الحجاج والكلام عليهم طويل وهذا قليل من كثير واعتصم اصحابنا بكل ظاهر في الكتاب والسنة يتضمن الامر بالاعتبار والاحتجاج ولهم جمل من الظواهر يهون الكلام عليها فرأينا الاضراب عن تمسكهم بها

القول في منع التقليد في الفروع

اعلم ان العلماء اختلفوا في جواز التقليد في الفروع والكلام في ذلك ينقسم الى اصلين
احدهما تقليد الصحابة والثاني تقليد من عداهم من العلماء فاما تقليد الصحابة فسنفرده بالكلام بعد ذلك ان شاء الله تعالى فاما تقليد من سواهم فقد اختلف العلماء فيه

فذهب بعضهم الى انه يجوز للعالم اذا عنت له حادثة ان يقلد عالما غيره مع اقتداره ان يحمل الاسنة ثم الذين سوغوا التقليد على هذا الوجه اختلفوا في انه هل يجوز ان يقلد ليفتي بما قلد فيه فمنهم من جوز ذلك ومنهم من اباه
وذهب بعض العلماء الى انه لا يجوز للعالم ان يقلد عالما في مثل درجته ويجوز له ان يقلد من هو اعلم منه مع استوائهما في كون كل واحد منهما مجتهدا والى ذلك مال محمد بن الحسن وابو حنيفة كان يجوز التقليد مطلقا وذهب الشافعي ومعظم العلماء الى انه لا يجوز للعالم تقليد العالم من غير الصحابة ثم هؤلاء اختلفوا في صورة واحدة وهي ان العالم اذا انسدت عليه طرق الاجتهاد وتضيق عليه حكم الحادثة نحو الاجتهاد في القبلة مع تضيق وقت الصلاة فهل يسوغ له والحالة هذه ان يقلد عالما فما ذهب اليه الشافعي منع التقليد في هذه الصورة ايضا واجاز المزني التقليد في هذه الصورة

قال القاضي رحمه الله والذي نختاره منع التقليد واذا قيل لنا فهل في الشرع تقليد مباح ابيناه وان الزمونا العامي المستفتي لم نجعله مقلدا على ما اوضحنا القول فيه في الباب السابق ونحن نقدم على الخوض في الحجاج فصلا ذهل عنه معظم المتكلمين في هذا الباب فنقول لو رددنا الى جائزات العقول لكان اخذ العالم بقول عالم اخر من الجائزات لو قامت به حجة شرعية وليس من المستحيلات فكان يجوز ان يقول الرب تعالى لكل عالم ان يأخذ بقول عالم مثله ويترك الاجتهاد ولو ثبت ذلك لم يكن ذلك تقليدا بل يصير قول العالم المفتي علما وامارة في حق العالم المستفتي ويكون متمسكا بما نصبه الله تعالى حجة له ومعظم من خاض في هذا الباب بنى الادلة بناء يدل على منع التقليد عقلا ونحن نذكر ما ذكره مانعوا التقليد ونبين فساده ثم نذكر ما علينا المعول ان شاء الله تعالى فمما عولوا عليه ان قالوا كل عالم بصدد الزلل فإذا لم تجب له العصمة لم تقم بقوله الحجة واذا كان المجتهد قادرا على التمسك بالحجاج والاجتهاد فذلك احرى له وهذه دعوى مجردة فيقال لهم ان زعمتم ان من لا يجب له العصمة لا يجوز الرجوع الى قوله وهل تنازعون الا في هذا فلو قال الرب تعالى مهما صدر قول من عالم فقبلوه وان جوزتم خطأه فحكمي

عليكم موجب حكمه ولا عليكم لو اخطأ في نفسه كان ذلك غير مستحيل والذي يوضح ذلك انا نرجع الى قول الرواة مع جواز زللهم ونرجع الى طرق الاعتبار في المجتهدات وان كنا لا نقطع بها ونرجع الى قول الشهود في الحكومات والخصومات مع انا لا نقطع بصدقهم فبطل التعويل على هذه الطريقة ومما عولوا عليه ايضا ان قالوا اذا استوى العالمان في التمكن من الاجتهاد ينزلان في ذلك منزلة العامي والعالم في اصل الدين فانهما لما استويا في تصور الاستدلال والنظر من كل واحد منهما في اصل الدين لم يجز للعامي تقليد العالم فيما يقدر على الاجتهاد فيه وكذلك العالمان في الفروع فيقال لهم هذا غير مستقيم فانا لو قدرنا ورود الشرع بتقليد العالم العالم في الفروع لم يستحل كما قدمناه في صدر الباب ولو قدرنا ورود الشرع بالتقليد في معرفة الله تعالى لكان مستحيلا فإن من شروط ورود التكليف معرفة المكلف ولن يعلم من طريق التقليد ولو قال تعالى لا تستدلوا واعلموا لكان ذلك من قبيل تكليف المحال وهذا بين لكل من تأمله على ان الاجتهاد في الفروع انما هو تمسك بما لا يقطع به وليس كالاستدلال في الاصول وكل ما يوردونه يبطل تقريبه من الطرق التي ذكرناها

ومما يستدلون به ايضا ان قالوا لو جاز للعالم تقليد العالم لما افترق المتبع والمتبع والشرط ان يفارق التابع المتبوع اما في علم واما في عصمة وقد عدما جميعا في المتنازع فيه فيقال لهم وهذه دعوى ايضا ثم نقول لم شرطتم اختلاف التابع والمتبوع في العصمة او العلم وعن هذا يسألون فيضعف كل ما يعتصمون به

وربما يستدلون بظواهر لا تقوم بها حجة وهي كثيرة والذي يجب التعويل عليه ان نقول لو جوزنا للعالم ان يقلد العالم لكان قوله في حقه علما منصوبا على الحكم الواجب عليه وينزل ذلك منزلة سائر الادلة المنصوبة في الشرعيات على ما اوضحناه فيما سبق فإذا كان كذلك فيستحيل اثباته دليلا عقلا فإن الادلة السمعية يدرك جواز كونها ادلة بالعقول فاما ان يدرك ثبوتها ادلة بالعقول فلا فانها لا تدل على مدلولالتها لانفسها وانما تدل بنصب صاحب الشريعة اياها ادلة
فاذا وضح ذلك قلنا قد قامت الادلة القاطعة على انتصاب المقاييس والعبر وغيرها من طرق الاجتهاد ادلة وبقي التقليد على النزاع وموارد الشرع التي تلتمس منها دلالات القطع مضبوطة منها نصوص الكتاب والسنن المستفيضة واجماع الامة وليس مع خصومنا نص كتاب ولا نص سنة مستفيضة ولا ينبغي الاجماع في موضع الخلاف ايضا فهذا مصادر الادلة الشرعية القطعية فاذا انسدت بطل كون قول العالم حجة في حق

عالم مثله فان قالوا اما الاجماع فلا ندعيه واما نصوص الكتاب فلم زعمتم انتفاؤها وهل هذا الا تمسك منكم بالدعوى وكذلك المطالبة بالسنن قيل لهم هذا الان تعنت منكم وعناد فإنا قلنا ليس معكم نص كتاب لا يقبل التأويل في اثبات التقليد ولا يمكننا ان نتلو القرآن عليكم من اوله الى اخره ولكنا تأملنا ما فيه اعتصامكم من أي الكتاب فرأيناها لا تبلغ مبالغ النصوص ويعارضها ما هو اقوى منها في الاحتجاج وما قلناه في السنن يتحقق على هذا المنهج اذ ليس فيها نص ولو قدر كان سبيله الاحاد وتتأكد هذه الدلالة بأصل نوضحه فنقول لا ينتصب النص دليلا وعلما في الشرعيات الا بدلالة قاطعة فإنه لو ثبت بما لا يقطع به لاحتاج الى اثبات يثبته ثم تسلسل القول فيه الا ما لا يتناهى فهذه هي الدلالةالسديدة وما عليها معترض

فان قالوا اكثر ما ادعيتموه انتفاء ورود الشرع بنصب قول العالم علما في حق العالم وعدم ورود الشرع لا يدل على تحريم التقليد فإن التحريم يفتقر الى دليل كما ان الاباحة تفتقر الى دليل فانتفاء دليل الاباحة لا يدل على التحريم
وهذا لعمري سؤال يجب الاعتناء بالجواب عنه فنقول اذا ثبت ان قول العالم لم ينتصب علما شرعا ولم يقم عليه الظن حجة ومثل ذلك لو قدر لكان سبيله الشرع فقد وضح وجوب الاجتهاد بالادلة القاطعة فلا سبيل الى ترك ما ثبت قطعا بما لم يثبت

ويتضح هذا بأن نقول اجمع المسلمون على ان من تصدى له طريقان شرعيان وصح طريق الشرع في احدهما وجوبا ولم يرد الشرع في الثاني لا نفيا ولا اثباتا فيجب التمسك بما وضح الشرع فيه وهذا اجماع فاذا ثبت لنا انتفاء الادلة السمعية فتثبت ملازمة الاجتهاد بطريق الاجماع وهذا واضح لا خفاء به واوما القاضي رحمه الله الى الاستدلال بالظواهر المنصوبة على الامر بالاعتبار نحو قوله تعالى فاعتبروا يا اولى الابصار وقوله تعالى افلا يتدبرون القرآن الى غير ذلك من الظواهر الدالة على وجوب الاعتبار وهي سهلة المدرك اذا تتبعتها ومنها قوله تعالى واتبعوا

ما انزل اليكم من ربكم ولذلك شواهد من سنة الرسول صلى الله عليه و سلم ولكنها احاد وكل ما ذكرناه دليلا في هذا الفصل فهو دليل في جملة فصول الباب ونرد به على من جوز الفتوى بالتقليد وعلى من جوز تقليد الاعلم فطريق الرد على جميعهم واحد غير مختلف

شبه المخالفين

فمما استدلوا به ان قالوا اذا جاز للعامي ان يقلد العالم لم يستبعد ذلك في العالم فانه في حال تقليده غير عالم بما قلده فيه كما ان العامي غير عالم بما يستفتي فيه وهذا ساقط من الكلام اذ ذكرنا ان العامي لا يكون مقلدا في استفتائه ولكن ينزل قول العالم في حقه منزلة الادلة في حق المجتهدين وقد قامت دلالة الاجماع على انتصاب قول العالم علما عليه ولا دليل على كونه علما في حق العالم وليست هذه المسألة مما يتمسك فيها بالطرديات ونسلك في مفاتحة الكلام عليهم اذا تمسكوا بهذا الطرد ان نطالبهم باثبات علة الاصل ليتحقق بعد ذلك الجمع بين الفرع والاصل ولا سبيل لهم الى ذلك
وقد استدلوا بجملة من الظواهر اقربها قوله تعالى فاسألوا اهل

الذكر ان كنتم لا تعلمون وهذا المجتهد غير عالم بالحادثة التي وقعت اذ لم يتفق اجتهاده فيها فينبغي ان يسأل من يعلمها فنقول هذا الذي ذكرتموه يخالف الظاهر واقوال المفسرين وذلك ان المعني بالاية توجه الامر بالسؤال على الذين لا يتمكنون من الاجتهاد ومجرى الاية ينبىء عن ذلك فأنه تعالى قسم السائل والمسؤول قسمين فوصف المسؤول بكونه من اهل الذكر ووصف السائل بأنه لا يعلم هذا الضرب من التقسيم تصريح بأن السائل من الذين لا يعدون من العلماء فلا يندرج تحته من وقعت له حادثة وهو قادر على درك الحكم فيها والذي يوضح الحق في ذلك ان من جوز تقليد العالم لم يشترط ان

يكون المقلد قد سبق منه النظر والاجتهاد قبل استيفائه ليكون عالما عند الاستفتاء بل جوز ان يبتدأ المسؤول الاجتهاد بعد السؤال فيكون المسؤول اذا على قول المستدلين بظاهر الاية ممن لا يعلم وهذا واضح جدا في رد استدلالهم

فصل تقليد العالم للعالم في تكليف ضاق وقته

اذا وقعت حادثة وفيها على المجتهد تكليف ولو اجتهد لفات ما كلف اذ الوقت مضيق ولو قلد عالما قد فرغ من الاجتهاد لتمكن من اقامة الفرض فهل له التقليد في هذه الصورة اختلف اصحاب الشافعي رحمه الله فيه فذهب المزني الى جواز التقليد وذهب غيره الى منع التقليد ومن منع التقليد استدل بأنه من المجتهدين وقد ثبت منع تقليد المجتهدين ولا يعتبر ذلك بضيق الوقت ولا سعته وانما يعتبر الاجتهاد على القول بمنع التقليد شرطا فيما يعلمه المجتهد من الحكم وما كان من الشرائط فلا يختلف الحكم فيه بخشية الفوات والدليل عليه ستر العورة والطهارة وما عداها من شرائط الصلاة

قال القاضي رحمه الله والكلام في هذا الضرب لا يكاد يلحق القطع فإنا وان منعناه من التقليد فيتعين عليه اقامة الفرض من غير اجتهادعلى ما يتفق ولا يجعل الاجتهاد شرطا في اقامة فرض الوقت فإذا كان يصلي على الاتفاق عند التباس امارات القبلة فلا يبعد ان يصلي مقلدا والمسألة من الفروع فتدبرها فهذا احد قسمي الكلام في التقليد فان ذكرنا في صدر الباب ان نتكلم في فصلين

احدهما تقليد العلماء بعضهم بعضا من غير الصحابة والثاني تقليد الصحابة رضي الله عنهم وبقي علينا الكلام في تقليد الصحابة


EmoticonEmoticon