Thursday, April 11, 2013

دليل الولي والكفاءة في الزواج علي المذاهب الأربعة

Tags

دليل الولي في النكاح من القرأن والسنة والكفاءة في الزواج علي المذاهب الأربعة


دليل الولي في النكاح من الكتب والسنة والكفاءة في الزواج علي المذاهب الأربعة
كتاب الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري

محتويات

دليل الولي من الكتب والسنة

*-قد عرفت مما ذكرناه أن الشافعية، والمالكية اصطلحوا على عد الولي ركناً من أركان النكاح لا يتحقق عقد النكاح بدونه، واصطلح الحنابلة و الحنفية على عده شرطاً لا ركناً، وقصروا الركن على الإيجاب والقبول، إلا أن الحنفية قالوا: أنه شرط لصحة زواج الصغير والصغيرة، والمجنون والمجنونة ولو كباراً، أما البالغة العاقلة سواء كانت بكراً أو ثيباً فليس لأحد عليها ولاية النكاح، بل لها أن تباشر عقد زواجها ممن تحب بشرط أن يكون كفأً، وإلا كان للولي حق الاعتراض وفسخ العقد.

وقد استدل الجمهور بأحاديث وبآيات قرآنية، فأما الأحاديث فمنها ما رواه الزهري عن عائشة وهو أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" ومنها ما رواه ابن ماجة، والدار قطني عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها".

وهذان الحديثان أقوى ما استدل به الجمهور على ضرورة الولي، فليس للمرأة حق مباشرة العقد دونه، وقد أجاب الحنفية عن الحديث الأول بأنه مطعون فيه، وذلك لآن الزهري نفسه قد سئل عنه فلم يعرفه، وقد أجيب عن هذا بأن معرفة الزهري لا تضر ما دام راويه - وهو سليمان بن موسى - وهو ثقة، ولا يخفى ضعف هذا الجواب، لأنه ما دام مصدر الحديث المروي عنه لم يعرفه وأنكره، فإن ذلك يضعف الثقة جزماً، على أن الحنفية قالوا: إن كل الأحاديث التي يفيد ظاهرها اشتراط الولي في التزويج فهي خاصة بالصغيرة التي لا يصح لها أن تتصرف، وذلك مؤيد بقواعد الدين العامة، فإن النكاح عقد من العقود كالبيع والشراء، ومعلوم أن للمرأة الحرية المطلقة في بيعها وشرائها متى كانت رشيدة، فكيف يحجر عليها في عقد زواجها وهو أهم العقود التي تتطلب حرية لما يترتب عليه من مهام الأمور، فينبغي أن يقاس عقد النكاح على عقد البيع، وإن ورد ما يخالف هذا القياس وجب تخصيصه به، وهذه قاعدة أصولية. فقوله: "لا تزوج المرأة المرأة" معناه لا تزوج المرأة الكبيرة البنت الصغيرة عند وجود الولي للعصبة المقدم عليها، أو لا تزوج المرأة الصغيرة المرأة الصغيرة، وقوله: "ولا تزوج المرأة نفسها" معناه ولا تزوج الصغيرة نفسها بدون ولي، فالمراد من المرأة الأنثى الصغيرة، وهي وإن كانت عامة تشتمل الصغيرة والكبيرة إلا أنها خصت بالصغيرة لما هو معلوم من أن الكبيرة لها حق التصرف في العقود كالبيع، فيقاس النكاح على البيع، وذلك جائز في الأصول.

أما الجمهور فقالوا بالفرق بين النكاح وبين البيع، وذلك لأن المرأة لا عهد لها بمخالطة الرجال فربما خدعها غير الكفء فتتزوج بمن تتعير به عشيرتها، ويكون شراً ووبالاً على سعادتها الدنيوية، فلذا صح الحجر عليها في عقد النكاح دون غيره من العقود، لأن عقد البيع مثلاً لا يترتب عليه مثلاً هذا الشر مهما قيل فيه، وقد أجاب الحنفية عن هذا بجوابين:

الأول: أنهم قد اشترطوا الكفاءة في الزوجية كما ستعرفه، فلو تزوجت المرأة غير كفء فللأولياء أن يعترضوا هذا الزواج ولا يقروه فيفسخ، فلا تصيبهم معرة الصهر الذي لا يناسبهم، فزمام المسألة بأيديهم.

الثاني: أن المفروض كون المرأة عاقلة حسنة التصرف غير محجور عليها، ولذا كان من حقها أن تتصرف في بيعها وشرائها بدون حجر ما، فإذا قيل: إنها قد تغبن في اختيار الزوج الكفء فكذلك يقال إنها قد تغبن في بيع سلعة هامة غبناً ضاراً بها أكثر من الضرر بعقد زواج على غير الكفء، لأنه إن ثبتت عدم كفاءته فرق القاضي بينهما وينتهي الأمر، أما إذا باعت شيئاً ذا قيمة مالية وغبنت فيه غبناً فاحشاً، وهلك في يد مفلس فإنه يضيع عليها، ولا يسعها أن تتلافى ما ترتب على هذا البيع من الضرر، فتخصيص الحنفية ما ورد في هذه الأحاديث بالصغيرة قياساً لتصرف الكبيرة في النكاح على تصرفها في البيع صحيح لا اعتراض عليه بمثل هذا الذي أورده الجمهور.

*أما القرآن الكريم، فمنه قوله تعالى: {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} ووجه الدلالة في الآية أن اللّه تعالى يخاطب أولياء النساء فينهاهم عن منعهن من الزواج بمن يرضينه لأنفسهن زوجاً، فلو لم يكن لهؤلاء الأولياء حق المنع لما كان لخطابهم بمثل هذا وجه لأنه كان يكفي أن يقول للنساء: إذا منعتن من الزواج فزوجوا أنفسكن.
وقد نقل عن الشافعي رضي اللّه عنه أنه قال: إن هذه الآية أصرح آية في الدلالة على ضرورة الولي. ولكن الحنفية قد أجابوا عن هذا بجوابين، الجواب الأول منع كون الآية خطاباً للأولياء، بل هي تحتمل أن تكون خطاباً للأزواج الذين يطلقون أزواجهم، وتحتمل أن تكون خطاباً للمؤمنين عامة.

أما الأول فهو الظاهر المتبادل من لفظ الآية الكريمة، فهو سبحانه يقول لمن يطلقون نساءهم: إذا طلقتم النساء فلا تستعملوا معهن الوسائل الظالمة التي يترتب عليها منعهن من الزواج بغيركم كأن تهددوها هي أو من يريد تزوجها بقوتكم أو جاهكم وسلطانكم أو نفوذكم إن كان لكم ذلك، أو تحاولوا تنقيصها والحط من كرامتها فتنفروا منها خطيبها الذي سيكون زوجاً لها أو تؤثروا عليه أو عليها من أي ناحية من النواحي، كأن تمنعوها من حقوقها المالية إن كان لها عندكم حق أو نحو ذلك.

وأما الثاني فمعناه إذا طلقتم النساء أيها المؤمنون وأصبحن خاليات من الأزواج والعدة فلا يصح أن يقع بينكم عضلهن ومنعهن من الأزواج سواء كان ذلك المنع من قريب أو من ذي جاه ونفوذ عليها، فيفترض عليكم فرض كفاية أن تمنعوا وقوعه فيما بينكم بنهي فاعله والضرب على يده وإلا كنتم مشتركين معه في الإثم لأن عضل المرأة من الزواج منكر حرمه اللّه تعالى، والنهي عن المنكر فرض على المؤمنين، وإزالته لازمة على كل قادر حكماً كان أو غيره.

ولا تعارض بين هذا الذي ذكرناه وبين ما رواه البخاري من أن الآية نزلت في معقل بن يسار حيث كان قد زوج أخته لرجل فطلقها زوجها ثم أراد الرجوع إليها ثانياً فأبى أخوها معقل أن تعود إليه مع كونها راغبة فيه، فلما نزلت زوجها إياه لأنه يحتمل أن تكون حادثة معقل صادفت نزول الآية، و لكن الآية في ذاتها عامة على الوجه الذي بيناه. ونظير ذلك ما قاله المفسرون في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا} [سورة الحجرات]، إذ قال الفخر الرازي - وهو شافعي - : إن الآية عامة ولكنها صادفت حادثة الوليد المشهورة، ومع ذلك فإذا سلم أن الآية نزلت في حادثة أخت معقل بخصوصها فإن الخطاب فيها يجب أن يكون عاماً لكل من يعضل النساء سواء كان ولياً أو غيره، فليست مقصورة على الأولياء بلا نزاع.

الجواب الثاني: تسليم أن الآية خطاب لمعقل وغيره من أقارب المرأة بخصوصهم. ولكن ليس في الآية ما يدل على أن لهم حق الولاية على النساء مطلقاً، وإنما تدل على أن من منع منه النساء من التزوج فهو آثم لا حق له في هذا، وهذا المنع لا يلزم أن يكون مترتباً على الولاية بل هو ظاهر في أنه مترتب على ضعف النساء وعدم قدرتهن على استعمال حقهن. وبيان ذلك أن المرأة تستكين عادة لمن يكفلها أو لعاصبها القريب من أب أو أخ فتفنى إرادتها في إرادته خصوصاً في هذا الباب الذي يغلب فيه الحياء على معظم النسوة المتربيات، فلا ترى المرأة لها حقاً مع كافلها أو عاصبها فتتنازل لهما عن استعمال حقها وهي مكرهة، فالآية الكريمة تفيد أنه لا يصلح للرجال أن يستغلوا هذا الضعف فيسلبوا النساء حقوقهن الطبيعية في التزوج بالكفء الذي يرغبن فيه، وهذا يتضمن أن للمرأة الحرية في اختيار الكفء الذي تريده زوجاً لأن النهي عن منعها من الزواج يتضمن إباحة الحرية لها في الاختيار بلا نزاع، على أن قوله تعالى: {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} فيه دلالة على صحة عقد الزواج إذا باشرته المرأة، فإنه قال: {أن ينكحن} أي يتزوجن بعبارتهن، ولو كانت عبارة النساء لا تنفع فيعقد الزواج لقال: فلا تعضلوهن أن تنكحوهن أزواجهن.

الحاصل أن الآية إذا كانت خطاباً للأقرباء بخصوصهم يكون معناها لا تنتهزوا أيها الأقرباء فرصة كفالتكم للنساء وضعفهن فتسلبوا منهن حقهن الطبيعي في اختيار الزوج الكفء ومباشرتهن الزواج، فتتحكموا فيهن وتمنعوهن من استعمال ذلك الحق، وليس في هذا المعنى أية دلالة على أن لهم حق الولاية عليها.

وقد يقال: إذا كان اختيار الزوج والعقد عليه حقاً للمرأة فلماذا لم يقل لهن تعالى: زوجن أنفسكن واستعملن حقكن، فخطابه للأقرباء بقوله: {فلا تعضلوهن} دليل على أنهم أصحاب الحق في ذلك لا النساء؟ والجواب أن خطاب الأولياء بهذا يدل على معنى دقيق جليل، وهو ضرورة احترام الرابطة بين النساء وبين أهليهن الكافلين لهن، فإذا تنازلت الواحدة منهن عن حقها في هذا الموضوع احتراماً لرغبة أبيها أو أخيها أو نحوهما خوفاً من حدوث تصدع في رابطة القرابة، فإنه يكون حسناً يقره اللّه تعالى، وفي هذه الحالة لا يصلح أن يقال للنساء: استعملن حقكن واخرجن عن طاعة أوليائكن فتنقطع بذلك روابط المودة، وإنما كمال البلاغة وجمال الأسلوب أن يقال للأولياء: لا تستغلوا هذه الحالة فتتمادوا في سلب حقوقهن للنهاية، والنتيجة المترتبة على الخطابين واحدة، فإن الغرض أن لا تمنع المرأة من التزوج بمن ترغب فيه متى كان كفأً صالحاً.

ومما لا ريب فيه أن لهذين الرأيين علاقة شديدة بالحالة الاجتماعية في كل زمان ومكان، فالذين يحجرون على المرأة في عقد الزواج يرون أن النساء مهما قيل في تهذيبهن فإن فيهن جهة ضعف طبيعية بارزة، وهي خضوعهن للرجال وتأثرهن بهم، فقد تنسى المرأة عظمتها ومجدها وفضلها وتندفع في ميلها الشهوي وراء من لا يساوي شراك نعلها، وربما تجرها عاطفتها إلى التسليم لخادمها ومن دونه، وبديهي أن هذه الحالة ضررها لا يقتصر على المرأة فحسب، بل يتعداها إلى الأسرة بتمامها لأنهم يتعيرون بإدخال عنصر أجنبي فيهم لا يدانيهم في نسبهم ولا حسبهم، وربما جر ذلك إلى مأساة محزنة، فمن الواجب أن يوكل أمر اختيار الزوج للأولياء الذين يستطيعون أن يختاروا ما فيه خير المرأة وخير الأسرة مع صيانتها واحترامها، ومع هذا فإنه لا بد من رضاء المرأة في بعض الأحوال قبل أن يبرم الولي عقدها، وغير ذلك يكون اندفاعاً مع عاطفة ضعيفة يمكن التأثير عليها بوسائل مختلفة، فيترتب على ذلك شقاء المرأة وتعاسة حظها وهدم الأسرة وانحطاط كرامتها.

أما الحنفية الذين لا يرون الحجر على المرأة العاقلة البالغة فإنهم يقولون: إن قواعد الدين الإسلامي تقتضي أمرين:
الأول إطلاق الحرية لكل عاقل رشيد من ذكر أو أنثى في تصرفه.
رفع ما عساه أن يحدث من أضرار بسبب هذه التصرفات وكلا الأمرين لازم لا بد منه للحياة الاجتماعية، فالحجر على الرشيدة في أمر زواجها ينافي قواعد الإسلام العامة، فلو جعل أمر زواجها منوطاً بالولي كان حجراً بدون موجب، خصوصاً في حالة تزويجها بدون أخذ رأيها مطلقاً وهي بكر رشيدة، فإن ذلك لا يلتقي مع قواعد الدين في شيء وربما كان ضاراً في كثير من الأحيان إذ قد يكون الولي غير أب أو أخ شقيق، ولم تكن علاقته بالمرأة ودية فيتعمد معاكستها والوقوف في سبيلها بحرمانها من الكفء المناسب، وليس من السهل على المرأة إثبات العضل والشكوى للحاكم، بل ربما جر انحيازها للخاطب وشكواها للحاكم إلى عداء الأسرة، ويترتب عليه مأساة لا حد لها، وهذا كثير واقع لا يمكن الإغضاء عنه في التشريع الإسلامي المشهور بدقته وجلاله فيجب أن يناط أمر زواجها بها بشرط أن تتصرف تصرف العقلاء فلا تندفع في سبيل شهوة فاسدة فتقع على غير الكفء. فإنها إن فعلت ذلك كانت جديرة بالحجر عليها. وكان لوليها حق الاعتراض وفسخ العقد. ثم إن لها الحق في أن تكل أمر تزويجها لمن تشاء. فإذا كان لها أب أو أخ أو نحوهما من الأقربين الذين يشفقون عليها ويؤثرون راحتها ويتمنون لها السعادة كان من اللائق المقبول أن تفوض لهم وتترك لهم حقها ليتصرفوا في أمر زواجها كما يحبون. فلا تخرج عن إرادتهم ولا تحاول إحراجهم بما لا ينفعها، بل يضرها بفقد عطفهم عليها.
عندي أن كلا الرأيين لازم للحياة الاجتماعية وأن اختلاف وجهة نظر الأئمة رضوان اللّه عليهم في فهم الشريعة الإسلامية وتطبيقها يدل على أنها شريعة خالدة حقاً وأنها صالحة لكل زمان ومكان. فلا تقف في سبيلها مظلمة لفرد أو جماعة. ولا يتأذى بها أحد. فإذا ترتب على أحد الرأيين مشقة في وقت من الأوقات أو زمن من الأزمنة وجب المصير إلى الرأي الآخر. فكلا الرأيين حسن والعمل به مقبول معقول، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

وبعد فهذا نموذج من البحث في الأدلة الشرعية سنتبعه إن شاء اللّه ببحث في المسائل العامة. إذ لو جرينا على نمطه في كل مسألة لطال بنا المقال. ونخرج عن موضوعنا كما لا يخفى.

خلاصة مباحث الولي

اتفق المالكية، والشافعية، والحنابلة على ضرورة وجود الولي في النكاح فكل نكاح يقع بدون ولي أو من ينوب منابه يقع باطلاً، فليس للمرأة أن تباشر عقد زواجها بحال من الأحوال سواء كانت كبيرة أو صغيرة عاقلة أو مجنونة إلا أنها كانت ثيبة لا يصلح زواجها بدون إذنها ورضاها.

وخالف الحنفية في ذلك فقالوا: إن الولي ضروري للصغيرة والكبيرة المجنونة، أما البالغة العاقلة سواء كانت بكراً أو ثيباً فإنها صاحبة الحق في زواج نفسها ممن تشاء، ثم إن كان كفأً فذاك، وإلا فلوليها الاعتراض وفسخ النكاح.

(2) اتفق القائلون بضرورة الولي على تقسيمه إلى قسمين: ولي مجبر، وولي غير مجبر. واتفق الشافعية، والحنابلة على أن الولي المجبر هو الأب والجد، وخالف المالكية فقالوا: الولي المجبر هو الأب فقط. واتفق المالكية والحنابلة على أن وصي الأب بالتزويج مجبر كالأب. بخلاف الشافعية فإنهم لم يذكروا وصي الأب، وزاد الحنابلة أن الحاكم يكون مجبراً عند الحاجة.

(3) اتفق القائلون بالإجبار على أن الولي المجبر له جبر البكر البالغة بأن يزوجها بدون إذنها ورضاها، ولكن اختلفوا في الشروط التي يصح تزويج المجبرة بها بدون إذنها على الوجه المبين فيما مضى.

اتفقوا أيضاً على أن الثيب - وهي من زالت بكارتها بالنكاح - لا جبر عليها ولكن للولي حق مباشرة العقد، فإذا باشرته بدونه وقع باطلاً، فالولي والمرأة الثيب شريكان في العقد، فحقها أن ترضى بالزواج صراحة، وحقه أن يباشر العقد، هذا إذا كانت كبيرة بالغة، أما إذا كانت ثيباً صغيرة فهي ملحقة بالبكر البالغ فيزوجها الولي المجبر بدون إذنها ورضاها ما لم تبلغ، وخالف الحنابلة فقالوا: إن الثيب الصغيرة التي تجبر هي ما كانت دون تسع سنين، فإن بلغت تسعاً كانت كبيرة لا تجبر.

(5) اتفق المالكية، والشافعية، والحنابلة على أن الولي غير المجبر وإن كان يتوقف عليه العقد ولكن ليس له أن يباشره بدون إذن من له عليها الولاية ورضاها صريحاً إن كانت ثيباً أو ضمناً إن كانت بالغة، هذا في الكبيرة، أما الصغيرة فقد اتفقوا على أنها إذا كانت دون تسع سنين فإنه لا يجوز للولي غير المجبر زواجها بحال من الأحوال.

ثم اختلفوا بعد ذلك، فقال الملكية: إن بلغت عشر سنين وخيف عليها الفساد إن لم تتزوج فللولي أن يزوجها بإذنها. وهل لا بد من رضاها صراحة أو يكفي صمتها؟ قولان أرجحهما الثاني، ولكن يجب على الولي أن يشاور القاضي.
ورجح بعضهم أنه إذا خيف عليها الفساد فلا يشترط أن تبلغ عشر سنين بل تزوج جبراً وإن لم ترضى كما تقدم.

وقال الشافعية: لا يصح للولي أن يزوج الصغيرة التي لم تبلغ إلا إذا كان أبا أو جداً، فإن فقدا أو تركاها صغيرة فلا يجوز لأحد أن يزوجها بحال من الأحول سواء كانت ثيباً أو بكراً مادامت عاقلة، لأن الولي غير المجبر إنما يزوج الصغيرة بالإذن ولا إذن للصغيرة، أما إذا كانت مجنونة فإنه يجوز للحاكم أن يزوجها إذا بلغت وكانت محتاجة.

وقال الحنابلة: إذا بلغت الصغيرة تسع سنين كانت ملحقة بالكبيرة العاقلة، فللولي غير المجبر أن يزوجها بإذنها و رضاها، فإن كانت دون تسع فللحاكم أن يزوجها عند الحاجة.
(6) اتفق الشافعية، والحنابلة على أن حق الأولياء غير المجبرين الأب، ثم الجد. وخالف المالكية فقالوا: إن أحقهم بالولاية الابن ولو من زنا، بمعنى أن المرأة إذا تزوجت بعقد صحيح صارت ثيباً، ثم زنت وجاءت بولد يكون مقدماً على الأب والجد. أما إذا زني بها قبل أن تتزوج بعقد صحيح وجاءت من هذا الزنا فإنه لا يقدم على الأب في هذه الحالة لأن الزنا عندهم لا يرفع البكارة فيكون الأب ولياً مجبراً، والكلام في غير المجبر، ووافقهم الحنفية على أن أحق الأولياء في النكاح الابن.
وخالف الشافعية، والحنابلة فقالوا: إن أحق الأولياء الأب ثم الجد ولكن الحنابلة قالوا: إن الابن يلي الجد في الولاية. والشافعية قالوا: إنه لا ولاية للابن على أمه مطلقاً.

(7) اتفق الشافعية، والحنابلة والحنفية على أنه لا يصلح للولي الأبعد أو الحاكم أن يباشر عقد الزواج مع وجود الولي الأقرب المستكمل للشروط.
خالف المالكية فقالوا: إن الترتيب بين الأولياء مندوب لا واجب. فإذا كان للمرأة أب وابن فزوجها أبوها صح وإن كانت مرتبته بعد مرتبة الابن. وكذا إذا كان لها أخ شقيق وأخ غير شقيق فزوجها غير الشقيق مع وجود الشقيق فإنه يصح. فإذا لم ترضى المرأة بحضور أحد من أقاربها فزوجها الحاكم فإنه يصح لأنه من الأولياء. وإذا وكلت واحداً من أفراد المسلمين بحكم الولاية العامة مع وجود ولي صح إن كانت دنيئة وإلا فلا، وهذا كله في الولي غير المجبر، أما الولي المجبر فوجوده ضروري عندهم.
(8) اتفق الشافعية والمالكية والحنابلة على أن الولاية في النكاح يشترط لها الذكورة، فلا تصح ولاية المرأة على أي حال.
وخالف الحنفية في ذلك فقالوا: إن المرأة تلي أمر نكاح الصغيرة والصغير ومن في حكمهما من الكبار إذا جنَّا عند عدم وجود الأولياء من الرجال.

ولكن المالكية قالوا: تتصف المرأة بالولاية إذا كانت وصية أو مالكة أو معتقة. وهناك قول في أن الكافلة تكون ولية أيضاً ولكنها لا تباشر العقد، بل توكل عنها رجلاً يباشره.
(9) اتفقوا على أن الفسق يمنع ولاية النكاح، فمن كان فاسقاً انتقلت الولاية عنه إلى غيره.
وخالف الحنفية فقالوا: إن الذي يمنع الولاية هو أن يشتهر الولي بسوء الاختيار فيزوج من غير كفء وبغبن فاحش، وفي هذه الحالة يكون للبنت الصغيرة الحق في رد النكاح بعد أن تكبر ولو كان المزوج أباً، أما إذا كان فاسقاً حسن الاختيار، وزوجها من غير غبن وبمهر المثل وكان أباً أو جداً فإنه يصح ولا حق لها في الفسخ كما تقدم.
(10) اتفقوا على أن العدالة ليست شرطاً في الولي. خالف الحنابلة فقالوا: إن العدالة الظاهرية شرطاً في الولاية إلا في السلطان والسيد.
(11) اتفقوا على أن للولي أن يوكل عنه من ينوب منابه في عقد الزواج.

مبحث الكفاءة في الزواج

يتعلق بالكفاءة أمور: الأول تعريفها. الثاني: هل هي شرط في صحة العقد أو لا؟ الثالث: هل هي معتبرة في جانب الزوج فقط، فلو تزوج بامرأة دنيئة صح، أو معتبرة في الجانبين؟ الرابع: من له حق الفصل في أمر الكفاءة، وفي كل هذا تفصيل المذاهب )

الكفاءة في الزواج عند الحنفية

(1) (الحنفية - قالوا: في الجواب عن الأمر الأول: إن الكفاءة هي مساواة الرجل للمرأة في أمور مخصوصة، وهي ست: النسب، والإسلام، والحرفة، والحرية، والديانة، والمال.
ويعرف الأدنى نسباً بأن لا يكون من جنسها أو من قبيلتها، وذلك لأن الناس صنفان: عجم، وعرب، والعرب قسمان: قرشي، وغير قرشي، فإذا كان الزوج قرشياً وهي قرشية صح نسباً ولو اختلفوا في القبائل بأن كانت هاشمية، وهو نوفلي مثلاً. وإن كانت عربية من غير قريش فإن كان عربي يكون كفأً لها من أي قبيلة كانت ولو باهلياً.

ومن هذا تعلم أن العجمي ليس كفأً للقرشية ولا للعربية على أي حال، وأن العربي من غير قريش ليس كفأً للقرشية على أي حال. ولا يعتبر الإسلام بين العرب، فالمرأة التي لها آباء في الإسلام يكون كفأً لها الرجل العربي الذي له أب واحد، والعجمي العالم كفء للعربي الجاهل، أما العجم فإن بعضهم لبعض أكفاء، ولكن التفاوت يقع بالإسلام والحرية، فمن كان أبوه كافراً وهو مسلم فإنه ليس كفأ لمن هي مسلمة وأبواها مسلمين. ومن كان معتقاً لا يكون كفأ للحرة نفسها ولو كان أبوها معتقاً لأن مرتبتها أعلى من مرتبته، وإذا كان أبوها وجدها حرين وأبوه حر دون جده لا يكون كفألها، وكذا إذا كانا مسلمين دون جده فإنه لا يكون كفأ لها، أما إذا كان لها آباء كثيرة في الإسلام أو الحرية وهو له أبوان فقط فإنه كفء من هذه الجهة لتمام النسب بالأب والجد. فهذا هو معنى الكفاءة في النسب، والإسلام، والحرية.

وحاصله أن القرشيين بعضهم لبعض أكفاء بصرف النظر عن كونه أسلم بنفسه دون أبيه، وهي مسلمة وأبوها مسلم. وبصرف النظر عن الرق والحرية، لأن العرب لا يسترقون غالباً، أما العجم فيعتبر في أنسابهم الإسلام والحرية، ولكن ذلك مقصور على الزوجين وعلى أبيه وحده فقط، فمن كان مسلماً دون أبيه لا يكون كفأ للمسلمة هي وأبوها، ومن كان معتقاً دون أبيه لا يكون كفأ للحرة هي وأبوها، ومما لا يصح الخلاف فيه أن العالم العجمي الفقير كفء للعربي الجاهل الغني وكفء للشريفة العلوية، لأن شرف العلم فوق شرف النسب والغنى، وبذلك جزم المحقق ابن الهمام، وصحاب النهر وغيرها. وهو الصواب.

وأما الكفاءة في الحرفة فهي أن تكون حرفة أهل الزوج مكافئة لحرفة أهل الزوجة بحسب العرف والعادة، فإذا كانت حرفة الخياطة مثلاً أرقى من حرفة الحياكة بين الناس لم يكن الحائك كفأ لبنت الخياط وإلا فالعكس. فالمدار على احترام الحرفة بين الناس.

أما الكفاءة من جهة المال فقد اختلفوا فيها، فقال بعضهم: إنه يشترط أن يساويها في الغنى، وقال بعضهم: إنه يكفي أن يكون قادراً على دفع ما تعارفوا على تعجيله من مهر مثلها، فلا يلزم أن يكون قادراً على دفع الكل المعجل والمؤجل، وأن يكون معه نفقة شهر إن لم يكن محترفاً، وإن لا فإن كان يكتسب كل يوم كفايتها فإنه يكون كفأ لها في باب المال، والثاني هو ظاهر الرواية، وهو الصحيح، ولكن ينبغي أن ينظر إلى أن الحنفية لم يشترطوا الولي في المرأة اعتماداً على للولي حق التفريق إذا اختارت المرأة من لا يدانيها، فإذا فرضنا وكانت البيئة تعتبر الذي لا يملك إلا المهر ونفقة شهر ضائعاً لا قيمة له بالنسبة للمرأة الثرية لم لا اعتبار الكفاءة في المال معنى، فينبغي أن ينظر القاضي إلى المصالح الدينية نظراً جدياً وأن يقضي بما يرفع الفساد، وحينئذ لا باس أن يعمل بالرأي الأول مادامت المصلحة متعينة في العمل به، على أننا في زماننا هذا نرى الكفاءة تكاد تكون منحصرة عند الناس في باب المال، فإنه هو الذي يستطيع به الزوج أن يحفظ كرامة المرأة وكرامة أسرتها ويمنعها من التبذل والتعرض لما لا يليق بها.
ويعجبني ما قاله الأستاذ مرعي الحنبلي رحمه اللّه:
قالوا: الكفاءة ستة، فأجبتهم: * قد كان هذا في الزمان المبهم
أما بنو هذا الزمان فإنهم * لا يعرفون سوى يسار الدرهم
فالقول الأول وإن لم يصححوه ولكنه ينبغي أن يراعى في زماننا هذا.

وأما الكفاءة في الديانة فإنها تعتبر في العجم والعرب، فإذا كان فاسقاً لا يكون كفأ لصالحة بنت صالح، وإذا كانت صالحة وأبوها فاسق وزوجت نفسها من فاسق فإنه يصح، وليس لأبيها حق الاعتراض لأنه فاسق مثله، وكذا إذا كانت فاسق وأبوها صالح فزوجت نفسها من فاسق فإنه يصح، وليس لأبيها حق الاعتراض أيضاً، لأن العار الذي يلحقه ببنته أكثر من العار الذي يلحقه بصهره.

وإذا زوج الصغيرة لرجل يظنه صالحاً فتبين أنه فاسق وأبوها صالح فإن لها أن تفسخ العقد بعد البلوغ، والمراد بالفاسق المجاهر بالفسق، كالذي يسكر على قارعة الطريق، أو يذهب إلى أماكن البغاء ومواخير الفساد وأندية القمار علناً، أو يجاهر بأنه يفعل ذلك، ومن هؤلاء الشبان الذين يتركون الصلاة ويعلنون أنهم لا يصلون ولا يصومون، فإن هؤلاء ليسوا أكفاء للصالحات وبنات الصالحين، فإذا تزوجت واحداً من هؤلاء كان للولي الاعتراض وفسخ العقد.
وللولي الاعتراض إذا تزوجت بأقل من مهر المثل، ولكن العقد مع ذلك صحيح باتفاق، إنما يقول القاضي: أما أن تكمل لها مهر المثل وإما يفسخ العقد.

أما الجواب عن الثاني فإن الكفاءة شرط لنفاذ العقد ولزومه على الولي، فإذا زوجت المرأة نفسها لمن هو دونها في أمر من الأمور الستة المذكورة كان لوليها حق الاعتراض على العقد، فلا ينفذ حتى يرضى، أو يفسخه القاضي.

وأما الجواب عن الثالث فهو أن الكفاءة في الأمور المذكورة من حق الولي بشرط أن يكون عصبة، ولو كان غير محرم، كأن كان ابن عم يحل له زواجها، أما ذوو الأرحام، والأم، والقاضي فليس لهم حق في الكفاءة، ثم إذا سكت الولي عن الاعتراض حتى ولدت المرأة فإن حقه يسقط في الكفاءة، فإذا لم يعلم بالزواج حتى ولدت فالظاهر أن حقه يسقط، لأن الولادة قد أحدثت بينهما روابط تنسى معها الاعتبارات الأخرى، وأيضاً فإن للولد حقاً في الكرمة، فلا ينبغي أن يسجل عليه عار أبيه، والقواعد دائماً تقضي بمراعاة الولد خوفاً عليه من الضياع، فإذا اعترض الولي وفسخ القاضي النكاح فعادت المرأة وزوجت نفسها من غير الكفء ثانياً عاد حق الولي في الاعتراض وفسخ القاضي النكاح ثانياً، كما إذا زوجها الولي من غير كفء بإذنها فطلقها زوجها ثم زوجت نفسها منه ثانياً كان للولي حق الاعتراض ولا يكون رضاه بالزواج الأول حجة عليه في الثاني الذي لم يرض به، فإذا طلقها زوجها غير الكفء الذي رضي به الولي في الأول طلاقاً رجعياً ثم راجعها في العدة لم يكن للولي حق الاعتراض لأن العقد الأول لم يتجدد.

وبعضهم يقول إن الكفاءة شرط في صحة العقد، فيقع العقد باطلاً من أول الأمر إذا تزوجت بغير كفء وكان لها ولي ولم يرض بالنكاح قبل العقد، فإذا رضي به قبل العقد وامتنع بعده فإنه لا يعتبر، وهذا القول هو المفتى به، وهو أقرب إلى الاحتياط.
وعلى القول الأول إذا مات أحدهما قبل تفرقة القاضي يتوارثان، لأن العقد صحيح لا ينقطع إلا بفعل القاضي، وفعل القاضي في هذه الحالة فسخ لا طلاق، فإن وقعت الفرقة قبل الدخول فلا شيء لها من المهر، وإن وقعت بعده كان لها المسمى لا مهر المثل، وكذا لها المسمى بالخلوة الصحيحة، وعليها العدة، ولها نفقة العدة ولها أن تمكنه من الوطء، ولها أن لا يمكنه وأما على المفتى به فإنه لا يترتب عليه شيء من ذلك، ويحرم على المرأة أن تمكنه من الوطء لأن العقد باطل لا انعقاد له.

وعلى هذا فلو تزوجت امرأة مطلقة ثلاث طلقات بزوج غير كفء من غير رضا الولي، ثم طلقها فإنها لا تحل للزوج الأول لأن العقد وقع باطلاً، فكأنه لم يكن. أما إذا لم يكن لها ولي أو كان ورضي قبل العقد فإنها تحل لزوجها الأول بعد طلاقها من الثاني غير الكفء باتفاق.
وإذا كان لها أولياء متساوون في الدرجة ورضي بعضهم صح سقط حق الباقين في الاعتراض وإن كان الحق للأقرب دون غيره، فإن لم يكن لها أولياء من العصب صح العقد ونفذ على أي حال.

وهل يشترط أن ينطق الولي بالرضاء أو يكفي سكوته؟ الجواب: أن سكوته قبل ولادتها وقبل أن يظهر حملها لا يكون رضاً كما تقدم، فلا يسقط حقه إلا إذا صرح بالرضا، وأيضاً لا بد أن يعلم بعين الزوج، فإذا رضي بزوج مجهول لا يصح إلا إذا أسقط حقه بأن قال لها: رضيت بما تفعلين، أو رضيت بمن تزوجين منه نفسك، أو افعلي ما تحبين، أو نحو ذلك.
هذا في أنواع الكفاءة المذكورة، أما العيوب التي توجد في الزوج ويفسخ بها العقد، كالجذام والجنون، والبرص، والبخر، ونحو ذلك مما سيأتي، فإنها من حق الزوجة وحدها فلها طلب التفريق والفسخ دون الولي.
وهل العقل معتبر في الكفاءة أو لا؟ قالوا: لا نص فيه عن المتقدمين، أما المتأخرون فمختلفون فيه، والصواب أن المجنون لا يكون كفأً للعاقلة، وللولي حق الاعتراض والفسخ، لأن الجنون يترتب عليه من الفساد والشر ما لا يترتب على غيره، بل قد يتعير الناس بالمجنون أكثر مما يتعيرون بالفقير.

أما قبح المنظر فليس بعيب، فإذا كانت جميلة وهو قبيح المنظر فليس لها ولا لوليها حق المطالبة بالفسخ.
وأما الجواب عن الأخير فهو أن الكفاءة معتبرة في جانب الرجل لا في جانب المرأة، فللرجل أن يتزوج من يشاء ولو أمة أو خادمة، لأن الناس لا يتعيرون بافتراش الأمة والمرأة الدنيئة، وقد جرى العرف على ذلك في كل زمان ومكان، نعم يعتبر الكفاءة في المرأة بالنسبة للغلام الصغير إذا زوجه والده ممن هي دونه، فإن له حق الفسخ بعد البلوغ كما تقدم.

الكفاءة في الزواج عند المالكية

المالكية - قالوا: الكفاءة في النكاح المماثلة في أمرين: أحدهما التدين بأن يكون مسلماً غير فاسق، ثانيهما السلامة من العيوب التي توجب للمرأة الخيار في الزوج، كالبرص، والجنون، والجذام، والثاني حق المرأة لا الولي.
أما الكفاءة في المال، والحرية. والنسب، والحرفة فهي معتبرة عندهم، فإذا تزوج الدنيء - كالمسلماني - شريفة فإنه يصح، وإذا تزوج الحمال أو الزبال، شريفة أو ذات جاه فإنه يصح، وهل العبد كفء للحرة؟ قولان مرجحان، وبعضهم يفصل فيقول: إن كان الرقيق أبيض يكون كفأً، وإن كان أسود فلا لأنه يتعير به.

ثم إن الكفاءة تعتبر في اليتيمة التي زوجها ولي غير مجبر عند خوف الفساد بالشروط المتقدمة فإن من بين هذه الشروط أن تزوج من كفء، فلا يصح زواجها من فاسق شريب، أو زانٍ، أو نحوهما، ولا من زوج به عيوب منفرة، بل لا بد من أن يكون مساوياً لها في أوصاف الكمال، وأن يكون الصداق مهر مثلها. قالوا: فإذا زوجت من غير مراعاة الكفاءة ونحوها من الشروط فسخ العقد إن لم يدخل بها الزوج، أو دخل بها ولكن لم يطل الزمن، أما إذا دخل وطال الزمن بأن مضى عليها ثلاث سنين أو ولدت ولدين في زمنين مختلفين لا في بطن واحدة فإنه لا يفسخ، وهذا هو المشهور. وقيل: يفسخ مطلقاً.

وكذا إذا زوج الحاكم امرأة غير رشيدة غاب عنها وليها فإنه لا يجوز له أن يزوجها إلا بعد أن يثبت لديه أن الزوج كفء لها في الدين والحرية والحال ومهر المثل على الوجه الذي بيناه، أما الرشيدة المالكة أمر نفسها فإنه يزوجها بدون أن يثبت عنده ذلك لأنها هي صاحبة الحق فيه، فلها إسقاطه متى رضيت بالزوج، على أنهم قالوا: إذا زوج الحاكم غير الرشيدة من غير بحث فإن العقد يصح ما لم يبطله شيء آخر.

ومع هذا فإن للولي وللزوجة ترك الكفاءة في الدين والحال، فتتزوج من فاسق بشرط أن يكون مأموناً عليها. فإن لم يكن مأموناً عليها رده الحاكم وإن رضيت به حفظاً للنفوس، وإذا رضي الولي بغير كفء فطلقها ثم أراد أن يرجع لها ثانياً ورضيت به فليس للولي الامتناع ثانياً.
وإذا أراد الأب أن يزوج ابن أخيه الفقير ابنته الموسرة، فهل لأمها الاعتراض أو لا ؟ خلاف في هذه المسألة، وقواعد المذهب تفيد أن ليس لها اعتراض إلا إذا خيف عليها الضرر.

الكفاءة في الزواج عند الشافعية

الشافعية - قالوا: الكفاءة أمر يوجب عدمه عاراً. وضابطها مساواة للزوجة في كمال أو خسة ما عدا السلامة من عيوب النكاح، فإن المساواة فيها لا توجب أن يكون كل منهما كفأً لصاحبه فإن كان كل منهما أبرص، أو مجذوماً كان لكل منهما حق طلب الفسخ، ولا يقال: إنهما متساويان في العيب، لأن الإنسان يكره من غيره ما لا يكره من نفسه.

وتعتبر الكفاءة في أنواع أربعة: النسب. والدين. والحرية. والحرفة، فأما النسب صنفان: عربي، وغير عربي - وهو الأعجمي - والعربي قسمان: قرشي، وغير قرشي، فالقرشيون أكفاء لبعضهم بعضاً، إلا إذا كانوا من بني هاشم، وعبد المطلب، فإن غيرهم من قريش ليس كفأً لهم، وباقي العرب ليسوا أكفاء لقريش، ولكنهم أكفاء لبعضهم بعضاً، والعجم ليسوا أكفاء للعرب ولو كانت أمهاتهم من العرب.
ثم إن المرأة إذا كانت تنتسب إلى شخص تشرف به وجب أن يكون
الزوج منتسباً إلى مثل هذا الشخص سواء كانا من العجم أو من العرب.

وحاصله أن الكفاءة تعتبر أولاً في النوع بمعنى أن العرب نوع، والعجم نوع، ثم ينقسم العرب إلى قرشيين وغيرهم فالقرشيون أفضلهم، على أن بينهما تفاوتاً أيضاً، وهو أن بني هاشم والمطلب أفضل من الباقين، ومتى تحققت الكفاءة في النوع لزم أن تتحقق أيضاً في شخص الزوجين فإذا كانت الزوجة منتسبة إلى شخص تشرف به وجب أن يكون الزوج كذلك منتسباً إلى مثل من تنسب إليه، والعبرة في النسب للآباء لا للأمهات، إلا في بنات فاطمة رضي اللّه عنها، فإنهن منسوبات إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم، وهن أرقى الأنواع من عرب وعجم.
( يتعلق بالكفاءة أمور: الأول تعريفها. الثاني: هل هي شرط في صحة العقد
وما قيل في العرب يقال في العجم، فيقال: الفرس مثلاً أفضل من النبط، وبنو إسرائيل أفضل من القبط، فإذا كانت المرأة تنتسب إلى عظيم وجب أن يكون الرجل مثلها منتسباً إلى عظيم مكافئ، وقيل: لا يعتبر هذا التفاوت في العجم.

وأما الدين فإنه ينبغي أن يكون الرجل مساوياً للمرأة في العفة والاستقامة، فإن كان فاسقاً بالزنا فإنه لا يكون كفأً للعفيفة حتى ولو تاب وحسنت توبته، لأن التوبة من الزنا لا تمحو عار السمعة السيئة وإن كان فاسقاً بغير الزنا، كالخمر، والزور ثم تاب، فقيل يكون كفأً للمستقيمة وقيل: لا، وبه أفتى بعضهم، أما إذا كانت فاسقة مثله فإنه يكون كفأً، كزانية لزانٍ، فإن زاد فسقه أو اختلف نوعه فإنه لا يكون كفأً لها، وإذا كان محجوراً عليه لسفه فإنه ليس كفأً للرشيدة.

يعتبر في الدين إسلام الآباء، فمن كان أبوها مسلماً لا يكون كفأ لها من أبوه غير مسلم، ومن له أبوان في الإسلام لا يكون كفأ لمن لها ثلاثة آباء، ويستثنى من ذلك الصحابي، فإنه كفء للتابعية وإن كانت لها آباء أكثر لنص الحديث وهو أن الصحابة أفضل من غيرهم.
وأما الحرية فإن كان فيه شائبة رق لا يكون كفأ للسليمة ويعتبر في ذلك الآباء لا الأمهات، فمن ولدته رقيقة ليس كفأ لمن ولدتها عربية.
وأما الحرفة. فإن أرباب الحرف الدنيئة في العرف، كالكناس، والحجام، والحارس، ومكيسي الحمام ويسمى بالبلان ليس كفأ لصاحبة الحرفة الشريفة، كالخياطة أو من أبوها خياط، أو صانع كهرباء، أو نحو ذلك من المهن الشريفة، وصاحب المهنة ليس كفأ لبنت التاجر، وابن التاجر ليس كفأ لبنت العالم أو القاضي نظر للعرف في ذلك.

أما المال فإنه لا يعتبر في الكفاءة، فإذا تزوج الفقير غنية كان كفأ لها، ولا يقابل بعض هذه الخصال ببعض، مثلاً إذا كانت المرأة حرة فاسقة، والرجل رقيقاً صالحاً فإنه لا يصح أن يقابل الرق بالفسق فيتساقطا، وكذلك إذا كانت عربية فاسقة، والرجل أعجمي صالح فإنه لا تقابل أعجميته بفسقها، وهكذا.

وهي شرط لصحة النكاح حيث لا رضا، وهي من حق المرأة والولي معاً، فإذا لم يرضيا بالزوج الذي لم تتوفر فيه الكفاءة على الوجه المتقدم لا يصح العقد، وقد تقدم أنها شرط لصحة عقد الولي المجبر، فإذا زوج الأب ابنته جبراً اشترط أن يزوجها من كفء، فإذا رضيت صح، وسقط حقها، ولكن الرضا بغير الكفء يشترط فيه النطق والكلام إذا كانت المرأة ثيباً، فإن كانت بكراً، فقيل: يكفي سكوتها مطلقاً، سواء كان مزوجها مجبراً أولا، وقيل: لا يكفي إذا كان غير مجبر، بل لا بد من نطقها وتصريحها بالرضا.
ثم إن الحق للمرأة ولوليها الأقرب لا الأبعد، ويشتركان في الأنواع المتقدمة ما عدا الجب. والعنة، فإن هذا العيب من حق المرأة وحدها، فإذا رضيت بزوج مجنون، أو عنين ولم يرض الولي صح ولا عبرة برضاه، لأن هذا شيء يختص بها دونه، ثم إذا رضيت بزوج وهي تظن أنه كفء فبان أنه رقيق وهي حرة، أو به عيب فإن لها الحق في الخيار، وللولي حق الاعتراض، ولا يضره مباشرة العقد، وإنما يسقط حقهما إذا علما بالغيب ورضيا.
هذا، والكفاءة معتبر من جانب الزوجة، أما الزوج فله أن يتزوج الأمة والخادمة. لأن الناس لا يتعيرون بافتراش من هي أدنى منهم، ويصح أن يزوج الأب غلامه الصغير امرأة لا تكافئه، ولكن يثبت له الخيار بعد البلوغ، على أنه لا يصح له أن يزوجه أمه، أو عجوزاً شرهاء أو عمياء، وإن كان ذلك ليس بعيب يفسخ.

الكفاءة في الزواج عند الحنابلة

الحنابلة - قالوا: الكفاءة هي المساواة في خمسة أمور: الأول الديانة، فلا يكون الفاجر الفاسق كفأ للصالحة العدل العفيفة، لأنه مردود الشهادة والرواية، وذلك نقص في إنسانيته. والثاني: الصناعة، فلا يكون صاحب الصناعة الدنيئة كفأ لبنت صاحب الصناعة الشريفة، فالحجام والزبال لا يكونان كفأ لبنت التاجر والبزاز الذي يتجر في القماش. الثالث: اليسار بالمال بحسب ما يجب لها من المهر والنفقة، فلا يكون المعسر كفأ للموسرة، وضبط بأن لا تتغير حالها عنده عما كانت عليه في بيت أبيها. الرابع: الحرية، فلا يكون العبد والمبعض كفأ للحرة. الخامس: النسب فلا يكون العجمي - وهو ليس من العرب - كفأ للعربية، فإذا زوجها الولي من غير كفء وبغير رضاها كان آثماً، ويفسق به الولي).


EmoticonEmoticon