Monday, February 11, 2013

المرادُ من الذكر حضورُ القلب

المرادُ من الذكر حضورُ القلب


كتاب الأذكار للنووي

المحتويات

فصل‏:‏ وينبغي أن يكون الموضعُ الذي يذكرُ فيه خالياً‏(17)‏نظيفاً (18)
، فإنه أعظمُ في احترام الذكر المذكور، ولهذا مُدح الذكرُ في المساجد والمواضع الشريفة‏.‏ وجاء عن الإمام الجليل أبي ميسرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ لا يُذكر اللّه تعالى إلاَّ في مكان طيّب‏.‏ وينبغي أيضاً أن يكون فمه نظيفاً، فإن كان فيه تغيُّر أزاله بالسِّواك، وإن كان فيه نجاسة أزالها بالغسل بالماء، فلو ذكر ولم يغسلها فهو مكروهٌ ولا يَحرمُ، ولو قرأ القرآن وفمُه نجسٌ كُره، وفي تحريمه وجهان لأصحابنا‏:‏ أصحُّهما لا يَحرم‏.‏

فصل‏:‏ اعلم أن الذكر (19)‏ محبوبٌ في جميع الأحوال إلا في أحوال وردَ الشرعُ باستثنائها نذكرُ منها هننا طرفاً، إشارة إلى ما سواه مما سيأتي في أبوابه إن شاء اللّه تعالى‏‏.‏‏ فمن ذلك أنه يُكره الذكرُ حالةَض الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجِماع، وفي حالة الخُطبة لمن يسمعُ صوتَض الخطيب، وفي القيام في الصلاة، بل يشتغلُ بالقراءة، وفي حالة النعاس‏‏.‏‏ ولا يُكره في الطريق ولا في الحمَّام، واللّه أعلم‏‏.‏‏

فصل‏:‏ المرادُ من الذكر حضورُ القلب، فينبغي أن يكون هو مقصودُالذاكر فيحرص على تحصيله، ويتدبر ما يذكر، ويتعقل معناه‏.‏ فالتدبُر في الذكر مطلوبٌ كما هو مطلوبٌ في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود، ولهذا كان المذهبُ الصحيح المختار استحباب مدَّ الذاكر قول‏:‏ لا إله إلا اللّه، لما فيه من التدبر، وأقوالُ السلف وأئمة الخلف في هذا مشهورة، واللّه أعلم‏)‏محبوبٌ في جميع الأحوال إلا في أحوال وردَ الشرعُ باستثنائها نذكرُ منها هننا طرفاً، إشارة إلى ما سواه مما سيأتي في أبوابه إن شاء اللّه تعالى‏.‏ فمن ذلك أنه يُكره الذكرُ حالةَض الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجِماع، وفي حالة الخُطبة لمن يسمعُ صوتَض الخطيب، وفي القيام في الصلاة، بل يشتغلُ بالقراءة، وفي حالة النعاس‏.‏ ولا يُكره في الطريق ولا في الحمَّام، واللّه أعلم‏.‏

فصل‏:‏ ينبغي لمن كان له وظيفةٌ من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عقب صلاة أو حالة من الأحوال ففاتته أن يتداركها ويأتي بها إذا تمكن منها ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرّضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سَهُلَ عليه تضييعها في وقتها‏.‏
وقد ثبت في صحيح مسلم‏)‏ (20) ، عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏
‏"‏مَنْ نامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شيءٍ مِنْهُ فقرأهُ ما بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وَصلاة الظُّهْرِ كُتب له كأنما قرأه من اللَّيل‏"‏‏.‏

فصل‏:‏ في أحوال تعرضُ للذاكر يُستحبّ له قطعُ الذكر بسببها ثم يعودُ إليه بعد زوالها‏:‏ منها إذا سُلِّم عليه ردّ السلام ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا عطسَ عنده عاطشٌ شمَّته ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا سمع الخطيبَ، وكذا إذا سمع المؤذّنَ أجابَه في كلمات الأذان والإقامة ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا رأى منكراً أزاله، أو معروفاً أرشد إليه، أو مسترشداً أجابه ثم عاد إلى الذكر، كذا إذا غلبه النعاس أو نحوه‏.‏ وما أشبه هذا كله‏.‏

فصل‏:‏ اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها، واجبةً كانت أو مستحبةً لا يُحسبُ شيءٌ منها ولا يُعتدّ به حتى يتلفَّظَ به بحيثُ يُسمع نفسه إذا كان صحيح السمع لا عارض له‏.‏

فصل‏:‏ اعلم أنه قد صنَّف في عمل اليوم والليلة‏(21) جماعةٌ من الأئمة كتباً نفيسة، رَووا فيها ما ذكروه بأسانيدهم المتصلة، وطرَّقُوها من طرق كثيرة، ومن أحسنها ‏"‏عمل اليوم والليلة‏"‏ للإِمام أبي عبد الرحمن النسائي، وأحسن منه وأنفس وأكثر فوائد كتاب ‏"‏عمل اليوم والليلة‏"‏ لصاحبه الإمام أبي بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السنيّ رضي اللّه عنهم‏.‏ وقد سمعتُ أنا جميعَ كتاب ابن السني على شيخنا الإمام الحافظ أبي البقاء خالد بن يوسف (22)
بن سعد بن الحسن رضي اللّه عنه، قال‏:‏ أخبرنا الإمام العلامة أبو اليَمن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن الكِنْدي سنة اثنتين وستمائة، قال‏:‏ أخبرنا الشيخ الإِمام أبو الحسن سعد الخير محمد بن سَهْل الأنصاريّ، قال‏:‏ أخبرنا الشيخُ الإِمام أبو محمد عبد الرحمن بن سعد بن أحمد بن الحسن الدُّوني، قال‏:‏ أخبرنا القاضي أبو نصر أحمدُ بن الحسين بن محمد بن الكسَّار الدَّينوري، قال‏:‏ أخبرنا الشيخ أبو بكر أحمدُ بن محمد بن إسحاق السُّني رضي اللّه عنه‏.‏ وإنما ذكرتُ هذا الإسناد هنا لأني سأنقلُ من كتاب ابن السني إن شاء اللّه تعالى جُملاً، فأحببتُ تقديمَ إسناد الكتاب، وهذا مستحسنٌ عند أئمة الحديث وغيرهم، وإنما خصصتُ ذكر إسناد هذا الكتاب لكونه أجمع الكتب في هذا الفنّ، وإلا فجميعُ ما أذكرهُ فيه لي به رواياتٌ صحيحةٌ بسماعات متصلة بحمد اللّه تعالى إلا الشاذّ النادر، فمن ذلك ما أنقلُه من الكتب الخمسة التي هي أصول الإسلام، وهي‏:‏ الصحيحان للبخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، ومن ذلك ما هو من كتب المسانيد والسنن كموطأ الإمام مالك، وكمسند الإمام أحمد بن حنبل، وأبي عَوانة، وسنن ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي وغيرها من الكتب، ومن الأجزاء مما ستراه إن شاء اللّه تعالى، وكلُّ هذه المذكورات أرويها بالأسانيد المتصلة الصحيحة إلى مؤلفها، واللّه أعلم‏.‏

فصل‏:‏ اعلم أن ما أذكرهُ في هذا الكتاب من الأحاديث أُضيفه إلى الكتب المشهورة وغيرها مما قدّمتُه، ثم ما كان في صحيحي البخاري ومسلم أو في أحدهما أقتصرُ على إضضافته إليهما لحصول الغرض وهو صحته، فإن جميعَ ما فيهما صحيح، وأما ما كان في غيرهما فأُضيفُه إلى كتب السنن وشبهها مبيِّناً صحته وحسنه أو ضعفه إن كان فيه ضعفٌ في غالب المواضع، وقد أغفلُ عن صحته وحسنه وضعفه‏.‏
واعلم أن سنن أبي داود من أكبر ما أنقلُ منه، وقد روينا عنه أنه قال‏:‏ ذكرتُ في كتابي‏:‏ الصحيح وما يُشبهه ويُقاربه، وما كان فيه ضعف شديد بيّنته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضُها أصحّ من بعض‏.‏ هذا كلام أبي داود، وفيه فائدة حسنة يحتاجُ إليها صاحب هذا الكتاب وغيرُه، وهي أن ما رواه أبو داود في سننه ولم يذكر ضعفَه فهو عنده
صحيح أو حسن، وكلاهُما يُحتجّ به في الأحكام، فكيف بالفضائل‏.‏ فإذا تقرّر هذا فمتى رأيتَ هنا حديثاً من رواية أبي داود وليس فيه تضعيف، فاعلم أنه لم يضعِّفْه‏(23)
، واللّه أعلم‏.‏

وقد رأيتُ أن أُقدِّم في أوّل الكتاب باباً في فضيلة الذكر مطلقاً أذكر فيه أطرافاً يسيرة توطئةً لما بعدها، ثم أذكرُ مقصود الكتاب في أبوابه، وأختمُ الكتابَ إن شاء اللّه تعالى بباب الاستغفار تفاؤلاً بأن يختم اللّه لنا به، واللّه الموفِّق، وبه الثقة، وعليه التوكل والاعتماد، وإليه التفويضُ والاستناد‏.


EmoticonEmoticon